← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مكانٍ (١). والخَرَجُ: لونانِ مِنْ بياضٍ وسوادٍ (٢). والخَرْجَاءُ: الشاةُ تَبْيَضُّ رجلاها إلى خاصرتِها (٣). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتخريج: شاعَ استعمالُ مصطلحِ: (التخريج) بين المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ، وعرَّفتْ غالبُ المذاهبِ مصطلح: (التخريج)، ومنهم مَنْ أغفلَ تعريفَه. والذي يظهرُ لي تقاربُ معنى: (التخريج) عند المذاهب الفقهية، ويظهرُ مِن استعمالِ مَنْ لم يعرِّفْه موافقتُه للمعنى المصطلحِ عليه عندَ غيره. أولًا: التخريج عند علماء الحنفية: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر المذهبِ الحنفي - على مَنْ عرَّفَ مصطلح: (التخريج) أو بيَّنَ المرادَ منه، مع ورودِه في مدوّناتِهم الفقهيةِ. وقبلَ بيانِ معناه عندهم أشيرُ إلى أن علماءَ الحنفيةِ لا يلجؤون إلى التخريجِ إلا حين لا يجدون قولًا لإمامِهم، ولا لأحدِ أصحابِه المشهورين. يقولُ أحمدُ الحموي: "خرَّج أربابُ التخريجِ؛ لعدمِ وجدانِهم الرواية عن الإمامِ، وأصحابِه" (٤). ومِنْ خلالِ تأمَّلِ عددٍ مِن المواضع التي جاءَ فيها مصطلحُ: (التخريج) في مدوناتِ المذهبِ الحنفي، ظَهَرَ لي أنَّهم يطلقُونه على الأمرين الآتيين: الأمر الأول: إلحاقُ فرعٍ لم يَنصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه.

стр. 492

الأمر الثاني: إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحتَ قاعدةٍ مِنْ قواعدِ المذهبِ (١). أمثلة التخريج عند الحنفية: أولًا: مثال النوع الأول: (إلحاقُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه): يقولُ ابنُ نجيم (٢): "أمَّا الوقفُ إذا سَكَنَه أحدُهما - أيْ: أحد الشريكين - بدونِ أذنِ الآخر، سواءٌ كان موقوفًا للسكنى، أو للاستغلالِ: فإنَّه يجبُ الأجرُ، ويُستثنى مِنْ مالِ اليتيمِ مسألةٌ: سكنتْ أُمُّه مع زوجِها في دارِه بلا أجرٍ، ليس لهما ذلك، ولا أجر عليهما" (٣). نَقَلَ أحمدُ الحمويُّ تعليقًا لبعضِ الحنفيةِ على الفرعِ المذكورِ، وهو قوله: "يُمْكنُ أنْ يكونَ ... عدمُ وجوب الأجرِ - كما نقله المصنّفُ في المسألةِ المستثناة - مخرَّجةً على القَولِ بعدمِ وجوبِ الأجرِ بسكنى دارِ اليتيمِ" (٤). ثانيًا: أمثلة النوع الثاني: (إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحت قاعدةٍ مِنْ قواعد المذهبِ): المثال الأول: يقولُ ابنُ نجيمٍ: "هنا مسألتانِ لم أَرَهما الآن يمكنُ تَخْرِيجهما على أنَّ المعروفَ كالمشروطِ:

стр. 493

منها: لو جَرَتْ عادةُ المقترضِ بردِّ أزيد ممَّا اقترضَ، هل يحرمُ إقراضُه؛ تنزيلًا لعادتِه بمنزلةِ الشرطِ؟ ومنها: لو بارزَ كافرٌ مسلمًا، واطردت العادةُ بالأمانِ للكافرِ، هلْ يكونُ بمنزلةِ اشتراطِ الأمانِ له، فيَحْرُمُ على المسلمين إعانةُ المسلم عليه" (١). المثال الثاني: ذَكَرَ الحمويُّ عدةَ فروعٍ، منها: - إذا اختلطَ موتى المسلمين بالكفارِ، يجبُ غسلُ الجميع، والصلاةُ عليهم. - إذا اختلطَ الشهداءُ بغيرِهم، يجبُ غسلُ الجميعِ، والصلاةُ عليهم. - المضطر يجبُ عليه أكلُ الميتةِ، وإنْ كانت حرامًا. - الهجرةُ على المرأةِ مِنْ بلادِ الكفارِ واجبةٌ، وإنْ كان سفرُها وحدها حرامًا. ثم قال بعد هذه الفروعِ: "وخرَّج أئمتُنا هذه المسائل على قاعدةِ: (ما إذا تعارض المانع والمقتضي) " (٢). ثانيًا: التخريج عند المالكية: وَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) في مدوَّناتِ المذهبِ المالكي، وبينوا معناه. فعرَّفه القاضي ابنُ فرحون بأنَّه: عبارةٌ عمَّا تدلُّ أصولُ المذهب على وجودِه، ولم ينصّوا عليه (٣). وعرَّفَه عبدُ الله العلوي بأنَّه: عبارةٌ عن إلحاقِ ما سَكَتَ عنه الإمامُ بنظيرِ ما نصَّ على حكمِه (٤).

стр. 494

وقد وافقَ عبدَ الله العلوي في تعريفِه: محمدٌ الأمين الجكني (١)، ومحمدٌ الأمين الشنقيطي (٢). وعرَّفَ الدكتورُ محمد رياض التخريجَ: بأنْ ينظرَ مجتهدُ المذهبِ في مسألةٍ غيرِ منصوصٍ عليها، فيقسَها على مسألةٍ منصوصٍ عليها في المذهبِ، مع مراعاةِ ضوابطِ التخريجِ مِنْ علةٍ وغيرِها (٣). ومع كونِ التعريفِ الذي أورده الدكتورُ محمدٌ رياض قاصرٌ على صورةٍ واحدةٍ للتخريجِ، إلا أنَّه حين ذَكَرَ أنواعَ التخريجِ ذَكَرَ منها: أنْ يُستخرجَ حكمُ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه إمامُ المذهبِ، أو دخولِه تحتَ قاعدةٍ قررها (٤). وما ذكره غيرُ داخلٍ في تعريفِه! وقد بيَّن القاضي ابنُ فرحون أنواعَ التخريجِ عند المالكيةِ، فَذَكَرَ ثلاثةَ أنواعٍ: النوع الأول: استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ. النوع الثاني: أنْ يكونَ في المسألةِ حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ، فيُخرَّج فيها مِنْ مسألةٍ أخرى قولٌ له بخلافِه.

стр. 495

النوع الثالث: أنْ يُوجدَ النصُّ في مسألةٍ على حكمٍ، ويُوجد نصُّ في مثلِها على ضدِّ ذلك الحكمِ، ولا يُوجد فارقٌ بينهما، ينقلون النصَّ مِن إحدى المسألتين، ويخرِّجونه في الأخرى؛ فيكون لإمامِ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ منهما: قولٌ منصوصٌ، وقولٌ مخرَّجٌ (١). ووافقَ إبراهيمُ اللقاني ابنَ فرحون في الأنواعِ الثلاثةِ التي ذَكَرَها (٢). ومِنْ خلالِ تأمّلِ الأنواعِ الثلاثةِ يتبيَّن الآتي: أولًا: أنَّ تعريفَ ابنِ فرحون غيرُ متلائمٍ مع الأنواعِ التي ذَكَرَها؛ إذ التعريفُ مقصورٌ على الفرعِ الذي لم يُنصَّ على حكمِه، بتخريجِه على أصولِ المذهبِ، وفي أنواع التخريج التي أوردها تخريجُ فروع نصَّ الإمامُ على حكمِها. ثانيًا: أن تعريفَ عبدِ الله العلوي - ومَنْ تبعه - وتعريفَ الدكتورِ محمد رياض، غيرُ جامعين لأنواعِ التخريجِ في المذهبِ المالكي. ثالثًا: سعةُ مصطلحِ: (التخريج) عن المالكية. أمثلة التخريج عند المالكية: أولًا: أمثلة النوع الأول: (استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ). المثال الأول: يقولُ الحطّابُ في مسألةِ: (حكم السجود على اليدين): "إنَّ في وجوب السجودِ على اليدين قولينِ مخرَّجينِ على قولينِ ذكرَهما بعضُ المالكَيةِ في بطلانِ صلاةِ مَنْ لم يرفعْ رأسَه ويديه مِن السجدتين، فعلى القولِ بالبطلانِ يكون السجودُ عليهما واجبًا؛ وإلا فلا" (٣).

