стр. 281
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 66
التمذهب – دراسة نظرية نقدية
خالد الرويتع
Полный текст (1 617 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 282
وأبو عبد الله المقَّريُّ (١)، وأحمدُ الوزير (٢).
ونسبه أحمدُ الوزير إلى القاسمِ بن محمد (٣).
القول الثالث: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ نصَّ على العلةِ أو أومَأَ إليها، سواء أقالَ الإمامُ بتخصيصِ العلةِ أم لا، وتصحُّ نسبةُ القولِ إليه؛ والمنعُ مِن القياسِ على قولِ الإمامِ، إنْ لم ينصَّ على العلةِ، ولم يومِئْ إليها.
ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (٤)، وأبو الحسينِ البصري (٥)، ومحمد بنُ يحيى (٦)،
стр. 283
وأبو المظفرِ السمعاني (١)، وأبو الخطاب (٢)، والموفقُ بنُ قدامةَ (٣)، وابنُ حمدان (٤)، والأميرُ محمد الصنعاني (٥) - وقَصَرَ الجوازَ على ما إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ فحسب - والشيخُ محمد الأمين الشنقيطي (٦).
فلو قالَ الإمامُ مثلًا: النيةُ واجبةٌ في التيممِ؛ لأنَّه طهارةٌ عن حَدَثٍ، كان قولُه: أنَّ النيةَ تجبُ في الوضوءِ وغُسْلِ الجنابةِ والحيضِ؛ لأنَّه اعتقدَ وجوبَ النيةِ؛ لكونِها طهارةً عن حدثٍ، فيجبُ أنْ يشملَ ذلك طهارةَ كلِّ حَدَثٍ (٧).
وفيما يتصلُ بقولِ ابنِ حامدٍ: فمِنْ علماءِ الحنابلة مَنْ نَسَبَ إليه القولَ الأولَ (٨)، مع أنَّ ظاهرَ اختيارِه في المسألةِ هو التفصيل.
ولعل سببَ الاختلافِ في قولِه عائدٌ إلى النظرِ إلى ما اختاره، وإلى ما استدلَّ به؛ إذ إنَّ ابنَ حامدٍ لمَّا عَرَضَ القولين: الأول والثاني، صرَّح بما اختاره قائلًا: "والمأخوذُ به أنْ نُفصَّلَ: فما كانَ مِنْ جوابٍ له في أصلٍ يحتوي مسائل، خَرَجَ جوابُه على بعضِها، فإنَّه جائزٌ أنْ يُنسبَ إليه بقيةُ مسائلِ ذلك الأصلِ مِنْ حيثُ القياسُ" (٩).
وقولُه ظاهرٌ في عدمِ إطلاقِ القولِ بجوازِ القياسِ في نصوصِ الأئمةِ، لكنَ ابنَ حامدٍ حينَ عَرَضَ الأدلةَ، انساقَ في عرضِها مع القائلين بالجوازِ.
فلعل مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ حامدٍ القولَ بالجوازِ مطلقًا، اتجه نظرُه إلى الأدلةِ التي استدلَّ بها.
стр. 284
وأنبّه إلى أنَّ ابنَ حمدان اختارَ القولَ الثالث، وبيَّن أنَّ العلةَ إنْ لم تكن منصوصةً أو مومأً إليها، لكنْ شهدتْ أقوالُ الإمامِ وأفعالُه، أو أحوالُه للعلةِ المستنبطةِ بالصحّةِ والتعيينِ، فإنَّها تُلحقُ بالعلةِ المنصوصةِ (١).
القول الرابع: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ كانَ الإمامُ ممَّنْ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، والمنعُ مِن القياسِ إنْ كان الإمامُ ممَّنْ لا يجوّزُ تخصيصَ العلةِ.
كذا ذَكَرَ هذا القولَ: ابنُ حمدان (٢)، والمرداويُّ (٣)، ولم ينسباه إلى أحدٍ.
ولعل عكسَ قولِهم هو الأنسب للمقام؛ فإذا رأى الإمامُ تخصيصَ العلةِ لم يصحَّ الإلحاقُ، وإنْ لم يرَ تخصيصَ العلةِ ساغَ الإلحاقُ.
ويرجِّح هذا التعقيب: ما أورده المرداويُّ نفسُه في كتابه: (الإنصاف) (٤) - ومقتضاه عكس القول الذي ذكره: ابنُ حمدان (٥)، والمرداويُّ في كتابيه: (التحبير) (٦)، و (تصحيح الفروع) (٧) - بقوله: "وقيل: إنْ جازَ تخصيصُ العلةِ، وإلا فهو مذهبُه" (٨).
* أدلةُ الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ القياسَ جائزٌ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، وإذا ساغَ القياسُ فيهما - بجعلِ ما سَكَتَ عنه القرآنُ والسنةُ ملحقًا بالمنصوصِ عليه -
стр. 285
وهما أصلُ الدِّينِ، فجوازُ القياسِ في غيرِهما مِنْ بابٍ أولى (١).
يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "فالذي أحاطَ بقواعدِ مذهبِ الشافعي مثلًا، وتدرَّبَ في مقاييسه، يُنزّلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرقِ الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرعِ بما هو منصوصٌ عليه.
ولعلَّ الفقيهَ المستقل بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاقِ بأصولِ المذهبِ الذي حواه، مِن المجتهدِ في محاوَلتِه الإلحاق بأصولِ الشريعةِ" (٢).
مناقشة الدليل الأول، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنَّا قلنا بصحةِ القياسِ على نصوصِ الكتاب والسنةِ؛ لورودِ البيانِ مِن الشرعِ بالأمرِ بالقياسِ وإقرارِه؛ وقد تعبَّدَنا الشارَعُ بذلك، بخلافِ الأئمةِ، فلم يَرِدْ عنهم أمرٌ بالقياسِ على أقوالِهم (٣).
الوجه الثاني: أنَّ ما يقتضيه القياسُ على القرآنِ والسنةِ، يقال له: دينُ الله ودين رسوله ﷺ ، ولا يُقالُ فيه: قول الله ولا قول رسوله ﷺ .
ولا تصحُّ مثلُ هذه الإضافةِ إلى الأئمةِ، فلا يُقالُ في قياسِ قولِ الشافعي أو مالكٍ: دين الشافعي أو دين مالك (٤).
الدليل الثاني: اتفقَ العلماءُ على صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ، وجَرَى عملُهم على وفقِ هذا الاتفاق، فمِنْ ذلك: أنَّهم ينقلون عن بعضِ الصحابةِ ﵃ اختلافَ قولِهم في الجدِّ في بابِ الفرائضِ، ويفرعون على قولِهم في مسائل أخر ما جانسه (٥)، وإذا ثَبَتَ هذا الاتفاقُ، لم يُعَوَّلْ على ما جاءَ من الاختلاف؛ لتقدّمِ الاتفاقِ عليه.
стр. 286
مناقشة الدليل الثاني: إنَّ دعوى الاتفاقِ غيرُ مسلَّمةٍ، وخلافُ العلماءِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على القياسِ قادحٌ في صحتها (١).
الدليل الثالث: أنَّه لا خلافَ في صحةِ قياسِ الدارِ على الدكانِ، فيما إذا أثبتَ الإمامُ الشفعةَ لجارِ الدكانِ، وإذا صحَّ القياسُ دونَ خلافٍ في هذه الصورةِ، فليصحَّ فيما عداها (٢).
مناقشة الدليل الثالث: هناك فرقٌ بين الصورةِ التي هي محلُّ اتفاقٍ، وغيرِها مِن الصورِ؛ لأنَّ الفرعَ المسكوتَ عنه في الصورةِ الأُولى في معنى المنصوصِ عليه؛ فلا فرقَ بين ما نصَّ الإمامُ على حكمِه، وما سَكَتَ عنه، بخلافِ ما نحن فيه؛ إذ ليس ما سَكَتَ عنه الإمامُ في معنى ما نصَّ عليه (٣).
