← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المثال الثاني: يقولُ الحطّابُ: "هل الإعادةُ - أي: إعادة الصلاة فيما لو صلَّى وعليه نجاسةٌ - في الوقتِ واجبةٌ، أو مستحبةٌ؟ فيه خلاف، والراجحُ أنَّها على وجهِ الاستحبابِ، فلو لم يُعِدْ حتى خَرَجَ الوقتُ، فلا إعادة" (١). المثال الثالث: يقولُ الدرديرُ: "كُرِه ... تشبيكُ أصابع في الصلاةِ فقط، وفَرْقَعَتُها فيها، لا في غيرِها، ولو في المسجدِ، على الأرجحِ" (٢). المثال الرابع: يقولُ الحطّابُ: "أمَّا الوطءُ: فيحرمُ في الفيافي والصحاري مِنْ غيرِ ساترٍ، ويجوزُ في المنزلِ إذا كان ساترٌ، ويختلفُ فيه في السطوحِ مِنْ غيرِ ساترٍ، وفي الفيافي بساترٍ، والجوازُ أرجحُ" (٣). أمثلة الراجح عند بقية المذاهب: أولًا: المذهب الحنفي: المثال الأول: يقولُ محمد بن علي الحصكفي (٤) لما تحدثَ عن الماءِ المستعملِ: "ليس بطهورٍ لحدثٍ، بلْ لخَبَثٍ على الراجحِ المعتمدِ" (٥). المثال الثاني: يقولُ ابنُ نجيم: "الراجحُ في المذهبِ وجوبُ صلاةِ الجماعةِ" (٦). ثانيًا: المذهب الشافعي: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "قال بعضُهم - أيْ: بعضُ الخراسانيين -:

стр. 527

هل تَثْبُت النجاسةُ بغلبةِ الظن؟ قولانِ، الراجحُ المختارُ في هذا كلِّه طريقةُ العراقيين: وهي القطعُ بطهارةِ كلِّ هذا" (١). ثالثًا: المذهب الحنبلي: المثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "لا يسقطُ دمُ المجاوزةِ - أيْ: مجاوزة الميقات - بخروجِه (٢)، والمرادُ على الراجحِ" (٣). المثال الثاني: نَقَلَ المرداويُّ عن تقي الدينِ بنِ تيمية قوله: "الراجحُ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّ النظرَ إلى وجهِ الأجنبيةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ لا يجوزُ" (٤). الفرع الحادي عشر: قياس المذهب: جاءَ مصطلحُ: (قياس المذهب) عند بعضِ المذاهبِ، وقبل بيانِ معناه عندهم، سأذكر التعريفَ اللغوي. أولًا: التعريف اللغوي للقياس: القياسُ: مصدرٌ، إمَّا مِن الفعلِ قَاسَ، يُقالُ: قَاسَ يَقِيسُ قَيْسًا، وقِيَاسًا (٥)، وقال بعضُ اللغويين: قَاسَ يَقُوسُ قَوْسًا لغةٌ فيها (٦)؛ وإمَّا مصدرٌ مِن الفعلِ قَايَسَ، يُقالُ: قَايَسَ يُقَايِسُ قِيَاسًا (٧)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزنِ: (فَاعَل)، فمصدره: (الفِعَال) (٨).

стр. 528

ومعنى مادةِ: (قوس): التقديرُ (١)، يُقالُ: هذه خشبةٌ قيسُ أصبعٍ، أيْ: قدرُ أصبعٍ، وبينهما قِيسُ رمحٍ، أيْ: قدرُ رمحٍ (٢)، وقاسَ الطبيبُ قعرَ الجُرحِ، أيْ: مقداره (٣). ومنه: المقياسُ، وهو المقدار (٤)، والقَوْسُ: الذراعُ؛ سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّه يُقَدَّرُ بها المذروعُ (٥). يقولُ ابنُ فارسٍ: "القافُ والواو والسينُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تقديرِ شيءٍ بشيءٍ، ثمَّ يصرَّف، فتقلب واوه ياءً، والمعنى في جميعِه واحدٌ" (٦). وقد ذَكَرَ الأصوليون عدةَ معانٍ لغويةٍ للقياسِ (٧)، منها: المساواةُ، يُقالُ: قِسْتُ الثوبَ بالثوبِ، إذا ساويتُه به (٨). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لقياس المذهب: كَثُرَ استعمالُ مصطلحِ: (قياس المذهب) في مدوَّناتِ الفقهِ الحنبلي؛ ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى طبيعةِ تكوينِ المذهبِ الحنبلي القائمِ على مروياتِ الإمام أحمدَ، والقياسِ عليها؛ يؤيد ذلك: أنَّ الأثرمَ - وهو أحدُ أصحابِ الإمام أحمد - لما سأله الإمامُ أحمدُ عمَّا دوّنه عنه مِنْ مسائل، فقالَ الإمامُ أحمد: "إيْ، هذا مِن كلامي، وهذا ليس مِنْ كلامي! ". فقيل للأثرمِ؟ فقالَ: "إنَّما أقيسُه على قولِه" (٩).

стр. 529

وهذا يدلُّ على ظهورِ القياس على قول الإمامِ في أوائلِ نشأةِ المذهبِ الحنبلي. ولا يَعْني ما سبقَ عدمُ وجودِ مصطلح: (قياس المذهب) في كتبِ المذاهبِ الأخرى، كلا، هو موجودٌ، ولكن ليس بالكثرةِ التي في مذهبِ الحنابلةِ. قياس المذهب عند الحنابلة: لم أقفْ على تعريفِ مصطلح: (قياس المذهب) عند متقدمي الحنابلة، وقد عرَّفه بعضُ المعاصرين، فمِنْ هذه التعريفات، أنَّه: تخريجُ فرعٍ غيرِ منصوصٍ عن الإمامِ على فرعٍ منصوصٍ عنه؛ لعلةٍ جامعةٍ. وهذا تعريف الشيخِ بكر أبو زيدٍ (١). ويظهرُ اتفاقُ مصطلحِ: (قياس المذهب) مع مصطلحِ: (التخريج) المتقدّمِ تقرير معناه. وما ذكره الشيخُ بكرٌ أبو زيد صحيحٌ؛ ويؤيّدُ ما قاله: تَتَبّع عددٍ مِن المواطنِ التي وَرَدَ فيها مصطلحُ: (قياس المذهب). لكنْ لا يظهرُ لي أنَّ مَنْ عبَّر بقياسِ المذهب التزمَ أنْ يكونَ حكمُ المقيس عليه منصوصًا عليه مِنْ قِبَل الإمامِ، بل يكتَفي بأنْ يكونَ منصوصًا عليه في المذهبِ. ولا يظهرُ لي أيضًا ما يمنعُ مِنْ إطلاقِ مصطلحِ: (قياس المذهب) على ما خُرِّجَ مِن الفروعِ الفقهيةِ على الضوابطِ المذهبيةِ، ولا سيما تلك الضوابط التي تشتملُ على علّةِ الحكمِ في المذهبِ. ويظهر لي أيضًا عدمُ اختلافِ بقيةِ المذاهبِ في معنى مصطلحِ: (قياس المذهب).

