← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومقابلُ الأشهر: قولٌ دونَه في الشُهْرةِ. ولأبي بكرٍ الجراعي اصطلاحُه الخاص في كتابِه: (غاية المطلب)، وخلاصته: - يقول: "على الأظهر"، أو: "على أظهرها"، للترجيحِ بين الرواياتِ فحسب. - ويقولُ: "في الأظهر"، أو: "في أظهرها"، للترجيحِ بين الوجوهِ فحسب. - ويقولُ: "الأظهر"، لما صححه الموفقُ بنُ قدامةَ، أو قدَّمَه (١). أمثلة الأظهر عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "وعنه: لا ينقضُ - أي: الوضوء - بمسِّ الدبرِ، اختاره جماعةٌ، وهي أظهر" (٢). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: "لو اقتصَرَ - أيْ: الخطيب في خطبةِ الجمعةِ - على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه: فالأظهرُ: لا يكفي " (٣). المثال الثالث: يقول أبو بكرٍ الجراعي: "يُكْرَه - في الأذان - كلامٌ، وسكوتٌ يسيرٌ بلا حاجةٍ على الأظهرِ؛ كإقامةٍ؛ ويبطلُ بيسيرِ كلامٍ محرَّم في الأظهرِ" (٤). المثال الرابع: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: "هل يُكره لُبْثُه فوقَ حاجتِه - أي: عند قضاء الحاجة - أم يحرم؟ فيه: روايتانِ، الأظهرُ الأشهرُ: الكراهةُ" (٥).

стр. 562

الفرع الرابع عشر: الضعيف أولًا: التعريف اللغوي للضعيف: الضَعِيْف: على وزنِ: (فَعِيْل)، وهو مِنْ أوزانِ المبالغةِ (١)، يُقال: ضَعُفَ يَضْعُفُ ضُعْفًا، على لغة قريشٍ، مِنْ بابِ: قَرُب قُرْبًا، ويُقالُ: ضَعَفَ يَضْعَفُ ضَعْفًا، على لغةِ تميمٍ، مِنْ بابِ: قَتَل قَتْلًا (٢). وفرّقَ بعضُ اللغويين بين الضمِّ والفتحِ، بأنَّ الضَعفَ في العقلِ والرأي، والضُعفَ في الجسدِ (٣). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ متعقِّبًا التفريق: "قلتُ: هما عند جماعةِ أهلِ البَصَرِ باللغةِ، لغتانِ جيِّدتانِ مستعملتانِ في ضعفِ البدنِ والرأي" (٤). ولمادة (ضعف) معنيانِ، وهما: المعنى الأول: خلافُ القوةِ. الضَعْفُ والضُعْفُ: خلافُ القوةِ (٥)، يُقالُ: فلانٌ ضَعِيفٌ (٦)، وفَعِيلُ هنا بمعنى فاعل (٧)، وقومٌ ضِعَافٌ، وضُعَفاء، وضَعَفَةٌ (٨).

стр. 563

المعنى الثاني: المِثْل، وما زادَ (١). يُقالُ: هذا ضِعْفُ هذا، أي: مثلُه (٢)، وأَضْعَفتُ الشيءَ إضْعَافًا، وضَعَّفْتُه تَضْعِيْفًا (٣). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للضعيف: تقدّم لنا أنَّ الضعيفَ مقابل للراجحِ، وإذا كان الراجحُ هو القولُ (٤) الذي قوي دليلُه، فإنَّ الضعيفَ هو القولُ الذي لم يقوَ دليلُه (٥). وقد وَرَدَ مصطلحُ: (الضعيف) في مدوّناتِ المذاهب - كما سيأتي في التمثيلِ له - لكنَّ علماءَ المالكيةِ على وجهِ الخصوصِ قعّدوا للمصطلح، وسأذكرُ اصطلاحَهم، ثم اتْبِعُه بذكرِ أمثلة الضعيفِ عند بقيةِ المذاهبِ. الضعيفُ عند المالكية: قسَّمَ علماءُ المالكيةِ الضعيفَ إلى قسمين: القسم الأول: الضعيف النسبي. القسم الثاني: ضعيف المدرك. القسم الأول: الضعيف النسبي. المرادُ بالضعيفِ النسبي: ما عارضَه ما هو أقوى منه، فيكون ضعيفًا بالنسبةِ لما هو أقوى منه (٦).

