← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الباطلِ الواضحِ" (١). السبب الخامس: تنزيلُ أقوالِ إمام المذهبِ واصطلاحاتِه على اصطلاحِ المتأخرين (٢). وقد تقدمَ الحديثُ عن هذا. السبب السادس: عدمُ معرفةِ مصطلحاتِ المذهبِ. وقد تقدم الحديث عن ضرورة معرفة مصطلحات المذهب. السبب السابع: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ غيرِ صحيحٍ. وقد تقدمَ لنا الحديثُ عن طرقِ تخريج أقوالِ إمامِ المذهبِ، ومنها ما لا يصحُّ التخريجِ عن طريقِه. السبب الثامن: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ صحيحٍ، دونَ استكمالِ شروطِ التخريجِ. قد يخرَّجُ أحدُ أتباعِ المذهب قولًا لإمامِه عن طريقٍ صحيحٍ، لكنْ يَعْتَور تخريجَه خطأ مِنْ جهةِ عدمِ اسَتكمالِ شروطِه، فمِن الخطأِ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على هذا التخريجِ. السبب التاسع: نقلُ المذهب مِن الكتب المذهبيةِ غيرِ المعتمدةِ أو الغريبةِ أو غيرِ المحررةِ. وقد تقدم الحديثُ عن هذا. السبب العاشر: أخذُ أقوالِ المذهبِ الفقهيةِ مِنْ غيرِ كتبِه الفقهيةِ، وأخذُ أقوال المذهبِ الأصوليةِ مِنْ غيرِ كتبِه الأصوليةِ. لا شكَّ في أنَّ محلَّ تحريرِ أحكامِ المذهبِ في الفروعِ الفقهيةِ هو كتب الفقهِ المذهبيةِ، ومحلَّ تحرير المسائلِ الأصولية هو كتب المذهبِ

стр. 457

الأصوليةِ، ومِن الخطإِ في نقلِ المذهبِ الاعتمادُ على غيرِ كتبِه الفقهيةِ والأصوليةِ. وقد ينسبُ بعض الناسِ إلى مذهبِ الحنفيةِ مثلًا قولًا اعتمادًا على ما أورده أحدُ علمائِهم في كتابٍ ألّفه في الحديثِ، أو في القواعد الفقهية، ونحوهما، وهذا خطأٌ؛ لوجهين: الوجه الأول: وجودُ الكتبِ المعتمدةِ في الفقهِ وأصولِه، وهي تُغني عن غيرِها. الوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في نسبةِ المذهبِ في بعضِ الكتبِ التي لم تُؤلّفْ في الفقهِ والأصولِ (١). السبب الحادي عشر: نسبةُ قولٍ إلى المذهبِ اعتمادًا على كتبِ المذاهبِ الأخرى. الأصلُ في نقلِ المذاهبِ أنْ تؤخذَ مِنْ مؤلفاتِ أتباعِها، فلكلَّ مذهبٍ مصادرُه ومدوّناته المعتمدة. يقولُ محيي الدين النووي: "لا نأخذُ مذهبَنا عن المخالفين" (٢). ونقلُ المذهبِ مِنْ غيرِ مؤلفاتِ أربابِه خطأٌ؛ لوجهين: الوجه الأول: وجودُ كتبِ المذهبِ المعتمدةِ وتوافرها، فليس هناك حاجةٌ إلى الاعتمادِ على كتبِ غيرِهم. الوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في ذكرِ أقوالِ المذهبِ في مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، ولا سيما أنَّ بعضَ متعصبةِ المذاهب أَعْمَاهم التعصبُ، فعمدوا إلى تحريفِ آراء مخالفيهم، فقوّلوهم ما لَم يقولوه، فجاءَتْ حكايتُهم لآراء غيرِهم مغلوطةً (٣).

стр. 458

يقول أبو شامةَ المقدسي: "إذا كانَ الخللُ قد وَقَعَ منهم - أيْ: مِنْ أربابِ المذهبِ - في نقلِ نصوصِ إمامِهم، فما الظنُّ بما ينقلونه مِنْ نصوصِ باقي المذاهبِ؟ ! فترى في كتبِهم أشياءَ ينكرها أصحابُ تلك المذاهبِ" (١). * * *

стр. 459

المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب وفيه تسعة عشر فرعًا: الفرع الأول: الرواية الفرع الثاني: التنبيه الفرع الثالث: القول الفرع الرابع: الوجه الفرع الخامس: الاحتمال الفرع السادس: التخريج الفرع السابع: النقل والتخريج الفرع الثامن: الصحيح الفرع التاسع: المعروف الفرع العاشر: الراجح الفرع الحادي عشر: قياس المذهب الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب الفرع الرابع عشر: الضعيف الفرع الخامس عشر: المنكر. الفرع السادس عشر: الشاذ الفرع السابع عشر: الطرق الفرع الثامن عشر: الإجراء الفرع التاسع عشر: التوجيه

стр. 460

توطئة لقد اهتمَّ أتباعُ المذاهبِ بما جاءَ في مدوّناتِ مذهبِهم مِنْ مسائلَ، فأجروا اصطلاحات خاصة لتمييزِ المسائلِ المذكورةِ فيها. وقبل إيرادِ مصطلحات المذاهبِ، أنبّه إلى الآتي: الأول: لا ضيرَ في اختلافِ الاصطلاحِ في نقلِ المذهبِ؛ لأنّه لا مشاحةَ في الاصطلاحِ، فمِن السائغِ أنْ يصطلحَ علماءُ الشافعيةِ على معنى خاص للفظٍ معيّنٍ، في حين يصطلح علماءُ المالكيةِ على معنى آخر لذلك اللفظِ، فلا يُوجدُ في هذا المقامِ ترجيحٌ بين اصطلاحاتِ المذاهبِ، وإنَّما المقامُ مقامُ بيانِها. يقولُ شمسُ الدينِ البعلي: "كلُّ ذلك - أيْ: معاني ألفاظ نقل المذاهب - اصطلاحٌ، لا حجرَ على الناسِ فيه" (١). الثاني: قد يختلفُ علماءُ المذهبِ الواحدِ في تحديدِ معنى المصطلحِ. الثالث: أغفلتْ بعضُ المذاهبِ تعريفَ بعضِ المصطلحاتِ؛ وذلك إمَّا لعدمِ ورودِها في كتبِهم، وإمَّا لأنَّهم لم يَخْرجوا في استعمالِهم لها عن معناها اللغوي (٢). الرابع: - وهو متمّم للثالثِ - وردتْ بعضُ المصطلحاتِ في مذهبِ أو في عددٍ مِن المذاهبِ، في حين أنَّها لم تَرِدْ عند مذهبٍ آخر. الخامس: سأوردُ تعريفاتِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ، مبتدئًا بالمذهبِ الحنفي، فالمالكي، فالشافعي، فالحنبلي - إلا إذا لم أقفْ للمذهبِ على اصطلاحٍ، فإنِّي أُغفلُ ذكرَه - مُتبِعًا اصطلاح كلِّ مذهبٍ بأمثلةٍ مِن كتبِه.

стр. 461

السادس: قد تدلُّ بعضُ المصطلحاتِ على درجةِ القولِ في المذهبِ قوةً وضعفًا، ومدى إمكانِ الاعتمادِ عليه، وهذا ما يُؤكّدُ أهمية معرفةِ معاني المصطلحاتِ عند المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة؛ لئلا يقعَ الخطأُ في نقل أقوالِهم. السابع: قد يتصلُ بالمصطلحِ الواحدِ مصطلحٌ مرتبطٌ به، كمصطلح: (الأصحِّ) مع (الصحيحِ)، و (الأشهر) مع (المشهورِ)، وحينئذٍ سأذكرُ المصطلحَ، وما يتصلُ به. الفرع الأول: الرواية أولًا: التعريف اللغوي للرواية: الرِّوايةُ: مصدرٌ مِن الفعلِ رَوَى، يُقالُ: رَوَى فلانٌ الحديثَ يَرْوِيه رِوَايةً، فهو راوٍ (١). وتطلقُ الرِّوايةُ باعتبارِها مصدرًا، ويُراد بها اسم المفعولِ، فهي روايةٌ بمعنى مَرْوّيةٍ (٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الراءُ والواو والياءُ أصلٌ واحدٌ، ثم يُشتقُ منه، فالأصلُ: ما كان خلافَ العطشِ، ثمَّ يُصرّفُ في الكلامِ لحاملِ ما يروى منه. فالأصل رَوَيْتُ مِن الماء رِيًّا ... ثم شُبَّه به الذي يأتي القومَ بعلمٍ أو خبرٍ، فيرويه، كأنَّه أتاهم برِيّهم مِنْ ذلك" (٣).