стр. 496

المثال الثاني: قول الجلابُ المتقدّم في الفرعِ الأولِ. ثانيًا: أمثلة النوع الثاني: (أنْ يكونَ في المسألةِ حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ، فيُخرَّج فيها مِنْ مسألةٍ أخرى قولٌ له بخلافِه). المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجب: "الجسدُ في النضحِ كالثوبِ على الأصحِّ، وفيها - أيْ: في المدونة -: "وَلا يَغْسِل أنثييه من المذي، إلا أنْ يخشى إصابتهما"، فأَخَذَ منه الغسل" (١). قالَ خليلٌ في شرحِه: "أي: أنَّ الأصحَّ في الجسدِ أنَّه كالثوب ... ومقابل الأصحّ: أنَّ الجسدَ يُغْسَلُ؛ لعدمِ فسادِه، واستُقرِئ مِن (المدوَنةِ)، مِنْ قولِه: "ولا يغسلُ أنثييه من المذي، إلا أنْ يخشى إصابتهما"، فإنَّ ظاهرَه: أنهَّ إذا خَشِيَ، يغسلُهما" (٢). المثال الثاني: جاءَ في: (المدونة) النصُّ في البيوعِ الفاسدةِ على مَنْعِ جمعِ الرَجُلين سلعتيهما في البيعِ (٣)، يقولُ ابن فرحون: "ويتخرَّجُ مِن الشفعةِ، ومِنْ كتابِ التجارةِ إلى أرضِ الحربِ: الجوازُ" (٤). ثالثًا: مثال النوع الثالث: (أنْ يُوجدَ النصُّ في مسألةٍ على حكمٍ، ويُوجدَ نصٌّ في مثلِها على ضدِّ ذلك الحكم، ولا يوجد فارقٌ بينهما، وإنقل النصُّ مِنْ إحدى المسألتين، ويخرِّج في الأَخرى): يقولُ ابن الحاجب: "ويستترُ العُرْيان - أي: في الصلاة - بالنجسِ وبالحريرِ، ونصَّ ابن القاسم، وأشهب في الحرير: يصلي عريانًا. فإن اجتمعا: فالمشهور لابنِ القاسم: بالحريرِ، وأصبغ (٥): بالنجسِ.

стр. 497

فخرَّج - في الجميعِ -: قولانِ" (١). ثالثًا: التخريجُ عند الشافعية: وَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) عند علماءِ الشافعيةِ، يقولُ تقي الدّين السبكي: "قد يؤخذ - أي: الحُكم - مِنْ نصٍّ معيَّن في مسألةٍ معينةٍ، فيخرّجُ منها إلى مثلِها المساوية لها مِنْ غيرِ فرقٍ، ولا نصّ يعارضُه، وهذا أقوى ما يكون مِن التخريجِ" (٢). وقد بيَّنَ بدرُ الدينِ الزركشيُّ المرادَ بالقولِ المخرَّجِ، بأنَّه إذا لم يُعرفْ للمجتهدِ قولٌ في المسألةِ، لكنْ له قولٌ في نظيرِها، ولم يُعلمْ بينهما فرقٌ، فهو قولُه المخرَّجُ فيها (٣). وعرَّفَ علوي السقاف (٤) التخريجَ بـ: أنْ ينقلَ فقهاءُ المذهبِ الحكمَ

стр. 498

مِنْ نصِّ إمامِهم في صورةٍ، إلى صورةٍ مشابهةٍ (١). وظاهرٌ مِنْ كلامِهما أنَّ التخريجَ بمعنى القياسِ على الفرعِ المنصوصِ، فهما متفقانِ في الحقيقةِ. أمَّا ابنُ الصلاحِ - وهو متقدمٌ على الزركشي والسقاف - فَجَعَلَ التخريجَ على صورتين: الصورة الأولى: أنْ يُنقلَ حكمُ الفرعِ الذي نصَّ عليه إمامُ المذهبِ، إلى فرعٍ مشابهٍ له لم ينصَّ على حكمِه (٢). ويتفقُ الزركشيُّ والسقافُ مع ابنِ الصلاحِ في هذه الصورةِ. الصورة الثانية: أنْ يُخرَّجَ في فرعٍ نصَّ إمامُ المذهب على حكمِه قولٌ بخلافِه، مِنْ نصّ آخرَ له في فرعٍ مشابهٍ للأولِ (٣). وتبعَ ابنَ الصلاحِ على هذا المعنى جمعٌ من الشافعيةِ، منهم: محيي الدين النووي (٤)، وابنُ حجرٍ الهيتمي (٥)، والخطيبُ الشربيني (٦).

стр. 499

واصطلحَ بعضُ العلماءِ - ومنهم بعضُ الشافعيةِ كما سيأتي بعد قليلٍ - على تسميةِ الصورةِ الثانية التي ذكرها ابنُ الصلاح، ومنْ تبعَه بالنقلِ والتخريجِ. الفرقُ بين مصطلح: (الوجه)، ومصطلح: (القول المخرَّج) عند الشافعية: ذَكَرَ بدرُ الدين الزركشيُّ الفرقَ بين مصطلح: (الوجه)، ومصطلح: (القول المخرَّج)، مِنْ جهةِ: أنَّ الوجهَ مخرَّجٌ مِن قواعد عامةِ في المذهبِ، أمَّا القولُ المخرج، فإنه مخرَّج مِنْ صورةٍ خاصةٍ (١). أمثلة التخريج عند الشافعية: لنْ أذكرَ أمثلةً للصورةِ الثانيةِ الذي ذكرها ابنُ الصلاح للتخريجِ (النقل والتخريج)؛ لأنَّني سأتحدث عنه في فرعٍ مستقلٍّ؛ وسأكتفي بالتمثيل للصورة الأولى: المثال الأول: يقولُ ابنُ القاصِّ: "كذلك لو أَمَرَ رجلًا فيممه - أيْ: لا يصح تيممه - قلتُه تخريجًا" (٢). يقولُ محيي الدين النووي معلقًا على قولِ ابنِ القاصِّ: "وهذه المسألةُ خرّجها مِن التي بعدها، وهي مسألةُ: الرِّيحِ" (٣). المثال الثاني: نَقَلَ محيي الدين النوويُّ عن بعضِ الشافعيةِ قولَه: "إذا أُغْمِيَ عليه - أي: على المعتكفِ - في الاعتكافِ، فإنْ لم يخرجْ مِن المسجدِ، فأفاقَ: فاعتكافُه باقٍ لا يبطلُ ... والمذهبُ أنَّ زمانَ الإغماءِ محسوبٌ مِن الاعتكافِ ... وفيه وجهٌ: أنَّه لا يُحسبُ ذلك الزمان عن

стр. 500

الاعتكافِ؛ تخريجًا مِنْ قولِنا في الصائمِ إذا أُغْمِيَ عليه: يبطلُ" (١). رابعًا: التخريج عند الحنابلة: وَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) في كتبِ الحنابلةِ، وقد عرّفه طائفةٌ منهم، مِنْ هؤلاءِ: التعريف الأول: عرَّفَ شمسُ الدينِ البعليّ مصطلح: (التخريجَ) بقولِه: "إذا أفتى المجتهدُ في مسألتينِ متشابهتينِ بحكمينِ مختلفينِ، في وقتينِ، نُقِلَ حُكمُ كلِّ واحدةٍ منها إلى الأخرى" (٢). وتَبعَ البعليَّ في تعريفه: منصورٌ البهوتي (٣)، لكنه جَعَلَ التخريجَ مِنْ إحدى المسألتين فقط، فقالَ: "التخريجُ: نقلُ حُكمِ إحدى المسألتين المتشابهتين إلى الأخرى، ما لم يُفرِّقْ، أو يقرُب الزمنُ" (٤). واصطلحَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ على تسميةِ ما ذكره شمسُ الدين البعلي بالنقلِ والتخريج، وسيأتي في الفرعِ القادمِ بيانُه. التعريف الثاني: نقلُ حكمِ مسألةٍ إلى ما يشبهها، والتسويةُ بينهما فيه. وهذا تعريفُ تقيِّ الدين بنِ تيمية (٥).

