← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والطوفي (١). القول الثاني: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر مطلقًا، سواء مع ضيقِ الوقتِ أو سعتِه، وسواءٌ أكان أعلمَ منه أم لا. نَسَبَ أبو عبدِ الله الصيمريُّ هذا القول إلى الإمامِ أبي حنيفةَ، ومحمد بن الحسن (٢)، ونَسَبَه أبو الوليدِ الباجي إلى بعضِ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ (٣). ونَسَبَه الباجي (٤) أيضًا، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٥)، وأبو حامدٍ الغزالي (٦)، والفخرُ الرازي (٧)، والآمديُّ (٨)، وتاجُ الدينِ بنِ السبكي (٩) إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل، وإسحاقَ بنِ راهويه، وسفيانَ الثوري. واختاره المزنُّي (١٠) مِن الشافعيةِ (١١). وقد تعقَّبَ جمعٌ مِنْ محققي الحنابلةِ نسبةَ القولِ بالجوازِ مطلقًا إلى

стр. 352

الإمامِ أحمدِ؛ يقولُ أبو الخطاب: "وحَكَى أبو إسحاقَ الشيرازي أنَّ مذهبَنا: جوازُ تقليدِ العالمِ للعالمِ. وهذا لا نعرفه عن أصحابِنا! وقد بينّا كلامَ صاحبِ مقالتِنا" (١). ومقالةُ الإمامِ أحمدَ هي: "لا تقلِّدْ دينك الرجالِ؛ فإنَّهم لن يسلموا أنْ يغلطوا" (٢). ويقول الطوفيُّ: "ما حكاه - أيْ: الآمدي - عن أحمدَ مِنْ جوازِ تقليدِ العالمِ للعالمِ مطلقًا، غيرُ معروفٍ عندنا، وإنَّما المشهورُ عنه الأخذ بقولِ الصحابي، لا تقليدًا له، بلْ بنوعِ استدلالٍ" (٣). ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "حَكَى بعضُهم هذا - أيْ: جواز تقليدِ العالمِ للعالمِ - عن أحمدَ، كما ذكره أبو إسحاقَ في: (اللمع). وهو غلطٌ على أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ إنَّما يقولُ هذا في أصحابه (٤) فقط - على اختلافٍ عنه في ذلك - وأمَّا مِثْل مالكٍ والشافعي وسفيانَ، ومثل إسحاقَ بن راهويه وأبي عبيد، فقد نصَّ في غيرِ موضعٍ على أنَّه لا يجوزُ للعالمِ القادرِ على الاستدلالِ أنْ يقلِّدَهم" (٥). ونسبَ بعضُ الأصوليين القولَ الثاني إلى جماعةٍ مِن الظاهريين! (٦). وقد نَسَبَ الطوفيُّ في كتابِه: (مختصر الروضة) (٧) القولَ الثاني إلى

стр. 353

الظاهريةِ، ثمَّ قالَ في شرحِه: "قلتُ هذا عن الظاهريةِ، لا أعلمُ الآن مِنْ أين نقلتُه في المختصر؟ ولم أرَه في: (الروضةِ)، ولا أحسبُه إلا وهمًا ممَّنْ نقلتُه عنه، أو في النسخةِ التي كان منها الاختصارُ؛ فإنَّ الظاهريةَ أشدُّ الناسِ في منعِ التقليدِ لغيرِ ظواهرِ الشرعِ" (١). القول الثالث: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مَنْ هو أعلمُ منه مطلقًا، ولا يجوزُ له أنْ يقلِّدَ مَنْ هو مثلُه، أو دونه في العلمِ. جَعَلَ أبو الحسين البصري هذا القولَ إحدى الروايتين عن الإمامِ أبي حنيفةَ (٢). ونسبه أبو الحسين (٣)، وأبو بكرِ الجصاص (٤)، وأبو الوليدِ الباجي (٥)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٦) إلى محمد بن الحسن. وهذا القول روايةٌ عن ابنِ سريج (٧). وقد قيّدَ أبو الحسينِ البصري (٨)، والآمديُّ (٩) قولَ ابنِ سريجٍ لجوازِ تقليدِ الأعلمِ بتعذرِ الاجتهادِ علي المجتهدِ. واختار هذا القولَ: أبو الحسنِ الكرخي (١٠)، وابنُ رشدٍ (١١). القول الرابع: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا خافَ فوات وقتِ الحادثةِ. نَسَبَ أبو الوليدِ الباجي هذا القولَ إلى القاضي عبدِ الوهاب

стр. 354

المالكي (١). ونسبه إلى ابنِ سريجٍ جمعٌ من الأصوليين، منهم: القاضي أبو يعلى (٢)، وأبو الوليد الباجي (٣)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٤)، وأبو الخطاب (٥)، وأبو الوفاءِ بن عقيلٍ (٦)، والفخرُ الرازي (٧)، ومحيي الدين النووي (٨)، وبدرُ الدين الزركشي (٩). وقيَّد الرازيُّ والنوويُّ والزركشيُّ قولَ ابنِ سريجٍ بأنَّه يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مجتهدًا آخر مع ضيقِ الوقتِ فيما يخصُّه. القول الخامس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه فيما يخصُّه ليعملَ به، ولا يجوزُ للمجتهدِ في إفتائه أن يقلِّد غيرَه. ذكرَ هذا القولَ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ (١٠)، والفخرُ الرازي (١١)، وشهابُ الدين القرافي (١٢) ولم ينسبوه إلى أحدٍ. وحكاه ابنُ القاصِّ (١٣)

стр. 355

عن ابنِ سريجٍ (١). ونَسَبَه الآمديُّ (٢)، والطوفيُّ (٣)، وجمالُ الدِّينِ الإسنويُّ (٤) إلى بعضِ أهلِ العراقِ. ونَسَبَه أمير باد شاه إلى أهلِ العراقِ (٥). القول السادس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا عَجَزَ عن الاجتهادِ. وهذا قولُ تقيّ الدينِ بن تيمية (٦)، ومثّل للعجزِ عن الاجتهادِ بتكافؤِ الأدلةِ، وضيقِ الوقتِ عن الاجتهادِ، وعدمِ ظهورِ دليلٍ للمجتهدِ (٧). • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحاب القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ (القائلون بمنع المجتهد من تَقليد غيره مطلقًا) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ في أصلِه، وعمومُ الأدلةِ الموجبةِ للنظرِ في الأدلةِ (٨)، والمجتهدُ داخلٌ تحتَ عمومِها دخولًا أوليًا. الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٩). وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أَمَرَ بردِّ المتنازَعِ فيه إليه وإلى رسولِه ﷺ ،

стр. 356

ويكون الردُّ بالرجوعِ إلى الكتابِ والسنةِ، وأخذُ المجتهدِ قولَ مجتهدٍ آخر تقليدًا له ليس واحدًا ممَّا ذُكِرَ في الآيةِ (١). مناقشة وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ إذا قلَّدَ مجتهدًا آخر، فقد ردَّ الحكمَ إلى الله تعالى وإلى رسولِه ﷺ ؛ لأنَّ المجتهدَ المقلَّدَ عالمٌ بطرقِ الاجتهادِ، ولا يفتي إلا بحكمِ الله تعالى (٢). الجواب عن المناقشة: أنَّ المجتهدَ مأمورٌ باتباعِ الكتابِ والسنةِ، وبالردِّ إليهما، فإذا تَرَكَ ذلك، وقلَّدَ مجتهدًا آخر، فقد تَرَكَ ما أُمر به مِن اتباعِ الكتابِ والسنةِ، وعَمِل بغيرِهما (٣). الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤). وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ مأمورٌ بالاعتبارِ، فإذا قلَّد غيرَه لم يأتِ بالاعتبارِ المأمورِ به في الآيةِ، فيكون تاركًا للمأمورِ (٥). مناقشة وجه الدلالة: يلزمُ مِن استدلالكم بالآيةِ الكريمةِ أمرُ العامي بالاجتهادِ، ومنعُه مِن التقليدِ، وأنتم لا تقولون بهذا (٦). الجواب عن المناقشة: خَرَجَ العاميُّ مِنْ عموم الأمرِ في الآيةِ؛ لعجزِه عن الاجتهادِ؛ فيبقى عمومُ الأمرِ في حقِّ المجتهدِ (٧).

