← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

• الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ على قولين: القول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ. وهذا قولُ الحنفيةِ (١)، وهو وجهٌ عند الحنابلةِ (٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (٣)، وقال المرداويُّ عنه: "إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ" (٤). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: إبراهيمُ الحربي (٥)، وأبو القاسمِ الخرقي (٦)، وابنُ حامدٍ (٧)، وأبو الحسنِ اللخمي (٨)،

стр. 247

وابنُ رشدٍ (١)، وابنُ عرفةَ (٢)، وابنُ مفلحٍ (٣)، وابنُ المبرد (٤). ولقائل أنْ يقولَ: لِمَ احتجَّ علماءُ الحنفيةِ بمفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الأئمةِ، ولم يحتجوا به في نصوصِ الشارعِ؟ أجابَ عن هذا ابنُ عابدين (٥)، فقالَ: "لأنَّ التنصيصَ على الشيءِ في

стр. 248

كلام الشارعِ لا يلزمُ منه أنْ تكونَ فائدتُه النفيَ عمَّا عداه؛ لأنَّ كلامَه معدِنُ البلاغةِ، فقد يكونُ مرادُه غيرَ ذلك، وأمَّا في كلامِ الناسِ: فهو خالٍ عن هذه المزيّةِ، فيُستدلُّ بكلامِهم على المفهومِ؛ لأنَّه المتعارفُ بينهم" (١). القول الثاني: لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهوم المخالفةِ. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٢)، وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ (٣). ونسبه أبو عبدِ الله المقَّري إلى المحققين (٤). واختاره: الخلالُ (٥)، وأبو عبد الله المقَّري (٦). • أدلةُ القولين: دليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ الأئمةَ يعرفون اللغةَ العربيةَ، ويميّزون بين ألفاظِها، فتخصيصهم لشيءٍ بالذِّكرِ، لا بُدَّ له مِنْ فائدةٍ، وليس له فائدةٌ إلا اختصاص المنطوقِ بالحُكمِ، ونفيه عن المسكوتِ، ولو لم نقلْ ذلك، لأدَّى إلى أنْ يكونَ تخصيصُ الأئمةِ للشئِ بالذكرِ دونَ غيرِه عبثًا ولغوًا، وهذا بعيدٌ عن مقامِ الأئمةِ (٧). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قد يكونُ المفهومُ غيرَ مرادٍ لإمامِ المذهبِ؛ إمَّا لمجيءِ

стр. 249

كلامِه جوابًا لسؤالِ سائلٍ، وإمَّا لخروجِه مخرجَ الغالب، وإمَّا لغفلتِه عن المفهومِ، ولهذه الاحتمالاتِ وغيرِها لا يكون المفهوَمُ طريقًا إلى إثباتِ القولِ إلى الإمامِ (١). الدليل الثاني: إنْ قَصَد الإمامُ مفهومَ كلامِه ففي الغالبِ، أنَّه سيبينه نصًّا في مقامٍ آخر، فإذا لم يَرِدْ للمفهومِ نصٌّ يُقرره، لم ننسبْه إليه (٢). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي: - صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهومِ المخالفةِ متى ما احتفتْ قرينةٌ تدلُّ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ (٣). - عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا خلا الكلامُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ. وقد رجّحتُ ما سَبَقَ للآتي: أولًا: أنَّ الأخذَ بمفهومِ المخالفةِ بإطلاقِ في نصوصِ إمام المذهبِ، لا يخلو مِنْ نوعٍ مجازفةٍ، وإنزالٍ للإمامٍ فوقَ منزلتِه. ثانيًا: أنَّ القرينةَ لها اعتبارٌ في الشرعِ وفي كلامِ الناسِ، لذا اعتبرتُها في الترجيحِ. • نوع الخلاف: يظهرُ أن الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، وقد أشار أبو عبد الله المقَّري إليه، وبيَّن أنَّه يظهرُ أثرُه في المسألتين الآتيتين:

стр. 250

المسألة الأولى: تقليدُ إمامِ المذهب في قولِه المأخوذِ مِنْ طريقِ مفهومِ المخالفةِ (١). فمَنْ قال بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، جوَّزَ لغيرِ المجتهدِ تقليدَه فيه؛ لأنَّه قولُه الثابتُ عنه. ومَنْ قال بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، لم يجوّزْ تقليدَ الإمامِ في مفهومِ كلامِه؛ لانتفاءِ نسبتِه إليه. المسألة الثانية: الاعتدادُ بالقولِ المأخوذِ مِنْ مفهومِ المخالفةِ في الخلافِ (٢). إنْ قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، صارَ المفهوم قولًا له، وينظرُ إليه كنصِّ الإمامِ، فيذكرُ في الخلافِ. وإنْ قلنا بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على مفهوم المخالفة، لم نعتد به، ولم يذكرْ في الخلاف. • سبب الخلاف: قد يظنُّ الناظرُ أن الخلافَ عائدٌ إلى القولِ بحجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ (٣)، فمَنْ نفى حجيةَ مفهومِ المخالفةِ، نفى القولَ بصحتِه في نصوصِ الأئمةِ. ومَنْ قال بحجيته في نصوصِ الشرعِ، اختلفَ قولُهم في اعتباره طريقًا لنسبةِ القولِ إلى الأئمةِ. لكنْ يُعكّرُ على هذا موقفُ علماءِ الحنفيةِ القائلين بعدمِ حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ، وصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهوم المخالفةِ.

стр. 251

ويتصلُ بنسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ مسألةٌ، وهي: على القولِ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ للإمامِ في موضع آخر، فهل تبطلُ دلالةُ مفهوم المخالفةِ حينئذٍ؟ محلُّ الحديثِ في هذه المسألةِ عند القائلين بصحة نسبة القول إلى إمام بناءً على مفهوم المخالفة. مثال ذلك: جاءَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ إذا ملكَ أخاه، هل يعتقُ؟ فقال: "إذا ملكَ أباه عَتَقَ" (١). فمفهوم هذه الروايةِ أنَّ الرجلَ إذا ملك أخاه لا يعتقُ. وجاءتْ روايةٌ أخرى عن الإمامِ أحمدَ، تدلَّ على عتقِ الأخِ بالملكِ (٢). فمنطوقُ الروايةِ الثانيةِ يعارضُ مفهومَ الروايةِ الأُولى. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في إبطالِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إذا عارضها منطوقٌ على قولين: القول الأول: أنَّ دلالةَ المفهومِ تبطل حينئذٍ. وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (٣). ومال إليه ابنُ حامدٍ - ولم يصرحْ باختياره (٤) - واختاره: ابنُ عابدين (٥).