стр. 501

وتَبعَ تقيَّ الدين جمعٌ من الحنابلةِ، منهم: المرداويُّ (١)، وابنُ النجار (٢)، ومحمدٌ السفاريني (٣). ويشملُ التعريفُ صورةَ الفرعِ الذي لم يَرِدْ بشأنِه نصٌّ إمامِ المذهبِ، فيحلق بما يشبهه، وصورةَ الفرعِ الذي نصَّ إمامُ المذهب على حكمِه، فيلحقُ بما يشبهُه مِن الفروعِ التي تحالفُه في الحكم. التعريف الثالث: بيانُ حكمِ الفرعِ بإدراجِه تحتَ القواعدِ الكليةِ للإمامِ المذهب، أو الشرعِ، أو العقل. وهذا تعريفُ الطوفي (٤)، ولم يذكر التخريجَ مِن نصوصِ الإمامِ. وقد مثَّل له بقولِ القائلِ: لا يصحُّ التيممُ لفرضٍ قبلَ وقتِه، ولا لنفلٍ في وقتِ المنعِ منه، ويبطلُ التيممُ بخروجِ الوقتِ، ولا يصلي به حتى يجدد (٥)، ويتخرَّجُ ذلك كله بناءً على أنَّ التيممَ يرفعُ الحدثَ، وهو قاعدةٌ مِنْ قواعد التيممِ (٦). وما ذكره مُتعقَّبٌ؛ فما وَرَدَ في عباراتِ علماءِ الحنابلةِ المتقدمةِ آنفًا، وما أوردوه في مصنفاتِهم تخدش ما قرره الطوفي. أمثلة التخريج عند الحنابلة: لنْ أذكرَ أمثلةً للتخريجِ بالمعنى الذي ذكره شمسُ الدينِ البعلي (النقل والتخريج)؛ لأنَّني سأتحدثُ عنه في فرعٍ مستقلٍّ، وسأُمثل للتخريجِ بالمعنى الذي ذكره تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ، والبهوتيُّ: المثال الأول: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ تحت قاعدة: (مَنْ عليه فرضٌ، هل له أنْ يَتَنَفَّلَ قبلَ أدائِه بجنسِه؟ ): "إذا تصرَّفَ بها - أي: التصرفات

стр. 502

المالية، كالعتقِ والوقفِ والصدقةِ - وعليه دَيْنٌ، ولم يكنْ حُجِرَ عليه: فالمذهب: صحةُ تَصرّفِه، وإن استغرقَ مالَه في ذلك. واختار الشيخُ تقيُّ الدين ﵀ أنَّه لا ينفذُ شيءٌ مِنْ ذلك مع مطالبةِ الغرماءِ .. . ويمكنُ تخريجُه في المذهبِ مِنْ أصلين: أحدهما: ما نصَّ عليه أحمدُ ﵀ في روايةِ حنبلٍ، فيمَنْ تبرعَّ بمالِه بوقفٍ أو صدقةٍ، وأبواه محتاجان: أنَّ لهما رَدَّه ... والثاني: أنَّه نصَّ في روايةٍ أخرى على أن مَنْ أوصى لأجانب، وله أقارب محتاجون أنَّ الوصيةَ تُرَدُّ عليهم. فتخرَّج مِنْ ذلك أن مَنْ تبرّعَ، وعليه نفقةٌ واجبةٌ لوارثٍ، أو دينٌ ليس له وفاء: أنَّه يُرَدّ" (١). المثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "مَن ائتمَّ بمقيمٍ ... أَتَمَّ ... ويتوجّه تخريجٌ مِنْ صلاةِ الخوفِ: يقصرُ مطلقًا" (٢). المثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ - أيضًا -: "لو أَرادَ وطأها - أيْ: وطء زوجتِه - فادَّعتْ حيضًا، وأمكن: قُبِلَ، نصَّ عليه ... ويتوجّه تخريجٌ مِن الطلاقِ" (٣). وقد علَّق ابنُ قندس (٤) على تخريجِ ابنِ مفلحٍ قائلًا: "أي: إذا علَّق

стр. 503

طلاقَها على حيضِها، وقالت: حِضْتُ، فيه روايةٌ: لا يقبلُ قولُها، فخرَّجها المصنّفُ هنا" (١). وهذا المثالُ يصلحُ التمثيلُ به للتخريجِ على ما ذكره تقيُّ الدين بنُ تيمية - ومن تبعه - ومنصورٌ البهوتي. الفرع السابع: النقل والتخريج جاءَ في استعمالات بعضِ الفقهاءِ عند بعضِ المذاهب مصطلحُ: (النقل والتخريج)، وقد تقدّم لنا الحديثُ عن معناه في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، وسأبيّنُ حديث أرباب المذاهب التي تكلمتْ عنه. أولًا: النقل والتخريج عند المالكية: لم يستعمل المالكيةُ مصطلحَ: (النقل والتخريج) - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - وأشيرُ إلى أن بعضَ المالكيةِ قد استعملَ مصطلح: (النقل والتخريج) بمعناه دونَ لفظِه، وجعلوه داخلًا تحت مصطلحِ: (التخريج)، كما في كلامِ القاضي ابنِ فرحون المتقدم، حين جَعَلَ التخريجَ ثلاثةَ أنواع، فحقيقةُ النوعِ الثالثِ الذي أورده تتفقُ مع ما قرره الشافعيةُ والحنابلةُ في مصطلح: (النقل والتخريج). يقولُ عبد الله العلوي: "إنَّ المجتهدَ قد ينصُّ في المسألةِ على شيءٍ، وفي نظيرِها، أي: ما يشابهها، على ما يعارضه، أي: يخالفُه، مع خفاءِ الفرقِ بينهما: فمِنْ أهلِ المذهبِ مَنْ يُقرر النصين في محلِّهما، ويفرِّق

стр. 504

بينهما، ومنهم مَنْ يُخرِّجُ نصَّ كلِّ في الأخرى؛ فيحكي في كلِّ قولين: منصوصًا، ومخرَّجًا" (١). وتبِعَ عبدَ الله العلويَّ بعضُ المالكية، منهم: محمدٌ الأمين الجكني (٢)، ومحمدٌ الأمين الشنقيطي (٣). ثانيًا: النقل والتخريج عند الشافعية: وَرَدَ مصطلحُ: (النقل والتخريج) في كتب الشافعيةِ، وقد كَشَف أبو القاسمِ الرافعي عن معناه بقولِه: "إذا وَرَدَ نصَّانِ عن صاحب المذهبِ مختلفانِ، في صورتينِ متشابهتينِ، ولم يظهرْ بينهما ما يصَلحُ فارقًا: فالأصحابُ يخرِّجونَ نصَّه في كلِّ واحدةٍ مِن الصورتين في الصورةِ الأخرى؛ لاشتراكِهما في المعنى، فيحصلُ في كل واحدةٍ مِن الصورتين قولانِ: منصوصٌ، ومخرَّجٌ، المنصوصُ في هذه هو المخرَّجُ في تلك، والمنصوصُ في تلك هو المخرَّجُ في هذه، فيقولون: فيهما قولانِ: بالنقلِ والتخريجِ" (٤). ووافق أبا القاسمِ الرافعيَّ في تقريرِ حقيقةِ مصطلحِ: (النقل والتخريج) عددٌ مِنْ علماءِ الشافعيةِ، منهم: تقيُّ الدين السبكي (٥)، وبدرُ الدين الزركشي (٦)، وصدرُ الدّينِ السلمي (٧)، وابنُ الملقنِ (٨).