стр. 357

الدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١). وجه الدلالة: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما اخْتُلِفَ فيه إليه سبحانه، وهذا يدلُّ على أنَّ المجتهدَ لا يقلِّدُ غيرَه مِن المجتهدين؛ لأنَّ في التقليدِ في هذه الحالةِ تركًا لحكمِ الله تعالى (٢). الدليل الخامس: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣). وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ إذا قلَّدَ غيرَه فقد أَخَذَ بما لا علمَ له به، وهذا ما نهى اللهُ عنه في الآيةِ الكريمةِ (٤). الدليل السادس: حديثُ معاذٍ (٥) ﵁ حين بعثه النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ، فقال له ﷺ : (كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاءٌ؟ ). فقال: أقضي بما في كتاب الله. قال ﷺ : (فإنْ لم يكنْ في كتابِ الله؟ ). قال: فبسنةُ رسولِ الله ﷺ : (فإنْ لم يكن في سنةِ رسولِ الله؟ ). قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو (٦).

стр. 358

فقال ﷺ : (الحمدُ لله الذي وفّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله) (١).

стр. 359

وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يذكرْ لمعاذٍ ﵁ تقليدَ غيرِه مِن المجتهدين (١). يمكن أن يناقش الدليل السادس: بأنَّ في الحديثِ ضعفًا، فلا تقومُ به الحجةُ. الدليل السابع: قولُ النبي - صلي الله عليه وسلم -: (اجتهدوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له) (٢). وجه الدلالة: أنَّ قوله ﷺ : (اجتهدوا) أمرٌ، والأمرُ للوجوبِ، ويلزمُ

стр. 360

مِنْ تقليدِ المجتهدِ لمجتهدِ آخر ترك الاجتهادِ المأمورِ به في الحديثِ (١). مناقشة الدليل السابع: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: عدمُ ثبوتِ الحديثِ بلفظِ: (اجتهدوا فكلٌّ ميسر ... ). الوجه الثاني: لو صحتْ روايةُ: (اجتهدوا)، لَمَا صحَّ حملُها على خصوصِ الاجتهادِ في استنباطِ الأحكامِ مِن الأدلةِ؛ فإنَّه اصطلاحٌ حادثٌ (٢). الدليل الثامن: لو جازَ للمجتهدِ تقليدُ غيرِه مِن المجتهدين، لجازَ للصحابةِ ﵃ تقليدُ بعضِهم بعضًا، ولو جازَ ذلك لما كان لمناظراتهم فائدةٌ، ولم يُنقلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قلَّدَ غيرَه، وهذا إجماعٌ منهم (٣). مناقشة الدليل الثامن: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ سببَ مناظرةِ الصحابةِ ﵃ بعضهم لبعضِ؛ كونُ العملِ على الاجتهادِ أولى مِن التقليدِ، ولأنَّ للاطلاعِ على المأخذِ؛ بسببِ المناظرةِ تقويةً للظنّ بالحكمِ (٤).

стр. 361

الجوب عن الوجه الأول: أنَّ الدليلَ الذي دلَّ على أنَّ الاجتهادَ أولى مِن التقليدِ، هو الذي مَنَعَ مِن التقليدِ (١). الوجه الثاني: أنَّ الوثوقَ باجتهادِ الصحابي؛ لمشاهدتِه الوحي والتنزيل، ومعرفتِه التأويل، والاطلاع على أحوالِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، وزيادة اختصاصه بالتّشددِ في البحثِ عنْ قواعدِ الدين، وعدمُ تسامحهم فيها أشدُّ مِن غيرِهم، وعلى هذا، فلا يلزمُ مِنْ جوازِ تقليدِ غيرِ الصحابي للصحابي تقليدُ الصحابي للصحابي (٢)، وتقليدُ غيرِ الصحابي لغيرِ الصحابي. الوجه الثالث: لم ينقلْ عن بعضِ الصحابةِ، كطلحةَ (٣) والزبيرِ بنِ العوام (٤) وعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (٥)، وهم مِنْ أهلِ الشورى، نظرٌ في

стр. 362

الأحكامِ، مع ظهورِ الخلافِ، والظاهرُ أنَّهم أخذوا بقولِ غيرِهم تقليدًا، فلا تستقيمُ لكم دعوى الإجماعِ (١). الجواب عن الوجه الثالث: أنَّ تركَ بعضِ الصحابةِ ﵃ للفتيا، بسببِ اكتفائهم بغيرِهم في الفتوى، أمَّا عملهم في حقّ أنفسِهم فكان على سبيلِ الاجتهادِ (٢). الدليل التاسع: أنَّ المجتهدَ متمكنٌ مِن الاجتهادِ؛ لتكاملِ الآلةِ له، فلم يجزْ مع تمكنِه مِن العملِ باجتهادِه أنْ يصيرَ إلى قولِ غيرِه تقليدًا، كما لم يجزْ له أنْ يصيرَ إلى قولِ غيرِه في العقلياتِ؛ لتمكنِه مِن النظرِ والاستدلالِ (٣). مناقشة الدليل التاسع: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّا لا نُسلّمُ إلحاقَ المسائل الاجتهادية بالعقلياتِ؛ لأنَّ المطلوبَ في العقلياتِ العلمُ، والعلمُ لا يحصلُ بالتقليدِ، والمطلوبُ في المسائلِ الاجتهاديةِ العملُ التابعُ للظنِّ؛ وقد يحصلُ الظنُّ بتقليدِ المجتهدِ (٤).

стр. 363

الجواب عن الوجه الأول: أنَّا أوجبنا على المكلَّفِ تحصيلَ العلم في العقلياتِ؛ لأنَّه قادرٌ عليه، والدليلُ حاضرٌ؛ وهذا المعنى حاصلٌ في مسألتِنا؛ لأنَّ المجتهدَ قادرٌ، والدليلُ المعيِّنُ للظنِّ حاصلٌ، فَوَجَبَ تحصيلُه (١). الوجه الثاني: ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بقضاءِ القاضي على المجتهدِ، فإنَّه لا يجوزُ خلافُ ما قضى به القاضي، وإنْ كانَ المجتهدُ قد يرى خلافَه (٢). الجواب عن الوجه الثاني: أنَّ قبولَ المجتهدِ لحُكمِ الحاكمِ - وإنْ كانَ يرى خلافَ ما قضَى به - ليس بتقليدٍ؛ فإنَّ التقليدَ ما يلزمُ قبولُه واعتقادُه، ولا يجبُ على المجتهدِ أنْ يقبلَ ما حَكَمَ به الحاكمُ، ولا أنْ يعتقدَ صحتَه، وإنَّما تلزمُه طاعتُه فيما ألزمه بالحكم، وذلك ليس بتقليدٍ (٣). الوجه الثالث: أنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بمَنْ دنا مِن النبي - صلي الله عليه وسلم -، فإنَّه متمكنٌ مِن الوصولِ إلى الحكمِ بالأخذِ مِن النبي - صلي الله عليه وسلم -، مع أنَّه يجوزُ له أنْ يسألَ مَنْ أخبرَ عن رسولِ الله ﷺ (٤). الجواب عن الوجه الثالث، أجيب عنه من وجهين: الوجه الأول: لا نُسلِّمُ جوازَ الاكتفاءِ بسؤالِ غيرِ النبي - صلي الله عليه وسلم - عند القدرةِ على سؤالِه ﷺ (٥). الوجه الثاني: على فرضِ التسلمِ لكم، فإنَّ ما ذكرتموه عدولٌ عن

