← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويتعلّقُ به دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ، ويُسَمَّى معرفة السنة دِرَايةً. فتُشترط معرفةُ المجتهدِ للسنةِ النبويةِ: روايةً، ودِرَايةً. أولًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ روايةً. مِن المعلومِ أنَّ السنةَ النبويةَ متى ما كانت ثابتةً، فهي حجةٌ (١)؛ ولذا فإنَّ المجتهدَ يحتاجُ إلى التمييزِ بين السننِ والأحاديثِ صحةً وضعفًا (٢). وحتى يُحقق المجتهدُ هذه الوظيفةَ، لا بُدَّ له مِنْ معرفةِ أحوالِ الرواةِ، فيعرف الرواةَ الذين تُقبل روايتهمٍ، والرواةَ الذين تُرَدُّ روايتهم؛ ليتمكنَ مِن الحكمِ على الحديثِ صحةً وضعفًا (٣). ولا يُشترطُ أنْ يكونَ حافظًا لأحوالِ الرواةِ عنْ ظهرِ قلبٍ، بل المعتبرُ أنْ يتمكنَ مِنْ معرفةِ حالِ الراوي بالنظرِ في كتبِ الرجالِ، متى احتاجَ إلى تحقيقِ الحكمِ على أيِّ حديثٍ (٤). ولا يُشترطُ أيضًا: أنْ يبلغَ في معرفةِ الأسانيدِ، وأحوالِ الرجالِ درجةَ أئمة الحديث، كابنِ معينٍ (٥) وسفيانَ الثوري (٦) والبخاري ومسلمٍ وغيرِهم،

стр. 177

إنَّما يكفيه أنْ يُعَوّلَ على أهلِ هذا الشأنِ (١). ولا يظهرُ لي مانعٌ مِنْ أخذِ المجتهدِ الحكمَ على الحديثِ مِنْ أحدِ الأئمةِ الذين يثقُ بهم في صناعةِ الحديث. ثانيًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ دِرَايةً. كما تقدم القولُ فيما يحتاجهَ المجتهدُ في النظرِ في القرآنِ الكريمِ: عامِّه وخاصِّه، مطلقِه ومقيدِه، مجملِه ومفصلِه ... كذلك القولُ هنا: يحتاجُ المجتهدُ إلى النظرِ في السنةِ المطهرةِ، عامّها وخاصّها، مطلقِها ومقيّدِها، مجملِها ومفصلِها، منطوقِها ومفهومِها، ناسخها ومنسوخها، ومعاني ألفاظها (٢). يقولُ أبو المظفرِ السمعاني: "إذا عَرَفَ مِن الله ما يعلمُ به مرادَ الله تعالى، ورسولِه ﷺ مِن الكتابِ والسنةِ في الخطابِ الواردِ فيهما، وعَرَفَ مواردَ الخطاب، ومصادرَه مِن الكتابِ والسنةِ، مِن الحقيقةِ والمجازِ، والأمرِ والنهي، والعامِّ والخاصِّ، والمجملِ والمفصلِ، والمنطوقِ والمفهومِ، والمطلقِ والمقيدِ، وعَرَفَ الناسخَ والمنسوخَ، وعَرَفَ أحكامَ النسخِ: فهذا القدرُ كافِ" (٣).

стр. 178

ويتصل باشتراطِ معرفةِ السنةِ النبويةِ عدّة مسائل، منها: المسألة الأولى: القدرُ الواجبُ معرفته من السنةِ النبويةِ. لا تُشترطُ الإحاطةُ بالسنةِ النبويةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ وإلا لو قيلَ باشتراطِ الإحاطةِ بالسنةِ، لأدَّى ذلك إلى عدمِ وجودِ مجتهدٍ (١). يقولُ أبو بكرٍ الجصاص: "ولو كانَ ذلك - أيْ: إحاطة المجتهد بالسنة - شرطُ جوازِ الاجتهادِ، لما جازَ لأحدٍ مِن القائسين بعد النبي ﷺ أنْ يجتهدَ؛ لفقدِ علمِه بالإحاطةِ لهذه الأصولِ" (٢). وأيضًا: فقد اجتهدَ الصحابةُ ﵃ في وقائعَ متعددة، مع عدمِ إحاطتِهم بجميعِ ما جاءَ عن النبي ﷺ (٣). المسألة الثانية: اقتصارُ المجتهدِ على معرفةِ أحاديثِ الأحكامِ. اتفق الأصوليون على أنَّ مِنْ شروطِ الاجتهادِ معرفةَ أحاديثِ الأحكامِ، واختلفوا في اشتراطِ معرفةِ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ، كالقصص والمواعظ، على قولين: القول الأول: لا تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ. ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمهورُ الأصوليين، كإمامِ الحرمينِ الجويني (٤)، وأبي حامدٍ الغزالي (٥)، والفخر الرازي (٦)، وصفَي الدين الهندي (٧)، وعبد العزيز البخاري (٨)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (٩)، وجمالِ الدين

стр. 179

الإسنوي (١)، والمرداوي (٢). القول الثاني: تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في الأحكام، والأحاديثِ الواردةِ في غيرِها. وهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ شهابِ الدين القرافي (٣)، واختاره عددٌ مِن العلماءِ، منهم: الشوكانيُّ (٤)، والشيخُ محمد الخضر حسين (٥). وقد بيَّن الشوكانيُّ القدرَ المطلوبَ مِن المجتهدِ في معرفةِ السنةِ بقولِه: "الحقُّ الذي لا شكَّ فيه ولا شبهةَ، أنَّ المجتهدَ لا بُدَّ أنْ يكونَ عالمًا بما اشتملتْ عليه مجاميعُ السنةِ التي صنّفها أهلُ الفنِّ، كالأمهاتِ الستِّ، وما يلتحقُ بها؛ مُشْرِفًا على ما اشتملتْ عليه المسانيدُ والمستخرجاتُ، والكتب التي التزمَ مصنفوها الصحةَ" (٦). وما ذكرتُه تحت مسألةِ: (هل تشترط معرفة القرآن الكريم كله لبلوغ رتبة الاجتهاد؟ ) من أدلة ومناقشات، تُذكرُ هنا. المسألة الثالثة: اشتراطُ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ. تكادُ تتفقُ كلمةُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ

стр. 180

بألفاظِها، وإنْ كان حفظُها أحسنَ وأتمَّ. وممَّنْ نصَّ على عدمِ اشتراطِ الحفظِ: أبو حامدٍ الغزالي (١)، والفخرُ الرازي (٢)، وعبد العزيز البخاري (٣)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (٤)، وجمالُ الدين الإسنوي (٥)، والشوكانيُّ (٦). يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: "ظاهرُ كلامِهم - أيْ: كلام العلماء - أنَّه لا يُشترطُ حفظُ السننِ بلا خلافٍ" (٧). وعلّةُ عدمِ اشتراطِ حفظِ السنةِ النبويةِ، صعوبتُه وعسرُه (٨). ويُشترطُ في هذا المقامِ: أنْ يتمكنَ المجتهدُ مِن استخراجِ الحديثِ مِنْ مواضعِه ومظانِّه عند الحاجة إلى ذلك (٩). وقد ذَكَرَ أبو حامدٍ الغزالي (١٠)، والفخرُ الرازي (١١) - وهما مِن

