← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القول الأول: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ تدلُّ على قولِه. وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (١). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى عامّةِ شيوخِه (٢). واختاره جمعٌ مِن الحنابلةِ، منهم: الأثرمُ (٣)، وصالحُ بنُ أحمد (٤)، والمروذيُّ (٥)، وعبدُ الله بن أحمد (٦)، وابنُ حامدٍ (٧). القول الثاني: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ لا تدلُّ على قولِه. وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (٨). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى طائفة مِن الحنابلةِ (٩). واختاره المرداويُّ في حالةِ ما إِذا دوّن الإِمامُ الحديثَ ولم يصححه، ولم يحسنه (١٠). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ مِنْ أصولِ الإِمامِ أحمدَ بن حنبل الأخذَ بالكتابِ والسنةِ، كما جاءَ عنه: "إِذا كان الكتابُ والسنةُ، فهو الأمرُ" (١١).

стр. 317

فإِذا روى حديثًا، فلا يُظَنُّ أنَّه سيخالفُه (١). الدليل الثاني: لو سُئِلَ الإِمامُ عن مسألةٍ، فأجابَ بنصِّ حديثٍ نبويٍّ، نُسِبَ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ، فكذا الحالُ فيما إِذا روى الحديثَ، فإنَّه يُنسبُ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ (٢). ويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّ هناك فرقًا بين مقامِ الإِفتاءِ، ومقامِ الروايةِ؛ فمقامُ الإِفتاءِ مقامُ بيانِ الحكمِ للمستفتي، ودلالةٍ له على حكمِ الشرع، لذا كان جوابُ الإِمامِ بالحديثِ إِيذانًا بأنَّه قولُه، بخلافِ الروايةِ. أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها؟ الدليل الأول: لو صحَّتْ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهب بناءً على روايةِ الحديثِ، للزم مِنْ ذلك نسبة مَنْ صنَّف في الحديثِ أنَّه بالفقهِ مختصٌ، وبمدلولِ الحديثِ قائلٌ، وهذا لا يصحُّ (٣). الدليل الثاني: أنَّ الإِمامَ حين روى الحديثَ ساكتٌ عن مدلولِه، ولا ينسبُ إِلى ساكتٍ قولٌ (٤). مناقشة الدليل الثاني: أنَّ السكوتَ في معرضِ البيانِ كالنطقِ، فسكوتُه حالَ روايةِ الحديثِ، كنطقِه بمدلولِ الحديثِ (٥). الدليل الثالث: جاءَ عن الإِمامِ أحمدَ بن حنبل أنَّه صحح بعضَ الأحاديثِ، والمذهبُ الحنبلي بخلافِها، مِنْ ذلك: روايتُه لحديثِ سهلِ بنِ

стр. 318

سعدٍ (١) في النكاحِ على آياتٍ مِن القرآنِ (٢)، مع أنَّ المذهبَ الحنبليَّ عدمُ الصحةِ (٣)، وروى الإِمامُ مالكٌ حديثَ خيارِ المجلس (٤)، ولم يعملْ به (٥). مناقشة الدليل الثالث: أنَّا لم ننسبْ إِلى الإِمامِ القولَ بناءً على روايتِه للحديثِ في هذه المسألةِ وأمثالِها؛ لمجيءِ قولٍ عنه على خلافِ ما دلَّ عليه الحديثُ الَّذي رواه، فقابل هذا الحديثَ ما هو أقوى منه في بيانِ رأي الإِمامِ (٦). الدليل الرابع: قد يتركُ الإِمامُ العملَ بالحديثِ، وإِنْ رواه أو صححه؛

стр. 319

لمعارضٍ أقوى أو لتأويلٍ صارفٍ له عن ظاهرِه أو ناسخٍ له، ومع هذه الاحتمالات، لا تسوغُ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ بناءً على الروايةِ (١). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على مجردِ روايتِه للحديثِ؛ وذلك للسببين الآتيين: الأول: قد يروي الإِمامُ الحديثَ، ويرى تركَ العملِ به؛ إِمَّا لمعارضٍ أرجح وإِمَّا لصارفٍ وإِمَّا لناسخٍ، ومع هذه احتمالات تضعف نسبةُ القولِ إِلى الإِمامِ لمجرّدِ الروايةِ. الثاني: قد يروي الإِمامُ الحديثين المتعارضين فإِلى أيّهما ينسبُ القول بناءً على الروايةِ؟ لكن إِن اقترنَ بروايةِ الإِمامِ للحديثِ قرينةٌ دالةٌ على أخذِه بمروّية، ساغَ القولُ بنسبةِ القولِ إِليه، بناءً على روايتِه للحديث؛ لوجودِ القرينةِ، مثل: أنْ يُبَوِّبَ على الحديثِ تبويبًا دالًا على اختيارِه، أو ينقل تلميذُه قولَه بناءً على روايته؛ لقرينةِ فهمِ التلميذِ مراد إِمامِه بروايتِه، أو يصححَ الحديثَ، فيفهم منه العملُ بمدلولِه. وأيضًا: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، ولم يروِ ما يعارضه ساغتْ نسبةُ القولِ إِليه مقيّدًا، كقولنا: وهذا قولُه؛ لأنَّه روى الحديثَ. الصورة الثانية: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، وخالفه. إِذا روى الإِمامُ بسندِه حديثًا، وخالفه، فهل تسوغُ نسبةُ القولِ إِليه بناءً على روايتِه؟ مَنْ قال في الصورةِ الأولى بعدمِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه للحديث، فمِنْ بابٍ أولى أنْ يذهبَ إِلى عدمِ نسبةِ ما دلَّ عليه

стр. 320

الحديثُ إِلى الإِمامِ في الصورةِ الثانيةِ؛ لأنَّه إِذا لم يُنسبْ إِلى الإِمامِ ما دلَّ عليه الحديثُ، مع عدمِ وجودِ قولٍ له، فمِنْ باب أولى أنْ لا ينسبَ إِليه ما دلَّ عليه الحديثُ، مع وجودِ قولٍ له. أمَّا عند القائلين بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، فنصَّ بعضُهم على عدمِ نسبةِ القولِ حينئذٍ إِلى إِمامِ المذهب، يقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: "إِنْ وُجِدَ عن الإِمامِ في الحادثةِ الَّتي فيها الخبرُ، جوابٌ كافٍ، لا يلتفتُ إِلى غيرِ جوابِه" (١). ولأنَّ مخالفةَ الحديثِ، وتركَ العمل به تدلُّ على أن الإِمامَ يطعنُ في صحتِه، أو يرى معارضتَه لما هو أرجح منه، أو يرى نسخَه (٢). ولأنَّ رواية الإِمامِ للحديثِ - عند مِنْ يقولُ بنسبةِ القول إِلى الإِمامِ بناءً عليها - مِنْ باب الدلالةِ، وقد عارضها تصريحٌ، والقاعدةُ المقررة: لا عبرةَ للدلالةِ في مقابلَةِ التصريحِ (٣). بقي أنْ أقول: إِنَّ محلَّ مخالفةِ الحديثِ في الصورة الثانية بعدَ الروايةِ، فلو فُرِضَ تأخرُ الرواية عن رأي الإِمامِ المتقدمِ، فمِن المحتملِ أنْ يقولَ مَن يُصحح نسبةَ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، بتقديم الروايةِ المتأخرةِ، لأنَّها الَّتي استقرَّ عليها قولُ الإِمامِ (٤). الصورة الثالثة: إِذا ثَبَتُ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإِمامِ، وخالفه. إِذا ثَبَتَ حديثٌ عن النبي ﷺ ، وذَهَبَ الإِمامُ إِلى خلافِ ما دلَّ عليه