стр. 364

طريقٍ إلى طريقٍ، وذلك جائزٌ؛ لأنَّ في الحالين جميعًا أخذًا لحكمِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، ونظيرُه في مسألتنا: أنْ يقفَ المجتهدُ على دليلٍ يقتضي حكمًا، ثم يظهرُ له طريقٌ آخر يقتضي الحكمَ نفسَه، فيجوزُ والحالُ هذه أنْ يعدلَ عن الأولِ إلى الثاني؛ لأنَّ الحكمَ في الحالين واحدٌ، وإنَّما اختلفَ الطريقانِ؛ بخلافِ مسألتِنا، فإنَّ المقتضي للحكمِ هو اجتهادُ المجتهدِ، وقد تَرَكَه إلى اجتهادٍ يقتضي حكمًا آخر، ونظيرُه - من مناقشتكم - أنْ يتركَ المجتهدُ نصًّا عن رسولِ الله ﷺ إلى حكمٍ يخالفُه (١). الدليل العاشر: لو أدَّى اجتهادُ المجتهدِ إلى خلافِ قولِ مَنْ هو أعلمُ منه، لما جازَ للمجتهدِ تركُ رأيه، والأخذُ بقولِ الأعلمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يجوز له الأخذُ بقولِ غيرِه مِن المجتهدين، وإنْ لم يجتهدْ؛ لأنَّه لا يأمن أنْ لو اجتهدَ أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ذلك القولِ (٢). مناقشة الدليل العاشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّه لا يمتنعُ أنْ تكونَ مصلحةُ المجتهدِ إذا اجتهدَ العملَ على ما يؤديه إليه اجتهادُه، وتكون مصلحةُ المجتهدِ إنْ لم يجتهدْ الأخذ بما يختارُه مِن أقاويل السلفِ (٣). الوجه الثاني: أنَّ ثمة فرقًا بين حالِ ما إذا اجتهدَ المجتهدُ، ثمَّ توصّلَ إلى رأي محددٍ، وحالِ ما إذا لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا؛ لأنَّ وثوقَ المجتهدِ برأيه واجتهادِه أتمُّ مِنْ وثوقِه بما يقلِّدُ فيه غيرَه؛ لأنَّه مع مساواة اجتهادِه لاجتهادِ غيرِه، يحتملُ أنْ لا يكونَ غيرُه صادقًا فيما أخبرَ به عن اجتهادِه، والمجتهدُ لا يكابرُ نفسَه فيما أدَّى إليه اجتهادُه، وقبل أنْ يجتهدَ لم يحصلْ له الوثوقُ بحكمٍ ما، فلا يلزمُ مِن امتناعِ التقليدِ مع الاجتهادِ

стр. 365

امتناعُه مع عدمِه (١). يقولُ صفيُّ الدينِ الهندي: "الفرقُ ظاهرٌ - أيْ: بين الحالِ التي توصّلَ المجتهدُ فيها إلى رأي، والحالِ التي لم يجتهدْ فيها - وهو: أنَّ بعدَ الاجتهادِ حَصَلَ له الظنُّ القوي بالحكمِ، فلا يجوزُ له العدولُ عنه إلى الظنِّ الضعيفِ، بخلافِ ما قبلَ الاجتهادِ؛ فإنّه لم يحصلْ له هذا الظنُّ، وانْ كانت القدرة عليه حاصلةً" (٢). الوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم عدمُ جوازِ التقليدِ للعامي؛ فإنَّه لا يأمن لو تفقّه أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ما أفتاه به العالمُ، مع أنَّ العاميَّ يجوزُ له التقليدُ في هذه الحالةِ (٣). الجواب عن الوجه الثالث: أنَّ ثمة فرقًا بين المجتهدِ والعامي؛ فالعاميُّ ليس معه آلةُ الاجتهادِ أصلًا، ولو أرادَ أنْ يتعلمَ علومَ الاجتهادِ لخَرَجَ وقتُ الحادثةِ، وانقطع عن مصالحِ دنياه، ثم بعد ذلك رُبَّما وصلَ إلى رتبةِ الاجتهادِ، ورُبَّما لم يصلْ، بخلافِ المجتهدِ (٤). الدليل الحادي عشر: لا يجوزُ للمجتهدِ بعد اجتهادِه وتوصّلِه إلى رأي محددٍ أنْ يقلِّدَ أحدًا، فكذلك لا يجوزُ له التقليدُ قبلَ الاجتهادِ؛ لوجودِ الجامعِ بين الحالين، وهو الاتصافُ بالاجتهادِ (٥). مناقشة الدليل الحادي عشر: نوقش الدليل بالوجهِ الثاني في مناقشةِ الدليلِ العاشرِ. الدليل الثاني عشر: أنَّ المجتهدَ في القِبلةِ لا يقلِّدُ غيرَه في تحديدِها؛

стр. 366

لأنَّه عالمٌ بأدلتِها، فكذلك المجتهدُ في الشرعِ، لا يجوزُ له التقليدُ في الفروعِ؛ لأنَّه عالمٌ بأدلتِها (١). الدليل الثالث عشر: أنَّ المجتهدَ يتمكنُ مِن الوقوفِ على الحكمِ باجتهادِه، فلم يجزْ له العدولُ عن الوقوفِ على الحُكمِ باجتهادِه إلى ما هو أنقص منه، كما لا يجوزُ للمتمكنِ مِن العلمِ العدولُ إلى الظنِّ (٢). مناقشة الدليل الثالث عشر: نوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنَّ العقلَ لا يمنعُ مِنْ أنْ تكونَ مصلحةُ المتمكِّنِ مِن العلمِ العملَ على ظنِّه، فالأصلُ في قياسِكم غيرُ مسلَّمٍ (٣). ويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّ المستقرَّ في العقلِ أنَّ اتباعَ الإنسانِ الطريقَ الموثوقَ به أرجحُ ممَّا هو أقلُّ وثوقًا. الوجه الثاني: يلزمُ مِنْ دليلِكم عدمُ جوازِ التقليدِ للعامي إذا تمكّنَ مِن التفقه (٤). ويجاب عن الوجه الثاني: بالجواب المتقدمِ عن المناقشةِ الثالثةِ في الدليلِ العاشرِ. الدليل الرابع عشر: أنَّ المجتهدَ متعبَّدٌ باجتهادِه وبعملِه بما توصّل إليه؛ لأنَّه بذلك يكونُ مطيعًا لله تعالى؛ لأنَّ اللهَ تعالى أرادَ مِن المجتهدين أنْ يجتهدوا في أدلةِ الشرعِ، وليس بعضُ المجتهدين أولى بذلك مِنْ بعضٍ، ولا يصحُّ إثباتُ بَدَلٍ لما أرادَه اللهُ مِن المجتهدين إلا لدلالةٍ سمعيةٍ أو عقليةٍ، ولا دليلَ يدلُّ عليها، فَوَجَبَ نفيُه (٥).

стр. 367

الدليل الخامس عشر: لو جازَ للمجتهدِ تقليدُ غيرِه مِن المجتهدين، لوَجَبَ أنْ لا يجوزَ له العملُ على اجتهادِه؛ لأنَّ الحادثةَ إذا اشتبهتْ بعلتين، وكان شبهُها بأحدِ الأصلين أقوى، لم يجزْ ردّها إلى الأصلِ الآخر (١). الدليل السادس عشر: القولُ بجوازِ التقليدِ للمجتهدِ حكمٌ شرعي، ولا بُدَّ له مِنْ دليلٍ، والأصلُ عدمُ ذلك الدليل، فمَن ادَّعاه احتاجَ إلى بيانِه (٢). مناقشة الدليل السادس عشر: يُعارضُ دليلكم بأنَّ عدمَ جوازِ تقليدِ المجتهدِ حكمٌ شرعيٌ، فلا بُدَّ له مِنْ دليلٍ، والأصلُ عدمُه (٣). الجواب عن المناقشة: أنَّ عدمَ الجوازِ نفي، والنفي يكفي فيه انتفاءُ دليلِ الثبوتِ، بخلافِ الثبوتِ، فلا يكفي فيه انتفاءُ دليلِ النفي (٤). الدليل السابع عشر: أنَّ الاجتهادَ أصلٌ في الأحكامِ الاجتهاديةِ، كالوضوءِ في الطهارةِ، والتقليدُ بدلٌ عن الاجتهادِ، كالتيممِ عن الوضوءِ، ولا يُصارُ للبدلِ مع إمكانِ المبدلِ، فلا يختارُ المجتهدُ التقليدَ إلا عند تعذّرِ الاجتهادِ (٥). مناقشة الدليل السابع عشر: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: لا نُسلّمُ أنَّ التقليدَ بدلٌ، بلْ كلٌّ مِن الاجتهادِ والتقليدِ أصلٌ للعملِ (٦).

