← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مناقشة الدليل الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المجتهدِ والعامي؛ إذ العامي عاجزٌ عن الاجتهادِ؛ لفقدِه آلته، بخلافِ المجتهدِ، فإنَّه متمكنٌ مِن الاجتهادِ، وبناءً عليه لا يصحُّ إلحاقُ المجتهدِ بالعامي، ونظيرُهما مَنْ لم يجدْ ماءً ولا سترةً، لا يُلْحَقُ به مَنْ يقدرُ على الماءِ والسترةِ، لكنَّه يخافُ فوات الوقتِ لمن استعملهما (١). وقولُكم عن المجتهد: "لا يتمكن من الوصول إلى الحكم"، غيرُ مسلّمٍ؛ بلْ للمجتهدِ قدرةٌ على الاجتهادِ، وهذه القدرةُ توصلُه إلى تحصيلِ الحُكمِ (٢). الدليل الثالث: أنَّ المجتهدَ في حالِ ضيقِ الوقتِ مضطرٌ إلى التقليدِ؛ فإنَّه لو اجتهدَ فاتته العبادةُ، وأخرّها عن وقتِها، وهذا لا يجوز؛ فساغَ له التقليدُ (٣). مناقشة الدليل الثالث: إذا كانت العبادةُ مِن العبادات التي يجوزُ تأخيرُها لعذرٍ، صار عدمُ اجتهادِ المجتهدِ عذرًا له في التأخيرِ، وإنْ كانت العبادةُ مِن العباداتِ التي يجوزُ تأخيرُها عن وقتِها، أدّاها على حسب حالِه، ثم يعيدُها إذا اجتهدَ، فلا تُوجدُ ضرورةٌ إلى التقليدِ (٤). يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "أمَّا دعواهم أنَّه - أي: المجتهد - مضطرٌ إلى التقليدِ، فغيرُ صحيح؛ لأنَّه إذا نَظَرَ وصدقَ الاجتهاد، هَجَمَ به على الحكمِ، فلا ضرورةَ إلى ما تشيرُ إليه مِنْ ضيقِ الوقتِ. والوقتُ ظرفٌ، والاجتهادُ شرطٌ، فلا يسقط الشرطُ؛ لضيقِ الظرفِ،

стр. 387

كسائرِ العباداتِ المؤقتةِ، لا يجوزُ تركُ شروطِها؛ لخوفِ فواتِها، ولأن يُجعل الإشكالُ في الدليلِ عذرًا مبيحًا للتأخيرِ، أولى مِنْ أن يُجعلَ عذرًا لإسقاطِ الاجتهادِ، والرجوعِ إلى التقليدِ" (١). وأجيب عن تجويزِهم أداء العبادةِ في وقتِها مع عدمِ التقليدِ: بأنَّه لا يجوزُ أداءُ العبادةِ مع الجهلِ، مع إمكانيةِ حصولِ أدنى ظنٍّ بحكمِها، فإذا أدَّى المجتهدُ العبادةَ بتقليدِ غيرِه، فقد حصّلَ أدنى ظنٍّ بحكمِها، وهذا خيرٌ مِنْ أدائِها مع الجهلِ (٢). الدليل الرابع: في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مع ضيقِ الوقتِ، تحصيلٌ للعملِ في الوقتِ المحددِ بقولِ مجتهدٍ ما، وهذا أولى مِنْ إخلاءِ الوقتِ عن وظيفتِه؛ لتوقّعِ ظهورِ الحكمِ بالاجتهادِ (٣). أدلة أصحاب القول الخامس: استدلَّ أصحابُ القولِ الخامسِ (القائلون بجواز تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين فيما يخصه، دون ما يفتي فيه) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: يجوزُ للمجتهدِ التقليدُ في الأمورِ التي تخصّه؛ لأنَّه محتاجٌ إلى التقليدِ؛ ليعملَ، أمَّا في الفتوى، فهو غيرُ محتاجٍ إلى التقليدِ، فلا تجوزُ له الفتوى بناءً على التقليدِ، لأنَّ له أنْ يحيلَ على غيرِه (٤). مناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ لكم أنَّ المجتهدَ محتاجٌ إلى التقليدِ فيما إذا عملَ؛ بلْ هو محتاج إلى معرفةِ الحكمِ الشرعي، وتحصلُ معرفةُ الحكمِ بالاجتهادِ، لا بالتقليدِ (٥).

стр. 388

الدليل الثاني: أنَّ غرضَ المستفتي للمجتهدِ الأخذُ برأي المجتهدِ نفسِه، لا رأي غيرِه، وما دام المسؤولُ ليس عنده رأي في المسألةِ، فليس له أنْ يفتيَ فيها برأي غيرِه؛ لعدمِ السؤالِ عنه. أمَّا في خاصة نفسِه، فله أنْ يقلِّدَ مَنْ شاء؛ لوثوقِه به (١). ويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّه لا فرقَ بين الحالين: عمل المجتهدِ، وإفتائه؛ لأنَّ القولَ إنْ كان راجحًا يجوزُ الأخذُ به للعملِ وللإفتاءِ، وإنْ كان مرجوحًا لم يجز العمل به، ولا الإفتاءُ (٢). أدلةُ أصحاب القولِ السادس: استدلَّ أصحابُ القولِ السادسِ (القائلون بجواز تقلَيد المجتهد لغيره من المجتهدين عند تعذر الاجتهاد) بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الواجبَ في الشرعِ يسقطُ بالعجزِ عنه، وهنا المجتهدُ عاجزٌ عن الاجتهادِ، فينتقلُ إلى بدلِه، وهو التقليد، ويكونُ حالُ المجتهدِ كحالِ مَنْ عَدِم الماءَ ينتقلُ إلى التيمم (٣). الدليل الثاني: أنَّ المجتهدَ في حالِ عجزِه عن الاجتهادِ - لأي سبب - بمنزلةِ العامي، فيجوزُ له التقليدُ (٤). • الموازنة والترجيح: بعد عرضِ أهمِّ الأقوالِ في المسألة وأدلتها، وما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ، يظهرُ لي رجحانُ القولِ السادسِ، وهو منعُ المجتهدِ مِنْ تقليدِ