стр. 462

يُقال: رَوّيتُه الشِّعْرَ تَرْوِيةً، أي: حملتُه على رِوايَتِه (١)، وروَّى فلانٌ فلانًا شعرًا، إذا رواه له حتى حَفِظَه؛ ليرويه عنه (٢)، ويقال: فلانٌ راويةٌ للحديثِ أو للشِّعرِ، أي: راوٍ، والهاءُ للمبالغةِ (٣). والرَّاويةُ: المزادةُ فيها الماء، ويُسمّى البعيرُ والبغلُ والحمارُ الذي يُستقى عليه راوية (٤)، والراويةُ: الرجلُ المستقي لأهلِه (٥). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للرواية: يأتي مصطلح: (الرواية) في وصفِ المذهبِ مطلقًا، ومقيّدًا بقولهم: روايةٌ مخرَّجةٌ، وسوف أبيّن معناهما في الآتي: أولًا: الروايةُ المطلقةُ غيرُ المقيدةِ: وَرَدَ مصطلح: (الرواية) مطلقًا غير مقيّدٍ عند الفقهاء، واستعملوه مفردًا، ومثنى، ومجموعًا (٦)، وإليك بيان معناه عندهم: أولًا: الرواية عند الحنفية: لم أقفْ على تعريفٍ محدّدٍ لمصطلح: (الرواية) عند الحنفيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرهم - وقد وَرَدَت (الروايةُ) في تضاعيف مؤلفاتهم، ويظهرُ أنَّ معناها عندهم: القولُ المنقولُ عن أئمتِهم (٧).

стр. 463

ويوكّدُ هذا الأمر: ما ذكره شمسُ الدينِ البعلي، بقولِه: "وهي - أي: الرواية - الحكمُ المرويُّ عن الإمامِ أحمدَ ... وكذا هي في اصطلاحِ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكِ. والشافعي (١) يعبّرون عن ذلك بالقولِ، فيقولون: فيها قولٌ، وقولانِ، وأقوالٌ للشافعي" (٢). ويصطلحُ علماءُ الحنفيةِ على أنَّ قولَهم: "وعنه" يدلُّ على الروايةِ (٣). أمثلة الرواية عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "لو نَذَرَ صلاةً بغيرِ قراءةٍ، لا يلزمه شيءٌ، إلا في روايةٍ عن أبي يوسفَ، ﵀" (٤). المثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: "إذا تذكَّرَ القنوتَ - أيْ: قنوت الوتر - وهو راكعٌ: ففيه روايتان: في إحداهما: يعودُ ... وفي الروايةِ الأخرى: لا يعودُ للقنوتِ" (٥). المثال الثالث: يقولُ ابنُ عابدين لمَّا ذَكَرَ مَنْ يجبُ عليه الغُسْل: "أو وَلَدَتْ ولم تَرَ دمًا، هذا قولُ الإمامِ، وبه أَخَذَ أكثرُ المشايخِ. وعند أبي يوسفَ، وهو روايةٌ عن محمدٍ: لا غُسلَ عليها" (٦). ثانيًا: الرواية عند المالكية: جاءَ مصطلح: (الرواية) عند المالكيةِ في مدوّناتهم المذهبيةِ، وقد أبانوا عن معناه، والغالبُ في إطلاقِ الروايةِ عندهم، أنَّها: القولُ المنقولُ عن الإمامِ مالكٍ نفسِه.

стр. 464

يقولُ القاضي ابنُ فرحون: "الرواياتُ: أقوالُ مالكٍ، ﵀" (١). ومَا ذكره القاضي ابنُ فرحون هو الأغلبُ عندَ المالكيةِ؛ إذ قد يُطلقُ مصطلح: (الرواية) على أقوالِ غيرِ الإمامِ مالكٍ ممَّنْ هم على مذهبِه، ولذا عبَّرَ الحطابُ حينَ عرَّفَ مصطلحَ: (الروايةِ) بالأغلبيةِ، فقالَ: "الروايات غالبًا: أقوالُ مالكٍ" (٢). أمثلة الرواية عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ شاس (٣): "الجلدُ المدبوغُ طاهرٌ ظاهرًا وباطنًا، وجائزٌ بيعُه على إحدى الروايتين ... والأخرى - وهي المشهورةُ مِن المذهبِ -: أنَّه طاهرٌ طهارة مخصوصة، يجوزُ بها استعمالُه في اليابساتِ، وفي الماءِ وحده ... ولا يجوزُ بيعُه" (٤). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "النفاسُ: الدمُ الخارجُ للولادةِ. وفي تحديدِ أكثرِه بستين، أو بالعادةِ، وإليه رَجَعَ - أيْ: الإمام مالك -: روايتانِ" (٥). المثال الثالث: يقولُ ابنُ شاس تحتَ مسألةِ: (موانع الحج):

стр. 465

"الخامس: الأبوّةُ، فللأبوين منعُ الولدِ مِنْ التطوعِ بالحجِّ، ومِنْ تعجيلِ الفرضِ على إحدى الروايتين" (١). ثالثًا: الرواية عند الشافعية: لم أقفْ على تعريفٍ محدّدٍ للروايةِ عند الشافعيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - ويقلُّ استعمالُهم في نقلِ المذهبِ لهذا المصطلح؛ ولعلَّ مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى استغنائِهم عنه بمصطلحي: (القول القديم)، و (القول الجديد) في نقلِ أقوالِ إمامِهم، وقد تقدّمَ كلامُ شمسِ الدين البعلي قبلَ قليلٍ. رابعًا: الرواية عند الحنابلة: جاءَ مصطلح: (الرواية) كثيرًا في مؤلفاتِ علماءِ الحنابلةِ، وقد سَبَقُوا غيرَهم مَن المذاهب في كثرةِ استعمالِهم له، ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى طبيعةِ المذهب الحنَبلي؛ لأنَّه مذهبٌ قائمٌ على ما نُقلَ عن الإمامِ أحمدَ مِنْ رواياتٍ، فالعمدةُ في المذهبِ الحنبلي على ما جاءَ عن إمامِهم مِنْ رواياتٍ منقولةٍ. والرواية عند الحنابلةِ هي: نصُّ الإمامِ أحمدَ المنقول عنه (٢). يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "قال ابنُ حمدانَ: الرواياتُ المطلقةُ: نصوصٌ للإمامِ أحمدَ" (٣). ويصطلحُ علماءُ الحنابلةِ على أنَّ قولَهم: "وعنه" يدلُّ على الروايةِ المتقدَّم بيانها (٤). يقولُ شمسُ الدينِ البعلي: "قولُه - أي: ابن قدامة - بعدَ ذكرِ المسألةِ:

стр. 466

"وعنه" عبارةٌ عن روايةٍ عن الإمامِ، والضميرُ فيه له، وإنْ لم يتقدمْ له ذكرٌ؛ لكونِه معلومًا، فهو كقولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (١)، والضميرُ للقرآنِ، مَعَ عدمِ ذكرِه لفظًا، فـ "عنه" جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بمحذوفِ، أيْ: نَقَلَ ناقلٌ عنه، أو نَقَلَ أصحابُه عنه، وفَعَل ذلك المتأخرون اختصارًا، وإلا فالأصلُ أنْ يُقالَ: نَقَلَ عبدُ الله عن الإمامِ كذا" (٢). أمثلة الرواية عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ في صفةِ الصلاةِ: "ثمَّ يقولُ: أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرجيمِ، ثمَّ يقرأُ: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، وليستْ مِن الفاتحةِ، وعنه: أنَّها منها" (٣). المثال الثاني: يقولُ ابنُ النجارِ: "وعن أحمدَ - رحمه الله تعالى - روايةٌ أخرى: أنَّ الفرضَ آكدُ" (٤)، أيْ: آكدُ مِن الواجبِ. المثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: "شهادةُ العبدِ لا تخلو: إمَّا أنْ تكونَ في الحدودِ والقصاصِ، أو في غيرِهما: فإن كانتْ في غيرِهما: قُبِلتْ على الصحيحِ مِن المذهبِ. ونَقَلَ أبو الخطابِ روايةً: يُشترطُ في الشهادةِ الحريَّةُ" (٥). ثانيًا: الرواية المخرَّجة: وَرَدَ مصطلح: (الرواية المخرَّجة) عند علماءِ المالكيةِ والحنابلة، ولم أقفْ على استعمال هذا المصطلح عند علماءِ الحنفيةِ والشافعيةِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر. أولًا: الرواية المخرَّجة عند المالكية: يقلُّ استعمالُ علماء المالكيةِ لمصطلح: (الرواية المخرَّجة)، ولم أقفْ

стр. 467

لهم على تعريفٍ محددٍ لها، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرهم. ومَنْ خلالِ تأمَّلِ الموضعِ الذي وردَ فيه مصطلح: (الرواية المخرّجة)، ظَهَرَ لي أنَّ معناها عندهم أنَّها: الرواية المقيسة على ما نصَق عليه الإمامُ مالكٍ. مثال الرواية المخرَّجة عند المالكية: يقولُ الجلابُ (١): "ومَنْ نَذَرَ اعتكافَ يومٍ بعينِه، فمَرِضَه، فإنَّها تتخرَّجُ على روايتين: إحداهما: أنَّ عليه القضاءَ. والأخرى: أنَّه ليس عليه القضاءُ، وهذه مخرَّجةٌ على الصيامِ، إذا نَذَرَ صومَ يومٍ بعينِه، فمَرِضَه أو حاضت المرأةُ ... لا قضاءَ عليه" (٢). ثانيًا: الروايةُ المخرَّجةُ عند الحنابلة: استعمل علماءُ الحنابلةِ مصطلحَ: (الرواية المخرّجة)، وعرَّفتْ بأنَّها المقيسةُ على ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، على القولِ بنسبةِ ما قيسَ على كلامِ الإمامِ إليه (٣). يقولُ المرداويُّ: "وإنْ كان - أيْ: قول بعضِ أصحابِ الإمامِ أحمد - مأخوذًا مِنْ نصوصِ الإمامِ أحمدَ - رضي الله تعالى عنه - ومخرَّجًا منها، فهي رواياتٌ مخرَّجةٌ له، ومنقولةٌ مِنْ نصوصِه إلى ما يشبهها مِن المسائلِ،

стр. 468

إنْ قلنا: ما قيسَ على كلامِه مذهبٌ له" (١). ويتفقُ معنى الروايةِ المخرَّجةِ عند علماءِ المالكيةِ والحنابلةِ مَعَ القولِ المخرَّجِ عند الشافعيةِ، كما سيأتي بيانُه. وغالبُ الرواياتِ المخرَّجةِ في مذهبِ الحنابلةِ لا تُذكرُ معها الروايةُ المنصوصةُ عن الإمامِ أحمدَ التي هي الأصلُ في القياسِ، يقولُ المرداويُّ: "إطلاقُ الروايةِ المخرَّجةِ مِنْ غيرِ ذكرِ التخريجِ كثيرٌ في كلامِ الأصحابِ" (٢). أمثلة الرواية المخرَّجة عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ المرداويُّ: "ظاهرُ كلامِ المصنَّفِ - أي: ابن قدامة - جوازُ الاستجمارِ بالمغصوبِ ونحوِه ... وهو روايةٌ مخرَّجةٌ" (٣). المثال الثاني: يقول ابنُ مفلحٍ: "وتَجِبُ - أي: زكاة الفطر - على كلِّ مسلمٍ، حرٍّ، ومكاتبٍ ... وقيل: لا تجبُ على غيرِ مخاطبٍ بالصومِ. وعنه رواية مخرَّجةٌ: تجبُ على مرتدٍّ" (٤). الفرع الثاني: التنبيه أولًا: التعريف اللغوي للتنبيه: التَّنْبِيه: مصدرٌ مِن الفعلِ نَبَّه، يُقالُ: نَبَّه يُنَبَّه تَنْبِيهًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما إذا كان الفعلُ على وزن: (فَعَّل)، وكان صحيحًا، فمصدره على وزن: (تَفْعِيْل) (٥).

стр. 469

وتدلُّ مادة: (نبه) على ارتفاعٍ وسموِّ، كما بيّنه ابنُ فارسٍ (١). يُقالُ: رجلٌ نَبِيهٌ، ونَبهٌ - مثلثة الباء -: إذا كان معروفًا شريفًا (٢)، ويُقال: نَبِه للأمرِ نَبَهًا - من باب: تَعِب - فهو نُبْه. ويتعدّى الفعلُ (نبه) بالهمزِ، والتضعيفِ (٣). والنُبه: القيامُ، والانتباه مِن النومِ، يقال: نَبَّهَه، وأَنْبَهه مِن النومِ، فَتَنَبّه، وانْتَبَه (٤). يقولُ ابنُ منظورٍ: "انتبه مِن نومٍ: استيقظَ، والتنبيه مِثْلُه" (٥). ويُقالُ: نَبِهتُ للأمرِ، إذا فطنتُ، وهو الأمرُ تنساه، ثُمَّ تَتَنَبّه له (٦). ونَبَّهَه مِن الغفلةِ، فانْتَبَه، وتَنَبَّه: أيْقَظَه (٧). ونَبَهْتُه على الشيءِ: أوقفتُه عليه، فَتَنَبّه عليه (٨). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتنبيه: وَرَدَ مصطلحُ: (التنبيه) في نقلِ المذهبِ عند علماءِ الحنابلةِ على وجهِ الخصوصِ (٩)، فلم أقفْ له على ذكرٍ عند غيرِهم مِن المذاهبِ، فيما رجعتُ إليه مِن مصادر. والمرادُ بالتنبيه عند الحنابلةِ: قولُ الإمامِ أحمدَ الذي لم يُنْسبْ إليه

стр. 470

بعبارةٍ صريحةٍ دالةٍ عليه، بلْ يُفْهَمُ منه أنَّه قولُه، ممَّا تُوحي إليه العبارةُ، ويدلُّ عليه السياقُ (١). وعرفه الدكتورُ ناصر الميمان بأنَّه قولُ الإمامِ الذي لم ينسبْ إليه بعبارةٍ صريحةٍ دالةٍ عليه، بل يفهم فهمًا ممَّا توحي إليه العبارةُ، ويدلُ عليه السياقُ (٢). وذلك مثلُ سياقِ الإمام حديثًا يدلُّ على حكمٍ ما، يسوقُه ويُحسّنه (٣). ويعبِّرُ علماءُ الحنابلةِ في مدوّناتِهم عن التنبيه بقولِهم: أَومأَ إليه، أو: أشارَ إليه، أو: دلَّ كلامُه عليه، أو: توقّف فيه، ونحو ذلك (٤). يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "وهي - أيْ: التنبيهات - في حكمِ المنصوصِ عليه، وإنْ لم يكنْ منصوصًا عليه بصريحِ اللفظِ، أو بدلالةِ العبارةِ، بلْ بلازمِ النصِّ، أو بالإشارةِ" (٥). أمثلة للمراد بالتنبيه عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: "وإنْ كَثُر ذلك - أيْ: سكوت المصلي أثناءَ قراءةِ الفاتحة - اسْتأنفَ قراءتَها، إلا أنْ يكونَ السكوتُ مأمورًا به، كالمأمومِ يَشرعُ في قراءةِ الفاتحةِ، ثمَّ يَسْمعُ قراءةَ الإمام، فينصتُ له، فإذا سَكَت الإمامُ أتمَّ قراءتها، وأجزأتُه، أَوما إليه أحمدُ" (٦). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "قولُ التابعي: أُمِرنا، أو: نُهِينا، أو: مِن السنةِ، كقولِ الصحابي ذلك عند أصحابِنا، وأومأَ إليه أحمدُ في: "من السنة"، لكنَّه كالمرسلِ" (٧).

