الشرط الخامس: الضبط.
يُشْتَرطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ ضابطًا لما ينقلُه، متقنًا له (١)؛ لأنَّ مَنْ لم يكنْ حالَ سماعِه ضابطًا؛ ليؤدي ما يسمعه على الوجهِ الصحيحِ، لا تحصلُ الثقةِ بقولِه، ويحتملُ أنْ يغيّرَ اللفظَ والمعنى (٢).
وضابطُ الضبطِ: أنْ يكونَ ضبطُ الراوي وإتقانُه لما يسمعُه أرجحَ مِنْ عدمِ ضبطِه وإتقانِه، وذكرُه لما يسمعُه أرجحُ مِنْ سهوِه عنه (٣).
تلك هي الشروطُ التي لا بُدَّ مِنْ اجتماعِها في ناقلِ قولِ الإمامِ، والغالبُ أنَّ نقلةَ أقوالِ الأئمةِ مِنْ تلامذتِهم، وغالبُهم رواةٌ ثقاتٌ، وفقهاءُ أثباتٌ، وحفاظٌ مؤتمنون، ولا يقدحُ فيهم ما يَقَعَ مِنْ بعضِهم مِنْ إغرابٍ في بعضِ نقولاتِه (٤).
ويشترطُ في القولِ المنقولِ عن إمامِ المذهبِ - إضافةً إلى ما يُشترط في الناقلِ عنه - شرطانِ، وهما:
الشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ.
الشرط الثاني: انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ.
الشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ.
يُشْتَرطُ في القولِ المنقولِ عنْ إمامِ المذهبِ؛ ليُنسبَ إليه: خلوُّه عن الشذوذِ، فإذا كان في النقلِ عنه شذوذٌ، لم تسغْ نسبتُه إليه.
стр. 422
ويحصلُ الشذوذُ في النقلِ بأمورٍ، منها:
أولًا: انفرادُ أحدِ الرواةِ عن الإمامِ بنقلٍ يخالفُ فيه ما نقله غيرُه.
وقد تقدَّمَ الحديثُ عن تفرّدِ الراوي بنقلٍ عن الإمامِ.
يقولُ الشيخُ محمدٌ المطيعي في معرضِ حديثِه عن الرواياتِ الغريبةِ في المذاهبِ: "وأمَّا الرواياتُ الغريبةُ التي يتفردُ بنقلها آحادُ المصنفين مِنْ أهلِ القرونِ المتأخرةِ: فلا يُعتدُّ بها، ولا يعتمدُ عليها، ولا بصاحبِها، لا سيما إذا خالفَ فيما قاله الأصولَ، وباينَ المنقولَ والمعقولَ" (١).
أمثلة ذلك:
المثال الأول: يقولُ بدرُ الدين الزركشي: "المجنونُ ليس بمكلَّفٍ إجماعًا ... وعن أحمدَ روايةٌ بوجوبِ قضاءِ الصومِ على المجنونِ، نصَّ عليها في روايةِ حنبلٍ، وضعّفها محققو أصحابِه" (٢).
المثال الثاني: ذَكَرَ شمسُ الدينِ بنُ القيمِ الأحكامَ المترتبةَ على ملاعنةِ الزوجِ لزوجه، وذَكَرَ أنَّ الفُرْقَةَ بين المتلاعنين تُوجبُ تحريمًا مؤبدًا، ثمَّ قال: "وعنْ أحمدَ روايةٌ أخرى: أنَّه - أي: الزوج - إنْ أكذبَ نفسَه حلَّتْ له، وعادَ فراشُه بحالِه، وهي روايةٌ شاذةٌ! شذ بها حنبلٌ عنه.
قال أبو بكر (٣): لا نعلمُ أحدًا رواها غيرُه" (٤).
المثال الثالث: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "روى الخضرُ بنُ أحمد الكندي (٥) عن عبدِ الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: إذا كان عليه - أيْ: الحاج - تكبيرٌ وتلبيةٌ، بدأَ بالتكبيرِ، ثم بالتلبيةِ.
стр. 423
قال أبو بكرٍ بن جعفر (١): لم يروِها غيرُه.
قلتُ: الخضرُ هذا غيرُ مشهورٍ، وهو يروي عن أحمدَ المناكيرَ التي تخالفُ رواياتِ الثقات عنه" (٢).
ثانيًا: أنْ يخالفَ القولُ المنقولُ عن الإمامِ أقوالَه المعروفةَ.
قد يُنقلُ عن إمامِ المذهبِ قولٌ، لكنْ يَرِدُ الشذوذُ إليه مِنْ جهةِ مخالفتِه لما عُرِفَ واشتهر عن الإمامِ مِنْ أقوال تخالفُ ما نُقِلَ عنه، ولذا فلا يُنسبُ ذلك القولُ المنقولُ إلى الإمامِ؛ لشذوذه.
أمثلة ذلك:
المثال الأول: قال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل: "سألتُ أبي عمَّنْ ذَبَحَ للزُّهرة؟ قال: لا يعجبني أكلُه. قلتُ لأبي: أحرامٌ أكلُه؟ قال: لا أقولُ: حرام، ولكنْ لا يعجبني" (٣).
قالَ الشيخُ عبدُ العزيز بن باز معلِّقًا على هذه الروايةِ: "في صحةِ هذه الروايةِ نظرٌ؛ لأنَّ الذبحَ للكواكبِ - وغيرها من المخلوقات - شركٌ بلا ريب، فلا يليقُ بالإمامِ أحمدَ ﵀ أنْ يتوقفَ في ذلك" (٤).
стр. 424
وقد نَقَلَ أبو بكرٍ الخلال عدةَ نصوصٍ عن الإمامِ أحمدَ تدلُّ على المنعِ مِن الأكلِ ممَّا ذُبِحَ لغيرِ الله، مِنْ ذلك قولُ الإمامِ أحمد: "كلُّ شيءٍ ذُبِحَ على الأصنامِ لا يُؤْكَلْ" (١).
المثال الثاني: نسبةُ القولِ بجوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مطلقًا إلى الإمامِ أحمدَ.
وقد تقدم الحديثُ عنها.
المثال الثالث: يقولُ أبو عبدِ الله المازري: "مَنَعَ الشافعيُّ مِن التيممِ ما لم يخفِ التلفَ، ورُوى ذلك عن ماللغ روايةٌ شاذةٌ ... " (٢).
الشرط الثاني: انتفاءُ العلة عن القولِ المنقولِ.
مِنْ الشروطِ المهمّةِ لثبوتِ النقلِ عن إمامِ المذهب انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ، فإنْ كان خاليًا مِن العلةِ، تحققَ الشرطُ، وإنْ لم يكن خاليًا منها، لم يثْبت النقلُ (٣).
ولإعلالِ النقلِ صورٌ متعددةٌ، منها:
أولًا: أنْ يُعل النقلُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد رَجَعَ عن القولِ المنقولِ.
قد يثبتُ قولٌ عن إمامِ المذهبِ، لكنَّه يرجعُ عن قولِه، دون أنْ يَعْلَمَ مَنْ نَسَبَ إليه القولَ - بناءً على النقلِ - رجوعَ الإمامِ عنه، فيُعلّ النقلُ برجوعِ قائله عنه، وهذا الإعلالُ بناءً على أنَّ القولَ المرجوعَ عنه لا يُنسبُ إلى قائلِه.
مثال ذلك: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "مَنْ كان عليه صلاةٌ فائتةٌ، وقد ضاقَ وقتُ الصلاةِ الحاضرةِ عن فعلِ الصلاتين: فأكثر العلماءِ على أنَّه يبدأ
стр. 425
بالحاضرةِ فيما بقي مِنْ وقتِها، ثمَّ يقضي الفائتةَ بعدَها .. .
وقالتْ طائفةٌ: بلْ يبدأُ بالفائتةِ، ولا يسقطُ الترتيبُ بذلك ... وهو روايةٌ عنْ أحمدَ، اختارها: الخلالُ ... وأنكرَ ثبوتَها القاضي أبو يعلى، وذَكَرَ أنَّ أحمدَ رَجَعَ عنها" (١).
ثانيًا: أنْ يُعلَّ النقلُ بأنَّ ناقلَ كلامِ إمامِ المذهبِ قد خَلَطَ بين كلامِ الإمامِ، وكلامِ غيرِه مِن الأئمةِ.
قد ينقلُ أحدٌ قولَ الإمامِ في واقعةٍ معيَّنةٍ، لكنَّه يخلطُ بين كلامِ إمامِه، وكلامِ غيرِه، فيُعلّ نقلُه مِنْ هذه الجهة، وكذلك الأمرُ فيما لو فهمَ أحدٌ قولًا بناءً على خلطِه بين الكلامين.
ولا يخفى أنَّ إعلالَ النقلِ بخلطِ الناقلِ بين الكلامين مرتقى صعبٌ، لا يقولُه إلا مَنْ خَبَرَ كلامَ إمامِه، أو وَقَفَ على نصِّ الروايةِ التي نُسِبَ القولُ فيها إلى الإمامِ بناءً عليها، فظَهَرَ له خلطُ الكلامين.
مثال ذلك: جاء في: (مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور): "قلت: رجلٌ باع ثوبًا، فجاءَ رجلٌ، فأقامَ البينةَ أنَّه اشتراه بمائةٍ، وأقامَ الآخرُ البينةَ أنَّه اشتراه بمائتين، والبائعُ يقولُ: بعتُه بمائتين، والثوبُ في يدِ البائعِ بعدُ؟ قالَ: المتبايعانِ بالخيارِ، إنْ شاءَ أحدُهما أخذَ النصفَ بمائة، والآخرُ النصفَ بخمسين، وإنْ شاءا رداه ... قالَ أحمدُ: ليس قولُ البائعِ بشيءٍ، يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ أصابتُه القرعةُ، فهو له بالذي ادَّعى أنَّه اشتراه به.