стр. 321

الحديثُ، فهلْ يسوغُ إِلغاءُ قولِه، ونسبةُ ما دلَّ عليه الحديثُ إِليه؛ لأنَّ الحديثَ صحيحٌ؟ وحديثي هنا عن نسبةِ القولِ فحسب، أمَّا عن صنيعِ المتمذهبِ، أيعملُ بالحديثِ أم لا؟ فمسألةٌ أخرى، سيأتي الحديثُ عنها إِنْ شاءَ الله تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ. لقد اهتمَّ علماءُ الشافعيةِ على وجهِ الخصوصِ بهذه المسألةِ؛ وذلك لشهرةِ مقولةِ الإِمامِ الشَّافعي: "إِذا صحَّ الحديثُ، فهو مذهبي"، مع أنَّ هذه العبارةَ وما في معناها ورادةٌ عن أئمةٍ آخرين، كما تقدّمَ في صدرِ الفرعِ. اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ فيما إِذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مرويّه، وخالفه، على قولين: القول الأول: عدمُ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ. وهذا قولُ ابنِ دقيق العيد (١)، وابنِ الصلاح (٢)، ومحيي الدين النووي (٣). واختاره مِن المعاصرين: فضيلةُ الدكتورُ يعقوب الباحسين (٤)، والدكتورُ عياض السلمي (٥)، وفضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد (٦). القول الثاني: يُنسبُ ما دلّ عليه الحديثُ إِلى الإِمامِ، ويُنفى قولُه المخالفُ للحديثِ. نَسَبَ ابنُ الصلاحِ هذا القولَ إِلى كثيرٍ مِنْ أئمةِ الشافعية (٧).

стр. 322

وهو قولُ أبي الوليدِ بن أبي الجارود (١)، وابنِ بَرهان (٢)، وأبي شامةَ المقدسي (٣)، وابنِ القيّمِ (٤)، وبدرِ الدين الغزي (٥). وهو ظاهرُ قولِ أبي الحسنِ الماوردي (٦)؛ إِذ نَسَبَ للإِمام الشَّافعي قولًا، لثبوتِ الحديثِ البنوي، مع أنَّ للشافعيّ نفسِه قولًا بخلافِه (٧).

стр. 323

وقدْ ذَكَرَ بعضُ القائلين بالقولِ الثاني ضوابطَ لصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ: الأول: أنْ يكونَ الناظرُ مِنْ أهلِ الاجتهادِ في المذهبِ. الثاني: أنْ يغلبَ على ظنِّه أنَّ إمامَه لم يطلعْ على الحديثِ، أو لم يعلمْ صحتَه، ويتحققُ هذا الظن بمطالعةِ كتبِ الإمامِ كلِّها، وكتبِ أصحابِه الآخذين عنه (١). فلو تبيَّن أنَّ الإمامَ قد اطلعَ على الحديثِ، وخالفِه؛ لاعتقادِ نسخِه مثلًا، فلا ينسبُ إليه مدلولُ الحديثِ (٢). الثالث: انتفاءُ المعارضِ عن الحديثِ (٣). • أدلة القولين: دليل أصحاب القول الأول: قد يصحُّ الحديثُ عند الإمامِ، ولا يعملُ به، لكونِه منسوخًا، أو لمعارضٍ أرجح، وقد وَقَعَ مثلُ ذلك - كما ذكره ابنُ الصلاح (٤) - فقد نَسَبَ أبو الوليد بن أبي الجارود إلى الإمام الشافعي القولَ بأنَّ الحجامةَ تُفطرُ الصائمَ؛ أخذًا مِنْ حديثِ: (أفطر الحاجم والمحجوم) (٥).

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 325

وردَّ عليه علماءُ الشافعيةِ، بأنَّ الإمامَ الشافعي تَرَكَ الحديثَ مع صحتِه؛ لأنَّه يرى نسخَه (١). دليل أصحاب القول الثاني: جاءَ عن بعضِ الأئمةِ الأمرُ بالأخذِ بالحديثِ النبوي، فإنْ خالفوا الحديثَ، فقولهم هو ما دلَّ عليه الحديثُ (٢). • الموازنة والترجيح: لعلَّ الأقربَ في المسألةِ عدمُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ، بناءً على

стр. 326

ثبوتِ الحديثِ، مع مخالفتِه له؛ لأنَّ ثبوتَ الحديثِ فقط غيرُ كافٍ للقولِ بمدلوله، مِنْ جهةِ احتمالِ الحديثِ للنسخِ وللتخصيصِ وللتأويلِ وللمعارضِ الراجح. ولأنَّ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على الحديثِ إلغاءً لقولِه المنصوصِ. وفيما يتعلقُ بما وَرَدَ عن بعضِ الأئمةِ مِنْ أنَّ قولَهم ما وافق السنةَ النبوية، فالظاهر لي أنَّ المقصدَ مِنْ هذه العباراتِ والباعثَ عليها، هو تعظيمُ السنةِ في النفوسِ، وحثُّ التلاميذِ على اتباعها، وتركُ قولِ مَنْ خالفها، وإن كان مِنْ علماءِ الأمةِ. الصورة الرابعة: إذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإمامِ، ولم ينقلْ عنه قولٌ بخلافِه. إذا ثَبَتَ حديثٌ عن النبي ﷺ ، ولم يُنقلْ عن الإمامِ قولٌ يخالفُ الحديثَ، فهلْ تسوغُ نسبةُ ما دلَّ عليه الحديثُ إلى الإمامِ؛ لأنَّ الحديثَ صحيحٌ؟ تختلفُ هذه الصورةُ عن التي قبلها في عدمِ وجودِ قولٍ لإمامِ المذهبِ، فالخطبُ فيها أيسرُ؛ إذ مَنْ نَسَبَ القولَ إلى إمامِه بناءً على الحديثِ، لم يقع في إلغاء قولٍ منصوصٍ لإمامِه. وقد توجه كلامُ أغلب مَنْ تكلّمَ عنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على ثبوتِ الحديثِ إلى الصورةَ الثالثة، أمَّا الصورةُ الرابعة، فالكلامُ فيها - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - أقلُّ، وممَّنْ تكلّمَ عنها من المتقدمين: أبو شامةَ المقدسي (١)، وتقيُّ الدين السبكي (٢)، وقد نصَّا على نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ.

стр. 327

يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "ما صحَّ مِنْ حديثِه ﷺ ، ودلَّ على حكمٍ لا نصَّ للشافعي على خلافِه، فهو مذهبُه، لا شكَّ فيه؛ أخذًا مِنْ قولِه، وممَّا أَمَرَ به" (١). وقد قال الإمامُ الشافعي: "كلُّ حديثٍ عن النبي ﷺ ، فهو قولي، وإنْ لم تسمعوه مني" (٢). ويمكنُ القولُ: إنَّ مَنْ قالَ في الصورةِ الثالثةِ: بأنَّ قولَ الإمامِ ما وافق الحديثَ، فسيقولُ في الصورةِ الرابعةِ بنسبةِ ما دلَّ عليه الحديثُ إلى الإمامِ مِنْ بابٍ أولى. أمَّا المانعون في الصورةِ الثالثةِ، فقد اختلفَ قولُهم في الصورةِ الرابعةِ على قولين: القول الأول: لا يُنسب القولُ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ثبوتِ الحديثِ. صرَّح بهذا القولِ فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين (٣). القول الثاني: يُنسب القولُ إمامِ المذهبِ بناءً على الحديثِ. صرَّح بهذا القولِ فضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد (٤). أمَّا المانعون في الصورةِ الثالثةِ الذين لم يصرِّحوا باختيارِهم في الصورة الرابعة، فالظاهرُ لي أنَّهم يمنعون مِنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في الصورةِ الرابعةِ؛ لوجود الاحتمال؛ إذ قد يطعنُ الإمامُ في سندِ الحديثِ أو متنِه، أو يراه مرجوحًا أو منسوخًا أو مؤولًا، فلا يُنسبُ إليه القولُ؛ لهذه الاحتمالات.