стр. 389

غيرِه مِن المجتهدين إلا إذا تعذَّرَ عليه الاجتهادُ تعذرًا حقيقًا؛ لأي سببٍ كان، إذا ظنَّ أنَّه لنْ يتوصلَ إلى رأي راجحٍ في المسألة، لكنْ لا بُدَّ أن تطمئنَ نفسُه إلى القولِ الذي قلَّدَ فيه المجتهدَ الآخر. وقد رجحتُ ما سبقَ للآتي: أولًا: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ، وأَوْلى مَنْ تتوجه إليه تلك الأدلة هو المجتهدُ، واستثني مِنْ هذا العموم المجتهدُ إذا تعذَّر عليه الاجتهادُ. ثانيًا: أنَّ أهمَّ ما يتميز به المجتهدُ عن غيرِه مِن العلماء الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ، والعوامِّ، هو: إمكانيةُ التوصلِ إلى الحكمِ الشرعي بطريقٍ صحيحٍ، فإذا تَرَكَ الاجتهادَ في الشرع، ورَكَنَ إلى التقليدِ، فقد تَرَكَ أهمَّ خصلةٍ تُميزه عن غيرِه. ثالثًا: أنَّ المجتهدَ عالمٌ بالحكِم الشرعي، وإنْ لم يجتهدْ في المسألةِ؛ وذلكَ بالقوةِ القريبةِ مِن الفعلِ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ وأدواتِه فيه (١)، وبناءً عليه، فعلى المجتهدِ الاجتهاد، ما لم يتعذرْ عليه. رابعًا: أنَّ الاجتهادَ كمالٌ، والتقليدَ نقصٌ، والأَولى بالمجتهدِ الأخذ بالكمالِ ما استطاع، وترك ما فيه نقصٌ. خامسًا: في منعِ المجتهدِ مِن التقليدِ إثراءٌ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ بتعددِ الاجتهاداتِ في المسألةِ الواحدةِ، الأمر الذي يؤدي إلى تعددِ الاستدلالاتِ، والجوابِ عن الأدلةِ الضعيفةِ، وكل ذلك يؤدّي إلى نماءِ الفقهِ وازدهارِه. سادسًا: أنَّ فرضَ المجتهدِ الاجتهادُ، والفرضُ يسقطُ بالعجزِ عنه، وعدمِ القدرةِ عليه (٢)؛ يقول الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)،

стр. 390

فهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ كلَّ واجبٍ عَجَزَ عنه المكلّفُ، فإنَّه يسقطُ عنه (١). يقولُ شمسُ الدين بنُ القيّمِ: "إنَّ ما أوجبه اللهُ ورسولُه ... مقيّدٌ بحالِ القدرةِ؛ لأنَّها الحال التي يُؤْمرُ فيها به، وأمَّا في حالِ العجزِ، فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ" (٢). وبناءً على ما تقدم آنفًا، فإن العالم إذا بلغَ رتبةَ الاجتهادِ، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهب أحدِ الأئمةِ، ولعل يقلِّدْ مذهبَه، إلا أنَّه التزمَ الأخذَ بقولِ إمامِه - في الجَملة - فيما إذا تعذَّر عليه الاجتهاد، فإنَّ تمذهبَه في هذه الحالةِ جائزٌ. • سبب الخلاف: بتأمّلِ المسألة بأقوالها وأدلتها، يظهرُ أنَّ للخلافِ عدةَ أسباب: السبب الأول: تعارضُ عموماتِ الأدلةِ الشرعيةِ، فقد وَرَدَت في الكتابِ الكريمِ، والسنةِ المطهرةِ عموماتٌ دالةٌ على المنعِ مِن التقليدِ، وأخرى جاءت دالة على إباحتِه. فمَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المانعةِ، قالَ بمنعِ المجتهدِ مِن تقليدِ غيرِه مِن المجتهدين. ومَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المبيحةِ للتقليدِ قالَ بإباحةِ التقليدِ للمجتهدِ. ومَنْ فصَّلَ في المسألةِ، أَخَذَ بعموماتِ الأدلةِ المانعةِ أو المبيحة، وفضلَ، أو استثنى؛ لأدلةٍ خاصةٍ. السبب الثاني: الترددُ في إلحاقِ المجتهدِ الذي لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا، أو لم يتوصلْ فيها إلى رأي محددٍ، بالمجتهدين، أو بالعوامِّ:

стр. 391

فمَنْ نَظَرَ إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ في المجتهدِ، وتوافر آلةِ الاجتهادِ فيه، ألحقه بالمجتهدين، وألزمه بالاجتهادِ، ومنعَه مِن التقليدِ. ومَنْ نَظَرَ إلى عدمِ علمِ المجتهدِ بحكمِ المسألةِ، ألحقه بالعوامِّ، وأباح له التقليدَ، ولم يمنعْه منه. يقولُ الطوفيُّ: "المسألةُ المتنازَعُ فيها واسطةٌ بين طرفين؛ فتجاذباها، وذلك؛ لأنَّ العاميَّ يقلِّدُ باتفاقٍ، والمجتهدُ إذا ظنَّ الحكمَ باجتهادٍ لا يقلِّد باتفاقٍ. أمَّا المجتهدُ الذي لم يجتهدْ في الحكمِ، ولم يظهرْ له، فهو مترددٌ بين الطرفين: فبالنظرِ إلى أنَّه لم يحصلْ له ظنُّ الحكمِ يُلحقُ بالعامي، وبالنظرِ إلى أنَّ فيه أدواتِ الاجتهادِ - وهو قادرٌ على معرفةِ الحكمِ بقوتِه القريبةِ مِن الفعلِ - يُلحقُ بالمجتهدِ الذي ظنَّ الحكمَ، في عدمِ جوازِ التقليدِ" (١). السبب الثالث: هل كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ؟ تُعدُّ مسألة: (التصويب والتخطئة) إحدى المسائلِ الأصوليةِ التي طالَ الحديثُ والخلافُ فيها، ولها أثرٌ في عددٍ مِن المسائلِ الأصوليةِ، ويمكن ردُّ الخلافِ في مسألةِ: هل للمجتهد أنْ يُقلِّدَ غيرَه من المجتهدين؟ إليها. فمَنْ قال: الحقُّ واحدٌ، وليس كلّ مجتهدٍ مصيبًا، مَنَعَ مِنْ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين. ومَنْ قال: الحقُّ متعددٌ، وكلّ مجتهدٍ مصيبٌ، جوّز للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن المجتهدين؛ لأنَّ المجتهدين جميعَهم مصيبون.

стр. 392

يقول بدرُ الدين الزركشي: "في جوازِ تقليدِ المجتهدِ لمجتهدِ آخر خلافٌ ... وينبغي التفاتُ الخلافِ على الخلافِ في أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، أم لا؟ " (١). السبب الرابع: مدى اعتبارِ حالةِ المجتهدِ إذا ضاق عليه الوقتُ، أو تعذّر عليه الاجتهادُ حالة حاجةٍ أو ضرورةٍ؛ ليقلِّدَ غيرَه. فمَنْ لم يعتبرْ حالةَ المجتهدِ إذا ضاقَ عليه الوقتُ، أو تعذّر عليه الاجتهادُ حالةَ حاجةٍ أو ضرورةٍ، مَنَعَ المجتهدَ مِنْ تقليدِ غيرِه. ومَن اعتبرَ حالةَ المجتهدِ إذا ضاقَ عليه الوقتُ، أو تعذَّر عليه الاجتهادُ حالةَ حاجةٍ أو ضرورةٍ، أباحَ للمجتهدِ تقليدَ غيرِه. المسألة السادسة: مذهب العامي المرادُ بالمسألةِ: هل للعامي مذهب؟ بحيثُ يصحُّ تمذهبُه به. والمرادُ بالعامي في مسألتنا: العاميُّ الصِرْفُ، الذي لم يحصّلْ شيئًا مِن العلومِ المعتبرةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ (٢)، ويخرجُ بذلك: أولًا: المجتهد. ثانيًا: العالم الذي ارتفع عن رتبةِ العامي الصرفِ؛ بتحصيلِ بعضِ العلومِ المعتبرةِ، ولم ينلْ رتبةَ الاجتهادِ، وهو على مراتب متفاوتة (٣). • الأقوال في المسألة: إذا تقرر ما تقدم، فإنَّ العلماءَ قد اختلفوا في العامي هل له مذهب؟ على قولين:

стр. 393

القول الأول: أنَّ العافي لا مذهبَ له. وهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (١)، وعند الحنابلةِ (٢). ونقل أبو القاسمِ الرافعي أنَّ أبا الفتحِ الهروي (٣) نسبه إلى عامةِ الشافعيةِ (٤). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ القيم (٥)، وجلالُ الدينِ السيوطي (٦)، وشاه ولي الدهلوي (٧)، وصالحٌ الفلاني (٨)، وابنُ عابدين (٩)، ومحمدٌ الباني (١٠)،

стр. 394

ومحمد بخيت المطيعي (١)، وأحمد بن الصديق الغماري (٢)، ومحمد السنهوري (٣)، والدكتور محمد مدكور (٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (٥)، والدكتور يوسف القرضاوي (٦)، والدكتور سليمان الأشقر (٧). والقول الأول هو ظاهر قول أبي الفتح الشهرستاني (٨).

стр. 395

القول الثاني: أن للعامي مذهبًا. وهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (١)، وعند الحنابلةِ (٢). واختاره: القفالُ المروزي الشاشي (٣)، وأبو القاسمِ الرافعي (٤)، ومحيي الدين النووي (٥)، وابنُ رسلان الرملي (٦). • أدلة القولين: أدلةُ أصحاب القول الأول: استدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ المذهبَ إنَّما يكونُ لمَنْ يعرفُ الأدلةَ، ويكونُ له نوعُ نظرٍ واستدلالٍ، وبصرِ بالمذهبِ، أو لمنْ قَرَأَ كتابًا في فروعِ المذهبِ، وعَرَفَ فتاوى إمامِه، ومَنْ لم تكنْ له الأهليةُ، وقال: أنا على مذهبِ أحمدَ مثلًا، لم يصرْ كذلك بمجردِ قولِه (٧). الدليل الثاني: لو قال العاميُّ: أنا نحوي، أو فقيهٌ، أو أصولي، لم يصر كذلك بمجردِ قولِه، فكذا الأمرُ فيما إذا قال: أنا حنبلي مثلًا، لم يصرِ كذلك بمجردِ قولِه (٨).

стр. 396

دليلُ أصحاب القول الثاني: أنَّ العاميَّ اعتقدَ أنَّ المذهبَ الذي انتسب إليه هو الحقّ، ورجّحه على غيرِه، فصحَّ ثبوتُ المذهبِ له، وعليه الوفاءُ بموجبِ اعتقادِه (١). مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: لا قيمةَ لاعتقادِ العامي أنَّ مذهبَه هو الحقّ؛ إذا لم تكن لديه أهليةُ معرفةِ المذهبِ الذي نَسَبَ نفسَه إليه. ثم يلزم مِنْ قولِكم لوازم فاسدة، منها: تحريمُ استفتاءِ العامي علماء غيرِ المذهبِ الذي انتسب إليه، وتحريمُ أخذِه بقولٍ أرجح مِنْ مذهبِ إمامِه (٢). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ تأمّل القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ إنَّ العاميَّ لا مذهبَ له؛ وذلك للآتي: أولًا: أن قولَ العامي: أنا حنبلي أو حنفي مثلًا، مجرّدُ قولٍ، لا قيمةَ له، وليس له أيّ أثرٍ؛ تمامًا كما لو قال: أنا نحوي، لا قيمة لقولِه، إلا إنْ كان بصيرًا بعلمِ النحوِ. ثانيًا: أنَّ حقيقةَ قولِ العامي: أنا حنبلي أو شافعي، زعمٌ أنَّه متبعٌ لذلك الإمامِ، سالك طريقَه، وهذا إنَّما يصحُّ، إذا سَلَكَ سبيلَه في العلمِ والفقهِ والاستدلالِ، فأمَّا مع جهلِه، وبعدِه عن العلمِ، فلا تصحُّ له دعوى الانتسابِ إلى المذهبِ (٣). • نوع الخلاف: يظهرُ أنَّ الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في مسألةٍ

стр. 397

أصوليةٍ، وهي: إن انتسب العاميُّ إلى مذهبٍ، فهل له أنْ يقلّد غيرَ المذهب الذي انتسب إليه؟ (١). على قول مَنْ قال: إنَّ العاميَّ لا مذهبَ له، له أنْ يقلّدَ، ويستفتي غيرَ المذهبِ الذي انتسبَ إليه. وعلى قولِ من قال: للعامي مذهبٌ، ليس له أنْ يقلِّدَ، ولا يستفتي غيرَ مذهبِه الذي انتسب إليه؛ لأنَّه يعتقده أرجح مِنْ غيرِه، فعليه الوفاءُ بموجبِ اعتقادِه (٢). هذا مِنْ حيثُ الأصلُ، وقد بيّن أبو الفتح الشهرستاني أنَّ أربابَ القولين كليهما قد ذهب إلى أنَّ العامي ليس له أن يأخذَ بغيرِ مذهبِه الذي انتسبَ إليه؛ خروجًا مِن تخبطِ العامي في الأحكامِ وخلطِه فيها (٣).

стр. 398

المطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه) وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح المسألة الثانية: محل التمذهب المسألة الثالثة: شروط نقل المذهب المسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب المسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب

стр. 399

المسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح تقدَّمَ لنا في أوائلِ البحثِ الحديثُ عن تعريفِ المذهبِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ، فأغنى عن إعادتِه. المسألة الثانية: محل التمذهب المرادُ بمحلِّ التمذهبِ - أو مجال التمذهب -: المسائلُ التي يُمكنُ الأخذُ بها على سبيلِ التمذهبِ، منسوبةً إلى مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ. مِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ التمذهب، يظهرُ لي أنَّ محلَّه هو: المسائلُ الأصوليةُ والفقهيةُ ممَّا يصحُّ فيه الاجتهَادُ. وذلك لأنَّ التمذهبَ فرعٌ عن الاجتهادِ، فإذا لم يُوجد اجتهادٌ لم يُوجدْ تمذهبٌ. يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "المذهبُ: ما يصحُّ فيه الاجتهادُ خاصّةً" (١). ومِن المسائل الشرعيةِ العلميةِ والعمليةِ ما هو مقطوعٌ بها، ومنها ما هو مظنونٌ، ومحلُّ التمذهبِ - سواء أكان في الأصولِ، أم في الفروعِ - الأحكامُ المظنونةُ. وقبلَ ذكرِ المسائلِ التي تدخلُ تحتَ التمذهبِ - في ضوءِ ما قرره الأصوليون في مجالِ الاجتهادِ - أُحِبُّ أن أشيرَ إلى أنّ العلماءَ قد اختلفوا، هل في أصولِ الفقه ما هو ظني؟ (٢).