قلت: فإنْ كان الثوبُ في يدِ أحدِهما، ولا يُدري أيّهما اشتراه أول؟ قال: لا ينفعه ما في يديه، إذا كان مقرًا أنَّه اشتراه مِنْ فلانٍ، يُقرَعُ بينهما" (٢).
стр. 426
يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "والعجبُ أنَّ القاضي (١) في: (المجرد) حكى هذا النصَّ عنْ أحمدَ، وذَكَرَ أنَّه أجابَ بقسمةِ الثوبِ بينهما نصفين، ثم تأوّله على أنه كان في أيديهما، وإنَّما أجابَ أحمدُ فيه بالقرعةِ - كما ذكرنا - وإنَّما المجيبُ بالقسمةِ سفيانُ الثوري؛ فإنَّ إسحاقَ بن منصور يذكرُ لأحمدَ أولًا المسألة، وجوابَ سفيانَ فيها، فيجيبه أحمدُ عنها بعد ذلك بالموافقةِ، أو بالمخالفةِ، فرُبَّما يشتبه جوابُ أحمدَ بجواب سفيانَ، وقد وَقَعَ ذلك للقاضي كثيرًا! فليُتَنَبّه لذلك" (٢).
ثالثًا: أنْ يُعَلَّ النقلُ بعدمِ فهمِ الناقلِ لمصطلحاتِ إمامِ المذهبِ.
قد يكونُ لإمامِ المذهب اصطلاحٌ في بعضِ الألفاظِ يخالفُه فيه غيرُه، وهذا أمرٌ لا إشكالَ فيه؛ لأنَّهَ لا مشاحةَ في الاصطلاحِ، لكنْ يَرِدُ الخطأ إلى مَنْ ينقلُ عنْ إمامِه قولًا مُنْزِلًا ألفاظَ إمامِه على اصطلاحِ مَنْ بعده.
يقولُ شمسُ الذينِ بنُ القيمِ: "وقد غَلِطَ كثيرٌ مِن المتأخرين مِنْ أتباعِ الأئمةِ على أئمتِهم بسببِ ذلك - أيْ: عدم معرفةِ مرادِهم بالألفاظِ التي يستخدمونها - حيثُ تورّع الأئمة عنْ إطلاقِ لفظِ: التحريمِ، وأطلقوا لفظَ: الكراهةِ، فنفى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلقَ عليه الأئمةُ الكراهةَ، ثم سهلُ عليهم لفظ: الكراهةِ، وخفَّتْ مؤنتُه عليهم، فحَمَلَه بعضُهم على التنزيه ... فحصلَ بسببِه غلطٌ عظيمٌ على الشريعةِ، وعلى الأئمةِ" (٣).
مثال ذلك: جاء في: (مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور): "قلت: الجمعُ بين الأختين المملوكتين، تقول: إنَّه حرامٌ؟ قال: لا أقول: إنَّه حرامٌ، ولكنْ يُنْهَى عنه" (٤).
стр. 427
يقولُ ابنُ اللحام: "قال القاضي: ظاهرُ هذا - أيْ: ما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ في روايةِ إسحاقَ - أنَّه لا يحرمُ الجمعَ، وإنَّما يُكره.
قالَ أبو العباسِ (١): الإمامُ أحمد لم يقلْ: ليس هذا حرامًا، وإنَّما قال: لا أقولُ: هو حرام، وكانوا يكرهون فيما لم يَرِدْ فيه نصُّ تحريمٍ أنَّ يُقَالَ: هو حرامٌ، ويقولون: يُنهى عنه ... وهذا الأدبُ في الفتوى مأثورٌ عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ وذلك إمَّا لتوقّفٍ في التحريمِ، أو تهيبٍ لهذه الكلمةِ ... وأَمَّا أنْ يُجْعَلَ عن أحمدَ أنَّه لا يحرم، ابلْ يَكرَه، فهذَا غلطٌ عليه؛ ومأخذه: الغفلةُ عن دلالةِ الألفاظِ، ومراتبِ الكلامِ" (٢).
رابعًا: أنْ تُعلَّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بالاشتباه في المرادِ باللفظِ.
قد ينسبُ أحدُ العلماءِ إلى أحدِ الأئمةِ قولًا؛ بناءَ على ما نُقِلَ عنه، لكنْ يشتبه عليه معنى لفظةٍ بمعنى لفظةٍ أخرى، كان يَرِد في كلامِ الإمامِ: "التكبيرُ"، فيحملُه على التكبيرِ في الصلاةِ، ومرادُ الإمامِ به التكبيرُ في أيام العيدِ.
مثال ذلك: قالَ الإمامُ أحمد: "يُروى عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّه كان لا يُكَبِّر إذا صلَّى وحده ... وأَحبُّ إلي أنْ يُكَبّر، وأمَّا التطوع فلا" (٣).
حَمَلَ الحافظ ابنُ عبدِ البر ما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ على التكبيرِ في الصلاةِ - عدا تكبيرة الإحرام - فلا تفسدُ الصلاةُ بتركِ التكبيرِ؛ لأنَّه سنةٌ،
стр. 428
ونَسَبَ إلى الإمامِ أحمدَ القولَ باستحبابِ تكبيراتِ الانتقالِ؛ بناءً على النقلِ السابقِ (١).
يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية معلِّقًا على صنيعِ ابن عبد البر: "وغلط ابنُ عبد البر فيما فَهِمَ مِنْ كلامِ أحمد؛ فإن كلامَه إنَّما كان في التكبيرِ دبرَ الصلاةِ أيام العيدِ الأكبر، لم يكن (٢) التكبير في الصلاةِ، ولهذا فرّق أحمدُ بين الفرضِ والنفلِ ... ولم يكن أحمدُ ولا غيرُه يفرِّقون في تكبيرِ الصلاةِ بين الفرضِ، والنفلِ" (٣).
خامسًا: أنْ يُعَل النقلُ عن إمامِ المذهبِ بتغلطِ الناقلِ عنه، أو بتوهيمه فيه.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ النقلَ عن إمامِ المذهبِ مِنْ باب الرواية، ويتطرقُ الخطأُ حينئذٍ إلى النقلِ بغلطِ الناقلِ، أو بتوهمه - ولا يُخلّ الغلطُ والوهمُ في ضبطِ الناقل، إذا كان يسيرًا - وكما قلتُ مِنْ قبل: إنَّ إعلالَ النقلِ يحتاج إلى طولِ خبرةِ، ومزيدِ بَصَرِ مِن المُعلِّ بنصوصِ إمامِ المذهبِ.
أمثلة ذلك:
المثال الأول: ما ذكره ابنُ رجبٍ، بقولِه: "نقلَ صالحُ بنُ أحمد عن
стр. 429
أبيه في المستحاضة: لا تطوفُ بالبيتِ، إلا أنْ تطولَ بها الاستحاضةُ (١).
قالَ أبو حفصٍ العكبري (٢): لعلَّها غلطٌ مِن الراوي؛ فإنَّ الصحيحَ عن أحمدَ أنَّ المستحاضةَ بمنزلةِ الطاهرِ، تطوفُ بالبيتِ، قال في روايةِ الميموني (٣): المستحاضةُ أحكامُها أحكامُ الطاهرةِ في عِدَّتِها، وصلاتِها، وحجِّها، وجميعِ أمرها.
ونَقَلَ عنه ابنُ منصور: تطوفُ بالبيتِ (٤).
وأمَّا ما وَقَعَ في روايةِ صالحٍ: "أنَّها لا تطوفُ، إلا أنْ تطولَ بها"، فلعله اشتبه على الراوي الطوافُ بالوطءِ؛ فإن ابنَ منصور نَقَلَ عن أحمدَ ذلك في الوطءِ (٥)، وصالحٌ وابنُ منصورٍ متفقانِ في المسائلِ عن أحمدَ في الغالبِ" (٦).
стр. 430
المثال الثاني: جاءَ عن الإمامِ أحمد بن حنبل في رواية مُهنّا (١) أنَّ المرأةَ لا تنقضُ شعرَها إذا اغتسلتْ مِن الجنابة، وأنَّ المرأةَ تنقضُه إذا اغتسلتْ مِن الحيضِ؛ لحديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصديق ﵂ (٢) عن النبي ﷺ أنَّه قال: (تنقضه) (٣).
يقولُ الحافظ ابنُ رجب معلِّقًا على جعل الدليلِ على نقضِ شعرِ المرأةِ لغسلِها مِن الحيضِ حديثَ أسماء: "فهذا لعَلّه وهمٌ مِنْ مُهنّا، أو ممَّنْ روى عنه؛ ولا يُعرفُ لأسماء بنت أبي بكر في هذا البابِ حديثٌ بالكلية؛
стр. 431
إنَّما حديثُها في غَسلِ دم الحيض مِن الثوبِ" (١).
المثال الثالث: يقول ابنُ رجب: "وقد أجمعت الأمةُ على صحةِ الصفِّ المستطيلِ مع البُعْدِ عن الكعبةِ، وكلّما كَثُرَ البُعْدُ قلَّ التقوسُ ... ومَنْ حكى عن الإمامِ أحمدَ روايةً بوجوب التقوسِ لطرفي الصفِّ الطويلِ، فقد أخطأَ، وقال عليه ما لم يقلْه، بلْ لوَ سمعه لبادرَ إلى إنكارِه" (٢).