стр. 530

أمثلة قياس المذهب عند المذاهب: أولًا: المذهب الحنفي: المثال الأول: يقولُ الكاسانيُّ (١) في مسألةِ: (المُحْصَر الذي يَقْدر على إدراكِ الحجِّ، ولا يقدرُ على إدراكِ الهدي): "قياسُ مذهبِ أبي حنيفةَ في هذا الوجه أنَّه: يلزمُه المضي، ولا يجوزُ له التحللُ" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الهمامِ: "لو قال: "عليَّ عهدُ الله وأمانتُه وميثاقُه"، ولا نيةَ له، فهو يمينٌ عندنا، ومالك وأحمد ... وحكُي عن مالكٍ يجبُ عليه بكلِّ لفظٍ كفارةٌ ... وهو قياسُ مذهبِنا إذا كرر الواوَ، كما في: والله والرحمنِ والرحيمِ ... " (٣). ثانيًا: المذهب المالكي: المثال الأول: نَقَلَ أبو الوليد الباجي عن بعضِ المالكيةِ قولَه: "مِثْل الثعلب - في جزاءِ الصيد - على قياسِ المذهبِ: شاةٌ" (٤). المثال الثاني: نَقَلَ الحطّابُ عن بعضِ المالكيةَ قولَه: "لو أتى بأسبوعٍ - أي: طواف حول البيت - ثالثٍ أو رابعٍ، فإنَّه يأتي لكلِّ أسبوعٍ بركعتين، ويجزِئُه، وقياسُ المذهبِ أنَّ ذلك طُوْل يحولُ بينه وبين إصلاحِ الأولِ، ويُوجِبُ عليه الاستئناف" (٥).

стр. 531

ثالثًا: المذهب الشافعي: المثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "فرعٌ: قالَ الرويانيُّ (١): لو نَوى أنْ يصلي بوضوئِه صلاةً لا يُدْركُها، بأنْ نوى بوضوئِه في رجب صلاةَ العيدِ، قال: قال والدي (٢): قياسُ المذهبِ: صحةُ وضوئِه، ويصلي به كلَّ الصلواتِ؛ لأنَّه نوى ما لا يباحُ إلا بوضوءٍ" (٣). المثال الثاني: يقولُ الخطيبُ الشربيني في مسألةِ: (سقوطُ فرضيةِ صلاةِ الجنازةِ إذا صلَّى عليها النساءُ، وهناك رجالٌ): "وإنْ صلَّى - أي: الخنثى - سَقَطَ الفرضُ عنه وعن النساءِ، وإذا صلت المرأةُ سَقَطَ الفرضُ عن النساءِ، وأمَّا عن الخنثى: فقياسُ المذهبِ يأبى ذلك" (٤). رابعًا: المذهب الحنبلي: المثال الأول: يقولُ ابنُ قدامةَ في مسألةِ: (جوازِ المسحِ على الخفِّ

стр. 532

إنْ كان خشبًا أو حديدًا): "قال القاضي: قياسُ المذهبِ جوازُ المسحِ عليهما؛ لأنَّه خفٌ ساترٌ يُمكنُ المشي فيه، أشبهَ الجلودَ" (١). المثال الثاني: نَقَلَ ابنُ مفلحٍ عن بعضِ الحنابلة قولَه: "إنْ نَذَرَ صلاةً مطلقةً، أو في وقتٍ فاتَ، فقياسُ المذهبِ: يجوزُ فعلُها وقتَ النهي؛ لأنَّ أحمدَ أجازَ صومَ النذرِ في أيامِ التشريقِ في إحدى الروايتين، مع تأكيدِ الصيامِ ... فقد أجازَ صومَها مع النذرِ، فكذا يجبُ في الصلاةِ" (٢). المثال الثالث: يقولُ ابنُ رجبٍ: "لو كانَ له - أي: لشخصٍ ما - ابنتانِ، اسمهما واحدٌ، فَوَهَبَ لإحداهما شيئًا، أو أقرَّ لها، ثم ماتَ، ولم يُبَيِّن؟ فقال القاضي - في بعض تعاليقِه -: قياسُ المذهب: إخراجُ المُسْتَحَقة منهما بالقرعةِ؛ كما لو أقرَّ أنَّه زوَّج إحدى بناتِه، ثمَّ مَات، ولم يُبَيِّنْ" (٣). الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب أولا: التعريف اللغوي للمشهور: المشهور: اسم مفعولٍ من الفعلِ شُهِرَ، يُقالُ: شَهَرْتُ الأمرَ أشْهَرُه شَهْرًا، وشُهْرَةً، فاشْتَهَر، أيْ: وَضُحَ (٤)، وشَهَّره، واشتَهَرَه، فاشْتَهَرَ (٥). والشَهْرُ: واحدُ الشهورِ (٦)، وسُمّي شَهْرًا؛ لشُهْرَتِه وبيانِه (٧). والشَهْرُ:

стр. 533

القمرُ، وسُمّي بذلك؛ لشهرتِه وظهورِه (١). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الشينُ والهاءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على وضوحٍ في الأمرٍ، وإضاءةٍ" (٢). ويطلقُ المشهورُ والشهيرُ على: المعروفِ المكانِ، والمذكورِ، والنبيهِ (٣). والشُهْرَةُ: وضوحُ الأمرِ (٤)، يُقال: شَهَرَ سيفَه يشْهَرُه شَهْرًا، إذا سلَّه وانْتَضاه مِنْ غِمْدِه، فيرفعه على الناسِ (٥). وقالَ بعضُ اللغويين: الشُهْرةُ: ظهورُ الشيءِ في شُنْعَةٍ (٦) حتى يُشَهِّره الناسُ (٧). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للمشهور من المذهب: وَرَدَ مصطلح: (المشهور مِن المذهبِ) عند المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة، وإليك بيانها: أولًا: المشهور عند الحنفية: وَرَدَ: (المشهور من المذهب)، و (الأشهر) في كتبِ المذهبِ الحنفي، وسأتحدثُ عنهما مبتدئًا بالمشهور مِن المذهبِ.

стр. 534

مصطلح: (المشهور) عند الحنفية: لم أقفْ على تعريفٍ محددٍ لمصطلحِ: (المشهور) عند علماءِ الحنفيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - مع أنَّ لهم اهتمامًا بمصطلح: (المشهور) في علمِ مصطلحِ الحديثِ، إلا أنَّه لم يظهرْ لهم اصطلاحٌ خاصٌ للمشهورِ في المذهبِ. ومِنْ خلالِ تأمُّلِ عددٍ مِن المواضمعِ التي ورد فيها مصطلحُ: المشهور من المذهب في كتب المذهب الحنفي، ظهرَ لي أنَّ مرادهم به هو معناه اللغوي. أمثلة المشهور عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "المشهورُ عن محمدٍ ﵀ أنَّه لمَّا سُئِلَ عن هذا؟ أيْ: تقدير الماءِ الكثيرِ. فقال: إنْ كان مثل مسجدي هذا، فهو كبيرٌ. فلمَّا قامَ، مسحوا مسجدَه، فرُوِي أنَّه كان ثمانيًا في ثمانٍ، وروي اثني عشر" (١). المثال الثاني: يقولُ فخرُ الدينِ الزيلعي (٢): "إذا امتنعَ المسحُ على أحدِهما بجمعِ الخروق المتفرقةِ، امتنع المسحُ على الآخر؛ لما عُرِفَ، حتى يَلْبَس مكان المتخرقِ ما يجوزُ المسحُ عليه، وهذا الحكمُ المذكورُ هو المشهورُ مِن المذهبِ" (٣).