الدليل الرابع: يترتبُ على تركِ القياسِ على قولِ الإمامِ خلوُّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ الشرعيةِ، وهذه مفسدةٌ، ودفعُها بالأخذِ بالقياسِ على أقوالِ الإمامِ (٤).
ويمكن مناقشةُ الدليلِ الرابعِ: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ تركَ القياسِ على أقوالِ الإمامِ يؤدي إلى خلوِّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ؛ لأنَّ كلَّ عصرٍ لا يخلو عن قائمٍ لله بالحجةِ، يُبَيّن حكمَ الله تعالى في الحوادثِ.
واستدلَّ مَنْ جوَّزَ - مِنْ أصحابِ القولِ الأولِ - القياسَ على قولِ الإمامِ، بشرطِ نسبتِه إليه مقيدًا، بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ مقيَّدًا تفريقًا بين قولِه المنصوصِ، وقولِه المخرَّجِ؛ لئلا يحصلَ اللبْسُ (٥).
стр. 287
الدليل الثاني: ليس قولُ الإمامِ المنصوصِ، وقولُه المقيس عليه في منزلةٍ واحدةٍ، فاحتيجَ إلى التفريقِ بينهما بالتقييدِ في نسبةِ القولِ المقيس (١).
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: قالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢).
وجه الدلالة: أنّ نسبةَ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ القياسِ، مِنْ قبيلِ القولِ بلا علمٍ، وقد نهتْ عنه الآيةُ الكريمةُ (٣).
مناقشة وجه الدلالة: لا نُسَلِّمُ شمولَ النهي في الآيةِ لحالةِ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ، أو أومَأَ إليها؛ لأنَّ النصَّ على العلةِ يجعلها كاللفظِ العامِّ.
الدليل الثاني: أنَّ مذهبَ الإمامِ هو ما نصَّ عليه، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى نصِّه، وليس القياسُ على قولِه بنصٍّ، ولا يجري مجراه، فمَنْ نَسَبَ إلى إمامِ المذهب شيئًا بناءً على القياسِ، كان كمَنْ نَسَبَ إلى ساكتٍ قولًا (٤).
مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ السكوتَ على ضربين:
الضرب الأول: سكوت في أصلِ الأشياءِ، كمَنْ لا جوابَ له، ولا فتوى عنه.
الضرب الثاني: سكوتٌ عن نطقٍ.
стр. 288
فالضربُ الأولُ: لا يُنسبُ إليه قولٌ بحالٍ مِن الأحوالِ.
والضربُ الثاني: مُسْتَحقٌّ أنْ يُنسبَ إليه ما في معناه، ممَّا وافقه في علتِه (١).
الوجه الثاني: أنَّ ما نصَّ إمامُ المذهبِ على علتِه ليس مِنْ قبيلِ المسكوتِ عنه؛ بلْ هو جارٍ مجرى النصِّ؛ لقوتِه (٢).
الدليل الثالث: أنَّ أقوالَ الأئمةِ عبارةٌ عمَّا يعتقدونها ويتديّنون بها، ولا يصحُّ لنا القطعُ بأنَّ الأئمةَ متدينون بحُكمِ الفرعِ المقيسِ على أقوالِهم (٣).
ويمكن مناقشة الدليل الثالث: بأنَّ ما قالوه صادقٌ على حالِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ، أمَّا إذا نصَّ عليها، فإنَّنا نظنُّ أنَّه يتدينُ بما ثبتْ على قولِه قياسًا.
الدليل الرابع: لو قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على القياسِ؛ لأدَّى بنا إلى أنْ ننسبَ قولَ الإمامِ أبي حنيفةَ مثلًا إلى الإمامِ أحمدَ، وهذا لا يصحُّ (٤).
مناقشة الدليل الرابع: لا يُوجدُ مانعٌ مِنْ جعلِ قولِ الإمامِ موافقًا لقولِ غيرِه مِن الأئمةِ، متى ما صحَّ القياسُ على قولِه (٥).
أدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ:
يتألف قولهم مِنْ شقين:
الشق الأول: جوازُ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ أو أومأَ إليها، سواءٌ قلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا، وأدلته:
стр. 289
الدليل الأول: إذا نصَّ الإمامُ على حكمٍ، وبيّن علتَه، ثم وُجِدَتْ مسائلُ تُوجدُ فيها تلك العلةِ، فقولُه فيها كقولِه في المنصوصِ؛ لأنَّ الحكمَ يتبعُ العلةَ، فيُوجدُ حيثُ وُجِدَتْ (١).
الدليل الثاني: إذا بين الإمامُ علةَ الحكمِ، كان كلامُه حينئذٍ كاللفظِ العائم، يؤيدُ ذلك: أنَّ ما نصَّ الشارعُ على علتِه، يجوزُ نسخُه والنسخُ به؛ إذ حكمُه في هذه الحالةِ أنَّه كاللفظِ العامِّ، ولو لم تُذكَرْ علتُه لمَا نسَخَ، ولمَا نُسِخَ به (٢).
الدليل الثالث: إنْ قلنا بتخصيصِ العلةِ؛ فيصخُ القياسُ على قولِ الإمامِ؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، فلا تُخَصصُ إلا بدليلٍ، فإذا لم يُوْجَدْ في كلامِ الإمام مُخَصِّصٌ، فإن العلةَ باقيةٌ على عمومِها (٣).
الشق الثاني: عدمُ جوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ إذا لم ينصَّ على العلة، ولم يومئ إليها، وأدلته:
الدليل الأول: لا يصحُّ إلحاقُ الفرعِ المسكوتِ عنه بما نصَّ الإمامُ على حكمِه، إذا لم تكن العلةُ منصوصةً ومومأً إليها؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ القياسَ في هذه الحالةِ بغيرِ جامعٍ؛ والقياسُ دونَ جامعٍ، لا يصحُّ.
الأمر الثاني: يجوزُ أنْ يظهرَ فارقٌ مؤثرٌ في الحُكمِ، فيما لو عُرِضَ الفرعُ على الإمامِ؛ ولهذا الاحتمالِ لا يصحُّ القياسُ (٤).
الدليل الثاني: ما تقدّمَ مِنْ أدلةٍ لأصحابِ القولِ الثاني، فإنَّها صالحةٌ
стр. 290
لأنْ يَسْتَدِلَ بها أصحابُ القولِ الثالثِ في حالةِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ.
دليل أصحاب القول الرابع: إنْ كان الإمامُ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، فلا يصحُّ قياسُ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ما سَكَتَ عنه مخصَّصًا بحُكمِ يخالفُ ما نصَّ عليه.
وإنْ كانَ لا يجوِّزُ تخصيصَ العلةِ، فيصحُّ القياسُ؛ لاطرادِ العلةِ عنده في هذه الحالةِ، وينتفي احتمالُ اختصاصِ ما سَكَتَ عنه بحُكمٍ آخر (١).
مناقشة دليل أصحاب القول الرابع: إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ، فإنَّ المحذورَ - وهو اختصاصُ المسكوتِ بحُكمٍ يخالفُ المنصوصَ - ينتفي؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، لا تُخَصّصُ إلا بدليلٍ، سواءٌ أقلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا (٢).
* الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ، وأدلتِها، وما ورد عليها من مناقشات، يظهرُ لي الآتي:
أولًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا نصَّ على علةِ الحكمِ، وصحةُ نسبةِ القولِ إليه حينئذٍ.
ثانيًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا لم ينصَّ على علةِ الحُكمِ، ولم يُومِئ إليها، لكنْ يُنسبُ القولُ إليه مقيدًا، كقولنا مثلًا: قياس قولِه كذا، مع ذكرِ الأصلِ المقيسِ عليه.
وقد رجحتُ ما سَبَقَ للآتي:
أولًا: أنَّ للنصِّ على علةِ الحكمِ مِن القوةِ، ما يجعلها كاللفظِ العامِّ،
стр. 291
يؤيد هذا: إذا نصَّ الشارعَ على علةِ الحكمِ، فإنَّه يُعامل معاملة اللفظِ العامِّ، فينسخُ ويُنسخ به، بخلافِ الحُكمِ الذي لم ينصَّ على علتِه (١).