стр. 471

المثال الثالث: يقولُ المرداويُّ - أيضًا -: "قال ابنُ عقيلٍ: إنْ نسيها - أيْ: الفاتحة - في ركعةٍ أَتَى بها فيما بعدها مرتين، ويَعْتدّ بها، ويسجدُ للسهوِ، قال في: (الفنون): وقد أشارَ إليه أحمدُ" (١). الفرع الثالث: القول أولًا: التعريف اللغوي للقول: القَوْلُ: مصدرٌ مِن الفعلِ قالَ، يُقالُ: قال يَقُول قَوْلًا، وقِيْلًا، وقَوْلَةً، ومَقَالَةً، ومَقَالًا (٢). وذَهَبَ بعضُ اللغويين إلى أنَّ القِيْلَ والقالَ اسمانِ، وليسا مصدرينِ (٣). ويجمع القول على أقوال، وجمعُ الجمعِ: أقاويل (٤). ومعنى القولِ: الكلامُ والنطقُ (٥)، أو كلُّ لفظٍ مَذَلَ (٦) به اللسانُ تامًّا، أو ناقصًا (٧). وقال بعضُ أهلِ اللغةِ: يُستعملُ القولُ في الخيرِ، وفي الشر، أمَّا

стр. 472

القالُ والقيلُ والقالةُ، ففي الشرِّ (١). وقد رُدَّت التفرقةُ بمجيءِ القيل والقال في الخيرِ (٢)، قالَ تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٣)، وقالَ تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). ويُستعملُ القولُ على أوجهٍ، حكاها الراغبُ الأصفهاني، منها: الأول: المركبُ مِن الحروفِ المبْرَز بالنطقِ، مفردًا أو جملة، فالمفردُ، كقولِك: زيدٌ، والجملةُ، كقولك: زيدٌ منطلقٌ. الثاني: للمتصوَّرِ في النفسِ قبلَ الإبرازِ باللفظِ، تقول: في نفسي قولٌ لم أُظهرْه. الثالث: الاعتقادُ، نحو قولك: فلانٌ يقولُ بقولِ أبي حنيفةَ (٥). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للقول: وَرَدَ مصطلح: (القول) عند بعضِ المذاهبِ الفقيهة المتبوعة (٦): أولًا: القول عند المالكية: جاءَ مصطلح: (القول) و (الأقوال) عند علماءِ المالكيةِ، وأرادوا به: أقوالُ أصحابِ الإمامِ مالكٍ وآرائِهم، ومَنْ بعدهم مِن المتأخرين (٧).

стр. 473

وقد مَثّلَ الحطابُ (١)، وإبراهيم اللقانيُّ (٢) للمتأخرين بابنِ رشدٍ، وأبي عبدِ الله المازري. وإطلاقُ القولِ على أقوالِ أتباعِ الإمامِ مالكٍ هو الإطلاقُ الغالبُ عند المالكيةِ، وإلا فقد يُسمي المالكيةُ ما جاءَ عن الإمامِ مالكٍ قولًا (٣). يقولُ القاضي ابنُ فرحون: "أمَّا نسبةُ القولينِ إلى الأصحاب، فهو الغالبُ" (٤). وهنا تنبيه، وهو: أنَّ لخليلٍ المالكي اصطلاحَه الخاص في القولين والأقوال - دون القول - فمرادُه حينَ يُعبّر بالقولين أو بالأقوالِ أنَّه لم يطلعْ في الفرعِ على أرجحيةٍ منصوصةٍ عند علماءِ المالكيةِ (٥). الفرق بين الروايةِ، والقولِ عند المالكيةِ: مِنْ خلالِ ما سَبَقَ مِنْ تعريفِ مصطلح: (الروايةِ)، ومصطلحِ: (القولِ) عند المالكيةِ، يمكنُ بيانُ الفرقِ بينهما: بأنَّ الغالبَ في اصطلاحِ (الرواية) إطلاقُه على ما رُويَ عن الإمامِ مالكٍ خاصةً، أمَّا مصطلح: (القول)، فالغالبُ إطلاقُه على ما جاءَ عنْ أصحابِ الإمامِ مالكٍ، وقد يطلقُ على ما جاءَ عن الإمامِ مالكٍ (٦)، ولذا فكلُّ روايةٍ قولٌ، دونَ العكسِ. أمثلة القول عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "والجمعُ بينهما - أي: بين الماءِ والحجارةِ في إزالةِ الخارجِ مِن الإنسانِ - أَوْلى، فإنْ انتشرَ، فالماءُ باتفاقِ،

стр. 474

وإنْ كان قريبًا جدًّا: فقولانِ" (١). المثال الثاني: يقولُ خليلٌ المالكي: "هل الأفضلُ كثرةُ السجودِ، أو طول القيامِ؟ قولانِ" (٢). المثال الثالث: يقولُ ابنُ شاس: "وإنْ أفطرَ في القضاءِ متعمِّدًا، فهل يجبُ عليه قضاءُ الأصلِ فقط، أو قضاؤه وقضاء القضاءِ؟ قولانِ" (٣). ثانيًا: القول عند الشافعية: انتشرَ في مدوَّناتِ الشافعيةِ مصطلح: (القول)، ويختلفُ اصطلاحهم في استعمالِه عن اصطلاحِ المالكيةِ، فالمرادُ بالقولِ أو بالأقوالِ عند الشافعيةِ هو: آراءُ الإمامِ الشافعي فقط (٤). يقولُ المرتضى الزَبِيدي: "أمَّا القولُ، فما كان مصرَّحًا به مِن الإمامِ" (٥). أقسام مصطلح: (القول) عند الشافعية: يُقسِّمُ علماءُ الشافعيةِ مصطلح: (القول) إلى قسمين: القسم الأول: القولُ القديمُ. القسم الثاني: القولُ الجديدُ. القسم الأول: القولُ القديمُ. جاءَ في مدوّناتِ المذهبِ الشافعي مصطلحُ: (القول القديم)، ويعنون

стр. 475

به: ما قاله الإمامُ الشافعي بالعراقِ، أو قبلَ انتقالِه إلى مصر (١). والغالبُ رجوعُ الإمامِ الشافعي عن أقوالِه القديمةِ (٢). ومِن رُواة القولِ القديم عن الإمام الشافعي: الإمامُ أحمدُ بن حنبل، والزعفراني (٣)، والكرابيسي (٤)، وأبو ثور (٥).

стр. 476

وقد يُعبّرُ بعضُ علماءِ الشافعيةِ بالقديمِ، ومرادُهم به القولُ القديمُ (١). أمثلة القول القديم عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "القول القديم: إنَّ مسحَ أسفلِ الخفِّ الذي لصقتْ به نجاسةٌ كافِ في جوازِ الصلاةِ فيه، مع أنَّه نَجِسٌ عُفِيَ عنه" (٢). المثال الثاني: يقولُ أبو الحسين العمراني (٣): "إذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ ذائبةٌ، فطلعتْ عليها الشمسُ، وهبَّتْ عليها الريحُ، حتى ذَهَبَ لونُها وأثرُها وريحُها، ففيه قولانِ: قالَ في القديم: تطهرُ ... " (٤). المثال الثالث: يقولُ محيي الدين النووي: "ويبقى - أيْ: وقت المغرب - حتى يغيبَ الشفقُ الأحمرُ في القديمِ" (٥). القسم الثاني: القول الجديد: جاءَ في مدوّناتِ المذهب الشافعي مصطلحُ: (القول الجديد)، ويعنون

стр. 477

به: ما قاله الإمامُ الشافعي بمصر، تصنيفًا أو إفتاءً (١). ومنْ رواةِ القولِ الجديدِ عن الإمام الشافعي: البويطي (٢)، والمزنيُّ، والربيعُ المرادي (٣). وقد يُعبّرُ بعضُ علماءِ الشافعيةِ بالجديدِ، ومرادُهم به القولُ الجديدُ (٤).