стр. 328

والأقربُ عندي أنه إذا لم يَرِدْ قولٌ عن إمامِ المذهب في المسألةِ، وقد صحَّ الحديثُ فيها، ومِنْ أصولِه القولُ بالحديثِ، وأَنَّه مذهبُه: فإنَّه تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ، مع توضيح ذلك، وتقييد النسبةِ. * * *

стр. 329

المطلب الثاني: المتمذهب وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف المتمذهب المسألة الثانية: شروط المتمذهب المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرج المسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي المسألة الخامسة: تمذهب المجتهد المسألة السادسة: مذهب العامي

стр. 330

توطئة يُعدُّ المتمذهبُ ركنًا في التمذهب؛ إذ لا تُوجدُ حقيقةُ التمذهبِ بدونِه؛ لأنَّ التمذهبَ التزامٌ، ولا يُوجد التَزامٌ دونَ ملتزِمٍ. المسألة الأولى: تعريف المتمذهب إذا أردنا تعريفَ المتمذهب، فيمكنُ - أخذًا مِنْ تعريفِ التمذهب السابقِ في أولِّ الكتابِ - القولُ بَأنَّ المتمذهبَ هو: مَنْ يلتزمُ مذهبًا معيّنًا، في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو ينتسبُ إلى مذهب معيَّنٍ. أو نقولُ في تعريفِه: هو الشخص الذي خاصّتُه التمذهب (١). وقد يبلغُ المتمذهبُ درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، وقد يبلغُ درجةَ الاجتهادِ المطلق في الشرعِ، لكن مع بلوغِه هذه الدرجة يبقى منتسبًا إلى مذهبِ إمامِه، دونَ أنْ تُؤثرَ هذه النسبةُ على آرائِه واجتهاداتِه، فهو متمذهبٌ مِنْ هذه الجهةِ فحسب. وجُملة القولِ: إنَّ المتمذهب هو: "مَنْ ينتحلُ مذهبًا" (٢)، إمَّا على سبيلِ الالتزام، وإمَّا على سبيلِ الانتسابِ. ومِن الأسماءِ التي تطلقُ على المتمذهبين: أتباعُ المذاهبِ، والأصحابِ (٣).

стр. 331

يُعدُّ المتمذهبُ الركيزةَ المهمّةَ في التمذهب، كما قلتُه آنفًا؛ لأنَّ المجتهدَ إذا لم يُوجد له أتباعٌ على مذهبِه، يقومون بخدمةِ إمامِهم في آرائه وأقوالِه، ويحققون أصولَه، ويخرّجون أحكام النوازل على أصولِه وفروعِه: فلنْ يتحققَ لمذهبِه البقاء. المسألة الثانية: شروط المتمذهب هناك شروطٌ لا بُدَّ مِنْ توافرِها في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهبِ، ويمكنُ تقسيمُها إلى قسمين: القسم الأول: الشروط العامة. القسم الثاني: الشروط الخاصة. القسم الأول: الشروط العامة. هناك شروطٌ للمتمذهبِ يتعيّنُ اتصافه بها، لكنَّها غيرُ مختصةٍ بالتمذهبِ، فقد تُشترطُ في أشخاص في مسائل أخرى، وهي: الشرط الأول: العقل. يتعيّنُ أنْ يكونَ المتمذهبُ عاقلًا سليمَ الإدراكِ، فغيرُ العاقلِ لا يُتصورُ منه التمذهبُ، وقد تقدّمَ ذكرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ: (شروط إمام المذهب). الشرط الثاني: البلوغ. يُشترطُ في المتمذهبِ أنْ يكونَ بالغًا؛ إذ غيرُ البالغِ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يتهيأ للتمذهب، وقد تقدّم تقريرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ: (شروط إمام المذهب).

стр. 332

الشرط الثالث: الإسلام. لا بُدَّ أنْ يكونَ المتمذهبُ مسلمًا، فلا يصحُّ التمذهبُ مِن الكافرِ، وهذا الشرطُ معلومٌ بداهةً، وقد تقدم تقريرُ دليلِه في مسألةِ: (شروط إمام المذهب). القسم الثاني: الشروط الخاصة. هناك شروطٌ خاصةٌ بالمتمذهب، وقد حاولتُ رسمَها على الصورةِ السليمةِ؛ إذ ليس المتمذهبون على درجةٍ واحدةٍ، بلْ هم طبقاتٌ - كما سيأتي الحديثُ عنهم - لكنْ يجمعُ هذه الطبقاتِ وصف أربابِها بالتمذهب، فهناك شروطٌ مشتركةٌ لصحةِ الوصفِ بالتمذهب، كما أنَّ هناك شروَطًا لأربابِ كلّ طبقةٍ، ومحلُّ حديثي هنا عن الشروَطِ المشتركةِ التي تُؤهلُ الشخص لوصفِه بالتمذهبِ. في البدءِ أحبُّ أنْ أنبّه إلى أنَّي لم أقفْ على مَنْ ذَكَرَ شروطَ المتمذهبِ على وجهِ الخصوصِ، ولذا اجتهدتُ في تحديدِها، وتبيّن لي أنَّ للمتمذهبِ شرطينِ، وهما: الشروط الأول: أنْ يكونَ الشخصُ متهيئًا - أو متأهلًا - للتمذهبِ. يُشترطُ في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهب التهيؤُ - أو التأهل - للتمذهبِ، سواء أكان تمذهبُه في أصولِ المذهبِ، أَم في فروعِه، أم فيهما، فليس كلُّ أحدٍ يصحُّ التمذهبُ منه. وعبَّر بعضُ العلماءِ عن التهيؤ بفقهِ النفسِ، كما ذكره: إمامُ الحرمين الجويني (١)، وابنُ الصلاحِ (٢)، ومحيي الدين النوويُّ (٣)، وابنُ حمدان (٤)، وتقيُّ الدّينِ بن تيميةَ (٥).