ثانيًا: أنَّ نصَّ إمامِ المذهب على العلةِ قرينةٌ قويةٌ دالةٌ على أنَّ قولَ الإمامِ هو ما تحققتْ فيه تلك العلَةُ.
ثالثًا: ضعفُ أدلةِ الأقوالِ الأخرى؛ بما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ.
أمَّا في حالةِ ما إذا لم ينصَّ إمامُ المذهب على العلةِ، فالقولُ بصحةِ القياسِ مطلقًا، قولٌ لا يخلو مِنْ نوعِ مجازفةٍ؛ لكنْ لتتابعِ أربابِ المذاهبِ على القياسِ على قولِ إمامِهم، كان القولُ بصحة القياسِ حينئذٍ متجهًا؛ بشرطين:
الشرط الأول: تقييدُ القولِ المنسوب إلى إمامِ المذهبِ بقولنا مثلًا: قياسُ قولِه كذا؛ تفريقًا بينه، وبين قولِه المنَصوصِ.
الشرط الثاني: ذكرُ الأصلِ المقيسِ عليه، فيُذكر قول الإمامِ المنصوصُ.
• نوع الخلاف:
الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتينِ اللتينِ ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهومِ، ويظهرُ أثرُه أيضًا في وصفِ القولِ المخرَّجِ:
فعلى قولِ المجوزين يكون القولُ المخرَّجُ روايةً مخرَّجةً.
وعلى قولِ المانعين يكون القولُ المخرَّجُ وجهًا لمَنْ خرَّجه (٢).
ويتصل بالقياس على قول الإمام مسألتان، وهما:
стр. 292
المسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأوْلى على قولِ إمام المذهبِ؟
المسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.
المسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأَوْلى على قولِ إمامِ المذهبِ؟
إذا نصَّ إمامُ المذهبِ على حكمٍ، وكان المسكوتُ عنه أولى بالحُكمِ مِن المنصوص، فهل يصحُّ القياسُ في هذه الحالةِ؟
مثال ذلك: سُئِلَ ابنُ القاسم هل كان مالكٌ يكرَه للمُحْرِمةِ، وغيرِ المحرمة لبس القَبَاء (١)؟ فقال: نعم كان يكرَه لبسَ القَبَاءِ للجواري؛ لأنَّه يصفُ أعجازِهن.
فلما سُئِلَ: هل كان مالكٌ يكرهه للنساءِ الحرائرِ؟ قال: قد أخبرتُك بقولِ مالكٍ في الإماءِ، فإذا كرهه مالكٌ للإماءِ، فهو للحرائرِ أشدّ كراهيةً عند (٢).
تأخذُ هذه المسألة حكمَ المسألة السابقة، وهي: (نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ مفهومِ الموافقةِ)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها فيما سَبَقَ.
المسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.
على القولِ بجوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ - إمّا مطلقًا وإمّا بشرطٍ (٣) - إذا نصَّ الإمامُ على حُكمِ مسألةٍ، ونصَّ مسألةٍ أخرى تشبه الأُوْلى على حُكمٍ مخالفٍ للحُكمِ الأول، فهل ينقلُ جوابُ الإمامِ مِن المسألةِ الأُولى إلى المسألةِ الثانية، ومِن المسألةِ الثانيةِ إلى المسألةِ الأُولى؛
стр. 293
ليكون له في كلتا المسألتين قولانِ: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ؟ (١).
ويحسنُ قبلَ عرضِ المسألةِ ذكرُ بعضِ الأمثلةِ للنقلِ والتخريجِ:
المثال الأول: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على أنَّ المتيممَ إِذا وَجَدَ الماءَ أَثْنَاءَ صلاتِه، فإِنَّه يبني عليها، وأنَّ المستحاضةَ إِذا انقطع دمُها أَثْنَاءَ الصلاةِ، لم يجزْ لها البناءُ.
اتجه بعضُ الشافعيةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فأصبحَ للإِمامِ الشَّافعي في كلِّ مسألةٍ قولان: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ (٢).
فالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (التيممِ): هو البناءُ، والقولُ الثاني: عدمُ البناءِ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
والقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (المستحاضةِ): عدمُ البناءِ، والقولُ الثاني: البناءُ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
في حين فرّقَ بعضُ الشافعيةِ بين المسألتينِ، يقولُ أبو محمدٍ الجويني (٣): "والفرقُ بينهما: أنَّ الحدثَ الَّذي تيممُّ له المتيممُ، ما زادَ، وما تجدّدَ، ولكنَّه مستدامٌ على صفتِه الأُولى؛ أمَّا المستحاضةُ فقد تجددَ عليها
стр. 294
بعد الوضوءِ حدثٌ حادثٌ - وهو الدم الَّذي سال منها - وهي لم تتطهرْ للحدثِ الحادثِ؛ لأنَّ الطهارةَ لا تسبقُ الحدثَ، وإِنَّما تطهّرتْ للحدثِ السابق، والحدثُ المقارِنُ بحالِه وهو الحدثُ اللاحق، فإِذا استيقنتْ في حال الصلاةِ الشفاءَ مِنْ تلك العلةِ، والتمكن مِن الطهارةِ، لزمها الاستئنافُ" (١).
المثال الثاني: نصَّ الإِمامُ أحمدُ بنُ حنبل على إِعادةِ صلاةِ مَنْ صلَّى في ثوبٍ نجسٍ؛ لعدمِ وجودِ غيرِه، ونصَّ على عدمِ إِعادةِ صلاةِ مَن صلَّى في موضعٍ نجسٍ، لا يمكنه الخروج منه (٢).
جَعَلَ بعضُ الحنابلةِ للإِمامِ أحمدَ قولين في كلتا المسألتين: قولًا بالنصِّ، والقول الآخر بالنقلِ والتخريجِ (٣).
فالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الثوبِ النجسِ) الإِعادةُ، والقولُ الثاني: عدمُ إِعادةِ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
والقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الموضعِ النجسِ) عدمُ الإِعادةِ، والقول الثاني: إِعادةُ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
في حين فرَّقَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ بين المسألتين؛ مِنْ جهةِ أنَّ المصلي لا يقدرُ على مفارقةِ المكانِ والخروجِ منه، بخلافِ الثوبِ، فبإِمكانِه تركُه، والصلاةُ عُريانًا (٤).
المثال الثالث: سُئل الإِمام أحمد بن حنبل عن الرجلِ يموت، وتُوْجَدُ له وصيةٌ تحتَ رأسِه، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ أشهدَ عليها، هل يجوزُ إِنفاذ ما فيها؟ قالَ: "إِنْ كان عَرَفَ خطَّه، وكان مشهورَ الخطِّ: فإِنَّه ينفذ ما فيها" (٥).
стр. 295
ونصَّ فيمَنْ كَتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، أنَّهم لا يشهدون، إِلَّا أنْ يسمعوها منه، أو تُقْرَأَ عليه، فيُقرُّ بها (١).
ذَهَبَ بعضُ الحنابلةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فجعلوا للإِمامِ أحمدَ في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ (٢).
ومِنْ علماءِ الحنابلةِ مَنْ فرَّق بين المسألتين، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ - كما نقله عنه ابنُ القيّمِ -: "الفرقُ: أنَّه إِذا كتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، فإِنَّهم لا يشهدون؛ لجوازِ أنْ يزيدَ في الوصيةِ وينقصَ ويغيّرَ، وأمَّا إِذا كَتَبَ وصيتَه، ثُمَّ مات، وعُرفَ خطُّه، فإِنَّه يشهدُ به؛ لزوالِ هذا المحذورِ" (٣).
المثال الرابع: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على بيعِ مسكنِ المفلسِ وخادمِه، وإِنْ كان محتاجًا إِلى مَنْ يخدمُه؛ لكبرِه، أو لمنصبِه، ونصَّ في الكفارةِ المرتبة على أنَّه يعدلُ إِلى الصيامِ، وإِنْ كان له مسكنٌ وخادمٌ، ولا يلزم صرفُهما إِلى الإِعتاقِ (٤).
ذَهَبَ بعضُ علماءِ الشافعيةِ إِلى أنَّ للإِمامِ الشَّافعي في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ (٥).