стр. 478

أمثلة القول الجديد عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "مَنْ لم يجدْ ماءً ولا ترابًا لزمه في الجديدِ: أنْ يصلي الفرضَ، ويُعيدَ" (١). المثال الثاني: يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني: "وممَّا نذكرُه ... أنَّ الرجلَ إذا انفردَ بنفسِه في الصلاةِ، وكان ذلك في موضعٍ لم يَنْتَه إليه صوتُ مؤذنٍ، فظاهرُ المذهبِ: أنَّه يُؤذنُ ويقيمُ، وهو المنصوص عليه في الجديدِ" (٢). المثال الثالث: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: "لو اعتكفت المرأةُ في مسجدِ بيتِها، وهو المعْتزَلُ المهيأُ للصلاةِ، هل يصحّ؟ فيه قولانِ: الجديد - وبه قالَ مالكٌ وأحمدُ -: لا" (٣). ثالثًا: القول عند الحنابلة: المرادُ بالقولِ عند الحنابلةِ: ما قاله علماءُ المذهب الحنبلي منسوبًا إلى الإمامِ أحمدَ (٤). يقولُ المرداويُّ: "القولُ يشمل: الوجهَ، والاحتمالَ، والتخريجَ، وقد يشملُ الروايةَ - وهو كثيرٌ في كلامِ المتقدمين، كأبي بكرٍ وابنِ أبي موسى (٥)، وغيرِهما - والمصطلحُ الآن على خلافِه" (٦).

стр. 479

ويتبين مِنْ كلامِ المرداوي، أنَّ ما يطلقُ عليه مصطلح: (القول) عند متقدمي الحنابلةِ أوسعُ مما يطلقُ عليه في اصطلاح مَنْ بعدهم؛ إذ يشملُ (القولُ) عند متقدمي الحنابلة: ما قاله الإمامُ، وأصحابُه، أمَّا ما استقرَّ عليه اصطلاحُ متأخري الحنابلةِ، فالقولُ: ما قاله علماؤهم، دونَ ما قاله الإمامُ. ويتحدثُ تقيُّ الدينِ بنُ تيميةَ عن القولينِ، فيقول: "أمَّا القولانِ هنا، فقد يكونُ الإمامُ نصَّ عليهما - كما ذكره أبو بكرٍ عبد العزيز في: (زاد المسافر) - أو نصَّ على أحدِهما وأَومأَ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدِهما: وجهٌ أو تخريجٌ أو احتمالٌ بخلافِه" (١). ويحتملُ أنَّ ما ذكره تقيُّ الدينِ اصطلاحٌ خاصٌّ بـ (القولين)، ويحتملُ حملُه على اصطلاحِ متقدمي علماءِ الحنابلةِ. أمثلة القول عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ المرداويُّ أثناءَ حديثِه عن أذانِ الجنبِ: "إنْ كان أذانُه في مسجدٍ: فإن كانَ مع جوازِ اللبّثِ ... صحَّ، ومع تحريمِ اللبثِ، فهو كالأذانِ والزكاةِ في مكان غَصْبٍ، وفي ذلك: قولانِ" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "هلْ لمَنْ له الحضانةُ أنْ يسقطَها وَينْزلَ عنها؟ على قولينِ" (٣). وما سيأتي مِنْ أمثلةٍ: للوجهِ، والاحتمالِ، والتخريجِ صادقةٌ على مصطلحِ: (القولِ) عند الحنابلةِ.

стр. 480

الفرع الرابع: الوجه أولًا: التعريف اللغوي للوجه: الوجهُ: في أصلِه: الجارحةُ المعروفةُ (١)، ويطلقُ على مستقبلِ كلِّ شيءٍ (٢)؛ إذْ لمَّا كان الوجهُ أولَ ما يُستقبلُ، وأشرفَ ما في ظاهرِ البدنِ، استعملَ في مستقبلِ كل شيءٍ، وأشرفِه (٣). يُقال: أَتَيْتُه وَجْه النهارِ، أيْ: في أولي (٤)، ووَجُهَ الرجلُ، أيْ: صارَ ذا جاهٍ وقدْرٍ (٥)، ووجُوه البلدِ: أشرافُه (٦). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الواو والجيم والهاءُ أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على مقابلةِ الشيءِ، والوجه: مستقبل لكل شيءٍ" (٧). ويجمعُ وجه على: أوجهٍ، ووجوهٍ (٨). ومن معاني الوجه: أولًا: نفسُ الشيءِ، وذاته (٩)، فيُعبَّر عن الذاتِ بالوجهِ، تقولُ: وجهي

стр. 481

إليكَ، أي: ذاتي (١). ثانيًا: القليلُ مِن الماءِ (٢). والوجهُ والجهةُ بمعنى واحدٍ، والهاءُ عوضٌ مِن الواوِ (٣) ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للوجه: ذَكَرَ علماءُ الشافعيةِ، وعلماءُ الحنابلةِ تعريفَ مصطلحِ: (الوجه)، وسأعرضُ اصطلاحَهما بدءًا بالمذهبِ الشافعي. أولًا: الوجه عند الشافعية: استعملَ الشافعيةُ مصطلحَ: (الوجه) مفردًا، ومثنى، ومجموعًا. ومنْ أوائلِ مَن بيَّن اصطلاحَ الشافعيةِ في: (الوجه) ابنُ الصلاح (٤) فيما ظَهَرَ لي - فيما رجعتُ إليه من مصادر الشافعية - وحاصلُ قولِه أنَّ الوجهَ: تخريجُ حكمِ المسألةِ التي لا نصَّ فيها عن الإمامِ الشافعي، ببنائِها على أصولِ الإمامِ الشافعي (٥). ويمكنُ تعريفُ مصطلح: (الوجه) أو (الأوجه) بأنَّها: آراءُ أصحابِ الإمامِ الشافعي المخرَّجةُ على أصولِه، والمستنبطةُ مِنْ قواعدِه (٦). يقولُ الدكتورُ علي القره داغي: "الوجوه: وهي الآراءُ التي استنبطها أصحابُ الإمامِ الشافعي المنتسبون إليه، مِن الأصولِ العامةِ للمذهبِ،