стр. 181

القائلين باشتراطِ معرفةِ أحاديثِ الأحكامِ - أنَّ المجتهدَ يكفيه أنْ يكونَ عنده أصلٌ مُصَححٌ لجميعِ الأحاديثِ المتعلقةِ بالأحكام، كـ (السننِ) لأبي داود، وكتابِ (معرفة السنن والآثار) لأبي بكرٍ البيهقي (١)، ويكفيه أنْ يعرفَ موقعَ كلِّ بابٍ، فيراجعه وقتَ الحاجةِ. وقد انتقدَ بعضُ العلماءِ التمثيلَ بسننِ أبي داودَ؛ من وجهين: الوجه الأول: أنَّ كتابَ (السنن) لأبي داودَ لم يستوعب الأحاديثَ الصحيحةَ. يقولُ محيي الدّينِ النووي (٢): "لا يصحُّ التمثيلُ بسننِ أبي داودَ؛ فإنَّه لم يستوعب الصحيحَ مِنْ أحاديثِ الأحكامِ ولا معظمه، وذلك ظاهرٌ، بلْ معرفتُه ضروريةٌ لمَنْ له أدنى اطلاع، وكم في: صحيحِ البخاري ومسلمٍ مِنْ حديثٍ حُكْمِي ليس في سننِ أبي داودَ؟ ! وأمَّا ما في كتابي: الترمذي

стр. 182

والنسائي وغيرِهما مِن الكتبِ المعتمدةِ، فكثرتُه وشهرتُه غَنِيّةٌ عن التصريحِ بها" (١). الوجه الثاني: أنَّ في (السننِ) لأبي داودَ مِن الأحاديثِ ما لا يحتجُّ به في الأحكامِ الشرعيةِ؛ لضعفِه (٢). الشرط الثالث: معرفة الناسخِ والمنسوخِ. ممَّا يتصلُ بالشرطينِ السابقينِ: معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ مِن الكتابِ الكريمِ، والسنةِ النبويةِ في نصوصِ الأحكامِ (٣). والمرادُ بهذا الشرطِ: أنْ يعرفَ المجتهدُ أنَّ هذا الحكمَ بعينِه ناسخٌ، وهذا الحكمَ بعينِه منسوخٌ، لا معرفةَ حقيقةِ النسخِ وأحكامِه؛ لأن ذلك مِنْ علمِ أصولِ الفقهِ (٤)، وسيأتي اشتراطُه بعد قليلٍ. ولا يشترطُ أنْ يحفظَ المجتهدُ الآياتِ والأحاديثَ المنسوخةَ، بل المشروطُ: أنْ يعلمَ المجتهدُ متى ما استنبطَ حُكمًا مِنْ كتابِ الله أو سنةِ رسولِه ﷺ ، أن الآيةَ والحديثَ ليسا مِنْ جُملةِ المنسوخِ (٥). والإحاطةُ بالآياتِ والأحاديثِ المنسوخةِ يسيرةٌ (٦). وشرطُ معرفةِ الناسخِ والمنسوخِ يعمُّ الكتابَ الكريمَ، والسنةَ النبويةَ. لكنْ قَصَرَ الفخرُ الرازي الشرطَ الثالثَ على القرآنِ الكريمِ، فقال: "فأمَّا العِلْمَانِ المتممانِ، فأحدهما: يتعلقُ بالكتابِ، وهو عِلمُ الناسخِ والمنسوخِ" (٧).

стр. 183

وما ذكرُه متعقّبٌ؛ فليسَ النسخُ مختصًا بالكتابِ الكريمِ، بلْ يقع في الكتابِ، وفي السنةِ النبويةِ، أيضًا (١). دليلُ اشتراطِ معرفةِ الناسخِ والمنسوخِ: أنَّ الحُكمَ المنسوخَ بَطَلَ العملُ به بنسخِه، وصارَ العملُ بالناسخ، وقد تُفْضِي عدمُ معرفةِ المجتهدِ بالناسخِ من المنسوخِ إلى العملِ بالحُكمِ المنسوخِ، وتركِ الناسخِ (٢). الشرط الرابع: معرفةُ سببِ نزولِ الآيةِ، وسببِ ورودِ الحديثِ. مِن الشروطِ المعتبرةِ في المجتهدِ: معرفةُ سببِ نزولِ الآيةِ، وسببِ ورودِ الحديثِ (٣). إذا نَظَرَ المجتهدُ في آيةٍ مِنْ آياتِ الأحكامِ، لزمه العلمُ بسببِ نزولها، إنْ كانَ لها سببُ نزولٍ (٤)؛ لما في معرفةِ سببِ النزولِ مِنْ أثرٍ في معرفةِ المرادِ بالآيةِ، وما يتعلق بها مِنْ تخصيصٍ أو تعميمٍ (٥). ويؤكِّدُ أبو إسحاقَ الشاطبي على أهميةِ معرفةِ أسبابِ النزولِ لمَنْ أرادَ فهمَ القرآنِ على الوجهِ الصحيحِ، فيقول: "الجهلُ بأسبابِ التنزيلِ مُوقعٌ في الشبهِ والإشكالاتِ، ومُوْرِدٌ للنصوص الظاهرةِ مَوْرِد الإجمالِ حتى يقعَ الاختلافُ، وذلك مظنّة وقوعِ النزاعِ" (٦). وإذا نَظَرَ المجتهدُ في حديثٍ مِنْ أحاديثِ الأحكام، لزمه معرفةُ سببِ ورودِه، إنْ كانَ له سببُ ورودٍ (٧)؛ للعلةِ ذاتِها المذكورةِ في معرفةِ سببِ نزولِ الآيةِ.

стр. 184

الشرط الخامس: معرفةُ المسائلِ المجمعِ عليها. يحتاجُ المجتهدُ قبلَ النظرِ في المسألةِ؛ ليجتهدَ فيها: أنْ يعلمَ أهي ممَّا أَجمع العلماءُ السابقون على حكمِها، أم هي محلُّ خلافٍ بينهم، أم هي نازلةٌ مِنْ نوازلِ عصرِه؟ فإنْ كانتْ المسألةُ محلَّ إجماعِ أهلِ العلمِ، ذَهَبَ إلى القولِ بالإجماعِ، ولم يخالفْه. وإنْ كانتْ ممَّا وَقَعَ فيها الخلافُ، أو كانتْ مِنْ نوازلِ عصرِه، اجتهدَ فيها (١). وفائدةُ معرفةِ المسائلِ المجمعِ عليها: أنْ لا يقولَ المجتهدُ قولًا يخرقُ يه إجماعًا سابقًا (٢). ولا يلزمُ المجتهد أنْ يحفظَ المسائلَ المجمعَ عليها جميعَها؛ بل يكفيه أنْ يعلمَ أنَّ قولَه في المسألةِ التي ينظرُ فيها غيرُ مخالفٍ لإجماعِ مَنْ قبله (٣). وذَكَرَ تقيُّ الدين السبكي أنَّ هذا الشرط شرطٌ لإيقاعِ الاجتهادِ بالفعلِ (٤)، فالمجتهدُ يُوصفُ بالاجتهادِ قبل أنْ يعلمَ المسائلَ المجمعَ عليها، وأمَّا عند إيقاعِ الاجتهادِ بالفعلِ، فيُشترط أنْ يعلمَ أنَّ ما نظر فيه ليس مجمعًا عليه (٥).

стр. 185

وقد ذَكَرَ بعضُ الأصوليين هذا الشرطَ على أساسِ أنَّه مِنْ شروطِ الاجتهادِ، ولعل مرادَهم أنَّه شرطٌ في كونِ المجتهدِ مجتهدًا اجتهادًا صحيحًا (١). يقولُ الشيخُ محمدٌ المطيعي: "والخطبُ في ذلك سهلٌ" (٢). ويتصل بالشرطِ الخامسِ مسألةٌ، وهي: اشتراطُ معرفةِ المسائلِ الخلافيةِ (٣). يقولُ الإمامُ الشافعي: "ولا يكون لأحدٍ أنْ يقيسَ حتى يكونَ عالمًا بما مضى قبله مِن السننِ، وأقاويلِ السلفِ، وإجماعِ الناسِ، واختلافِهم" (٤). والفائدة من ذلك: أنْ لا يُحدثَ المجتهدُ قولًا يخالفُ أقوالَ مَنْ سبقه؛ فيخرجُ بذلك عن إجماعِهم الضمني (٥). وألفتُ النظرَ إلى أنَّ مِن الأصوليين مَنْ ذَكَرَ عند اشتراطِ معرفةِ المسائلِ الإجماعيةِ: أنَّ على المجتهدِ معرفة مَنْ يُعتدُّ به في الإجماعِ، ومَنْ لا يُعتدُّ به (٦). ولم أوردْ ما ذكروه هنا؛ لأنَّ هذه المسائلَ داخلةٌ في شرطِ معرفةِ علمِ أصولِ الفقهِ. الشرط السادس: معرفةُ علمِ أصولِ الفقهِ. لا يستريبُ أحدٌ في مدى أهميةِ أصولِ الفقهِ للمجتهدِ؛ إذ هو المعينُ في استنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ بالطريقِ الصحيحِ.