وفرَّق آخرون بين المسألتين من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الكفارةَ لها بدلٌ، بخلافِ الحقِّ الثابتِ على المفلسِ.
стр. 296
الوجه الثاني: أنَّ بيعَ مسكنِ المفلسِ وخادمِه؛ لتعلقِه بحقِّ الآدمي، بخلافِ الكفارةِ (١).
• تحرير محل النزاع في مسألةِ: (النقل والتخريج):
أولًا: ظَهَرَ لي مِن خلالِ النظرِ في مسألةِ: (النقل والتخريج) أنَّه إِذا وجِدَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ، لم يجز القيامُ به، كما لو أفضى النقلُ والتخريجُ بين المسألتين إِلى خرقِ الإِجماع، أو مخالفةِ نصٍّ مِن الكتاب أو السنةِ (٢).
ثانيًا: محلُّ الخلافِ إِذا لم يكن ثمةَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ.
• الأقوال في المسألة:
قبلَ عرضِ الأقوالِ، أبيّن أنَّ المانعين للقياسِ على قولِ الإِمامِ في المسألة السابقة يمنعون النقلَ والتخريجَ؛ لأنَّ مَنْ مَنَعَ قياسَ ما سَكَتَ عنه الإِمامُ على ما نصّ عليه، فإِنَّه يمنعُ قياسَ ما نصَّ عليه على ما نصَّ عليه، في حكمٍ آخر، مِنْ بابٍ أَولى.
اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمام بناءً على النقلِ والتخريجِ على ثلاثةِ أقوال:
القول الأول: عدمُ جوازِ النقلِ والتخريجِ.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٣). ونَسَبَه صدرُ الدّينِ السلمي إِلى محققي الشافعيةِ (٤). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ (٥). وقال المرداويُّ عنه: "إِنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ" (٦).
стр. 297
ونَسَبَه صدرُ الدِّينِ السلمي إِلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (١).
واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (٢)، وأبو الحسين
البصري (٣)، وأبو إِسحاقَ الشيرازي (٤)، وأبو الخطابِ (٥)، والموفقُ بنُ قدامة (٦)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (٧).
القول الثاني: جوازُ النقلِ والتخريجِ.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (٨). ونسَبَه أبو إِسحاقَ الشيرازي إِلى بعضِ الشافعيةِ (٩). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ (١٠)، ونسبه المرداويُّ إِلى كثيرٍ مِن متقدمي الحنابلةِ ومتأخريهم (١١).
واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ الحاجبِ (١٢)، وابنُ سريجٍ (١٣)،
стр. 298
والطوفي (١) - ونصَّ على اشتراطِ البحثِ عن الفرقِ والجدِّ في طلبِه - والمرداويُّ (٢)، وتبعَ الشيخُ عبد القادرِ بنُ بدران الطوفيَّ في اختيارِه (٣).
القول الثالث: التفصيل في المسألة، فلا يخلو الأمرُ من حالتين:
الحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإمامِ في المسألتين.
الحالة الثانية: أنْ يجهلَ التاريخَ.
الحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإِمام في المسألتين.
إِنْ علمَ تاريخَ قولِ الإِمامِ في المسألتين، فلا يخلو: إِمَّا أنْ يقربَ الزمنُ بين قولي الإِمام، أو أنْ يبعدَ:
- فإِنْ قربَ الزمنُ بين قوليه، لم يجز النقلُ والتخريجُ.
- وإِنْ بَعُدَ الزمنُ بين قولي الإِمامِ: نُقِلَ حكمِ الثانيةِ إِلى الأُولى في الأقيس، ولا يُنقل حكمِ الأُولى إِلى الثانيةِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، مع معرفةِ التاريخِ.
الحالة الثانية: أن يجهلَ التاريخ.
إِنْ جهل تاريخ قولي الإِمام في المسألتين: جازَ نقلُ حكمِ أقرب المسألتين مِن الكتاب أو السنةِ أو الإِجماعِ أو الأثرِ أو قواعد الإِمامِ وأصولَه في الأقيسِ، دون العَكسِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له مع معرفةِ التاريخِ، فتنقل حكم المرجوحةِ إِلى الراجحةِ.
стр. 299
وذَهَبَ إِلى هذا التفصيلِ ابنُ حمدان (١).
وقريبٌ مِن اختيارِ ابنِ حمدان ما ذَهَبَ إِليه شمسُ الدّينِ البعلي (٢)؛ إِذ اختارَ جوازَ النقل والتخريجِ بين المسألتينِ ما لم يفرّقْ بينهما، أو يقرب الزمنُ (٣).
* أدلة الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ مغايرةَ الإِمامِ بين المسألتين في الحُكم، وإِنْ تشابهتا في الظَّاهر، يدلُّ على وجودِ فرقٍ بينهما، لم يتفطنْ له الناظرُ فيهما.
يؤيّدُ ذلك: أنَّ كثيرًا مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثرِ بين المسألتين، وقيل فيهما بالنقلِ والتخريجِ، وُجِدَ بينهما فرقٌ مَنَعَ التسوية بينهما في الحكمِ (٤).
الدليل الثاني: أنَّ نقلَ الجواب عن مكانِه بمثابةِ إِحداثِ جوابٍ مبتدأٍ؛ ولمَّا لم يجزْ إِحداثُ جوابٍ مبتدأٍ، لم يجزْ نقلُ جوابِه إِلى مسألةٍ له فيها
стр. 300
قولٌ يخالفُ القولَ المنقولَ (١).
الدليل الثالث: إِذا لم نجعلْ قولَ الإِمامِ فيما نصَّ على حكمِه قولَه فيما سَكَتَ عنه، فمِنْ بابٍ أولى أنْ لا نجعله قولَه فيما نصَّ على خلافِه (٢).
الدليل الرابع: أنَّ مذهبَ الإِمامِ هو: ما قاله، أو دلَّ عليه بما جَرَى مجرى القولِ، فإِذا لم يقلْه، ولم يدلَّ عليه، بلْ نصَّ على خلافِه، لم تجزْ نسبتُه إِليه (٣).
الدليل الخامس: إِذا نصَّ الشارعُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، لم يجزْ نقل إِحداهما إِلى الأخرى، فكذا الأمرُ في أقوالِ الأئمةِ، لا يجوزُ نقلُ حكمِ إِحدى المسألتين إِلى الأخرى (٤).
الدليل السادس: إِذا نصَّ الإِمامُ على التفريقِ بين المسألتين، لم يجزْ قياسُ إِحداهما على الأخرى، فكذلك إِذا فرَّق بينهما في الحكمِ (٥).
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ المسألتين اللتين اختلف جوابُ الإِمامِ فيهما، مِنْ جنسٍ واحدٍ؛ فمعناهما متحدٌ أو متقاربٌ، وهذا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمام في إِحداهما جوابًا له في الأخرى، ولذا قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما (٦).
стр. 301
مناقشة الدليل الأول: إِنَّ تشابه المسألتينِ وتقاربَ معناهما، وكونَهما مِنْ جنسٍ واحدِ، لا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمامِ في إِحداهما جوابًا له في الأخرى؛ إِذ ليس كلُّ ما ثَبَتَ في مسألةٍ مِنْ مسائلِ الصلاةِ - وهي جنسٌ واحدٌ - ينقل إِلى بقيةِ مسائلِها، فلا يصحُّ نقلُ جواب الإِمامِ فيمَنْ صلَّى قاعدًا مريضًا إِلى مسألة: مَنْ صلى قاعدًا قادرًا صحيحًا، بالاتفاقِ (١).
الدليل الثاني: إِذا اختلفَ جوابُ الإِمامِ في مسألتين متشابهتين، قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما، قياسًا على نصوصِ الشارعِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ الله تعالى لما نصَّ في كفارةِ القتلِ على إِيمانِ الرقبةِ المعتَقةِ، وأطلقها في كفارةِ الظهارِ، قسنا إِحداهما على الأخرى، وشَرَطْنَا الإِيمانَ في كفارةِ عتقِ الرقبةِ في الظهارِ، فكذلك في مسألتِنا، نقيسُ كلًّا من المسألتين على الأخرى (٢).