стр. 482

بتخريجها على ضوءِ القواعدِ التي رَسَمها لهم الإمامُ الشافعيُّ. وبعبارةٍ أخرى: ما أدَّى إليه اجتهادُهم على ضوءِ قواعدِ المذهبِ، ولا يخرجُ عن نطاقِ المذهبِ" (١). وإن اتفق تخريجُ أصحاب المذهب الشافعي على حُكمِ الفرعِ، عبّروا عنه بالوجهِ، وإن اختلفوا في حُكمِه علَى قولين، عبّروا عنهما بالوجهين، وإن اختلفوا في حُكمِه على أكثر مِنْ قولين، عبَّروا عنها بالأوجهِ (٢). الفرق بين مصطلح: (القول)، ومصطلح: (الوجه) عند الشافعية: فرَّقَ الشافعيةُ بين مصطلحي: (القول)، و (الوجه): مِنْ جهةِ أنَّ (القولَ) هو رأي الإمامِ الشافعي في حكمِ الفرعِ الفقهي، أمَّا (الوجه)، فللفرعِ الذي لم يَرِدْ عن الإمامِ الشافعي بيانُ حكمِه، لكنَّ أصحابَ الإمامِ بنوا الحكمَ فيه على قواعدِ إمامِهم وأصولِه (٣). يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "هناك آراء تُعدّ مِن مذهب الشافعي، وإنْ لم يُؤْثرْ عن الشافعي نصٌّ فيها، تلك الآراءُ التي تُعدُّ مخرَّجةً على أصولِ الشافعي، ولم تكنْ مخالفةً لرأي له، فإن هذه تُعدُّ مِنْ مذهب الشافعي بلا خلافٍ، وللدِّقة في القولِ لا يقولُ العلماءُ: إنَّها أقوالٌ للشَافعي، ولكن يقولون: إنَّها أوجه في مذهبِه؛ لأنَّه لم يقلْها، وإنْ خُرِّجتْ على أصولِه وصارت على قواعدِه" (٤). وقد ذَكَرَ تقيُّ الدينِ السبكي اتفاقَ الشافعيةِ على عدمِ جوازِ نسبةِ (الوجهِ) إلى الإمامِ الشافعي، وإنَّما يُقال: مقتضى قولِ الإمامِ الشافعي، أو: مِنْ مذهبِه، بمعنى: قولُ أهلِ مذهبِه (٥).

стр. 483

وألحقَ محيي الدين النوويُّ اجتهاداتِ الشافعية التي لم تُؤخذْ منْ أصولِ الإمام الشافعي بمصطلحِ: (الوجه)، يقولُ مقررًا هذا: "الأوجه: لأصحابِه - أَيْ: لأصحاب الإمام الشافعي - المنتسبين إلى مذهبِه، يخرِّجونها على أصولِه، ويستنبطونها مِنْ قواعدِه، ويجتهدون في بعضِها، وإنْ لم يأخذوه مِنْ أصلِه" (١). ولم يرتضِ تاجُ الدينِ بن السبكي إطلاقَ النووي، وفصّل في الأمر على النحو الآتي: - ما كان مِن اجتهاداتِ علماءِ المذهب الشافعي، ولم يأخذوا بأصلِه، فإنَّه لا يُعدُّ مِن المذهبِ الشافعي إذا نافى قواعدَ المذهبِ. - وإذا لم ينافِ قواعدَ المذهبِ، وناسبها فإنَّه يُعدُّ منه. - وإذا لم ينافِ قواعدَ المذهبِ، ولم يناسبْها ففي إلحاقِه بالمذهبِ تَرَدّدٌ (٢). وتفصيلُ تاجُ الدينِ بن السبكي تفصيلٌ جيّدٌ. وقد نصَّ تقيُّ الدين السبكي على أن رأيَ الواحدِ مِنْ أصحابِ الإمامِ الشافعي إذا قاله لدليل قامَ عنده، ولم ينتهضْ على قواعد المذهبِ الشافعي، فإنَّه ينبغي أَنْ لا يُعدَّ وجهًا، ونبَّه إلى أنَّ هذا قلَّ أنْ يَقَعَ لأصحابِه، بلْ لا يَعرفُ لهم وقوعَ مثلِه (٣). أمثلة الوجه عند الشافعية: المثال الأول: ذَكَرَ محيي الدين النووي شروطَ خطبةِ الجمعةِ، فقالَ: "السادس: رفعُ الصوتِ ... والشرطُ أنْ يُسْمِع أربعين مِنْ أهلِ الكمالِ، فلو رَفَعَ صوتَه قدرَ ما يَبْلغُ، ولكنْ كانوا كلّهم، أو بعضهم صُمًّا:

стр. 484

فوجهانِ" (١). المثال الثاني: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي في مفطرات الصومِ: "ولو أَخْرَجَ لسانَه، وعليه الريقُ، ثم رَدَّه، وابتلعَ ما عليه، ففيه وجهانِ: أظهرهما: ... أنَّه لا يبطلُ صومُه" (٢). المثال الثالث: يقولُ ابنُ الصلاحِ: "في جوازِ تقليدِ الميتِ: وجهان: أحدهما: لا يجوز ... والذي عليه العمل: الجوازُء .. " (٣). ثانيًا: الوجه عند الحنابلة: استعملَ علماءُ الحنابلةِ مصطلحَ: (الوجه) في مدوناتِهم المذهبية، وقد وَرَدَ عندهم مفردًا، ومثنى، ومجموعًا. وعرَّفَ شمسُ الدّينِ البعلي الوجهَ بأنَّه: الحكمُ المنقولُ في المسألةِ لبعضِ أصحاب الإمامِ المجتهدين فيه ممَّنْ رآه، فمَنْ بعدَهم، جاريًا على قواعدِ الإمامِ (٤). وعرَّف تقيُّ الدينِ بنُ تيمية الأوجه، بأنَّها: أقوالُ الأصحاب وتخريجاتُهم، إنْ كانت مأخوذةَ مِنْ قواعدِ الإمامِ أحمدَ، أو إيمائه، أوَ دليلِه، أو تعليلِه، أو سياقِ كلامِه وقوتِه (٥). وقريبٌ مِنْ تعريفِ تقي الدين ما ذكره محمدٌ السفارينيُّ (٦)

стр. 485

بقوله: "الوجه: استنباطُ الحكمِ مِنْ مفهومِ كلامِ الإمامِ، أو نحوِ ذلك" (١). ويظهرُ لي أن السفارينيَّ أرادَ تقريبَ معنى مصطلح: (الوجه)، لا تعريفه تعريفًا محددًا؛ بدليلِ العبارةِ الواردةِ في آخر كلامِه: "أَو نحو ذلك". وتعريفُ شمسِ الدينِ البعلي أضيقُ دائرةً مِنْ تعريفِ تقيّ الدّينِ بنِ تيميةَ؛ إذ قَصَرَ البعليُّ الوجهَ على الفرع المخرَّج على قواعدِ المذهب، أمَّا تقيُّ الدين بن تيمية، فجعَلَ مصطلحَ: (الوجه) شاملًا لتخريجِ الفرعِ على قواعدِ المذهبِ، ولتخريجِ الفرعِ مِنْ إيماءِ الإمامِ، أو تعليلِه، أو سياقِ كلامِه، ولعل مَرَدَّ ذلك إلى الخلافِ في نسبةِ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه؟ فمَنْ قالَ: ينسبُ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه، جَعَلَ ما قيس على كلامِه منسوبًا إليه، وسمَّى ما أُخذَ مِنْ قواعدِه بالوجه. ومَنْ قالَ: لا ينسبُ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه، جَعَلَ ما قيسَ على كلامِه وجهًا لمن خرَّجَه، فوسّعَ دائرةَ الوجه؛ ليشملَ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ، وما ما بُنيَ على قواعدِه وأصولِه. يقولُ المرداويُّ: "إنْ قلنا: لا - أيْ: لا ينسب ما أخذ من نصوص الإمام إلى ما يشبهها إليه - فهي أوجه لمَنْ قاسها وخرَّجَها" (٢). ويلحقُ بالوجهِ عند الحنابلةِ: ما إذا خرَّجَ أحدُ علماءِ المذهب حكمَ الفرعِ على خلافِ قواعدِ الإمامِ أحمدَ، لكنْ عَضَدَه الدليلُ (٣).