стр. 368

الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بما ذكرتُم في دليلِكم، فإنَّه يدلُّ على جوازِ التقليدِ للمجتهدِ عند تعذّرِ الاجتهادِ، وأنتم لا تقولون به. أدلةُ أصحاب القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني (القائلون بجواز تقليد المجتهَد لغيره من المجتهدين مطلقًا) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ قبلَ اجتهادِه لا يعلمُ هذا الحكمَ بخصوصِه، فيتناوله عمومُ الآية، فجازَ له التقليدُ، كالعامي (٢). مناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ليس في الآيةِ ما يدلُّ على قولِكم، بلْ هي دالةٌ على خلافِه؛ لأنَّها شَرَطَتْ أنْ لا يعلمَ، والمجتهدُ عالمٌ بطُرقِ الاجتهادِ، وبطرقِ الأدلةِ (٣). الوجه الثاني: أنَّ الآيةَ واردةٌ في العامي، والخطابُ فيها متوجّه إليه، ويدلُّ عليه أمران: الأمر الأول: أن اللهَ تعالى أَوجبَ السؤالَ - كما في الآية - والمجتهدُ لا يجبُ عليه السؤالُ، فتعيّن أنْ يكونَ الخطابُ فيها للعامي؛ لأنَّه هو الذي

стр. 369

يجبُ عليها السؤال (١). الأمر الثاني: أن قولَه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) يقتضي أنْ يكونَ المخاطَبُ ليس مِنْ أهلِ الذِّكرِ؛ لأنَّ اللهَ جعل الناسَ فريقين - كما في الآية - فَوَجَبَ أنْ يكونَ أحدُهما غيرَ الآخرِ (٣). الوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بدخولِ المجتهدِ تحتَ عمومِ الآيةِ، فإنَّ تقديرَ السؤالِ في حقِّه: سلو؛ لتعلموا، أيْ: اسألوا عن الدليلِ؛ لتحصيلِ العلمِ (٤). الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥). وجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآية هم العلماءُ (٦)، وقد أَمَرَ الله بطاعتِهم، وذلك بتقليدِهم فيما يخبرون به عن الشرعِ، والخطابُ عامٌّ للمؤمنين، ويتناول المجتهدَ وغيرَه (٧).

стр. 370

مناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ الأمراءُ والولاةُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوجبَ طاعتَهم، ولا يجبُ على المجتهدِ اتباع المجتهلِه، وإذا كانَ أولو الأمرِ هم الأمراءُ، فطاعتُهم في أمورِ الدنيا مِنْ تدبيرِ الممالك وتجهيزِ العساكرِ وغيرِهما، ويدلُّ على ذلك: أنَّ الطاعةَ تُستعملُ في أمرِ السلاطين، فأمَّا في فتوى المجتهدِ، فلا يُقال لها: طاعةٌ (١). الوجه الثاني: سلمنا لكم أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ هم العلماء، لكنَّ المأمورَ بطاعتِهم هم العوام، لا المجتهدون؛ لأنَّ طاعةَ المجتهدِ على المجتهدِ غيرُ واجبةٍ، فلا تكون مرادةً مِن الآيةِ (٢). الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ هم المجتهدون، ويكونُ الردُّ إليهم مِنْ قِبَل العامةِ والمجتهدين؛ إذ الآيةُ عامّةٌ، ولم تفصِّلْ. مناقشة وجه الدلالة: أنَّ الخطابَ في الآيةِ متوجهٌ إلى العامةِ، لا إلى المجتهدين؛ بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤)؛ لأنَّ المجتهدَ مِنْ أهل الاستنباطِ، فَظَهَرَ أنَّ الخطابَ موجهٌ إلى العامةِ، لا إلى أهلِ الاستنباطِ (٥). الدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٦).

стр. 371

وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أوجب قبولَ ما ينذر به الفقهاءُ إذا رجعوا إلى أهلِهم، ولم يفرِّقْ بين أنْ يكون أهلُهم من العامة، أو من مجتهدين (١). مناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: لا نُسلِّمُ دخولَ المجتهدِ تحتَ الآيةِ، بل الآيةُ متوجهةِ إلى العوامِّ (٢). الوجه الثاني: أنَّ المرادَ مِن الآيةِ قبولُ ما سمعه المجتهدُ مِنْ أخبارِ النبي - صلي الله عليه وسلم - وسننِه، فتكونُ الآيةُ متوجهةً إلى الروايةِ، دونَ الفتوى (٣). الدليل الخامس: انعَقَدَ إجماعُ الصحابةِ ﵃ على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (٤) ويدلُّ على هذا الإجماعِ ما يأتي: أولًا: قولُ عبدِ الرحمن بن عوف ﵁ لعثمانَ بنِ عفان ﵁: (أبايعك على كتابِ الله، وسنةِ رسول الله، وسيرةِ الشيخين)، فبايعه عثمان (٥). فحينَ قَبِلَ عثمانُ بن عفان ﵁ ذلك، مع أنَّه مِنْ أهلِ الاجتهادِ،

стр. 372

وكان ذلك بمحضرِ الصحابةِ ﵃، ولم يُنكرْ عليه أحدٌ، دلَّ على انعقادِ الإجماعِ على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (١). ثانيًا: قولُ عمر بن الخطاب ﵁: (إنِّي كنتُ رأيتُ في الجدِّ رأيًا، فإنْ رأيتم أنْ تتبعوه، فاتبعوه). فقال له عثمانُ بن عفان: (إنْ نتبعْ رأيَك، فرأي رُشْدٍ، وإنْ نتبعْ رأي الشيخِ فنِعْمَ ذو الرأي كان) (٢). وجه الدلالة: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ دعا الناسَ - وفيهم: المجتهدون، والعوام - إلى اتباعِ رأيه، وتقليدِه فيه، وأقرّه عثمانُ بن عفان ﵁ على ذلك (٣). ثالثًا: أن عمرَ بن الخطاب ﵁ أرسلَ إلى امرأةٍ مُغَيّبةٍ، كان يُدخل عليها، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمرَ. فَبَيْنَا هي في الطريقِ، فَزِعَتْ، فضربها الطلْقُ، فدخلتْ دارًا، فألقتْ ولدَها، فصاحَ الصبي صيحتين، ثمْ ماتَ. فاستشار عمرُ الصحابةَ ﵃، فقالَ عثمانُ بن عفان وعبدُ الرحمن بن عوف: (إنَّما أنتَ مودبٌ، ولا شيءَ عليك)، وعليٌّ ساكتٌ. فقالَ له عمرُ: (ما

стр. 373

تقولُ يا أبا الحسنِ؟ ). فقالَ: (إنْ كانوا قالوا برأيهم، فقد أخطأَ رأيُهم، وإنْ كان قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أنْ ديته عليك، فإنَّك أفزعتها ... ). فأَمَرَ عمرُ عليًا أنْ يقسمَ عقلَه (١) على قريشٍ (٢). وجه الدلالة: أن عمرَ بن الخطاب ﵁ وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ قلَّد عليًا ﵁ (٣)، ولم يُنكر عليه أحدٌ، فكانَ إجماعًا (٤). رابعًا: ما جاءَ مِنْ أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ سأل عبدَ الله بن مسعود ﵁ عن مسألةٍ في الصرفِ؟ فأجابَ فيها بأنَّه لا بأسَ به. فقال عمر: (لكنّي أكرهُه). فقال ابنُ مسعود: (قد كرهتُه إذ كرهتَه) (٥). وجه الدلالة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود ﵁ وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ، تَرَكَ قولَه تقليدًا لعمرَ ﵁ (٦). مناقشة الدليل الخامس: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ ﵃ على