стр. 400

ولنْ أتعرضَ إلى الخلافِ في المسألةِ، لكنَّي سأسيرُ في ضوءِ الاتجاه القائلِ إنَّ مِنْ أصولِ الفقه ما هو ظني؛ لأنَّ هذا هو ما يتفقُ وواقعَ المؤلفاتِ الأصوليةِ حينَ ننظرُ في الخلافِ المذكورِ في بعضِ المسائلِ، والذي يبعدُ معه كونُ كلِّ مسائلِ أصولِ الفقه قطعية. وقد نصَّ غيرُ واحدٍ مِن الأصوليين على إدخالِ أصولِ الفقهِ في المجتَهَدِ فيه، يقول بدرُ الدين الزركشي: "المجتَهَد فيه: كلُّ حُكْمٍ شرعي عملي أو علمي - يُقصد به العلم - ليس فيه دليلٌ قطعي ... والمراد بالعلمي: ما تضمنّه علمُ الأصولِ مِن المظنوناتِ التي يستندُ العملُ إليها" (١). ويقولُ الطوفيُّ: "أحكامُ الشريعةِ ... أقسامٌ ... منها: أنْ يستندَ إلى دليلٍ ظني - يحتمل النقيضَ احتمالًا قويًا - فهو اجتهادي، كأحكامِ الفروعِ الفقهيةِ، وأكثرِ أصولِ الفقهِ" (٢). ويقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "إنَّ أصولَ الفقهِ لا يُطلبُ لها القطعيات مِن الأدلة؛ إذ كانتْ إلى إثباتِ الأحكامِ أقرب، وعن أصولِ الدينِ أبعد" (٣). وحين عَرَض جمعٌ مِن الأصوليين مسألة: (المجتَهَد فيه)، أغفلوا قيدَ: (عملية)؛ بحيثُ تدخلُ المسائلُ العلميةُ - كأصولِ الفقهِ - التي ثبتتْ بدليلٍ غيرِ قاطعٍ في المجتَهَدِ فيه، ومن هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (٤)، والفخرُ

стр. 401

الرازي (١)، والآمديُّ (٢)، وصفيُّ الدين الهندي (٣). وقد يُقالُ: إنَّ بعضَى هؤلاءِ صرَّحَ في موطنٍ آخر بأنَّ أصولَ الفقهِ قطعيةٌ. وبعد هذا أقول: محلُّ التمذهبِ هو أصولُ الفقهِ والفقهُ (٤)، ممَّا لم يقمْ عليه دليلٌ قاطعٌ. وهذا يشملُ أمورًا: أولًا: مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ (٥). ممَّا هو محلٌّ للاجتهادِ مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ، وبناءً عليه، فهي محلٌّ للتمذهبِ. وهذا التقريرُ آنفُ الذكرِ بناءً على أنَّ مِنْ أصولِ الفقهِ ما هو ظني، كحجيةِ القراءةِ الشاذةِ وعملِ أهلِ المدينةِ (٦) ومفهومِ المخالفةِ وحجيةِ

стр. 402

الاستحسانِ (١). ويُلحقُ بالأصولِ القواعدُ والضوابطُ الفقهيةُ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ؛ كقاعدة: (الغالبُ كالمحققِ)، و (الحوالةُ بيعٌ). يقولُ الطوفيُّ حين مثّلَ للظنيات: "وبعضُ المسائلِ الأصوليةِ، كقولِنا: الأمرُ للوجوبِ والفورِ ونحوِه؛ فإنَّ قائلَ ذلك لا يقطعُ به، بل يترجحُ عند" (٢).

стр. 403

ويقولُ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور عن الأصوليين: "لم نرَهم دوّنوا في أصولِ الفقهِ أصولًا قواطع يُمكنُ توقيف المخالفِ عند جريه على خلافِ مقتضاها، كما فعلوا في أصولِ الدّينِ، بلْ لم نجد القواطعَ إلا نادرةً! مثلُ: ذكر الكليات الضرورية ... وما عدا ذلك فمعظمُ أصولِ الفقهِ مظنونةٌ" (١). ويقولُ الدكتورُ محمدٌ الدسوقي: "مِن المعروفِ أنَّ لبعضِ المذاهب الفقهيةِ أصولًا فقهيةً، يعوَّلُ عليها في استنباطِ الأحكامِ، فالأحنافُ لهَم أصولٌ تختلفُ في بعضِها عن غيرِهم مِن الفقهاءِ، وللإمامِ مالكٍ بعضُ القواعدِ التي يقومُ عليها مذهبُه، كعملِ أهلِ المدينةِ، فضلًا عن أنَّ الفقهاءَ يختلفون حولَ طرقِ الاجتهادِ: كالقياسِ والاستحسانِ ... فمثلُ هذه القضايا الأصولية ظنيةٌ، وليست قطعيةً، ومِنْ ثمَّ اختلفتْ حولها الآراءُ، وكانت مجالًا للاجتهادِ" (٢). ثانيًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ نقلي ظني، وهي على ثلاثةِ أنواعِ: النوع الأول: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، ظني الدلالةِ (٣). إذا ثبتَ حكمُ مسألةٍ فقهيةٍ؛ بدليلٍ ظني الثبوتِ، كخبرِ الواحدِ الذي لم تحتفَّ به قرائنُ، وظني الدلالةِ، كالعموم: فإنَّ الحكمَ المستفادَ مِن

стр. 404

الدليلِ يعتبرُ محلًا للاجتهادِ في جانبي: الثبوتِ والدلالةِ، وبناءً عليه يكونُ محلًا للتمذهبِ. وذلك مثلُ: قولِ النبي ﷺ : (لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ) (١)، فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني، لأنَّه خبرٌ واحدٍ، وكذلك الأمر مِنْ جهةِ دلالتِه على إيجابِ قراءةِ الفاتحةِ على المصلي. النوع الثاني: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ (٢). تكونُ المسائلُ الفقهيةُ الثابتةُ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ، محلًا للاجتهادِ في جانبِ الثبوتِ فحسب، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ الظني محلًا للتمذهبِ. مثال ذلك: قولُ النبي ﷺ : (ليس فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ (٣) صدقةٌ) (٤)،

стр. 405

فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني؛ لأنَّه غيرُ متواترِ، لكنَّه قطعي في دلالتِه، لأنَّ لفظَ العددِ مِن ألفاظِ النصِّ على الحكمِ، ويكون الحكمُ مجالًا للاجتهادِ في ثبوتِه فقط، دونَ دلالتِه. النوع الثالث: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة (١). ما ثَبَتَ مِن المسائلِ الفقهيةِ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة محلٌّ للاجتهادِ في جانبِ الدلالةِ فقط، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ محلًا للتمذهبِ. أمثلة ذلك: المثال الأول: عدّةُ المطلقةِ، أهي بالحيضِ، أم بالطهرِ؟ ومردُّ الخلافِ إلى تفسيرِ القُرءِ في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢). المثال الثاني: الخلافُ في مقدارِ ما يمسحُ مِن الرأسِ في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣).