стр. 535

مصطلح: (الأشهر) عند الحنفية: لم أقفْ على اصطلاحٍ محدد للأشهرِ عند الحنفية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - والظاهرُ إرادةُ المعنى اللغوي المتبادر مِنْ كونِ القولِ أكثرَ شهرةً مِن القولِ الآخر. والظاهرُ مِن إطلاقِ الحنفيةِ للأشهرِ أنَّ مقابلَه عندهم قولٌ أقلّ منه شُهْرَةً. أمثلة الأشهر عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ الكاسانيُّ: "اختلفَ المشايخُ فيه - أي: فيما لو أوصى بقميصٍ، ثمَّ نقضه، فجعله قَبَاءً، هل يُعدُّ رجوعًا؟ - والأشهرُ: أنَّه ليس برجوعٍ؛ لأنَّ العينَ بعدَ النقضِ قائمةٌ تصلحُ لما كانت تصلحُ له قبلَ النقضِ" (١). المثال الثاني: يقولُ برهانُ الدّينِ المرغيناني (٢): "لغيرِ العصباتِ مِن الأقاربِ ولايةُ التزويجِ عند أبي حنيفةَ ... وقال محمد: لا تثبتُ ... وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ، وقول أبي يوسف في ذلك مضطربٌ، والأشهرُ أنَّه مع محمدٍ" (٣). ثانيًا: المشهور عند المالكية: كَثُرَ عند علماءِ المالكيةِ وصفُ بعضِ الأقوالِ في مذهبِهم بأنَّها

стр. 536

المشهورُ مِن المذهبِ، ولم يكنْ تمييزُ المشهورِ في مذهب المالكيةِ واضحًا ميسورًا قبلَ أبي عبدِ الله المازري (ت: ٥٣٦ هـ)؛ إذ كان المذَهبُ كثيرَ الروايةِ، كثيرَ الأقوالِ؛ بحيثُ يبقى المقلِّدُ حائرًا في القضاءِ والفتوى وغيرِهما، إلى أن جاء المازريُّ، فاعتنى ببيانِ المشهورِ في مذهبِه؛ ليسهلَ المذهبُ على أتباعِه (١). وقد اختلفَ متأخرو المالكيةِ في تحديدِ مصطلحِ: (المشهور) في مذهبهم على أقوال: القول الأول: أنَّه ما قويَ دليلُه. حَكَى هذا القولَ: ابنُ بشيرٍ (٢)، وابنُ خويز منداد (٣)، والدسوقيُّ (٤). واختاره: ابنُ خويز منداد (٥)، وابنُ بشيرٍ (٦)، وأبو الحسنِ التسولي (٧).

стр. 537

ووصف محمد عليش المالكي (١) هذا القولَ بأنَّه القولُ المشهورُ في تفسيرِ مصطلحِ: (المشهورِ) (٢). وعلى هذا القولِ لا فرقَ بين المشهورِ، والراجحِ. وتعقَّبَ ابنُ راشد القفصي (٣) هذا القولَ بأنَّه يُعَكِّرُ عليه أنَّ الأشياخَ رُبَّما قالوا عن قولِ: إنَّه المشهور، ويقولون عن القولِ الآخر: إنه الصحيح؛ فإذا كانَ القولُ المشهورُ ما قوي دليلُه، فكيفَ يكون القولُ الآخرُ في المسألةِ صحيحًا؟ ! (٤). وقد أجابَ القاضي ابنُ فرحون عمَّا قاله القفصي، بقولِه: "ليس في هذا إشكالٌ؛ لأنَّ المشهورَ هو مذهبُ المدونةِ، وقد يَعْضِدُ القولَ الآخر

стр. 538

حديثٌ صحيحٌ ... فيقول: والصحيح كذا؛ لقيام الدليل، وصحةِ الحديثِ" (١). القول الثاني: أنَّه ما كَثُر قائلُه. حَكَى هذا القولَ: ابنُ بشيرٍ (٢)، وابنُ خويز منداد (٣)، وأبو الحسنِ التسولي (٤)، ومحمد عليش المالكي (٥). واختاره: أحمد الهلالي (٦)، وأبو عبدِ الله الفاسي (٧). وجعله الدسوقيُّ القولَ المعتمدَ (٨). واختارَ القولَ الثاني عددٌ من المعاصرين، منهم: عبد العزيز الخليفي (٩)، وعبد السلام العسري (١٠)، ومحمد المامي (١١). وذَكَرَ القاضي ابنُ فرحون أنَّه بناءً على القولِ الثاني لا بُدَّ أنْ يزيدَ النقلةُ عن ثلاثةٍ (١٢). والظاهرُ أنَّ مرادَ ابنِ فرحون أنْ يزيدَ القائلون عن ثلاثةٍ (١٣). وتعقَّبَ ابنُ راشد القفصي هذا القولَ بأنَّه يُعَكِّر عليه أنَّ بعضَ المسائلِ

стр. 539

القولُ المشهورُ فيها: المنعُ، وعملُ المتأخرين على الجوازِ (١). وقد أجابَ القاضي ابنُ فرحون عن تعقبِ القفصي، بقولِه: "إنَّ لشيوخِ المذهبِ المتأخرين، كأبي عبد الله بن عتَّاب (٢)، وأبي الوليد بنِ رشدٍ ... وأبي بكر بن العربي اختياراتٍ، وتصحيح (٣) لبعضِ الرواياتِ والأقوالِ، عَدَلوا فيها عن المشهورِ، وجَرَى باختيارِهم عَمَلُ الحكّامِ والفتيا؛ لما اقتضتُه المصلحةُ وجَرَى به العُرفُ، والأحكامُ تجري مَعَ العرفِ والعادةِ" (٤). الفرق بين (الراجح)، و (المشهور) عند أصحاب القول الثاني: الفرق بين (الراجح)، و (المشهور) عند أصحاب القول الثاني، هو أنَّ الراجحَ نَشَأَت قوتُه مِن الدليلِ ذاتِه، مِنْ غيرِ نظرٍ إلى قائلِه، أمَّا المشهورُ، فَنَشَأتْ قوتُه مِنْ كثرةِ القائلين به (٥). القول الثالث: أنَّه قول ابن القاسم في: (المدوَّنة). حَكَى هذا القولَ محمدٌ الدسوقيُّ (٦)، وأبو عبدِ الله الفاسي (٧). وهو ظاهرُ اختيارِ القاضي ابنِ فرحون في كتابِه: (تبصرة الحكام) (٨)، مع أنَّه لم يذكر القولَ الثالثَ أصلًا في كتابِه: (كشف النقاب الحاجب).

стр. 540

يقولُ ابن فرحون: "فتقرر - بما ذكرناه - أنَّ قولَ ابنِ القاسم هو المشهورُ في المذهبِ إذا كان في: (المدونة) " (١). وانتقد أحمدُ الهلاليُّ القولَ الثالثَ بأنَّه قاصرٌ؛ لأنَّ مِنْ مقتضاه، أنَّه إذا لم يكن الحُكمُ مذكورًا في: (المدوَّنة)، وكان مذكورًا في غيرِها، وقالَ فيه الإمامُ وأصحابُه قولًا، وشَذَّ بعضُهم، فقالَ مقابله قولًا آخر: أنْ لا يُسمَّى القول الأول مشهورًا، ولا يُظَنَّ أنَّ أحدًا ينفي عنه اسمَ المشهورِ (٢). ويعتذرُ أحمد الهلاليُّ لأربابِ القول الثالث، بقولِه: "لعلَّ قائله قَصَدَ التعريفَ بالأخصِّ على مذهبِ مَنْ جوَّزه، وكان على وجهِ التمثيلِ للمشهورِ، ولم يقصدْ قَصْرَه عليه" (٣). فيكون قولُ ابنِ القاسمِ في: (المدوّنة) فردًا مِنْ أفرادِ المشهورِ عند المالكيةِ (٤). وقد ذَكَرَ بعضُ مَن اختارَ القولَ الثاني أسبابًا لترجيحِه (٥): أولًا: أنَّ تفسيرَ مصطلحِ: (المشهور) الذي ذكره أصحابُ القولِ الثاني مناسبٌ للمعنى اللغوي (٦).