стр. 374

جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين، وما ذكرتموه مِن الوقائع، لكلٍّ منها مناقشةٌ: أولًا: مناقشة ما جاء عن عبد الرحمن بن عوف، نوقش من أربعة أوجه: الوجه الأول: أنَّ عليًّا ﵁ خالفَ عثمانَ بن عفان ﵁، ولم يقبلْ ما قاله عبدُ الرحمن بن عوف ﵁ (١)، فلا تصحُّ دعوى الإجماعِ (٢). الجواب عن الوجه الأول: كونُ علي بن أبي طالب ﵁ لم يقبل ذلك، لا يدلُّ على عدمِ جوازِ قبولِه، بلْ على عدمِ وجوب قبولِه، ونحن نقول: إنَّه غيرُ واجبِ القبولِ، بلْ هو جائزُ القبولِ (٣). الوجه الثاني: المرادُ بسيرةِ الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄، سيرتُهما في حراسةِ الإِسلام، والذبِّ عنه وحمايتِه، والدعوةِ إليه، وسياسةِ الرعيّةِ والعدلِ بينهم، لا أَقوالهما الفقهية؛ يدلُّ عليه: أنَّ سيرةَ الشيخين في النوازلِ والحوادثِ مختلفةٌ، فلكلِّ واحدٍ منهما أقوالٌ تخالفُ الآخر، فتعيّنَ حملُه على ما ذُكِرَ (٤). الوجه الثالث: المرادُ بسيرةِ الشيخين طريقتُهما في الاجتهادِ، والبحثِ عن الدليلِ، لأنَّ في سيرةِ أبي بكرٍ وعمر ﵄ الاجتهادَ وطلبَ الدليلِ، والحكمَ بما يقتضيه الاجتهادُ، لا تقليدهما في أعيانِ المسائلِ (٥).

стр. 375

الوجه الرابع: يحتملُ أنَّ عثمانَ بن عفان ﵁ أجابَ عبدَ الرحمن بن عوف في قولِه، أخذا مِنْ قولِه ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ) (١)،

стр. 376

فحَمَلَ الحديثَ على عمومِه (١). ثانيًا: مناقشة الاستدلال بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الجدِّ: المرادُ بقولِه: "فاتبعوني": اتباعُه في الدليلِ، وذلك كما يدعو العلماءُ غيرَهم إلى ما يرونه مِن الأقوالِ، بالدليلِ، دونَ التقليدِ (٢). والمرادُ بقولِ عثمانَ بنِ عفان ﵁ "رأي رشد"، أيْ: في هذا الدليلِ، ورأيُ أبي بكر ﵁ في دليله نِعْم الرأي (٣). يقولُ أبو الخطاب: "إنَّ هذا - أيْ: ما جاء عن الصحابة ﵃ لا يدلُّ على التقليدِ، لكنْ يدلُّ على أنَّ بعضَهم تنبّه على الدليلِ بقولِ البعضِ، وهذا كما يتردد الإنسانُ بين رأيين في الحرب - لم يصمّمْ على أحدِهما - فيقولُ له قائلٌ: ليس هذا بصوابٍ، بل الصوَابُ كذا وكذا، فيقول له: صدقتَ، فيعلم الحاضرون لذلك إنَّما صدّقه ليتنبه (٤) على وجهِ الرأي والمصلحةِ؛ لأن (٥) قول ذلك عنده أصوب مِنْ رأيه" (٦).

стр. 377

ثالثًا: مناقشة الاستدلال بقصة قضاء عمر بن الخطاب ﵁ في المرأة المغيّبة: أنَّ أَخْذَ عمر ﵁ قولَ علي ﵁؛ لأنَّ اجتهادَه أدَّى إلى صحةِ ما قاله علي ﵁ في المسألةِ، فكان ذلك عملًا بالدليلِ، لا بالتقليدِ (١). رابعًا: مناقشة الاستدلال بقول عبد الله بن مسعود في الصرف، نوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ ما قاله ابنُ مسعودٍ ﵁ محمولٌ على اجتهادِه، أيْ: أنَّه إذ كرهه عمرُ ﵁ بانَ لي وجهُ الكراهةِ، فكرهتُ ذلك (٢). الوجه الثاني: يحتملُ أنَّ أخذَ ابنِ مسعود ﵁ قول عمر ﵁؛ لقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ) (٣)، فحَمَلَ الحديثَ على عمومِ الأقوالِ. الدليل السادس: أنَّ المجتهدَ يجوزُ له أنْ يقلِّدَ الرسولَ ﷺ ، وأنْ يقلِّدَ الصحابيَّ، ويتركَ اجتهادَه، فكذلك يجوزُ له أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر (٤). مناقشة الدليل السادس: أنَّ أخذَ المجتهدِ بقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، وبقولِ الصحابي لا يُسمَّى تقليدًا، بلْ هو أخذٌ بالحجةِ - هذا على القولِ بأنَّ قولَ الصحابي حجةٌ، وأمَّا على القولِ بعدمِ حجيتِه، فلا يجوزُ تقليدُه - ويدلُّ على الفرقِ بين الأخذِ بقولِ النبي ﷺ وقولِ الصحابي، والأخذِ بقولِ المجتهدِ: أنَّه يجبُ على المجتهدِ تركُ اجتهادِه، والأخذ بقولِ الرسولِ ﷺ ، وبقولِ الصحابي، ولا يجبُ عليه تركُ اجتهادِه، وتقليدُ غيرِه، فَظَهَرَ الفرقُ (٥).

стр. 378

الدليل السابع: إذا جازَ للمجتهدِ تقليدُ المجمعين فيما أفتوا به، وأجمعوا عليه، وإنْ لم يعلم الطريقَ الذي أفتوا عنه، جازَ له تقليدُ آحادِ العلماءِ، وإنْ لم يعلم الطريقَ الذي أفتى عنه العالمُ (١). مناقشة الدليل السابع: جوازُ الأخذِ بقولِ المجمعين - وإن لم يُعلمْ طريقُ اجتهادِهم - للأدلةِ الدالةِ على عصمةِ إجماعِ الأمّةِ، فالإجماعُ حجةٌ في الشرعِ، ولذا لا يجوزُ للمجتهدِ العملُ على اجتهادِه، وتركُ الإجماعِ، والواحدُ مِن العلماءِ يجوزُ عليه الخطأُ، وليس قولُه حجةً، فلم يجزْ للمجتهدِ قبولُه، وتركُ اجتهادِ نفسِه (٢). الدليل الثامن: لو كانَ تقليدُ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين غيرَ جائزٍ؛ لجوازِ الخطأِ على مَنْ يقلِّدُه، لجازَ أنْ يُمنعَ مِنْ قبولِ خبرِ الواحدِ؛ لجوازِ الخطأِ على ناقلِه، ولَّما بَطَلَ هذا في قبولِ الأخبارِ، بَطَلَ في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (٣). مناقشة الدليل الثامن: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم غيرُ لازمٍ، فإنَّ خبرَ الواحدِ ظَهَرَ مِنْ غيرِ نكيرٍ، فهو بمنزلةِ قولِ الواحدِ مِن الصحابة إذا انتشرَ مِنْ غيرِ خلافٍ، وفي مسألتِنا، اختلفَ العلماءُ وتعددتْ أقوالُهم، فقياسُ مسألتنا ممَّا ذكرتُم: أنْ يُروى خبرانِ متعارضانِ، فلا يجوزُ المصيرُ إلى واحدٍ منهما قبلَ النظرِ والاجتهادِ (٤). الوجه الثاني: أنَّا لو أوجبنا على المجتهدِ البحثَ عن الرواةِ، والنظرَ في جميعِ أحوالِ الإسنادِ حتى يساوي الراوي في طريقِه، لأدَّى إلى مشقةٍ