стр. 406

ثالثًا: المسائلُ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقلي أصلًا (١). مِن النوازلِ ما لم يَرِدْ بشأنِه دليلٌ مِن الكتاب، ولا مِن السنةِ، ولا مِن الإجماعِ، فيُطلبُ حكمُها مِن الأدلةِ الأخرى، كالقياس والاستحسان ونحوهما، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مجالًا للاجتهادِ، وبناءً عليه يكون محلًا للتمذهبِ. المسائل التي ليست مجالًا للتمذهب: هناك عددٌ مِن المسائلِ ليست مجالًا للتمذهبِ، وهي: أولًا: القواعدُ والأصولُ التي ثبتتْ بالدليلِ القاطعِ (٢). ما كان مِن الأصولِ والقواعدِ ثابتًا بدليلٍ قطعي، فليس محلًا للاجتهادِ، وذلك مثل: حجيةِ القرآنِ الكريمِ في إثباتِ الأحكامِ الشرعيةِ، وقاعدةِ: (الأمور بمقاصدها)، وبناءً عليه ليستْ الأصول والقواعد القطعية محلًا للتمذهبِ، فلا يصحُّ أنْ يُقالَ مثلًا: مذهبُ مالكٍ أنَّ القرآنَ حجةٌ (٣). وأنبّه إلى أنَّ القاعدةَ الأصوليةَ، والقاعدةَ الفقهيةَ قد تكونانِ قاطعتينِ - فلا تكونانِ مجالًا للتمذهبِ - لكنْ في ضمنِ مسائلهما ما هو غيرُ قطعي، فيكون مجالًا للتمذهبِ.

стр. 407

يقولُ الدكتورُ محمد الدسوقي: "القواعدُ الكليةُ التي أُخذتْ مِن الشريعة بنصٍّ صريحٍ، أو استُنبِطَتْ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ بطريقِ استقراءِ الأحكامِ الواردةِ فيهما، أو استُنْبطَت مِنْ عمومِ العلةِ التي رُبطَ بها بعضُ الأحكامِ، ويُمثل للأُولى بقاعدةِ: (لا ضرر ولا ضرار (١)) (٢)، وقاعدةِ:

стр. 408

(البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر) (١) ... ويمثل للنوع الثاني مِن

стр. 409

القواعدِ التي استُنْبِطَت مِن النصوصِ بقاعدةِ: (المشقة تجلب التيسير)، كما يُمثلُ للنوعِ الثالثِ مِن القواعدِ التي استُنْبِطَت مِن عمومِ العلةِ بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك). فهذه الأنواعُ الثلاثةُ مِن الأحكامِ قطعيةٌ، وليستْ مجالًا للاجتهادِ" (١). ثانيًا: ما عُلِمَ مِن الدّينِ بالضرورةِ (٢). الأحكامُ الشرعيةُ المعلومةُ مِن الدّينِ بالضرورةِ، كوجوب الصلاةِ والصيامِ، وتحريمِ الربا والخمرِ، ونحوها، ليستْ محلًا للاجتهَادِ، وبناءً

стр. 410

عليه ليستْ مجالًا للتمذهبِ (١). ولا تصحُّ في هذه الأحكامِ النسبةُ المذهبيةُ، فلا يُقال مثلًا: مذهبُ الإمامِ أحمد بن حنبل وجوبُ الصلواتِ الخمسِ. يقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: "لو قال قائل: وجوبُ الخمسِ الصلواتُ في كلِّ يوم، هو مذهبُ مالكٍ، لَنَبَا عنه السمعُ، ونَفَرَ منه الطبعُ، ونُدْرِكُ بالضرورةِ فرقًا بين هذا القولِ، وبين قولِنا: وجوبُ التدليكِ في الطهاراتِ مذهبُ مالكٍ، ووجوبُ الوترِ مذهبُ أبي حنيفةَ" (٢). ويقولُ الشيخ محمدٌ الحجوي (٣): "لا يُقال في نحوِ وجوبِ

стр. 411

الزكاةِ ... : إنَّه مذهبُ مالكٍ والشافعى مثلًا، فالسمعُ يمجُّ ذلك ... " (١). ثالثًا: المسائلُ التي ثبتتْ بالإجْماعِ القاطعِ (٢). الأحكامُ الشرعيةُ الثابتةُ بإجماع قاطعٍ ليستْ محلًا للاجتهادِ، وبناءً عليه لا تكونُ مجالًا للتمذهبِ؛ لأن الحكمَ المستفادَ مِن الدليلِ حكمٌ قطعي. مثال ذلك: توريثُ الجدةِ السدس (٣)، وبطلانُ نكاحِ المسلمةِ بالكافر (٤). رابعًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوتِ، قطعي الدلالةِ (٥). مِن الأحكامِ الفقهيةِ أحكامٌ ثَبَتَتْ بدليلٍ قطعي في ثبوتِه، قطعي في دلالتِه، فهذه الأحكامُ ليست محلًا للاجتهادِ، وبناءً عليه، لا تكونُ محلًا للتمذهبِ.

стр. 412

مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١)، دلت الآيةُ الكريمةُ على حكمٍ مقطوعٍ به، وهو الجلدُ ثمانين جلدةً لمَنْ يرمي المحصناتِ (٢). المسأله الثالثة: شروط نقل المذهب حَوَت المذاهبُ الفقهيةُ عددًا كبيرًا مِن المؤلفاتِ المحتويةِ على كمٍّ هائلٍ مِن المسائلِ المنسوبةِ إلى المذهبِ، وإذا أراد الناظرُ معرفةَ المذهب ونقلَه، فلهذا طرقٌ، ولكلِّ طريقٍ منها شروطٌ تخصّه، وإليكَ بيانها: الطريق الأول: ما صنّفه إمامُ المذهبِ. الطريق الثاني: ما نقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ، ومعاصروه. الطريق الثالث: ما دوّنه أربابُ المذهب في مؤلفاتِهم الأصوليةِ والفقهية. الطريق الأول: ما صنّفه إمامُ المذهبِ. تقدَّم لنا الحديثُ عمّا صنّفه إمامُ المذهبِ باعتبارِه أحد الطرقِ الدالة على قولِه، وعن أحوالِ ما يذكرُه إمامُ المذهبِ باعتبارِ دلالتِه على قولِه. يقولُ ابنُ الهمامِ الحنفي: "طريقُ نقلِه - أيْ: المفتي - عن المجتهدِ أحدُ أمرين: إمَّا أنْ يكونَ له فيه سندٌ إليه، أو يأخذَه مِنْ كتابِ معروفٍ" (٣). وحديثي هنا عن الشروطِ الواجبِ توافرها لنقلِ مذهبِ الإمامِ مِنْ كتابِه.