стр. 505

وقد جاءَ المصطلحُ في تضاعيف كلامِ أبي محمدٍ الجويني (١)، ومحيي الدين النووي (٢)، وتقيّ الدينِ الحصني (٣). ويحتملُ قولُهم بـ (النقل) في مصطلح: (النقل والتخريج) معنيين: المعنى الأول: أنْ يكونَ بمعنى نقلِ الحكمِ المنصوصِ عليه مِنْ قِبَلِ إمامِ المذهبِ في هذا الفرعِ إلى الفرعِ الآخر، والعكس. المعنى الثاني: أنْ يكونَ بمعنى الروايةِ، ويكون المعنى: في كلِّ واحدٍ مِن الفرعين قولٌ منقولٌ، أيْ: مروي عن إمامِ المذهبِ، وقولٌ مخرَّجٌ (٤). أمثلة النقل والتخريج عند الشافعية: ذكرتُ عددًا مِن أمثلةِ النقل والتخريج عند علماءِ الشافعيةِ في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، فأغنى عن ذكرِ أمثلةٍ هنا.

стр. 506

ثالثًا: النقل والتخريج عند الحنابلة: لا يختلفُ معنى مصطلحِ: (النقل والتخريج) عندَ الحنابلةِ عمَّا قرره علماءُ الشافعيةِ (١). يقولُ الطوفيُّ: "لو نصَّ المجتهدُ في مسألتين متشابهتينِ على حكمين مختلفين، لم يجزْ أنْ يُجعلَ فيهما روايتان: بالنقلِ والتخريجِ" (٢). ويقولُ في موضعٍ آخر: "وقد وَقَعَ النقلُ والتخريجُ في مذهبنا" (٣). أمثلة النقل والتخريج عند الحنابلة: ذكرتُ عددًا مِن أمثلةِ النقلِ والتخريج عند علماءِ الحنابلةِ في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، فأغنى عن ذكرِ أَمثلةٍ هنا. الفرع الثامن: الصحيح استعملَ فقهاءُ المذاهبِ مصطلحي: (الصحيح)، و (الأصح)، وكان لكلِّ مذهبٍ - في الجملةِ - اصطلاحُه الخاصُّ، بلْ كان للعالمِ الواحدِ في بعضِ المذاهبِ اصطلاحُه الخاص به الذي يخالفُ فيه غيرَه مِنْ علماءِ مذهبِه. أولًا: التعريف اللغوي للصحيح: الصحيح: على وزن (فَعِيْل)، مأخوذةٌ مِن الصحة، يُقالُ: صَحَّ يَصِحُّ صِحَّةً، فهو صحيح (٤).

стр. 507

وللصحة عدة معان في اللغةِ، منها: المعنى الأول: ذهابُ المرضِ والسقمِ (١). المعنى الثاني: البراءةُ مِنْ كلِّ عَيْبٍ وريبٍ (٢). المعنى الثالث: الاستواء، ومنه: الصَحْصَحُ، والصَحْصَاح، والصَحْصَحَان، وهو ما استوى مِن الأرضِ (٣). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الصادُ والحاءُ أصلٌ يدلُّ على: البراءةِ مِن المرضِ والعيبِ، وعلى الاستواءِ" (٤). المعنى الرابع: الاشتدادُ، ومنه: صَحَاحُ الطريق، وهو ما اشتدَّ، ولم يسهلْ (٥). ومِن الاستعمالاتِ المجازيةِ للصحةِ، قولُهم: صَحَّ عندَ القاضي حقُّه، وصَحَّتْ شهادتُه، ومذهبُ فلانٍ هو المذهبُ الصحيحُ (٦). يقولُ أبو بكرٍ السمرقندي عن استعمالِ الصحيح في اللغةِ: "يُستَعمل الصحيحُ في الجماداتِ، فيما استوى تركيبُه الخاصّ، وفيه صلابةٌ وشدةٌ، يُقالُ: ... هذا كُوْزٌ صحيحٌ، وكُوْزٌ منكسرٌ، إذا كان فيه نوعُ نقصان. ويستعملُ في الحيواناتِ فيما اعتدلتْ طبيعتُه، واستكملَ قوتَه، مع انتفاءِ أسباب الهلاكِ والنقصانِ عن المعاني الباطنةِ، يُقالُ: رجلٌ صحيحٌ ... ومصحاحٌ" (٧).

стр. 508

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للصحيح: أولًا: الصحيح عند الحنفية. لم يهتمَّ علماءُ الحنفيةِ كثيرًا بتحديدِ معنى مصطلحي: (الصحيح)، و (الأصح) في مذهبهم، وإنَّما اكتفوا ببيانِ ما يقابلُ كلّ واحدٍ من اللفظين، وبكونِ مصطلحِ: (الأصح) مِنْ ألفاظِ الترجيحِ في مذهبِهم (١). يقابلُ ما حَكَمَ عليه علماءُ الحنفيةِ بالصحةِ: الضعيفُ أو الفاسدُ، ويقابلُ ما حَكَمَ عليه علماؤهم بالأصحِّ: الصحيحُ (٢). يقولُ داماد أفندي (٣): "مقابل الفاسد، والأصحُّ: مقابل الصحيحِ" (٤). وما تقرر مِنْ أنَّ مقابلَ الأصحِّ هو الصحيح هو الأمرُ الغالبُ عندَ الحنفيةِ، وإلا فَقَدْ يقابلُ الأصحَّ غيرُ صحيحٍ، كالشاذِّ مثلًا (٥). وهنا مسألة: أيّهما يُقدمُ عند الحنفيةِ الصحيحُ، أم الأصحّ؟ اختلف علماءُ الحنفيةِ في أيّهما يُقدّمُ الصحيح، أم الأصح؟ وقبل ذكر خلافهم، أُبيِّنُ أنَّ الحنفيةَ اتفقوا على حالتين:

стр. 509

الحالة الأولى: إذا كانَ واصفُ القولِ بأنَّه صحيحٌ، وأصحّ شخصٌ واحدٌ، فالأصحُّ أولى بالتقديمِ باتفاقِ الحنفيةِ (١). الحالة الثانية: إذا استُعْمِلَ لفظِ: الأصح في ترجيحِ صحيحٍ على آخر، فالأصحُّ مقدَّمٌ باتفاقِ الحنفيةِ (٢). واختلفَ علماءُ الحنفيةِ فيما عدا هاتين الحالتين على قولين: القول الأول: يُقَدَّم الأصحُّ على الصحيحِ. وهذا قولُ بعضِ الحنفيةِ (٣). ونُسِبَ إلى جمهورِ الحنفيةِ (٤). واختاره: خيرُ الدّينِ الرملي (٥). توجيه القول الأول: أنَّ لفظَ (الأصحِّ) مشتملٌ على زيادة في معنى الصحةِ؛ لأنَّه على وزنِ (أفعل) التفضيلِ (٦). القول الثاني: يُقدمُ الصحيحُ على الأصحِّ. وهذا قولُ بعضِ الحنفية (٧)

стр. 510

واختاره: داماد أفندي (١)، ومحمد تقي العثماني (٢). توجيه القول الثاني: أنَّ مقابلَ (الصحيحِ) فاسدٌ أو ضعيفٌ، ومقابلَ (الأصح) صحيحٌ، وما كان مقابلُه فاسدًا أو ضعيفًا، آكدُ ممَّا كان مقابلُه صحيحًا (٣). أمثلة: الصحيح، والأصح عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ داماد أفندي، تحتَ باب: (مصرف الزكاة): " (ومنقطع الغزاة) الذين عجزوا عن اللحوقِ بجيشِ الإسلامِ؛ لنفرهم (٤)، فَتَحِلُّ لهم الصدقةُ، وإنْ كانوا كاسبين؛ إذ الكسبُ يُقْعِدُهم عن الجهادِ ... (عند أبي يوسف)، وفي روايةٍ عن محمدٍ، وهو الصحيحُ، وهو المراد في سبيلِ الله" (٥). المثال الثاني: سُئِل خيرُ الدينِ الرملي الحنفي عن مسألةِ: الإخفاء والجهر بالقراءةِ في الصلاةِ، واختلافِ الأقوالِ فيها؟ وما هو الأرجحُ؟ فأجابَ: "اختلفوا في حدِّ الجهرِ والإخفاءِ ... الجهرُ: أنْ يُسمِعَ غيرَه. والمخافتة: أنْ يُسْمِعَ نفسَه. وقالَ الكَرْخي: الجهرُ: أنْ يُسْمِعَ نفسَه، والمخافتةُ: تصحيحُ الحروفِ ... والأولُ أصحُّ" (٦). ثانيًا: الصحيح عند المالكية. جاءَ في كتبِ المالكيةِ مصطلحا: (الصحيح)، و (الأصح)، وقد أبانَ علماءُ المالكيةِ عن معناهما بذكرِ ما يقابلهما.