стр. 252

القول الثاني: لا تبطلُ دلالةُ المفهومِ إن عارضها منطوق، بلْ تُقَرّ كلتا الدلالتين إنْ جُعل أول قولي إمامِ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، ويكونُ للإمامِ قولان: أحدهما بالمنطوق، والآخر بالمفهوم. وهذا القول وجه عند الحنابلة (١). • أدلة القولين: دليل أصحاب القول الأول: أن المنطوقَ أقوى مِن المفهومِ، فإذا تعارضا، قُدِّمَ المنطوقُ؛ لقوتِه (٢). دليل أصحاب القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ كالنصِّ في إفادتِه الحكم، لذا اعتبرناه حجةً في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، فإذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ، قلنا بتقريرِهما؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ (٣). مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: إنْ سلمنا لكم أن المفهومَ حجةٌ، فهو حجةٌ لكنْ بشرطِ عدمِ مخالفتِه للمنطوقِ؛ وهذا هو المعمولُ به في النصوصِ الشرعيةِ (٤). • الموازنة والترجيح: يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ ببطلانِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إنْ عارضها منطوقٌ؛ وذلك للآتي: أولًا: أنَّ دلالةَ المنطوقِ أقوى مِن دلالةِ مفهومِ المخالفةِ، ومِن المقررِ أنَّ الأقوى مقدَّمٌ على غيرِه. ثانيًا: أنَّ نصَّ الإمامِ على خلافِ مفهومِ المخالفةِ قرينةٌ دالةٌ على عدمِ إرادتِه ما دلَّ عليه المفهوم.

стр. 253

• نوع الخلاف: الخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ. • سبب الخلاف: أشارَ ابنُ حامدٍ إلى ما يمكنُ اعتبارُه سببًا للخلافِ في المسألةِ، فقالَ: "فأصلُ هذه المسألةِ - تعارض المفهوم والمنطوق - ونظائرها، متعلقٌ بتبنيةِ كلامِ إمامِنا بعضِه على بعضٍ" (١). فعلى القولِ ببناءِ كلامِ الإمامِ بعضِه على بعضٍ - كردِّ عامِّه إلى خاصِّه، ومطلقِه إلى مقيدِه - لا يُعملُ بمفهومِ المخالفةِ إذا عارضَ المنطوقَ. وعلى القولِ بعدمِ البناءِ يعملُ بكلتا الدلالتين: دلالة المنطوقِ، ودلالة مفهوم المخالفة. * * *

стр. 254

الفرع الثالث: الفعل مِن المعلومِ أنَّ إمامَ المذهبِ تصدرُ عنه أقوالٌ، وتصدرُ عنه أفعالٌ أيضًا، فإذا فَعَلَ عبادةً، فهل يُنسبُ إليه القولُ بمشروعيتِها، إما على سبيلِ الندبِ أو الوجوبِ؟ (١)، وإذا فَعَلَ أمرًا ليس بعبادةٍ، فهلْ ينسبُ إليه القولُ بجوازِه؟ • تحرير محل النزاع: أولًا: إذا خَرَجَ الفعلُ مخرجَ البيانِ للقولِ، فإنَّه يُنْسَبُ إلى إمام المذهبِ (٢)، كأنْ يُقالَ للإمامِ مثلًا: اشرحْ لنا القدرَ المجزئَ في الوضوءِ، فيغسلُ وجهَه، ولا يتمضمض ولا يستنشق، ويتمّ بقيةَ الوضوءِ، ففي هذه الحالةِ تصحُّ نسبةُ القولِ بعدمِ وجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ إلى الإمامِ (٣)؛ إذ مثل هذا لا يحتملُ الخلاف. ثانيًا: محلُّ الخلافِ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه، إذا لم يخرج الفعلُ مخرجَ البيانِ (٤). • الأقوال في المسألةِ: اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على فعلِه على قولين: القول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه.

стр. 255

وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (١). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (٢). ووصفه المرداويُّ بأنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ (٣). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (٤)، وابنُ حمدانَ (٥)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (٦)، وابنُ مفلحٍ (٧)، وابنُ المبردِ (٨). ويقولُ صدرُ الدّينِ السلمي (٩): "لم أرَ التصريحَ به - أيْ: بنسبةِ القولِ إلى الشافعي بناءً على فعلِه - لأصحابِنا، ولكنْ مقتضى ما قلنا في الفرعِ قبله - إذا نصَّ على حكمٍ، ونُقِلَ عنه أنَّه عمل بخلافِه - أنْ يُجعل ذلك مذهبًا له" (١٠). وظاهرُ قولِ تقيِّ الدينِ بنِ تيميةَ أنَّه يرى صحةَ النسبةِ عن طريقِ الفعلِ

стр. 256

إنْ غَلَبَ على إمامِ المذهبِ التقوى والورعُ (١). القول الثاني: عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى طائفةٍ مِن الحنابلةِ (٣). واختاره: شمسُ الدّين بنُ القيّمِ (٤). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ) (٥).

стр. 257

وجه الدلالة من الحديث: أنَّ وراثةَ الأنبياءِ تكون في: العلمِ والتبليغِ والهدايةِ والاتباعِ، والوراثةُ تقتضي أنْ لا يأتي الإمامُ بما لا دليلَ له عليه (١). يقولُ ابنُ حامدٍ: "مقاماتُ العلماءِ بمثابةِ مقاماتِ صاحب الشريعةِ" إذ لا يجوزُ لعالمٍ أنْ يأتي في عملِه كلِّه شيئًا إلا مِنْ حيثُ الدليلُ شقيق الحقِّ المبين" (٢). ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ: "إذا ثَبَتَ أنَّ المفتي قائمٌ مقامَ النبي، نائبٌ منابَه، لزمَ مِنْ ذلك أنَّ أفعالَه محل للاقتداءِ أيضًا، لأنه وارثٌ، وقد كان المورِّثُ قدوةً بقولِه وفعلِه، فكذلك الوارثُ، وإلا لم يكنْ وارثًا على الحقيقةِ" (٣). مناقشة الدليل الأول: ليس في الحديثِ دلالةٌ على نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب أخذًا مِنْ فعلِه، ولا على التسويةِ بين أفعالِ النبي ﷺ ، وأفعالِ الأئمةِ المجتهدين، وغايةُ ما دلَّ عليه الحديثُ أنَّ العلماءَ ورثوا العلمَ عن الأنبياءِ، والوراثةُ تعني بصيرتَهم بأحكامِ الشريعةِ (٤).