стр. 379

عظيمةٍ، ورُبَّما تعذّرَ عليه ذلك بتعذّرِ الطريقِ بينه وبين المروي عنه، أو بموتِه، فَسَقَطَ عنه ذلك، كما سَقَطَ الاجتهادُ عن العامي، بخلافِ مسألتنا، فإنَّه لا مشقةَ على المجتهدِ في إدراكِ الحكمِ باجتهادِه (١). الدليل التاسع: أنَّ قولَ المجتهدِ صوابٌ؛ لأنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، وكلُّ قولٍ وُصِفَ بالصوابِ يجوزُ الأخذُ به، وتقليدُه (٢). مناقشة الدليل التاسع: لا نُسلّمُ لكم أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، بل الصوابُ أنَّ الحقَّ واحدٌ (٣)، وبناءً عليه، لا يصحُّ لكم الاستدلالُ بهذه القاعدةِ (٤). الدليل العاشر: أنَّ الحُكْمَ الذي يقلِّدُ المجتهدُ فيه غيرَه، حُكْمٌ يسوغُ فيه الاجتهادُ، فجازَ لمَنْ لم يكنْ عالمًا به تقليدُ مَنْ علمَه، كالعامي، والجامعُ حصولُ الظنِّ بقولِ المفتي (٥). مناقشة الدليل العاشر: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: أن ثمة فرقًا بين المجتهدِ والعامي؛ فالعاميُّ ليس معه آلةٌ يتوصّلُ بها إلى معرفةِ الحكمِ، فكانَ فرضُه التقليد، بخلافِ المجتهدِ؛ إذ عنده الآلةُ التي يتوصلُ بها إلى معرفةِ حكمِ الحادثةِ، لذا لا يجوزُ له التقليدُ (٦).

стр. 380

الوجه الثاني: أنَّه يجبُ التقليدُ على العاميّ، ولو كان المجتهدُ مثله لَوَجَبَ عليه التقليدُ، ولمّا قلتم: لا يجبُ على المجتهدِ التقليد، بلْ هو بالخيارِ، دلَّ ذلك على بطلانِ دليلِكم (١). الدليل الحادي عشر: أنَّ مطلوبَ المجتهدِ في اجتهادِه حصولُ الظنِّ، وتقليدُ المجتهدِ فيما ذَهَبَ إليه مفيدٌ للظنِّ، والظن معمولٌ به في الشريعةِ، فكان تقليدُه جائزًا (٢). مناقشة الدليل الحادي عشر: أنَّ ظنَّ المجتهدِ حين يقلِّدُ غيرَه مِن المجتهدين أضعفُ مِنْ ظنِّه بالحكمِ حين يجتهدُ، وهذا أمرٌ معلومٌ، ولا يجوزُ العملُ بالظنِّ الضعيفِ مع القدرةِ على الظنِّ القوي (٣). الدليل الثاني عشر: أنَّ الاجتهادَ مِنْ فروضِ الكفايات، كالجهادِ، ويجوزُ في الجهادِ الاتكالُ ممَّنْ له آلةُ الجهادِ، واجتمعتْ فيه شروطُه، على قيامِ آخرين به، فكذا الاجتهادُ يجوزُ للمجتهدِ الاتكالُ على غيرِه في اجتهادِه (٤). مناقشة الدليل الثاني عشر: لا نسَلِّم أنَّ الاجتهادَ فرضُ كفايةٍ لمَنْ حصلتْ له أهليةُ الاجتهادِ، ونزلتْ به نازلةٌ، ولم يكنْ حكمُها معلومًا عنده، بل الاجتهادُ في هذه الحالةِ فرضُ عينٍ على المجتهدِ، ونظيرُه في الجهادِ، أنْ يحضرَ العدوُّ، ويقربَ مِنْ موضعِه، فيكون الجهاد حينئذٍ فرضَ عينٍ (٥).

стр. 381

الدليل الثالث عشر: أنَّ الأصلَ جوازُ التقليدِ؛ لامتناعِ حصولِ شروطِ الاجتهادِ في كلِّ أحدٍ عادةً، تُرِك هذا الأصل فيمَن اجتهدَ، وظنَ الحكمَ؛ لظهورِ الصواب له بالفعلِ، فيبقى مَنْ عداه على الأصلِ، وهو جوازُ التقليدِ (١). مناقشة الدليل الثالث عشر: قولكم: "الأصل جواز التقليد"، غيرُ مسلّمٍ؛ لأنَّ التقليدَ أخذٌ بغيرِ دليلٍ. وقولكم: "لامتناع حصول شروط الاجتهاد في كل أحد عادة"، لا يجيزُ التقليدَ للمجتهدِ، ثمَّ الكلامُ فيمَن اجتمعتْ فيه شروطُ الاجتهادِ (٢). أدلةُ أصحاب القول الثالث: استدلَّ أصحابُ القول الثالث (القائلون بجواز تقليد المجتهد للأعلم فقط، دون المساوي والأدون) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ قبلَ اجتهادِه لا يعلمُ الحُكْمَ، ومَنْ لا يعلمُ الحكمَ يسألُ أهلَ الذّكرِ، وهم المجتهدون، ولا يسأل مَنْ يساويه في العلمِ، فضلًا عمَّنْ هو دونه؛ لأنَّه لا مزيةَ للمساوي عليه، بلْ يسألُ مَنْ هو أعلمُ منه؛ لزيادةِ علمِه. مناقشة وجه الدلالة: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بهذه الآية الكريمة في أدلةِ أصحابِ القول الثاني. الدليل الثاني: قولُ عبدِ الرحمن بن عوف لعثمانَ بن عفان ﵄:

стр. 382

(أبايعك كتابِ الله، وسنةِ رسولِ الله، وعلى سيرةِ الشيخين)، فبايعه عثمان، ولم يفعلْ علي بن أبي طالب ﵃، وقال: (أقضي بالكتابِ والسنةِ، وأجتهدُ رأيي) (١). وجه الدلالة: أنَّ عثمانَ وعبد الرحمن ﵄ قلَّدا أبا بكرٍ وعمرَ ﵄؛ لأنَّهما أعلمُ منهما، وتَرَكَ عليٌّ ﵁ تقليدَ أبي بكرٍ وعمر؛ لأنَّه مساوٍ لهما في العلمِ (٢). مناقشة الدليل الثاني: تقدمت مناقشةُ الاستدلالِ بما جاءَ عن عبدِ الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ﵄ في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني. ويضاف هنا وجه آخر، وهو: مِنْ أينَ لكم أنَّ امتناع علي ﵁ عن المبايعةِ على سيرةِ الشيخين؛ لأنَّه اعتقدَ أنَّه مثلهما في العلمِ؟ ! إذ يحتملُ أنَّه امتنعَ، وهو يرى أنّه دونهما في العلمِ؛ لأنَّه يمنعُ المجتهدَ مِن تقليدِ غيرِه (٣). الدليل الثالث: ما جاءَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ سألَ عبدَ الله بنَ مسعود ﵁ عن مسألةٍ في الصرفِ؟ فأجابَ فيها بأنَّه لا بأسَ به. فقال عمر: (لكنَّي أكرهه). فقالَ ابنُ مسعود: (قد كرهتُه إذ كرهتَه) (٤). وجه الدلالة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود ﵁ تَرَكَ رأيه تقليدًا لعمر؛ لأنَّه لا يمكن أنْ يكون قد اجتهدَ في انتقالِه عن قولِه الأول؛ إذ لم يكنْ بين القولين مدةٌ يمكنُه معها النظرُ والاستدلالُ (٥).