مناقشة الدليل الثاني: قياسُ مسألةِ: (النقلِ والتخريجِ) على ما أوردتموه في دليلِكم، قياسٌ مع الفارقِ، وببان ذلك: أنَّ الله تعالى صرَّحَ بالإِيمانِ في كفارةِ القتلِ، وسَكَتَ عنه في كفارةِ الظهارِ، فقسنا ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه.
وفي مسألتِنا: صرَّحَ الإِمامُ في كلتا المسألتين بقولٍ يخالفُ قولَه في المسألةِ الأخرى، فلا يجوزُ حمل إِحداهما على الأخرى، فنظيرُ مسألتِنا: الصيامُ في كفارةِ الظهارِ، وكفارةِ التمتعِ، فاعَتَبر الشارعُ تتابع الصيامِ في كفارةِ الظهارِ في قولِه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٣)، واعتبرَ التفريقَ في صيام كفارةِ التمتع في قولِه تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤)، ولم يجزْ نقلُ حكمِ كلٍّ منهما إِلى الأخرى (٥).
стр. 302
الدليل الثالث: لو قال إِمامُ المذهبِ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، لوجبتْ لجارِ الدكانِ؛ لأنَّه لا فرقَ بينهما، وحقيقةُ الأمر، نقلُ حكمِ مسألةٍ إِلى نظيرتِها، وكذلك فيما إِذا نصَّ الإِمامُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، فننقل حكمَ كلِّ واحدةٍ منهما إِلى الأخرى (١).
مناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: ليس قولُ الإِمام: الشفعةُ لجارِ الدارِ، نظيرًا لمسألتنا؛ لأنَّ حكمَ الدكانِ مسكوتٌ عنه، ونظيرُ مسألتنا أنْ يقولَ الإِمامُ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، ويقولَ في موطنٍ آخر: لا شفعةَ لجارِ الدكانِ.
وفي هذا المقام لا يُنقلُ قولُ الإِمامِ في كلِّ مسألةٍ إِلى الأخرى (٢).
الوجه الثاني: أنَّنا ألحقنا جارَ الدكانِ بجارِ الدارِ؛ لأنَّهما بمعنى واحد، ويسوغُ النقلُ والتخريجُ فيما كان هذا شأنُه مِن المسائل؛ لأنَّه لا يمكنُ الفصلُ بينها (٣).
دليل أصحاب القول الثالث: أنَّنا نمنعُ النقلَ والتخريجَ بين المسألتينِ المتشابهتينِ اللتينِ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيهما في حالةِ قرب الزمنِ بينهما؛ لأنَّ الظنَّ بالإِمام أنَّه ذاكرٌ لقولِه الأولِ حين أفتى في المسَألةِ الثانيةِ، وأنَّه لم يفرِّقْ بين المسَألتين في الحكمِ إِلَّا لفرقٍ مؤثرٍ بينهما (٤).
وأمَّا في حالةِ البُعدِ الزمني بين قولي الإِمامِ في المسألتينِ: فمِن المحتملِ استواء المسألتينِ عنده، ولذا ننقل حكمَ المسألةِ الثانيةِ إِلى المسألةِ الأُولى، دون العكسِ، إِلَّا على القولِ بجوازِ نسبةِ قولين إِلى الإِمامِ في مسألةِ واحدةٍ، مع معرفةِ التاريخِ (٥).
стр. 303
مناقشة دليل أصحاب القول الثالث: أنَّ مؤدى هذا القولِ هو المنعُ مِن النقلِ والتخريجِ في حالةِ معرفةِ التاريخِ، والقرب الزمني بين الجوابين، وجوازُ نقلِ حكم الثانيةِ إِلى الأُولى في حالةِ البُعدِ الزمني بين الجوابين؛ ويُشكلُ عليه: أنَّ حقيقةَ النقلِ في هذه الحالةِ إِلغاءُ قولِ الإِمامِ المنصوصِ عليه في جوابِه الأولِ، بالقياسِ على جوابِه في المسألةِ الثانيةِ، ولا يجوزُ إِلغاءُ النصِّ بالقياسِ (١).
• الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ النظرِ والتأمّلِ في الأقوالِ وأدلتِها، وما وَرَدَ على بعضِها مِن مناقشات، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ المانع مِنْ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ، وذلك للأسبابِ الآتية:
الأول: أنَّ اختلافَ جواب الإِمامِ بين المسألتين، قرينةٌ دالةٌ على وجودِ فرقٍ مؤثرٍ بينهما، مَنَعَ التسَويةَ بينهما في الحكمِ.
الثاني: لو دققنا النظرَ في كثيرٍ مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثّرِ بين المسألتين، وقيلَ بالنقلِ والتخريجِ بينهما، لوجدنا أنَّ التفريقَ بين المسألتين في الحكمِ أنسبُ مِن التسويةِ بينهما.
يقولُ صدرُ الدّينِ السلمي: "تجدُ في عامّة هذه المسائل - الَّتي قيل فيها بالنقلِ والتخريجِ - الصحيح فيها تقرير النصين، والفرْق" (٢).
الثالث: أنَّ في النقلِ والتخريجِ تقويلًا للإِمامِ بما يخالف نصَّه.
الرابع: ليس لمنْ قالَ بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ دليلٌ ينهضُ به؛ إِذ وَرَدَ على أدلتِهم مناقشاتٌ تُضعفها.
стр. 304
الخامس: فيما يتصل بالقولِ الثالثِ، ممَّا يشكل عليه في حالِ النقلِ والتخريجِ عند الجهلِ بالتاريخِ - إِضافةً إِلى عدمِ الدليلِ الدالِّ على القولِ - أن نقلَ أَقربِ الجوابين إِلى الكتاب أو السنةِ أو قواعد الإِمام وأصولِه، إِلى المسألةِ الأخرى، دون العكس، لَا يصحّ؛ لأنَّ هذه الطريقةَ مخالفة لأسسِ الترجيحِ وقواعِده عند العلماءِ (١).
لكنْ إِنْ كانت المسألتانِ اللتانِ اختلفَ جوابُ الإِمامِ فيهما، بمعنى واحد، بحيث لا يمكن الفصلُ بينهما بوجهٍ:
فإِنْ عُلِمَ التاريخُ كان جوابُ الإِمام الثاني رجوعًا عن الأولِ في الظاهرِ (٢)، وإِنْ جُهِلَ التاريخ، فيكون حكفَهما حكمَ مسألةٍ واحدةٍ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيها (٣).
• أثر الخلاف:
الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره فيما تقدمت الإِشارة إِليه في أثرِ الخلافِ في مسألةِ: (نسبة القول إِلى الإِمامِ بناءً على المفهومِ)، وفي وصفِ القولِ المنقولِ إِلى المسألة الأخرى:
فعلى قولِ المانعين مِن النقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الأول - يكون القولُ المنقولُ وجهًا لمن خرَّجه.
وعلى قولِ المجيزين للنقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الثاني - يكون القولُ المنقولُ روايةً مخرجةً (٤).
* * *
стр. 305
الفرع السابع: لازم القول
تحسنُ الإِشارةُ قبلَ بيانِ المرادِ باللازمِ - في مقامِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ - إِلى بيانِ أنَّ اصطلاحَ المناطقةِ في المرادِ بالازمِ يختلفُ عن اصطلاحِ الأصوليين:
فاللازمُ عند المناطقةِ: ما يمتنعُ انفكاكُه عن الشيءِ (١).
أمَّا عند علماءِ الأصولِ، فمعناه أوسعُ؛ إِذ إِنَّهم يطلقون اللازمَ على اللازمِ العقلي الَّذي لا يمكنُ تخلفه عن ملزومِه - وهذا موافقٌ للازمِ عند المناطقةِ - وعلى اللازمِ الذي قد يتخلفُ عن ملزومِه.
فجَعَلَ الأصوليون مِن أنواعِ الملازمةِ - إِضافةً إِلى العقليةِ - الملازمةَ الشرعية، والملازمةَ العادية (٢).