стр. 258

الدليل الثاني: لم يَزَل العلماءُ ينسبون أقوالَ الصحابةِ ﵃ إليهم، بناءً على الفعلِ الصادرِ منهم (١). مناقشة الدليل الثاني: لا يُسلَّم بأنَّ ما ذكروه هو منهج العلماءِ في الفعلِ الصادرِ مِن الصحابةِ ﵃، وما ذكروه داخلٌ في محل النزاع؛ وهو دعوى تحتاجُ إلى دليلٍ (٢). الدليل الثالث: أنَّ في طبائعِ البشرِ التأسيَّ بفعلِ مَنْ يعظمونه، لا يقدرون على الانفكاكِ عنه بوجهِ، وقد ظَهَرَ هذا في عهدِ النبي ﷺ ، حين دعا قومَه إلى الإيمانِ، كان بعضُ مَنْ كَفَرَ قد تمسَّكَ بالتأسيِ بالآباءِ، كما قالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣). وكذلك الصحابةُ ﵃ اقتدوا بفعلِه ﷺ ، بلْ رُبَّما تَرَكَ الصحابةُ ﵃ قولَه لفعلِه، كما جاءَ هذا لما نهاهم عن الوصالِ (٤)، فلم ينتهوا، واحتجوا بأنَّه ﷺ يواصل (٥)، فكانوا يبحثون عن أفعالِه ﷺ ، كما يبحثون عن أقواله. وإذا كانَ هذا شأنُ الفعلِ؛ فيستبعد على العالم أنْ تُقْدِمَ على فعلِ، ويرى الناسَ حولَه يقتدون بفعلِه، ولا يكون فعلُه موافقًا لرأيه (٦).

стр. 259

مناقشة الدليل الثالث: أنَّ ما ذكروه لا يكفي لأنْ يكونَ دليلًا شرعيًا على شرعيةِ التأسي بالمفتي، إذا لم يَقْصِد البيانَ بفعلِه (١). ويمكنْ أنْ يضافَ وجهٌ آخر في المناقشة، وهو: أنَّ ما ذكروه حثٌّ للعالمِ على أنْ لا يصدرَ منه فعلٌ إلا وهو يرى إباحتَه أو مشروعيته، وليس فيه ما يدلّ على أنَّ العالمَ لا يَقَعُ منه إلا ما يرى إباحته أو مشروعيته. أدلةُ أصحابِ القولِ الثانى: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ إمامَ المذهب بشرٌ، وهو غيرُ معصوم، يجوز عليه السهوُ والنسيانُ والجهلُ والتهاونُ، فلعله فعلَ الشيءَ نسيانًا أو ذهولًا، أو كانَ غيرَ متأمّلٍ ولا ناظرٍ (٢). مناقشة الدليل الأول: ما ذكرتموه مِن الاحتمالاتِ في فعلِ إمامِ المذهب، تَرِدُ أيضًا في قولِه، فيمكن فيه الخطأُ والنسيانُ والغفلةُ؛ لأنَّ القائلَ لَيس بمعصومٍ، وإذا لم تُعْتَبرْ هذه الاحتمالات في القولِ، لم تكن معتبرة في الفعلِ (٣). الجواب عن المناقشة: هناك فرقٌ بين القولِ والفعلِ؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: بالمشاهدةِ، فكثيرٌ من المنتصبين للفتيا يَزِنون أقوالَهم وزنًا تامًّا، مع أنَّ أفعالَهم قد يكون فيها شيءٌ مِن مخالفةِ ما يُفتونَ به الناسَ؛ ترخصًا لأنفسِهم، ولا سيما في بابِ المندوباتِ والمكروهاتِ (٤). الوجه الثاني: أنَّ احتمالَ الخطأِ في الفعلِ أكثرُ منه في القولِ؛ لأن

стр. 260

الإنسانَ قد ينساقُ إلى الفعلِ بطبعِه دونَ انتباهٍ إلى إباحةٍ أو عدمِها (١). وإذا ثَبَتَ الفرقُ بين القولِ والفعلِ، ساغَ التفريقُ بينهما في الحكمِ. الدليل الثاني: أنَّ أفعالَ النبي ﷺ ليستْ كلها على سبيلِ الوجوب، بلْ لها أحكامٌ مختلفةُ المراتبِ؛ وهذا يدلُّ على ضعفِ دلالةِ الفعلِ (٢). مناقشة الدليل الثاني: أن أفعالَ النبي ﷺ ، وإن اختلفتْ مراتبُها، لكنها لا تخرج عن أنْ تكون دِيْنًا، ونحن نريدُ إثباتَ الجوازِ؛ وهذا يتحققُّ بمجرّدِ الفعلِ (٣). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الفعلَ إذا اقترنتْ به قرينةٌ دالةٌ لي أنَّ ما فعلَه إمامُ المذهب هو رأيه، نُسِبَ القولُ إليه بناءً على فعلِه؛ وإذا تجرَّد الفعلُ عن القرينةِ لمَ ينسبْ إليه؛ وذلك لتطرّقِ الاحتمالِ إلى الفعلِ المجرّدِ عن القرينةِ، إذْ يحتملُ أنَّ الإمامَ فعله نسيانًا أو سهوًا أو غفلة، ونحو ذلك، أمَّا إذا احتفتْ بالفعلِ قرينةٌ، فإنَّ هذه الاحتمالاتِ تُعَدُّ احتمالات مرجوحة. مثالُ القرينةِ التي تحتفّ بالفعلِ: تكررُ الفعلِ مِن الإمامِ المعروفِ بالتقوى والورعِ، فإن تكررَ الفعلِ من الإمامِ، وتقواه قرينتان دالتان على نسبةِ القولِ إليه بناءً على فعلِه (٤). ومثالُ الفعلِ الذي لم تحتف به قرينةٌ: إذا فَعَلَ الإمامُ أمرًا مرةً واحدةً، دونَ قرينةٍ، فلا ينسبُ القولُ إليه بناءً على فعلِه.