стр. 486

وجَعَلَ شمسُ الدين البعليُّ مِنْ أحكامِ الوجهِ، أنَّه مجزومٌ بالفتيا به (١). ولم يرتضِ المرداويُّ هذا الإطلاق، وأعقبَه بقوله: "مِنْ حيثُ الجملةُ، وهذا - أي: كلام البعلي - على إطلاقِه فيه نظرٌ" (٢). وبيّن المرداويُّ إنَّ الإشكالَ الواردَ على كلامِ البعلي، مِنْ جهةِ تحريمِ الفتوى والحكمِ بالوجهِ مِنْ غيرِ نظرِ في الترجيحِ، بالإجماع (٣). أمثلةُ الوجه عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: "إذا اجتمعَ ماءٌ مستعملٌ إلى قلتين غير مستعملٍ، صار الكلُّ طهورًا ... وإن انضمَّ مستعملٌ إلى مستعملٍ، ولم يبلغ القلتين، فهو باقٍ على المنعِ، وإنْ بَلَغَ قلتين: ففيه وجهانِ" (٤). المثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ مُعددًا نواقض الوضوء: "الخامس: لمسُه أنثى لشهوةٍ ... وفي الميتةِ والصغيرةِ والعجوزِ والمَحْرَمِ: وجهانِ" (٥). المثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: "وأمَّا إذا كان الماءُ مع عبدِه، ولم يعلمْ به السيدُ، ونَسِيَ العبدُ أنْ يُعْلِمَه حتى صلَّى بالتيممِ: فقيل: لا يعيد ... وقيل: هو كنسيانِه. قالَ في: (الفائق): يعيدُ إذا جهلَ الماءَ في أصحِّ الوجهين" (٦). المثال الرابع: يقولُ ابنُ رجبٍ: "قاعدة: مَنْ سُومحَ في مقدارٍ يسيرٍ، فزادَ عليه، فهلْ تنتفي المسامحةُ فيَ الزيادةِ وحدها، أو في الجميعِ؟ فيه وجهانِ" (٧).

стр. 487

الفرع الخامس: الاحتمال أولًا: التعريف اللغوي للاحتمال: الاحتمالُ: مصدرٌ مِن الفعلِ احْتَمَلَ، يُقالُ: احْتَمَلَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا؛ لأنَّ مصدرَ ما أوله همزةُ وصلٍ من الفعلِ الماضي الخماسي: أنْ يُكسرَ ثالثُه، ويُزادَ قبلَ آخرِه ألفًا (١). واحْتَمَله، أيْ: حَمَلَه (٢)، وحَمَلَه على الأمرِ، فانْحَمَلَ: أغْرَاه به (٣)، يُقالُ: أَدلَّ عليَّ، فَحَمَلْتُ إدلالَه، واحتَمَلت إدلالَه، بمعنى واحدٍ (٤). ويُقالُ: احتملَ فلانٌ فلانًا، أيْ: أغضى له عنه (٥)، واحتملَ الصنعة: تَقَلّدَها وشَكَرَها (٦). يقول ابنُ فارسٍ: "الحاءُ والميمُ واللامُ أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على إقلالِ الشيءِ" (٧). ومِنْ معاني الاحتمالِ: الغضبُ، يُقالُ: احتُمِلَ، إذا غَضِبَ (٨). واحتملَ الكلامُ معنى كذا، إذا ساغَ فيه التأويلُ (٩).

стр. 488

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للاحتمال: شاعَ استعمالُ مصطلحِ: (الاحتمال) في نقلِ المذهبِ عند فقهاءِ الحنابلةِ على وجهِ الخصوصِ، وكَثُرَ استخدامُهم له في مدوّناتِهم المذهبيةِ، ولم أقفْ على مَن استخدمه عند غيرِ الحنابلةِ، فيما رجعتُ إليه من مصادر (١). تعريف الاحتمال عند الحنابلة: الاحتمالُ: قابليةُ المسألةِ لأنْ يُقَالَ فيها بحكم غيرِ الحكم الذي قِيل فيها؛ لدليلٍ مرجوحٍ بالنسبةِ إلى دليلِ الحكمِ الأولِ، أو مساوٍ له (٢). فإذا قيل عنْ حُكمِ الفرعِ: "فيه احتمال"، فيكون المعنى: أنَّ هذا الحكمَ قابلٌ ومتهيئٌ لأنْ يُقالَ فيه بخلافِ الحكمِ المذكورِ (٣). يقولُ المرداويُّ: "الاحتمالُ الذي للأصحاب، قد يكون لدليلٍ مرجوحٍ بالنسبةِ إلى ما خالفه، أو لدليلٍ مساوٍ له" (٤). والاحتمالُ في معنى مصطلح: (الوجهِ)، إلا أنَّ الوجهَ مجزومٌ بالفتيا به (٥) - وقد تقدمت الإشارة إلى هذا - فالاحتمالُ تبيينُ أنَّ ذلك الحكم صالحٌ لأنْ يكونَ وجهًا (٦)، فإذا اختارَ بعضُ علماءِ المذهبِ الحنبلي الاحتمالَ صار وجهًا لمَن اختارَه (٧).

стр. 489

ولا يكونُ الاحتمال في الحكمِ إلا إذا فُهِم المعنى (١). أمثلة الاحتمال عند الحنابلة: لم أجدْ فيما ذكره الحنابلةُ في مدوناتِهم المذهبية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادِرهم - بيانًا لدرجةِ الاحتمالِ، أهو احتمالٌ لدليلٍ مساوٍ، أم مرجوح، وإنَّما يذكرون الاحتمالَ دونَ بيانِ درجتِه. المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ: "وفي رطوبةِ فرجِ المرأةِ احتمالان: أحدهما: أنَّه نجسٌ. والثاني: طهارتُه" (٢). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "إنْ كانت الجبيرةُ مِنْ حريرٍ أو غصبٍ: ففي جوازِ المسحِ عليها احتمالان: أحدهما: لا يصحُّ المسحُ عليها ... والاحتمال الثاني: يصُّح المسحُ عليها ... " (٣). المثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "تلزمُ - أيْ: الصلاة - مَنْ زالَ عقلُه بمُحَرّمٍ ... فلو جُنَّ متصلًا، ففي زمنِ جنونِه: احتمالانِ، (٤). الفرع السادس: التخريج أولًا: التعريف اللغوي للتخريج: التَّخْرِيجُ: مصدرٌ مِن الفعلِ خرَّجَ، يُقالُ: خرَّجَ يُخَرِّجُ تَخْرِيجًا (٥)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزنِ: (فعَّل)، فمصدرُه: (تَفْعِيل) (٦). وتدلُّ مادةُ: (خرج) على معنيين:

стр. 490

المعنى الأول: النفاذُ عن الشيءِ (١). ومَنْ هذا الأصلِ، . قولُنا: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوْجًا (٢)، والخَرْجُ والخَرَاجُ: الإتاوةُ؛ لأنَّه مالٌ يُخْرِجُه المعطي، ويُجْمَعُ على أَخْرَاج، وأَخَارِيْج، وأَخْرِجَةٍ (٣). والخارجيُّ: الذي يخرجُ ويَشْرُفُ بنفسِه، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ له قديمُ شرفي، فكأنَّه خَرَجَ بنفسِه (٤). ويقالُ: فلانٌ خِرِّيجُ فلانٍ، إذا كان يتعلّمُ منه، كأنَّه هو الذي أخرجَه مِنْ حدِّ الجهلِ (٥)، ويُقالُ: خَرَجَ فلانٌ في العلمِ والصناعةِ خُرُوْجًا، إذا نَبَغَ، وهذا على سبيل المجازِ (٦)، ويُقالُ أيضًا: خَرَّجَه في الأدبِ، فتَخرَّجَ (٧). المعنى الثاني: اختلافُ لونين (٨). يُقالُ: أرضٌ مُخَرَّجةٌ ذاتُ لونين؛ لكونِ النباتِ في مكانٍ، دونَ

стр. 491

مكانٍ (١). والخَرَجُ: لونانِ مِنْ بياضٍ وسوادٍ (٢). والخَرْجَاءُ: الشاةُ تَبْيَضُّ رجلاها إلى خاصرتِها (٣). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتخريج: شاعَ استعمالُ مصطلحِ: (التخريج) بين المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ، وعرَّفتْ غالبُ المذاهبِ مصطلح: (التخريج)، ومنهم مَنْ أغفلَ تعريفَه. والذي يظهرُ لي تقاربُ معنى: (التخريج) عند المذاهب الفقهية، ويظهرُ مِن استعمالِ مَنْ لم يعرِّفْه موافقتُه للمعنى المصطلحِ عليه عندَ غيره. أولًا: التخريج عند علماء الحنفية: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر المذهبِ الحنفي - على مَنْ عرَّفَ مصطلح: (التخريج) أو بيَّنَ المرادَ منه، مع ورودِه في مدوّناتِهم الفقهيةِ. وقبلَ بيانِ معناه عندهم أشيرُ إلى أن علماءَ الحنفيةِ لا يلجؤون إلى التخريجِ إلا حين لا يجدون قولًا لإمامِهم، ولا لأحدِ أصحابِه المشهورين. يقولُ أحمدُ الحموي: "خرَّج أربابُ التخريجِ؛ لعدمِ وجدانِهم الرواية عن الإمامِ، وأصحابِه" (٤). ومِنْ خلالِ تأمَّلِ عددٍ مِن المواضع التي جاءَ فيها مصطلحُ: (التخريج) في مدوناتِ المذهبِ الحنفي، ظَهَرَ لي أنَّهم يطلقُونه على الأمرين الآتيين: الأمر الأول: إلحاقُ فرعٍ لم يَنصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه.