لا يخرجُ تحديدُ اللازمِ في مقامِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ عمَّا قرره الأصوليون.
وقد وُجد مِنْ بعضِ العلماءِ المعاصرين مَنْ بيَّن المرادَ بقولِ الأصوليين: لازم المذهبِ، هل يُعَدُّ مذهبًا؟
يقولُ الدكتورُ عياض السلمي في بيانِه للمسألةِ: "ما يلزمُ مِنْ ثبوتِ القولِ ثبوتُه عقلًا، أو شرعًا، أو لغةً، ولم يُذكرْ في الكلامِ" (٣).
стр. 306
وذَكَرَ فضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد صورةَ المسألةِ، فقالَ: "إِذا قالَ المجتهدُ قولًا في مسألةٍ خلافيةٍ، فهل يلزمُه ما تولَّدَ عن هذا الخلافِ مِنْ لازمِ قولِه، وثمرةِ خلافِه؟ فيكون له حكمان في مسألتين: حكمٌ قاله، وحكمٌ يلزمه على أثرِ قولِه، فيكون بمثابةِ ما قاله" (١).
وبالنقلين المتقدمين تتضحُ صورةُ المسألةِ، ويمكنُ القولُ بأنَّ المرادَ باللازمِ هوفيما إِذا قالَ إِمامُ المذهب قولًا، ولَزِمَ منه لازمٌ عقليٌّ، أو شرعيٌّ، أو عاديٌّ، فهل تصحُّ نسبةُ القولِ باللازمِ إِلى الإِمامِ؟
وأحبُّ أنْ أشيرَ إِلى أنَّ جمالَ الدينِ الإِسنوي قد نصَّ على المرادِ باللازمِ فقالَ: "إِذا لم نعرف القولَ المنسوبَ إِلى الشَّافعي في القولينِ المطلقينِ، وعرفنا قولَه في نظيرِ تلك المسألةِ: فإِنْ كانَ بين المسألتينِ فرقٌ يجوزُ أنْ يذهبَ إِليه ذاهبٌ، لم نحكمْ بأنْ قولَه في المسألةِ كقولِه في نظيرِها؛ لجوازِ أنْ يكون قد ذَهَبَ إِلى الفرقِ.
وإِنْ لم يكنْ بينهما فرقٌ البته، فالظاهرُ أن يكونَ قولُه في إِحدى المسألتينِ قولًا له في الأخرى، وهذه المسألةُ هي المعروفة بأنَّ لازمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا" (٢).
وما ذكره الإِسنوي مشكلٌ؛ ففرقٌ بين القياسِ على قولِ الإِمامِ، ولازمِ قولِه، وقد أَوَّلَ الشيخُ محمد المطيعي قولَ الإِسنوي، فقالَ: "يريدُ الخلاف في هذه المسألةِ مبني على الخلافِ في تلك المسألةِ، فمَنْ قالَ: إِنَّ لازمَ المذهب ليس بمذهبٍ، قال: لا يكون قولُ الشَّافعي في إِحدى المسألتين قولًا لهَ في الأخرى ... ومَنْ قالَ: إِنَّ لازمَ المذهب مذهبٌ، قالَ: يكون قولُه في إِحدى المسألتين قولًا له في الأخرى مطلقًا" (٣).
стр. 307
ويعلق الدكتور عياضٌ السلمي على كلامِ جمالِ الدين الإِسنوي قائلًا: "والواقعُ أنَّ مسألةَ: (لازم المذهب، هل هو مذهبٌ؟ ) أعمُّ ممَّا ذكره، وليست مقصورةً عليه" (١).
وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ للازم القولِ قبلَ الشروعِ في المسألةِ:
المثال الأول: ما يدركه المسبوفُ في صلاةِ الجماعةِ، أهو آخر صلاتِه، أم أولها؟
يترتب على القولِ بأنَّ ما يدركه المسبوقُ آخر صلاته، لوازم:
منها: أنَّ الاستفتاحَ في أولِ ركعةٍ يقضيها، والاستعاذةَ إِذا قامَ إِلى القضاءِ، وإِذا سُبِقَ ببعضِ تكبيراتِ الجنازةِ، تابعَ الإِمامَ في الذِّكرِ الَّذي هو فيه، ثُمَّ يقرأُ الفاتحةَ في أولِ تكبيرةٍ يقضيها.
ويترتب على القولِ بأنَّ ما يدركه المسبوقُ أول صلاتِه، لوازم:
منها: أنَّ الاستفتاح والاستعاذة في أولِ ركعةٍ يدركها، وإِذا سُبِقَ ببعضِ تكبيراتِ الجنازةِ، قَرَأَ الفاتحةَ في التكبيرةِ الَّتي دَخَلَ فيها مع الإِمامِ (٢).
فإِذا قال إِمامُ المذهبِ: إِنَّ ما يدركه المسبوقُ آخر صلاتِه، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟ وإِذا قال: ما يدركُه المسبوقُ أول صلاتِه، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟
المثال الثاني: الإِقالةُ (٣) أهي فسخٌ، أم بيعٌ؟
стр. 308
يترتبُ على القولِ بأنَّ الإِقالةَ فسخٌ لوازم:
منها: لا يشترطُ للإِقالةِ شروطُ البيع، وتصحُّ بلفظِ: المصالحةِ، ولا يثبتُ فيها خيارُ المجلسِ.
ويترتبُ على القولِ بأنَّ الإِقالةَ بيعٌ لوازم:
منها: يُشترَطُ لها شروطُ البيع، ولا تصحُّ بلفظِ: المصالحة، ويثبتُ فيها خيارُ المجلسِ (١).
فإِذا قالَ الإِمامُ: الإِقالةُ فسخٌ، فهل تُنْسبُ إِليه لوازم قولِه؟
وإِذا قالَ الإِمامُ: الإِقالةُ بيعٌ، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟
المثال الثالث: نفقةُ الحامل، أهي واجبةٌ لها، أم لحملِها؟
يترتبُ على القولِ بأنَّ نفقةَ الحاملِ لأجلِها لوازم:
منها: وجوبُ النفقةِ حالَ عسرِ الزوجِ، وسقوطُ النفقةِ فيما لو نَشَزَتْ (٢)، وإِذا ماتَ الزوجُ لم يلزمْ أقاربه نفقتها، وإِذا غابَ عنها الزوجُ ثبتتُ نفقتُها في ذمتِه، فلا تسقط بمضي الزمانِ.
ويترتبُ على القولِ بأنَّ نفقةَ الحاملِ للحملِ لوازم:
منها: عدمُ وجوبِ النفقةِ حالَ عُسر الزوجِ، وعدمُ سقوطِ نفقتِها إِذا نَشَزَتْ، وإِذا ماتَ الزوجُ لَزِمَ أقاربه النفقة، وإِذا غابَ عنها سقطت النفقةُ بمضي الزمانِ (٣).
стр. 309
فإِذا قالَ الإِمامُ: نفقةُ الحاملِ؛ لأجلِ المرأةِ، فهلْ تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟
وإِذا قالَ: نفقةُ الحاملِ؛ لأجلِ الحملِ، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟
• تحرير محل النزاع في المسألة:
أولًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على التزامِ لوازمِ قولِه، صحَّتْ نسبتُها إِليه.
ثانيًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على عدمِ التزامِ لوازمِ قولِه، فلا تنسبُ إِليه (١).
ثالثًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على حكم يخالفُ لازمَ قولِه، فلا ينسبُ اللازم إِليه (٢).
رابعًا: محلُّ النزاعِ، إِذا لَزِمَ مِنْ قولِ الإِمامِ لازمٌ، ولم ينصّ على التزامِه، ولا على عدمِ التزامه، بلْ سَكَتَ عنه، ولم يصرِّحْ بخلافِه، فهل يُسْبُ إِليه؟
* الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في المسألةِ على أقوال:
القول الأول: أنَّ لازمَ المذهبِ ليس بمذهبِ.
نَسَبَ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ هذا القولَ إِلى شيوخِه مِن البجائين والمغاربةِ، وإِلى المحققين (٣). ونسبه الأميرُ الصنعاني إِلى المحققين (٤).
واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حزمِ (٥)، والعزُّ بنُ عبد السلام (٦)، وابنُ القيمِ (٧)، وبدرُ الدين الزركشي (٨)، وأبو المواهبِ
стр. 310
اليوسى (١).
وفي مواضع مِنْ كلام تقي الدين بن تيميةَ تصريحٌ باختيارِ هذا القولِ (٢).
القول الثاني: أنَّ لازمَ المذهب مذهبٌ، فتصخ نسبةُ القولِ إِلى إِمام المذهبِ بناءً عليه.
وهو قولُ بعضِ الحنابلةِ (٣).
وذَكَرَ هذا القولَ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ (٤)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (٥)، ولم ينسباه إِلى أحدٍ.
القول الثالث: أنَّ لازمَ قولِ الإِنسانِ نوعان:
النوع الأول: لازمُ قولِه الحقّ، فيجبُ عليه أنْ يلتزمَه، وتصحُّ نسبتُه إِليه.
النوع الثاني: لازمُ قولِه الَّذي ليس بحقٍّ، فلا يجبُ عليه أنْ يلتزمَه، ولا تصحُّ نسبتُه إِليه.
وهذا قولُ تقي الدين بنِ تيمية (٦).
стр. 311
* أدلة الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: لو قلنا: إِنَّ لازمَ المذهبِ مذهبٌ، لأدَّى هذا إِلى تكفيرِ عددٍ مِن العلماءِ، كتكفيرِ مَنْ نفى استواءَ الله على العرشِ مثلًا؛ لأنَّ لازمَ قولِه، أنْ لا يكونَ شيءٌ مِنْ أسماءِ الله أو صفاته حقيقةً، وهذا القولُ يستلزمُ قولَ الملاحدةِ المعطلين (١).
الدليل الثاني: يحتمل أنْ لا يتنبه إِمامُ المذهب إِلى لازمِ قولِه - وهذا مِنْ طبيعةِ البشرِ - فكيفَ ننسبُ إِليه أمرًا قد يَغْفَلُ عنهَ؟ ! (٢).
دليل أصحاب القول الثاني: أنَّنا نقولُ بأنَّ لازمَ المذهبِ مذهبٌ؛ لئلا يقعَ الإِمامُ في التناقضِ؛ إِذ الأصلُ في أقوالِه الاطرادُ، وعدمُ التناقضِ (٣).
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: أنَّ الإِمامَ غيرُ معصومٍ مِن التناقف، بلْ ثَبَتَ وقوعُ التناقفمِنْ بعضِ العلماءِ، ولم يُعصمْ منه إِلَّا الأنبياءُ ﵈ (٤).
دليل أصحاب القول الثالث: أنَّ لازمَ القولِ الحقِّ حقٌّ، فتجوزُ نسبتُه إِليه؛ لعدمِ ترتبِ ضررٍ على القائلِ.
أمَّا لازمُ القولِ غيرِ الحقِّ، فلا تجوزُ نسبتُه إِليه؛ لأنَّ نسبتَه إِليه قد
стр. 312
تؤدي إِلى تكفيرِ القائل (١).
• الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ تأمّلِ الأقوالِ في المسألةِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي ضيقُ دائرةِ الخلافِ بين الأقوالِ، إِذا طبقنا اللازمَ في مسائلِ الفقهِ؛ ذلك أنَّ غالبَ مَنْ لم يجعلْ لازمَ المذهب مذهبًا، إِنَّما أَوردَ المنعَ عند حديثِهم عن مسألةٍ عقديةٍ (٢)، وأساسُ اعتمادَهم على المحاذيرِ الَّتي يؤدي إِليها القولُ باللازمِ، وتتحققُ تلك المحاذير في الأخذِ باللازمِ في أصولِ الدّينِ.
أمَّا في الفقه والفروعِ، فيظهرُ لي اختلافها عن أصولِ الدّينِ، وذلك لعدمِ لحوقِ المفاسدِ الكبرى المترتبةِ على الأخذِ باللازمِ.
ومع ما سَبَقَ، فإِنَّ اللازمَ في الفروعِ على نوعين:
النوع الأول: اللازمُ البعيدُ، الَّذي يغلبُ على الظنِّ غفلة القائلِ عنه، وقد يظهرُ منه إِنكارُه، فهذا لا يُنسبُ إِلى إِمامِ المذهب، ولا سيما أنَّه قد ينازعُ المتكلمُ في أنَّه لازمُ قولِه (٣).
النوع الثاني: اللازمُ غيرُ البعيدِ، الَّذي نظنُّ عدمَ غفلةِ قائلِه عنه، فهذا ينسبُ إِلى إِمامِ المذهبِ مقيَّدًا، كقولنا: مقتضى قولِه كذا، أو لازمُ قولِه كذا؛ إِذ ليس اللازمُ في منزلةِ القولِ المنصوصِ، ولا في منزلةِ ما ليس بلازمِ قولِه، بلْ هو في منزلةٍ بينهما (٤).
стр. 313
• نوع الخلاف:
الخلافُ بين الأقوالِ خلافُ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على المفهومِ.
* * *
стр. 314
الفرع الثامن: ثبوت الحديث
لا شكَّ في أنَّ المصدرين الأساسين للأحكامِ الشرعيةِ هما: الكتابُ الكريمُ، والسنةُ النبويةُ، وقد حَرَصَ الأئمةُ على موافقةِ اجتهاداتهم لما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة (١)، بلْ أمروا بردِّ أقوالهم متى ما خالفت الحديثَ الصحيحَ، وجعلِ أقوالِهم موافقةً لما دلتْ عليه السنةُ الصحيحةُ:
جاء عن الإِمامِ أبي حنيفةَ أنَّه قال: "إِذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي" (٢). وقال أيضًا: "إِذا قلتُ قولًا يخالفُ كتابَ الله، وخبرَ الرسول ﷺ ، فاتركوا قولي" (٣).
وقال الإِمامُ مالكٌ: "إِنَّما أَنا بشرٌ أخطئُ وأصيبُ، فانظروا في رأيي، فكلُّ ما وافق الكتابَ والسنةَ، فخذوا به؛ وكل ما لم يوافق الكتابَ والسنةَ، فاتركوه" (٤).
وقالَ الإِمامُ الشَّافعي: "كلُّ حديثٍ عن النبي ﷺ فهو قولي، وإِنْ لم تسمعوه منّي" (٥). وقالَ أيضًا: "إِذا صحَّ الحديثُ، فهو مذهبي" (٦). وقالَ
стр. 315
أيضًا: "إِذا وجدتُم عن رسولِ الله ﷺ سنةً خلافَ قولي، فخذوا السنةَ، ودعوا قولي؛ فإِنَّي أقولُ بها" (١).
فإِذا ثَبَتَ الحديثُ عن النبي ﷺ ، فهل يُنسبُ ما دلَّ عليه الحديثُ إِلى إِمامِ المذهبِ؟
لهذه المسألةِ أربعُ صورٍ:
الصورة الأولى: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، أو صححه، ولم يرُدَّه، ولم ينقلْ عنه خلافُ ما دلَّ عليه الحديث.
الصورة الثانية: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، وخالفه.
الصورة الثالثة: إِذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإِمامِ، وخالفه.
الصورة الرابعة: إِذا ثَبَتَ الحديث مِنْ غيرِ مروي الإِمام، ولم ينقلْ عنه قولٌ بخلافِه.
الصورة الأولى: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، أو صححه، ولم يرُدَّه، ولم ينقلْ عنه خلافُ ما دلَّ عليه الحديثُ.