стр. 333

يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "لا يستقلُّ بنقلِ مسائلِ الفقهِ مَنْ يعتمدُ الحفظَ، ولا يرجعُ إلى كيسٍ وفطنةٍ وفقه طبعٍ، فإنَّ تصويرَ مسائلها أولًا، وإيرادَ صورِها على وجوهِها لا يقومُ بها إلا فقيهٌ" (١). ويقولُ ابنُ الصلاحِ: "إنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ونقلَ أحكامِها بعد استتمامِ تصويرِها - جلياتها وخفياتها - لا يقومُ به إلا فقيهُ النفسِ" (٢). ويكون التهيؤُ - أو فقه النفس - بجودةِ الحفظِ، وشدّةِ الفهمِ (٣). يقولُ ابنُ القيّمِ: "أما مَنْ لم يتأهلْ لذلك - أيْ: لمعرفة المذهب - البتة، بلْ قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصرْ كذلك بمجرَّد قولِه، كما لو قال: أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتبٌ، لم يصر كذلك بمجرّدِ قولِه" (٤). فمَنْ لم يكنْ متهيئًا للتمذهبِ، لا يصحُّ منه التمذهبُ، ولو ادَّعاه. فإنْ كان محلُّ التمذهب في الأصولِ، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ أصولِ المذهبِ: تصورًا وتقريرًا، وإن كان محلُّ التمذهب في الفروع، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ الفروعِ: تصورًا وتقريرًا. الشرط الثاني: أنْ يعرفَ مذهبَ إمامِه في الأصولِ والفروع، أو في أحدِهما. لا بُدَّ أنْ يعرفَ المتمذهبُ أصولَ مذهبِ إمامِه، وفروعَه، ومردُّ هذا الشرطِ إلى حقيقةِ التمذهب؛ فحقيقةُ التمذهبِ هي التزامُ مذهب مجتهدٍ معيّنٍ، فإذا لم يعرف المتمذهبُ مذهبَ إمامِه، كيفَ يمكنه التزامه؟ !

стр. 334

والقدرُ المشترطُ في المعرفةِ هو استحضارُ أكثرِ المذهبِ، مع القدرةِ على مطالعةِ بقيتِه قريبًا. يقولُ ابنُ الصلاحِ: "ينبغي أن يُكتفى في حفظِ المذهب ... بأن يكونَ المعظمُ على ذهنِه، ويكون؛ لدربتِه متمكنًا مِن الوقوفِ على الباقي بالمطالعةِ - أو ما يلحق بها - على القُرْبِ" (١). ومحلُّ الالتزامِ بالمذهبِ أصولُ المذهبِ وفروعُه، ولا يعتبرُ الخروجُ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ منافيًا للتمذهبِ، إذا كان الخروجُ لمسوّغٍ، كما تقدمَت الإشارةُ إليه عند تعريفِ التمذهبِ في الاصطلاحِ. هذانِ هما شرطا المتمذهبِ اللذانِ لا بُدَّ مِن اجتماعِهما؛ ليتحققَ وصفُ الشخصِ بالتمذهبِ، وأُحبُ أنْ أنبه هنا إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنَّ ما لا يُشترطُ في المجتهدِ لا يشترطُ في المتمذهب، فكما لا يشترطُ في المجتهدِ: الذكورية، والحريةُ، والعدالةُ، فكَذا المتمذهبِ، لا تُشترطُ فيه هذه الأوصافُ. ويُستثنى شرطٌ واحدٌ، وهو: معرفةُ الفروعِ، فإنَّه لا يشترطُ في المجتهدِ، وهو شرطٌ في المتمذهبِ إنْ كانَ تمذهبُه في الفروعِ. الأمر الثاني: هناك شروطٌ خاصةٌ ببعضِ المتمذهبين بالنظرِ إلى الطبقةِ التي ينتمي إليها، وسأُوْضِحُ شروطَ كلِّ طبقةٍ حين أذكرُ طبقاتِ المتمذهبين. الأمر الثالث: أنَّ الشرطين السابقين هما للمتمذهب الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، أمَّا العالم الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، وانتسَبَ إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ، فهو مجتهدٌ حقيقةٌ، وإنْ سُمّيَ متمذهبًا على سبيلِ المسامحةِ.

стр. 335

المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرِّج يتعينُ قبلَ ذكرِ العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، بيان المراد بهما: تقدَّمَ لنا في المسألةِ الأُولى أنَّ المتمذهبَ هو: الذي يلتزمُ مذهبًا معينًا في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو ينسبُ نفسَه إنْ كانَ مجتهدًا إلى مذهبٍ معيّنٍ. أمَّا المخرِّجُ فتعريفُه مستفادٌ مِنْ تعريفِ التخريجِ؛ ولذا يمكنُ القولُ إنَّ المخرِّجَ، هو: المتمذهبُ الذي يُبينُ رأيَ إمامِ مذهبِه في مسألةٍ لم يردْ عنه فيها قولٌ، بإلحاقِها بما يشبهها مِن الفروعِ المنصوصةِ عنْ إمامِه، أو بتخريجِها على أصولِه (١). ويُسمَّى المخرِّجُ بمجتهدِ المذهبِ (٢)، وبصاحبِ الوجوهِ والطرقِ (٣). يقول ابنُ الصلاحِ: "تخريجُه تارةً يكونُ مِنْ نصٍّ معيَّنٍ لإمامِه في مسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجدُ نصًّا معينًا يخرِّج منه، فيخرِّج على وِفقِ أصولِه، بأن يجدَ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إمامُه، وعلى شرطِه، فيُفتي بموجبِه" (٤). ويقولُ البنانيُّ متحدثًا عن وظيفةِ المخرِّج: "معنى تخريجِ الوجوهِ على النصوصِ: استنباطُها منها، كأنْ يقيسَ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛

стр. 336

لوجودِ معنى ما نصَّ عليه فيما سَكَتَ عنه ... أو يستخرج حكمَ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه، أو قاعدةٍ قررها ... وقد يستنبطُ أصحابُ الوجوهِ مِنْ نصوصِ الشارعِ، لكنْ يتقيدون في استنباطِهم منها بالجري على طريقِ إمامِهم في الاستدلالِ، ومراعاةِ قواعدِه وشروطِه فيه" (١). أمَّا عن بيان العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، فأقول: إنَّ كلًّا مِن المتمذهبِ والمخرّج يشتركانِ في الالتزامِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ في أصولِه، أو فروعِه. لكنَّ المخرِّجَ يتصفُ بأمورٍ تجعله أخص، فالمخرِّجُ متمذهبٌ يمارسُ وظيفةً معينةً، وهي: بيانُ رأي إمامِه في الحوادثِ التي لم يَرِدْ عنه قولٌ بشأنِها، فيخرِّج رأيًا لإمامِه، أخذًا ممَّا نصَّ عليه، أو بتخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ مذهبِه. فالمخرِّجُ داخلٌ تحتَ طبقةٍ مِنْ طبقاتِ المتمذهبين. ثمَّ إنَّ المخرِّجَ يُوصفُ بالاجتهادِ المقيّدِ - الاجتهاد المذهبي - أمَّا المتمذهب، فلا يُشترطُ فيه بلوغُ رتبةِ الاجتهادِ المذهبي. يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني: "الذي أحاطَ بقواعد مذهبِ الشافعي مثلًا، وقدربَ في مقاييسه، وتهذبَ في أنحاءِ نظرِه، وسبيلِ تصرفاتِه، يُنزلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرق الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرع بما هو منصوصٌ عليه" (٢). وجُملةُ القولِ: إنَّ المخرِّجَ يُمثلُ قمةَ الهرمِ للمتمذهبين، والنسبةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكلُّ مخرِّجٍ متمذهبٌ، دون العكسِ. يقولُ أحمدُ الوزير: "مسألةُ التخريجِ تولدتْ مِن التمذهبِ، لمَّا استفحل

стр. 337

شأنُه، وفرضتْ نفسَها على علمِ الأصولِ" (١). المسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي سأبيّنُ المرادَ بالفروعي قبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بينه وبين المتمذهبِ؛ ليتسنى لنا معرفة العلاقةِ بينهما. الفروعي هو: الشخصُ الحافظ لأحكام الفروع، مِنْ غير معرفةٍ بالأصولِ. وهذا تعريفُ الموفقِ بنِ قدامة (٢)، والآمدي (٣). وقريبٌ منه ما ذكره عبدُ العزيز البخاري، إذ عرَّفه بأنه مَنْ يحفظُ أحكامَ الفروعِ، ولا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ (٤). وقريبٌ مِنْ هذين التعريفين تعريفُ أبي علي الشوشاوي (٥)، إذ عرفَّه بأنَّه: العالمُ بالفروعِ خاصة، دونَ الأصولِ (٦). وهذه التعريفات جميعُها تسير في اتجاهٍ واحدٍ، وتجعلُ للفروعي سمتين: الأُولى: حفظُ أحكامِ فروعِ المذهب، بمعنى أنَّه يتصورُ المسألةَ، ويعرفُ حكمَها فقط، دونَ أنْ يعرفَ دليلَ الَفرعِ (٧).