стр. 564

القسم الثاني: ضعيف المدرك. المرادُ بضعيفِ المدرك: ما خالفَ الإجماعَ، أو النصَّ، أو القواعدَ، أو القياسَ الجلي، فيكونُ ضعيفًا في نفسِه (١). وهنا سوالٌ، وهو: هل يدخلُ في مصطلحِ: (الضعيف) القولُ الذي ليس له دليلٌ؟ لم أقف على جوابٍ لهذا السؤالِ - فيما رجعت إليه من مصادر - والأمرٌ محتملٌ؛ لأنَّه إذا كان عدُّ القولِ الذي لم يقوَ دليلُه ضعيفًا، فمِنْ بابٍ أَوْلى القول الذي ليس له دليلٌ. وحين نستقرئُ عددًا مِن الأقوالِ الفقهيةِ التي وُصِفت بالضعفِ، نجدُ أنَّ مِن العلماءِ مَنْ يُبينُ وجهَ ضعفِ القولِ، ومنهم مَنْ يقتصرُ على التضعيفِ، دونَ بيانِ وجهِ الضعفِ. أمثلة الضعيف عند المالكية: المثال الأول: يقولُ محمدٌ الدسوقيُّ في مسألةِ: (العفو عن النجاسة وأثرها): "قولُه - أي: الدردير -: "لا ما فوق الدرهم ولو أثَّرَ"، أي: خلافًا للباجي، القائل: إنَّ الأثرَ معفوٌ عنه مطلقًا، ولو فَوْقَ درهمٍ، فهو قولٌ ضعيفٌ" (٢). المثال الثاني: يقولُ الدرديرُ: "قولُ الرسالةِ: وقليلُ الماءِ ينجّسُه قليلُ النجاسةِ، وإنْ لم تُغيِّرْه، ضعيفٌ، وإنْ كانَ هو قول ابنِ القاسمِ" (٣). أمثلة الضعيف عند بقيةِ المذاهبِ الفقهيةِ: أولًا: أمثلة الضعيف عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "يقولُ أبو يوسفَ: إذا تقطَّعَ

стр. 565

- أيْ: الضفدع والسمك والسرطان - في الماءِ، أفسده؛ بناءً على قولِه: إنَّ دمَه نجسٌ. وهو ضعيفٌ؛ فإنَّه لا دمَ في السمكِ، إنَّما هو ماءٌ آجنٌ (١) " (٢). المثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: "رُوِيَ عن محمدٍ - رحمه الله تعالى - أنَّ المرأةَ إذا تذكّرت الاحتلامَ والتلذذَ، ولم ترَ شيئًا، فعليها الغُسْل؛ لأنَّ منيَّها يتدفقُ في رحمِها، فلا يظهرُ. وهو، ضعيفٌ" (٣). المثال الثالث: يقولُ ابنُ عابدين: "قوله - أي: الحصكفي -: "ونبيذُ تمرٍ"، أي: على القولِ الضعيفِ بجوازِ الوضوءِ به؛ فهو كالتيمّمِ؛ لأنَّه بدلٌ عن الماءِ" (٤). ثانيًا: أمثلة الضعيف عند الشافعية: المثال الأول: يقول محيي الدين النووي: "إذا اشتبه لبنُ بقرٍ ولبنُ أتانٍ، وقلنا بالمذهبِ: إنَّه نجسٌ، أو اشتبه خَلٌّ وخمرٌ ... فالمذهبُ في الجميعِ: منعُ الاجتهادِ، وبه قَطَعَ العراقيون، وللخراسانيين وجه ضعيف أنَّه يجتهدُ" (٥). المثال الثاني: يقولُ المغربي الرشيدي (٦): "وسماعُها - أيْ: خطبة

стр. 566

الجمعة - واجبٌ ... فجازت المسامحةُ في نقصانِ العددِ في الصلاة على القولِ الضعيفِ" (١). ثالثًا: أمثلة الضعيف عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ المرداويُّ فيما إذا عَلِمَ المصلّي بالنجاسةِ في أثناءِ صلاتِه: "أمَّا إذا لم تَزُل - أي: النجاسة - إلا بعملٍ كثيرٍ، أو في زمنٍ طويلٍ: فالمذهبُ: تبطلُ الصلاةُ. وقيل: يُزِيلها، ويَبْني. قلتُ: وهو ضعيفٌ" (٢). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ - أيضًا -: "المذهبُ أنَّ تركَ الدواءِ أفضلُ ... ووجوبُ المداواةِ قولٌ ضعيفٌ" (٣). الفرع الخامس عشر: المنكر أولًا: التعريف اللغوي للمنكر: المُنْكَر: اسمُ مفعولِ مِن الفعلِ أَنْكَرَ، يُقالُ: أَنْكَرَ يُنْكِرُ نُكْرًا، فهو مُنْكِرٌ، وأمرٌ مُنْكَرٌ. والمُنْكَرُ: ضدُّ المعروفِ (٤). يقولُ ابنُ فارسٍ: "النونُ والكافُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على خلافِ المعرفةِ التي يسكنُ إليها القلبُ، ونَكَرَ الشيءَ، وأنكرَه: لم يقبلْه قلبُه، ولم يعترفْ به لسانُه" (٥). والنَكْرُ والنَكَارَةُ والنُكْرُ: الدهاءُ والفطنةُ (٦)، والنُكُرُ: المُنْكَر، والأمرُ

стр. 567

الشديدُ (١)، والإنكارُ: خلافُ الاعترافِ (٢). تانيًا: التعريف الاصطلاحي للمنكر: تقدم لنا في الفرعِ التاسعِ أن مقابلَ المعروف: منكرٌ، وقد جاءَ مصطلحُ: (المنكر) في مدوناتِ المذهب المالكي على وجه الخصوصِ، ولم أقفْ على هذا المصطلحِ عند غيرِ المَالكيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - والمنكرُ عندهم: الروايةُ التي لم تثبتْ عن الإمامِ مالكِ، أو القولُ الذي لم يثبتْ عن أحدِ علماءِ المذهبِ المالكي (٣). وليس المرادُ بوصفِ القولِ بأنَّه منكرٌ عدمَ وجودِه في المذهبِ، بلْ إنكارُ نسبتِه إلى الإمامِ، أو إلى أحدِ علماءِ المذهبِ (٤). أمثلة القول المنكر عند المالكية: المثال الأول: نَقَلَ ابنُ الحاجب عن بعضِ المالكيةِ قولَه: "لا اشتراكَ - أي: بين آخر وقت صلاةِ الظهرِ وأوَل وقتِ صلاةِ العصرِ - وأنكره ابنُ أبي زيدٍ (٥) " (٦)، أيْ: أنكرَ أنْ يكونَ القولُ بالاشتراكِ قولًا لمالكٍ، أو لاحدِ