стр. 541

ثانيًا: أنَّ مذهبَ جمعٍ مِن العلماءِ تقديمُ الراجحِ على المشهورِ عند تعارضِهما، فلو كان المشهورُ والراجحُ مترادفين، لما قيلَ بتقدِيم أحدِهما على الآخر، ولمَا وَقَعَ التعارضُ بينهما (١). ثالثًا: لو كانَ المشهورُ: ما قوي دليلُه، لم يَتَأَتَّ في القولِ الواحدِ أنْ يكونَ مشهورًا وراجحًا، وقد وَرَدَ عن بعضِ المالكيةِ وصفُ القولِ الواحدِ بالشُهْرةِ والرجحانِ، وذلك مثل: تحريمِ الاستماعِ إلى آلاتِ اللهوِ، فإنَّه محرَّمٌ على المشهورِ؛ لكثرةِ مَنْ قال بتحريمِه، وحرامٌ على الراجحِ؛ لقوةِ دليلِه (٢). ويقابلُ المشهور عند المالكيةِ: الشاذّ (٣)، وسيأتي الكلام عليه في فرعٍ مستقلٍّ. أمثلة المشهور عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجب: "يتيمَّمُ المسافرُ ... وكذلك الحاضرُ الصحيحُ، يخشى فواتَ الوقتِ على المَشهورِ، ولا يُعِيدُ" (٤). المثال الثاني: يقولُ ابنُ شاس: "ثمَّ الوترُ ركعةٌ واحدةٌ ... ويمتدُّ وقتُها الضروري إلى أنْ يصلي الصبحَ على المشهورِ مِن المذهبِ" (٥). المثال الثالث: سُئِل أبو القاسمِ بن سراج الأندلسي (٦) عن بكرٍ

стр. 542

تزوجتْ، ثمَّ أتتْ بولدٍ لشهرين مِنْ تاريخ العقد، وثبتْ ذلك، وفُسِخَ النكاحُ بغيرِ طلاقٍ، ثمَّ أرادَ تزوجها، ورَدَّها لملكه؟ فأجابَ: "المشهورُ: أنَّه لا تَحِلُّ لزوجها أبدًا؛ لأنَّه تزوجها في استبراءِ الزنا، فهي بمنزلةِ مَنْ تزوجتْ في العدةِ" (١). مصطلح: (الأشهر) عند المالكية: استعملَ علماءُ المالكيةِ مصطلح: (الأشهر)، والخلافُ بينهم في بيانِ المرادِ منه كالخلافِ في مصطلحِ المشهورِ. فعلى قولِ مَنْ يقولُ: المشهور: ما قوي دليلُه، فالأشهر: ما كانتْ أفضليتُه راجعةً إلى زيادةِ قوةِ اشتهارِ دليلِه (٢). وعلى قول مَنْ يقولُ: المشهور: ما كثر قائلُه، فالأشهر: ما كانت أفضليتُه راجعةً إلى زيادةِ اشتهارِ القائلين به، وكثرتِهم (٣). ومقابلُ الأشهرِ عند المالكية: مشهورٌ دونَه في الشُهْرة؛ لدلالةِ صيغةِ: (أفعل) على التفضيلِ (٤). وذَهَبَ ابنُ راشد القفصي إلى أنَّ الأَشْهَر عند ابنِ الحاجبِ هو المشهورُ نفسُه، وإنَّما استعملَ عبارةَ الأشهرِ؛ لرشاقتِها وقِلَّة حروفِها (٥). وذَهَبَ بعضُ المالكية إلى أنَّ معنى الأشهرِ عند ابنِ الحاجبَ، هو أنَّ ابنَ الحاجب نفسَه هو مَنْ وَصَفَ القولَ بالشُهْرةِ (٦).

стр. 543

وردَّ ابنُ فرحون القولين كليهما بقولِه: "وكلاهما بعيدٌ؛ لأنَّه - أي: ابن الحاجب - لو قَصَدَ هذه العبارة - أيْ: الأشهر - لرشاقتِها وقِلَّة حروفها؛ لاقتصرَ عليها، ولم يذكر المشهورَ، أو كان يأتي بها غالبًا، والأمرُ بالعكسِ. والمحملُ الثاني بعيدٌ أيضًا؛ لأنَّ المؤلِّفَ كان مِنْ أَوْرَع الناسِ، ولم تَجْرِ عادتُه بالدخولِ في عُهْدَةِ التشهيرِ، وإنَّما هو ناقلٌ عن غيرِه" (١). مثال الأشهر عند المالكية: المثال الأول: يقول ابنُ الحاجبِ: "والمَرْهمُ النَجِسُ يُغَسلُ على الأشهرِ" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ - أيضًا - في باب: (صلاة الخوف): "صلاةُ الخوفِ نوعان: ... الثاني: عند الخوفِ مِنْ مَعَرَّتِه (٣) - أي: العدو - لوصلوا بأجمعهم، كالسفرِ، والحضرِ على الأشهرِ" (٤). الفرق بين (الأصح)، و (الأشهر) عند المالكية: فرَّقَ بعضُ علماءِ المالكية بينَ (الأصح)، و (الأشهر) بأنَّ الأفضليةَ في: (الأصحِّ) راجعةٌ إلى زيادةِ قوةِ الدليلِ، وأمَّا: (الأشهر)، فأفضليته راجعةٌ إلى زيادةِ قوةِ اشتهارِ دليلِه، أو إلى زيادةِ اشتهارِ القائلين به، على الخلافِ في معنى المشهورِ (٥). ثالثًا: المشهور عند الشافعية: استعملَ عددٌ مِنْ - علماءِ الشافعية مصطلحَ: (المشهور)، وأبانوا عن معناه، وظَهَرَ في ذلك اتجاهانِ:

стр. 544

الاتجاه الأول: أنَّه القولُ أو الوجه الذي اشْتُهر، بحيثُ يكون ما يقابلُه رأيًا غريبًا. وهذا ما سار عليه أبو حامدٍ الغزالي (١). الاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الذي اشْتُهرَ، بحيثُ يكونُ ما يقابلُه رأيًا غريبًا، أو ضعيفًا. وهذا ما سارَ عليه محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين) (٢). وقد يكونُ القولانِ جديدينِ، أو قديمينِ، أو أحدُهما جديدًا والآخرُ قديمًا، وقد يقولهما الإمام الشافعي في وقتينِ، أو في وقتٍ واحدٍ (٣). ويستفادُ من تعبيرِ علماءِ الشافعية بمصطلحِ: (المشهور) أمورٌ: أولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ. ثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا. ثالثها: ضعفُ المقابلِ وغرابتُه. رابعها: كونُ الخلافِ قوليًا، أي: بين قولي - أو أقوال - الإمامِ الشافعي، لا مِنْ أوجهِ أصحابِه (٤). والرابع يصدقُ على اصطلاحِ النووي الذي قَصَرَ التعبيرَ بالمشهورِ على أقوالِ الإمامِ الشافعي، دونَ اصطلاحِ الغزالي الذي لم يقصره على أقوالِ الإمامِ الشافعي. ومقابلُ المشهورِ عند الغزالي: قولٌ أو وجهٌ غريبٌ أو ضعيفٌ؛

стр. 545

لضعفِ مدركِه (١)، ومقابله عند النووي: قولٌ غريبٌ أو ضعيفٌ؛ لضعفِ مدركِه (٢). أمثلة المشهور عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "المُحْدِث إذا أدخلَ يدَه في الإناءِ بعدَ غَسْلِ الوجه، وكان قد نَوَى رَفْعَ الحدثِ، صار الماءُ مستعملًا إذا انفصلت اليدُ مِن الماءِ. فطريقه: أنْ يقصدَ الاغترافَ والتنحيةَ؛ حتى لا يصير مستعملًا؛ فإنْ غَفَلَ عن نيةِ رفعِ الحدثِ، وعنْ قصدِ الاغترافِ: فالمشهورُ أنَّه يصيرُ مستعملًا" (٣). المثال الثاني: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: "منها - أيْ: من مبيحات التيمم -: التيممُ لشدّةِ البردِ ... وإن اتفق في الحضرِ: فالمشهورُ وجوب الإعادةِ" (٤)، أيْ: إعادة الصلاة. المثال الثالث: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "يُسْتَثْنَى ميتةٌ لا دمَ لها سائل، فلا تُنَجِّسُ مائعًا على المشهورِ" (٥). مصطلح: (الأشهر)، عند الشافعية: جاءَ مصطلحُ: (الأشهر) في كتبِ المذهبِ الشافعي، ويعنون به: القول الذي زادتْ شهرتُه على القولِ الآخر (٦). وليس القولُ المذكورُ في التعريفِ هو القولَ المصطلحَ عليه عند الشافعيةِ، بل المرادُ به الرأي.

