← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الثاني: التمثيلُ بالفروعِ، والاستشهادُ بها، والاحتجاجُ لها، والنقضُ على الخصومِ وعلى الأدلةِ. فإذا كان منصبُ الاجتهادِ متوقفًا على أصولِ الفقهِ، وأصولُ الفقهِ متوقفةٌ على الفروعِ - من الوجهين المتقدمين - لَزمَ توقفُ منصبِ الاجتهادِ على الفروعِ (١). ويمكن مناقشة الدليل: بأنَّ ما ذُكِرَ مسلَّمٌ به؛ لكنْ لا يلزمُ منه معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ، بلْ يكفي لتحقيقِه أمثلةٌ مِن الفروعِ على المسألةِ الأصوليةِ. • الموازنة والترجيح: يَظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّه لا تُشترطُ معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ؛ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وذلك للآتي: أولًا: كيفَ نجعلُ ثمرةَ الاجتهادِ، وهي: الفروعُ الفقهيةُ شرطًا لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ ! فلا يكونُ مجتهدًا حتى يعرفَ الفروعَ، ولا يُولّدُ الفروعَ حتى يجتهد! ثانيًا: تتابعُ أكثرِ الأصوليين على القولِ بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروع الفقهيةِ لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ. ومَعَ القولِ بعدمِ الاشتراطِ، إلا أنَّ الواقعَ العلميّ يدلُّ على أنَّ العالمَ لا ينالُ منصبَ الاجتهادِ إلا بالتدرجِ في العلمِ، وممارسةِ الفقه؛ ومطالعةِ ما ولّده المجتهدون مِنْ قبلُ، ومعرفةِ مداركِهم، ومآخذِ أقوالِهم، وهذا طريقُ تحصيلِ الدّربةِ فيه، كما نبّه إلى ذلك أبو حامدٍ الغزالي (٢). يقولُ ابنُ حمدان: "وقيل: لا يُشترطُ حفظُه لفروعِ الفقهِ؛ لأنَّه فرعُ الاجتهادِ، وفيه بُعْدٌ" (٣).

стр. 212

ولعلَّ البعدَ الذي أشارَ إليه ابنُ حمدان، مِنْ جهةِ ما يشهدُ به الواقعُ العلميُّ مِنْ أنَّ نيلَ رتبةِ الاجتهادِ بالتدرجِ في الفقهِ. ويقولُ الشيخُ محمد الخضر حسين: "التحقيق أنَّ معرفةَ المذاهب، ودَرْسَ أحكامِ الفقهِ مربوطةٌ بأصولِها، ممَّا يخطو بالعالمِ في سبيلِ الاجتهَادِ خطوات سريعة، لولا دراسةُ الفقهِ على هذا الوجهِ، لأنْفَقَ في بلوغِها مجهودًا كبيرًا، وزمنًا طويلًا" (١). • نوع الخلاف: يظهرُ لي أنَّ الخلاف ليس له أثرٌ في الواقعِ العلمي؛ إذ يبعدُ أنْ يبلغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ، دونَ أنْ يَسْبِقَ ذلك معرفةٌ بالفروعِ الفقهيةِ. فالقائلون بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروعِ، كالمقرّينَ بأنَّ ممارسةَ الفقهِ أمرٌ لا بُدَّ منه للوصولِ إلى رتبةِ الاجتهادِ. • سبب الخلاف: يحتمل أنَّ سببَ الخلافِ في مسألة: (اشتراط معرفة الفروع الفقهية لبلوغ رتبة الاجتهاد)، عائدٌ إلى لزومِ الدّورِ. فمَنْ رأى لزومَ الدورِ مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، مَنَعَ الاشتراط، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ لم يرَ لزوم الدور مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، اشترط معرفتها، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني. وفي ختامِ الحديثِ عن شروطِ المجتهدِ، أرى مِن المناسبِ سوق كلامٍ موجزٍ للشيخِ محمد الطاهر ابنِ عاشور، يتضمّنُ خلاصةً مفيدةً في بابِها، يقولُ: "مرجعُ هذه الشرائطِ إلى أربعةِ أشياء: الأول: الإدراكُ، وإليه يرجعُ البلوغُ والعقلُ.

стр. 213

الثاني: العلمُ، وإليه يرجعُ ما اشتُرِطَ علمُه به ممَّا يفيدُه ملكةً يَفهمُ بها مقصدَ الشارعِ مِنْ أقوالِه وتصرفاتِه. وذلك بعلمِ الشريعةِ والإحاطةِ بمعظم قواعدِها، وما يعين على ذلك مِنْ علمِ اللغةِ، سواء كان ذلك اكتسابًا بممارسةِ كلامِ العربِ واستعمالِهم، أو ممارسة علومِ العربيةِ، أو كان له سجيةٌ، كعلمِ مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم. الثالث: الفهمُ، وهو أنْ يكون له فقهُ نفسٍ بطريقِ الفهمِ والجدلِ، وملكةٌ بها يُدركُ العلومَ النظريةَ، سواء اكتسب ذلك بممارسةِ علومِ المنطقِ والجدلِ، أم كان له فطرة في سلامةِ طبعٍ، وربّما كان التضلعُ في أساليب الاستعمالِ كافيًا عن ذلك، كما كان يكفى مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم. الرابع: الثقةُ في إخبارِه عمَّا بَلَغَ إليه اجتهادُه، وإليه يرجعُ شرطُ العدالةِ على القول باشتراطِها، والجمهورُ على عدمِه" (١). * * *

стр. 214

المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب وفيه ثمانية فروع: الفرع الأول: القول الفرع الثاني: مفهوم القول الفرع الثالث: الفعل الفرع الرابع: السكوت الفرع الخامس: التوقف الفرع السادس: القياس على قول الإمام الفرع السابع: لازم قول الإمام الفرع الثامن: ثبوت الحديث

стр. 215

توطئة لقد اهتمَّ أتباعُ الأئمةِ بما جاءَ عن أئمتِهم، ونظرًا لانحصار ما جاءَ عن الأئمةِ مِنْ أقوال، ولكثرةِ النوازلِ التي تحتاجُ إلى بيانِ حكمِها - ممَّا لم يَرِدْ بشانِه نصٌّ عن الأئمةِ - فقد اتجه كثير مِن الأتباعِ إلى استخراجِ أقوالِ أئمتِهم بطرقِ متعددةٍ؛ لتفي بنوازلِ عصرِهم. وقد تحصَّل لديَّ مِنْ فعلِ أربابِ المذاهبِ ثمانية طوقٍ - وفي بعضِها خلافٌ - لإثباتِ قولِ الإمام، وهي: الطريقُ الأول: القول. الطريقُ الثاني: المفهوم. الطريقُ الثالث: الفعل. الطريقُ الرابع: السكوت. الطريقُ الخامس: التوقف. الطريقُ السادس: القياس على القول. الطريقُ السابع: لازم القول. الطريقُ الثامن: الحديث الصحيح. وسأعرضُ الطرقَ الثمانية في الفروعِ الآتيةِ:

стр. 216

الفرع الأول: القول تشحُّ كتاباتُ الأصوليين - عدا ما دوّنه علماءُ الحنابلةِ - في الحديثِ عن هذا الفرعِ؛ ولعلَّ ذلك عائدٌ إلى أنّه لا يكادُ يختلف أحدٌ في إثباتِ مذهبِ الإمامِ عَنْ طريقِ قولِه، بلْ إنَّه الطريقُ الأصيلُ في نقلِ أقوالِ الإمامِ. يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "أمَّا الفتوى بالقولِ؛ فهو الأمرُ المشهورُ، ولا كلامَ فيه" (١). ويقولُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: "مذاهبُ الأئمةِ تُؤْخَذُ مِنْ أقوالِهم" (٢). ولم يزل الناسُ ينسبون إلى غيرِهم أقوالَهم الثابتةَ عنهم. والمرادُ بالقولِ هنا: قولُ إمامِ المذهبِ الذي كتبه، أو أملاه، أو تلفَّظَ به، ونُقِلَ عنه (٣). والنظرُ إلى قولِ الإمامِ مِن جهتين: الجهة الأولى: ثبوتُ القولِ عن إمامِ المذهبِ. الجهة الثانية: دلالةُ قولِ إمام المذهبِ. الجهة الأولى: ثبوتُ القولِ عن إمامِ المذهبِ. قبلَ النظرِ في دلالةِ قولِ الإمامِ، لا بُدَّ أولًا مِن النظرِ في ثبوتِ القولِ عنه. تصلُ أقوالُ إمامِ المذهبِ إلينا مِنْ طريقين: الطريق الأول: مؤلفاتُ إمامِ المذهبِ.

стр. 217

الطريق الثاني: ذِكرُ التلاميذِ قولَ إمامِ مذهبِهم، وتفسيرُهم له (١). الطريق الأول: مؤلفاتُ إمامِ المذهبِ. يقولُ أبو الحسين البصري متحدثًا عنْ مؤلفاتِ الأئمةِ: "أو ما يذكرُه - أيْ: المجتهد - في تصنيفِه، لأنَّ العلماءَ أجروا ما يُوْجَدُ في التصنيفِ مجرى ما يظهرُ بالقولِ في بابِ الإضافةِ إلى صاحبِ المذهبِ" (٢). ويُعَدُّ هذا الطريق أفضل طريقٍ لثبوتِ رأي إمامِ المذهبِ (٣). وإذا ألَّفَ إمامُ المذهب كتابًا، فإنَّ ما يذكرُه فيه مِنْ أقوالِه التي كتبها، تصحُّ نسبتها إليه، بالإجماعِ (٤). وإذا أوردَ إمامُ المذهبِ قولًا في مؤلَّفِه، فهنا أربعة أنواع: النوع الأول: إذا صرَّحَ إمامُ المذهبِ باختيارِ القولِ، أو ترجيحِه، أو تصحيحِه، فهذا قولُه. النوع الثاني: إذا ساقَ إمامُ المذهبِ قولًا واحدًا في المسألةِ؛ فما ذكره يُعَدُّ قولًا له. النوع الثالث: إذا ساقَ إمامُ المذهب أقوالًا، وأوردَ أدلتها، وأجابَ عنها، وسَلِمتْ منها أدلةُ قولٍ مِنْ تلكَ الأقوالِ، فالقولُ السالمُ مِن الاعتراضِ هو قولُه الذي يُنسبُ إليه. النوع الرابع: إذا نَقَلَ إمامُ المذهبِ عن غيرِه مِن العلماءِ قولًا، فهنا تفصيلٌ، ويمكنُ ذكرٌ ثلاثِ حالاتٍ تحت النوعِ الرابع:

стр. 218

الحالة الأولى: أنْ ينقلَه، ويختارَه، فهو قولُه، وتصحُّ نسبتُه إليه. الحالة الثانية: أنْ ينقلَه، وَيردَّه، فليس المنقولُ قولَه. الحالة الثالثة: أنْ ينقلَه دونٍ تصريحٍ باختيارٍ أو ردٍّ، فهذه الحالةُ تحتملُ صحةَ نسبةِ القولِ إليه، وعدمَها: فيُنظرُ في مؤلفاتِ الإمامِ الأخرى، أو فيما نقلَه عنه طلابُه، أو فيما حرره محققو مذهبه: فإنْ وُجِدَ فيها ما يدلُّ على اختيارِ القولِ، نُسب إليه. وإنْ وُجِدَ فيها ما يدلُّ على تضعيفِ القولِ، لم ينسبْ إليه (١). وإنْ لم يُوجدْ على ما يُرَجّحُ أحد الاحتمالين، فإنَّه ينسبُ إليه، وهذا هو ظاهرُ إطلاقِ المرداوي؛ إذ يقولُ: "وما دوّنه في كتبِه، ولم يَرُدّه، ولم يُفْتِ بخلافِه، فهو مذهبُه" (٢). وذَهَبَ الدكتورُ عياض السلمي إلى أنَّه مسكوتٌ عنه (٣). الطريق الثاني: ذكرُ التلاميذِ قولَ إمامِ مذهبِهم، وتفسيرُهم له. الطريق الثاني لثبوتِ قولِ الإمامِ: ما يذكرُه تلامذتُه مِنْ أقوالِه التي قالها - إمَّا بنصِّها، وإمَّا بحكايتِها - أو إجاباتِه عن الأسئلةِ التي سُئِلَ عنها، أو تفسيرِهم لأقوالِه. وينقسمُ الطريقُ الثاني ثلاثةَ أقسام: القسم الأول: نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم. القسم الثاني: حكايةُ التلاميذِ قولَ إمامِهم.

стр. 219

القسم الثالث: تفسيرُ التلاميذِ قولَ إمامِهم (١). القسم الأول: نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم. يُعدُّ نقلُ التلاميذِ قول إمامِهم مِنْ أفضلِ الطرقِ بعدَ مؤلفاتِ الإمامِ إنْ لم يكنْ أفضلها؛ لأنَّ ملازمةَ التلاميذِ لإمامِهم، وتدوينَهم ما صَدَرَ عنه مْنْ أقوالٍ وفتاوى وإجاباتٍ، تجعلُ هذا الطريقَ صحيحًا للتّعرفِ على قولِ إمامِ المذهبِ (٢). ويندرجُ تحتَ القسمِ الأولِ حالتان: الحالة الأولى: أنْ يتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنه. الحالة الثانية: أنْ يختلفَ تلاميذ الإمامِ في النقلِ عنه. الحالةُ الأُولى: أنْ يتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنه. إذا اتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنْ إمامِهم دونَ اختلافٍ بينهم، فالمنقولُ قولُ الإمامِ الذي تصحُّ نسبتُه إليه (٣)؛ وذلك لعدمِ تَطرّقِ الشكِّ إلى نقلِهم (٤). ولم أقفْ على مَنْ تكلَّمَ عنْ هذه المسألةِ مِن المتقدمين - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ولعلَّ إغفالَهم الحديث عنها عائدٌ إلى صحةِ نسبةِ القولِ المنقولِ حينئذٍ. وتحسنُ الإشارةُ إلى مسألةٍ، وهي: إذا انفردَ أحدُ تلاميذِ الإمامِ بنقلِ قولِه، فهل ينسبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ؟