стр. 186

يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "علمُ الأصولِ أصلُ الباب؛ حتى لا يُقدّم مؤخرًا، ولا يُؤَخّر مقدَّمًا، ويستبين مراتبَ الأدلةِ والحُججِ" (١). بلْ إنَّ الفخرَ الرازيَّ عدَّ هذا الشرطَ أهمّ العلومِ للمجتهدِ (٢). ويقول صفيُّ الدِّينِ الهندي: "اعلمْ أنَّ الإنسانَ كلَّما كانَ أكمل في معرفةِ أصولِ الفقهِ كانَ منصبُه أتمَّ وأعلى في الاجتهادِ" (٣). ويشملُ علمُ أصولِ الفقهِ على الآتي: أولًا: الحكمُ الشرعي، وأقسامُه. ثانيًا: الأدلةُ، وما يندرج تحتَ كلِّ دليلٍ مِنْ مسائل. ثالثًا: الدلالاتُ، وأقسامُها، وما يندرجُ تحتَ كلِّ قسمٍ مِنْ مسائل. رابعًا: الاجتهادُ والتقليدُ. خامسًا: مراتبُ الأدلةِ، وطُرُقُ الجمعِ بينها، ودفعُ التعارضِ عنها، وأوجهُ الترجيحات (٤). وكان مِنْ منهجِ بعضِ الأصوليين أنَّهم يذكرون بعضَ ما تقدمَ على أنَّه شرطٌ مستقلٌّ، فيذكرون مثلًا: القياسَ، وما يتعيّنُ على المجتهدِ معرفتُه فيه (٥)، أو التعارضَ والترجيحَ، وأهمية معرفة المجتهد له (٦)، أو الإجماعَ،

стр. 187

ومَنْ يعتدُّ به، ومَنْ لا يعتدُ به (١)، أو أفعال النبي ﷺ (٢). ولعلَّ في اشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ غنيةً عن هذا كلِّه (٣). وقد نازعَ أحمدُ الكوراني (٤) في اشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ للمجتهدِ (٥)؛ محتجًا لقولِه بأنَّ الإمامَ الشافعيَّ مجتهدٌ، ولم يكنْ علمُ أصولِ الفقهِ في وقتِه مدوّنًا (٦). وما ذكره الكورانيُّ ضعيفٌ جدًّا؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ المرادَ بمعرفةِ أصولِ الفقهِ معرفةُ قواعدِه، سواءٌ أكانتْ مدونةً أم لا، وقد رُكزت القواعد الأصولية في الإمامُ الشافعي - وفي غيرِه من المجتهدين الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ قبلَ تدوينِ علمِ أصولِ الفقهِ - فهي معلومةٌ عنده (٧). الوجه الثاني: يلزمُ مِن قولِ الكوراني عدمُ اشتراطِ معرفةِ اللغةِ العربيةِ، فإنَّ مجتهدي الصحابةِ ﵃ كانوا في أعلى مراتبِ الاجتهادِ، ولم تكن اللغةُ العربيةُ في عصرِهم وزمنِهم مدونةً (٨).

стр. 188

ويتصلُ باشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ مسألةٌ، وهي: هل القولُ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؟ فأقول: اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على أقوالٍ، أهمّها: القول الأول: ليس القولُ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ. نَسَبَ أبو منصورٍ البغدادي (١) هذا القولَ إلى الجمهورِ (٢). ونسبه بدرُ الدِّين الزركشي إلى الشافعية (٣). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: القاضي عبدُ الوهاب المالكي (٤)، وشمسُ الدين بنُ القيم (٥)، وجلالُ الدّينِ السيوطي (٦). القول الثاني: أنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ، فلا يُعَدُّ منكرو القياسِ مِنْ المجتهدين. ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (٧)، وإمامُ الحرمين الجويني (٨)، وأحمدُ الكوراني (٩).

стр. 189

القول الثالث: أنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ الجلي (١) مِنْ شروطِ الاجتهادِ، فإنْ أنكرَ القياسَ الجليَّ فليس مِن المجتهدين، وإنْ لم ينكرْه فهو من المجتهدين. ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ من الأصوليين، منهم: ابنُ الصلاحِ (٢)، وبدرُ الدِّين الزركشي (٣)، وشمسُ الدين البرماويُّ (٤). • أدلةُ الأقوال: دليلُ أصحاب القولِ الأول: أنَّنا لو قلنا بأنَّ منكرَ القياسِ ليس بمجتهدٍ، للزمَ مِنْ ذَلك أنَّ مَنْ أنكرَ حجيةَ الخبرِ المرسلِ، أو كون الأمرِ للوجوبِ، أو أنَّ للعمومِ صيغةً تخصُّه، ونحو ذلك، فليس بمجتهدٍ! ولا يقول بهذا أحدٌ (٥). دليلُ أصحاب القول الثاني: أنَّ المقايسةَ هي طريقُ الاجتهادِ، فمَنْ لم يعرفْها فإنَّه لا يصلحُ للاجتهادِ، فيكون كالعامي الذي لا معرفةَ له (٦).

стр. 190

ويمكن أنْ يُستدلَّ لأصحابِ القولِ الثالثِ: بأنَّ منكرَ القياسِ الجلي يقعُ في أقوالٍ شنيعةٍ، كالقولِ بجوازِ التغوطِ في الماءِ الراكدِ، دونَ التبولِ فيه! وهذه أقوالٌ يردُّها الشرعُ، والعقلُ. • الموازنة الترجيح: بالنظرِ في المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها يظهرُ رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ ليس بشرطٍ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؛ وذلك للآتي: أولًا: هناك مسائلُ أصوليةٌ، أنكرَ بعضُ العلماءِ القولَ بها، ولم يقلْ أحدٌ مِنْ علماءِ أصولِ الفقهِ: إنَّ القولَ بها شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، فكذا الأمرُ في مسألةِ: (حجيةِ القياسِ). ثانيًا: عملُ الفقهاءِ في مصنفاتِهم، فلم يَزَلِ الفقهاءُ يَعْتَدون برأي الظاهريةِ، فيذكرونه، ويذكرون أدلتهم، ويجيبون عنها، ولو لم يبلغوا درجةَ الاجتهادِ، لما كان لإيرادِ أقوالِهم مسوّغٌ. ثالثًا: أنَّ القائلَ بعدمِ حجيةِ القياسِ إنَّما قاله عن اجتهادٍ، فكيفَ نطالبُه بمخالفةِ اجتهادِه؟ ! رابعًا: القولُ بأنَّ المقايسةَ طريقُ الاجتهادِ، هذا صحيحٌ، لكنَّها ليستْ طريقَه الوحيدَ، فهناك مداركُ أخرى للشرعِ تُوصلِ إلى أحكامِ الحوادثِ. • نوع الخلاف: يبدو أنَّ الخلافَ بين الأقوال خلافٌ معنوي - كما أشار إلى ذلك: جلالُ الدينِ السيوطي (١) - ويظهرُ أثرُه في الاعتدادِ بخلافِ نفاةِ القياسِ في الإجماعِ: فمَنْ لم يشترط القولَ بحجيةِ القياسِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، لم يُخْرِجْ نفاةَ القياسِ مِنْ زُمْرةِ المجتهدين، ولا ينعقد الإجماعُ إلا بموافقتِهم.