стр. 511

يقابلُ الصحيح عند المالكية: الفاسدُ. وهذا ما سارَ عليه ابنُ الحاجبِ في: (مختصرِه الفقهي) - في الجملةِ (١) - ولم يطَّردْ عنده، فقد يقابلُ الصحيح: الشاذ، فيكون الصحيحُ بناءً على هذا المعنى مرادفًا للمشهورِ، على ما سيأتي بيانُه. وقد يقابلُ الصحيح: ما هو مشهورٌ في المذهبِ (٢). وإذا كانت الأفضليةُ في: (الأصحِّ) راجعةً إلى قوّةِ الدليلِ (٣)، ومقابلُ: (الأصح) هو الصحيح - كما سيأتي قريبًا - فيمكن القولُ بأنَّ الصحيحَ عند المالكيةِ هو: القولُ الذي قويَ دليلُه. يقولُ القاضي ابنُ فرحون: "الغالب أنَّه - أي: الصحيح - يجري مجرى المشهورِ" (٤). ولخليلٍ المالكي اصطلاحُه الخاص، فيما يتصل بلفظ: (صُحِّحَ) - بالبناءِ للمجهولِ - ومرادُه به أنَّ أحدًا مِنْ علماءِ المالكيةِ عدا اللخمي، وابن يونس (٥)، وابن رشد، والمازري قد صَحَّح القولَ (٦). أما لفظ: (الأَصحِّ)، فعند بعضِ المالكيةِ أنَّ الصحةَ في: (الأصح)

стр. 512

راجعةٌ إلى قوّةِ الدليل (١)، فإذا جيءَ بالأصحِّ، فالمعنى "يكون كلُّ واحدٍ من القولين صحيحًا، وأَدلة كلِّ واحدٍ منهما قويةٌ، إلا أنَّ الأصحَّ مرجَّحٌ على الآخر بوجهٍ مِنْ وجوه الترجيحِ" (٢)، فيكون المقابلُ للأصحِّ هو الصحيح؛ إذ التعبيرُ بالأصحِّ مشعرٌ بصحةِ مقابلِه؛ لأنَّه على وزنِ: (أفعل) التفضيل (٣). وليس كونُ مقابلِ الأصحِّ صحيحًا بقاعدةٍ مطردةٍ عند المالكيةِ، فقد يقابلُه الشاذ - فينزّلُ الأصحُ منزلةَ المشهور (٤) - وقد يقابلُه إجراءٌ - وسيأتي بيانُ معناه - أو اختيارٌ لبعضِ المتأخرين (٥)، وقد يقابلُه قولٌ مخرَّجٌ (٦). أمثلة: الصحيح، والأصح عند المالكية: المثال الأول: يقولُ الحطّابُ: "لا يؤكلُ الخَشَاش (٧) على الصحيحِ مِن المذهبِ، إلا بذكاةٍ" (٨). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "المؤلفةُ كفارٌ يعطونَ؛ ترغيبًا في الإسلامِ ... والصحيحُ: بقاءُ حكمِهم، إن احتيجَ إليهم" (٩). المثال الثالث: يقولُ خليلٌ: "سُنَّ لعيدٍ ... : خروجٌ بعدَ الشمسِ، وتكبيرٌ فيه حينئذٍ، لا قبله، وصُحِّحَ خلافُه" (١٠).

стр. 513

المثال الرابع: يقولُ الدرديرُ (١): "إنْ أذِنَ السيدُ لرقيقِه في الإحرامِ - أيْ: الإحرام بالحجِّ - فأفسدَه، لم يلزمْه إذنٌ ثانٍ للقضاءِ، على الأصحِّ" (٢). المثال الخامس: يقولُ ابنُ شاس: "وهو - أيْ: المسح على الخفين - مشروعٌ، رخصته للرجالِ والنساءِ، في السفرِ وفي الحضرِ ... قال القاضي أبو محمد (٣): وهو - أي: إجازة المسح في السفر والحضر - أصحُّ" (٤). ثالثًا: الصحيح عند الشافعية: جاءَ مصطلحا: (الصحيح)، و (الأصح) في مدوّناتِ المذهبِ الشافعي، وجرى خلافٌ بين علمائِهم في بيانِ المرادِ بهما. مصطلح: (الصحيح) عند الشافعية: استعملَ محققو المذهبِ الشافعي مصطلحَ: (الصحيح)، وظَهَرَ اتجاهانِ في تحديدِ معناه: الاتجاه الأول: أنَّ الصحيح هو: القولُ أو الوجهُ الراجحُ مِن الأقوالِ، أو الوجوه. وهذا ما سارَ عليه: أبو حامدٍ الغزالي (٥).

стр. 514

ويقابلُ الصحيح: رأي ضعيفٌ، أو فاسدٌ (١). الاتجاه الثاني: أنَّ الصحيح: هو الراجحُ مِن الوجهين، أو الوجوه. وهذا ما سار عليه محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين)، يقول في مقدمتِه: "حيثُ أقول: الأصحُّ أو الصحيحُ، فمن الوجهين أو الأوجه، فإنْ قوي الخلافُ، قلتُ: الأصحُّ، وإلا فالصحيحُ" (٢). وجَعَلَ أحمدُ العلوي الشافعي (٣) معنى كلامِ النووي، أنَّه حينَ يُعبِّرُ بالأصحِّ، أو بالصحيح، فأحدهما كائنٌ مِن الوجهين، أو الأوجه (٤). ويظهر لي أنَّ تعبيرَ النووي بالصحيحِ، أو بالأصحِّ يدلُّ على أنَّ الآراء أو الرأيين مِن الأوجهِ، أو الوجهين. ومقابلُ الصحيحِ عند محيي الدين النووي: الوجهُ الفاسدُ (٥). وحين يُعبرُ عن قولٍ بأنَّه صحيحٌ أشعر هذا بأنَّ الخلافَ ضعيفٌ، وأنَّ مقابلَه فاسدٌ (٦). وقد بيَّنَ بعضُ شراحِ كتاب: (منهاج الطالبين) أنَّ النوويَّ لم يستعمل مصطلحَ: (الصحيح) في أقوالِ الإمامِ الشافعي؛ تأدبًا مِنْ أنْ يصفَ قولَه الآخر بالفسادِ (٧).

стр. 515

ويستفادُ مِنْ تعبيرِ علماءِ المذهب الشافعي عن حكمٍ بأنَّه الصحيحُ أمورٌ، وهي: أولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ. ثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا. ثالثها: فسادُ المقابلِ. رابعها: كونُ الخلافِ وجهًا لعلماءِ الشافعيةِ (١)، وهذا حينَ يستعملُ النوويُّ مصطلح: (الصحيح) فحسب، دون أبي حامدٍ الغزالي. مصطلح: (الأصح) عند الشافعية: ظَهَرَ اتجاهان لدى علماءِ الشافعيةِ في تحديدِ المقصودِ بمصطلحِ: (الأصح): الاتجاه الأول: أنَّ الأصحَّ هو القولُ المختارُ، سواءٌ أكان مِن أقوالِ الإمام الشافعي، أم مِنْ أوجه علماءِ مذهبِه. وهذا ما سار عليه: أبو حامدٍ الغزالي (٢)، والقاضي البيضاوي (٣)، ومتقدمو الشافعيةِ (٤). يقولُ القاضي البيضاوي في مقدمةِ كتابه: (الغاية القصوى) (٥): "أنبّه على القولِ المختارِ بـ: أنَّ الأصحَّ كذا". الاتجاه الثاني: أن الأصحَّ هو الأرجح مِن الوجهين أو الوجوه فقط. وهذا ما سار عليه: محيي الدينِ النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين) (٦)، كما تقدم في كلامِه السابقِ.