стр. 220

في الحقيقةِ لم أقفْ على مَنْ تكلَّم عن هذه المسألةِ على وجهِ الخصوصِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ولا يظهرُ لي مانعٌ مِنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في هذه الحالةِ، إذا كان التلميذُ عدلًا، ولا سيما أنَّ علماءَ المذهبِ الحنبلي - ولهم قَصَبُ السبقِ في الحديثِ عنْ مسألةِ: (صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في ضوءِ ما نقله التلاميذُ) - لم يشترطوا في التلميذِ الناقلِ قول إمامِهم أنْ يوافقَه غيرُه في نقلِه. ويمكنُ أنْ يستدلَّ على ذلك: بأنَّ قولَ النبيّ ﷺ يثبتُ بنقلِ الواحدِ إذا كانَ الناقلُ عدلًا، وإذا ثَبَتَ قولُ النبيّ ﷺ ، وهو أجلُّ قدرًا مِنْ غيرِه؛ فمِنْ بابٍ أولى أنْ يثبتَ قولُ الإمامِ بنقلِ الواحدِ عنه. الحالة الثانية: أنْ يختلفَ تلاميذُ الإمامِ في النقلِ عنه. إذا نَقَلَ التلاميذُ قولَ إمامِهم، ولم يتفقوا في نقلِهم عنه، بل اختلفوا فيه، فالأمرُ في هذه الحالةِ لا يخلو مِنْ صورتين: الصورة الأولى: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ، وليس أحدُهم منفردًا بالاختلافِ. الصورة الثانية: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الأمامِ بانفرادِ أحدِهم بالاختلافِ. الصورة الأولى: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ، وليس أحدُهم منفردًا بالاختلافِ. إذا نَقَلَ التلاميذُ قولًا لإمامِهم، واختلفوا فيه، دونَ أنْ ينفردَ أحدُهم بالمخالفةِ، فمذهبُ الإمامِ لا يخرجُ عنْ نقلِهم. ويبقى النظرُ في الترجيحِ بين تلك الأقوالِ؛ ليُنْسَبَ إلى الإمام واحدٌ منها (١)، وستأتي مسالةُ: (الترجيح بين أقوال الإمام) في مطلبٍ مستقلٍّ.

стр. 221

الصورة الثانية: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ بانفرادِ أحدِهم بالاختلافِ. إذا نَقَلَ التلاميذُ قولَ الإمامِ، وانفردَ أحدُهم بنقلٍ يخالفُ ما نَقَلَه الباقون، فهلْ يُنْسَبُ قولُ المنفرِد إلى الإمامِ؟ لقد تكلَّم علماءُ الحنابلةِ عن هذه الصورةِ، والذي تحصَّلَ لديَّ مِنْ خلالِ تأمّلِ كلامِهم فيها، أنَّ الأمرَ لا يخلو مِنْ حالتين: الحالة الأولى: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وليس للقولِ دليلٌ قوي. الحالة الثانية: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وللقولِ دليلٌ قوي. الحالة الأولى: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولِ عن الإمامِ، وليس للقولِ دليلٌ قوي. إذا انفردَ أحدُ تلاميذِ الإمامِ بنقلٍ عنه، وليس للقولِ دليلٌ قوي، فالظاهرُ في هذه الحالةِ عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ. وهذا هو ظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ؛ لأنَّ خلافَهم - في حالِ انفرادِ أحدِ التلاميذِ بنقلٍ عن الإمامِ مخالفًا لبقيتِهم - منصبٌّ على ما إذا كانَ هناك دليلٌ قوي (١). ومفهومُ هذا القيدِ: أنْ لا يُنْسَبَ القولُ إلى الإمامِ إذا لم يكنْ للقولِ المنفرد دليلٌ قويٌّ. الحالة الثانية: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وللقولِ دليلٌ قوي. إذا نَقَلَ تلاميذُ الإمامِ قولًا عنْ إمامِهم، وانفردَ أحدُهم بالمخالفةِ فنَقَلَ

стр. 222

قولًا يخالفُ بقيتَهم، وللقولِ المنفرِدِ دليلٌ قوي، فهل تصحُّ نسبةُ القول الذي انفردَ به التلميذُ إلى إمامِه في هذه الحالةِ؟ اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام في هذه الحالةِ على قولين: القول الأول: يُنْسَبُ القولُ إلى الإمامِ. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (١). واختاره: الحسنُ بنُ حامدٍ (٢)، والمرداويُّ (٣). القول الثاني: لا يُنْسَبُ القولُ إلى الإمامِ. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلة (٤). ونَسَبَه ابنُ حمدان إلى أكثر الحنابلةِ (٥). واختاره: الخلالُ (٦)،

стр. 223

وغلامُه (١). • أدلةُ القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ لدى المنفردِ بالنقلِ زيادةَ علمٍ على بقيةِ الناقلين، والزيادةُ مِن العدلِ مقبولةٌ في الحديثِ النبوي (٢)، وإذا قُبِلَت الزيادةُ في الحديثِ النبوي، فقبولُها في غيرِه مِنْ بابٍ أولى (٣). الدليل الثاني: أنَّ الراوي عن الإمامِ ثقةٌ، وخبيرٌ بما نَقَلَه، وهذا الوصفُ كافٍ في صحةِ نسبةِ ما نَقَلَه إلى الإمامِ (٤). دليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ نسبةَ الخطإِ إلى الواحدِ أولى مِنْ

стр. 224

نسبتِه إلى الجماعةِ، والأصلُ في نقلِ التلاميذِ اتحادُ المجلسِ (١). مناقشةُ دليلِ أصحاب القولِ الثاني: قولُكم باتحاد المجلس مجرّدُ دعوى، ليس عليها دليلٌ، بل المقامُ يحتملُ اتحادَ المجلسِ، وعدمَه، وانفرادُ التلميذِ بالنقلِ يُرجّحُ تعددَ المجلسِ، وعدمَ اتحادِه، والأصلُ في الراوي الثقةِ عدمُ الغفلةِ (٢). • الموازنة والترجيح: بتأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي التفصيلُ الآتي: أولًا: إذا ظهرتْ قرينةٌ ترجِّحُ تعددَ المجلسِ، نُسِبَ نقلُ التلميذِ المنفردِ إلى الإمامِ. ثانيًا: إذا ظهرتْ قرينةٌ تدلُّ على اتحادِ المجلسِ، لم يُنْسبْ نقلُ التلميذِ المنفردِ إلى الإمامِ؛ لترجّحِ غفلتِه حينئذٍ. ثالثًا: إذا لم تظهر قرينةٌ مُرجحةٌ لتعددِ المجلسِ، أو اتحادِه، نُسِبَ النقلُ إلى الإمامِ، لأنَّ الأصلَ في التلميذِ أنْ يكونَ عارفًا بمعاني كلامِ إمامِه. رابعًا: إذا كانَ التلميذُ المنفردُ بالنقلِ كثيرَ الانفرادِ في نقلِه عنْ إمامِه، مخالفًا لما ينقلُه الباقون، فهنا يُتَوقفُ في نقلِه، فلا يُقبلُ؛ لكثرةِ مفاريدِه المخالفةِ لما ينقله البقيةُ، الموجبة للريبِ في ضبطِه وحفظِه. يقولُ ابنُ القيمِّ - في حديثِه عنْ تفردِ حنبلٍ (٣) بالنقلِ عن الإمامِ