سادسًا: أنْ يُعلَّ النقلُ عن إمايم المذهبِ بغرابتِه، أو بُعْدِ ثبوتِه.
قد ينقلُ ناقلٌ عن إمامِ المذهب قولًا، ولا يتطرقُ القدحُ إلى الناقلِ، لكنْ يَبْعُدُ أنْ يقولَ الإمامُ بما نُسِبَ إَليه؛ وذلك إمَّا لغرابةِ القولِ المنقولِ، وإمَّا لغيره من الأسبابِ التي يَبْعُدُ معها نسبةُ النقلِ إلى إمامِ المذهبِ.
مثال ذلك:
المثال الأول: يقولُ ابنُ رجبٍ: "إنْ كان المصلي قد ابتدأَ بالتطوعِ قبلَ الإقامةِ، ثمَّ أقيمت الصلاة؟ ففيه قولان: أحدهما: أنه يتمُّ ... والثاني: يقطعها ... وحُكِيَ روايةٌ عنْ أحمدَ - حكاها أبو حفصٍ - وهي غريبةٌ" (٣).
стр. 432
المثال الثاني: يقولُ ابنُ رجبٍ - أيضًا -: "فأمَّا الصلاةُ في غيرِ موضعِ صلاةِ العيدِ، كالصلاةِ في البيتَ أو في المسجدِ إذا صليت العيد في المصلى: فقال أكثرُهم: لا تكره الصلاةُ فيه قبلها ولا بعدها ... وقالتْ طائفةٌ: لا صلاةَ يومَ العيدِ حتى تزولَ الشمسُ ... واختار هذا القولَ أبو بكرٍ الآجري (١)، وأنَّه تُكره الصلاةُ يومَ العيدِ حتى تزول الشمسُ، وحكاه عن أحمدَ، وحكايتُه عن أحمدَ غريبةٌ" (٢).
سابعًا: أنْ يُعلَّ النقلُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد صرَّح بعدمِ الأخذِ به.
قد يُنْسَبُ قولٌ ما إلى إمامِ المذهب، ويكون ذلك أثناء حياتِه، ثمَّ يُصرِّح الإمامُ نفسُه بأنَّه لم يذهبْ إليه، فحينئذٍ لا يُنسبُ القول إليه؛ لتصريحِه بعدمِ الأخذِ به.
مثال ذلك: سأل صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن الرجلِ يأتي امرأتَه فيما دونَ الفرجِ، هل يجبُ عليه الغُسْلُ؟ قال: لا، إلا أنْ يُنزلَ، فإذا التقى الختانان وَجَبَ الغُسل، إذا توارت الحشفةُ. قلت: وكنتَ تذهب (٣) إلى أنَّ الماءَ من الماءِ؟ قال: لا، مَنْ يكذب عليّ في هذا أكثرُ مِنْ ذلك (٤).
стр. 433
الطريق الثالث: ما دوّنه أربابُ المذهبِ في مؤلفاتِهم الأصولية والفقهية.
اهتمَّ أتباعُ المذاهبِ بالتأليفِ في فقهِ إمامِهم وأصولِه، وكثرتْ مؤلفاتُهم في هذا البابِ، فتجدُ في كلِّ مذهبٍ العددَ الكبيرَ مِن المؤلفاتِ الأصوليةِ والفقهيةِ، وتجدُ التفاوت فيما بينها في حُسنِ العرضِ، والاهتمامِ بالدليلِ، وتحريرِ القولِ.
لكنْ هلْ يُنسب كلُّ ما في هذه المدوّناتِ إلى إمامِ المذهبِ؟ وهلْ كلُّ ما فيها تصحُّ نسبتُه إلى المذهبِ؟
يقولُ شمسُ الدين بنُ القيّمِ متحدثًا عن واقعِ كتب المذاهب الفقهيةِ: "والمتأخرون يتصرّفون في نصوصِ الأئمةِ، وَيبْنُوْنَها علىَ ما لم يكن لأصحابِها ببالٍ، ولا جَرَى لهم في مقالٍ، ويتناقله بعضُهم عن بعضٍ، ثم يلزمهم مِنْ طردِه لوازمُ لا يقولُ بها الأئمةُ، فمِنْهم مَنْ يطردها، ويلتزم القولَ بها، ويضيفُ ذلك إلى الأئمةِ، وهم لا يقولون به! فيروجُ بين الناسِ؛ بجاهِ الأئمةِ، ويُفْتَى به، ويُحكمُ به، والإمامُ لم يقلْه قط، بلْ يكون نصَّ على خلافِه! " (١).
ويقولُ أيضًا: "ولا يحلُّ أنْ يَنْسبَ إليه - أيْ: إلى إمامِه - القولَ، ويطلقَ عليه أنَّه قولٌ بمجرّدِ ما يراه في بعضِ الكتب التي حَفِظَها أو طالعها مِنْ كتب المنتسبين إليه، فإنَّه قد اختلطتْ أقوالُ الأئمةِ وفتاويهم بأقوالِ المنتسبيَن إليهم واختياراتهم، فليس كلُّ ما في كتبِهم منصوصًا عن الأئمةِ، بلْ كثيرٌ منه يخالفُ نصوصَهم! ... فلا يحلُّ لأحدٍ أنْ يقولَ: هذا قولُ فلانٍ ومذهبُه، إلا أنْ يعلمَ يقينًا أنه قولُه ومذهبُه" (٢).
وقبلَ بيانِ أحوالِ ما يورده أربابُ المذاهب في مؤلفاتِهم، أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أنَّ للتأليف في المذهبِ أساليبَ متعددة، مِنَ ذلك:
стр. 434
أولًا: مؤلفاتٌ كُتبتْ على قولٍ واحدٍ - في الجملة - دونَ إشارةٍ إلى بقيةِ الأقوالِ في المسألةِ، وقد يستدلُّ مصنفو هذه الكتبِ لمذهبِهم، وقد يغفلون ذكرَ الدليلِ.
ثانيًا: مؤلفاتٌ تعرِضُ أقوالًا متعددةً في المسألةِ الواحدةِ، إنْ كانتْ محلَّ خلافٍ، وهي على نوعين:
النوع الأول: مؤلفاتٌ تَعْرِضُ الخلافَ في ضوءِ المذهبِ فحسب، دونَ ذكرِ المخالفين مِن أربابِ المذاهب الأخرى.
النوع الثاني: مؤلفاتٌ تَعرِضُ خلافَ المذهب مع غيرِه مِن المذاهب، والغالبُ في هذا النوع عرضُ المسألةِ مقرونةً بأدلتِهَا.
ويمكنُ تقسيمُ ما يورده أربابُ المذاهب مِن الأقوالِ المنسوبةِ إلى المذهبِ إلى خمسةِ أقسام:
القسم الأول: ما تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ.
القسم الثاني: ما لا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ، وقد نُفيت النسبةُ عنه.
القسم الثالث: ما لا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ، وقد نُسِبَ إليه.
القسم الرابع: ما خرّجه أتباعُ المذهبِ على فروعِ إمامِهم، أو أصولِه.
القسم الخامس: ما زاده أتباعُ المذهبِ على مذهبِ إمامِهم فقهًا منهم، وهذا القسم على نوعين:
النوع الأول: أنْ تتفقَ الزيادةُ مع أصولِ المذهبِ وقواعدِه، وهذا النوعُ على صورتين:
الصورة الأولى: أن يَنْسِبَ القولَ الذي زاده أتباع المذهب إلى إمامِ المذهبِ.
الصورة الثانية: أنْ لا ينسبَ القولَ الذي زاده أتباع المذهب إلى إمامِ المذهبِ، بلْ ينسبُه إلى المذهب.
стр. 435
النوع الثاني: أنْ لا تتفقَ الزيادةُ مع أصولِ المذهبِ وقواعده (١).
ومحلُّ الإشكالِ مِن الأقسامِ السابقةِ: القسمُ الثالثُ، والنوعُ الثاني مِن القسمِ الخامسِ.
فإذا أرادَ أحد أنْ ينقلَ مذهبَ إمامٍ مِن الأئمةِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلَّفةِ في مذهبِه، فما الذي يُشترطُ في هذا المقامِ؟
لا يخلو الأمرُ مِنْ حالتين:
الحالة الأولى: أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ في المذهبِ.
الحالة الثانية: أنْ ينقلَ المذهبَ اعتمادًا على الكتبِ المولّفةِ في المذهبِ.
الحالة الأولى: أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلّفةِ في المذهبِ.
إذا أرادَ شخصٌ ما أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ مِنْ قِبَلِ أربابِ المذهبِ، فيُشترطُ الآتي:
الشرط الأول: صحةُ نسبةِ الكتابِ إلى مؤلِّفِه (٢).
يتعيّنُ على مَنْ أرادَ الأخذَ مِنْ كتابٍ معيَّنٍ أنْ يكونَ الكتابُ صحيحَ النسبةِ إلى مؤلّفِه؛ لئلا يأخذَ شيئًا معتمدًا على ما لمؤلفِه مِنْ مكانةٍ، والحالُ أنَّ الكتابَ ليس مِنْ تأليفِه.
مثال ذلك: كتاب: (المخارج والحيل)، نُسِبَ إلى القاضي أبي يوسفَ، والذي بيّنه علماءُ الحنفيةِ أنَّ الكتابَ منحولٌ، لا تصحُّ نسبتُه
стр. 436
إليه (١).