стр. 568

أصحابِه (١). المثال الثاني: ذَكَرَ ابنُ الحاجب في بابِ: الحيضِ مسألةَ: (المرأة المعتادة إذا تمادى بها الدم خمسة عشر يومًا)، وذَكَرَ في المسألةِ أقوالًا لبعض المالكية، منها: "استظهار (٢) ثلاثة أيام، وأنكره سحنون (٣) " (٤)، أي: أنكر نسبته إلى الإمامِ مالكٍ، ولم ينكر كونه قولًا لبعضِ المالكية (٥). المثال الثالث: يقول ابنُ الحاجب - أيضًا - في: باب القصر: "قال ابنُ الماجشون (٦): إنْ قَصَرَ في ستة وثلاثين ميلًا أجزأه، وأُنْكِر" (٧)، أي: أُنْكِرَ أنْ يكونَ قولًا لابنِ القاسمِ (٨).

стр. 569

الفرع السادس عشر: الشاذ أولًا: التعريف اللغوي للشاذة الشاذُّ: اسمُ فاعلٍ مِن الفعلِ شَذَّ، يُقالُ: شَذَّ يَشِذُّ ويشُذُّ شَذًّا وشُذُوذًا (١)، فهو شَاذٌّ. ومعنى شَذَّ: نَدَرَ عن الجمهورِ (٢)، وانفردَ عن غيرِه (٣). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الشينُ والذالُ يدلُّ على الانفرادِ والمفارقةِ" (٤). يُقالُ: أَشَذَّ فلانٌ، وأَشْذَذَ، إذا جاء بقولٍ شاذٍّ (٥)، وشُذَّاذُ الناسِ: الذين ليسوا في قبائلِهم، ولا منازلِهم (٦). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للشاذ: وَرَدَ مصطلحُ: (الشاذّ) في عددِ مِن العلومِ، فهناك الشاذُّ عند المحدثين، والشاذُّ عند علماءِ القراءات، والشاذُّ عند الفقهاء. ومرادي بالشاذِّ هنا، الشاذُّ الذي يُوصفُ به ما في المذهبِ مِنْ الآراءِ. عرَّفَ المالكيةُ مصطلحَ: (الشاذ)، وعرَّفَ الشافعيةُ مصطلحَ: (الوجه الشاذ)، في حين أغفلتْ بقيةُ المذاهبِ تعريف المصطلح، مع استعمالِهم له في مدوناتِهم المذهبيةِ.

стр. 570

ويظهرُ لي أنَّ معنى الشاذّ عند الحنفيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ: هو ما ينفردُ به أحدُ أتباعِ المذهبِ عن بقيةِ علماءِ مذهبِه، مع مخالفتِه لهم (١). فلا بُدَّ مِن الانفرادِ، ومِن المخالفةِ؛ ليوصفَ القول بالشذوذِ. وقد يكون وصفُ القولِ بأنَّه شاذٌّ في مذهبِ، غيرَ أنَّه ليس بشاذٍّ في مذهبٍ آخر. أولًا: الشاذ عند المالكية: الشاذُّ عند المالكية هو: القولُ الذي يقابلُ المشهورُ (٢). ويُعرَّفُ الشاذ - بناءً على الخلافِ في تعريفِ المشهور - بأنَّه: ما ضعفَ دليلُه (٣). أو: القولُ الذي لم يصدرْ عن جماعةٍ (٤). أو: القولُ الذي لم يكثرْ قائلوه (٥). وقد فرَّق بعضُ المالكيةِ بين مصطلحي: (الضعيف)، و (الشاذ)، بأنَّ الضعيفَ يُعتبرُ مرجوحًا حين موازنةِ الأدلةِ، أمَّا الشاذُّ فقد يكون دليلُه قويًا، إلا أنَّ صفةَ التفردِ لم تقوَ أمامَ مقابلِه، وهو المشهورُ (٦). أمثلة الشاذ عند المالكية: المثال الأول: يقولُ الدسوقيُّ: "يُكْرَه لشخصٍ أنْ يؤجرَ نفسَه في عملِ طاعةٍ مِن الطاعاتِ، سواء كان حجًا، أو غيره ... والقولُ الشاذُ: جوازُ ذلك" (٧).