стр. 261

• نوع الخلاف: الخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبة القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ. * * *

стр. 262

الفرع الرابع: السكوت مِن الطرقِ التي قد يُنسب بها القولُ إلى إمامِ المذهبِ السكوتُ، وللسكوتِ صورتان: الصورة الأولى: أنْ يُفعلَ أمرٌ عند إمامِ المذهب، ويسكتَ عن إنكارِه، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه إقرارًا منه على جوازِ الفعلِ؟ (١). الصورة الثانية: أنْ يفتي إمامُ المذهبِ بحُكم، ثم يعترض عليه معترضٌ، فيسكت الإمامُ عن الجواب، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه رجوعًا عنْ قولِه؟ (٢). ونظرًا لتقاربِ أدلةِ الصورتين، فإنَّني ساسوقُ الكلام فيهما في سياقٍ واحدٍ. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في سكوتِ إمامِ المذهبِ عمَّا يقعُ أمامَه، هل يُعَدُّ إقرارًا له؟ وفي سكوتِه بعد الاعتراضِ على جوابِه، هلْ يُعَدُّ رجوعًا؟ على قولين: القول الأول: لا يُعَدّ سكوتُ إمام المذهب إقرارًا للفعلِ، ولا رجوعًا عن القولِ. هذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٣). ونسبه ابنُ حامد إلى أكثرِ الحنابلة (٤)، * * *

стр. 263

ونسبه ابنُ حمدان إلى بعضِهم (١). واختاره: المرداويُّ (٢)، وابنُ المبرد (٣). القول الثاني: أنَّ سكوتَ إمامِ المذهب إقرارٌ على الفعلِ، ورجوعٌ عن القولِ في حالة ما إذا اعتُرضَ عليه فسكت. صرَّح بانَّه إقرارٌ على جوازِ الفعلِ: أبو إسحاقَ الشاطبيُّ (٤). وصرَّح بأنَّه رجوعٌ عن القولِ في حالةِ ما إذا اعترضَ عليه فسكت: ابنُ حامدٍ (٥). وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٦). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى أكثرِ الحنابلةِ (٧). * أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قد يسكتُ إمامُ المذهبِ لعدّةِ احتمالات؛ فقد يكون في مرحلةِ النظرِ، أو أنَّه لم يتبيّنْ له رأي، أو أنَّه كَرِهَ الكلامَ في المسألةِ؛ لوجودِ شُبهةٍ، أو لخوفِ فتنةٍ تترتبُ على إنكارِه، أو أنَّ قولَه مشتهرٌ فلا حاجةَ إلى إعادتِه، إلى غير تلك الاحتمالاتِ التي لا يكونُ معها السكوتُ دالًا على الإقرارِ والموافقةِ، وإذا ئَبَتَ هذا، فليس السكوتُ طريقًا إلى إثباتِ قولِ الإمامِ (٨). مناقشة الدليل الأول: ما ذكرتموه مِن الاحتمالاتِ واردةٌ، لكنَ الظاهرَ والأرجحَ منها: أنَّ السكوتَ لأجلِ الرضا والموافقةِ (٩).

стр. 264

ويمكن الجواب عن المناقشة: بأنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ الأرجحَ مِن تلك الاحتمالاتِ هو الرِّضا، ادِّعاءٌ لا دليلَ عليه؛ وليس للرِّضا ما يميّزه عن غيرِه مِن الاحتمالاتِ المذكورةِ في الدليلِ، فلا تُسلّم لكم المناقشة. الدليل الثاني: عملُ الفقهاءِ دالٌّ على أنَّ السكوتَ ليس برضا، فالفقيهُ يرى غيرَه يأتي في صلاتِه مثلًا بما يخالفُه ولا يرتضيه، ومع ذلك لا يردُّ عليه، ولا يخاصمه في رأيه، وإذا ثَبَتَ هذا، فإن السكوتَ ليس بطريقٍ لإثباتِ قولِ الإمامِ (١). مناقشة الدليل الثاني: ما ذكرتموه في الدليلِ يختلفُ القولُ فيه تَبَعًا لمَنْ يتوجّه إليه الإنكارُ، والناسُ في هذا المقامِ ثلاثةُ أقسام: القسم الأول: العامّةُ، ولا يلزمُ الفقيه الإنكارُ عليهم، وله السكوتُ، إذا أتوا مذهبًا متبعًا، وإنْ بيّنَ لهم، فهو أفضلُ. القسم الثاني: فقهاء على غيرِ مذهبِه، فهؤلاءِ لا يلزمُه الإنكارُ عليهم، وله السكوتُ؛ لأنَّهم في الغالبِ لا يرجعون عن قولِهم إلى قولِه. القسم الثالث: فقهاء على مذهبِه، فيلزمه الإنكارُ عليهم، وليس له السكوتُ، إلا على يقينٍ مِنْ جوازِ فعلِهم. وإذا تقرر هذا، كان السكوتُ حينئذٍ طريقًا لإثباتِ قولِ الإمامِ (٢). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إذا سَكَتَ النبيُّ ﷺ عن الشيءِ، دلَّ سكوته على إقرارِه والرضا به، والعلماءُ ورثةُ النبي ﷺ ، كما قالَ ﷺ : (إنَّ العلماء ورثة الأنبياء) (٣)، وإذا ثَبَتَ أنَّ السكوتَ دليلٌ على الإقرارِ في حقِّ النبي ﷺ ،

стр. 265

فإنَّه يثبتُ في حقِّ ورثتِه (١). مناقشة الدليل الأول: تقدمَ لنا تفسيرُ معنى الوراثةِ المذكورةِ في الحديثِ، وهناك فرقٌ بين النبي ﷺ وبقيةِ الناسِ، فالنبيُّ ﷺ معصومٌ عن الخطأِ، ولا يُقَرُّ عليه، بخلافِ غيرِه. الدليل الثاني: دَأَبَ الأئمةُ على إنكارِ المنكرِ إذا رَأَوه، وعلى إنكارٍ القولِ الفاسدِ إذا سمعوا به، وإذا ثبتتْ مبادرتُهم بالإنكارِ، وَجَبَ أنْ يكون سكوتُهم دليلًا على الموافقةِ والرِّضا (٢). مناقشة الدليل الثاني: قد يسكتُ الإمامُ عمَّا يراه، مع عدمِ الرِّضا والموافقةِ، إمَّا لأنَّ سكوتَه لعارضِ اقتضى السكوت، وإمَّا أن غيرَه قد كفاه، وإمَّا لأنَّه لم يتبيّنْ له رأيٌ فيما رآه أو سمعه، وإمَّا لسببٍ خفي لم نطلعْ عليه، فدلالةُ السكوتِ على الموافقةِ احتمالٌ، ليس له ما يرجّحُه (٣). * الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّ السكوتَ ليس بطريقِ لإثباتِ قولِ الإمامِ في الصورتين: الصورة الأولى: أنْ يُفعلَ أمرٌ عند إمامِ المذهب، ويسكتَ عن إنكارِه، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه إقرارًا منه على جوازِ الفعلِ؟ والصورة الثانية: أنْ يفتي إمامُ المذهب بحُكمِ، ثم يعترض عليه معترضٌ، فيسكت الإمامُ عن الجوابِ، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه رجوعًا عنْ قولِه؟ وذلك للأسبابِ الآتيةِ:

стр. 266

الأول: الاحتمالاتُ المتعددةُ للسكوتِ، والتي يصعبُ معها الجزمُ بأرجحيةِ احتمالِ الرِّضا والموافقةِ على بقيةِ الاحتمالاتِ. الثاني: أنَّ السكوتَ المجرَّدَ لا يدل على شيءِ، ومِن القواعدِ المقررةِ أنَّه لا ينسبُ لساكتِ قولٌ (١). الثالث: قد تكونُ المسالةُ التي سَكَتَ إمامُ المذهب عنها مسألةً اجتهاديةً، والمسائلُ الاجتهاديةِ يَعذِرُ فيها إمامُ المذهب مخالفَه؛ فلا يُنكرُ عليه. * سبب الخلاف: مِنْ خلالِ تأمّلِ المسألة يظهرُ لي أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى أحدِ السببين الآتيين: السبب الأول: قياسُ إمامِ المذهبِ على النبي ﷺ في جعلِ سكوتِه دليلًا على الموافقةِ. فمَنْ مَنَعَ من القياسِ لم يجعل السكوتَ دالًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ ألحقَ إمامَ المذهبِ بالنبي ﷺ ، جَعَلَ السكوتَ دليلًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني. السبب الثاني: ترجيحُ احتمالِ الموافقةِ على غيرِه من الاحتمالاتِ في حال سكوتِ إمامِ المذهبِ. فمَنْ لم يرجِّح احتمالَ الموافقةِ على غيرِه مِن الاحتمالاتِ، لم يجعل السكوتَ دالًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.

стр. 267

ومَنْ رجَّحَ احتمالَ الموافقةِ على غيرِه مِن الاحتمالاتِ، جَعَلَ السكوتَ دليلًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني. * نوع الخلاف: الخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتينِ ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.

стр. 268

الفرع الخامس: التوقف إذا توقّفَ (١) إمامُ المذهب في مسألةٍ مِن المسائلِ، فهل يُعدُّ توقفُه قولًا، بحيثُ تصحُّ نسبتُه إليه؟ قبلَ ذكرِ الأقوالِ؛ تحسنُ الإشارةُ إلى طُرقِ معرفةِ توقّفِ إمامِ المذهبِ . طرق معرفة توقف إمام المذهب: يُعْرَفُ توقفُ إمامِ المذهبِ بطُرقٍ، منها: الطريق الأول: تصريحُ إمامِ المذهبِ نفسِه بالتوقفِ. قد يصرِّحُ إمامُ المذهبِ في مسألةٍ ما بأنَّه متوقفٌ فيها، فيُعلم توقفُه في هذه الحالةِ بنصِّه الصريحِ. مثال ذلك: سُئِلَ الإمامُ أحمد بن حنبل عن الإكراه بالتوعّدِ بغيرِ ضربٍ؟ فقالَ: "لا أقولُ فيها شيئًا، قد اختلف الناسُ فيها" (٢). الطريق الثاني: إجابةُ إمامِ المذهبِ التي يُفهم منها التوقّف (٣). قد يُسألُ إمامُ المذهبِ، فيجيب بإجابةٍ يُفْهَمُ منها أنه متوقفٌ في المسألةِ، ويُفْهَمُ التوقفُ بأمورٍ، منها:

стр. 269

أولًا: جوابُ الإمام بلفظٍ مشعرٍ بالتوقّفِ؛ كقولِه مثلًا: أجبنُ عنه، أو: لا أجرُؤ عليه، أو: أَتهيبُه، أو: أتوقاه (١). فهذه الألفاظُ ونحوها وإنْ لم تكن صريحةً في توقّفِ الإمامِ؛ إلا أنَّها مشعرةٌ به، وهنا عددٌ مِن الأمثلةِ: المثال الأول: سألَ إسحاقُ بنُ منصورٍ (٢) الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل: عن الرجلِ إذا قال: إنْ اشتريتُ فلانًا، فهو حرٌّ؟ فقالَ: "إنِّي أجبنُ عنه بعضَ الجبنِ". وقالَ إسحاقُ بنُ راهويه (٣): "وأنا أجبنُ عنه" (٤).

стр. 270

المثال الثاني: سُئلَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل عن الضفدعِ، والسلحفاةِ؟ فقالَ: "ما أجترِئُ عليه، ولا بأسَ بأكلِ السلحفاةِ" (١). ثانيًا: جوابُ الإمامِ بتعارضِ الأدلةِ، أو باختلافِ الصحابةِ أو باختلافِ الناسِ، دونَ بيانِ مذهبِه، فيُحكم بتوقّفِه في المسألةِ (٢). يقولُ ابنُ حامدٍ: "قد يتخرَّجُ في المسألةِ - جواب الإمامِ باختلافِ الصحابةِ - وجهٌ آخر، وهو أنَّه لا يُنسبُ إليه في ذلك مذهبٌ بحالٍ" (٣). ويقولُ - أيضًا -: "المذهبُ عندي فيما كان هذا طريقُه - أيْ: جواب الإمامِ باختلافِ العلماءِ - لم يقارِن ذلك في مكانٍ مِنْ مذهبِه تفسيرٌ منه: يُكْسِبُنا التوقّفَ" (٤). أمثلة ذلك: المثال الأول: سألَ صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن رجلٍ ماتتْ امرأتُه، هل يجوزُ له أنْ ينظرَ إلى شيءٍ مِنْ محاسنِها؟ فقالَ: "الناسُ يختلفون في هذا، وقد رُويَ عنْ عمرَ أنَّه قال في امرأةٍ لمَّا تُوفيتْ فقال (٥) لأوليائها: (أنتم أحقُّ به) (٦)، ورُوي عن أبي بكرةَ (٧)

стр. 271

أنَّه واثب (١) إخوة امرأتِه حتى أدخلها القبرَ" (٢). المثال الثاني: سألَ صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل: الرجلُ يُغسّل امرأته؟ فقالَ: "فيه اختلافٌ" (٣). المثال الثالث: سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن شهادةِ العبدِ؟ فقالَ: "فيها اختلافٌ" (٤). ثالثًا: إطلاقُ الإمام القولين في وقتٍ واحدٍ مِنْ غيرِ ترجيحٍ؛ كأنْ يقولَ: في المسألةِ قولان (٥).