стр. 516

وعلى كلا الاتجاهين، فمقابلُ الأصحِّ: صحيحٌ (١). ويقررُ الشافعيةُ أنَّ الأصحَّ أقوى مِن الصحيحِ (٢). ويستفادُ مِنْ تعبيرِ علماءِ المذهب الشافعي عن حكمٍ بأنَّه الأصحّ أمورٌ، وهي: أولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ. ثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا. ثالثها: صحةُ المقابلِ؛ لقوةِ الخلافِ بقوةِ دليلِ المقابلِ. رابعها: كونُ الخلافِ وجهًا لأصحابِ الإمام الشافعي، وهذا حين يستعملُ النووي مصطلحَ: (الأصح) فحسب، دون أبي حامدٍ الغزالي ومَنْ معه (٣). وهنا سؤالٌ، وهو: ما العملُ إذا تعارضَ تعبيرُ الغزالي أو النووي في وصفِ حكمِ مسألةِ بقولِه مرة بأنَّه: "صحيح" في موضع، وبأنه: "أصح" في موضع آخر؟ أجابَ عن هذا السؤالِ الفقيهُ أحمدُ الأهدل الشافعي (٤) بقولِه: "ويُوجد منه - أي: النووي - التعبيرُ في: (الروضة): بالأصح، وفي: (المنهاج): بالصحيحِ، في حكمٍ واحدٍ؛ وهذا منشأه اختلاف الاجتهادِ في الأرجحية؛ فعند التعارض يُرجَعُ إلى تأمّلِ المدركِ" (٥).

стр. 517

ويكون العمدةُ في وصفِ حكمِ المسألةِ بأنَّه الصحيح أو الأصح على ما قاله في مُصَنَّفه المتأخِر. أمثلة: (الصحيح)، و (الأصح) عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "ثمَّ هذا كله - أي: نقض الوضوء بمسِّ الذكرِ - في المسِّ بالكفِّ، فإنْ كان برأسِ الأصابع: فوجهانِ ... وإنْ كان بما بين الأصابعِ: فالصحيح أنَّه لا ينتقضُ" (١). المثال الثاني: يقولُ القاضي البيضاوي: "نَقَلَ البخاريُّ (٢) أنَّه ﵇ عدَّ: (بسم الله الرحمن الرحيم) آية منها - أي: منْ سورة الفاتحة - والأصحُّ أنَّه آية مِنْ سائرِ السورِ أيضًا، وإلا لم تُكتبْ، كآمين" (٣). المثال الثالث: يقولُ محيي الدين النووي: "لو اشتبه ماءٌ طاهرٌ بنجسٍ اجتهد ... أو ماءٌ وبولٌ لم يجتهد على الصحيحِ، بلْ يخلطانِ، ثمَّ يتيممُ" (٤). المثال الرابع: يقولُ محيي الدين النوويُّ - أيضًا -: "يَحْرمُ على المحدثِ جميعُ أنواعِ الصلاةِ - .. ويَحْرمُ مسُّ الجلدِ على الصحيحِ، والغلافُ والصندوقُ والخريطةُ إذا كان فيهنَّ المصحفُ على الأصحِّ، ولو قلَّبَ أوراقَه بعُوْدٍ، حَرُم على الأصحِّ" (٥). رابعًا: الصحيح عند الحنابلة: لم تخلُ مدوَّنات المذهبِ الحنبلي مِنْ ورود مصطلحي: (الصحيح)، و (الأصح)، وقد بيَّنَ علماؤهم المرادَ بهما.

стр. 518

إذا جاءَ مصطلحُ: (الصحيح) عند الحنابلةِ، فمرادهم به: إمَّا الصحيح عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا الصحيحُ عن بعضِ أصحابِه (١). وكذلكَ القولُ فيما يتصلُ بالأصحِّ (٢)، يُستعملُ للأرجحِ لمَا وَرَدَ عن الإمامِ أحمدَ، أو عن أصحابِه. وقد تكونُ الأفضليةُ في الأصحِّ راجعةً إلى شهرةِ القولِ، أو إلى قوةِ النقلِ، أو إلى الدليلِ. وقد يكونُ الأصحُّ عند القائلِ، بمعنى أنَّه اختارَ القولَ (٣). وقد سارَ الموفقُ ابنُ قدامةَ على التعبيرِ بأصحِّ الروايتين، وأصحِّ الوجهين، يقولُ المرداويُّ عن هذا الاستعمالِ: "لا تكادُ تجد ذلك إلا المذهب، وقد يكونُ المذهبُ خلافَه، ويكونُ الأصحَّ عند المصنِّفِ، أي: ابن قدامة" (٤). وذَهَبَ بعضُ الحنابلةِ في مؤلفاتهم المذهبيةِ إلى التفرقةِ بين قولِهم: (على الأصحِّ)، وقولِهم: (في الأصحِّ): فإذا قالوا: (على الأصحِّ)، فالمقصود: على أصحِّ الروايتين، وإذا قالوا: (في الأصحِّ)، فالمقصود: في أصحِّ الوجهين. وقد سار على هذه التفرقةِ: ابنُ مفلحٍ في كتابِه: (الفروع) (٥)، وأبو بكرٍ الجراعي (٦)

стр. 519

في كتابِه: (غاية المطلب) (١)، كما نصضَّا عليه في مقدمةِ كتابهما. وهذا اصطلاحٌ منهما، ولا مشاحةَ فيه، كما هو معلومٌ. يقولُ المرداويُّ عن (الأصح) عند ابنِ مفلحٍ: "ذِكْرُه - أي: ابن مفلح - للخلافِ بهذه الصيغة - ومنها: الأصح - يقتضي قوتَه مِن الجانبين، وإنْ كان المذهبُ، أو المشهورُ أحدَهما" (٢). أمثلة الصحيح، والأصح عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ المرداويُّ: "إذا وقعتْ نجاسةٌ فيه - أي: في الماء - وشكَّ هلْ هو قلتان، أو دونهما؟ ففي نجاستِه وجهانِ ... أحدهما: هو نجسٌ، وهو الصحيحُ ... والوجه الثاني: هو طاهرٌ" (٣). المثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "يحرم نمصٌ (٤)، ووشْر (٥)، ووشم (٦)

стр. 520

في الأصحِّ" (١). المثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ - أيضًا -: "يجبُ على الأصحِّ (هـ) غَسْلُ اللحيةِ، ومسْتَرسلِها" (٢). المثال الرابع: يقول المرداويُّ: "صلاةُ العيدِ فرضٌ على الكفايةِ، هذا المذهبُ. قالَ ابنُ تميمٍ (٣): فرضُ كفايةٍ على الأصحِّ" (٤). المثال الخامس: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: "يحرمُ على ولي الصبي إلباسُه حريرًا، أو ذهبًا على الأصحِّ" (٥). الفرع التاسع: المعروف جاءَ مصطلحُ: (المعروف) عند بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ، وسأذكرُ تعريفه اللغوي، ثمَّ أذكرُ تعريفه عند من استعمله. أولًا: التعريف اللغوي للمعروف: المعْرُوفُ: اسمُ مفعولٍ من الفعل عُرِفَ، وهو مأخوذٌ مِن العُرْفِ. والمعروفُ: ضدُّ المنكرِ، والعُرْفُ: ضدُّ النُكرِ، يُقالُ: أولاه عُرفًا،