стр. 571

المثال الثاني: يقولُ الحطَّابُ: "في كلامِ ... ابنِ بشيرٍ ما يقتضي أنَّ مَنْ تَرَك الأذانَ عامدًا، لا إعادةَ عليه في الوقتِ، ولا بعده - وهو كذلك - إلا ما وقع في كلامِ ابنِ عبد السلام مِنْ حكايةِ القولِ الشاذِّ بالإعادةِ في الوقتِ" (١). المثال الثالث: يقولُ الصاوي: "لا خلافَ عندنا أن الصومَ لا يجزئُ إلا إذا تقدمت النيةُ على سائرِ أجزائِه، فإنْ طَلَعَ الفجرُ، ولم ينوه، لم يُجْزِه في سائرِ أنواعِ الصيامِ إلا يوم عاشوراء، ففيه قولانِ: المشهورُ مِن المذهب أنَّه كالأول، والشاذ اختصاصُ يومِ عاشوراء بصحةِ الصومِ" (٢). ثانيًا: الشاذ عند الشافعية: لم أقفْ على تعريفٍ محددٍ للشاذِّ عند الشافعية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - والذي وجدتُه في مدوناتهم مصطلح: (الوجه الشاذ)، ويطلقونه على الوجهِ الذي خرَّجَه أحدُ الأصحابِ، واستنبطَه باجتهادِه على غيرِ قواعدِ الإمامِ ونصوصِه (٣). أمثلة الشاذ عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ محيي الدين النووي: "أمَّا الكثير - أي: الماء الكثير - فينجسُ بالتغيّرِ بالنجاسةِ؛ للإجماع ... سواءٌ كانت النجاسةُ الملاقيةُ مخالطةً، أم مجاورةً، وفي المجاورةِ وجهٌ شاذٌّ: أنَّها لا تُنَجّسِه" (٤). المثال الثاني: يقولُ النوويُّ - أيضًا -: "حَكَى الرافعي قولًا شاذًا أنَّ دعاءَ الاستفتاحِ يكونُ بعد هذه التكبيراتِ" (٥)، أيْ: تكبيراتِ الركعةِ الأُولى مِنْ صلاةِ العيدِ.

стр. 572

أمثلة الشاذ عند الحنفية: المثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "ثمَّ حاصلُ المذهبِ أنَّ الدمَ إذا سألَ بقوةِ نفسِه حتى انحدرَ، انتقضَ به الوضوءُ؛ وإنْ لم ينحدرْ، ولكنَّه علا فصارَ أكثرَ مِنْ رأسِ الجُرْح، لم تنتقضْ به الطهارةُ، إلا في روايةٍ شاذةٍ عن محمدٍ، رحمه الله تعالى" (١). المثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: "لو صلَّى - أيْ: التراويح - عشر ركعاتٍ، فهو عن التسليماتِ الخمسِ في روايةٍ شاذَّةٍ عن أبي حنيفةَ - رحمه الله تعالى - إلا أنَّها مكروهةٌ؛ لأنَّها خلافُ الظاهرِ" (٢). أمثلة الشاذ عند الحنابلة: المثال الأول: نَقَلَ ابنُ مفلحٍ عن بعضِ الحنابلة قولَه: "ولا الإشهاد على أذنِها - أيْ: لا يُشترطُ في النكاحِ الإشهاد على إذن المرأة - ... وفي المذهبِ خلافٌ شاذٌّ: يُشترطُ الإشهادُ على إذنِها" (٣). المثال الثاني: يقولُ المرداويُّ في الأحكامِ المترتبة عن لعانِ الزوجين: "الثالثُ: التحريمُ المؤبّدُ ... وعنه: إنْ أَكْذَبَ - أيْ: الزوج - نفسَه حلَّت له ... قال المصنّفُ والشارحُ: هي روايةٌ شاذةٌ، شَذَّ بها حنبلٌ عن أصحابِه" (٤). المثال الثالث: يقولُ ابنُ اللحام: "إنْ توضأَ، ولم يَنْوِ، فإنَّه لا يصحُّ إلا على وجهٍ شاذٍّ أنَّه لا يعتبرُ لطهارةِ الحدثِ نيةٌ" (٥).

стр. 573

الفرع السابع عشر: الطرق أولًا: التعريف اللغوي للطرق: الطُرُقُ: جمعٌ مفردُه طريقٌ، وجمعُ الجمعُ: طُرُقُاتٌ (١)، يُقالُ: طَرَقَ يَطْرُق طَرْقًا، مِنْ بابِ: قَتَلَ قَتْلًا (٢). ولمادة: (طرق) معانٍ في اللغةِ، منها: المعنى الأول: الإتيانُ مساءً (٣). ومنه: الطُّرُوقُ، قيل في معناه: إنَّه إتيانُ المنزلِ ليلًا (٤)، ويُقالُ رجلٌ طُرَقَةٌ، إذا كان يسوي حتى يأتي أهلَه ليلًا (٥). المعنى الثاني: الضَرْبُ (٦)، أو الضربُ بالحصى (٧). يُقالُ: طَرَقَ يَطْرُقُ طَرْقًا، أيْ: ضَرَبَ، والشيءُ مِطْرَقٌ ومِطْرَقةٌ (٨)؛ لأنَّه يَطْرِقُ بها (٩). المعنى الثالث: استرخاءُ الشيءِ (١٠). ومِنْ هذا المعنى: المُطْرِقُ:

стр. 574

المسترخي العين (١). ويقولُ إسماعيل الجوهريُّ: "المُطْرِق: المسترخي العين خِلْقَةً" (٢). المعنى الرابع: خَصْفُ شيءٍ على شيءٍ (٣). ومِنْ هذا المعنى قولُهم: نَعْلٌ مُطَارَقةٌ، أي: مخصوفةٌ (٤)، والطِرْق، وهو الشحم والقوة (٥)، سُمّيَ بذلك؛ لأنَّه كأنَّه خُصِفَ به، يُقالُ: ما به طِرْقٌ، أيْ: قوةٌ (٦)، ومنه: الطريقُ، وهو السبيلُ. يقولُ ابنُ فارسٍ: "وليسَ ببعيدٍ أنْ يكونَ مِنْ هذا القياسِ الطريقُ؛ وذلك أنَّه شيءٌ يعلو على الأرضِ، فكأنَّها قد طُورِقتْ به وخُصِفتْ به" (٧). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للطرق: جاءَ في مدوَّناتِ بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ استعمالُ مصطلحِ: (الطرق) في نقلِ المذهبِ، فلقد استعمله علماءُ المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ، ولم أقفْ على استعماله في مذهب الحنفيةِ، فيما رجعتُ إليه مِن مصادرهم. أولًا: الطرق عند المالكية: استعملَ المالكيةُ مصطلحَ: (الطرق) في نقلِ مذهبِهم، وعرفوها بأنَّها: اختلافُ الشيوخِ أو الأصحابِ في حكايةِ المذهبِ (٨).

стр. 575

يقولُ خليلٌ المالكي: "اعلمْ أن الطريقَ عبارةٌ عنْ شيخٍ، أو شيوخٍ يرونَ أنَّ المذهبَ كلَّه على ما نقلوه، فالطرقُ عبارةٌ عن: اختلافِ الشيوخِ في كيفيةِ نقلِ المذهبِ" (١). فحين يختلفُ علماءُ المذهب في مسألةٍ ما، أهي على قولٍ واحدٍ، أم على قولين، أم على أكثر؟ يُوصفُ الاختلافُ بالطرقِ (٢). وعند المالكيةِ أنَّ الأَوْلى الجمعُ بين الطرقِ ما أمكنَ، والطريقةُ التي فيها زيادةٌ راجحةٌ على غيرِها؛ لأنَّ الجميعَ ثقاتٌ، وحاصلُ دعوى النافي شهادةٌ على نفي (٣). وهنا سوال، وهو: هل يجوزُ أنْ يُقال في طريقٍ مِن الطرقِ: هذا مذهبُ الإمامِ مالكٍ؟ بيَّنَ ابنُ عرفةَ المالكي جوابَ السؤالِ بما حاصلُه، أنَّ مَنْ له معرفةٌ بقواعدِ المذهبِ، ومشهورِ قولِه والترجيحِ والقياسِ: يجوز له ذلك، بشرطِ: أنْ يبذلَ وسعَه في تذكرِ محفوظِه مِنْ قواعدِ المذهبِ؛ ومَنْ لم يكن كذلك، لا يجوزُ له ذلك إلا أنْ يَعْزُوَه إلى مَنْ قاله قبلَه (٤). أمثلة الطرق عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "في إزالةِ النجاسةِ ثلاثُ طرقٍ: الأولى: لابنِ القصارِ، والتلقينِ، والرسالةِ: واجبةٌ مطلقًا ... الثانية: للجلابِ، وشرح الرسالةِ: سنةٌ ...

стр. 576

الثالثة: للخمي وغيره: ثلاثة أقوال في: (المدونة): واجبةٌ مع الذكرِ والقدرةِ ... الثاني: واجبةٌ مطلقًا، لابن وهب (١) الثالث: سنةٌ ... " (٢). المثال الثاني: يقولُ خليل: "أمَّا الدمُ ... غير المسفوحِ، كالجاري في العروقِ: نَقْلُ المصنفُ - أي: ابن الحاجب -: فيه طريقتانِ: الأولى: أنَّه طاهرٌ، بلا خلافٍ فيه. الثانية: أنَّ فيه قولان (٣)، أيْ: قول بالطهارةِ، وقول بالنجاسةِ، وهذه طريقة ابنِ شاس" (٤). ثانيًا: الطرق عند الشافعية: لا يختلفُ اصطلاحُ علماءِ الشافعيةِ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ في معنى مصطلح: (الطرق). يقولُ محيي الدين النوويُّ: "أمَّا الطرقُ، فهي: اختلافُ الأصحابِ في حكايةِ المذهب، فيقول بعضُهم مثلًا: في المسألةِ قولانِ، أو وجهانِ، ويقولُ الآخرُ: لا يجوزُ قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا؛ أو يقول أحدُهما:

стр. 577

في المسألةِ تفصيلٌ، ويقول الآخر: فيها خلافٌ مطلقٌ" (١). ويُطلقُ الشافعيةُ الطُّرقَ على اختلافِ علماءِ مذهبِهم في مرادِ الإمامِ الشافعي بكلامِه، يقولُ صدرُ الدين السلمي: "إنْ كانَ الاختلافُ - أي: بين الأصحاب - في المسألةِ؛ لاختلافِ الأصحابِ في مرادِ الشافعي بلفظِه، فالتعبيرُ عن هذا النوعِ بالطريقين هو الأظهرُ، وقد يُعبَّرُ عنه بالوجهين، لكن الأولَ هو الأكثرُ" (٢). وقد وجدتُ عددًا مِنْ الشافعيةِ عرَّفَ الطرقَ بما قاله محيي الدين النووي (٣). وقد تُطلقُ: (الطرق)، ويُرادُ بها: الوجوه، وكذلك العكس، ولا سيما عند متقدمي الشافعيةِ، كأبي إسحاقَ الشيرازي (٤). ولعلَّ مردَّ التساهلِ في الإطلاقِ هو اشتراكُ الطُّرقِ والوجوهِ في كونهما مِنْ كلامِ أتباعِ المذهبِ (٥). أمثلة الطرق عند الشافعية: المثال الأول: يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "فإنْ كانت النجاسةُ - أي: التي في الماء - ممَّا لا يدركُها الطَرْفُ: ففيه ثلاث طرق: مِن أصحابِنا مَنْ قال: لا حكمَ لها ... ومنهم مَنْ قال: حكمُها حكمُ سائرِ النجاساتِ ... ومنهم مَنْ قال: فيه قولان: أحدهما: لا حكمَ لها،