стр. 272

يقولُ تاجُ الدّينِ بنِ السبكي: "إذا نُقِلَ عن مجتهدٍ واحدٍ في مسألةٍ واحدةٍ، قولان، ولم يُعقبْ بما يشعرُ بترجيحِ أحدِهما: فيدلُّ على توقّفِه في المسألةِ؛ لعدمِ ترجيحِ دليلِ أحدِ الحُكمين في نظرِه" (١). مثال ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: "فإنْ خَطَبَ - أي: الجمعة - بأربعين، ثمَّ كبَّر بهم، ثمَّ انفضوا مِنْ حوله: ففيها قولان ... ". (٢). رابعًا: إعراضُ الإمامِ عن المسألةِ، بقولِه مثلًا: دعها، أو: لا أعرفُها، أو: لا أدري، أو: ما سمعتُ (٣)، أو: لا أقولُ فيها شيئًا (٤). يقولُ ابنُ حامدٍ تحتَ باب: (البيان عن مذهبِه إذا صَدَرَ منه الجوابُ بأنْ يَدَعَ عنه السؤال): "ظاهرُ جوابِه بهذا يُؤْذِنُ بأنَّه متوقفٌ عن القطعِ في الحالِ" (٥). وقال أيضًا: "إذا صَدَرَ الجوابُ مِنْ أبي عبدِ الله بـ: ما سمعتُ، ولا أعرفُ، فذلك لا يكسبُ قطعًا بتحريمٍ ولا تحليلٍ، بلْ يقتضي ذلك الوقف لا غير" (٦). ويقولُ ابنُ عابدين: "توقّف فيه - أيْ: فيما لو حَلَفَ لا يكلمه دهرًا، هل هو للأبد؟ - أبو حنيفةَ، وقال: لا أدريْ ما هو" (٧). أمثلة ذلك: المثال الأول: سأل إسحاقُ بن منصور الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن الصبي إذا أمَّ قبلَ أنْ يحتلمَ؟ فقالَ: "دعْها" (٨).

стр. 273

المثال الثاني: سُئِلَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل عن السَلَمِ (١) في الفاكهةِ؟ فقالَ: "ما أدري" (٢). المثال الثالث: قولُ أبي حنيفة في الخنثى المشكلِ: "لا أدري ما أقولُ في هذا" (٣). الطريق الثالث: حكايةُ تلاميذِ الإمامِ أو أصحابِه عنه أنَّه متوقفٌ (٤). كما ينقلُ تلامذةُ وأصحابُ الإمامِ أقوالَه وأفعالَه، فإنَّهم أيضًا ينقلون توقفاته، ويُعَدُّ هذا طريقًا لمعرفةِ توقفِ إمامِ المذهبِ. أمثلة ذلك: المثال الأول: يقول ابن مفلحٍ: "هل صلاةُ مَنْ أذَّن لصلاتِه بنفسِه أفضلُ؟ ... أم يُحتمل أنَّها وصلاةُ مَنْ أُذنَ له سواء؟ ... ذَكَرَ القاضي أنَّ أحمدَ توقّفَ" (٥). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "لو أدّاها - أيْ: الشهادة - بخطِّه: فقد توقّفَ الإمامُ أحمدُ، ﵀" (٦). فإذا توقَّف الإمامُ في حكمِ مسألةٍ، فهل يُعَدُّ توقفُه قولًا، بحيث تصحُّ نسبتُه إليه؟ * تحرير محل النزاع: أولًا: إذا توفف الإمامُ، ثم تبيّنَ له رأيٌّ محددٌ، فليس متوقفًا (٧).

стр. 274

ثانيًا: إذا ثَبَتَ توقّفُ الإمامِ، ولم يأْتِ ما يدلُّ على قولِه، فهذا محلُّ النزاعِ. * الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين: القول الأول: أنَّ التوقفَ قولٌ، فتصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ. وهذا قولُ أبي الوفاءِ بنِ عقيل (١)، والمرداوي (٢)، وابنِ النجار (٣). وقال عنه المرداويُّ: "هو المعمولُ به عندَ العلماءِ" (٤). القول الثاني: أنَّ التوقفَ ليس بقولٍ، فلا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ. وهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (٥)، وابنِ رشدٍ (٦)، والفخرِ الرازي (٧)، ومحمدٍ الدسوقي (٨). وذَكَرَ القولَ الثاني: أبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ (٩)، وابنُ مفلحٍ (١٠)، ولم ينسباه إلى أحدٍ. * أدلة القولين: دليلُ أصحاب القولِ الأول: أنَّ المتوقفَ يفتي بقولِه، ويدعو إليه ويقرره، ويناظرُ لنصَرتِه، وما كان هذا شأنه، فإنَّه قولٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّه قولٌ، صحّتْ نسبتُه إلى الإمامِ (١١).

стр. 275

دليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ حقيقةَ التوقفِ خروجٌ عن الأقوالِ، وتعطيلٌ لها، وإذا كانت تلك حقيقةُ التوقفِ، فإنَّه لا يُعَدُّ قولًا (١). * الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الراجحَ في المسألةِ هو التفصيلُ الآتي: - إنْ كان سببُ التوقفِ تعارضَ الأدلة، مع عدمِ المرجّحِ، فالتوقفُ حينئذٍ قولٌ. - إنْ كان سببُ التوقفِ عدمَ النظرِ في المسألةِ ابتداءً، أو عدمَ استكمالِه، فلا يُعَدّ التوقف حينئذٍ قولًا. * سبب الخلاف: بيّن عبدُ الله العلوي أنَّ الخلافَ في المسألةِ عائدٌ إلى الشكِّ، أهو حكمٌ أم لا؟ فإنْ قلنا: الشكُّ حكمٌ، كان التوقفُ حينئذٍ قولًا، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ. وإنْ قلنا: الشكُّ ليس بحُكمٍ، لم يكن التوقفُ حينئذٍ قولًا، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني (٢). وهناك قولٌ ثالثٌ في المسألةِ، وهو أنَّ الشاكَّ إنْ نَشَأَ شكُّه عن تعارضِ الأدلةِ، فهو حاكمٌ بالترددِ، وإنْ نَشَأَ شكُّه؛ لعدمِ النظرِ، فهو غيرُ حاكمٍ، وهذا يتفقُ مع ما رجحتُه (٣).