стр. 383

مناقشة الدليل الثالث: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بقولِ ابنِ مسعودِ ﵁ في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني. الدليل الرابع: أنَّ تقليدَ المجتهدِ لمنْ هو أعلمُ منه ضربٌ مِن الاجتهادِ في تقويةِ رأي الأعلمِ، فإذا كان للمجتهدِ أنْ يحكمَ في الحادثةِ باجتهادِه، كان له أنْ يقلِّدَ مَنْ هو أعلمُ منه؛ لأنَّ اجتهادَ الأعلمِ أوثقُ عنده مِن اجتهادِ نفسِه (١). مناقشة الدليل الرابع: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: لو جوَّزنا للمجتهدِ تقليدَ الأعلمِ؛ لأنَّ اجتهادَ الأعلمِ أقوى، للزمَ منه أنْ لا يعملَ المجتهدُ باجتهادِه، ولا يترك تقليدَ الأعلمِ في جميعِ الحوادثِ، ولا أحدَ يقولُ بهذا (٢). الوجه الثاني: لا تصحُّ تسميتكم تقليد المجتهدِ للأعلمِ ضربًا مِن الاجتهادِ؛ لأن هذا الضربَ مِن الاجتهادِ هو اجتهادٌ فيمَنْ يقلِّدُه، لا اجتهاد يعتمدُ على النظرِ في الأدلةِ (٣). ثم إنْ قلتُم: إنَّه لا يخلو عن اجتهادٍ في مأخذِ قولِ المجتهدِ خَرَجْتُم عن محلِّ الخلافِ، ولم نسمِّ فعلَ المجتهدِ حينئذٍ تقليدًا. الدليل الخامس: إذا كانَ المجتهدُ أعلمَ مِنْ غيرِه فله مزيةٌ، وهي كثرةُ علمِه، وحسنُ بصيرتِه بطرقِ الاجتهادِ، وأمَّا اجتهادُ الإنسانِ نفسِه، فله مزيةٌ مِنْ وجهٍ آخر، وهي أنَّه على ثقةٍ مِن اجتهادِه، ومِنْ إحاطتِه بالدليلِ، وليس المجتهدُ على ثقةٍ وإحاطةٍ مِن اجتهادِ الأعلمِ، فإذا اجتمعا - أي: الأعلم ومن هو دونه - تساويا، فخُيّرَ بينهما (٤).

стр. 384

مناقشة الدليل الخامس: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: يبطلُ دليلُكم بالأمرين الآتيين: الأمر الأول: مَنْ طالتْ صحبتُه مِن الصحابةِ ﵃ للنبي ﷺ مع مَنْ لم تطلْ صحبتُه؛ إذ لمَنْ طالتْ صحبتُه مزيةٌ بطولِ الصحبةِ، وكثرةِ السماعِ مِن النبي ﷺ ، ومع ذلك لا يجوزُ لمَنْ لم تطلْ صحبتُه تقليدَ مَنْ طالتْ صحبتُه، إذا تساويا في العلم، ولا يُقال: إنَّ له مزيةً بطولِ الصحبةِ وكثرةِ السماعِ، ولاجتهادِ مَنْ لم تطلْ صحبتُه مزيةٌ بالثقةِ فيه، فَوَجَبَ أنْ يتخيّرَ من لم تطلْ صحبتُه بينهما! فكذلك في مسألتِنا (١). الأمر الثاني: التابعيُّ مع الصحابي إذا تساويا في العلمِ، فإنَّ للصحابي مزيةَ الصحبةِ، والمشاهدةِ للنبي ﷺ ، والسماعِ منه ﷺ ، وهذه الصفاتُ غيرُ موجودةٍ في التابعي، ثمَّ لا يجوزُ القولُ بأنَّ للتابعي تقليدَ الصحابي لهذه المزيةِ، فكذلك في مسألتِنا (٢). الوجه الثاني: لا تصحُّ التسويةُ بين اجتهادِ المجتهدِ، وتقليدِ الأعلم؛ لأنَّ المجتهدَ إذا عمل باجتهادِ نفسِه، كان عالمًا بما يعملُ به، وإذا قلّد غيرَه كان جاهلًا، ولا يتساوى حالُ العلمِ مع الجهلِ، ومِن المعلومِ أنَّ التقليدَ مِنْ عملِ الجُهّالِ، والاجتهادَ مِنْ عملِ العلماءِ، ولا يجوزُ أنْ يُقال للمجتهدِ: لك أنْ تتركَ عملَ العلماءِ إلى عملِ الجُهالِ (٣). ثمَّ إنَّ الإحاطةَ في حالِ اجتهادِ المجتهدِ، لا يوازيها زيادةُ علمِ المجتهدِ الآخر؛ لأنَّ المجتهدَ على يقينٍ مِنْ اجتهادِ نفسِه، وشكٍّ مِنْ اجتهادِ الأعلمِ؛ هل اجتهدَ على الوجهِ الصحيح؟ والشكُّ لا يساوي العلمَ (٤).

стр. 385

الدليل السادس: ما تقدم مِن أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني الدالةِ على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه - ممَّا لم يُذكرْ في الأدلةِ الآنفةِ الذكر - إلا أنَّ أصحابَ القولِ الثالث يخصونها بالأعلمِ، دونَ المساوي والأدون؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ اجتهادَ الأعلمِ أقربُ إلى الصوابِ (١). وقد تقدمت مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني. أدلةُ أصحاب القول الرابع: استدلَّ أصحابُ القولِ الرابع (القائلون بجواز التقليد للمجتهد عند ضيق الوقت) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وجه الدلالة: إذا ضاقَ الوقتُ على المجتهدِ، فإنَّه - والحالةُ هذه - غيرُ عالمٍ، وإذا كان غيرَ عالمٍ جازَ له سؤالُ غيرِه مِن العلماءِ (٣). مناقشة وجه الدلالة: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بهذه الآيةِ في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني. الدليل الثاني: إذا ضاقَ الوقتُ على المجتهدِ فإنه لنْ يتمكنَ مِن التوصّل إلى معرفةِ الحكمِ عن طريقِ الاجتهادِ، فكان له التقليدُ، قياسًا على العامي (٤).

стр. 386

مناقشة الدليل الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المجتهدِ والعامي؛ إذ العامي عاجزٌ عن الاجتهادِ؛ لفقدِه آلته، بخلافِ المجتهدِ، فإنَّه متمكنٌ مِن الاجتهادِ، وبناءً عليه لا يصحُّ إلحاقُ المجتهدِ بالعامي، ونظيرُهما مَنْ لم يجدْ ماءً ولا سترةً، لا يُلْحَقُ به مَنْ يقدرُ على الماءِ والسترةِ، لكنَّه يخافُ فوات الوقتِ لمن استعملهما (١). وقولُكم عن المجتهد: "لا يتمكن من الوصول إلى الحكم"، غيرُ مسلّمٍ؛ بلْ للمجتهدِ قدرةٌ على الاجتهادِ، وهذه القدرةُ توصلُه إلى تحصيلِ الحُكمِ (٢). الدليل الثالث: أنَّ المجتهدَ في حالِ ضيقِ الوقتِ مضطرٌ إلى التقليدِ؛ فإنَّه لو اجتهدَ فاتته العبادةُ، وأخرّها عن وقتِها، وهذا لا يجوز؛ فساغَ له التقليدُ (٣). مناقشة الدليل الثالث: إذا كانت العبادةُ مِن العبادات التي يجوزُ تأخيرُها لعذرٍ، صار عدمُ اجتهادِ المجتهدِ عذرًا له في التأخيرِ، وإنْ كانت العبادةُ مِن العباداتِ التي يجوزُ تأخيرُها عن وقتِها، أدّاها على حسب حالِه، ثم يعيدُها إذا اجتهدَ، فلا تُوجدُ ضرورةٌ إلى التقليدِ (٤). يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "أمَّا دعواهم أنَّه - أي: المجتهد - مضطرٌ إلى التقليدِ، فغيرُ صحيح؛ لأنَّه إذا نَظَرَ وصدقَ الاجتهاد، هَجَمَ به على الحكمِ، فلا ضرورةَ إلى ما تشيرُ إليه مِنْ ضيقِ الوقتِ. والوقتُ ظرفٌ، والاجتهادُ شرطٌ، فلا يسقط الشرطُ؛ لضيقِ الظرفِ،