стр. 546

وَيعُوْدُ التفضيلُ في الشهرةِ إلى شهرةِ ناقلِه، أو مكانته عند المنقولِ عنه، أو اتفاقِ الجميعِ على أنَّه منقولٌ عنه (١). وكما تقدّمَ لنا الحديثُ عنْ توسيعِ دائرةِ مصطلحِ المشهورِ عند الشافعية، ففي ضوئِه يظهرُ الاتجاهانِ في توسيع مصطلحِ: الأشهر، ليشملَ أقوالَ الإمامِ الشافعي وأوجهَ علماءِ مذهبِه، أوَ يُقصرَ على الترجيحِ بين أقوالِ الإمامِ الشافعي فحسب. ومقابلُ الأشهرِ عند أبي حامدٍ الغزالي: قولٌ عن الإمامِ الشافعي أو وجهٌ عنْ بعضِ أصحابِه أقلُّ شهرةً (٢)؛ لدلالةِ صيغةِ التفضيلِ على هذا. ومقابلُ الأشهر عند محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين): قولٌ للإمامِ الشافعي أقل شهرةً (٣)؛ لدلالةِ صيغةِ التفضيلِ على هذا. أمثلة الاشهر عند الشافعية: المثال الأول: يقول محيي الدّينِ النوويُّ عن حكمِ الماءِ المشمَّسِ: "الرابع - أيْ: القول الرابع في المسألة -: يُكرَه في البلادِ الحارةِ في الأواني المنطبعة، وهي المطرقة، ولا يشترطُ القصدُ، ولا تغطيةُ الإناءِ، وهذا هو الأشهرُ عند الخراسانيين" (٤). المثال الثاني: يقولُ شمسُ الدّينِ الرملي بعد ذكرِ شروطِ التمتعِ: "ومعلومٌ أنَّ هذه الشروط المذكورة معتبرةٌ لوجوبِ الدمِ؛ والأشهرُ: أنَّها غيرُ معتبرةٍ في تسميتِه تمتعًا (٥). رابعًا: المشهور عند الحنابلة: ذَهَبَ أبو بكرٍ الجراعي إلى اصطلاحٍ خاصٍّ به في كتابِه: (غاية

стр. 547

المطلب)؛ إذ قَصَرَ مصطلحَ: (المشهور) على ما اختاره ابنُ حمدان على وجهِ الخصوصِ (١). ويظهر لي مِنْ خلالِ تأمُّلِ عددٍ مِن المواضعِ التي ورد فيها (المشهور) في مدوَّناتِ المذهب الحنبلي - عدا ما ورد في كتاب: (غاية المطلب) للجراعي - أنَّ استعمالَهم للمشهورِ بمعناه اللغوي، يويَّد ذلك: عدمُ نصِّ علمائهم على معنى خاصٍّ له، وقصارى ما وجدتُه هو أن المشهورَ إمَّا أنْ يكونَ عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا أنْ يكونَ عن بعضِ أصحابِه (٢). وقد عرَّف الدكتورُ ناصر الميمان مصطلحَ: (المشهور) عند الحنابلةِ بأنَّه: القولُ المعروفُ عن الإمامِ عند معظمِ الأصحابِ، ورجحه أكثرُهم (٣). أمثلة المشهور عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: "المضمضةُ والاستنشاقُ واجبانِ في الطهارتينِ جميعًا: الغُسلِ والوضوءِ، فإنَّ غَسْلَ الوجهِ واجبٌ فيهما، هذا المشهورُ في المذهبِ" (٤). المثال الثاني: يقولُ الزركشيُّ الحنبليُّ (٥) عند قولِ الخرقي: "فإنْ تيممَ في أولِ الوقت، وصلَّى، أجزأه، وإنْ أصابَ الماءَ في الوقتِ": "هذا هو المذهبُ المشهورُ" (٦).

стр. 548

المثال الثالث: يقول أبو بكرٍ الجراعي: "هلْ يجوزُ لمَنْ عليه صومُ فرضٍ أنْ يتطوعَ، أم لا؟ روايتان، الأقوى: عدمُ الجوازِ، وهو المشهورُ" (١). مصطلح: (الأشهر) عند الحنابلة: يرادُبـ (الأشهر) عند الحنابلةِ: ما كان أكثرَ شهرةً عن الإمامِ أحمدَ، أو عن بعضِ أصحابِه (٢). وبناءً عليه، فمقابلُ الأشهر عند الحنابلة: قولٌ إمَّا عن الإمامِ أحمدَ أو عن بعضِ أصحابِه أقل شهرةً. يقولُ المرداويُّ عن صنيعِ ابنِ مفلحٍ في كتابِه: (الفروع): "لكنَّ ذكرَه للخلافِ بهذه الصيغةِ - ومنها: صيغة: الأشهر - يقتضي قوتَه مِن الجانبين" (٣). ومقابلُ الأشهرِ أقوى مِنْ مقابلِ المشهورِ. وذَهَبَ أبو بكرٍ الجراعي إلى اصطلاحٍ خاصٍّ به، نصَّ عليه في مقدمةِ كتابِه: (غاية المطلب)، إذ جَعَلَ المرادَ بمصطلح: (الأشهر) مختلفًا بحسبِ تجردِه أو اقترانِه بحرفِ الجرِّ: - فـ "الأشهر" هو القولُ الذي رجّحَه الأكثرُ، أو جماعةٌ مِن الحنابلةِ (٤). - و "على الأشهر" للروايةِ التي اختارها تقيُّ الدين بنُ تيميةَ (٥). - و "في الأشهر" للوجهِ الذي اختاره تقيُّ الدينِ بن تيميةَ (٦). - و"في أشهر" لاختيارِ تقيِّ الدين بنِ تيميةَ (٧).

стр. 549

أمثلة الأشهر عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ ابنُ قدامةَ: "فأمَّا ما يمكن نَزْحُه، إذا بلغَ قلتين، فلا يَتَنَجَّسُ بشيءٍ مِن النجاساتِ، إلا ببولِ الآدميين، أو عذرتِهم المائعةِ، فإنَّ فيه روايتين عنْ أحمدَ، أشهرهما: أنَّه يَتَنَجَّسُ بذلك" (١). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "يُكرَه النداءُ بالصلاةِ بعد الأذانِ، والأشهرُ في المذهبِ: كراهةُ نداءِ الأمراء بعد الأذانِ، وهو قولُه: "الصلاةَ يا أميرَ المؤمنين"، ونحوه" (٢). المثال الثالث: يقولُ أبو بكر الجراعيُّ: "تباحُ - أي: الضبَّة - مِنْ فضةٍ، إنْ قَلَّتْ، لحاجةٍ، وإنْ كَثُرتْ أو قَلَّتْ لغيرِها: فوجهانِ: الأشهرُ في الأُوْلى: التحريم، وهو الأَوْلى في الثانيةِ" (٣). المثال الرابع: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: "لمسُ أنثى مطلقًا - أي: لا ينقض الطهارة - على الأشهرِ" (٤). الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب أولًا: التعريف اللغوي للظاهر: الظاهرُ: اسم فاعلٍ مِن الفعلِ ظَهَرَ، يُقالُ: ظَهَرَ الشيءُ يَظْهَرُ ظَهْرًا وظُهُوْرًا (٥)، فهو ظاهرٌ (٦)، وظَهِرَ الرجلُ يَظْهَرُ ظَهَرًا (٧).