стр. 276

الفرع السادس: القياس على القول مِن الطرقِ التي يُتَوصّلُ بها إلى معرفةِ قولِ إمام المذهب: قياسُ (١) ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه. ويسمي بعضُ أهلِ العلمِ القياسَ على القولِ بالتخريجِ (٢). وقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ مسألةِ: (القياسِ على قولِ إمامِ المذهب)، أُوْرِدُ بعضَ الأمثلةِ عليها: المثال الأول: صحةُ وصايةِ الصبي (٣). ذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمد بن حنبل في مسألةِ: (وصياية الصبي)، الصحةُ؛ وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على قولِ الإمامِ أحمدَ بصحّةِ وكالةِ الصبي، وجوازِ بيعِه إذا كان مأذونًا له فيه (٤). المثال الثاني: وجوب الزكاة في الأشنانِ (٥)،

стр. 277

والكلِأ (١). ذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلة إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمدَ وجوبُ الزكاةِ في الأشنانِ والكلِأ، وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على إيجابِ الإمامِ أحمدَ الزكاةَ في العسلِ (٢). المثال الثالث: إبطالُ إلاعتكافِ بلمسِ المرأةِ. سُئِلَ ابنُ القاسمِ (٣) عن المعتكفِ إذا قبّلَ أو لمسَ، أيفسِدُ ذلك اعتكافَه؟ فقال: نعم، بلغني عن مالكِ في القُبِلة أنَّه قالَ: "ينتقضُ اعتكافُه"، واللمسُ عندي مثلُ القُبْلةِ (٤). * تحرير محل النزاع: أولًا: إنْ كانَ الفرعُ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ في معنى ما نصَّ عليه، فحكمُه مثلُ حكمِ ما نصَّ عليه، نحو: أنْ ينصَّ على أنَّ الشفعةَ (٥)

стр. 278

لجارِ الدكانِ، فيُعلم مِنْ نصِّه أنَّ الشفعةَ لجارِ الدارِ؛ لأنَّه لا فرقَ بين الدكانِ والدارِ (١). ثانيًا: إنْ كان القائسُ الذي يريدُ إلحاقَ الفرعِ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ بما نصَّ عليه، ممَّنْ لا معرفةَ له بالقياسِ وأحكامِه معرفةً جيدةً: فلا يصحُّ قياسُه (٢). ثالثًا: إنْ كان هناك فرقٌ مؤثّرٌ بين الفرعِ المسكوتِ عنه، وما نصَّ عليه إمامُ المذهبِ، امتنع الإلحاقُ؛ لأنَّ الفارقَ بين الفرعِ والأصلِ مؤثرٌ في القياسِ في نصوصِ الشارعِ، وغيرُها ملحقٌ بها (٣). رابعًا: محل الخلافِ إذا كان القائسُ ذا معرفةٍ بالقياسِ وأحكامِه، ولم يجدْ فرقًا مؤثّرًا بين ما سَكَتَ عنه إمامُه، وما نصَّ عليه، وليس ما سَكَتَ عنه في معنى ما نصَّ عليه، فهل يثبتُ للمسكوتِ عنه مثلُ حكمِ المنصوص على حكمِه؟ * الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب عن طريقِ القياسِ على أقوال: القول الأول: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، وصحةُ نسبةِ حُكمِ الفرعِ المسكوتِ عنه إلى الإمامِ.

стр. 279

وهذا قولُ أكثرِ المالكية (١). ونسبه أبو إسحاقَ الشيرازي إلى بعضِ الشافعيةِ (٢)، وقال عنه صدرُ الدينِ السلمي: "إنَّه الأشبه بفعلِ الأصحابِ" (٣). وهو وجهٌ عند الحنابلةِ (٤)، وقال عنه ابنُ مفلحٍ: "إنَّه الأشهرُ" (٥)، وقال عنه المرداوي: "إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ" (٦). وذَهَبَ إلى هذا القول: ابنُ القاسمِ (٧)، والأثرمُ (٨)، وأبو القاسمِ الخرقي (٩). ونُسِبَ هذا القولُ إلى ابنِ حامدٍ (١٠). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (١١). وهو قولُ أبي إسحاقَ التونسي (١٢)، وإمامِ الحرمين الجويني (١٣)، وابنِ رشدٍ (١٤)، وأبي عبدِ الله المازري (١٥)،

стр. 280

وابنِ الصلاح (١)، والطوفي (٢)، وخليلٍ المالكي (٣)، وبدرِ الدين الزركشي (٤)، وابنِ عرفةَ (٥)، ومحمد الخضري (٦). واختارَ هذا القول بشرطِ نسبتِه إلى الإمامِ مقيّدًا بقولِنا: "قياسُ قولِه": تقيُّ الدين بنُ تيمية (٧)، وابنُ عابدين (٨)، والشيخُ محمد المطيعي (٩). القول الثاني: منْعُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، فلا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ. وهذا القولُ وجه عند الحنابلةِ (١٠). ونَسَبَه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ شيوخِه،

стр. 281

وإلى سائرِ مَنْ شاهده (١)، وإلى الخلالِ، وغلامِه، وأبي علي بنِ الصواف (٢)، وإبراهيمَ الحربي (٣). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو إسحاقَ الشيرازيُّ (٤)، والحلوانيُّ (٥)، وابنُ العربي المالكى (٦)، وابنُ رشدٍ - وعدَّه بدعةً وضلالًا (٧) - والعزّ بنُ عبد السلام (٨)،

стр. 282

وأبو عبد الله المقَّريُّ (١)، وأحمدُ الوزير (٢). ونسبه أحمدُ الوزير إلى القاسمِ بن محمد (٣). القول الثالث: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ نصَّ على العلةِ أو أومَأَ إليها، سواء أقالَ الإمامُ بتخصيصِ العلةِ أم لا، وتصحُّ نسبةُ القولِ إليه؛ والمنعُ مِن القياسِ على قولِ الإمامِ، إنْ لم ينصَّ على العلةِ، ولم يومِئْ إليها. ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (٤)، وأبو الحسينِ البصري (٥)، ومحمد بنُ يحيى (٦)،