إِذا روى الإِمامُ بسندِه حديثًا عن النبي ﷺ ، ولم يردّه، ولم يقلْ بنسخِه، ولم يُنقل عنه قولٌ يخالفُ ما دلَّ عليه الحديثُ، فهل تدلُّ روايةُ الإِمامِ للحديثِ على قولِه؟
ومثلُ هذه المسألة: ما لو صحّحَ الإِمامُ حديثًا، ولم يُنقلْ عنه قولٌ مخالفٌ لما دلَّ عليه الحديثُ، فهل يُنسب إِليه مدلولُ الحديثِ؟
اهتمَّ الحنابلةُ - على وجه الخصوص - بهذه الصورةِ، واختلفوا فيها على قولين:
стр. 316
القول الأول: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ تدلُّ على قولِه.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (١). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى عامّةِ شيوخِه (٢).
واختاره جمعٌ مِن الحنابلةِ، منهم: الأثرمُ (٣)، وصالحُ بنُ أحمد (٤)، والمروذيُّ (٥)، وعبدُ الله بن أحمد (٦)، وابنُ حامدٍ (٧).
القول الثاني: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ لا تدلُّ على قولِه.
وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (٨). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى طائفة مِن الحنابلةِ (٩).
واختاره المرداويُّ في حالةِ ما إِذا دوّن الإِمامُ الحديثَ ولم يصححه، ولم يحسنه (١٠).
• أدلة القولين:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ مِنْ أصولِ الإِمامِ أحمدَ بن حنبل الأخذَ بالكتابِ والسنةِ، كما جاءَ عنه: "إِذا كان الكتابُ والسنةُ، فهو الأمرُ" (١١).
стр. 317
فإِذا روى حديثًا، فلا يُظَنُّ أنَّه سيخالفُه (١).
الدليل الثاني: لو سُئِلَ الإِمامُ عن مسألةٍ، فأجابَ بنصِّ حديثٍ نبويٍّ، نُسِبَ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ، فكذا الحالُ فيما إِذا روى الحديثَ، فإنَّه يُنسبُ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ (٢).
ويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّ هناك فرقًا بين مقامِ الإِفتاءِ، ومقامِ الروايةِ؛ فمقامُ الإِفتاءِ مقامُ بيانِ الحكمِ للمستفتي، ودلالةٍ له على حكمِ الشرع، لذا كان جوابُ الإِمامِ بالحديثِ إِيذانًا بأنَّه قولُه، بخلافِ الروايةِ.
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها؟
الدليل الأول: لو صحَّتْ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهب بناءً على روايةِ الحديثِ، للزم مِنْ ذلك نسبة مَنْ صنَّف في الحديثِ أنَّه بالفقهِ مختصٌ، وبمدلولِ الحديثِ قائلٌ، وهذا لا يصحُّ (٣).
الدليل الثاني: أنَّ الإِمامَ حين روى الحديثَ ساكتٌ عن مدلولِه، ولا ينسبُ إِلى ساكتٍ قولٌ (٤).
مناقشة الدليل الثاني: أنَّ السكوتَ في معرضِ البيانِ كالنطقِ، فسكوتُه حالَ روايةِ الحديثِ، كنطقِه بمدلولِ الحديثِ (٥).
الدليل الثالث: جاءَ عن الإِمامِ أحمدَ بن حنبل أنَّه صحح بعضَ الأحاديثِ، والمذهبُ الحنبلي بخلافِها، مِنْ ذلك: روايتُه لحديثِ سهلِ بنِ
стр. 318
سعدٍ (١) في النكاحِ على آياتٍ مِن القرآنِ (٢)، مع أنَّ المذهبَ الحنبليَّ عدمُ الصحةِ (٣)، وروى الإِمامُ مالكٌ حديثَ خيارِ المجلس (٤)، ولم يعملْ به (٥).
مناقشة الدليل الثالث: أنَّا لم ننسبْ إِلى الإِمامِ القولَ بناءً على روايتِه للحديثِ في هذه المسألةِ وأمثالِها؛ لمجيءِ قولٍ عنه على خلافِ ما دلَّ عليه الحديثُ الَّذي رواه، فقابل هذا الحديثَ ما هو أقوى منه في بيانِ رأي الإِمامِ (٦).
الدليل الرابع: قد يتركُ الإِمامُ العملَ بالحديثِ، وإِنْ رواه أو صححه؛
стр. 319
لمعارضٍ أقوى أو لتأويلٍ صارفٍ له عن ظاهرِه أو ناسخٍ له، ومع هذه الاحتمالات، لا تسوغُ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ بناءً على الروايةِ (١).
• الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على مجردِ روايتِه للحديثِ؛ وذلك للسببين الآتيين:
الأول: قد يروي الإِمامُ الحديثَ، ويرى تركَ العملِ به؛ إِمَّا لمعارضٍ أرجح وإِمَّا لصارفٍ وإِمَّا لناسخٍ، ومع هذه احتمالات تضعف نسبةُ القولِ إِلى الإِمامِ لمجرّدِ الروايةِ.
الثاني: قد يروي الإِمامُ الحديثين المتعارضين فإِلى أيّهما ينسبُ القول بناءً على الروايةِ؟
لكن إِن اقترنَ بروايةِ الإِمامِ للحديثِ قرينةٌ دالةٌ على أخذِه بمروّية، ساغَ القولُ بنسبةِ القولِ إِليه، بناءً على روايتِه للحديث؛ لوجودِ القرينةِ، مثل: أنْ يُبَوِّبَ على الحديثِ تبويبًا دالًا على اختيارِه، أو ينقل تلميذُه قولَه بناءً على روايته؛ لقرينةِ فهمِ التلميذِ مراد إِمامِه بروايتِه، أو يصححَ الحديثَ، فيفهم منه العملُ بمدلولِه.
وأيضًا: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، ولم يروِ ما يعارضه ساغتْ نسبةُ القولِ إِليه مقيّدًا، كقولنا: وهذا قولُه؛ لأنَّه روى الحديثَ.
الصورة الثانية: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، وخالفه.
إِذا روى الإِمامُ بسندِه حديثًا، وخالفه، فهل تسوغُ نسبةُ القولِ إِليه بناءً على روايتِه؟
مَنْ قال في الصورةِ الأولى بعدمِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه للحديث، فمِنْ بابٍ أولى أنْ يذهبَ إِلى عدمِ نسبةِ ما دلَّ عليه
стр. 320
الحديثُ إِلى الإِمامِ في الصورةِ الثانيةِ؛ لأنَّه إِذا لم يُنسبْ إِلى الإِمامِ ما دلَّ عليه الحديثُ، مع عدمِ وجودِ قولٍ له، فمِنْ باب أولى أنْ لا ينسبَ إِليه ما دلَّ عليه الحديثُ، مع وجودِ قولٍ له.
أمَّا عند القائلين بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، فنصَّ بعضُهم على عدمِ نسبةِ القولِ حينئذٍ إِلى إِمامِ المذهب، يقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: "إِنْ وُجِدَ عن الإِمامِ في الحادثةِ الَّتي فيها الخبرُ، جوابٌ كافٍ، لا يلتفتُ إِلى غيرِ جوابِه" (١).
ولأنَّ مخالفةَ الحديثِ، وتركَ العمل به تدلُّ على أن الإِمامَ يطعنُ في صحتِه، أو يرى معارضتَه لما هو أرجح منه، أو يرى نسخَه (٢).
ولأنَّ رواية الإِمامِ للحديثِ - عند مِنْ يقولُ بنسبةِ القول إِلى الإِمامِ بناءً عليها - مِنْ باب الدلالةِ، وقد عارضها تصريحٌ، والقاعدةُ المقررة: لا عبرةَ للدلالةِ في مقابلَةِ التصريحِ (٣).
بقي أنْ أقول: إِنَّ محلَّ مخالفةِ الحديثِ في الصورة الثانية بعدَ الروايةِ، فلو فُرِضَ تأخرُ الرواية عن رأي الإِمامِ المتقدمِ، فمِن المحتملِ أنْ يقولَ مَن يُصحح نسبةَ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، بتقديم الروايةِ المتأخرةِ، لأنَّها الَّتي استقرَّ عليها قولُ الإِمامِ (٤).
الصورة الثالثة: إِذا ثَبَتُ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإِمامِ، وخالفه.
إِذا ثَبَتَ حديثٌ عن النبي ﷺ ، وذَهَبَ الإِمامُ إِلى خلافِ ما دلَّ عليه