стр. 492

الأمر الثاني: إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحتَ قاعدةٍ مِنْ قواعدِ المذهبِ (١). أمثلة التخريج عند الحنفية: أولًا: مثال النوع الأول: (إلحاقُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه): يقولُ ابنُ نجيم (٢): "أمَّا الوقفُ إذا سَكَنَه أحدُهما - أيْ: أحد الشريكين - بدونِ أذنِ الآخر، سواءٌ كان موقوفًا للسكنى، أو للاستغلالِ: فإنَّه يجبُ الأجرُ، ويُستثنى مِنْ مالِ اليتيمِ مسألةٌ: سكنتْ أُمُّه مع زوجِها في دارِه بلا أجرٍ، ليس لهما ذلك، ولا أجر عليهما" (٣). نَقَلَ أحمدُ الحمويُّ تعليقًا لبعضِ الحنفيةِ على الفرعِ المذكورِ، وهو قوله: "يُمْكنُ أنْ يكونَ ... عدمُ وجوب الأجرِ - كما نقله المصنّفُ في المسألةِ المستثناة - مخرَّجةً على القَولِ بعدمِ وجوبِ الأجرِ بسكنى دارِ اليتيمِ" (٤). ثانيًا: أمثلة النوع الثاني: (إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحت قاعدةٍ مِنْ قواعد المذهبِ): المثال الأول: يقولُ ابنُ نجيمٍ: "هنا مسألتانِ لم أَرَهما الآن يمكنُ تَخْرِيجهما على أنَّ المعروفَ كالمشروطِ:

стр. 493

منها: لو جَرَتْ عادةُ المقترضِ بردِّ أزيد ممَّا اقترضَ، هل يحرمُ إقراضُه؛ تنزيلًا لعادتِه بمنزلةِ الشرطِ؟ ومنها: لو بارزَ كافرٌ مسلمًا، واطردت العادةُ بالأمانِ للكافرِ، هلْ يكونُ بمنزلةِ اشتراطِ الأمانِ له، فيَحْرُمُ على المسلمين إعانةُ المسلم عليه" (١). المثال الثاني: ذَكَرَ الحمويُّ عدةَ فروعٍ، منها: - إذا اختلطَ موتى المسلمين بالكفارِ، يجبُ غسلُ الجميع، والصلاةُ عليهم. - إذا اختلطَ الشهداءُ بغيرِهم، يجبُ غسلُ الجميعِ، والصلاةُ عليهم. - المضطر يجبُ عليه أكلُ الميتةِ، وإنْ كانت حرامًا. - الهجرةُ على المرأةِ مِنْ بلادِ الكفارِ واجبةٌ، وإنْ كان سفرُها وحدها حرامًا. ثم قال بعد هذه الفروعِ: "وخرَّج أئمتُنا هذه المسائل على قاعدةِ: (ما إذا تعارض المانع والمقتضي) " (٢). ثانيًا: التخريج عند المالكية: وَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) في مدوَّناتِ المذهبِ المالكي، وبينوا معناه. فعرَّفه القاضي ابنُ فرحون بأنَّه: عبارةٌ عمَّا تدلُّ أصولُ المذهب على وجودِه، ولم ينصّوا عليه (٣). وعرَّفَه عبدُ الله العلوي بأنَّه: عبارةٌ عن إلحاقِ ما سَكَتَ عنه الإمامُ بنظيرِ ما نصَّ على حكمِه (٤).

стр. 494

وقد وافقَ عبدَ الله العلوي في تعريفِه: محمدٌ الأمين الجكني (١)، ومحمدٌ الأمين الشنقيطي (٢). وعرَّفَ الدكتورُ محمد رياض التخريجَ: بأنْ ينظرَ مجتهدُ المذهبِ في مسألةٍ غيرِ منصوصٍ عليها، فيقسَها على مسألةٍ منصوصٍ عليها في المذهبِ، مع مراعاةِ ضوابطِ التخريجِ مِنْ علةٍ وغيرِها (٣). ومع كونِ التعريفِ الذي أورده الدكتورُ محمدٌ رياض قاصرٌ على صورةٍ واحدةٍ للتخريجِ، إلا أنَّه حين ذَكَرَ أنواعَ التخريجِ ذَكَرَ منها: أنْ يُستخرجَ حكمُ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه إمامُ المذهبِ، أو دخولِه تحتَ قاعدةٍ قررها (٤). وما ذكره غيرُ داخلٍ في تعريفِه! وقد بيَّن القاضي ابنُ فرحون أنواعَ التخريجِ عند المالكيةِ، فَذَكَرَ ثلاثةَ أنواعٍ: النوع الأول: استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ. النوع الثاني: أنْ يكونَ في المسألةِ حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ، فيُخرَّج فيها مِنْ مسألةٍ أخرى قولٌ له بخلافِه.

стр. 495

النوع الثالث: أنْ يُوجدَ النصُّ في مسألةٍ على حكمٍ، ويُوجد نصُّ في مثلِها على ضدِّ ذلك الحكمِ، ولا يُوجد فارقٌ بينهما، ينقلون النصَّ مِن إحدى المسألتين، ويخرِّجونه في الأخرى؛ فيكون لإمامِ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ منهما: قولٌ منصوصٌ، وقولٌ مخرَّجٌ (١). ووافقَ إبراهيمُ اللقاني ابنَ فرحون في الأنواعِ الثلاثةِ التي ذَكَرَها (٢). ومِنْ خلالِ تأمّلِ الأنواعِ الثلاثةِ يتبيَّن الآتي: أولًا: أنَّ تعريفَ ابنِ فرحون غيرُ متلائمٍ مع الأنواعِ التي ذَكَرَها؛ إذ التعريفُ مقصورٌ على الفرعِ الذي لم يُنصَّ على حكمِه، بتخريجِه على أصولِ المذهبِ، وفي أنواع التخريج التي أوردها تخريجُ فروع نصَّ الإمامُ على حكمِها. ثانيًا: أن تعريفَ عبدِ الله العلوي - ومَنْ تبعه - وتعريفَ الدكتورِ محمد رياض، غيرُ جامعين لأنواعِ التخريجِ في المذهبِ المالكي. ثالثًا: سعةُ مصطلحِ: (التخريج) عن المالكية. أمثلة التخريج عند المالكية: أولًا: أمثلة النوع الأول: (استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ). المثال الأول: يقولُ الحطّابُ في مسألةِ: (حكم السجود على اليدين): "إنَّ في وجوب السجودِ على اليدين قولينِ مخرَّجينِ على قولينِ ذكرَهما بعضُ المالكَيةِ في بطلانِ صلاةِ مَنْ لم يرفعْ رأسَه ويديه مِن السجدتين، فعلى القولِ بالبطلانِ يكون السجودُ عليهما واجبًا؛ وإلا فلا" (٣).
следующие страницы →