стр. 191

ومَنْ اشترطَ القولَ بالقياسِ، أخرجَ نفاةَ القياسِ مِنْ زُمرةِ المجتهدين، وانعقدَ الإجماعُ عنده مع مخالفتِهم. واستمعْ إلى ما يقوله إمامُ الحرمين الجويني عن داودَ الظاهري (١): "وعندي أنَّ الشافعيَّ لو عاصر داودَ لما عدّه مِن العلماءِ" (٢). ويقولُ أيضًا عنه وعن الظاهريةِ: "ليسوا معدودين مِنْ علماءِ الشريعةِ" (٣). الشرط السابع: معرفةُ مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ (٤). نصَّ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ على اشتراطِ معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ للمجتهدِ، فقالَ: "إنَّما تحصلُ درجةُ الاجتهادِ لمَنْ اتصفَ بوصفين: أحدهما: فهمُ مقاصدِ الشريعةِ على كمالِها" (٥).

стр. 192

ويقولُ تقيُّ الدّينِ السبكي: "اعلمْ أنَّ كمالَ رُتبةِ الاجتهادِ تتوقّفُ على ثلاثةِ أشياء: ... الثالث: أنْ يكون له مِن الممارسةِ والتتبعِ لمقاصدِ الشريعةِ، ما يكسِبُه قوةً يفهمُ مرادَ الشرعِ مِنْ ذلك، وما يناسب أنْ يكونَ حُكمًا له في ذلك المحلِّ، وإنْ لم يُصَرِّحْ به" (١). ونَقَلَ إمامُ الحرمين الجويني عن الإمامِ الشافعي ما يقررُ اعتبارَ معرفةِ المجتهدِ لمقاصدِ الشريعةِ، يقولُ إمامُ الحرمين: "ذَكَرَ الشافعيُّ في: (الرسالة) ترتيبًا حسنًا، فقالَ: إذا وقعتْ واقعةٌ، فأحْوجَ المجتهد إلى طلب الحُكم فيها؛ فينظرُ أولًا في: نصوصِ الكتابِ، فإنْ وَجَدَ مَسْلَكًا دالًا على الحُكمِ، فهو المراد ... فإنْ عَدِمَ المطلوبَ في هذه الدرجاتِ، لم يخضْ في القياسِ بَعْدُ، ولكنَّه ينظرُ في كلياتِ الشرعِ، ومصالحها العامّةِ" (٢). دليلُ اعتبار معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ: أنَّ الشريعةَ مبنيةٌ على اعتبارِ المصالحِ، والمصالحُ إنَّما اعتُبِرَتْ؛ لأنَّ الشرعَ بيَّن أنَّها مصالح - وإدراكُ المكلّفِ للمصالحِ يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأحوالِ - وإذا كانت المصالحُ المعتبرةُ هي المصالحَ التي قرّرها الشارعُ، كان لزامًا على المجتهدِ أنْ يفهمَ عن الشارعِ قصدَه في كلِّ مسألةٍ مِنْ مسائلِ الشرعِ؛ لتتحققَ له معرفةُ الحِكمِ والغاياتِ مِن الشريعةِ، فيَضْبِط اجتهادَه في ضوئِها (٣). وقد تَبعَ أبا إسحاقَ الشاطبيَّ في اعتبارِ معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ شرطًا لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ جمعٌ مِن المتأخرين، منهم: الشيخُ الطاهرُ بنُ عاشور (٤)، والشيخُ محمدٌ أبو زهرة (٥)، والدكتورُ الطيبُ خضري السيد (٦)،

стр. 193

وعبدُ الحي بن الصديق (١)، والدكتورٌ زكريا البري (٢)، والدكتورُ يوسفُ العالم (٣). الشرط الثامن: معرفة لسان العرب. يُشترطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ معرفةُ اللسانِ العربي، ومعرفةُ اللغةِ العربيةِ في جانبِ: اللغةِ، والنحوِ، والصرفِ، والبلاغةِ (٤). وقد نصَّ أغلبُ الأصوليين على هذا الشرطِ، وهو شرطٌ متفقٌ عليه. دليل اعتبار معرفة اللسان العربي مِن شروط الاجتهاد: أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ عربيةٌ؛ لأنَّها مأخوذةٌ من الكتاب والسنةِ، وقد جاءا بلسانِ العربِ، قالَ الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٥)، وقالَ الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٦). ومَنْ رامَ فهمَ الكتابِ والسنةِ - وقد جاءا بلسانِ العربِ - فلا بُدَّ له مِنْ معرفةِ اللسانِ العربي، وَما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، فهو واجَبٌ (٧). يقولُ تقيُّ الدّين بن تيميةَ: "إنَّ فهمَ الكتابِ والسنةِ فرضٌ، ولا يُفْهَم إلا بفهمِ اللغةِ العربيةِ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ" (٨). وللإعرابِ والتصريفِ أثرٌ في تغيّرِ المعنى، فاحتيجَ إلى معرفتِهما (٩).

стр. 194

وأمَّا معرفةُ البلاغةِ؛ فلأنَّ القرآنَ الكريمَ، والسنةَ النبويةَ في الذِّروةِ العليا مِن الإعجازِ، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ البيانِ وأساليبِه؛ ليتمكن المجتهدُ مِن الاستنباطِ منهما على الوجهِ الأكملِ (١). يقولُ الإمامُ الشافعيُّ: "القرآنُ نَزَلَ بلسانِ العربِ، دونَ غيرِه؛ لأنَّه لا يَعْلمُ مِنْ إيضاحِ جُمَلِ علمِ الكتاب أحدٌ جَهِلَ سعةَ لسانِ العربِ، وكثرةَ وجوهِه، وجماع معانيه وتفرقها، وَمَنْ عَلِمه انتفتْ عنه الشبهُ التي دخلتْ على مَنْ جَهِلَ لسانَها" (٢). ويقولُ الشوكانيُّ: "الاستكثارُ مِنْ ممارسةِ لسانِ العربِ، والتوسع في الاطلاعِ على مطولاتِه، ممَّا يزيدُ المجتهدَ قوةً في البحث، وبَصَرًا في الاستخراجِ، وبصيرةً في حصولِ مطلوبِه" (٣). ولا يشترط في هذا المقامِ: معرفةُ غرائبِ اللغةِ (٤)، وهي: الألفاظُ التي تُخِلُّ بالفصاحةِ؛ لأنَّها لا تُوجدُ في القرآنِ الكريمِ، ولا في السنةِ النبويةِ (٥). ويتصلُ باشتراطِ معرفةِ اللسانِ العربي، مسألةٌ، وهي: القدرُ المشترطُ في معرفةِ اللسانِ العربي. يحتاجُ المجتهدُ مِن اللسانِ العربي قدرًا يُثْمِرُ له فهمَ خطاب العربِ، وعادتهم في الاستعمالِ إلى حدِّ يُميّز بين صريحِ الكلامِ وظاهرِه، ومجملِه ومفصلِه، وحقيقتِه ومجازِه، وَيعْرِفُ أوضاعَ العربِ في كلامِهم؛ بحيثُ يُمَيّز العبارةَ الصحيحةَ عن الفاسدةِ، والراجحةَ عن المرجوحةِ، ويُمَيّزُ بين دلالاتِ الألفاظِ - مِن المطابقةِ (٦) والتضمّنِ والالتزامِ - والمفرد والمركب،

стр. 195

والمترادفِ والمتباين (١). ولا يُشتَرطُ أنْ يبلغَ درجةَ الأصمعي (٢) أو الخليل (٣) أو المبرد (٤)، ولا

стр. 196

أنْ يتعمقَ في النحوِ، ولا أنْ يعرفَ جميعَ اللغةِ العربيةِ، بل المشترطُ القدرُ الذي يتعلقُ به فهمُ الكتابِ والسنةِ (١). وقد ذَهَبَ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ إلى اشتراطِ أنْ يبلغَ المجتهدُ في العربيةِ درجةَ الاجتهادِ، كالأئمةِ فيها، كالخليلِ وسيبويه والأخفش (٢). وقد أبدى الشاطبيُّ أنَّ ما قاله في القدرِ المشترطِ غيرُ مخالفٍ لكلامِ الأصوليين، بلْ هو موافقٌ لهم (٣). تلك هي أهمُّ الشروطِ المتعلقةِ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ. وممَّا يتصلُ بالجانبِ العلمي، ذكرُ ثلاثةِ علومٍ وَقَعَ خلافُ الأصوليين في اشتراطِها لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وهي: أولًا: معوفةُ علمِ الكلامِ (٤).