стр. 338

والتعريفات وإن لم تنصَّ على أنَّ الفروعَ التي يعرفُها الفروعي داخلةٌ تحتَ مذهبٍ معيّنٍ، إلا أنَّ واقعَ الفروعيين أنَّهم يقتصرون في معرفةِ الفروع على مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ. الثانية: عدمُ معرفةِ الفروعي بأصولِ الفقهِ. وقد أطلقَ بعضُ الأصوليين على الفروعي لفظ: (الفقيه)، ومِنْ هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (١)، والموفق بن قدامة (٢)، والآمدي (٣). ورَفَضَ جمعٌ آخر مِن الأصوليين إطلاقَ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي، ومِنْ هؤلاءِ: العبدري (٤)، والعزُّ بنُ عبد السلام (٥)، وابنُ الهمام الحنفي (٦)، وأمير باد شاه (٧). يقولُ العبدريُّ: "وإنَّما هي - أيْ: المسائلُ المدونةُ في كتب الفقهِ - نتائجُ الفقهِ، والعارفُ بها فروعي، وإنَّما الفقيه هو: المجتهد الَذي ينتجُ تلك الفروع عن أدلةٍ صحيحةٍ، فيتلقاها منه الفروعي تقليدًا، ويدوِّنُها، ويحفظُها" (٨).

стр. 339

ويظهر لي أنَّ الأقربَ عدمُ إطلاقِ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي؛ ولعل مَنْ أطلق عليه لفظ: (الفقيه) اتجه نظرُه إلى حفظِ الفروعي للمسائلِ الفقهيةِ، فناسَبَ مِنْ هذه الجهةِ تسميته بالفقيه؛ لحفظِه للفقه، والمسألةُ - كما هي ظاهرة - لفظيةٌ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاح. ويمكنُ القول في بيانِ العلاقة بين المتمذهب والفروعي: إنَّ المتمذهبَ والفروعي يجتمعان في أنَّ كلًّا منهما يلتزمُ أقوالَ إمامٍ معيّنٍ في الفروعِ. والفرق بينهما يظهر في أنَّ الفروعي يمثلُ طبقةً مِنْ طبقاتِ المتمذهبين - وهي الطبقةُ الدُنيا - إذ المتمذهبون طبقاتٌ، وأدنى هذه الطبقات مَن اكتفى بحفظِ فروعِ مذهبِه مجردةً عن أدلتِها، دونَ معرفةٍ بأصولِ الفقهِ. وبناءً على ما تقدم آنفًا، فكلُّ فروعي متمذهبٌ، دونَ العكسِ، والنسبة بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ. المسألة الخامسة: تمذهب المجتهد مِن المعلوم أن رتبةَ الاجتهادِ أعلى مِن التمذهبِ، والمجتهدُ أعلى قدرًا مِن المتمذهبِ، لكنْ إذا بَلَغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ في الشرعِ، فهل له أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ معيَّنٍ؟ يمكن القولُ بأنَّ لتمذهبِ المجتهدِ ثلاث حالاتٍ: الحالة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه. الحالة الثانية: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ الاتباعِ. الحالة الثالثة: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ التقليدِ.

стр. 340

الحالة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه. قد يبلغُ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعة، ومع بلوغِه هذه الرتبة، إلا أنَّه ينتسب إلى مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكون لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، فهو متمذهبٌ بالاسمِ فقط، دون الحقيقةِ، ولهذه الحالةِ صورتان: الصورة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيما يختاره مِن المسائلِ. الصورة الثاني: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دونَ أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيما يختارُه مِن المسائلِ. الصورة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيَما يختاره مِن المسائلِ. الذي يظهرُ لي في حكمِ التمذهب في هذه الصورةِ، أنَّه لا محذور فيه؛ لانتفاءِ تأثيرِه في الاجتهادِ. لكنْ يبقى النظرُ في استحباب انتساب المجتهدِ إلى مذهبٍ معيَّنٍ مِنْ عدمِه، عائدًا إلى ما يحققه الانتسابُ مِنْ أَثرٍ إيجابي للمجتهدِ نفسِه، فقد ينشأُ المجتهدُ بين أناسٍ اعتادوا النسبةَ المذهبيةَ، ولا يُؤثر عندهم إغفالها، بلْ قد يكونُ إغفالُ المجتهدِ لها سببًا في عدمِ قبولِ الناسِ منه، فالأفضلُ للمجتهدِ في هذه الحالة الانتسابُ إلى المذهب؛ لئلا يردّ الناسُ ما يأتي به من أقوال، والعكسُ بالعكسِ. يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "فأمَّا الانتسابُ الذي يُفَرّق بين المسلمين، وفيه خروجٌ عن الجماعةِ والائتلافِ إلى الفرقة، فهذا ممَّا يُنْهَى عنه" (١).

стр. 341

الصورة الثاني: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهب معيَّنٍ، دونَ أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ويذكر أقوالَ إمامِه فيما يختارُه مِن المسائلِ. إذا بَلَغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، وانتسبَ إلى مذهب معيَّنٍ، واجتهدَ في مسألةٍ مِن المسائلِ، وتوصَّلَ فيها إلى رأي وافقَ فيه قولَ إمامِه، ومع ذلك فإنَّه ينسبُ قولَه إلى إمامِه، كأنْ يقول مثلًا: هذا قول إمامي، أو: هذا مذهب الأصحاب، مع أنَّه لم يذهبْ إليه إلا بعدَ اجتهادٍ ونظرٍ، وكذلك لو أَخَذَ بأصولِ مذهبِه وقواعدِه بعد قناعتِه بها: فالذي يظهرُ لي في حكم هذه الصورةِ أنَّه لا محذورَ فيها؛ لأنَّه لا أثرَ لجعلِ ما يختارُه المجتهدُ قولَ إمامه أو مذهب أصحابه؛ وذلك لتحققِ الاجتهاد منه، ولأنَّه لم يذكرْ قولًا يخالفُ ما تقرر عنده. يقولُ أبو إسحاقَ الإسفراييني: "الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه المحققون، ما ذَهَبَ إليه أصحابُنا، وهو أنَّهم - أيْ: أصحاب الشافعي - صاروا إلى مذهبِ الشافعي ﵀ لا على جهةِ التقليدِ له، ولكنْ لمَّا وجدوا طريقَه في الاجتهادِ والفتاوى أسدَّ الطرقِ وأولاها، ولم يكنْ لهم بُدٌّ مِن الاجتهادِ، سلكوا طريقَه في الاجتهادِ، وطلبوا معرفةَ الأحكامِ بالطريقِ الذي طلبها الشافعيُّ به" (١). الحالة الثانية: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، ويأخذ بقولِ إمامِ المذهبِ في بعضِ المسائلِ على سبيل الاتباعِ. قد يطَّلعُ المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيَّنٍ على دليلِ قولِ إمامِه، ولا يعرفُ له معارضًا، لكنَّه لم يستكمل النظرَ في المسألةِ، فيقول فيها بقولِ إمامِه؛ للدليلِ الدالِّ عليه. والذي يظهرُ لي في حكمِ هذه الحالة جوازُ التمذهب؛ لانتفاءِ المحذورِ، وهو القولُ بلا دليلٍ، لكنَّ الأفضلَ للمجتهدِ استكمالُ النظرِ في المسألةِ فيما لو أرادَ العملَ، أو الإفتاءَ.