стр. 521

أيْ: معروفًا (١). والعُرْفُ، والعِرْفُ: الصبرُ (٢)، والعُرْفُ والمعروفُ: الجُودُ (٣). وتدلُّ مادةُ: (عرف) على معنيين: المعنى الأول: تتابعُ الشيءِ متصلًا بعضه ببعضٍ (٤). ومن هذا المعنى: عُرْفُ الفرسِ، سُمّي بذلك لتتابعِ الشعرِ عليه، والعُرْفَةُ، وجمعها عُرَفٌ، وهي أرضٌ منقادةٌ مرتفعةٌ بين مرحلتين، تَنْبُتُ كأنَّها عُرفُ فرسٍ (٥). المعنى الثاني: السكونُ والطمأنينةُ (٦). ومِن المعنى الثاني: المَعْرِفَةُ والعِرْفَان، تقول: عَرَفَ فلانٌ فلانًا عِرْفَانًا ومَعْرِفَةً، وهذا أمرٌ معروفٌ، وهذا يدلُّ على سكونِه إليه؛ لأنَّ مَنْ أنكرَ شيئًا توحّشَ منه، ونَبَا عنه (٧)، فتسمية المعروفِ معروفًا؛ لسكونِ النفوسِ إليه (٨)، قال الشاعر (٩): أبى الله إلا عدلَه ووفاءَه ... فلا النُّكر معروف ولا العُرف ضائع ثانيًا: المعروف في الاصطلاح: جاءَ مصطلحُ: (المعروف) في مدوَّناتِ المذهبِ المالكي على وجهِ الخصوصِ، ولم أقفْ على اصطلاحٍ محددٍ له عندَ غيرهم - فيما رجعتُ إليه من مصادر - ومعناه عندهم: الروايةُ الثابتةُ عن الإمامِ مالكٍ، أو القولُ الثابتُ عن أحدِ علماءِ المذهبِ (١٠).

стр. 522

ومقابلُ المعروفِ عندهم: المنكرُ، وسيأتي بيانُ مصطلح: (المنكر) إنْ شاءَ الله تعالى. أمثلة القول المعروف عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "الرِّبْحُ يُزكَّى لحولِ الاصلِ على المعروف، كالنتاجِ، لا كالفوائدِ" (١). المثال الثاني: يقولُ الحطّابُ عند قولِ خليل: "ودَمْعُه وعَرَقُه": "هذا هو المعروفُ مِن المذهبِ، قال في: (المدونة): وعَرَقُ الدوابِّ، وما يخرجُ مِن أنوفِها طاهرٌ" (٢). المثال الثالث: يقولُ ابنُ شاسٍ في مسألةِ: (أسباب جمع الصلاة): "الأول: السفرُ، فيجوزُ الجمعُ بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المعروفِ مِن المذهبِ" (٣). الفرع العاشر: الراجح أولًا: التعريف اللغوي للراجح: الراحجُ: اسمُ فاعلِ مِن الفعلِ رَجَحَ، يُقالُ: رَجَحَ يَرْجحُ - مثلثة الجيم - رُجُوْحًا، ورُجْحَانًا (٤). وترجعُ مادةُ: (رجح) إلى معنى واحدٍ، يشيرُ إليه ابنُ فارسٍ بقولِه: "الراءُ والجيمُ والحاءُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على رَزَانةٍ وزيادةٍ" (٥).

стр. 523

ويطلقُ الرجحانُ على: الحِلْم، ومنه: الرَّجَاحةُ (١)، يُقالُ: قومٌ رُجَّحٌ، ورُجُحٌ، ومَراجِيح، ومراجِح، أيْ: حلماء (٢). والحِلْمُ الراجحُ: الذي يَزِنُ بصاحبِه، فلا يُخِفُّه شيءٌ (٣). ويطلقُ الرجحان - أيضًا - على: المَيْلِ، يقال: رَجَحَ الميزانُ: إذا مالَ (٤)، وأَرْجَحْتُ الميزانَ، أي: أثقلتُه حتى مالَ (٥)، وتَرَجَّحَت الأرجوحةُ بالغلامِ، أيْ: مالت به (٦)، والميلُ نتيجةَ الثقلِ والقوةِ. ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للراجح: لم يكن استعمالُ الراجحِ مقتصرًا على علمٍ مِن العلومِ، فضلًا عنْ مذهبٍ مِن المذاهبِ، فقد استعملَ العلماءُ مصطلحَ: (الراجح) في علومٍ مختلفةٍ، وأرادوا به القولَ القويَّ، أو الذي له أدلةٌ قويةٌ، إلا أنَّ المذهبَ المالكي قد نصَّ على معنى مصطلحِ: (الراجح)، وسوف أعرض ما قالوه، ثم أورد أمثلةً مِنْ بقيةِ المذاهبِ الفقهية. الراجح عند المالكية: تميّزَ مذهبُ المالكيةِ بذكرِ معنى مصطلحِ: (الراجح) في مذهبِهم، وجاءَ فيه مصطلحا: (الراجح) و (الأرجح). مصطلح: (الراجح) عند المالكية: اختلفَ علماءُ المالكيةِ في معنى: (الراجح) في مذهبِهم على قولين:

стр. 524

القول الأول: أنَّه القولُ الذي قويَ دليلُه. ذَكَرَ هذا القولَ محمد الدسوقيُّ (١)، وأحمد الصاوي (٢). واختاره: أبو عبد الله الفاسي (٣). القول الثاني: أنَّه ما كَثُر قائلُه. ذَكَرَ هذا القولَ أبو عبدِ الله الفاسي (٤). ورجَّحَ جمعٌ مِنْ علماءِ المالكيةِ القولَ الأولَ؛ وذلك للأسبابِ الآتيةِ: أولًا: أنَّ الدسوقيَّ والصاوي وهما مالكيان اقتصرا على ذكرِ المعنى الأولِ فحسب، ولم يذكرا المعنى الثاني.

стр. 525

ثانيًا: أنَّ أبا عبد الله الفاسي قد اختار القولَ الأولَ وصوبه (١)، ولم أقفْ - فيما رجعتُ عليه مِنْ مصادر - على اختيارٍ لأحدٍ من المالكيةِ للقول الثاني. ثالثًا: أنَّ القولَ الأول هو قولُ أكثرِ المالكيةِ (٢). ويشملُ مصطلحُ: (الراجح) عند المالكيةِ بحسب القول الأول: الأصحَّ، والصحيحَ، والظاهرَ، والمفتى به، وما عليه العملُ (٣). ويقابلُ الراجح: المرجوح، وهو الضعيفُ (٤)، على ما سيأتي بيانُه. مصطلح: (الأرجح) عند المالكية: يتصلُ مصطلحُ: (الأرجح) بمصطلح: (الراجح) عند المالكية، وقد بيَّنوا معناه، فالأرجح عندهم هو: القولُ الأقوى - دليلًا (٥). ويقابلُ الأرجح: الراجح (٦). أمثلة الراجح، والأرجح عند المالكية: المثال الأول: يقولُ الدرديرُ: "النفاسُ: هو الدمُ الخارجُ مِنْ قُبُلِ المرأةِ عند ولادتِها، مع الولادةِ، أو بعدَها. وأمَّا ما خَرَج قَبْلَها: فالراجح أنَّه حيضٌ؛ فلا يُحسبُ مِن الستين يومًا" (٧).