стр. 578

والثاني: لها حكمٌ" (١). المثال الثاني: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "الرابعة - أي: من سنن الوضوء -: المضمضةُ والاستنشاقُ ... وفي الأفضلِ طريقانِ: الصحيح: أنَّ فيه قولين: أظهرهما: الفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاقِ أفضلُ، والثاني: الجمعُ بينهما أفضلُ. والطريق الثاني: الفَصْلُ أفضلُ قطعًا" (٢). ثالثًا: الطرق عند الحنابلة: وَرَدَ مصطلحُ: (الطرق) في عددٍ مِن المواطنِ في مدوَّناتِ المذهبِ الحنبلي، ولم أقفْ على تحديدِ معناها عندهم - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ويظهرُ لي أنَّ معناه عندهم في ضوءِ استعمالهم له لا يخرجُ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ والشافعيةِ المتقدمِ تقريرِه آنفًا، وهو اختلافُ علماءِ المذهبِ في حكايةِ المذهبِ. أمثلة الطرق عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ المرداويُّ: "قوله - أي: ابن قدامه -: "وهل يستفتحُ ويستعيذُ فيما يجهرُ فيه الإمامُ؟ على روايتين" ... اعلم أنَّ للأصحابِ في محلِّ الخلافِ طُرقًا: أحدها: أنَّ محلَّ الخلافِ: في حالِ سكوتِ الإمامِ، فأمَّا في حالِ قراءتِه، فلا يستفتحُ ولا يستعيذُ، روايةً واحدةً، وهي طريقةُ المصنّفِ في: (المغني)، والشارحِ ... الطريق الثاني: أنَّ محلَّ الروايتين: يختصُّ حالَ جهرِ الإمامِ وسماعِ المأمومِ له، دونَ حالة سكتاته، وهي طريقةُ القاضي في: (المجرد)، و (الخلاف) ... الطريق الثالث: أنَّ الخلافَ جارٍ في حالِ جهرِ الإمامِ وسكوتِه، وهو ظاهر كلام المصنف هنا - أيْ: في: (المقنع) - وأبي الخطاب ... " (٣).

стр. 579

المثال الثاني: نَقَلَ المرداويُّ عن تقي الدينِ بنِ تيمية قولَه: "تحرر لأصحابِنا في تزويجِ الأمةِ على الحرةِ ثلاثُ طرقٍ: أحدها: المنع، روايةً واحدةً ... الطريق الثاني: إذا لم تُعِفَّه، ففيه روايتانِ .. الطريق الثالث: في الجمعِ روايتانِ ... " (١). الفرع الثامن عشر: الإجراء أولًا: التعريف اللغوي للإجراء: الإجراء: مصدرٌ مِن الفعلِ أَجْرَى، يُقالُ: أَجْرَى يُجْرِي إجْرَاءً، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزن: (أَفْعَل) فمصدره على وزن: (إفْعَال) (٢). ويقالُ: جَرَى الماءُ يَجْرِي جِرْيَةً، وجَرْيًا، وجَرَيَانًا، وأنا أَجْرَيْتُه (٣). ومعنى مادة: (جري): انسياحُ الشيءِ. يقولُ ابنُ فارسٍ: "الجيمُ والراءُ والياءُ أصلٌ واحدٌ، وهو انسياحُ الشيءِ" (٤). يُقالُ: جَرَى الماءُ، إذا سال (٥)، والجَرِيُّ: الوكيلُ؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى موكلِّه (٦)، والجِرَايةُ: الجاري مِن الوظائفِ (٧)، وجَرَت الشمسُ:

стр. 580

سارتْ مِن المشرقِ إلى المغربِ (١)، ولذا تُسمَّى الشمسُ بالجاريةِ (٢). يقولُ الفيوميُّ (٣): "جَرَيتُ إلى كذا جَرْيًا وجِرَاءً، أيْ: قصدتُ وأسرعتُ، وقولُهم: جرى في الخلافِ كذا، يجوزُ حملُه على هذا المعنى" (٤). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للإجراء: انفردَ علماءُ المالكيةِ باستعمالِ مصطلحِ: (الإجراء)، فلم أقفْ على استخدامٍ له عند غيرِهم مِن المذاهبِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر. مصطلح: (الإجراء) عند المالكية: الإجراءُ عند المالكيةِ مِنْ باب القياسِ (٥)، ومرادهم به: أنَّ القواعدَ تقتضي أنْ يُجْرَى في المسألةِ مثلُ الحَكمِ المذكورِ في مسألةٍ أخرى (٦). وحقيقةُ الإجراءِ موجودةٌ عند المذاهبِ الأخرى، لكنْ بغيرِ لفظِ الإجراءِ، وإنَّما بمعناه، ولعلَّ استغناءهم عنه بغيرِه مِن المصطلحاتِ هو السبب في عدمِ حاجتِهم إلى استعمالِه.