وليس معنى هذا الشرط أنْ لا يأخذَ معلومةً مِنْ كتابٍ حتى يقطعَ بنسبتِه إلى مؤلفِه، بل المقصودُ أنْ يتثبّتَ مِنْ نسبةِ الكتاب إلى مؤلفِه، إنْ كانَ ثمة إشكالٌ في صحةِ النسبةِ، أمَّا الكتب المشهورةُ، فلا تحتاجُ إلى تأكّدٍ وتثبّتٍ؛ لاستفاضةِ نسبتِها إلى مؤلفيها.
يقولُ العزُّ بن عبد السلام: "أمَّا الاعتمادُ على كتبِ الفقهِ الصحيحةِ الموثوقِ بها، فقد اتفق العلماءُ في هذا العصرِ على جوازِ الاعتمادِ عليها، والاستنادِ إليها؛ لأنَّ الثقةَ قد حصلتْ بها، كما تحصلُ بالروايةِ، ولذلك اعتمدَ الناسُ على الكتبِ المشهورةِ في النحوِ واللغةِ والطبِّ وسائرِ العلومِ؛ لحصولِ الثقةِ بها، وبُعدِ التدليسِ" (٢).
ولا يحتاجُ الناقلُ مِنْ كتابٍ أنْ يكونَ متصلَ الإسنادِ إلى مؤلفه، كما تقدم.
وقد تقدَّمتْ حكايةُ الأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفراييني الإجماعَ على جوازِ النقلِ مِن الكتبِ، وأنَّه لا يشترطُ اتصالُ السندِ إلى مؤلفيها.
الشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ (٣).
لا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ سالمًا مِن التحريفِ والتصحيفِ؛ ليأمن مِن الوقوعِ في الخطأِ؛ إذ النسخةُ التي يكثرُ فيها التحريفُ تكون محلًا للخلطِ في نسبةِ القولِ، وعدمِ فهمِ المرادِ على الوجهِ الصحيحِ، ويمكنُ التأكّدُ مِنْ سلامةِ الكتابِ بالرجوعِ إلى الكتبِ الأخرى في المذهبِ، ولا سيما الكتبُ المهتمة بتحريرِ أقوالِ المذهبِ.
стр. 437
مثال ذلك: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "السنةُ أنْ يرميَها - أيْ: جمرة العقبة - مِنْ بطنِ الوادي ... هذا هو المذهبُ المعروفُ المنصوصُ ... وقال حربٌ (١): سألتُ أحمدَ، قلتُ: فإنْ رمى الجمرةَ مِنْ فوقِها؟ قال: لا، ولكنْ يرميها مِنْ بطنِ الوادي ... وذَكَرَ القاضي عن حربٍ عن أحمدَ: لا يرمي الجمرةَ مِنْ بطنِ الوادي، ولا يرمي مِنْ فوقِ الجمرةِ.
وهذا غلطٌ على المذهبِ؛ منشاه الغلطُ في نقلِ الروايةِ ... ولعل سببَه أنَّ النسخةَ التي نَقَلَ منها روايةَ حربٍ كان فيها غلطٌ، فإني نقلتُ روايةَ حربٍ مِنْ أصلٍ متقنٍ قديمٍ مِنْ أصحِّ الأصولِ" (٢).
الشرط الثالث: معرفةُ اصطلاحِ المؤلِّفِ في كتابِه، إنْ كان له اصطلاحٌ.
مِن المؤلفين مَنْ له اصطلاحٌ خاصٌ به - والغالب أنَّه سيوضحه في مقدمةِ كتابِه - قد يغايرُ فيه غيرَه مِن المؤلفين، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ اصطلاحِ المؤلِّف؛ ليأمنَ الناظرُ فيه مِن الوقوعِ في الغلطِ في نسبةِ القولِ، وليتحققَ له فهمُ مرادِ المؤلِّفِ على الوجهِ الصحيحِ.
الشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحاتِ المذهبِ في نقلِ مذهبِهم.
تختلفُ اصطلاحاتُ المذاهب في تحديدِ المرادِ في بعضِ المصطلحات، ولذا كان مِن اللازمِ علىَ الناظرِ في كتبِ المذهبِ، إنْ أرادَ
стр. 438
أنْ ينسبَ قولًا إلى إمامِ المذهبِ أنْ يعرفَ اصطلاحَهم؛ ليأمنَ الوقوع في الخطأِ.
وبمعرفةِ اصطلاحِ المذهبِ يحصلُ للناظرِ في الكتب المذهبيةِ التفريقُ بين ما في كتب المذهب مرويًا عن الإمامِ، وما كان مخرَّجًا مِنْ قِبَلِ أربابِ المذهبِ على قولِه أو أصَلِه، وما كان فقهًا لأربابِ المذهبِ مِنْ غيرِ التزامٍ بقواعدِ المذهب (١)، فإذا قال المؤلفُ مثلًا: هذا القولُ روايةٌ مخرّجةٌ أو وجهٌ أو احتمالَ، ولم يكنْ للناظرِ بَصَرٌ بالاصطلاحِ: غَلِطَ، ونَسَبَ ما نفاه المؤلّفُ بالاصطلاحِ إلى إمامِ المذهبِ.
الشرط الخامس: الأخذُ مِن الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ، وتركِ الكتبِ المنتَقَدةِ والغريبةِ وغيرِ المحررةِ.
تتفاوتُ الكتبُ المؤلفةُ في المذاهب مِنْ حيثُ الاعتمادُ عليها، فهناك كتبٌ معتمدةٌ؛ لأنَّ الغالبَ فيها الصحةُ، وهناك كتبٌ مُنْتَقَدَةٌ؛ لأنَّ الغالبَ فيها مجافاةُ الصوابِ، ثمَّ هناك كتبٌ غريبةٌ، غيرُ معروفةٍ عند علماءِ المذهب، فعلى الناظرِ في كتب المذهبِ الاتجاه صوْب الكتبِ المعتمدةِ، وترك الَكتبِ المُنْتَقَدَةِ والغريبةِ (٢).
يقولُ شهابُ الدينِ القرافيُّ: "ينبغي أنْ يُحذَّرَ ممَّا وَقَعَ في زمانِنا مْنِ تساهلِ بعضِ الفقهاءِ بالفتوى مِن الكتب الغريبةِ التي ليس فيها روايةُ المفتي عن المجتهدِ بالسندِ الصحيحِ، ولا قَامَ مقام ذلك شهرةٌ عظيمةٌ تمنعُ مِن التصحيفِ والتحريفِ؛ بسببِ الشهرةِ" (٣).
وقد مثلَ القرافيُّ للكتبِ التي لا يُوْثَقُ بها بكتبِ الحواشي (٤).
стр. 439
وعلَّقَ القاضي ابنُ فرحون (١) على هذا قائلًا: "ومراده - أيْ: القرافي - إنْ كانت الحواشي غريبةَ النقلِ، وأمَّا إذا كان ما فيها موجودًا في الأمهاتِ، أو منسوبًا إلى محلِّه، وهي بخطٍ يُوْثَقُ به، فلا (٢) فرقَ بينها، وبين سائرِ التصانيف، ولم تَزَلِ العلماءُ وأئمةُ المذهب ينقلون ما على حواشي كتبِ الأئمةِ الموثوقِ بعلمِهم، المعروفة خطوطهمَ ... وأمَّا حيثُ يجهلُ الكاتبَ، ويكونُ النقلُ غريبًا، فلا شكَّ فيما قاله القرافيُّ، رحمه الله تعالى" (٣).
وإذا كانَ الكتابُ المذهبيُّ يُورِدُ الرواياتِ والأقوالَ الضعيفة، ولا يميّزُ بينها، وبين الأقوالِ المعتمدةِ، فلا يجوزُ الاعتمادُ على نقلِه، إذا لم تكنْ لدى الناظرِ فيه أهليةُ معرفةِ القولِ الضعيفِ (٤).
والتعويلُ في معرفةِ الكتبِ المعتمدةِ مِنْ غيرِها على ما قاله محققو المذهبِ نفسِه (٥).
الشرط السادس: أنْ لا يخالفَ القولُ المذكورُ في الكتابِ نصوصَ الإمامِ، وأصولَه.
стр. 440
قد يوجدُ في بعضِ الكتبِ المذهبيةِ - ولا سيما الكتب المذهبية المتأخرة - أقوالٌ منسوبةٌ إلى إمامِ المذهب، ويقفُ الناظرُ على نصٍّ للإمامِ يخالفُ هذه النسبةَ، أو يعرفُ الناظرُ أنَّ أَصولَ الإمام تَرُدُّ القولَ المنسوبَ إليه.
لا يخلو ما يجدُه الناظرُ في كتبِ المذهبِ مخالفًا لمنصوصِ الإمامِ مِنْ ثلاثِ حالات:
الحالة الأولى: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمام منصوصًا عنه، وليس مخرَّجًا.
فهنا يقعُ التعارضُ بين قولي الإمام، وسيأتي في مطلبٍ مستقلٍّ الحديثُ عن هذه المسألة.
الحالة الثانية: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ قولًا مخرّجًا على نصِّه.
فالتعويلُ على ما نصَّ عليه، ويبقى النظرُ في القولِ المخرّج، أخرّج بطريقٍ صحيحٍ، أم لا؟
فإن كانْ التخريجُ بطريقِ صحيحٍ بحيثُ يقوى على معارضةِ ما نصَّ عليه، كأنْ يكونَ في معنى ما نصَّ عليه، أو دلَّ عليه بمفهومِ الموافقةِ: وَقَعَ التعارضُ بين قولي الإمامِ، وسيأتي في مطلبٍ مستقلٍّ بحثُ هذه المسألةِ.