стр. 342

الحالة الثالثة: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائل على سبيلِ التقليدِ. قد يبلغُ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، ومع بلوغِه تلك المنزلة العلمية، إلا أنَّه ينسبُ نفسَه إلى مذهبِه - الذي تخرَّج فيه - ومع بلوغِه رتبةَ الاجتهادِ، قد يأخذُ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ التقليدِ، أي: أنَّ المجتهدَ في هذه الحالةِ أَخَذَ بالقولِ؛ لأنَّ إمامَه قال به، فما حكمُ التمذهبِ في هذه الحالةِ؟ يُبْنَى الحكمُ في هذه الحالةِ على ما حرره الأصوليون في مسألةِ: (تقليد المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين)؛ ولذا سأعرضُ هذه المسألةَ، ثم أُبيّنُ القولَ الراجحَ فيها، والذي ينطبقُ على الحالةِ الثالثةِ. وقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ مسألةِ: (تقليد المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين)، أنبّه إلى أنَّ الأقوالَ فيها كثيرةٌ، وسأقتصرُ في عرضِها على أهمِّها ممَّا له علاقةٌ مباشرةٌ بمسألتنِا، أمَّا الأقوالُ التي لا تُؤثر في مسألتنا - كالقولِ بجوازِ تقليدِ الصحابةِ فقط، أو جوازِ تقليدِ الصحابةِ والتابعين - فلن أعرضَ لها؛ لعدمِ تأثيرِها في مسألتِنا. • صورة المسألة: هل يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلَّد مجتهدًا آخر في مسألةِ مِن المسائلِ، دونَ معرفةِ دليلِ قولِه؟ • تحرير محل النزاع: يمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في ضوءِ الآتي: أولًا: اتفقَ العلماءُ على أن المجتهدَ إذا توصَّلَ إلى رأي محددٍ في مسألةٍ مِن المسائل، فلا يجوزُ له أنْ يقلِّدَ فيها مجتهدًا آخر. حكى الاتفاقَ جمعٌ مِن المحققين، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (١)،

стр. 343

وأبو حامدٍ الغزالي (١)، والفخرُ الرازي (٢)، والموفقُ بنُ قدامة (٣)، والآمديُّ (٤)، وابنُ الحاجبِ (٥)، وسراجُ الدينِ الأرموي (٦)، وشهابُ الدين القرافيُّ (٧)، وصفيُّ الدينِ الهندي (٨)، والطوفيُّ (٩)، وبدرُ الدين الزركشي (١٠)، وابنُ الهمامِ (١١)، وابنُ مفلحٍ (١٢)، وابنُ عبد الشكور (١٣)، وعبدُ العلي الأنصاري (١٤)، ومحمد الأمين الشنقيطي (١٥).

стр. 344

الأدلة على عدم جواز التقليد في هذه الحالة، ما يأتي: الدليل الأول: أنَّ ظنَّ المجتهدِ لا يساوي الظنَّ المستفادَ مِنْ غيرِه، والعملُ بأقوى الظنين واجبٌ (١). يقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: "إنَّما حرُم ذلك - أيْ: تقليد المجتهد لغيره - ووَجَبَ عليه العملُ بظنّه؛ لأنَّ ظنَّه الحاصلَ له باجتهادِه أقوى؛ لعلمِه بكيفيةِ استنتاجِه، وأمَّا غيرُه، فيحتمل أنَّ في كيفيةِ استنتاجِه خللًا عنده لو اطَّلعَ عليه، وكيفَ يجوزُ التقليدُ مِنْ بعدِ الاجتهادِ، وحصولِ الظنِّ؟ ! وكلُّ مجتهدٍ يعتقدُ أنَّ ما استدلَّ به وأَخَذَ به الحُكمَ دليلٌ، وما أَخَذَ به مخالفُه شبهةُ دليلٍ، فكيفَ يجوزُ أن يتركَ ما يقتضيه الدليلُ إلى ما تقتضيه شبهةُ دليل؟ ! " (٢). الدليل الثاني: أنَّ ما علمَه المجتهدُ باجتهادِه هو ما يعتقده حكمًا لله، فلا يتركُه لقولِ أحدٍ (٣). لكنْ يُشكلُ على حكايةِ الاتفاقِ السابقِ أمران: الأمر الأول: ما ذكرُه أبو بكرٍ الجصاص، وأبو عبد الله الصيمري (٤) عن الإمامِ أبي حنيفةَ، مِنْ أنَّ المجتهدَ إذا اجتهدَ، وتوصَّلَ إلى رأي، فله أنْ يأخذَ باجتهادِه، وله أنْ يقلَّدَ غيرَه إذا كانَ أعلمَ منه. يقولُ أبو بكرٍ الجصاص: "وقد اختلفَ أصحابُنا فيمَنْ كان مِنْ أهلِ

стр. 345

الاجتهادِ، هل يجوزُ له تقليدُ مَنْ هو أعلمُ منه؟ ... وذَكَرَ أبو الحسن (١) أنَّه قول أبي حنيفةَ: إنَّ له تقليدَه، وأنَّ له أنْ يعملَ برأيه" (٢). ويقولُ أبو عبد الله الصيمري: "عند أبي حنيفةَ: أن للعالمِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن العلماءِ، وَيدَعَ قولَ نفسِه، وإنْ عملَ على رأيه جازَ له" (٣). وأمامنا تجاه ما جاءَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ أمورٌ: الأول: أنْ نردَّ الاتفاقَ المحكيَّ في المسألةِ؛ لوجودِ الخلافِ المنقولِ عن الإمامِ أبي حنيفةَ. وفي هذا الأمرِ بُعدٌ؛ لتتابعِ محققي الأصوليين - ومنهم علماءُ مِن المذهب الحنفي - على حكايةِ الاتفاقِ، دونَ أدنى إشارةٍ إلى ما وَرَدَ عن الإمامِ أَبي حنيفةَ. الثاني: أنْ نضعّفَ ثبوتَ ما وَرَدَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، فنجعل القولَ المذكورَ غيرَ ثابتٍ عنه. الثالث: أنْ نؤولَ كلامَ الإمامِ أبي حنيفةَ بحملِه على ما إذا كان رأيُ المجتهدِ مخالفًا لقولِ صحابي، فحينئذٍ يُخيَّر (٤).