стр. 550

وتدلُّ مادة: (ظهر) على القوّةِ والبروزِ. يقولُ ابنُ فارس: "الظاءُ والهاءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قوّةٍ وبروزٍ، مِنْ ذلك: ظَهَرَ الشيءُ يَظْهَرُ ظُهُوْرًا، فهو ظَاهِرٌ، إذا انكشفَ وبَرَزَ" (١). ومِنْ هذا المعنى: تسميةُ وقتِ الظُهْرِ والظَهِيْرَةِ؛ لأنَّه أظهرُ الأوقاتِ وأضوؤها (٢)، ويقالُ: هذا أمرٌ ظاهرٌ عنك عارُه، أيْ: زائلٌ، كأنَّه إذا زالَ فقد صارَ وراءَ ظهرِك (٣). والظُهُورُ: بُدُو الشيءِ الخَفِيِّ، والظَفَرُ بالشيءِ، والاطلاع عليه (٤). والظاهرُ: خلافُ الباطنِ (٥)، وظَهَرَ الشيءُ ظُهُورًا، أيْ: تَبَيّنَ (٦)، وظَهَرْتُ على الرجلِ، أيْ: غلبتُه (٧)، وظَهَرْتُ البيتَ، أيْ: علوتُه (٨). وظَهْرُ الإنسانِ: خلافُ بطنِه؛ لأنَّه يجمعُ البروزَ والقوةَ (٩)، ومنه قولُهم: لا تجعلْ حاجتي بظهرٍ، أي: لا تنْسَها (١٠).

стр. 551

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لظاهر المذهب: وَرَدَ مصطلحُ: (ظاهر المذهب) في كتب المذاهبِ الفقهيةِ، وقد ذَكَرَتْ بعضُ المذاهب تعريفًا له، ويتصلُ بمصطلحِ: (الظاهر) مصطلح: (الأظهر)، وسأعرضُ المصَطلحين عند المذاهب الفقهية: أولًا: ظاهر المذهب عند الحنفية: جاءَ في مدوّناتِ المذهبِ الحنفي مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و (الأظهر)، وسأبيّنُ معناهما مبتدئًا بمصطلحِ: (ظاهر المذهب): مصطلح: (ظاهر المذهب) عند الحنفية: استعملَ علماءُ الحنفيةِ مصطلح: (ظاهر المذهب)، وهو بمعنى ظاهر الرواية (١). وظاهرُ الروايةِ عند الحنفيةِ هي: المسائلُ المنقولةُ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن (٢). وقد يكون مِنْ معاني الظاهرِ عند الحنفيةِ الحكمُ المتوافقُ مَعَ ما عُرِفَ مِنْ فروعِ المذهبِ وأصولِه. أمثلة ظاهر المذهب عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ ابنُ عابدين: "قوله - أي: الحصكفي -: لا قراءةَ قنوتٍ - أيْ: لا تكره للجنب -: هذا ظاهرُ المذهب، وعن محمدٍ أنَّه يُكرَه" (٣). المثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "ظاهرُ المذهب في بيانِ حدِّ المِصْرِ الجامع: أنْ يكونَ فيه سلطانٌ أو قاضٍ لإقامةِ الحَدودِ، وتنفيذِ الأحكامِ" (٤).

стр. 552

المثال الثالث: يقول الكاساني: "لو كان مريضًا لا يَضُرُّه استعمال الماءِ لكنَّه عاجزٌ عن الاستعمالِ بنفسِه، وليس له خادمٌ، ولا مال يستأجرُ به ... : أجزأه التيمّمُ ... وهو ظاهرُ المذهبِ" (١). مصطلح: (الأظهر) عند الحنفية: لم أقفْ - فيما رجعت إليه من مصادر المذهب الحنفي - على تعريفٍ محددٍ للأظهرِ، ومِنْ خلالِ تأمّلِ عددٍ مِن المواضعِ التي استعملَ الحنفيةُ فيها لفظ: الأظهر، ظَهَرَ لي احتمالُ إرادتهم به الأظهر في المذهبِ، أو الأظهر دليلًا. أمثلة: (الأظهر) عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "اختلفت الرواياتُ في: الضيافةِ، هل تكون عذرًا؟ - أيْ: في الفطر - فرُوِي عن محمدٍ أنَّه عذرٌ مبيحٌ للفطرِ ... وعن أبي حنيفةَ أنَّه لا يكون عذرًا ... وعن أبي حنيفةَ أنَّه يكون عذرًا، وهو الأظهرُ ... لما رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (إذا دعاك أخوك فأفطر، واقضِ يومًا مكانه) " (٢).

стр. 553

المثال الثاني: يقولُ الكاسانيُّ: "لو قال: عُمُرًا - أيْ: حلف لا يكلمه عُمُرًا -: فعن أبي يوسفَ روايتانِ: في روايةٍ: يقعُ على يومٍ، وفي روايةٍ: يقع على ستةِ أشهرٍ، كالحينِ، وهو الأظهرُ" (١). ثانيًا: ظاهر المذهب عند المالكية: وَرَدَ في مدوَّنات الفقهِ المالكي مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و (الأظهر)، وسأبيّن معنى المصطلحين مبتدئًا بمصطلحِ: (ظاهر المذهب): ظاهر المذهب عند المالكية: المرادُ بظاهرِ المذهبِ عند المالكيةِ: المسألةُ التي ليس فيها نصٌّ عن

стр. 554

الإمامِ، ويُبْنَى حكمُها على قواعدِ المذهبِ (١). أمَّا إذا وردتْ عبارةُ: الظاهر فقط، فتحتملُ أحد أمرين: المعنى الأول: أنَّها الظاهرُ مِن المذهبِ. المعنى الثاني: أنَّها الظاهرُ مِن الدليلِ (٢). أمثلة ظاهر المذهب عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ شاسٍ بعد ذكرِ أحكامِ إزالةِ النجاسةِ عن الثوبِ: "حُكْمُ الجَسَدِ في النضح حكمُ الثوبِ في ظاهرِ المذهبِ" (٣). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجب: "فإنْ أُقِيمتْ - أيْ: صلاة الجماعة - وهو في المسجدِ، فالظاهرُ لزومُها" (٤). مصطلح: (الأظهر) عند المالكية: اختلفَ علماءُ المالكيةِ في المرادِ بالأظهرِ على قولين: القول الأول: أنَّه ما اتَّضحَ دليلُه وظَهَرَ، بحيثُ لم يبقَ فيه شبهةٌ، كظهورِ الشمسِ وقتَ الظهيرةِ. وهذا قولُ بعضِ المالكيةِ (٥). القول الثاني: أنَّه ما اتضحَ دليلُه وظَهَرَ، واشتهرَ بين الأصحابِ. وهذا قولُ بعضِ المالكيةِ (٦). فعلى القولِ الأولِ هناك فرقٌ بين (الأظهر)، و (الأشهر)؛ وعلى القولِ الثاني لا فرقَ بينهما (٧).