стр. 225

أحمدَ -: "فإنَّ حنبلًا تفرّدَ بها عنه - أيْ: عن الإمامِ أحمدَ - وهو كثيرُ المفاريدِ المخالفةِ للمشهورِ مِنْ مذهبِه، وإذا تفرّدَ بما يخالفُ المشهورَ: فالتحقيقُ أنَّها روايةٌ شاذةٌ مخالفةٌ لجادّةِ مذهبِه" (١). ويقولُ أيضًا: "أصحابُ أحمدَ إذا انفردَ راوٍ عنه بروايةٍ تكلموا فيها، وقالوا: تفردَ بها فلانٌ، ولا يكادون يجعلونها روايةً؛ إلا على إغماضٍ، ولا يجعلونها معارضةً لروايةِ الأكثرين عنه، وهذا موجودٌ في كتبِهم" (٢). وأمَّا القول بأنَّ انفرادَ التلميذِ بالنقلِ يُعَدُّ مِنْ قبيلِ الزيادةِ، فلا يظهرُ لي هذا الاستدلالُ؛ لأنَّ التلميذَ لم يتفردْ بزيادةٍ، وإنَّما انفردَ بنقلٍ مخالفٍ لما نَقَلَه البقيةُ، فهم يقولونَ مثلًا: قالَ الإمامُ: إنَّه حرام، وهو يقولُ: قال الإمامُ: إنَّه مباح، وهذه مخالفةُ، وليس بزيادةٍ. • سبب الخلاف يظهرُ أنَّ الخلافَ عائد إلى احتمالِ الخطأِ في نقلِ التلميذِ: فمَنْ رجَّحَ احتمالَ الصواب على الخطأِ في النقلِ، صحّحَ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أصَحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ رجّحَ احتمالَ الخطأِ، لم يُصححْ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني. ويتصلُ بالقسمِ الأولِ: (نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم) مسألتانِ، وهما: المسألة الأولى: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ أو حديثٍ أو بقولِ

стр. 226

صحابيٍّ، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟ المسألة الثانية: إذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ، فأجابَ بقولِ فقيهٍ، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟ المسألة الأولى: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ أو حديثٍ أو بقولِ صحابيٍّ، فهل ينسبُ إليه ما أورده في جوابِه؟ يمكنُ تفصيلُ الحديثِ في هذه المسألةِ على النحو الآتي: أولًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ مِن القرآنِ الكريمِ. إذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ عن مسألةٍ ما، فأجابَ عن السؤالِ بتلاوةِ آيةٍ، كان قولُه في المسألة هو ما دلّتْ عليه الآيةُ. وهذا هو مذهبُ الحنابلةِ (١). الأدلةُ على اعتبارِ قولِ الأمامِ ما دلَّتْ عليه الآيةُ: الدليل الأول: أنَّ الإجابةَ بالآيةِ الكريمةِ، وجعلَها بمنزلةِ القولِ والبيانِ، هو منهجُ النبي ﷺ (٢)، ويشهدُ لذلك عدّةُ وقائع، منها: الأولى: حادثةُ اللعانِ (٣)، لمَّا جاءَ إلى النبي ﷺ الرجلُ يقذفُ زوجتَه، فقالَ له النبيُّ ﷺ : (البينةُ، وإلا حدٌّ في ظهرِك). فأنزَلَ الله آيةَ اللعانِ، فدعاه النبيُّ ﷺ ، فَقَرَأَ عليه الآية (٤). الثانية: قصةُ المجادلةِ، لمَّا جاءت المرأةُ إلى النبي ﷺ ، تخبرُه أنَّ

стр. 227

زوجَها قد ظاهرَ (١) منها، فأنزلَ الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) .. فدعاها النبيُّ ﷺ ، وزوجَها، فَقَرَأَ عليهما الآيةَ (٣). الدليل الثاني: إذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ عن مسألةٍ، فإنَّ الجوابَ متعيّنٌ عليه، فإذا تلا الآيةَ، كان جوابُه بتلاويها بيانًا لحكمِ المسؤول عنه (٤). ثانيًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بالحديثِ النبوي. إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بالحديثِ النبوي، كان قولُه في هذه الحالةِ

стр. 228

هو ما دلّ عليه الحديثُ. وهذا مذهبُ الحنابلةِ (١)، يقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: "هذا مذهبُ أصحابِنا كافّةً، لا أعلمُ بينهم فيه خلافًا" (٢). أمثلة للإجابة بالحديثِ النبوي: المثال الأول: قال أبو الحارث (٣): قلتُ لأبي عبدِ الله أحمدَ بن حنبل: صدقةُ الخيلِ والرقيقِ؟ فقال: حديثُ النبيّ ﷺ : (ليس على الرجلِ في عبدِه، ولا فرسِه صدقةٌ) (٤). المثال الثاني: قال الأثرمُ (٥): قلتُ للإمامِ أحمدَ: الرجلُ انقطعَ

стр. 229

شسعُ (١) نعلِه، أيمشي في الأخرى؟ فقال: لا؟ حديث النبيّ ﷺ : (إذا انقطعَ شسعُ أحدِكم فلا يمشِ في الأخرى حتى يصلحها) (٢). الأدلةُ على اعتبارِ قولِ الإمامِ ما دلَّ عليه الحديثُ النبوي: الدليل الأول: أنَّ الجوابَ بالحديثِ كالجوابِ بالآيةِ؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ، وتصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على إجابتِه بالآيةِ - كما تقدمَ قبل قليلٍ - فكذلك إجابتُه بالحديثِ النبوي (٣). الدليل الثاني: أنَّ مِنْ نهجِ الصحابةِ ﵃ الإفتاءَ والجوابَ بالحديثِ النبوي (٤)، فمِنْ ذلك: أولًا: في حادثةِ قتالِ مانعي الزكاةِ الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵃ قال له عمرُ بن الخطاب ﵁ كيفَ تقاتلُ، وقد قال ﷺ : (أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله)؟ (٥).