стр. 413

ينبغي أنْ تكونَ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ دقيقةً؛ لما يترتبُ على ثبوتِها مِنْ آثار شرعيةٍ في الأخذُ بالقولِ، والاعتداد به في الخلافِ (١). ويشترطُ لنسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ما ألَّفه الشروطُ الآتيةُ: الشرط الأول: ثبوتُ نسبةِ الكتابِ إلى إمامِ المذهبِ (٢). يُشترطُ لمنْ أرادَ أنْ يأخذَ أقوالَ إمامِ المذهبِ مِنْ مؤلَّفٍ له أنْ تثبتَ نسبةُ المؤلَّفِ إليه، أمَّا إذا لم تصحَّ نسبةُ الكتاب إليه، فلا يسوغُ أخذُ ما فيه، ونسبتُه إلى إمامِ المذهبِ؛ لأنَّه لا يصحُّ أنَّ ننسبَ أقوالًا بناءً على كتابٍ منحولِ النسبةِ. وتأتي أهميةُ هذا الشرطِ؛ نظرًا لوجودِ مؤلفات منسوبةٍ إلى بعضِ الأئمةِ لا تصحُّ نسبتُها إليهم. أمثلة للكتب المنحولة النسبة: المثال الأول: رسالةُ أحمدَ بن جعفر الاصطخري (٣) المنسوبة إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل (٤): ضعّفَ جمعٌ مِن المحققين نسبةَ هذه الرسالةِ إلى الإمامِ أحمدَ، منهم:

стр. 414

شمسُ الدين الذهبي (١)، وابنُ الوزيرِ (٢)، فلا تصحُّ نسبة قولٍ إلى الإمامِ أحمدَ بناءً على ما جاءَ في هذه الرسالةِ. المثال الثاني: رسالة الصلاةِ المنسوبة إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل (٣). ضعّفَ نسبةَ رسالةِ الصلاةِ إلى الإمامِ أحمدَ جمعٌ مِن المحققين، منهم: شمسُ الدينِ الذهبي (٤)، والشيخُ محمد ناصر الدين الألباني (٥).

стр. 415

وليس المقامُ مقامَ تحقيقِ نسبةِ هاتين الرسالتين، بل المقصودُ التمثيلُ فحسب. وإذا ثبتتْ صحةُ نسبةِ الكتابِ إلى إمامِ المذهبِ، ساغَ أخذُ أقوالِه منه. ولا يشترطُ للنقلِ عن كتبِ الأئمةِ وجودُ إسنادٍ إليها. يقولُ أبو بكرٍ الجصاص: "أمّا ما يُوْجَدُ مِنْ كلامِ رجلٍ ومذهبِه في كتابٍ معروفٍ به، قد تناولته النسخُ، فإنَّه جائزٌ لمنْ نَظَرَ فيه أنْ يقولَ: قالَ فلانٌ كذا، ومذهبُ فلانٍ كذا، وإنْ لم يسمعْه مِنْ أحدٍ ... لأنَّ وجودَ ذلك على هذا الوصفِ بمنزلةِ خبرِ التواترِ والاستفاضةِ، لا يحتاجُ مثلُه إلى إسنادٍ ... ولو لم يكنْ هذا هكذا، لما جازَ لأحدٍ أنْ يقولَ لموطأ مالكٍ، أو كتابِ أبي يوسفَ: هذا كتابُ فلانٍ، وهذا كتابُ فلانٍ، إذا لم يكنْ قد سمعه بإسنادٍ" (١). ويقولُ جلالُ الدين السيوطي: "قال الزركشيُّ في جزءٍ له: وحكى الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفراييني الإجماعَ على جوازِ النقلِ مِن الكتبِ المعتمدةِ، ولا يُشترطُ اتصالُ السندِ إلى مصنفيها. وذلك شاملٌ لكتبِ الحديثِ، والفقهِ" (٢). الشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ (٣). لا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ خاليًا مِن التحريفِ والتصحيفِ؛ ليأمنَ الناظرُ فيه مِن الوقوعِ في الخطأ؛ نتيجةً لسوءِ النسخةِ التي وَقَفَ عليها. الشرط الثالث: أنْ يدلَّ كلامُ إمامِ المذهبِ على المسألةِ.

стр. 416

وهذا الشرطُ بيّنُ الظهورِ؛ وقد تقدّم لنا الحديثُ عنْ أحوالِ ما يُورده الإمامُ في مؤلفاتِه مِنْ حيثُ دلالتُه على قولِه واختيارِه. الشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحِ الإمامِ، ومراتبِ ألفاظِه (١). قد يَرِدُ في كلام إمامِ المذهبِ مصطلحٌ يدلُّ على معنى معيّنٍ، شائعٍ في وقتِه، ويخالفه المتأخرون في معناه، ويأتي الخطأُ مِنْ حملِ معنى المصطلحِ الواردِ في كلامِ الإمامِ على ما اصطلحَ عليه المتأخرون، دونَ انتباهٍ إلى اختلافِ الاصطلاحِ. وذلك مثلُ مصطلحِ: (الكراهة) (٢)، فإنَّه يطلقُ في اصطلاحِ المتقدمين على المكروه تنزيهًا، وعلى المحرّمِ، فمَنْ لم يعرف اصطلاحَهم وَهِمَ في نسبةِ القولِ إلى الأئمةِ. الشرط الخامس: عدمُ رجوعِ إمامِ المذهبِ عن قولِه. ممَّا هو معلومٌ أنَّ إمامَ المذهب قد يُجددُ اجتهادَه في بعضِ المسائلِ، وقد ينشأُ عنه رجوعُه عن قولِه الأولِ، وانتقاله إلى قولٍ آخر. فإذا وَقَفَ الناظرُ على قولٍ لأحدِ الأئمةِ مدوَّنٍ في مؤلَّفِه، واحتملَ رجوعُ الإمامِ عنْ قولِه، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يتأكدَ مِنْ بقائِه على القولِ، وعدمِ رجوعِه عنه؛ إذ لو رَجَعَ عن القولِ لما صحّتْ نسبتُه إليه (٣)، وهذا التقريرُ بناءً على أنَّ القولَ المرجوعَ عنه لا يُنسبُ إلى قائلِه، وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ في مطلبٍ مستقلٍّ. ويتصلُ بهذا الشرطِ: ما إذا كان لإمامِ المذهبِ أكثرُ مِنْ مؤلَّفٍ، فممَّا يتأكدُ في هذه الحالةِ النظرُ في بقيةِ مؤلفاتِه؛ ليأمنَ عدمَ رجوعِ إمامِه عنْ قولِه.

стр. 417

الطريق الثاني: ما نقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ، ومعاصروه. تقدم الحديثُ عن أحوالِ ما ينقله تلاميذُ إمامِ المذهب وما يحكونه عنه، وعن حكمِ تفسيرِهم لأقوالِه مِنْ حيثُ صحةُ نسبتِها إليه. والحديثُ هنا عن الشروطِ الواجبِ اجتماعها في الناقلِ عن إمام المذهبِ - سواء أكان تلميذًا له أو معاصرًا - وفي المنقولِ؛ لتثبتَ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ. شروطُ الناقلِ عن إمامِ المذهبِ: يُشترطُ في ناقلِ قولِ إمامِ المذهب ما يُشترطُ في الراوي لأحاديثِ النبي ﷺ (١)؛ لأنَّ المقصدَ في شروطِ الرَاوي لأحاديثِ النبي ﷺ أنْ يكونَ صدُقه، وضبطُه راجحًا على كذبِه، وخطئِه (٢). وهذا المقصدُ مراعى هنا؛ إذ المقصدُ مِنْ شروطِ الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ صدقُ الناقلِ، وضبطُه راجحًا على كذبِه، وخطئِه (٣). يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "إنَّ الناسَ في نقلِ مذاهبِ الأئمةِ قد يكونون بمنزلتِهم في نقلِ الشريعةِ ... وقد تختلفُ الروايةُ في النقلِ عن الأئمةِ، كما يختلف بعضُ أهلِ الحديثِ في النقلِ عنْ النبي ﷺ " (٤). الشرط الأول: الإسلام. يُشترطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ مسلمًا (٥)، فلا يثبتُ القولُ بنقلِ