стр. 197

ثانيًا: معرفةُ علمِ المنطقِ (١). ثالثًا: معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ. أولًا: معرفةُ علمِ الكلامِ. لقد اختلفَ العلماءُ في اشتراطِ معرفةِ المجتهدِ لعلمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ على أقوال، أشهرها: القول الأول: أنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ، والتبحّرَ فيه شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. وهذا قولُ القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (٢)، وهو مذهب القدرية (٣). القول الثاني: أنَّ معرفةَ أصولِ الاعتقادِ شرطٌ مِنْ شروطِ الاجتهادِ. وقد نَسَبَ أبو القاسمِ الرافعي هذا القولَ إلى بعضِ الشافعيةِ (٤)، ونسبه

стр. 198

تاجُ الدِّينِ بنُ السبكي إلى الشافعيةِ (١). وهناك قولٌ لبعضِ العلماءِ تتفقُ حقيقتُه مع القولِ الثاني، وهو اشتراطُ صحةِ الإسلامِ فقط، أمَّا تفاريعُ الكلامِ، وطُرُقُه، والأدلةُ عليه، فليستْ بشرطٍ (٢). وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ؛ ونسبه إمامُ الحرمين الجويني إلى الفقهاءِ قاطبةً (٣). ونسبه الأستاذُ أبو إسحاقَ (٤) إلى أكثرِ أصحابِ كتبِ الحديثِ والفقه (٥). ونسبه بدرُ الدّينِ الزركشي (٦)، والمرداويُّ (٧) إلى الأصوليين. واختاره جمعٌ مِن المحققين، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (٩)، وأبو الخطابِ (١٠)، وأبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ (١١)، والآمديُّ (١٢)، وصفيُّ الدِّينِ الهندي (١٣)، وتاجُ الدِّينِ بنُ السبكي (١٤)،

стр. 199

وجمالُ الدّينِ الإسنوي (١). القول الثالث: أنَّ علمَ الكلام ليس بشرطٍ في بلوغ رتبةِ الاجتهادِ مطلقًا. وهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ الفخرِ الرازي (٢)، وهو قولُ عبدِ العزيز البخاري (٣)، وجلالِ الدّينِ السيوطي (٤). وقد حَمَلَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ قولَ الرازي على القولِ الثاني، فقالَ: "وأطلق الرازيُّ عدمَ اشتراطِ علمِ الكلامِ، وفصّلَ الآمديُّ، فَشَرَطَ الضرورياتِ؛ كالعلمِ بوجودِ الربِّ سبحانه، وصفاته ... ولا يُشترطُ علمُه بدقائقِ الكلامِ، وكلامُ الرازي محمولٌ على هذا التفصيلِ" (٥). وكلُّ مَنْ لم يرَ مشروعيةِ علمِ الكلام، فإنَّه يقولُ بعدمِ اشتراطِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ (٦). • أدلةُ الأقوال: دليل أصحاب القول الأول: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - على دليلٍ للقائلين باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، ويظهرُ لي بتأمّلِ الحالةِ العلميةِ للقرنِ الرابع الذي كان فيه القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) مدى الصراعِ الكلامي بينِ المعتزلةِ والأشاعرةِ، والذي امتدَّ أثرُه إلى المسائلِ الأصوليةِ، فَظَهَرَ الفكرُ الكلامي على هيئة علم مستقلٍّ، ولعل هذا هو ما دَفَعَ بأصحابِ القولِ الأولِ إلى القولِ باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ، والاعتدادِ به لبلوغِ مرتبةِ الاجتهادِ (٧).

стр. 200

أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الأئمةَ المجتهدين مِن الصحابةِ ﵃ والتابعين ومَنْ بعدهم، حازوا رتبةَ الاجتهادِ، مع عدمِ معرفتِهم بعلمِ الكلامِ (١). ويمكن مناقشة الدليل الأول: بأن ما ذكروه دالٌّ على عدمِ اشتراطِ علمِ الكلامِ مطلقًا، وليس فيه اشتراطُ قدرٍ منه للدخولِ في الإسلامِ. الدليل الثاني: أنَّ المجتهدَ يمكنُه استنباطُ أحكامِ الحوادثِ مِن الأدلةِ الشرعيةِ مع جهلِه بعلمِ الكلامِ (٢). ويمكن مناقشة الدليل الثاني: بما نوقش به الدليل الأول. دليل أصحاب القول الثالث: ما تقدم من أدلةٍ لأصحاب القول الثاني صالحٌ لأنْ يستدلَ به أصحابُ القولِ الثالثِ. • الموازنة والترجيح: بتأمّلِ المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الثالثِ القائلِ: إنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ ليستْ بشرطٍ مِنْ شروطِ الاجتهادِ، وذلك للأسبابِ الآتية: الأول: انتفاءُ الدليلِ المشترِطِ معرفة علمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. الثاني: أنَّ بعضَ الأئمةِ المجتهدين المتفق على اجتهادهم، قد حذَّروا مِنْ علمِ الكلامِ، ومِنْ ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: "حُكمي في أهلِ الكلامِ

стр. 201

أنْ يُضْرَبوا بالجريدِ والنعالِ ... " (١). وقولُ الإمامُ أحمدَ: "لا يُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا، ولا تَكادُ تَرَى أحدًا نَظَرَ في الكلامِ، إلا وفي قلبِه دَغَلٌ (٢) " (٣). فكيفَ يُقالُ: إنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ شرطٌ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؟ ! الثالث: أنَّ الأئمةَ المجتهدين مِن الصحابةِ ﵃ والتابعين وأئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ، متفقٌ على بلوغِهم رتبة الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ، مع عدمِ معرفتِهم بعلمِ الكلامِ. الرابع: أنَّ ما استدلَّ به أصحابُ القولِ الثاني، لا يُؤَيّدُ قولَهم. وتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ معرفةَ المجتهدِ لمسائلِ الاعتقادِ مِنْ ضرورةِ منصبِ الاجتهادِ؛ لما يشتمل عليه القرآنُ الكريمُ مِنْ تقريرِ مسائلِ العقيدةِ (٤). • نوع الخلاف: يظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين أصحابِ القولِ الثاني والقول الثالثِ خلافٌ لفظيٌّ؛ لأنَّ سببَ اشتراطِ أصحابِ الَقولِ الثاني قدرًا مِنْ علمِ الكلامِ؛ ليدخلَ به صاحبُه الإسلامَ (٥)؛ واشتراطُ إسلامِ المجتهدِ متفقٌ عليه بين القولين، والقدرُ الزائدُ عنه غيرُ مشروطٍ عند الفريقين. ويبقى النظرُ في نوعِ الخلافِ بين هؤلاءِ، وبين أصحابِ القولِ الأولِ