стр. 230

ثانيًا: لما اختلفَ الصحابة ﵃ في مسألةِ: (إيجاب الغسلِ بالإيلاجِ دونَ إنزالٍ)، وسالَ الصحابةُ ﵃ عائشةَ ﵂، فقالتْ: علىَ الخبيرِ سقطت، قالَ ﷺ : (إذا جَلَسَ بين شعبِها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وَجَبَ الغُسلُ) (١). الدليل الثالث: أنَّ إجابةَ إمامِ المذهب بالحديثِ إعلامٌ وبيانٌ أنَّ مدلولَ الحديثِ قولُه، ولو لم يتبيّنْ له مدلولُ الحَديثِ، لما أجابَ به (٢). يبقى أنْ أقولَ: إنَّ ابنَ حامدٍ (ت: ٤٠٣ هـ) أشارَ إلى قولٍ آخر في المسألةِ، وهو عدمُ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، وقد وَصَفَه بأنَّه شذوذٌ مِنْ بعضِ المتأخرين (٣). ثالثًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بقول صحابي. إذا أجابَ الإمامُ بقولِ صحابي، فقوله كقولِ الصحابي الذي ذكره في جوابِه (٤). أمثلةُ للإجابةِ بقولِ الصحابي: المثال الأول: قالَ المرّوذيُّ (٥): قلتُ للإمامِ أحمدَ: يُؤَذّنُ وهو قاعدٌ؟

стр. 231

قالَ: "قد رُويَ عنْ رجلٍ مِنْ أصحابِ النبي ﷺ " (١). المثال الثاني: قالَ صالح بنُ أحمدَ (٢): قلتُ لأبي: صلاةُ الجماعةِ؟ فقالَ: أخشى أنْ تكونَ فريضةٌ، ولو ذَهَبَ الناسُ يجلسون عنها، لتعطلت المساجدُ، ويروى عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ: (مَنْ سمعَ النداءَ فلم يجبْ، فلا صلاة له) (٣).

стр. 232

الأدلةُ على اعتبارِ إجابةِ إمامِ المذهبِ بقولِ الصحابي أنَّها قولُه: الدليل الأول: أنَّ مقامَ الجوابِ مقامُ بيانٍ، ولا يَسَعُ إمام المذهبِ أنْ يجيبَ إلا بقولِه، ولا يفتي إلا بما يصحُّ له، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ إجابةَ إمامِ المذهبِ بقولِ الصحابي بيانٌ مِنْه للحُكم، وظاهرُه أنَّه موافقٌ للصحابي الذي أوردَ قولَه (١).

стр. 233

الدليل الثاني: أنَّ الجوابَ بقولِ الصحابي كالجواب بالآيةِ والحديثِ؛ لأنَّ كلًّا منها حجةٌ، وتصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على إجابتِه بالآيةِ والحديثِ - كما تقدم - فكذلك إجابتُه بقولِ الصحابي. المسألة الثانية: إذا سُئِلَ إمام المذهب، فأجاب بقول فقيه، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟ • تحرير محل النزاع: أولًا: إذا صرَّحَ إمامُ المذهب في جوابِه باختيارِ القولِ، أو إذا اقترنَت بجوابِه قرينةٌ دالةٌ على موافقتِه له: نَسِبَ القولُ إليه. ثانيًا: إذا صرَّحَ إمامُ المذهب في جوابِه بردِّ القولِ، أو إذا اقترنَت بجوابِه قرينةٌ دالةٌ على ردَّه له: لم يُنسَب القولُ إليه. ثالثًا: إذا تجرّدَ جوابُ إمامِ المذهب عنْ تصريحٍ باختيارِ القول أو ردِّه، وعن قرينةٍ دالةٍ على موافقتِه، أو ردَّه لَما حكاه، فهذا محلُّ النزاعِ (١). • الأقوال في المسالة: اختلفُ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ على قولين: القول الأول: يُنْسَبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ. وهذا القولُ وجةٌ عند الحنابلةِ (٢). واختاره: ابن حامدٍ (٣)، والمرداويُّ (٤). القول الثاني: لا يُنْسَبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ، وإنَّما يُنسبُ إليه أنَّه أَخبَرَ عن غيرِه.

стр. 234

وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (١). ونَسَبَه ابنُ حامدٍ إلى بعض الحنابلة (٢). واختاره: ابنُ حمدان (٣). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ السؤالَ يقتضي جوابًا مِن المسؤولِ، ومتى ما صَدَرَ جوابٌ مِن الإمامِ - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا أم قولَ فقيهٍ - فإنَّه يُنسبُ إليه؛ إذْ لو لم يُنْسب القولُ إليه، لما عُدَّ مجيبًا عن السائلِ، ولَمَا اقتصرَ في الجوابِ عليه (٤). الدليل الثاني: تواترَ عن الإمامِ أحمدَ نهيُه عن التقليدِ (٥)، فيَتَعيَّنُ حملُ ما جاءَ عنه في إجاباتِه بأقوالِ الفقهاءِ على أنَّه أفتى بقولِ الفقيهِ، وذَكَرَ الإمامُ قولَه؛ لموافقتِه له (٦). الدليل الثالث: لا تخلو إجابةُ إمامِ المذهبِ بقولِ الفقيه مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: الحالة الأولى: أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى صحتها. الحالة الثانية: أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى فسادَها. الحالة الثالث: أنْ يحكي إمامُ المذهب الإجابةَ، ولا يعلم صحتها، ولا فسادَها.

стр. 235

فالحالة الثانية: (أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى فسادَها) باطلةٌ؛ لوجهين: الوجه الأول: أنَّ المذهبَ الفاسدَ لا تجوزُ حكايتُه عن أحدٍ، ولا إنشاؤه ابتداءً. الوجه الثاني: أنَّ الواجبَ على الحاكي، حين يَرَى فسادَ القولِ أنْ لا يسكتَ عن بيانِ بطلانِه. والحالة الثالثة: (أنْ يحكي إمامُ المذهب الإجابةَ، ولا يعلم صحتها، ولا فسادها) باطلةٌ أيضًا؛ لأنَّ الجوابَ إنَّما يكون عن علمٍ، ولا يجوزُ أنْ يجيبَ بشيءٍ لا يَعْلمُ صحتَه ولا فسادَه. فإذا بَطَلَت الحالتانِ: الثانية والثالثة، لم تبقَ إلا الحالةُ الأولى: (أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى صحتها)، وهذا هو المطلوبُ (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قد يحكي إمامُ المذهبِ في بعض إجاباته قولَ فقيهٍ، ثمَّ في موضعٍ آخر يذهبُ إلى غيرِ القول الذي حكاه (٢)، وقد وَقَعَ هذا الأمرُ للإمامِ أحمدَ بن حنبل، فمن ذلك: أنَّ الإمامَ أحمدَ سُئِلَ عمَّنْ نسي مسحَ رأسِه، أيجزئه بلَلُ لحيتِه؟ فقالَ: "قد قالَ بذلك قومٌ". وليس هذا مذهب الإمامِ أحمدَ (٣). مناقشة الدليل الأول: إن ما يذكره الإمامُ عن غيرِه منسوبٌ إليه، إلا إذا جاءَ موجبٌ ينقلنا عن جوابِه بمقالةِ غيرِه. وأمَّا ما ذكرتموه في دليلِكم عن الإمامِ أحمد، فقد جاءَ عنه ما ينقلُ