وإنْ كان التخريجُ بطريقٍ غيرِ صحيحِ، أو بطريقٍ صحيحٍ، لكن مِنْ شرطِ التخريجِ أنْ لا يخالفَ ما نصَّ عليه: لم تصحَّ نسبةُ القولِ المخرجِّ إلى الإمامِ، والتعويلُ في هذه الحالةِ على ما نصَّ عليه.
الحالة الثالثة: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ غيرَ محدد المصدرِ، كأنْ يقولَ: وعن الإمام: كذا، أو: في روايةٍ عنه، ونحو ذلك من الألفاظ.
стр. 441
في هذه الحالة لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ اعتمادًا على ما في الكتابِ، وعلى الناظرِ أنْ يحققَ قولَ الإمامِ بمراجعةِ مؤلفاتِه، وما يُقرره محققو مذهبِه.
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حين تحدّثَ عن التخريجِ في المذهبِ الشافعي: "الآراء التي تعدُّ خارجة عن المذهبِ - وهي التي يكون المخرَّجُ قد خالفَ فيها نصًّا للشافعي حَكَمَ به في واقعةٍ مِن الوقائعِ، أو خالفَ فيها قاعدةً مِن القواعدِ الأصوليةِ - فإنَّ هذه لا تحتسبُ مِنْ مذهبِ الشافعي؛ لمخالفتِها رأيه، أو لمنافاتِها في الاجتهادِ و (١) لأصلِه؛ إذ لا يُنسبُ إلى مذهب الشافعي ما يكون ضدَّ رأيه، ولا يُعدُّ مِنْ مذهبِه ما جَرَى على غيرِ أصولِهَ، وخُرَّجَ على غيرِ قواعدِه" (٢).
أمثلة ذلك:
المثال الأول: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "إنَّ المتأخرين أحدثوا حِيَلًا لم يصحَّ القولُ بها عن أحدٍ مِن الأئمةِ، ونسبوها إلى مذهبِ الشافعي وغيرِه، وهم مخطئون في نسبتِها إليه - على الوجهِ الذي يدّعونه - خطأ بيّنًا؛ يَعْرِفُه مَنْ عَرَفَ نصوصَ كلامِ الشافعي ... بلْ هو يكرهها، وينهى عنها ... وكثيرٌ مِن الحيلِ، أو أكثر الحيلِ المضافة إلى مذهبِه مِنْ تصرفاتِ بعضِ المتأخرين مِنْ أصحابِه" (٣).
المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "لا يُستحبُ تمسحُه بقبرِه - عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ - على الصحيح من المذهب.
قال في: (المستوعب) (٤): بلْ يُكْرَه؛ قال الإمامُ أحمدُ: أهلُ العلمِ كانوا لا يمسّونَه.
نقلَ أبو الحارثِ: يدنو منه، ولا يتمسح به، بلْ يقومُ حذاءه، فيُسَلّمُ.
стр. 442
وعنه: يتمسح به! " (١).
المثال الثالث: سُئِلَ تقيُّ الدين بنِ تيمية عن الدعاءِ عقيب الصلاةِ، أهو سنةٌ، أم لا؟ فأجابَ: "الحمدُ لله، لم يكن النبيُّ ﷺ يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس ... ومَنْ نَقَلَ عن الشافعي أنَّه استحب ذلك فقد غَلِطَ عليه، ولفظُه الموجودُ في كتبِه ينافي ذلك" (٢).
الشرط السابع: التثبّتُ مِنْ صحةِ التخريجِ إنْ كانَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ قولًا مخرَّجًا، إنْ أمكنَ ذلك.
يُوجدُ في مدوّناتِ المذاهبِ أقوالٌ مخرجةٌ لأئمتِهم، وفي بعضِها تصريحٌ بطريقِ التخريجِ؛ وهذا التصريحُ يعطي الناظرَ في القولِ المخرّجِ إمكانيةِ التثبتِ مِنْ صحةِ التخريجِ، ومِنْ صحةِ طريقِه.
فإنْ لم يتمكنْ مِنْ ذلك، نَسَبَ القولَ إلى الإمام كما في وَرَدَ في الكتابِ، محيلًا عليه؛ ليبرأَ مِنْ العهدةِ.
الشرط الثامن: خلوُّ القولِ المنسوبِ إلى إمامِ المذهبِ مِنْ العلةِ القادحةِ.
لا شكَّ في أنَّ لعلماءِ المذهبِ جهودًا في تحقيقِ أقوالِ إمامِهم، وتمييز ما تصحّ نسبته إليه ممَّا لا تصح، لكنْ قد يُوجد في بعضِ الكتبِ نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ، وتكونُ فيها غرابةٌ، فحينئذٍ لا ينسبُ القول إلى الإمامِ.
مثال ذلك: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "هذه الحيلُ التي هي محرّمةٌ في نفسِها، لا يجوز أنْ تُنسبَ إلى إمامٍ أنَّه أَمَرَ بها، فإنَّ ذلك قدحٌ في إمامتِه، وذلك قدحٌ في الأُمّةِ؛ حيثُ ائتموا بمَنْ لا يصلحُ للإمامةِ، وفي
стр. 443
ذلك نسبةٌ لبعضِ الأئمةِ إلى تكفيرٍ أو تفسيقٍ! وهذا غيرُ جائزٍ، ولو فُرِضَ أنَّه حُكِيَ عن واحدٍ منهم الأمرُ ببعضِ هذه الحيلِ المجمع على تحريمِها:
فإمّا أنْ تكونَ هذه الحكايةُ باطلةً، أو يكونَ الحاكي لم يضبط الأمرَ، فاشتبه عليه إنفاذُها بإباحتِها ... وإنْ لم يُحْمل الأمرُ على ذلك، لَزِمَ: إمَّا الخروجُ عن إجماعِ الأمةِ، أو القولُ يفسقِ بعضِ الأئمة أو كفرِه، وكلا هذين غيرُ جائزٍ" (١).
الحالة الثانية: أنْ ينقلَ المذهبَ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ في المذهبِ.
إذا كانَ الناظرُ في كتب المذهبِ سينسبُ القولَ إلى المذهبِ، لا إلى إمامِه، فيُشترطُ فيه ما تقدمَ آنفًا مِن الشروطِ ممَّا يصحُّ في هذا المقام، وهي:
الشرط الأول: صحّةُ نسبةِ الكتابِ إلى مؤلِّفِه.
الشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ.
الشرط الثالث: معرفةُ اصطلاحِ المؤلِّفِ، إنْ كان له اصطلاحٌ.
الشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحاتِ المذهبِ.
الشرط الخامس: الأخذُ مِن الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ، وتركُ الكتبِ المنتقدةِ والغريبةِ، وغيرِ المحررةِ.
الشرط السادس: أنْ لا يخالفَ القولُ المنسوبُ إلى المذهبِ أصولَ المذهبِ وقواعدَه.
فقد يُوجدُ في بعضِ المؤلفاتِ المذهبيةِ أقوالٌ مخرّجةٌ مِنْ أربابِ المذهبِ، وفي بعضِها مخالفةٌ لأصولِ المذهبِ، وحينئذٍ لا تصحُّ نسبتها إلى المذهبِ؛ لمخالفتِها لأصولِه وقواعدِه (٢).
стр. 444
أمثلة ذلك:
المثال الأول: يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "مَنْ قال مِن الفقهاءِ مِنْ أصحابِنا وغيرِهم: إنَّ الهدنةَ لا تصحُّ إلا مؤقتةً، فقولُه مع أنَّه مخالفٌ لأصولِ أحمدَ، يردُّه القرآنُ، وتردُّه سنةُ رسولِ الله ﷺ في أكثرِ المعاهدين" (١).
المثال الثاني: يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "فهذا الكلام - أي: قول بعض المالكية - يقتضي قبحَ صومِ يوم المولد، وجعلَه كيومِ العيدِ، مِنْ غيرِ استنادٍ إلى كتاب الله ولا سنةِ رسوله ﷺ ... الذي أدخله بعضُ المتأخرين في مذهبِ مالكٍ، ومالكٌ برئٌ منه براءة الشمسِ مِن اللمسِ، ولم يجرْ على أصولِ مذهبِه" (٢).
المثال الثالث: يقولُ الشيخُ بكر أبو زيد: "تقريرُ بعضِ الأصحابِ مشروعية شدَّ الرحالِ إلى قبرِ النبي ﷺ في أواخرِ كتابِ: الحجَّ، فلا روايةَ في هذا عن الإمامِ أحمدَ، ولا يُخرّجُ على مذهبِه، وإنَّما هو تفقه الصاحبِ، وهو غلطٌ ... ومنه قولُهم في كتابِ: الوقفِ بنفوذِ الوقفِ على بعضِ الأمورِ المبتدعةِ، مثل: الوقف على بناءِ القبابِ، وتشييدِ المشاهدِ عليها، وهذا لا روايةَ فيه عن أحمدَ، ولا يُخرّج على شيءٍ مِنْ مذهبِه" (٣).
والتعويل في تحقيقِ هذا الشرطِ على ما قامَ به محققو المذهبِ مِنْ تنقيحٍ للأقوالِ الموجودةِ في مدوّناتهم المذهبية، وتمييزِ ما كان منها مخالفًا لأصولِ المذهبِ.