стр. 555

ويقابلُ الأظهر - في الغالب -: قولٌ دونَه في الظهورِ (١). أمثلة الأظهر عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ في: باب (صلاة العيدين): "المسبوقُ بالتكبيرِ قبلَ الركوعِ يكبّرها - أي: التكبيرات الزوائد - ... ثمَّ إنْ كانت الثانيةُ - أي: الركعة الثانية - ... بعد ركوعِها: يقضي الأُولى بستِّ - أي: تكبيرات - على الأظهرِ" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "إذا استودعه مَنْ ظَلَمَه بمثلِها؛ فثالثها: الكراهةُ، ورابعُها: الاستحباب. وقال الباجي: والأظهرُ: الإباحةُ؛ لحديثِ هندٍ (٣) " (٤). ثالثًا: ظاهر المذهب عند الشافعية: ورد مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و (الأظهر) في مدونات المذهب الشافعية، وقد اختلف اصطلاحُ علمائهم فيهما:

стр. 556

مصطلح: (ظاهر المذهب) عند الشافعية: جاءَ مصطلحُ: (ظاهرِ المذهبِ) عند علماءِ الشافعيةِ، وظَهَرَت عدةُ اتجاهاتٍ في تحديدِ معناه الاصطلاحي: الاتجاه الأول: أنَّه القول أو الوجهُ الراجحُ. وهذا ما سارَ عليه أبو حامدٍ الغزالي (١). الاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الراجحُ. وهذا ما سارَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي (٢)، ومحيي الدين النووي (٣). الاتجاه الثالث: أنَّه الوجهُ الراجحُ. وهذا ما سارَ عليه القاضي البيضاوي (٤). ويقابلُ الظاهر: قولٌ أو وجهٌ غريبٌ، على الخلافِ آنفِ الذكرِ في توسيعِ دائرةِ مصطلحِ: (الظاهر)، أو قَصْرِه على أقوالِ الإمامِ، أو أوجهِ علماءِ المذهبِ (٥). أمثلة الظاهر عند الشافعية: المثال الأول: يقول أبو حامدٍ الغزالي: "وفي موضعِ التحذيفِ (٦) - أيْ: في حدِّ الوجهِ في الوضوء - خلافٌ، وظاهرُ المذهبِ أنَّه مِن

стр. 557

الوجهِ" (١). المثال الثاني: يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ: "يجوزُ أنْ يصلي على جنائز بتيمّمٍ واحدٍ، إذا لم يتعيّنْ عليه ... وإنْ تعينتْ عليه: ففيه وجهان: ... الثاني: يجوزُ، وهو ظاهرُ المذهبِ" (٢). مصطلح: (الأظهر) عند الشافعية: كما اختلفت اتجاهاتُ الشافعيةِ في تحديدِ مصطلحِ: (الظاهر)، فإنَّ اتجاهاتهم السابقة قد ظَهَرَ أثرُها في تحديد مصطلح: (الأظهر)، فهو كالظاهرِ مِنْ جهةِ شمولِه للقولِ والوجهِ، أو قصرِه على أحدِهما: الاتجاه الأول: أنَّه الأرجحُ مِن الأقوالِ أو الوجوهِ. وهذا ما سار عليه أبو حامدٍ الغزالي (٣). الاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الذي يزيدُ ظهورًا على القولِ الآخرِ مِنْ قولي، أو أقوالِ الإمامِ الشافعي، وبعبارةٍ أخرى: هو الأرجحُ مِن أقوالِ الإمامِ الشافعي (٤). وهذا ما سارَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي (٥)، ومحيى الدين النووي (٦). يقولُ النوويُّ في مقدمةِ كتابِه: (منهاج الطالبين) (٧): "حيثُ أقولُ: في

стр. 558

الأظهر ... فمِن القولين - أو الأقوال - فإنْ قويَ الخلافُ، قلتُ: الأظهرُ". الاتجاه الثالث: أنَّه الوجه المرجّحُ المنقاسُ. وهذا ما سارَ عليه القاضي البيضاوي (١)؛ يقولُ في مقدمةِ كتابِه: (الغاية القصوى) (٢): "وأنبّه ... على الوجهِ المرجّحِ المنقاسِ، بأنَّ الأظهرَ ذا". ومقابلُ الأظهر: قولٌ أو وجه - على حسب الخلاف السابق - يشاركُه في الظهورِ، لكنَّ الأظهرَ أشدُّ منه ظهورًا (٣). يقولُ أحمدُ العلوي الشافعي: "فالحاصل أنَّه - أيْ: النووي - إنْ عبَّرَ بالأظهرِ، عُلمَ أنَّ مقابلَه قولٌ قويٌ - أو أقوالٌ قويةٌ - للإمامِ؛ إلا أنَّ العملَ على الراجحِ الذي وَصفَه بالأظهريةِ" (٤). ويستفاد من تعبيرِ الشافعيةِ بالأظهر أمورٌ، منها: أولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ. ثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا. ثالثها: أنَّ المقابلَ ظاهرٌ في نفسِه. رابعها: أنَّ الخلافَ بين أقوالِ الإمامِ الشافعي (٥)، وهذا على اصطلاحِ الشيرازي والنووي، أو بينَ أوجهِ أصحابه، وهذا على اصطلاحِ القاضي البيضاوي، أمَّا على اصطلاحِ الغزالي، فالأَظهرُ يشملُ أقوالَ الإمامِ الشافعي وأوجهَ أصحابِه.

стр. 559

أمثلة الأظهر عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "إذا موَّه الإناءَ بالذهبِ لم يحرُمْ، على أظهرِ المذهبين ... وفيه وجهٌ آخر: أنَّه يحرمُ" (١). المثال الثاني: يقولُ محيي الدين النوويُّ: بعد ذكرِ رخصةِ جمعِ الصلاةِ: "والأظهرُ تخصيصُ الرخصةِ بالمصلّي جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ، يتأذى بالمطرِ في طريقِه" (٢). المثال الثالث: يقولُ القاضي البيضاوي: "الثاني - من أركان الصلاة -: التكبير: الله أكبر ... لو زاد ما لم يُغيِّر المعنى، مثل: الله الأكبر، جازَ، وكذا: الله الجليلُ أكبر، على الأظهرِ" (٣). رابعًا: ظاهر المذهب عند الحنابلة: وَرَدَ مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و (الأظهر) عند مذهبِ الحنابلةِ، وسأبيّنُ معناهما مبتدئًا بظاهر المذهب: مصطلح: (ظاهر المذهب) عند الحنابلة: عرَّفَ الحنابلةُ ظاهرَ المذهب بأنَّه المشهورُ مِن المذهبِ (٤)، سواءٌ أكانَ روايةً عن الإمامِ أحمدَ، أو وجهًا لأحدِ علماءِ مذهبِه، أو غيرهما (٥). ولا تقالُ هذه العبارة إلا وثَمَّ خلافٌ، إمَّا عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا في المذهبِ (٦). يقولُ شمسُ الدّينِ البعلي: "الظاهرُ: البائنُ الذي ليس يخفى أنَّه

стр. 560

المشهورُ في المذهبِ؛ كنقضِ الوضوءِ بأكلِ لحمِ الجزورِ، ولمس الذَّكرِ، وعدمِ صحةِ الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ. ولا يكاد يُطلَقُ إلا على ما فيه خلافٌ عن الإمامِ أحمدَ" (١). وهنا أمرٌ: وهو أنَّه يكثرُ في مدوَّناتِ الفقهِ الحنبلي قولُهم: ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ كذا، فهل هناك فرقٌ بين هذه العبارة، وقولِهم: ظاهرُ المذهبِ؟ يظهرُ لي أنَّ نَظَرَ العلماءِ في العبارةِ الأُولى: (ظاهر كلام الإمام أحمد) اتجّه إلى دلالةِ كلامِ الإمامِ أحمدَ على الحكم، لا إلى شهرةِ الرأي الذي فُسِّرَ به ظاهر المذهبِ. أمثلة الظاهر عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ: "ولبنُ الميتةِ وإنفحتُها (٢): نجسٌ في ظاهرِ المذهبِ" (٣). المثال الثاني: يقولُ منصور البهوتيُّ: "والبَغْلُ والحمارُ نجسانِ في ظاهرِ المذهبِ" (٤). مصطلح: (الأظهر) عند الحنابلة: معنى الأظهرِ عند الحنابلةِ - بناءً على ما تقدم قبلَ قليلٍ في معنى الظاهرِ -: الأشهرُ في المذهبِ.