стр. 418

الكافرِ؛ وذلك للآتي: أولًا: أنَّ الكافرَ لا يتحرجُ مِن الكذب في نقلِه، فهو مُتهمٌ فيما ينقلُه (١). ثانيًا: إذا لم يُقبلْ نقلُ الفاسقِ اتفاقًا، فالكافرُ مِنْ بابٍ أولى (٢). الشرط الثاني: العقل. يُشترطُ في الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ عاقلًا (٣)، فلا يصحُّ الاعتمادُ على ما ينقلُه غيرُ العاقلِ؛ لعدمِ قدرته على ضبطِ ما يسمعُه، ولتمكنِ الخللِ في نقلِه؛ إذ العقلُ أصلُ الضبطِ (٤). يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "أمَّا اشتراطُ العقلِ؛ فلأنَّ الخبرَ الذي يرويه كلامٌ منظومٌ، له معنى معلومٌ، ولا بُدَّ مِن اشتراطِ العقلِ في المتكلمِ مِن العبادِ؛ ليكون قولُه كلامًا معتبرًا، فالكلامُ المعتبرُ شرعًا: ما يكون عن تمييزٍ وبيانٍ، لا عن تلقينٍ وهذيانٍ، أَلا ترى أنَّ مِن الطيورِ مَن يُسمعُ منه حروفٌ

стр. 419

منظومةٌ، ويُسمَّى ذلك لحنًا، لا كلامًا، وكذلك إذا سُمعَ مِنْ إنسانٍ صوتُه بحروفٍ منظومةٍ، لا يدلُّ على معنى معلوم، لا يُسمَّى ذلك كلامًا، فعرفنا أنَّ معنى الكلامِ في الشاهدِ: ما يكون مميّزًا بين أسماء الأعلامِ، فما لا يكون بهذه الصفةِ يكون كلامًا صورةً لا معنى ... فكانَ العقلُ شرطًا في المخبِرِ؛ لأنَّ خبرَه أحدُ أنواعِ الكلامِ، فلا يكون معتبرًا إلا باعتبارِ عقلِه" (١). الشرط الثالث: البلوغ. يُشترطُ في الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ بالغًا (٢)؛ وذلك للآتي: أولًا: أنَّ غيرَ البالغِ لا يَحْذَرُ الكذبَ (٣). ثانيًا: انعَقَدَ الإجماعُ على عدمِ قبولِ روايةِ الفاسقِ؛ لاحتمالِ كذبِه، مع أنَّه يخافُ الله؛ لكونِه مكلَّفًا، واحتمالُ الكذبِ مِن الصبي مع أنَّه لا يخافُ الله تعالى؛ لعدمِ تكليفِه، أظهرُ مِن احتمالِ الكذبِ في حقِّ الفاسقِ، فكان نقلُ غيرِ البالغِ أولى بالردِّ (٤). وهذا الشرطُ معتبرٌ في أداءِ النقلِ، دونَ تحمّلِه، لكنْ لا بُدَّ أنْ يكونَ الراوي مميزًا وقتَ التحمّلِ (٥).

стр. 420

الشرط الرابع: العدالة. يُشترطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ عدلًا (١)؛ وذلك للآتي: أولًا: يقولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٢). وجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنا بالتثبّتِ مِنْ خبرِ الفاسقِ (٣)؛ لأنَّ الغالبَ فيه عدمُ مطابقتِه للواقعِ. ثانيًا: أنَّ الفاسقَ لا يُؤْمَنُ عليه الكذبُ، والتساهلُ في نقلِ ما ليس له أصلٌ (٤). وضابط العدالة: أنَّ كلَّ مَنْ لا يُؤمَنُ منه الجرأةُ على الكذب، فليس بعدلٍ، ومَنْ أُمنتْ منه الجرأةُ على الكذبِ، فهو عدلٌ (٥). يقولُ شهابُ الدين القرافيُّ: "الأصلُ أنْ لا تجوزَ الفتيا إلا بما يرويه العدلُ عن العدلِ عن المجتهدِ الذي يقلِّدُه المستفتي، حتى يصحَّ ذلك عند المفتي" (٦).

стр. 421

الشرط الخامس: الضبط. يُشْتَرطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ ضابطًا لما ينقلُه، متقنًا له (١)؛ لأنَّ مَنْ لم يكنْ حالَ سماعِه ضابطًا؛ ليؤدي ما يسمعه على الوجهِ الصحيحِ، لا تحصلُ الثقةِ بقولِه، ويحتملُ أنْ يغيّرَ اللفظَ والمعنى (٢). وضابطُ الضبطِ: أنْ يكونَ ضبطُ الراوي وإتقانُه لما يسمعُه أرجحَ مِنْ عدمِ ضبطِه وإتقانِه، وذكرُه لما يسمعُه أرجحُ مِنْ سهوِه عنه (٣). تلك هي الشروطُ التي لا بُدَّ مِنْ اجتماعِها في ناقلِ قولِ الإمامِ، والغالبُ أنَّ نقلةَ أقوالِ الأئمةِ مِنْ تلامذتِهم، وغالبُهم رواةٌ ثقاتٌ، وفقهاءُ أثباتٌ، وحفاظٌ مؤتمنون، ولا يقدحُ فيهم ما يَقَعَ مِنْ بعضِهم مِنْ إغرابٍ في بعضِ نقولاتِه (٤). ويشترطُ في القولِ المنقولِ عن إمامِ المذهبِ - إضافةً إلى ما يُشترط في الناقلِ عنه - شرطانِ، وهما: الشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ. الشرط الثاني: انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ. الشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ. يُشْتَرطُ في القولِ المنقولِ عنْ إمامِ المذهبِ؛ ليُنسبَ إليه: خلوُّه عن الشذوذِ، فإذا كان في النقلِ عنه شذوذٌ، لم تسغْ نسبتُه إليه.

стр. 422

ويحصلُ الشذوذُ في النقلِ بأمورٍ، منها: أولًا: انفرادُ أحدِ الرواةِ عن الإمامِ بنقلٍ يخالفُ فيه ما نقله غيرُه. وقد تقدَّمَ الحديثُ عن تفرّدِ الراوي بنقلٍ عن الإمامِ. يقولُ الشيخُ محمدٌ المطيعي في معرضِ حديثِه عن الرواياتِ الغريبةِ في المذاهبِ: "وأمَّا الرواياتُ الغريبةُ التي يتفردُ بنقلها آحادُ المصنفين مِنْ أهلِ القرونِ المتأخرةِ: فلا يُعتدُّ بها، ولا يعتمدُ عليها، ولا بصاحبِها، لا سيما إذا خالفَ فيما قاله الأصولَ، وباينَ المنقولَ والمعقولَ" (١). أمثلة ذلك: المثال الأول: يقولُ بدرُ الدين الزركشي: "المجنونُ ليس بمكلَّفٍ إجماعًا ... وعن أحمدَ روايةٌ بوجوبِ قضاءِ الصومِ على المجنونِ، نصَّ عليها في روايةِ حنبلٍ، وضعّفها محققو أصحابِه" (٢). المثال الثاني: ذَكَرَ شمسُ الدينِ بنُ القيمِ الأحكامَ المترتبةَ على ملاعنةِ الزوجِ لزوجه، وذَكَرَ أنَّ الفُرْقَةَ بين المتلاعنين تُوجبُ تحريمًا مؤبدًا، ثمَّ قال: "وعنْ أحمدَ روايةٌ أخرى: أنَّه - أي: الزوج - إنْ أكذبَ نفسَه حلَّتْ له، وعادَ فراشُه بحالِه، وهي روايةٌ شاذةٌ! شذ بها حنبلٌ عنه. قال أبو بكر (٣): لا نعلمُ أحدًا رواها غيرُه" (٤). المثال الثالث: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "روى الخضرُ بنُ أحمد الكندي (٥) عن عبدِ الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: إذا كان عليه - أيْ: الحاج - تكبيرٌ وتلبيةٌ، بدأَ بالتكبيرِ، ثم بالتلبيةِ.