стр. 346

الرابع: أنْ نؤولَ كلامَ الإمامِ أبي حنيفة بحملِه على أنَّ للمجتهدِ أنْ يأخذَ بقولِ نفسِه، وله أنْ يقلدَ غيرَه، إذا وَجَدَ في رأي غيرِه قوةً. ويدلُّ على الرابعِ: ما ذكره أبو بكرٍ الجصاص، وأبو عبد الله الصيمري عند استدلالهم لقولِ الإمامِ أبي حنيفة، يقول أبو بكرٍ الجصاص: "فلم يخلُ في تقليدِه - أيْ: المجتهد - إياه - أي: المجتهد المقلَّد - مِنْ أنْ يكونَ مستعملًا لضربٍ مِن الاجتهادِ، يُوجبُ عنده رجحان قولِ مَنْ قلَّده على قولِه" (١). ويقولُ أبو عبد الله الصيمري: "إذا رأى اجتهادَ غيرِه أقوى مِنْ اجتهادِه، كان ذلك ضربًا مِن الاجتهادِ، فلمَّا جازَ أنْ يأخذَ بما يؤدي إليه اجتهادُه، جازَ له أن يأخذَ بقولِ غيرِه" (٢). ولعل الأمرَ الرابع هو أقرب شيءٍ يُمكنُ أنْ يُقالَ في شأنِ ما وَرَدَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، وبناءً عليه يبقى الاتفاقُ المحكي سالمًا. الأمر الثاني: ساقَ أبو الخطاب حين عَرَضَ الأقوالَ في المسألةِ قولًا مفادُه أنَّ للمجتهدِ إنْ لم يجتهدْ أنْ يقَلِّد غيرَه مِن المجتهدين على الإطلاقِ، وإن اجتهد، فلا يجوزُ له التقليدُ (٣). وظاهرُ هذا التفصيلِ يدلُّ على أنَّ المجوزين جوَّزوا التقليدَ على الإطلاقِ، سواء أكان قبلَ اجتهادِ المجتهدِ، أم بعد اجتهادِه (٤). وقدْ أجابَ عن هذا الإشكالِ تقيُّ الدين بنُ تيمية، بقولِه: "وهذا الذي ذكره أبو الخطابِ يدل على أنَّ المجيزين على الإطلاقِ جوَّزوا التقليدَ بعدَ الاجتهادِ، حيثُ جَعَلَ التفصيلَ قولًا، ثمَّ ذَكَرَ أبو الخطابِ في أثناءِ

стр. 347

المسألةِ: أن المجتهدَ لو اجتهدَ، فأدّاه اجتهادُه إلى خلافِ قولِ مَنْ هو أعلمُ منه، لم يجزْ تركُ رأيه والأخذ برأي ذلك الغيرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يجوزَ، وإنْ لم يجتهدْ، لأنَّه لا يأمن (١) لو اجتهدَ أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ذلك القول (٢)، فقد جَعَلَ المنعَ مِنْ تقليدِه بعدَ الاجتهادِ محل وفاقٍ" (٣). ثانيًا: اتفقَ الأصوليون على أنَّ للمجتهدِ إذا اجتهدَ، وتوصّلَ إلى رأي محددٍ، تَرْكَ قولِ الأعلمِ. يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "وله - أيْ: المجتهد إذا توصّلَ إلى رأي - أنْ يأخذَ بظنِّ نفسِه وفاقًا، ولم يلزمْه تقليدُه - أي: الأعلم - لكونِه أعلم" (٤). ويقولُ أبو الخطاب: "لا خلافَ أنَّه يجوزُ تركُ قولِ الأعلم باجتهادِه" (٥). وقد حكى ابنُ مفلحٍ (٦)، وأمير باد شاه (٧) الاتفاقَ على هذا الأمرِ. ثالثًا: حكى بعضُ الأصوليين الاتفاقَ على أنَّه يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن المجتهدين عند ضيقِ الوقتِ، وعُسرِ الوصولِ إلى الحكمِ. يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "وقد اتفقوا على جوازِ التقليدِ عند ضيقِ الوقتِ، وعُسْرِ الوصولِ إلى الحكمِ بالاجتهادِ والنظرِ" (٨). ويقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: "وكل ما حُكي مِنْ هذه الأقوالِ - وغيرِها ممَّا لم يحكَ هنا - إنَّما هو عند تمكّنِ المجتهدِ مِن الاجتهادِ، وأمَّا إذا لم يتمكنْ بأنْ مَنَعَه مانعٌ، أو خاف فوتَ الحادثةِ، فلا خلافَ في

стр. 348

جوازِ تقليدِه مجتهدًا آخر" (١). وما حكاه الغزاليُّ، والمطيعيُّ محلُّ نظرٍ؛ لوجودِ المخالفِ في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين حتى عند ضيقِ الوقتِ؛ يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "فأمَّا العالمُ فلا يجوزُ له تقليدُ غيرِه في شيءٍ مِن الشرعيات، سواء خَشِيَ فواتَ الوقتِ، أو لم يخشَ الفواتَ" (٢). ثمَّ إنَّ أبا حامد الغزاليَّ لم يحكِ هذا الاتفاق في كتابِه: (المستصفى) حين تكلّمَ عن المسألةِ (٣). ويمكنُ حملُ ما حكاه الغزاليُّ والمطيعيُّ على أنَّ الأَوْلى أنْ لا يقعَ في هذه الحالةِ خلافٌ، فيُحمل كلامُهما على الأولويةِ، وقد صرَّح بها ابنُ الهمامِ الحنفي (٤). أو يُحملُ كلامُهما على بعضِ الصورِ الجزئيةِ التي يترتبُ على الاجتهادِ فيها تفويتُ مصلحةٍ كبرى، كما لو قلَّد المجتهدُ في القبلةِ - وكان مِنْ أهلِ الاجتهادِ فيها - مجتهدًا آخر إذا ضاق الوقتُ، وخافَ فوات الصلاةِ فيما لو اشتغلَ بالاجتهادِ (٥). رابعًا: محل الخلافِ في المجتهدِ قبلَ أنْ يتوصلَ إلى رأي محددٍ - سواء اجتهدَ فلم يتوصلْ إلى شيء، أو لم يجتهدْ أصلًا - هل له أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر؟ • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على أقوال كثيرة، أهمّها: القول الأول: المنعُ مِنْ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مطلقًا، سواءٌ مع ضيقِ الوقتِ أو مع سعتِه، وسواء أكان المقلَّدُ أعلمَ أم لا.