الشرط السابع: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى المذهبِ مِن الأقوالِ المعتمدةِ.
стр. 445
لا شكَّ أنَّ في الكتبِ المؤلفةِ في المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ أقوالًا غيرَ معتمدةٍ عند أصحاب المذهبِ أنفسِهم، ومثلُ هذه الأقوالِ لا تجوز نسبتُها إلى المذهبِ، إلا مَع الإشارةِ إلى ضعفِها فيه.
وتمكن معرفةُ الأقوالِ التي لا يُعتمد عليها في المذهبِ بالاصطلاحاتِ الدارجةِ في المذهبِ، والتي يُعرفُ مِنْ خلالِها القولُ المعتمدُ مِنْ غيرِه (١)، وبالرجوعِ إلى الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ.
المسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب
ليس كلُّ قولٍ وُجدَ منسوبًا إلى مذهبٍ مِن المذاهبِ، أو إلى إمامٍ مِن الأئمةِ تصحُّ نسبتُه إليهما، بلْ هناك شروطٌ للنقلِ - وقد سَبَقَ بيانُها - وهناك صورٌ عديدةٌ لنقلِ المذهبِ يَعْتريها الخطأ؛ لعدمِ اكتمالِ شروطِ النقلِ.
وسأعرضُ في هذه المسألةِ أهمَّ صور الخطأِ وأبرزِها، مردفًا كلّ صورة بمثالٍ ما أمكنني ذلك:
الصورة الأولى: أنْ يُنسبَ قولٌ إلى إمامِ المذهبِ، أو إلى مذهبه، والحالُ أنَّه لم يقلْ بهذا القول.
يوجدُ في بعضِ الكتبِ نسبةُ أقوالٍ إلى إمام المذهبِ، أو إلى مذهبِه، وتكون هذه النسبةُ نسبةً غيرَ صحيحةٍ.
وتُعدّ هذه الصورة مِن الصورِ الشائعةِ في الخطأ في نقلِ المذهبِ، ولذا تجدُ العلماءَ المحققين يُفنَّدون النسبةَ الخاطئةَ، ويبيّنونَ الصوابَ فيها.
يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "المنحرفون مِنْ أتباعِ الأئمةِ في الأصولِ والفروعِ ... انحرافهم أنواع: أحدها: قولٌ لم يقلْه الإمامُ، ولا أحدٌ مِن
стр. 446
المعروفين مِنْ أصحابِه بالعلمِ" (١).
وقد تقدم في المسألةِ الثالثةِ التمثيلُ بخطأِ الحافظِ ابن عبد البرِ حين نسَبَ إلى الإمامِ أحمدَ القولَ باستحبابِ تكبيراتِ الانتقالِ.
الصورة الثانية: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ لم يقلْه، وحقيقتُه أنَّه قولُ أحدِ أربابِ مذهبِه.
قد ينسبُ أحدٌ قولًا ما إلى إمامِ المذهبِ نفسِه، ويكون صوابُ النسبةِ أنَّه قولٌ لأحدِ أتباعِه (٢).
يقولُ ابنُ أبي العزَّ الحنفيُّ: "كثيرًا ما يكون ذلك النصّ - أيْ: نصّ الإمام - مِنْ كلامِ بعضِ الأصحاب في الفتاوى، ولم يكن لذلك الإمامِ في تلك المسألةِ قولٌ منقولٌ" (٣).
مثال ذلك: يقولُ أبو عبدِ الله المازري: "قد رأيتُ بعضَ مَنْ صنّف مسائل الخلافِ ذَكَرَ أنَّ مالكًا يقول: إذا انفضّوا عنه - أيْ: انفض المأمومون عن إمامِ الجمعة - بعدما صلَّى ركعةً بسجدتين أنَّها جمعةٌ ... ولم أقف لمالكٍ على هذا، ولعلَّ هذا الحاكي وَقَفَ على مذهبِ أشهب (٤)،
стр. 447
فظنَّ أنَّه مذهبُ مالكٍ؛ لكونِ أشهبَ مِنْ أصحابِه" (١).
الصورة الثالثة: نسبةُ قولٍ إلى أحدِ أتباعِ إمامِ المذهبِ لم يقلْه، وحقيقتُه أنَّه قول إمامِ المذهبِ (٢).
الصورة الرابعة: أنْ يقولَ إمامُ المذهب قولًا، فيزاد عليه، أو يجعل كلامه عامًا أو مطلقًا، وليس الأمر كذلك (٣)، أو يضاف إلى كلامه قيدٌ لم يذكرْه، ثم ينسب جميعه إليه (٤).
الصورة الخامسة: عدمُ التفريقِ بين قولِ إمامِ المذهبِ المنصوصِ عنه، وقولِه المخرَّجِ.
لا شكَّ في أنَّ القولَ المخرَّجَ أقلُّ درجةً مِن القولِ المنصوصِ في الجملةِ، ولذا فإنَّ نسبةَ القولِ المخرَّج بإطلاقٍ، دونَ إشارةٍ إلى كونِه مخرَّجًا، يُوقعُ في اللبسِ، أهو منصوصُ، أم مخرَّج؟ وكم مِنْ قولٍ نُسبَ إلى إمامِ المذهبِ بإطلاق، وكان مخرَّجًا (٥).
يقولُ شاه ولي الله الدَهْلوي: "منها - أيْ: مِن المسائل التي يُنبَّه عليها -: أنِّي وجدتُ بعضَهم يزعمُ أنَّ جميعَ ما يوجدُ في هذه الشروحِ الطويلةِ، وكتب الفتاوى الضخمةِ هو قول أبي حنيفةَ وصاحبيه، ولا يفرِّق بين القولِ المخَرَّجِ، وبين ما هو قولٌ في الحقيقةِ، ولا يحصِّل معنى قولِهم: على تخريجِ الكرخي كذا، وعلى تخريجِ الطحاوي (٦) كذا، ولا يميِّز بين
стр. 448
قولِهم: قال أبو حنيفةَ: كذا، وبين قولِهم: جوابُ المسألةِ على مذهبِ أبي حنيفةَ، أو على أصلِ أبي حنيفةَ: كذا، ولا يصغي إلى ما قاله المحققون مِن الحنفيين ... " (١).
الصورة السادسة: الاعتمادُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ على قولٍ رَجَعَ عنه (٢).
لا ريبَ في أنَّ أقوالَ الإمام قد تتغيّرُ مِنْ وقت لآخر؛ نتيجةَ تجديدِ اجتهادِه، وهذا أمرٌ لا إشكال فيه، ويردُ الخطأُ إلى مَنْ يجعل القولَ الذي رَجَعَ عنه الإمامُ هو قوله المعتمد، ويُغْفِلُ ذكرَ رجوعِه عن القول، وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ بعينها.
الصورة السابعة: إبداءُ مأخذٍ بعيدٍ لقولِ إمامِ المذهبِ.
قد يَرِد عن إمامِ المذهب أقوالٌ مجرّدة، لم يُشِرْ إلى عللها، فيأتي أتباعُه، فيجتهدون في البحثِ عمّا يمكنُ أنْ يكونَ مأخذًا لقولِ إمامهم، ويأتي الخطأ إلى مَنْ يبدي مأخذًا لقولِ إمامِه فيه بُعدٌ عن الصوابِ.
ويترتبُ على هذا الأمرِ عدمُ فهمِ كلامِ الإمامِ على وجهِه (٣)، والإلحاقُ على قولِه؛ بناءً على المأخذِ البعيدِ، فيُنْسَبُ إلى الإمامِ ما لم يُرِدْه.
стр. 449
والذي يحدّدُ بُعْدَ المأخذِ عن الصوابِ، أو قربِه منه هم محققو المذهبِ، ممَّنْ لهم مزيدُ عنايةٍ وبَصَرٍ بأقوالِ إمامِهم، ومعرفة مآخذِها وعللها المنصوصة، الأمر الذي يساعدُهم في معرفةِ المآخذِ المسكوتِ عنها.
يقولُ ابنُ رجبٍ: "مَنْ تأمّلَ كلامَه - أي: كلام الإمام أحمد - في الفقه، وفَهِم مأخذَه ومدركه فيه، عَلِمَ قوةَ فهمِه، واستنباطِه.
ولدقَّة كلامِه في ذلك، رُبَّما صَعُب فهمُه على كثيرٍ مِنْ أئمةِ أهلِ التصنيفِ ممَّنْ هو على مذهبِه، فيَعْدِلون عن مآخذِه الدقيقةِ إلى مآخذ أخر ضعيفة، يتلقّونها عن غيرِ أهلِ مذهبِه، ويَقَعُ بسببِ ذلك خللٌ كثيرٌ في فهمِ كلامِه، وحملِه على غيرِ محاملِه" (١).
الصورة الثامنة: بناءُ فرعٍ مذهبي على غيرِ قاعدتِه.
يوجد في مدوّناتِ المذاهبِ الفقهيةِ فروعٌ فقهيةٌ لم تُحددْ قواعدُها الأصوليةُ التي يمكن إدراجها تحتها، وقد يجتهدُ بعضُ أرباب المذهبِ في رَدَّ الفروعِ إلى قواعدِها الأصوليةِ، ويأتي الخطأُ في نقلِ المَذهب إلى مَنْ يَرُدّ الفرعَ المذهبيَّ إلى غيرِ قاعدِته، فليس الخطأُ في حكمِ الفَرعِ؛ لأنَّ حكمَه معلومٌ، بل الخطأ في بنائه على غيرِ أصلِه.