стр. 202

(المشترطين لعلم الكلام)، فأقولُ: يصعبُ الجزمُ بنوعِ الخلافِ؛ لعدمِ وقوفي على أدلةِ المشترطين؛ مع أنَّ الظاهرَ أنَّ الخلافَ بينهما خلافٌ معنوي؛ لأنَّ إمامَ الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ) لما عَرَضَ كلامَ أبي بكرٍ الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) - وهو قريب من زمنه - لم يُشْرِ إلى ما قد يُفهمُ منه أنَّ الخلافَ لفظي، بل ردَّ إمامُ الحرمين قولَ القاضي الباقلاني؛ لمخالفتِه للدليلِ. • سبب الخلاف: أشارَ ابنُ رشدٍ (١) إلى ما يُمكنُ جعلُه سببًا للخلافِ، فقالَ: "وقد اشترطوا مع هذا أنْ يكونَ عالمًا بعلمِ الكلامِ ... وهذا إنَّما يلزمُ على رأي مَنْ يرى أنَّ أولَ الواجباتِ النظرُ والاستدلالُ، وأمَّا مَنْ لا يرى ذلك، فيكفيه الإيمانُ بمجرّدِ الشرعِ، دونَ نَظَرِ العقلِ" (٢). فمَنْ قال: إنَّ أولَ واجبٍ على المكلّفِ هو النظرُ، أَوْجَبَ على المجتهدِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثاني. ومَنْ قال: ليس أول واجبٍ على المكلفِ النظرَ، وإنَّما يُقررُ أنَّ أولَ واجبٍ هو الشهادتان، لم يُوجِبْ على المكلّفِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثالثِ.

стр. 203

أمَّا المشترطون لعلمِ الكلامِ؛ فلعل ذلك مِنْ أثرِ الحالةِ العلميةِ في عصرِهم؛ إذ بَلَغَ علمُ الكلامِ منزلةً رفيعةً، فَغَلَبَ النظرُ الكلامي بين المدارسِ العلميةِ، وامتزجَ بالمسائلِ الأصوليةِ، الأمر الذي أضفى على علمِ الكلامِ في ذلك الوقتِ صبغةً مرتبطةً بتكوينِ المجتهدِ. ثانيًا: اشتراطُ معرفةِ علمِ المنطقِ. ذَهَبَ بعضُ الأصوليين إلى اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وقبل سوقِ الخلافِ في اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ للاجتهادِ، أُبيّنُ خلافَ العلماءِ في حُكمِ تعلّمِ المنطقِ ودراستِه: اختلفَ العلماءُ في حُكمِ تعلمِ المنطقِ على أقوالٍ، أشهرها: القول الأول: تحريمُ دراسةِ المنطق. وهذا قولُ ابنِ الصلاحِ (١)، وجلالِ الدّينِ السيوطي (٢). القول الثاني: جوازُ دراسةِ المنطقِ، وفق ضوابط معيةٍ. وهذا قولُ الأخضري (٣). القول الثالث: الحثُّ على تعلّمِ المنطقِ. وهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (٤). وبَدَهِيٌّ أنْ لا يشترطَ أصحابُ القولِ الأولِ معرفةَ المنطقِ لبلوغِ رتبةِ

стр. 204

الاجتهادِ، فالخلافُ في اشتراطه منحصرٌ بين أصحابِ القولين: الثاني، والثالثِ. وسأنسبُ حينَ عرضِ الأقوال في اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ القولَ لبعضِ القائلين بتحريمِ دراستِه؛ لنصِّهم على حكمِ مسألةِ: (اشتراط معرفة المنطق لبلوغ رتبة الاجتهاد) بعينِها. اختلفتْ أنظارُ الأصوليين في هذه المسألةِ على قولين: القول الأول: أنَّ معرفةَ علمِ المنطقِ ليستْ بشرطٍ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. وهذا قولُ أكثرِ الأصوليين؛ إذ إنَّ أغلبَهم لم يذكرْ معرفةَ المنطقِ في شروطِ الاجتهادِ. واختارَ هذا القولَ ابنُ دقيقٍ العيد (١)، وتقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ (٢)، والطوفيُّ (٣)، وجلالُ الدّينِ السيوطي (٤). ومقتضى قولِ ابنِ القيم أنَّ علمَ المنطقِ ليس بشرطٍ لرتبةِ الاجتهادِ؛ إذ وصفه بأنَّ باطلَه أضعاف حقِّه (٥). وإنْ كان الطوفيُّ (ت: ٧١٦ هـ) لم يشترطْه، إلا أنَّه حبّذَ للمجتهدِ معرفتَه، خصوصًا في زمنِه الذي اشتهر فيه علمُ المنطقِ (٦). يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "مَنْ قال مِن المتأخرين: إنَّ تعلّمَ المنطقِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؛ فإنَّه يدلُّ على جهلِه بالشرعِ! وجهلِه بفائدةِ المنطقِ" (٧). ويقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي في معرض حديثِه عن شروطِ المجتهدِ: "أمَّا علمُ المنطقِ، فأقلُّ وأذلُّ مِنْ أنْ يُذْكَرَ" (٨).

стр. 205

القول الثاني: أنَّ معرفةَ المنطقِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. فيشترطُ أنْ يعرفَ المجتهدُ كيفيةَ النظرِ، ونَصْبَ الأدلةِ، وشروطَها التي بها تصيرُ البراهينُ والأدلةُ منتجةً. وهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (١)، والفخرِ الرازي (٢)، والقاضي البيضاوي (٣)، وشهاب الدين القرافي (٤)، وصفيِّ الدينِ الهندي (٥)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (٦)، وجمالِ الدينِ الإسنوي (٧). ويبيّنُ صفيُّ الدّينِ الهندي القدرَ المطلوبَ مِن المجتهدِ، فيقول: "عِلْمُ شرائطِ الحدِّ والبرهانِ، والمتكفلُ ببيانِ ذلك هو المنطقُ؛ ولا يُشترَطُ في ذلك أنْ يكون بالغًا إلى الغايةِ القصوى ... بل يكفي أنْ يكونَ في المرتبةِ الوسطى مِنْ ذلك" (٨). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ أئمةَ السلفِ بلغوا رتبةَ الاجتهادِ بالاتفاق، ولم يَعرفوا علمَ المنطقِ، فضلًا عن أنْ يخوضوا فيه ويدرسوه (٩). الدليل الثاني: أنَّ أئمةَ المسلمين قد حذّروا مِن المنطقِ، وزجروا

стр. 206

الناسَ عن تعلّمِه وتعليمه؛ فكيفَ يُقالُ باشتراطِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ ! (١). مناقشة الدليل الثاني: أنَّ المنطقَ الذي حذَّر منه علماءُ الإسلام، هو المنطقُ المشوبُ بعقائدَ فاسدةٍ؛ فيكونُ تعلّمُه مدعاةً للوقوعِ في تلك العقائد، أمَّا المنطقُ السالمُ مِنْ هذه العقائدِ، فلا يقعُ عليه تحذيرُ علماءِ المسلمين، إذا كان متعلمُه ذا إدراكٍ جيّدٍ، وعقيدةٍ راسخةٍ (٢). الدليل الثالث: أنَّ علمَ أصولِ الفقهِ يُغني عن علمِ المنطقِ؛ لأنَّه يُعنى بطرقِ الاستنباطِ مِن الأدلةِ، وسلامتِها ممَّا يقدحُ فيها (٣). دليل أصحاب القول الثاني: يتعيّنُ على المجتهدِ أنْ يتعلّمَ مِنْ علمِ المنطقِ ما يعلمُ بهْ كيفيةَ النظرِ الصحيحِ - فيعلم شروطَ الحدِّ والبرهان والأدلة المنتجة - ليأمنَ الخطأَ في نظرِه، ويكونَ على بصيرةٍ. ولمزيدِ البيانِ: فإنَّ التصوراتِ (٤) تُضْبَطُ بالحدودِ، فمَنْ علمَ ضابطَ شيءٍ، فهو مستضيءٌ به، فأيّ محلٍّ صَدَقَ الضابطُ عليه، قَضَى بأنَّه تلك الحقيقة، وما لا يصدقُ عليه ذلك الضابطُ، قَضَى بأنَّه مغايرٌ لتلك الحقيقةِ، فمَنْ لا يعرفُ صحةَ الضابطِ مَنْ سُقْمِه، فلن يَعرفَ كيفَ يستضيءُ به. وكذلك فيما يتعلقُ بالبراهينِ؛ يحتاجُ المجتهدُ إلى معرفةِ شروطِها؛ لأنَّه لا بُدَّ له مِنْ دليلٍ يدلُّه على الحُكمِ، والدليلُ له شروطٌ محررةٌ في علمِ