стр. 349

هذا القولُ هو إحدى الروايتين عن الإمامِ أبي حنيفةَ (١). ونَسَبَه أبو الحسنِ الكرخي إلى أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن (٢)، ونَسَبَه أبو عبد الله الصيمري إلى أبي يوسف أيضًا (٣). ونَسَبَه ابنُ القصار (٤) إلى الإمامِ مالكٍ، وجماعةٍ مِن الفقهاءِ (٥)، وجعلَ أبو الوليد الباجي هذا القولَ هو الأشبه بقولِ الإمامِ مالكٍ (٦). وهذا القولُ هو ظاهرُ قولِ الإمامِ الشافعي (٧). ونَسَبَه أبو الوفاءِ بنُ عقيل إلى إسحاقَ بن راهويه (٨)

стр. 350

وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل (١). ونَسَبَه أبو الحسين البصري (٢)، والآمديُّ (٣)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (٤) إلى أكثر الفقهاءِ. ونَسَبَه الباجيُّ إلى أكثرِ المالكيةِ البغداديين (٥). ونَسَبَه الفخرُ الرازي إلى أكثرِ الشافعيةِ (٦). ونَسَبَه شهابُ الدين القرافي (٧)، وابنُ جزي المالكي (٨) إلى أكثرِ أهلِ السنةِ. واختاره جمعٌ مِن محققي الأصوليين، منهم: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (٩)، وأبو إسحاقَ الإسفراييني (١٠)، والقاضي أبو يعلى (١١)، وأبو الوليد الباجي (١٢)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (١٣)، وأبو الخطاب (١٤)، وأبو الوفاءِ بن عقيلٍ (١٥)، والفخرُ الرازي (١٦)، والآمديُّ (١٧)، وابنُ الحاجبِ (١٨)، ومحيي الدين النووي (١٩)، والقاضي البيضاوي (٢٠)،

стр. 351

والطوفي (١). القول الثاني: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر مطلقًا، سواء مع ضيقِ الوقتِ أو سعتِه، وسواءٌ أكان أعلمَ منه أم لا. نَسَبَ أبو عبدِ الله الصيمريُّ هذا القول إلى الإمامِ أبي حنيفةَ، ومحمد بن الحسن (٢)، ونَسَبَه أبو الوليدِ الباجي إلى بعضِ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ (٣). ونَسَبَه الباجي (٤) أيضًا، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٥)، وأبو حامدٍ الغزالي (٦)، والفخرُ الرازي (٧)، والآمديُّ (٨)، وتاجُ الدينِ بنِ السبكي (٩) إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل، وإسحاقَ بنِ راهويه، وسفيانَ الثوري. واختاره المزنُّي (١٠) مِن الشافعيةِ (١١). وقد تعقَّبَ جمعٌ مِنْ محققي الحنابلةِ نسبةَ القولِ بالجوازِ مطلقًا إلى

стр. 352

الإمامِ أحمدِ؛ يقولُ أبو الخطاب: "وحَكَى أبو إسحاقَ الشيرازي أنَّ مذهبَنا: جوازُ تقليدِ العالمِ للعالمِ. وهذا لا نعرفه عن أصحابِنا! وقد بينّا كلامَ صاحبِ مقالتِنا" (١). ومقالةُ الإمامِ أحمدَ هي: "لا تقلِّدْ دينك الرجالِ؛ فإنَّهم لن يسلموا أنْ يغلطوا" (٢). ويقول الطوفيُّ: "ما حكاه - أيْ: الآمدي - عن أحمدَ مِنْ جوازِ تقليدِ العالمِ للعالمِ مطلقًا، غيرُ معروفٍ عندنا، وإنَّما المشهورُ عنه الأخذ بقولِ الصحابي، لا تقليدًا له، بلْ بنوعِ استدلالٍ" (٣). ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "حَكَى بعضُهم هذا - أيْ: جواز تقليدِ العالمِ للعالمِ - عن أحمدَ، كما ذكره أبو إسحاقَ في: (اللمع). وهو غلطٌ على أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ إنَّما يقولُ هذا في أصحابه (٤) فقط - على اختلافٍ عنه في ذلك - وأمَّا مِثْل مالكٍ والشافعي وسفيانَ، ومثل إسحاقَ بن راهويه وأبي عبيد، فقد نصَّ في غيرِ موضعٍ على أنَّه لا يجوزُ للعالمِ القادرِ على الاستدلالِ أنْ يقلِّدَهم" (٥). ونسبَ بعضُ الأصوليين القولَ الثاني إلى جماعةٍ مِن الظاهريين! (٦). وقد نَسَبَ الطوفيُّ في كتابِه: (مختصر الروضة) (٧) القولَ الثاني إلى

стр. 353

الظاهريةِ، ثمَّ قالَ في شرحِه: "قلتُ هذا عن الظاهريةِ، لا أعلمُ الآن مِنْ أين نقلتُه في المختصر؟ ولم أرَه في: (الروضةِ)، ولا أحسبُه إلا وهمًا ممَّنْ نقلتُه عنه، أو في النسخةِ التي كان منها الاختصارُ؛ فإنَّ الظاهريةَ أشدُّ الناسِ في منعِ التقليدِ لغيرِ ظواهرِ الشرعِ" (١). القول الثالث: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مَنْ هو أعلمُ منه مطلقًا، ولا يجوزُ له أنْ يقلِّدَ مَنْ هو مثلُه، أو دونه في العلمِ. جَعَلَ أبو الحسين البصري هذا القولَ إحدى الروايتين عن الإمامِ أبي حنيفةَ (٢). ونسبه أبو الحسين (٣)، وأبو بكرِ الجصاص (٤)، وأبو الوليدِ الباجي (٥)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٦) إلى محمد بن الحسن. وهذا القول روايةٌ عن ابنِ سريج (٧). وقد قيّدَ أبو الحسينِ البصري (٨)، والآمديُّ (٩) قولَ ابنِ سريجٍ لجوازِ تقليدِ الأعلمِ بتعذرِ الاجتهادِ علي المجتهدِ. واختار هذا القولَ: أبو الحسنِ الكرخي (١٠)، وابنُ رشدٍ (١١). القول الرابع: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا خافَ فوات وقتِ الحادثةِ. نَسَبَ أبو الوليدِ الباجي هذا القولَ إلى القاضي عبدِ الوهاب

стр. 354

المالكي (١). ونسبه إلى ابنِ سريجٍ جمعٌ من الأصوليين، منهم: القاضي أبو يعلى (٢)، وأبو الوليد الباجي (٣)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٤)، وأبو الخطاب (٥)، وأبو الوفاءِ بن عقيلٍ (٦)، والفخرُ الرازي (٧)، ومحيي الدين النووي (٨)، وبدرُ الدين الزركشي (٩). وقيَّد الرازيُّ والنوويُّ والزركشيُّ قولَ ابنِ سريجٍ بأنَّه يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مجتهدًا آخر مع ضيقِ الوقتِ فيما يخصُّه. القول الخامس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه فيما يخصُّه ليعملَ به، ولا يجوزُ للمجتهدِ في إفتائه أن يقلِّد غيرَه. ذكرَ هذا القولَ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ (١٠)، والفخرُ الرازي (١١)، وشهابُ الدين القرافي (١٢) ولم ينسبوه إلى أحدٍ. وحكاه ابنُ القاصِّ (١٣)

стр. 355

عن ابنِ سريجٍ (١). ونَسَبَه الآمديُّ (٢)، والطوفيُّ (٣)، وجمالُ الدِّينِ الإسنويُّ (٤) إلى بعضِ أهلِ العراقِ. ونَسَبَه أمير باد شاه إلى أهلِ العراقِ (٥). القول السادس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا عَجَزَ عن الاجتهادِ. وهذا قولُ تقيّ الدينِ بن تيمية (٦)، ومثّل للعجزِ عن الاجتهادِ بتكافؤِ الأدلةِ، وضيقِ الوقتِ عن الاجتهادِ، وعدمِ ظهورِ دليلٍ للمجتهدِ (٧). • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحاب القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ (القائلون بمنع المجتهد من تَقليد غيره مطلقًا) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ في أصلِه، وعمومُ الأدلةِ الموجبةِ للنظرِ في الأدلةِ (٨)، والمجتهدُ داخلٌ تحتَ عمومِها دخولًا أوليًا. الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٩). وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أَمَرَ بردِّ المتنازَعِ فيه إليه وإلى رسولِه ﷺ ،
следующие страницы →