مثال ذلك:
المثال الأول: ذَكَرَ ابنُ اللحامِ فروعًا فقهيةً مخرَّجةً على مسألةِ: (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ )، فقال: "منها: المرتدُّ إذا أسلمَ، فهلْ يلزمُه قضاءُ ما تَرَكَ مِنْ العباداتِ زَمَنَ الردةِ؟ على روايتين: المذهبُ: عدمُ اللزومِ. بناهما ابنُ الصيرفي (٢)، والطوفيُّ على القاعدةِ، وليس بناءً جيدًا مِنْ وجهين:
стр. 450
أحدهما: أنَّ المذهبَ عدمُ لزومِ القضاء والمذهب: تكليفُ الكفارِ بالفروعِ.
الثاني: أنَّ الروايتين إنَّما هما في المرتدَّ، وأمّا الأصلي فلا يلزمُه قضاءٌ بالإجماعِ.
لكن قد يتخرَّج لزومُ القضاءِ على قولِ مَنْ يقولُ: المرتدُّ مكلّفٌ بالفروعِ، دونَ الأصلي" (١).
المثال الثاني: ما ذكره ابنُ اللحامِ - أيضًا - تحتَ مسألةِ: (هل الواو العاطفة تفيد الترتيب؟ )، فقالَ: "ومنها: ما قاله بعضُهم: إنَّ وجوبَ الترتيبِ في الوضوءِ، والبُداءةِ بالصفا، بناءً على أنَّ الواوَ للترتيبِ.
وليس بناءً جيدًا؛ لأنَّ المذهبَ الصحيحَ أنَّها ليستْ للترتيبِ، والمذهبُ الصحيحُ: وجوبُ الترتيب، والبُداءةُ بالصفا، وإنَّما ثبت هذا بأدَلةٍ غيرِ الواوِ" (٢).
ويلتحق بهذه الصورةِ: الاستدلالُ للمذهبِ بأدلةٍ مأخوذةٍ مِن المذاهب الأخرى؛ نظرًا لاتفاقِ المذهبين في الرأي، دونَ مراعاةٍ لاختلافِ أصولِ المذهبينِ، فما يستقيمُ الاستدلالُ به لمذهبٍ مِن المذاهبِ قد لا يستقيمُ الاستدلالُ به عند غيرِهم، وإن اتفقوا على الحكمِ، ويكون مردُّ ذلك إلى اختلافِ أصولِ المذهبين.
الصورة التاسعة: نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ما مثّلَ به،
стр. 451
أو على ما ساقه في غيرِ مساقِه الأصلي (١)، أو على فتواه دونَ مراعاةِ خصوصيتها.
قد يوردُ إمامُ المذهبِ في تضاعيف حديثِه عن مسألةٍ ما حكمَ فرعٍ فقهيٍّ ساقه مساقَ التنظيرِ والتمثيلِ فحسب، أو في سياقِ الإلزامِ للمخالفِ، فلم يُرِدْ تقريرَ حكمِه - وإنَّما قَصَدَ التمثيلَ أو الإلزامَ ونحوهما - لذا فنسبةُ القولِ إليه اعتمادًا على ما مثَّلَ به غيرُ جيّدةٍ.
يؤكّدُ ما سَبَقَ: أنَّ بعضَ المصنفين ينصُّ على عدمِ تحقيقِ الكلامِ على أمثلةِ المسألةِ، لأنَّ المقامَ مقامُ تمثيلٍ، وليس مقام تحقيقٍ (٢).
وكذلك إذا أفتى بفتيا قد يكون فيها مراعاةٌ لحالِ السائلِ، وخصوصية للحالةِ الواقعةِ، فينبغي التثبّتُ في مثلِ هذا الأمرِ.
يقولُ تقيُّ الدينِ السبكي: "نَجِدُ في فتاوى بعضِ المتقدمين ما ينبغي التوقّفُ في التمسكِ به في الفقهِ، ليس لقصورِ ذلك المفتي - معاذ الله - بلْ لأنَّه قد يكون في الواقعةِ التي سُئِلَ عنها ما يقتضي ذلك الجوابَ الخاص، فلا يطّردُ في جميعِ صورِها" (٣).
الصورة العاشرة: نقلُ المذهبِ في مسألةٍ بُنِيَ الحكمُ فيها على العُرفِ (٤)،
стр. 452
مع عدم مراعاةِ اختلافِ الأعرافِ (١).
يُوْجَدُ في مُدوّناتِ المذاهب الفقهيةِ أحكامٌ مبنيةٌ على العُرفِ، والعُرفُ - كما هو معلومٌ - يتغيّرُ ويتبدلُ، ويأتي الخطأُ إلى مَنْ ينقلُ المذهبَ دونَ انتباهٍ إلى بناءِ الحكمِ فيه على العُرفِ، الأمر الذي يجعلُ المذهبَ تابعًا لتغيّرِ العُرفِ.
يقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: "إيّاكَ أنْ تقولَ: أَنَا لا أفهمُ منه - أيْ: من قول القائل: أنتِ عليَّ حرام - إلا الطلاقَ؛ لانَّ مالكًا ﵀ قاله، أو لأنَّه مسطورٌ في كتبِ الفقهِ؛ لأنَّ ذلك غَلَط، بلْ لا بُدّ أنْ يكونَ ذلك الفهمُ حاصلًا لك مِنْ جهةِ الاستعمالِ والعادةِ، كما يحصلُ لسائرِ العوامّ - كما في لفظِ: الدابةِ والبحرِ والروايةِ - فالفقيهُ والعامي في هذه الألفاظِ سواءٌ في الفهمِ، لا يسبقُ إلى أفهامِهم إلا المعاني المنقول إليها، هذا هو الضابط، لا فهم ذلك مِنْ كتبِ الفقهِ ... بل المسطّرُ في الكتب تابعٌ لاستعمالِ الناسِ، فافهمْ ذلك" (٢).
стр. 453
ويقولُ - أيضًا -: "قد غَفَلَ كثيرٌ مِن الفقهاءِ، ووَجَدُوا الأئمةَ الأُول قد أفتوا بفتاوى بناءً على عوائد لهم، وسطّروها في كتبِهم؛ بناءً على عوائدِهم، ثمَّ المتأخرون وَجَدُوا تلك الفتاوى، فأفتوا بها، وقد زالتْ تلك العوائدُ، فكانوا مخطئين خارقين للإجماعِ؛ فإنَّ الفتيا بالحكمِ المبني على مُدْرَكٍ، بعدَ زوالِ مُدْرَكِه خلافُ الإجماعِ، ومِنْ ذلك: لفظُ: الحرام والخَلِيّة ... مسطورٌ لمالكٍ أنَّه يُلزِمُ به الطلاق الثلاث؛ بناءً على عادةٍ كانتْ في زمانِه، فأكثر المالكيةِ اليومَ يفتي بلزومِ الطلاقِ الثلاثِ؛ بناءً على المنقولِ في الكتبِ عن مالكٍ، وتلك العوائدُ قد زالتْ" (١).
ولذا نبّه جمعٌ مِن المحققين إلى ضرورةِ مراعاةِ عُرفِ المتكلمِ في ألفاظِه في الأيمانِ والأقارير ونحوِهما؛ لئلا يقعَ الخطأُ في فهمِ مرادِه؛ نتيجةَ اختلافِ عُرْفِ بلدِه (٢).
ويلحق بهذه الصورةِ: ما في المذهب مِنْ أقوال مبنيّةٍ على مصلحةٍ أو ضرورةٍ، ثمَّ اختلفَ الحالُ بعدَ زمنٍ، فتغيّرت المصلحةُ، وانتفَت الضرورةُ؛ فإنَّ هذه الأقوالَ المسطّرةَ في المذهبِ لا تبقى حينئذٍ، بلْ تتغيّر؛ لتغيِّر مُدْرَكِ الحكمِ (٣).
الصورة الحادية عشرة: تخريجُ قاعدةٍ أصوليةٍ للمذهبِ بناءً على استقراء فروعٍ مذهبيةٍ قليلةٍ.
اتجه بعضُ علماءِ المذاهبِ إلى تخريجِ قواعد مذهبِهم الأصولية بناءً على الفروعِ الفقهيةِ المنقولةِ عن أئمتِهم، ويتطرقُ الخطأُ إلى مَن يُخرِّجُ
стр. 454
قاعدةً أصوليةً لمذهبِه بناءً على فروعٍ فقهيةٍ قليلةٍ، أو على فرعٍ فقهي واحدٍ! دونَ استقراء لبقيةِ فروعِ المذهبِ (١).
وللوقوعِ في الصورِ السابقةِ أسبابٌ، منها:
السبب الأول: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهب بناءً على نقلٍ لا يصحُّ، أو مِنْ كتابٍ لا تصحُّ نسبتُه إليه.
وردتْ أقوالٌ عن بعضِ الأئمةِ بنقلِ الناقلين، وقد يوجدُ في أسانيدِ بعضِها ما يجعلُ النقلَ غيرَ ثابتٍ، كنقلِ غيرِ الثقةِ مثلًا، أو عدم اتصالِ السندِ (٢).
وكذلك الحالُ فيما يتصلُ بنسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ اعتمادًا على كتابٍ لا تصحُّ نسبتُه إليه، وقد تقدم تقرير هذا الأمرِ في المسألةِ الثالثةِ.
السبب الثاني: نقلُ قولِ إمامِ المذهبِ بناءً على ما انفردَ به أحدُ الرواةِ عنه (٣).
وقد تقدم الحديثُ عن هذا.