стр. 581

أمثلة الإجراء عند المالكية: المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "لو قالَ - أيْ: الزوج -: إنْ خالعتُك فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، ثم خالعها: فالمنصوصُ: يَرُدُّ ما أَخَذَ، وأجراه اللخْميُّ على الشاذِّ في: إنْ بِعتُكَ فأنتَ حرٌّ" (١). المثال الثاني: نقل البُرْزُليُّ (٢) عن أبي عبد الله المازري قولَه: "اختلفَ المذهبُ في المرتدِّ إذا باعَ واشترى أو وَهَبَ قبلَ التحجيرِ عليه: فقيل (٣) هو ماضٍ حتى يحجرَ عليه، أو هو كالمحجورِ عليه بنفسِ الردّةِ، وهذا إنْ قُتِلَ على ردّتِه ... وهذه كمسألةِ: (مستغرقِ الذّمةِ)، والجامعُ: أنَّ ما بأيديهما النظرُ فيه للإمامِ، وأنَّه مالُ الله تعالى، لا يُوْرَث عن أحدٍ منهما، فانظرْ، هل يتخرجُ فيه مِن الخلافِ ما في المرتدِّ في عتقِه وهبتِه وصدقتِه، أم لا؟ قلتُ - أي: البُرْزُلي -: هذا الإجراءُ أشارَ إليه التونسي (٤) " (٥). الفرع التاسع عشر: التوجيه أولًا: التعريف اللغوي للتوجيه: التوجيه: مصدرٌ مِن الفعلِ وَجَّه، يُقالُ: وَجَّه يُوَجِّه تَوْجِيهًا؛ بناءً على القاعدة الصرفية فيما إذا كان الفعلُ على وزن: (فَعَّل)، وكان صحيحًا،

стр. 582

فمصدرُه على وزن: (تَفْعِيْل) (١). وقد تقدم ذكرُ المعنى اللغوي لمادةِ: (وجه) عند تعريفي لمصطلحِ الوجه. ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتوجيه: يَرِدُ التوجيه لمعانٍ متعددةٍ، كما لو قالَ قائلٌ: توجيه القولِ كذا، وليس هذا هو المرادُ هنا، بل المرادُ معنى أخصّ في نقلِ المذاهب، وقد انفردَ المذهبُ الحنبلي بإيرادِ بعضِ علمائِه مصطلح: (التوجيه)، ولَم أجدْه عند غيرِهم مِن المذاهبِ الفقهيةِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر. مصطلح: (التوجيه) عند الحنابلة: استعملَ ابنُ مفلح مصطلحَ: (التوجيه) في نقلِ المذهبِ الحنبلي في كتابِه: (الفروع)، بقولِه: "ويتوجه كذا" (٢). يقولُ المرداوي: "زادَ في: (الفروع): التوجيهَ" (٣). فالتوجيه عندَ ابنِ مفلحٍ، هو: استنباطُ ابنِ مفلحٍ نفسِه حكمَ مسألةٍ، لم يردْ بشأنِها نصٌّ عن إمامِ المذهب وأصحابِه، مِنْ مسألةٍ تشبهها؛ لجامعٍ بين المسألتين (٤). وفي ضوءِ ما سَبَقَ يكون التوجيهُ بمعنى: التخريجِ مِنْ نصوصِ الإمامِ، ويتفق مَعَ بعضِ المصطلحاتِ المتقدمةِ كمصطلحِ: (الإجراء). وحقيقةُ التوجيه موجودةٌ عند بقيةِ المذاهبِ الأخرى، لكنْ بغيرِ لفظِه، وإنَّما بمعناه؛ ولعل استغناءهم عنه بغيرِه مِن المصطلحاتِ هو السبب في عدمِ حاجتِهم إلى استعمالِه.

стр. 583

أمثلة التوجيه عند الحنابلة: المثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "إنْ قدَّمَ الوصيُّ غيرَه - أيْ: في الصلاةِ على الميت -: فوجهانِ، ومَنْ قدَّمه وليٌّ بمنزلتِه. قالَ أبو المعالي (١): فإنْ غابَ الأقربُ بمكانٍ تفوتُ الصلاةُ بحضورِه، تحوَّلتْ للأبعدِ، فله منعُ مَنْ قُدِّمَ بوكالةٍ ورسالةٍ. كذا قال ... ويتوجه: لا؛ كنكاحٍ، ويتوجّه فيه تخريجٌ مِنْ هنا" (٢). المثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: "إنْ قَصَدَ في طوافِه بالبيتِ غريمًا، وقَصَدَ معه طوافًا بنيّة حقيقيةٍ، لا حكميةٍ، توجّه: الإجزاء في قياسِ قولِهم، ويتوجه احتمالٌ؛ كعاطسٍ قَصَدَ بحمدِه قراءةً" (٣). المثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: "ظاهرُ كلامِ ابن قدامةَ أنَّه يُكَبّرُ - أي: أن المصلي يُكبّرُ التكبيرَ المقيّدَ - إذا لم يُحْدِثْ، ولم يخرجْ مِن المسجدِ، ولو طالَ الفصلُ، وهو ظاهرُ كلامِ جماعةٍ مِن الأصحاب، قاله في (الفروعِ)، وجَعَلَ القولَ به توجيهَ احتمالٍ، وتخريج مِن عنده" (٤). * * *