стр. 423

قال أبو بكرٍ بن جعفر (١): لم يروِها غيرُه. قلتُ: الخضرُ هذا غيرُ مشهورٍ، وهو يروي عن أحمدَ المناكيرَ التي تخالفُ رواياتِ الثقات عنه" (٢). ثانيًا: أنْ يخالفَ القولُ المنقولُ عن الإمامِ أقوالَه المعروفةَ. قد يُنقلُ عن إمامِ المذهبِ قولٌ، لكنْ يَرِدُ الشذوذُ إليه مِنْ جهةِ مخالفتِه لما عُرِفَ واشتهر عن الإمامِ مِنْ أقوال تخالفُ ما نُقِلَ عنه، ولذا فلا يُنسبُ ذلك القولُ المنقولُ إلى الإمامِ؛ لشذوذه. أمثلة ذلك: المثال الأول: قال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل: "سألتُ أبي عمَّنْ ذَبَحَ للزُّهرة؟ قال: لا يعجبني أكلُه. قلتُ لأبي: أحرامٌ أكلُه؟ قال: لا أقولُ: حرام، ولكنْ لا يعجبني" (٣). قالَ الشيخُ عبدُ العزيز بن باز معلِّقًا على هذه الروايةِ: "في صحةِ هذه الروايةِ نظرٌ؛ لأنَّ الذبحَ للكواكبِ - وغيرها من المخلوقات - شركٌ بلا ريب، فلا يليقُ بالإمامِ أحمدَ ﵀ أنْ يتوقفَ في ذلك" (٤).

стр. 424

وقد نَقَلَ أبو بكرٍ الخلال عدةَ نصوصٍ عن الإمامِ أحمدَ تدلُّ على المنعِ مِن الأكلِ ممَّا ذُبِحَ لغيرِ الله، مِنْ ذلك قولُ الإمامِ أحمد: "كلُّ شيءٍ ذُبِحَ على الأصنامِ لا يُؤْكَلْ" (١). المثال الثاني: نسبةُ القولِ بجوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مطلقًا إلى الإمامِ أحمدَ. وقد تقدم الحديثُ عنها. المثال الثالث: يقولُ أبو عبدِ الله المازري: "مَنَعَ الشافعيُّ مِن التيممِ ما لم يخفِ التلفَ، ورُوى ذلك عن ماللغ روايةٌ شاذةٌ ... " (٢). الشرط الثاني: انتفاءُ العلة عن القولِ المنقولِ. مِنْ الشروطِ المهمّةِ لثبوتِ النقلِ عن إمامِ المذهب انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ، فإنْ كان خاليًا مِن العلةِ، تحققَ الشرطُ، وإنْ لم يكن خاليًا منها، لم يثْبت النقلُ (٣). ولإعلالِ النقلِ صورٌ متعددةٌ، منها: أولًا: أنْ يُعل النقلُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد رَجَعَ عن القولِ المنقولِ. قد يثبتُ قولٌ عن إمامِ المذهبِ، لكنَّه يرجعُ عن قولِه، دون أنْ يَعْلَمَ مَنْ نَسَبَ إليه القولَ - بناءً على النقلِ - رجوعَ الإمامِ عنه، فيُعلّ النقلُ برجوعِ قائله عنه، وهذا الإعلالُ بناءً على أنَّ القولَ المرجوعَ عنه لا يُنسبُ إلى قائلِه. مثال ذلك: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "مَنْ كان عليه صلاةٌ فائتةٌ، وقد ضاقَ وقتُ الصلاةِ الحاضرةِ عن فعلِ الصلاتين: فأكثر العلماءِ على أنَّه يبدأ

стр. 425

بالحاضرةِ فيما بقي مِنْ وقتِها، ثمَّ يقضي الفائتةَ بعدَها .. . وقالتْ طائفةٌ: بلْ يبدأُ بالفائتةِ، ولا يسقطُ الترتيبُ بذلك ... وهو روايةٌ عنْ أحمدَ، اختارها: الخلالُ ... وأنكرَ ثبوتَها القاضي أبو يعلى، وذَكَرَ أنَّ أحمدَ رَجَعَ عنها" (١). ثانيًا: أنْ يُعلَّ النقلُ بأنَّ ناقلَ كلامِ إمامِ المذهبِ قد خَلَطَ بين كلامِ الإمامِ، وكلامِ غيرِه مِن الأئمةِ. قد ينقلُ أحدٌ قولَ الإمامِ في واقعةٍ معيَّنةٍ، لكنَّه يخلطُ بين كلامِ إمامِه، وكلامِ غيرِه، فيُعلّ نقلُه مِنْ هذه الجهة، وكذلك الأمرُ فيما لو فهمَ أحدٌ قولًا بناءً على خلطِه بين الكلامين. ولا يخفى أنَّ إعلالَ النقلِ بخلطِ الناقلِ بين الكلامين مرتقى صعبٌ، لا يقولُه إلا مَنْ خَبَرَ كلامَ إمامِه، أو وَقَفَ على نصِّ الروايةِ التي نُسِبَ القولُ فيها إلى الإمامِ بناءً عليها، فظَهَرَ له خلطُ الكلامين. مثال ذلك: جاء في: (مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور): "قلت: رجلٌ باع ثوبًا، فجاءَ رجلٌ، فأقامَ البينةَ أنَّه اشتراه بمائةٍ، وأقامَ الآخرُ البينةَ أنَّه اشتراه بمائتين، والبائعُ يقولُ: بعتُه بمائتين، والثوبُ في يدِ البائعِ بعدُ؟ قالَ: المتبايعانِ بالخيارِ، إنْ شاءَ أحدُهما أخذَ النصفَ بمائة، والآخرُ النصفَ بخمسين، وإنْ شاءا رداه ... قالَ أحمدُ: ليس قولُ البائعِ بشيءٍ، يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ أصابتُه القرعةُ، فهو له بالذي ادَّعى أنَّه اشتراه به. قلت: فإنْ كان الثوبُ في يدِ أحدِهما، ولا يُدري أيّهما اشتراه أول؟ قال: لا ينفعه ما في يديه، إذا كان مقرًا أنَّه اشتراه مِنْ فلانٍ، يُقرَعُ بينهما" (٢).
следующие страницы →