стр. 207

المنطقِ، متى أَخْطَأَ شرطًا منها، فَسَدَ عليه الدليلُ، وهو يعتقدُه صحيحًا (١). • الموازنة والترجيح: يظهرُ لي مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وأدلتهم الآتي: أولًا: عدمُ طردِ القولِ باشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ للمجتهدِ، أو عدمِ اشتراطِ معرفتِه، بل الأمرُ عائدٌ إلى استغناءِ المجتهدِ عنه مِنْ عدمِه: فإنْ كان المجتهدُ يعرفُ كيفيةَ نصبِ الأدلةِ ودلالتها على المطلوبِ بالدّربةِ مثلًا، فلا تُشترطُ معرفةُ المنطقِ في حقِّه حينئذٍ؛ لاستغنائِه عنه. أمَّا إنْ لم يعرف المجتهدُ كيفيةَ نصبِ الأدلةِ، ودلالتها على المطلوبِ، فتُشترطُ معرفةُ المنطق في حقِّه حينئذٍ؛ لينضبطَ نظرُه. ثانيًا: أنَّ الأَولى بالمجتهدِ تعلّم المنطقِ، وإنْ لم يحتجْ إليه؛ لما يحققه مِن فوائد متعددةٍ، تعود على المجتهدِ، فضلًا عن عصمةِ ذهنِه عن الوقوعِ في الخطأِ (٢). وأمَّا ما ذُكِرَ مِنْ بلوغِ أئمةِ المسلمين رتبةَ الاجتهادِ، مع عدمِ معرفتِهم بالمنطقِ، فيقال: إنَّ أئمةَ السلفِ، وإن لم يتعلموا المنطقَ، فإنَّهم يعرفون الأمور التي يتحققُ بها نصب الدليل، وتقرير مقدماته، ووجه إنتاجِه المطالب، فهم أصلًا غيرُ محتاجين إليه (٣)؛ ولذا قررتُ آنفًا أنَّ مَن استغنى عنه مِن المجتهدين، لم يُشترطْ في حقِّه معرفتُه، ومَنْ لم يستغنِ عنه، اشتُرطتْ عليه معرفتُه. وقد يُقالُ: إنَّ أئمةَ المسلمينَ كانوا عارفين بعلمِ المنطقِ، غير أنَّهم لم يكونوا يعرفونَ العباراتِ الخاصة والاصطلاحاتِ الموجودة بعدهم (٤).

стр. 208

• نوع الخلاف: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِن مصادر - على مَنْ نصَّ على نوعِ الخلافِ في المسألةِ، والظاهرُ أنَّ الخلافَ خلافٌ معنوي، يظهر أثرُه فيمَنْ لم يستغنِ عن معرفةِ المنطقِ: فالقائلون بعدمِ اشتراطِ معرفةِ المنطقِ في المجتهدِ، لا يُؤثّرُ جهلُه به في بلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. وعند المشترطين لمعرفة المنطق، لا تحصلُ له درجةُ الاجتهادِ. أمَّا مَن استغنى عن علم المنطق، فيظهرُ لي أنَّ الخلافَ لفظيٌّ، أو يكادُ أنْ يكونَ لفظيًا؛ لأنَّ المشترطين لمعرفةِ علم المنطق؛ إنَّما اشترطوه؛ لصحةِ نظرِ المجتهدِ، وهي متحققةٌ له دونَ تَعَلّمِ لعلمِ المنطق، فالغاية مَن الشرطِ متحققةٌ، فلا وجهَ لسلبِ وصفِ الاجتهادِ عنه في هذه الحالةِ. • سبب الخلاف: يظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى أحدِ السببين الآتيين: السبب الأول: حكمُ تعلّمِ علمِ المنطقِ؟ فمَنْ حرَّمَ تعلمَه، لم يجعلْه شرطًا للاجتهادِ، وهذا ما ذهبَ إليه أصحابُ القولِ الأول. ومَنْ لم يحرّمْه، فقد اختلفتْ أقوالُهم في اعتبارِه شرطًا للاجتهادِ. السبب الثاني: هل يمكنُ أنْ تتحققَ الغايةُ مِنْ علمِ المنطقِ - وهي عصمةُ الذّهنِ عن الوقوعِ في الخطأ - دونَ تعلمِه؟ مَنْ قال بإمكانِ تحققِها دونَ تعلّمِ علم المنطق، لم يجعله شرطًا للاجتهاد، وهذا ما ذهبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ قال بعدمِ إمكانِ تحققها في الغالب إلا بدراسةِ علمِ المنطقِ، اشترطَ معرفتَه، وهذا ما ذهبُ إليه أصحابُ القوَلِ الثاني.

стр. 209

ثالثًا: اشتراطُ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ. مِن شروطِ الاجتهادِ التي وَقَعَ فيها خلافٌ بين الأصوليين: معرفةُ الفروع الفقهيةِ، فهل يُشترطُ في العالم لوصفِه بالاجتهادِ أنْ يتعلمَ الفروعَ الفقهيةَ؟ اختلفَ الأصوليون في اعتبارِ معرفةِ الفروع الفقهيةِ شرطًا لبلوغ رتبةِ الاجتهادِ على قولين: القول الأول: أنَّ معرفةَ الفروع الفقهيةِ ليستْ بشرطٍ لبلوغ رتبةِ الاجتهادِ. وهذا قولُ جمهورِ الأصوليين، وممَّنْ ذَهَبَ إليه: أبو حامدٍ الغزالي (١)، والفخرُ الرازي (٢)، والموفقُ ابنُ قدامة (٣)، وصفيُّ الدينِ الهندي (٤)، والطوفيُّ (٥)، وعبدُ العزيز البخاري (٦)، وتاجُ الدّينِ بنِ السبكي (٧)، وبدرُ الدينِ الزركشي (٨)، وجمالُ الدينِ الإسنوي (٩)، ومحمدٌ البابرتيُّ (١٠)، والمرداويُّ (١١)، وابنُ النجارِ (١٢). القول الثاني: أنَّ معرفةَ الفروعِ الفقهيةِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ. ونُسبَ هذا القولُ إلى الأستاذِ أبي إسحاقَ (١٣)، وأبي منصور

стр. 210

البغدادي (١). ونسبه ابنُ مفلحٍ إلى بعضِ الحنابلةِ، وبعضِ الشافعيةِ (٢). وقد مالَ إليه: شهابُ الدينِ القرافي (٣)، وابنُ حمدان (٤). وقد أوّلَ تاجُ الدينِ بنُ السبكي قولَ أبي إسحاقَ، فقال: "لعله أرادَ ممارسةَ الفقهِ" (٥). ولم يرتضِ الزركشيُّ تاويلَ تاجِ الدينِ بنِ السبكي؛ لصراحةِ قولِ أبي إسحاقَ في اشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ (٦). • أدلة القولين: دليل أصحاب القول الأول: الفروعُ الفقهيةُ مِنْ نتاجِ الاجتهادِ، فهي مولَّدة مِن المجتهدين بعدَ حيازتهم منصبَ الاجتهادِ، ولو اشتُرِطَتْ معرفتُها في الاجتهادِ، للزم الدّورُ؛ لتوقفِ الاجتهادِ على فرعِه الذي هو الفروعُ الفقهيةُ (٧). دليل أصحاب القول الثاني: لا ريبَ في أنَّ معرفةَ أصولِ الفقهِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، والفروعُ الفقهيةُ يُحتاجُ إليها في أصولِ الفقهِ في أمرين: الأول: تصورُها؛ لأنَّ أصولَ الفقهِ أدلةٌ مضافةٌ للفقهِ، ومعرفةُ المضافِ فرعُ معرفةِ المضافِ إليه.