стр. 387

كسائرِ العباداتِ المؤقتةِ، لا يجوزُ تركُ شروطِها؛ لخوفِ فواتِها، ولأن يُجعل الإشكالُ في الدليلِ عذرًا مبيحًا للتأخيرِ، أولى مِنْ أن يُجعلَ عذرًا لإسقاطِ الاجتهادِ، والرجوعِ إلى التقليدِ" (١). وأجيب عن تجويزِهم أداء العبادةِ في وقتِها مع عدمِ التقليدِ: بأنَّه لا يجوزُ أداءُ العبادةِ مع الجهلِ، مع إمكانيةِ حصولِ أدنى ظنٍّ بحكمِها، فإذا أدَّى المجتهدُ العبادةَ بتقليدِ غيرِه، فقد حصّلَ أدنى ظنٍّ بحكمِها، وهذا خيرٌ مِنْ أدائِها مع الجهلِ (٢). الدليل الرابع: في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مع ضيقِ الوقتِ، تحصيلٌ للعملِ في الوقتِ المحددِ بقولِ مجتهدٍ ما، وهذا أولى مِنْ إخلاءِ الوقتِ عن وظيفتِه؛ لتوقّعِ ظهورِ الحكمِ بالاجتهادِ (٣). أدلة أصحاب القول الخامس: استدلَّ أصحابُ القولِ الخامسِ (القائلون بجواز تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين فيما يخصه، دون ما يفتي فيه) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: يجوزُ للمجتهدِ التقليدُ في الأمورِ التي تخصّه؛ لأنَّه محتاجٌ إلى التقليدِ؛ ليعملَ، أمَّا في الفتوى، فهو غيرُ محتاجٍ إلى التقليدِ، فلا تجوزُ له الفتوى بناءً على التقليدِ، لأنَّ له أنْ يحيلَ على غيرِه (٤). مناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ لكم أنَّ المجتهدَ محتاجٌ إلى التقليدِ فيما إذا عملَ؛ بلْ هو محتاج إلى معرفةِ الحكمِ الشرعي، وتحصلُ معرفةُ الحكمِ بالاجتهادِ، لا بالتقليدِ (٥).

стр. 388

الدليل الثاني: أنَّ غرضَ المستفتي للمجتهدِ الأخذُ برأي المجتهدِ نفسِه، لا رأي غيرِه، وما دام المسؤولُ ليس عنده رأي في المسألةِ، فليس له أنْ يفتيَ فيها برأي غيرِه؛ لعدمِ السؤالِ عنه. أمَّا في خاصة نفسِه، فله أنْ يقلِّدَ مَنْ شاء؛ لوثوقِه به (١). ويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّه لا فرقَ بين الحالين: عمل المجتهدِ، وإفتائه؛ لأنَّ القولَ إنْ كان راجحًا يجوزُ الأخذُ به للعملِ وللإفتاءِ، وإنْ كان مرجوحًا لم يجز العمل به، ولا الإفتاءُ (٢). أدلةُ أصحاب القولِ السادس: استدلَّ أصحابُ القولِ السادسِ (القائلون بجواز تقلَيد المجتهد لغيره من المجتهدين عند تعذر الاجتهاد) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الواجبَ في الشرعِ يسقطُ بالعجزِ عنه، وهنا المجتهدُ عاجزٌ عن الاجتهادِ، فينتقلُ إلى بدلِه، وهو التقليد، ويكونُ حالُ المجتهدِ كحالِ مَنْ عَدِم الماءَ ينتقلُ إلى التيمم (٣). الدليل الثاني: أنَّ المجتهدَ في حالِ عجزِه عن الاجتهادِ - لأي سبب - بمنزلةِ العامي، فيجوزُ له التقليدُ (٤). • الموازنة والترجيح: بعد عرضِ أهمِّ الأقوالِ في المسألة وأدلتها، وما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ، يظهرُ لي رجحانُ القولِ السادسِ، وهو منعُ المجتهدِ مِنْ تقليدِ

стр. 389

غيرِه مِن المجتهدين إلا إذا تعذَّرَ عليه الاجتهادُ تعذرًا حقيقًا؛ لأي سببٍ كان، إذا ظنَّ أنَّه لنْ يتوصلَ إلى رأي راجحٍ في المسألة، لكنْ لا بُدَّ أن تطمئنَ نفسُه إلى القولِ الذي قلَّدَ فيه المجتهدَ الآخر. وقد رجحتُ ما سبقَ للآتي: أولًا: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ، وأَوْلى مَنْ تتوجه إليه تلك الأدلة هو المجتهدُ، واستثني مِنْ هذا العموم المجتهدُ إذا تعذَّر عليه الاجتهادُ. ثانيًا: أنَّ أهمَّ ما يتميز به المجتهدُ عن غيرِه مِن العلماء الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ، والعوامِّ، هو: إمكانيةُ التوصلِ إلى الحكمِ الشرعي بطريقٍ صحيحٍ، فإذا تَرَكَ الاجتهادَ في الشرع، ورَكَنَ إلى التقليدِ، فقد تَرَكَ أهمَّ خصلةٍ تُميزه عن غيرِه. ثالثًا: أنَّ المجتهدَ عالمٌ بالحكِم الشرعي، وإنْ لم يجتهدْ في المسألةِ؛ وذلكَ بالقوةِ القريبةِ مِن الفعلِ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ وأدواتِه فيه (١)، وبناءً عليه، فعلى المجتهدِ الاجتهاد، ما لم يتعذرْ عليه. رابعًا: أنَّ الاجتهادَ كمالٌ، والتقليدَ نقصٌ، والأَولى بالمجتهدِ الأخذ بالكمالِ ما استطاع، وترك ما فيه نقصٌ. خامسًا: في منعِ المجتهدِ مِن التقليدِ إثراءٌ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ بتعددِ الاجتهاداتِ في المسألةِ الواحدةِ، الأمر الذي يؤدي إلى تعددِ الاستدلالاتِ، والجوابِ عن الأدلةِ الضعيفةِ، وكل ذلك يؤدّي إلى نماءِ الفقهِ وازدهارِه. سادسًا: أنَّ فرضَ المجتهدِ الاجتهادُ، والفرضُ يسقطُ بالعجزِ عنه، وعدمِ القدرةِ عليه (٢)؛ يقول الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)،

стр. 390

فهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ كلَّ واجبٍ عَجَزَ عنه المكلّفُ، فإنَّه يسقطُ عنه (١). يقولُ شمسُ الدين بنُ القيّمِ: "إنَّ ما أوجبه اللهُ ورسولُه ... مقيّدٌ بحالِ القدرةِ؛ لأنَّها الحال التي يُؤْمرُ فيها به، وأمَّا في حالِ العجزِ، فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ" (٢). وبناءً على ما تقدم آنفًا، فإن العالم إذا بلغَ رتبةَ الاجتهادِ، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهب أحدِ الأئمةِ، ولعل يقلِّدْ مذهبَه، إلا أنَّه التزمَ الأخذَ بقولِ إمامِه - في الجَملة - فيما إذا تعذَّر عليه الاجتهاد، فإنَّ تمذهبَه في هذه الحالةِ جائزٌ. • سبب الخلاف: بتأمّلِ المسألة بأقوالها وأدلتها، يظهرُ أنَّ للخلافِ عدةَ أسباب: السبب الأول: تعارضُ عموماتِ الأدلةِ الشرعيةِ، فقد وَرَدَت في الكتابِ الكريمِ، والسنةِ المطهرةِ عموماتٌ دالةٌ على المنعِ مِن التقليدِ، وأخرى جاءت دالة على إباحتِه. فمَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المانعةِ، قالَ بمنعِ المجتهدِ مِن تقليدِ غيرِه مِن المجتهدين. ومَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المبيحةِ للتقليدِ قالَ بإباحةِ التقليدِ للمجتهدِ. ومَنْ فصَّلَ في المسألةِ، أَخَذَ بعموماتِ الأدلةِ المانعةِ أو المبيحة، وفضلَ، أو استثنى؛ لأدلةٍ خاصةٍ. السبب الثاني: الترددُ في إلحاقِ المجتهدِ الذي لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا، أو لم يتوصلْ فيها إلى رأي محددٍ، بالمجتهدين، أو بالعوامِّ:
следующие страницы →