стр. 236

عنْ جوابِه بقولِ الفقيه، ونحنُ لا ننكرُ أنَّ ما حكاه عن غيرِه قد ينتقلُ عنه إلى قولٍ آخر، فإذا وُجِدَت حكايةٌ خالفَها قولٌ، صرنا إلى القولِ (١). الدليل الثاني: إذا أجابَ الإمامُ بأنَّ الناسَ اختلفوا في المسألةِ، فمِنْ غيِر الممكنِ جعل الاختلافِ قولَه، فكذلك إذا أجابَ بقولِ فقيهٍ، لا نجعلُ الجوابَ قولَه (٢). مناقشة الدليل الثاني: هناك فرقٌ بين إجابةِ الإمام باختلافِ الناسِ، وإجابتِه بقولِ فقيهٍ؛ لأنَّ في إجابتِه باختلافِ الناسِ دليلًا على توقّفِه وعدم جزمِه برأي محددٍ، بخلافِ إجابتِه بقولِ فقيهٍ واحدٍ؛ إذ في اقتصارِه عليه دليلٌ على جزمِه بالقولِ (٣). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بنسبةِ القولِ إلى الإمامِ إذا أجابَ بقولِ فقيهٍ، وذلك للآتي: أولًا: الأصلُ نسبةُ الأقوال التي تصدرُ عنْ إمامِ المذهبِ إليه، وحينَ يذكرُ الإمامُ رأيَ فقيهٍ، فالظاهرُ رجحانُه عنده. ثانيًا: جاءَ عن الأئمةِ نهيُهم عن التقليدِ، والأخذِ برأي الرجالِ، فلو حملنا ما يذكرُه الإمامُ في إجابته بقولِ الفقيهِ على عدمِ اختيارِه، لارتكبَ ما نهى الناسَ عنه، فيتعيّنُ حملُه على أنَّه اختارَ هذا القولَ. • سبب الخلاف: يظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى ترجّح احتمالِ موافقةِ الإمام لقولِ الفقيهِ مِنْ عدمِها:

стр. 237

فمَنْ رأى أنَّ إجابةَ الإمامِ بقولِ فقيهٍ، واقتصاره عليه، قرينةٌ ترجحُ جانبَ الموافقةِ، ذَهَبَ إلى صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أربابُ القولِ الأولِ. ومَنْ رأى أن إجابةَ الإمامِ بقولِ فقيهٍ، واقتصاره عليه، ليس بقرينةٍ، لم يُرجّحْ جانبَ الموافقةِ، وقال بعدمِ صحةِ نسبةِ قولِ الفقيهِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أربابُ القولِ الثاني. القسم الثاني: حكايةُ التلاميذِ رأيَ إمامِهم. إذا أخبرَ التلميذُ برأي إمامِه، وحكاه عنه لا بنصِّه، ولكن بمعناه، فهل تُعَدُّ هذه الحكاية بمنزلةِ قولِ الإمامِ نفسِه؟ اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين: القول الأول: أن حكايةَ التلميذِ مقبولة، وتكون كنصِّ الإمامِ، وينسبُ القولُ إليه. هذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (١). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ حامدٍ (٢)، وابنُ مفلحٍ (٣). وهو قياسُ قولِ أبي القاسم الخرقي (٤).

стр. 238

واختاره من المعاصرين: فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين (١)، والدكتورُ عياض السلمي (٢). القول الثاني: أنَّ حكايةَ التلميذِ غيرُ مقبولةٍ، ولا ينسبُ القولُ إلى الإمامِ بناءً على هذه الحكاية. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٣). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: الخلالُ (٤)، وغلامُه (٥). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ ما ينقله الصحابةُ ﵃ عن النبي ﷺ بغيرِ لفظِه، يُعْزَى إليه ﷺ ، ويكون بمنزلةِ لفظِه، وإذا ثَبَتَ هذا في السنةِ النبويةِ المطهرةِ - وهي المصدرُ الثاني مِنْ مصادرِ التشريعِ - فما دونَها مِنْ بابٍ أولى (٦). الدليل الثاني: إذا كان التلميذُ ظاهرَ العدالةِ، فإنَّه لنْ ينسبَ إلى إمامِه قولًا، إلا وهو جازمٌ بذلك، والتلميذ مِنْ أعرفِ الناسِ بما يقولُه إمامُه، ومِنْ أفهمِهم لمقاصدِ كلامِه (٧). دليلُ أصحاب القولِ الثاني: أنَّ ما يحكيه التلميذُ عن إمامِ مذهبِه لا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينًا، ويجوزُ أنْ يعتقدَ الإمامُ خلافَ ما حكاه عنه التلميذُ (٨).

стр. 239

ويمكن مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: بأنَّ ما ذكروه مدفوعٌ بما يُعرفُ عن التلميذِ مِنْ حرصِ على ما يلقيه إمامُه، مع ما يصاحبُ ذلك مِنْ كون التلميذِ - بسبب ملازمتِه لإمامِه - أقدرَ مِنْ غيرِه على فهمِ كلامِ إمامِ المذهبِ، فيبعدُ احتمَالُ الخطأِ والتخمين، ويترجّحُ جانبُ الإصابةِ. • الموازنة والترجيح: بتأمّلِ القولين وما استدلا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على ما يحكيه التلميذُ عنه؛ وذلك لما عُرِفَ عن تلامذةِ الأئمةِ مِنْ حرصِ على فهمِ أقوالِ أئمتهم، ولملازمتهم لهم، بحيثُ أصبحوا أقدر مِنْ غيرِهم على فهمِ كلامِ أئمتِهم. • سبب الخلاف: يظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى السببين الآتيين: السبب الأول: احتمالُ الخطأِ أو الوهمِ فيما يحكيه التلميذُ عنْ إمامِه. فمَنْ رجَّح احتمالَ الخطأِ أو الوهمِ، لم يقبلْ حكايةَ التلميذِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني. ومَنْ لم يرجّحْ جانبَ الخطأِ أو الوهمِ، قَبِلَ حكايةَ التلميذِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ. السبب الثاني: صحةُ قياسِ حالِ التلميذِ مع إمامِه، بحالِ الصحابةِ ﵃ مع النبي ﷺ : فمَنْ صححَ القياسَ، قَبِلَ حكايةَ التلميذِ رأي إمامِه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ لم يُصحح القياسَ، لم يقبلْ حكايةَ التلميذِ رأي إمامِه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.