стр. 211

الثاني: التمثيلُ بالفروعِ، والاستشهادُ بها، والاحتجاجُ لها، والنقضُ على الخصومِ وعلى الأدلةِ. فإذا كان منصبُ الاجتهادِ متوقفًا على أصولِ الفقهِ، وأصولُ الفقهِ متوقفةٌ على الفروعِ - من الوجهين المتقدمين - لَزمَ توقفُ منصبِ الاجتهادِ على الفروعِ (١). ويمكن مناقشة الدليل: بأنَّ ما ذُكِرَ مسلَّمٌ به؛ لكنْ لا يلزمُ منه معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ، بلْ يكفي لتحقيقِه أمثلةٌ مِن الفروعِ على المسألةِ الأصوليةِ. • الموازنة والترجيح: يَظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّه لا تُشترطُ معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ؛ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وذلك للآتي: أولًا: كيفَ نجعلُ ثمرةَ الاجتهادِ، وهي: الفروعُ الفقهيةُ شرطًا لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ ! فلا يكونُ مجتهدًا حتى يعرفَ الفروعَ، ولا يُولّدُ الفروعَ حتى يجتهد! ثانيًا: تتابعُ أكثرِ الأصوليين على القولِ بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروع الفقهيةِ لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ. ومَعَ القولِ بعدمِ الاشتراطِ، إلا أنَّ الواقعَ العلميّ يدلُّ على أنَّ العالمَ لا ينالُ منصبَ الاجتهادِ إلا بالتدرجِ في العلمِ، وممارسةِ الفقه؛ ومطالعةِ ما ولّده المجتهدون مِنْ قبلُ، ومعرفةِ مداركِهم، ومآخذِ أقوالِهم، وهذا طريقُ تحصيلِ الدّربةِ فيه، كما نبّه إلى ذلك أبو حامدٍ الغزالي (٢). يقولُ ابنُ حمدان: "وقيل: لا يُشترطُ حفظُه لفروعِ الفقهِ؛ لأنَّه فرعُ الاجتهادِ، وفيه بُعْدٌ" (٣).

стр. 212

ولعلَّ البعدَ الذي أشارَ إليه ابنُ حمدان، مِنْ جهةِ ما يشهدُ به الواقعُ العلميُّ مِنْ أنَّ نيلَ رتبةِ الاجتهادِ بالتدرجِ في الفقهِ. ويقولُ الشيخُ محمد الخضر حسين: "التحقيق أنَّ معرفةَ المذاهب، ودَرْسَ أحكامِ الفقهِ مربوطةٌ بأصولِها، ممَّا يخطو بالعالمِ في سبيلِ الاجتهَادِ خطوات سريعة، لولا دراسةُ الفقهِ على هذا الوجهِ، لأنْفَقَ في بلوغِها مجهودًا كبيرًا، وزمنًا طويلًا" (١). • نوع الخلاف: يظهرُ لي أنَّ الخلاف ليس له أثرٌ في الواقعِ العلمي؛ إذ يبعدُ أنْ يبلغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ، دونَ أنْ يَسْبِقَ ذلك معرفةٌ بالفروعِ الفقهيةِ. فالقائلون بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروعِ، كالمقرّينَ بأنَّ ممارسةَ الفقهِ أمرٌ لا بُدَّ منه للوصولِ إلى رتبةِ الاجتهادِ. • سبب الخلاف: يحتمل أنَّ سببَ الخلافِ في مسألة: (اشتراط معرفة الفروع الفقهية لبلوغ رتبة الاجتهاد)، عائدٌ إلى لزومِ الدّورِ. فمَنْ رأى لزومَ الدورِ مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، مَنَعَ الاشتراط، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ لم يرَ لزوم الدور مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، اشترط معرفتها، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني. وفي ختامِ الحديثِ عن شروطِ المجتهدِ، أرى مِن المناسبِ سوق كلامٍ موجزٍ للشيخِ محمد الطاهر ابنِ عاشور، يتضمّنُ خلاصةً مفيدةً في بابِها، يقولُ: "مرجعُ هذه الشرائطِ إلى أربعةِ أشياء: الأول: الإدراكُ، وإليه يرجعُ البلوغُ والعقلُ.

стр. 213

الثاني: العلمُ، وإليه يرجعُ ما اشتُرِطَ علمُه به ممَّا يفيدُه ملكةً يَفهمُ بها مقصدَ الشارعِ مِنْ أقوالِه وتصرفاتِه. وذلك بعلمِ الشريعةِ والإحاطةِ بمعظم قواعدِها، وما يعين على ذلك مِنْ علمِ اللغةِ، سواء كان ذلك اكتسابًا بممارسةِ كلامِ العربِ واستعمالِهم، أو ممارسة علومِ العربيةِ، أو كان له سجيةٌ، كعلمِ مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم. الثالث: الفهمُ، وهو أنْ يكون له فقهُ نفسٍ بطريقِ الفهمِ والجدلِ، وملكةٌ بها يُدركُ العلومَ النظريةَ، سواء اكتسب ذلك بممارسةِ علومِ المنطقِ والجدلِ، أم كان له فطرة في سلامةِ طبعٍ، وربّما كان التضلعُ في أساليب الاستعمالِ كافيًا عن ذلك، كما كان يكفى مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم. الرابع: الثقةُ في إخبارِه عمَّا بَلَغَ إليه اجتهادُه، وإليه يرجعُ شرطُ العدالةِ على القول باشتراطِها، والجمهورُ على عدمِه" (١). * * *

стр. 214

المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب وفيه ثمانية فروع: الفرع الأول: القول الفرع الثاني: مفهوم القول الفرع الثالث: الفعل الفرع الرابع: السكوت الفرع الخامس: التوقف الفرع السادس: القياس على قول الإمام الفرع السابع: لازم قول الإمام الفرع الثامن: ثبوت الحديث

стр. 215

توطئة لقد اهتمَّ أتباعُ الأئمةِ بما جاءَ عن أئمتِهم، ونظرًا لانحصار ما جاءَ عن الأئمةِ مِنْ أقوال، ولكثرةِ النوازلِ التي تحتاجُ إلى بيانِ حكمِها - ممَّا لم يَرِدْ بشانِه نصٌّ عن الأئمةِ - فقد اتجه كثير مِن الأتباعِ إلى استخراجِ أقوالِ أئمتِهم بطرقِ متعددةٍ؛ لتفي بنوازلِ عصرِهم. وقد تحصَّل لديَّ مِنْ فعلِ أربابِ المذاهبِ ثمانية طوقٍ - وفي بعضِها خلافٌ - لإثباتِ قولِ الإمام، وهي: الطريقُ الأول: القول. الطريقُ الثاني: المفهوم. الطريقُ الثالث: الفعل. الطريقُ الرابع: السكوت. الطريقُ الخامس: التوقف. الطريقُ السادس: القياس على القول. الطريقُ السابع: لازم القول. الطريقُ الثامن: الحديث الصحيح. وسأعرضُ الطرقَ الثمانية في الفروعِ الآتيةِ:
следующие страницы →