стр. 283

وأبو المظفرِ السمعاني (١)، وأبو الخطاب (٢)، والموفقُ بنُ قدامةَ (٣)، وابنُ حمدان (٤)، والأميرُ محمد الصنعاني (٥) - وقَصَرَ الجوازَ على ما إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ فحسب - والشيخُ محمد الأمين الشنقيطي (٦). فلو قالَ الإمامُ مثلًا: النيةُ واجبةٌ في التيممِ؛ لأنَّه طهارةٌ عن حَدَثٍ، كان قولُه: أنَّ النيةَ تجبُ في الوضوءِ وغُسْلِ الجنابةِ والحيضِ؛ لأنَّه اعتقدَ وجوبَ النيةِ؛ لكونِها طهارةً عن حدثٍ، فيجبُ أنْ يشملَ ذلك طهارةَ كلِّ حَدَثٍ (٧). وفيما يتصلُ بقولِ ابنِ حامدٍ: فمِنْ علماءِ الحنابلة مَنْ نَسَبَ إليه القولَ الأولَ (٨)، مع أنَّ ظاهرَ اختيارِه في المسألةِ هو التفصيل. ولعل سببَ الاختلافِ في قولِه عائدٌ إلى النظرِ إلى ما اختاره، وإلى ما استدلَّ به؛ إذ إنَّ ابنَ حامدٍ لمَّا عَرَضَ القولين: الأول والثاني، صرَّح بما اختاره قائلًا: "والمأخوذُ به أنْ نُفصَّلَ: فما كانَ مِنْ جوابٍ له في أصلٍ يحتوي مسائل، خَرَجَ جوابُه على بعضِها، فإنَّه جائزٌ أنْ يُنسبَ إليه بقيةُ مسائلِ ذلك الأصلِ مِنْ حيثُ القياسُ" (٩). وقولُه ظاهرٌ في عدمِ إطلاقِ القولِ بجوازِ القياسِ في نصوصِ الأئمةِ، لكنَ ابنَ حامدٍ حينَ عَرَضَ الأدلةَ، انساقَ في عرضِها مع القائلين بالجوازِ. فلعل مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ حامدٍ القولَ بالجوازِ مطلقًا، اتجه نظرُه إلى الأدلةِ التي استدلَّ بها.

стр. 284

وأنبّه إلى أنَّ ابنَ حمدان اختارَ القولَ الثالث، وبيَّن أنَّ العلةَ إنْ لم تكن منصوصةً أو مومأً إليها، لكنْ شهدتْ أقوالُ الإمامِ وأفعالُه، أو أحوالُه للعلةِ المستنبطةِ بالصحّةِ والتعيينِ، فإنَّها تُلحقُ بالعلةِ المنصوصةِ (١). القول الرابع: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ كانَ الإمامُ ممَّنْ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، والمنعُ مِن القياسِ إنْ كان الإمامُ ممَّنْ لا يجوّزُ تخصيصَ العلةِ. كذا ذَكَرَ هذا القولَ: ابنُ حمدان (٢)، والمرداويُّ (٣)، ولم ينسباه إلى أحدٍ. ولعل عكسَ قولِهم هو الأنسب للمقام؛ فإذا رأى الإمامُ تخصيصَ العلةِ لم يصحَّ الإلحاقُ، وإنْ لم يرَ تخصيصَ العلةِ ساغَ الإلحاقُ. ويرجِّح هذا التعقيب: ما أورده المرداويُّ نفسُه في كتابه: (الإنصاف) (٤) - ومقتضاه عكس القول الذي ذكره: ابنُ حمدان (٥)، والمرداويُّ في كتابيه: (التحبير) (٦)، و (تصحيح الفروع) (٧) - بقوله: "وقيل: إنْ جازَ تخصيصُ العلةِ، وإلا فهو مذهبُه" (٨). * أدلةُ الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ القياسَ جائزٌ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، وإذا ساغَ القياسُ فيهما - بجعلِ ما سَكَتَ عنه القرآنُ والسنةُ ملحقًا بالمنصوصِ عليه -

стр. 285

وهما أصلُ الدِّينِ، فجوازُ القياسِ في غيرِهما مِنْ بابٍ أولى (١). يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "فالذي أحاطَ بقواعدِ مذهبِ الشافعي مثلًا، وتدرَّبَ في مقاييسه، يُنزّلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرقِ الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرعِ بما هو منصوصٌ عليه. ولعلَّ الفقيهَ المستقل بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاقِ بأصولِ المذهبِ الذي حواه، مِن المجتهدِ في محاوَلتِه الإلحاق بأصولِ الشريعةِ" (٢). مناقشة الدليل الأول، نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنَّا قلنا بصحةِ القياسِ على نصوصِ الكتاب والسنةِ؛ لورودِ البيانِ مِن الشرعِ بالأمرِ بالقياسِ وإقرارِه؛ وقد تعبَّدَنا الشارَعُ بذلك، بخلافِ الأئمةِ، فلم يَرِدْ عنهم أمرٌ بالقياسِ على أقوالِهم (٣). الوجه الثاني: أنَّ ما يقتضيه القياسُ على القرآنِ والسنةِ، يقال له: دينُ الله ودين رسوله ﷺ ، ولا يُقالُ فيه: قول الله ولا قول رسوله ﷺ . ولا تصحُّ مثلُ هذه الإضافةِ إلى الأئمةِ، فلا يُقالُ في قياسِ قولِ الشافعي أو مالكٍ: دين الشافعي أو دين مالك (٤). الدليل الثاني: اتفقَ العلماءُ على صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ، وجَرَى عملُهم على وفقِ هذا الاتفاق، فمِنْ ذلك: أنَّهم ينقلون عن بعضِ الصحابةِ ﵃ اختلافَ قولِهم في الجدِّ في بابِ الفرائضِ، ويفرعون على قولِهم في مسائل أخر ما جانسه (٥)، وإذا ثَبَتَ هذا الاتفاقُ، لم يُعَوَّلْ على ما جاءَ من الاختلاف؛ لتقدّمِ الاتفاقِ عليه.
следующие страницы →