السبب الثالث: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ مخالفٍ لأقوالِه، أو لأصولِه (٤).
وقد تقدم الحديث عن هذا.
السبب الرابع: نسبةُ جميعِ ما في كتبِ المذهبِ مِنْ أحكامٍ إلى إمامِ المذهبِ.
حَوَتْ مدوّنات المذاهبِ الفقهيةِ عددًا كبيرًا مِن الفروعِ والأحكامِ المذهبيةِ، وكما هو معلومٌ، فإنَّ مِن هذه الفروعِ ما نصَّ إمامُ المذهبِ على
стр. 455
حكمِه، ومنها: ما خُرِّجَ على قولِه أو على أصلِه، ومنها: ما هو تفقّه مِنْ أربابِ مذهبه، ولذا فلا ينسب كلُّ ما في المذهب مِنْ أحكامٍ إلى إمامِه.
وحين لا يَعْلمُ الناظرُ في كتابٍ مِنْ كتبٍ المذهبِ قولَ الإمامِ على وجهِ التعيين، فليس له أنْ ينسبَه إليه، بناءً على ما في كتَبِ المذهبِ، لكنْ له أنْ ينسبَ الحكمَ إلى المذهبِ في ضوءِ الشروطِ المبَيّنةِ في المسألةِ الثالثةِ.
وقد تقدم لنا كلامُ ابنِ القيّمِ في المسألةِ الثالثةِ في بيانِ حالِ بعضِ المدوناتِ المذهبيةِ مِنْ جهةِ اشتمالِها على أقوال مخالفةٍ لأقوالِ إمامِ المذهب.
يقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي (١): "لا يجوزُ أنْ يُقالَ في حكمٍ: هذا مذهبُ الشافعي، إلا إنْ عَلِمَ كونَه نصَّ على ذلك بخصوصه، أو كونه مخرَّجًا مِنْ نصوصِه، على الخلافِ في نسبةِ القولِ المخرَّجِ إليه" (٢).
ويقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "يجبُ على المرءِ أنْ يتنبَّه تَنَبُّهًا تامًّا للفرقِ بين أقوالِ الإمامِ التي قالها حقًّا، وبين ما أُلحق بعدَه على قواعد مذهبِه، وما زاده المتأخرون وقتًا بعدَ وقتٍ ... فنسبةُ جميعِ ذلك للإمامِ مِن
стр. 456
الباطلِ الواضحِ" (١).
السبب الخامس: تنزيلُ أقوالِ إمام المذهبِ واصطلاحاتِه على اصطلاحِ المتأخرين (٢).
وقد تقدمَ الحديثُ عن هذا.
السبب السادس: عدمُ معرفةِ مصطلحاتِ المذهبِ.
وقد تقدم الحديث عن ضرورة معرفة مصطلحات المذهب.
السبب السابع: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ غيرِ صحيحٍ.
وقد تقدمَ لنا الحديثُ عن طرقِ تخريج أقوالِ إمامِ المذهبِ، ومنها ما لا يصحُّ التخريجِ عن طريقِه.
السبب الثامن: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ صحيحٍ، دونَ استكمالِ شروطِ التخريجِ.
قد يخرَّجُ أحدُ أتباعِ المذهب قولًا لإمامِه عن طريقٍ صحيحٍ، لكنْ يَعْتَور تخريجَه خطأ مِنْ جهةِ عدمِ اسَتكمالِ شروطِه، فمِن الخطأِ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على هذا التخريجِ.
السبب التاسع: نقلُ المذهب مِن الكتب المذهبيةِ غيرِ المعتمدةِ أو الغريبةِ أو غيرِ المحررةِ.
وقد تقدم الحديثُ عن هذا.
السبب العاشر: أخذُ أقوالِ المذهبِ الفقهيةِ مِنْ غيرِ كتبِه الفقهيةِ، وأخذُ أقوال المذهبِ الأصوليةِ مِنْ غيرِ كتبِه الأصوليةِ.
لا شكَّ في أنَّ محلَّ تحريرِ أحكامِ المذهبِ في الفروعِ الفقهيةِ هو كتب الفقهِ المذهبيةِ، ومحلَّ تحرير المسائلِ الأصولية هو كتب المذهبِ
стр. 457
الأصوليةِ، ومِن الخطإِ في نقلِ المذهبِ الاعتمادُ على غيرِ كتبِه الفقهيةِ والأصوليةِ.
وقد ينسبُ بعض الناسِ إلى مذهبِ الحنفيةِ مثلًا قولًا اعتمادًا على ما أورده أحدُ علمائِهم في كتابٍ ألّفه في الحديثِ، أو في القواعد الفقهية، ونحوهما، وهذا خطأٌ؛ لوجهين:
الوجه الأول: وجودُ الكتبِ المعتمدةِ في الفقهِ وأصولِه، وهي تُغني عن غيرِها.
الوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في نسبةِ المذهبِ في بعضِ الكتبِ التي لم تُؤلّفْ في الفقهِ والأصولِ (١).
السبب الحادي عشر: نسبةُ قولٍ إلى المذهبِ اعتمادًا على كتبِ المذاهبِ الأخرى.
الأصلُ في نقلِ المذاهبِ أنْ تؤخذَ مِنْ مؤلفاتِ أتباعِها، فلكلَّ مذهبٍ مصادرُه ومدوّناته المعتمدة.
يقولُ محيي الدين النووي: "لا نأخذُ مذهبَنا عن المخالفين" (٢).
ونقلُ المذهبِ مِنْ غيرِ مؤلفاتِ أربابِه خطأٌ؛ لوجهين:
الوجه الأول: وجودُ كتبِ المذهبِ المعتمدةِ وتوافرها، فليس هناك حاجةٌ إلى الاعتمادِ على كتبِ غيرِهم.
الوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في ذكرِ أقوالِ المذهبِ في مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، ولا سيما أنَّ بعضَ متعصبةِ المذاهب أَعْمَاهم التعصبُ، فعمدوا إلى تحريفِ آراء مخالفيهم، فقوّلوهم ما لَم يقولوه، فجاءَتْ حكايتُهم لآراء غيرِهم مغلوطةً (٣).
стр. 458
يقول أبو شامةَ المقدسي: "إذا كانَ الخللُ قد وَقَعَ منهم - أيْ: مِنْ أربابِ المذهبِ - في نقلِ نصوصِ إمامِهم، فما الظنُّ بما ينقلونه مِنْ نصوصِ باقي المذاهبِ؟ ! فترى في كتبِهم أشياءَ ينكرها أصحابُ تلك المذاهبِ" (١).
* * *
стр. 459
المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب
وفيه تسعة عشر فرعًا:
الفرع الأول: الرواية
الفرع الثاني: التنبيه
الفرع الثالث: القول
الفرع الرابع: الوجه
الفرع الخامس: الاحتمال
الفرع السادس: التخريج
الفرع السابع: النقل والتخريج
الفرع الثامن: الصحيح
الفرع التاسع: المعروف
الفرع العاشر: الراجح
الفرع الحادي عشر: قياس المذهب
الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب
الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب
الفرع الرابع عشر: الضعيف
الفرع الخامس عشر: المنكر.
الفرع السادس عشر: الشاذ
الفرع السابع عشر: الطرق
الفرع الثامن عشر: الإجراء
الفرع التاسع عشر: التوجيه
стр. 460
توطئة
لقد اهتمَّ أتباعُ المذاهبِ بما جاءَ في مدوّناتِ مذهبِهم مِنْ مسائلَ، فأجروا اصطلاحات خاصة لتمييزِ المسائلِ المذكورةِ فيها.
وقبل إيرادِ مصطلحات المذاهبِ، أنبّه إلى الآتي:
الأول: لا ضيرَ في اختلافِ الاصطلاحِ في نقلِ المذهبِ؛ لأنّه لا مشاحةَ في الاصطلاحِ، فمِن السائغِ أنْ يصطلحَ علماءُ الشافعيةِ على معنى خاص للفظٍ معيّنٍ، في حين يصطلح علماءُ المالكيةِ على معنى آخر لذلك اللفظِ، فلا يُوجدُ في هذا المقامِ ترجيحٌ بين اصطلاحاتِ المذاهبِ، وإنَّما المقامُ مقامُ بيانِها.
يقولُ شمسُ الدينِ البعلي: "كلُّ ذلك - أيْ: معاني ألفاظ نقل المذاهب - اصطلاحٌ، لا حجرَ على الناسِ فيه" (١).
الثاني: قد يختلفُ علماءُ المذهبِ الواحدِ في تحديدِ معنى المصطلحِ.
الثالث: أغفلتْ بعضُ المذاهبِ تعريفَ بعضِ المصطلحاتِ؛ وذلك إمَّا لعدمِ ورودِها في كتبِهم، وإمَّا لأنَّهم لم يَخْرجوا في استعمالِهم لها عن معناها اللغوي (٢).
الرابع: - وهو متمّم للثالثِ - وردتْ بعضُ المصطلحاتِ في مذهبِ أو في عددٍ مِن المذاهبِ، في حين أنَّها لم تَرِدْ عند مذهبٍ آخر.
الخامس: سأوردُ تعريفاتِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ، مبتدئًا بالمذهبِ الحنفي، فالمالكي، فالشافعي، فالحنبلي - إلا إذا لم أقفْ للمذهبِ على اصطلاحٍ، فإنِّي أُغفلُ ذكرَه - مُتبِعًا اصطلاح كلِّ مذهبٍ بأمثلةٍ مِن كتبِه.