стр. 526

المثال الثاني: يقولُ الحطّابُ: "هل الإعادةُ - أي: إعادة الصلاة فيما لو صلَّى وعليه نجاسةٌ - في الوقتِ واجبةٌ، أو مستحبةٌ؟ فيه خلاف، والراجحُ أنَّها على وجهِ الاستحبابِ، فلو لم يُعِدْ حتى خَرَجَ الوقتُ، فلا إعادة" (١). المثال الثالث: يقولُ الدرديرُ: "كُرِه ... تشبيكُ أصابع في الصلاةِ فقط، وفَرْقَعَتُها فيها، لا في غيرِها، ولو في المسجدِ، على الأرجحِ" (٢). المثال الرابع: يقولُ الحطّابُ: "أمَّا الوطءُ: فيحرمُ في الفيافي والصحاري مِنْ غيرِ ساترٍ، ويجوزُ في المنزلِ إذا كان ساترٌ، ويختلفُ فيه في السطوحِ مِنْ غيرِ ساترٍ، وفي الفيافي بساترٍ، والجوازُ أرجحُ" (٣). أمثلة الراجح عند بقية المذاهب: أولًا: المذهب الحنفي: المثال الأول: يقولُ محمد بن علي الحصكفي (٤) لما تحدثَ عن الماءِ المستعملِ: "ليس بطهورٍ لحدثٍ، بلْ لخَبَثٍ على الراجحِ المعتمدِ" (٥). المثال الثاني: يقولُ ابنُ نجيم: "الراجحُ في المذهبِ وجوبُ صلاةِ الجماعةِ" (٦). ثانيًا: المذهب الشافعي: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "قال بعضُهم - أيْ: بعضُ الخراسانيين -:

стр. 527

هل تَثْبُت النجاسةُ بغلبةِ الظن؟ قولانِ، الراجحُ المختارُ في هذا كلِّه طريقةُ العراقيين: وهي القطعُ بطهارةِ كلِّ هذا" (١). ثالثًا: المذهب الحنبلي: المثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "لا يسقطُ دمُ المجاوزةِ - أيْ: مجاوزة الميقات - بخروجِه (٢)، والمرادُ على الراجحِ" (٣). المثال الثاني: نَقَلَ المرداويُّ عن تقي الدينِ بنِ تيمية قوله: "الراجحُ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّ النظرَ إلى وجهِ الأجنبيةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ لا يجوزُ" (٤). الفرع الحادي عشر: قياس المذهب: جاءَ مصطلحُ: (قياس المذهب) عند بعضِ المذاهبِ، وقبل بيانِ معناه عندهم، سأذكر التعريفَ اللغوي. أولًا: التعريف اللغوي للقياس: القياسُ: مصدرٌ، إمَّا مِن الفعلِ قَاسَ، يُقالُ: قَاسَ يَقِيسُ قَيْسًا، وقِيَاسًا (٥)، وقال بعضُ اللغويين: قَاسَ يَقُوسُ قَوْسًا لغةٌ فيها (٦)؛ وإمَّا مصدرٌ مِن الفعلِ قَايَسَ، يُقالُ: قَايَسَ يُقَايِسُ قِيَاسًا (٧)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزنِ: (فَاعَل)، فمصدره: (الفِعَال) (٨).

стр. 528

ومعنى مادةِ: (قوس): التقديرُ (١)، يُقالُ: هذه خشبةٌ قيسُ أصبعٍ، أيْ: قدرُ أصبعٍ، وبينهما قِيسُ رمحٍ، أيْ: قدرُ رمحٍ (٢)، وقاسَ الطبيبُ قعرَ الجُرحِ، أيْ: مقداره (٣). ومنه: المقياسُ، وهو المقدار (٤)، والقَوْسُ: الذراعُ؛ سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّه يُقَدَّرُ بها المذروعُ (٥). يقولُ ابنُ فارسٍ: "القافُ والواو والسينُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تقديرِ شيءٍ بشيءٍ، ثمَّ يصرَّف، فتقلب واوه ياءً، والمعنى في جميعِه واحدٌ" (٦). وقد ذَكَرَ الأصوليون عدةَ معانٍ لغويةٍ للقياسِ (٧)، منها: المساواةُ، يُقالُ: قِسْتُ الثوبَ بالثوبِ، إذا ساويتُه به (٨). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لقياس المذهب: كَثُرَ استعمالُ مصطلحِ: (قياس المذهب) في مدوَّناتِ الفقهِ الحنبلي؛ ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى طبيعةِ تكوينِ المذهبِ الحنبلي القائمِ على مروياتِ الإمام أحمدَ، والقياسِ عليها؛ يؤيد ذلك: أنَّ الأثرمَ - وهو أحدُ أصحابِ الإمام أحمد - لما سأله الإمامُ أحمدُ عمَّا دوّنه عنه مِنْ مسائل، فقالَ الإمامُ أحمد: "إيْ، هذا مِن كلامي، وهذا ليس مِنْ كلامي! ". فقيل للأثرمِ؟ فقالَ: "إنَّما أقيسُه على قولِه" (٩).

стр. 529

وهذا يدلُّ على ظهورِ القياس على قول الإمامِ في أوائلِ نشأةِ المذهبِ الحنبلي. ولا يَعْني ما سبقَ عدمُ وجودِ مصطلح: (قياس المذهب) في كتبِ المذاهبِ الأخرى، كلا، هو موجودٌ، ولكن ليس بالكثرةِ التي في مذهبِ الحنابلةِ. قياس المذهب عند الحنابلة: لم أقفْ على تعريفِ مصطلح: (قياس المذهب) عند متقدمي الحنابلة، وقد عرَّفه بعضُ المعاصرين، فمِنْ هذه التعريفات، أنَّه: تخريجُ فرعٍ غيرِ منصوصٍ عن الإمامِ على فرعٍ منصوصٍ عنه؛ لعلةٍ جامعةٍ. وهذا تعريف الشيخِ بكر أبو زيدٍ (١). ويظهرُ اتفاقُ مصطلحِ: (قياس المذهب) مع مصطلحِ: (التخريج) المتقدّمِ تقرير معناه. وما ذكره الشيخُ بكرٌ أبو زيد صحيحٌ؛ ويؤيّدُ ما قاله: تَتَبّع عددٍ مِن المواطنِ التي وَرَدَ فيها مصطلحُ: (قياس المذهب). لكنْ لا يظهرُ لي أنَّ مَنْ عبَّر بقياسِ المذهب التزمَ أنْ يكونَ حكمُ المقيس عليه منصوصًا عليه مِنْ قِبَل الإمامِ، بل يكتَفي بأنْ يكونَ منصوصًا عليه في المذهبِ. ولا يظهرُ لي أيضًا ما يمنعُ مِنْ إطلاقِ مصطلحِ: (قياس المذهب) على ما خُرِّجَ مِن الفروعِ الفقهيةِ على الضوابطِ المذهبيةِ، ولا سيما تلك الضوابط التي تشتملُ على علّةِ الحكمِ في المذهبِ. ويظهر لي أيضًا عدمُ اختلافِ بقيةِ المذاهبِ في معنى مصطلحِ: (قياس المذهب).

стр. 530

أمثلة قياس المذهب عند المذاهب: أولًا: المذهب الحنفي: المثال الأول: يقولُ الكاسانيُّ (١) في مسألةِ: (المُحْصَر الذي يَقْدر على إدراكِ الحجِّ، ولا يقدرُ على إدراكِ الهدي): "قياسُ مذهبِ أبي حنيفةَ في هذا الوجه أنَّه: يلزمُه المضي، ولا يجوزُ له التحللُ" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الهمامِ: "لو قال: "عليَّ عهدُ الله وأمانتُه وميثاقُه"، ولا نيةَ له، فهو يمينٌ عندنا، ومالك وأحمد ... وحكُي عن مالكٍ يجبُ عليه بكلِّ لفظٍ كفارةٌ ... وهو قياسُ مذهبِنا إذا كرر الواوَ، كما في: والله والرحمنِ والرحيمِ ... " (٣). ثانيًا: المذهب المالكي: المثال الأول: نَقَلَ أبو الوليد الباجي عن بعضِ المالكيةِ قولَه: "مِثْل الثعلب - في جزاءِ الصيد - على قياسِ المذهبِ: شاةٌ" (٤). المثال الثاني: نَقَلَ الحطّابُ عن بعضِ المالكيةَ قولَه: "لو أتى بأسبوعٍ - أي: طواف حول البيت - ثالثٍ أو رابعٍ، فإنَّه يأتي لكلِّ أسبوعٍ بركعتين، ويجزِئُه، وقياسُ المذهبِ أنَّ ذلك طُوْل يحولُ بينه وبين إصلاحِ الأولِ، ويُوجِبُ عليه الاستئناف" (٥).
следующие страницы →