стр. 240

القسم الثالث: تفسير التلاميذ مذهب إمامهم. إذا فسَّرَ التلميذُ قولَ إمامِ المذهبِ، أو ذَكَرَ له قيدأ، أو مخصصًا (١)، فهل يُنسب ما فعلَه التلميذُ إلى إمامِه؟ اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين: والخلاف في هذا القسمِ كالخلافِ في القسمِ الثاني: (حكايةُ التلاميذِ رأيَ إمامِهم)؛ إذ عَرَضَ جمعٌ مِن العلماءِ الخلافَ والأدلةَ في القسمين: الثاني والثالث في سياقٍ واحدٍ. يقولُ ابنُ حامدٍ: "باب: البيانُ عن نسبةِ المذهبِ إليه مِنْ حيثُ تفسيرُ أصحابِه، وإخبارُهم عنْ رأيه" (٢)، ثم ساقَ الاختلافَ سياقًا واحدًا للقسمين. ويقولُ ابنُ حمدان: "وصيغةُ (٣) الواحدِ مِنْ أصحابه، ورواته في تفسيرِ مذهبِه، وإخبارِهم عنْ رأيه، كنصه في: أحدِ الوجهين" (٤). فما ذُكِرَ في القسمِ الثاني مِن الأقوالِ والأدلةِ والترجيحِ، يُذكرُ هنا. وبذلك أكونُ قد أنهيتُ الجهةَ الأُولى المتعلقة بقولِ الإمامِ، ويبقى النظرُ في الجهةِ الثانيةِ، وهي: دلالةُ قولِ إمامِ المذهبِ. ينقسمُ قولُ إمامِ المذهبِ باعتبارِ دلالتِه ثلاثةَ أقسام: القسم الأول: القولُ الصريحُ في مدلولِه الذي لا يحتملُ غيرَه. القسم الثاني: القولُ الظاهرُ في مدلولِه الذي يحتملُ غيرَه. القسم الثالث: القولُ المحتملُ لشيئين، أو أكثر على السواءِ (٥).

стр. 241

القسم الأول: القولُ الصريحُ في مدلولِه الذي لا يحتملُ غيرَه. إذا قال إمامُ المذهبِ قولًا صريحًا، ولا معارضَ له، نُسِبَ إليه (١). مثال ذلك: ما جاءَ في مسائلِ عبدِ الله بن أحمدَ (٢)، قالَ: سمعتُ أبي سُئل عن العبدِ، كم يتزوجُ؟ قال: "اثنتين" (٣). ويعبِّرُ الحنابلةُ عن هذا القسمِ بقولِهم: نصَّ عليه، أو المنصوص عنه (٤). القسم الثاني: القولُ الظاهرُ في مدلولِه الذي يحتملُ غيرَه. إذا قالَ إمامُ المذهبِ قولًا ظاهرًا في مدلولِه، نُسِبَ إليه، إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه (٥)، ويجوزُ تأويلُه، بدليلٍ أقوى منه (٦). مثالُ الظاهرِ الذي لم يَرِدْ له معارضٌ أرجحُ منه: قولُ الإمامِ أحمدَ بن حنبل في روايةِ المروذي: "إذا اختلفَ الصحابةُ، يُنْظَر إلى أقربِ القولين

стр. 242

إلى الكتابِ والسنةِ" (١). فظاهرُ القولِ أنَّ الصحابةَ ﵃ إذا اختلفوا على قولين، وأجمعَ التابعون على أحدِهما، فإنَّ الخلافَ لا يرتفعُ؛ لأنَّه رَجَعَ إلى موافقةِ الدليلِ، ولم يرجعْ إلى إجماعِ التابعين على أحدِ القولين (٢). مثالُ الظاهرِ الذي خالفه ما هو أقوى منه: قولُ الإمامِ أحمدَ بن حنبل في رواية المروذي: "كيفَ يجوزُ للرجلِ أنْ يقولَ: أجمعوا؟ ! إذا سمعتَهم يقولون: أجمعوا، فاتَّهمهم، لو قال: إنِّي لم أعلمْ لهم مخالفًا، جازَ" (٣). فظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يمنعُ صحةَ انعقادِ الإجماعِ. يقولُ القاضي أبو يعلى: "وليس ذلك على ظاهرِه، وإنَّما قال ذلك على طريقِ الورعِ، نحوَ أنْ يكونَ هناك خلافٌ لم يبلغْه، أو قال هذا في حقِّ مَنْ ليس له معرفة بخلافِ السلفِ؛ لأنَّه أطلقَ القولَ بصحةِ الإجماعِ في روايةِ عبدِ الله، وأبي الحارثِ" (٤). القسم الثالث: القولُ المحتملُ لشيئين، أو أكثر على السواء. إذا كانَ اللفظُ الواردُ في كلامِ إمامِ المذهب محتملًا لمعنيينِ أو أكثر، ولا مُرجّحَ لأحدِ المعنيين، فلا يُنسب مدلولُ القوَلِ إليه؛ لأن اللفظَ مجملٌ، ولا يسوغُ أخذُ الحكمِ مِن لفظٍ مجملٍ (٥)، وتتوقفُ نسبةُ مدلول القول على ورودِ البيانِ (٦). فلو قالَ إمامُ المذهب مثلًا: تَعْتَدُّ المطلقةُ بالأقراء، فإنَّنا نثبتُ له القولَ - وهو اعتداد المرأة بَالأقراء - ونتوقفُ في مرادِه بالقُرْء.

стр. 243

الفرع الثاني: مفهوم القول قبلَ الحديثِ عن نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ المفهومِ، أُمهدُ ببيانِ أقسامِ المفهومِ. ينقسمُ المفهومُ (١) قسمين: القسم الأول: مفهوم الموافقة (٢). القسم الثاني: مفهوم المخالفة (٣). وبناءً على تقسيمِ المفهومِ؛ فإنَّه يندرجُ تحتَ الفرعِ الثاني قسما المفهوم: القسم الأول: مفهوم الموافقة. تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ مفهومَ الموافقةِ حجةٌ عند جماهيرِ العلماءِ، عدا الظاهرية (٤).