стр. 561

ومقابلُ الأشهر: قولٌ دونَه في الشُهْرةِ. ولأبي بكرٍ الجراعي اصطلاحُه الخاص في كتابِه: (غاية المطلب)، وخلاصته: - يقول: "على الأظهر"، أو: "على أظهرها"، للترجيحِ بين الرواياتِ فحسب. - ويقولُ: "في الأظهر"، أو: "في أظهرها"، للترجيحِ بين الوجوهِ فحسب. - ويقولُ: "الأظهر"، لما صححه الموفقُ بنُ قدامةَ، أو قدَّمَه (١). أمثلة الأظهر عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "وعنه: لا ينقضُ - أي: الوضوء - بمسِّ الدبرِ، اختاره جماعةٌ، وهي أظهر" (٢). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "لو اقتصَرَ - أيْ: الخطيب في خطبةِ الجمعةِ - على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه: فالأظهرُ: لا يكفي " (٣). المثال الثالث: يقول أبو بكرٍ الجراعي: "يُكْرَه - في الأذان - كلامٌ، وسكوتٌ يسيرٌ بلا حاجةٍ على الأظهرِ؛ كإقامةٍ؛ ويبطلُ بيسيرِ كلامٍ محرَّم في الأظهرِ" (٤). المثال الرابع: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: "هل يُكره لُبْثُه فوقَ حاجتِه - أي: عند قضاء الحاجة - أم يحرم؟ فيه: روايتانِ، الأظهرُ الأشهرُ: الكراهةُ" (٥).

стр. 562

الفرع الرابع عشر: الضعيف أولًا: التعريف اللغوي للضعيف: الضَعِيْف: على وزنِ: (فَعِيْل)، وهو مِنْ أوزانِ المبالغةِ (١)، يُقال: ضَعُفَ يَضْعُفُ ضُعْفًا، على لغة قريشٍ، مِنْ بابِ: قَرُب قُرْبًا، ويُقالُ: ضَعَفَ يَضْعَفُ ضَعْفًا، على لغةِ تميمٍ، مِنْ بابِ: قَتَل قَتْلًا (٢). وفرّقَ بعضُ اللغويين بين الضمِّ والفتحِ، بأنَّ الضَعفَ في العقلِ والرأي، والضُعفَ في الجسدِ (٣). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ متعقِّبًا التفريق: "قلتُ: هما عند جماعةِ أهلِ البَصَرِ باللغةِ، لغتانِ جيِّدتانِ مستعملتانِ في ضعفِ البدنِ والرأي" (٤). ولمادة (ضعف) معنيانِ، وهما: المعنى الأول: خلافُ القوةِ. الضَعْفُ والضُعْفُ: خلافُ القوةِ (٥)، يُقالُ: فلانٌ ضَعِيفٌ (٦)، وفَعِيلُ هنا بمعنى فاعل (٧)، وقومٌ ضِعَافٌ، وضُعَفاء، وضَعَفَةٌ (٨).

стр. 563

المعنى الثاني: المِثْل، وما زادَ (١). يُقالُ: هذا ضِعْفُ هذا، أي: مثلُه (٢)، وأَضْعَفتُ الشيءَ إضْعَافًا، وضَعَّفْتُه تَضْعِيْفًا (٣). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للضعيف: تقدّم لنا أنَّ الضعيفَ مقابل للراجحِ، وإذا كان الراجحُ هو القولُ (٤) الذي قوي دليلُه، فإنَّ الضعيفَ هو القولُ الذي لم يقوَ دليلُه (٥). وقد وَرَدَ مصطلحُ: (الضعيف) في مدوّناتِ المذاهب - كما سيأتي في التمثيلِ له - لكنَّ علماءَ المالكيةِ على وجهِ الخصوصِ قعّدوا للمصطلح، وسأذكرُ اصطلاحَهم، ثم اتْبِعُه بذكرِ أمثلة الضعيفِ عند بقيةِ المذاهبِ. الضعيفُ عند المالكية: قسَّمَ علماءُ المالكيةِ الضعيفَ إلى قسمين: القسم الأول: الضعيف النسبي. القسم الثاني: ضعيف المدرك. القسم الأول: الضعيف النسبي. المرادُ بالضعيفِ النسبي: ما عارضَه ما هو أقوى منه، فيكون ضعيفًا بالنسبةِ لما هو أقوى منه (٦).

стр. 564

القسم الثاني: ضعيف المدرك. المرادُ بضعيفِ المدرك: ما خالفَ الإجماعَ، أو النصَّ، أو القواعدَ، أو القياسَ الجلي، فيكونُ ضعيفًا في نفسِه (١). وهنا سوالٌ، وهو: هل يدخلُ في مصطلحِ: (الضعيف) القولُ الذي ليس له دليلٌ؟ لم أقف على جوابٍ لهذا السؤالِ - فيما رجعت إليه من مصادر - والأمرٌ محتملٌ؛ لأنَّه إذا كان عدُّ القولِ الذي لم يقوَ دليلُه ضعيفًا، فمِنْ بابٍ أَوْلى القول الذي ليس له دليلٌ. وحين نستقرئُ عددًا مِن الأقوالِ الفقهيةِ التي وُصِفت بالضعفِ، نجدُ أنَّ مِن العلماءِ مَنْ يُبينُ وجهَ ضعفِ القولِ، ومنهم مَنْ يقتصرُ على التضعيفِ، دونَ بيانِ وجهِ الضعفِ. أمثلة الضعيف عند المالكية: المثال الأول: يقولُ محمدٌ الدسوقيُّ في مسألةِ: (العفو عن النجاسة وأثرها): "قولُه - أي: الدردير -: "لا ما فوق الدرهم ولو أثَّرَ"، أي: خلافًا للباجي، القائل: إنَّ الأثرَ معفوٌ عنه مطلقًا، ولو فَوْقَ درهمٍ، فهو قولٌ ضعيفٌ" (٢). المثال الثاني: يقولُ الدرديرُ: "قولُ الرسالةِ: وقليلُ الماءِ ينجّسُه قليلُ النجاسةِ، وإنْ لم تُغيِّرْه، ضعيفٌ، وإنْ كانَ هو قول ابنِ القاسمِ" (٣). أمثلة الضعيف عند بقيةِ المذاهبِ الفقهيةِ: أولًا: أمثلة الضعيف عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "يقولُ أبو يوسفَ: إذا تقطَّعَ

стр. 565

- أيْ: الضفدع والسمك والسرطان - في الماءِ، أفسده؛ بناءً على قولِه: إنَّ دمَه نجسٌ. وهو ضعيفٌ؛ فإنَّه لا دمَ في السمكِ، إنَّما هو ماءٌ آجنٌ (١) " (٢). المثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: "رُوِيَ عن محمدٍ - رحمه الله تعالى - أنَّ المرأةَ إذا تذكّرت الاحتلامَ والتلذذَ، ولم ترَ شيئًا، فعليها الغُسْل؛ لأنَّ منيَّها يتدفقُ في رحمِها، فلا يظهرُ. وهو، ضعيفٌ" (٣). المثال الثالث: يقولُ ابنُ عابدين: "قوله - أي: الحصكفي -: "ونبيذُ تمرٍ"، أي: على القولِ الضعيفِ بجوازِ الوضوءِ به؛ فهو كالتيمّمِ؛ لأنَّه بدلٌ عن الماءِ" (٤). ثانيًا: أمثلة الضعيف عند الشافعية: المثال الأول: يقول محيي الدين النووي: "إذا اشتبه لبنُ بقرٍ ولبنُ أتانٍ، وقلنا بالمذهبِ: إنَّه نجسٌ، أو اشتبه خَلٌّ وخمرٌ ... فالمذهبُ في الجميعِ: منعُ الاجتهادِ، وبه قَطَعَ العراقيون، وللخراسانيين وجه ضعيف أنَّه يجتهدُ" (٥). المثال الثاني: يقولُ المغربي الرشيدي (٦): "وسماعُها - أيْ: خطبة
следующие страницы →