стр. 244

ومن الأصوليين مَنْ حكى الإجماعَ على حجيةِ مفهومِ الموافقةِ (١)؛ لضعفِ خلافِ الظاهريةِ. ونظرًا لقوةِ مفهومِ الموافقةِ؛ فالذي يظهرُ صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه الموافقِ (٢). وممَّنْ صرَّحَ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهومِ الموافقةِ أبو عبد الله المقَّريُّ (٣)، والدكتور يعقوبُ الباحسين (٤)، والدكتورُ عياض السلمي (٥). ولم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على مَنْ مَنَعَ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، بناءً على مفهومِ الموافقةِ. القسم الثاني: مفهوم المخالفة. قبلَ الدخولِ في الحديثِ عن صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه المخالف، أُمهد ببيانِ أقوالِ الأصوليين في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشارعِ، فاقولُ: اختلفَ الأصوليون في حجيةِ مفهوم المخالفةِ في نصوصِ الشارع على قولين:

стр. 245

القول الأول: أن مفهومَ المخالفةِ حجةٌ. وهذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ (١). القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ ليس بحجةٍ. وهذا مذهبُ الحنفيةِ (٢). ولستُ بصددِ عرضِ المسألةِ مفصَّلةً، فهذا خارجٌ عن البحثِ، وإنَّما القصدُ معرفةُ الخلافِ في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ. إذا جاءَ نصٌّ عن إمامِ المذهب، وكان له مفهومُ مخالفةٍ، فهلْ تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهَومِ؟ اختلفَ العلماءُ في هذه المسألة، وقبل ذكر أقوالهم، أوردُ مثالًا لهذا القسم: جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد بن حنبل) لابنِ هانئ (٣): أنَّ ابنَ هانئ سألَ الإمامَ أحمدَ عن رجلٍ ادَّعى على رجلٍ مالًا، والمدَّعى عليه ليس عنده شيءٌ، هل يسعُ المدعي أنْ يقدّمَه إلى الحاكمِ؟ فقال الإمامُ أحمدُ: "إنْ كان يعلمُ أنَّ عنده مالًا ما، يؤدي إليه حقَّه، فأرجو أنْ لا يأثمَ" (٤). ومفهومُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أنَّه يأثمُ إذا لم يعلمْ أن عنده مالًا (٥).

стр. 246

• الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ على قولين: القول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ. وهذا قولُ الحنفيةِ (١)، وهو وجهٌ عند الحنابلةِ (٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (٣)، وقال المرداويُّ عنه: "إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ" (٤). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: إبراهيمُ الحربي (٥)، وأبو القاسمِ الخرقي (٦)، وابنُ حامدٍ (٧)، وأبو الحسنِ اللخمي (٨)،

стр. 247

وابنُ رشدٍ (١)، وابنُ عرفةَ (٢)، وابنُ مفلحٍ (٣)، وابنُ المبرد (٤). ولقائل أنْ يقولَ: لِمَ احتجَّ علماءُ الحنفيةِ بمفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الأئمةِ، ولم يحتجوا به في نصوصِ الشارعِ؟ أجابَ عن هذا ابنُ عابدين (٥)، فقالَ: "لأنَّ التنصيصَ على الشيءِ في

стр. 248

كلام الشارعِ لا يلزمُ منه أنْ تكونَ فائدتُه النفيَ عمَّا عداه؛ لأنَّ كلامَه معدِنُ البلاغةِ، فقد يكونُ مرادُه غيرَ ذلك، وأمَّا في كلامِ الناسِ: فهو خالٍ عن هذه المزيّةِ، فيُستدلُّ بكلامِهم على المفهومِ؛ لأنَّه المتعارفُ بينهم" (١). القول الثاني: لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهوم المخالفةِ. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٢)، وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ (٣). ونسبه أبو عبدِ الله المقَّري إلى المحققين (٤). واختاره: الخلالُ (٥)، وأبو عبد الله المقَّري (٦). • أدلةُ القولين: دليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ الأئمةَ يعرفون اللغةَ العربيةَ، ويميّزون بين ألفاظِها، فتخصيصهم لشيءٍ بالذِّكرِ، لا بُدَّ له مِنْ فائدةٍ، وليس له فائدةٌ إلا اختصاص المنطوقِ بالحُكمِ، ونفيه عن المسكوتِ، ولو لم نقلْ ذلك، لأدَّى إلى أنْ يكونَ تخصيصُ الأئمةِ للشئِ بالذكرِ دونَ غيرِه عبثًا ولغوًا، وهذا بعيدٌ عن مقامِ الأئمةِ (٧). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قد يكونُ المفهومُ غيرَ مرادٍ لإمامِ المذهبِ؛ إمَّا لمجيءِ

стр. 249

كلامِه جوابًا لسؤالِ سائلٍ، وإمَّا لخروجِه مخرجَ الغالب، وإمَّا لغفلتِه عن المفهومِ، ولهذه الاحتمالاتِ وغيرِها لا يكون المفهوَمُ طريقًا إلى إثباتِ القولِ إلى الإمامِ (١). الدليل الثاني: إنْ قَصَد الإمامُ مفهومَ كلامِه ففي الغالبِ، أنَّه سيبينه نصًّا في مقامٍ آخر، فإذا لم يَرِدْ للمفهومِ نصٌّ يُقرره، لم ننسبْه إليه (٢). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي: - صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهومِ المخالفةِ متى ما احتفتْ قرينةٌ تدلُّ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ (٣). - عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا خلا الكلامُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ. وقد رجّحتُ ما سَبَقَ للآتي: أولًا: أنَّ الأخذَ بمفهومِ المخالفةِ بإطلاقِ في نصوصِ إمام المذهبِ، لا يخلو مِنْ نوعٍ مجازفةٍ، وإنزالٍ للإمامٍ فوقَ منزلتِه. ثانيًا: أنَّ القرينةَ لها اعتبارٌ في الشرعِ وفي كلامِ الناسِ، لذا اعتبرتُها في الترجيحِ. • نوع الخلاف: يظهرُ أن الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، وقد أشار أبو عبد الله المقَّري إليه، وبيَّن أنَّه يظهرُ أثرُه في المسألتين الآتيتين:

стр. 250

المسألة الأولى: تقليدُ إمامِ المذهب في قولِه المأخوذِ مِنْ طريقِ مفهومِ المخالفةِ (١). فمَنْ قال بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، جوَّزَ لغيرِ المجتهدِ تقليدَه فيه؛ لأنَّه قولُه الثابتُ عنه. ومَنْ قال بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، لم يجوّزْ تقليدَ الإمامِ في مفهومِ كلامِه؛ لانتفاءِ نسبتِه إليه. المسألة الثانية: الاعتدادُ بالقولِ المأخوذِ مِنْ مفهومِ المخالفةِ في الخلافِ (٢). إنْ قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، صارَ المفهوم قولًا له، وينظرُ إليه كنصِّ الإمامِ، فيذكرُ في الخلافِ. وإنْ قلنا بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على مفهوم المخالفة، لم نعتد به، ولم يذكرْ في الخلاف. • سبب الخلاف: قد يظنُّ الناظرُ أن الخلافَ عائدٌ إلى القولِ بحجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ (٣)، فمَنْ نفى حجيةَ مفهومِ المخالفةِ، نفى القولَ بصحتِه في نصوصِ الأئمةِ. ومَنْ قال بحجيته في نصوصِ الشرعِ، اختلفَ قولُهم في اعتباره طريقًا لنسبةِ القولِ إلى الأئمةِ. لكنْ يُعكّرُ على هذا موقفُ علماءِ الحنفيةِ القائلين بعدمِ حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ، وصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهوم المخالفةِ.
следующие страницы →