стр. 584

المسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب سأطرُق مسألةَ: (تفضيل مذهبٍ مِن المذاهبِ) في ضوءِ الفقرتين الآتيتينِ: الفقرة الأولى: هل يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ على غيرِه؟ الفقرة الثانية: نماذجُ مِنْ أقوالِ بعضِ العلماءِ في تفضيلِ مذهبِهم على غيرِه. الفقرة الأولى: هلْ يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ على غيرِه؟ لا شكَّ في أنَّ الاختلافَ الأصولي والفقهي واقعٌ بين المذاهبِ المتبوعةِ، ويبعدُ اتفاقُ أقوالِ مذهبٍ مع مذهب آخر في جميعِ المسائل أو غالبِها، ولذا فالمذاهبُ تختلفُ بحسب قربِهَا أو بُعدِها مِن الصوابِ في المسائلِ، لكنْ هلْ يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ عَلى غيرِه؟ تعددتْ أقوالُ العلماءِ في الحديث عن تفضيلِ مذهبِهم على مذهب غيرِهم، ويظهرُ لي أن الأَوْلى عدمُ الخوضِ في تفضيلِ مذهبٍ بعينِه؛ لأنَّ الحديثَ عن تفضيلِ المذهب قد يكونُ طريقًا إلى الحطِّ مِنْ قدر أئمةِ المذاهب وعلمائها، وطريقًا إلى التعصَّبِ لها، والتمسكِ بها، وإنْ خالفت الصوابَ. وسأبيّنُ حكمَ تفضيل مذهبٍ على مذهبٍ في ضوءِ الآتي: أولًا: إنْ كانَ الباعثُ على الحديثِ عن فضلِ المذهبِ ومزيتِه، التعصّبَ له، وإيجابَ التزامِه في جميعِ المسائلِ وتحريم الخروجِ عنه، حتى ولو خالفَ الدليلَ: فإنَّه لا يجوز. ثانيًا: إنْ كانَ للحديثِ عن تفضيل مذهبٍ على غيرِه مدخلٌ في التعصبِ والتفرقِ والاختلافِ: فهو مذمومٌ (١).

стр. 585

يقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنفي: "ومِنْ مِثْلِ هذا الاستدلالِ - أي: الاستدلال على تفضيل المذهب - نَشَأَ الافتراقُ في الأُمّةِ" (١). ويقولُ - أيضًا -: "أمَّا تفضيلُ شخصٍ على شخصٍ مِن العلماءِ، فليس منصوصًا عليه، ولا مجمعًا عليه، وغالبُ الخائضين فيه إنَّما يتكلمون بهوىً وتعصّبٍ" (٢). ثالثًا: إنْ تضمّنَ الحديثُ عن تفضيلِ المذهبِ الحطَّ مِنْ قدرِ أئمةِ المذاهبِ الأخرى، أو ذكر مثالبِهم والطعن فيهم: فإنَّه لا يجوزُ (٣). مع أنَّنا نجدُ أن مَنْ يَحُطَّ مِنْ قدرِ علماءِ المذاهب التي تخالفُه، يثبتُ أقوالَهم في المسائلِ الخلافيةِ، وينظرُ في أدلتِهم. والعجبُ أنْ يقعَ في هذا المزلقِ الخطيرِ بعض العلماءِ الذين لهم قدمٌ راسخةٌ في العلمِ. يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "إن الترجيحَ بين أمرين إنَّما يقعُ في الحقيقةِ بعدَ الاشتراكِ في الوصفِ الذي تفاوتا فيه ... وإنْ كانَ كذلك، فالخروجُ في ترجيحِ بعضِ المذاهبِ على بعضٍ إلى القدحِ في أصلِ الوصفِ بالنسبةِ إلى أحدِ المتصفين خروجٌ عن نَمَطٍ إلى نَمَطٍ آخر مخالفٍ له، وهذا ليس مِنْ شَأْنِ العلماءِ، وإنَّما الذي يليقُ بذلك الطعن والقدح في حصولِ ذلك الوصف لمَنْ تعاطاه، وليس مِنْ أهلِه، والأئمةُ المذكورون بُرَءاءُ مِنْ ذلك" (٤). وقد أفاضَ الشاطبيُّ - بما لا مزيدَ عليه - في ذكرِ السلبياتِ المترتبةِ على ترجيحِ مذهبٍ بالطعنِ في المذاهبِ الأخرى (٥). رابعًا: إنْ كانَ الحديثُ عن تفضيلِ المذهبِ بذكرِ خصائصِ المذهبِ

стр. 586

ومزاياه في أصولِه، وموافقتِه للدليلِ، وذكرِ مناقب إمامِه ومناقبِ أصحابِه، ونحو هذا، مع الخلو مِنْ شائبةِ التعصبِ: فلا يظهَرُ لي مانعٌ منه؛ لأنه أشبه بالتعريفِ بالمذهبِ، بشرطِ: أنْ لا يتضمّنَ حديثُه سلبَ مزايا غيرِه مِن المذاهبِ (١). يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ: "إذا وَقَعَ الترجيحُ بذكرِ الفضائلِ والخواصِّ والمزايا الظاهرةِ التي يشهدُ بها الكافّةُ: فلا حَرَجَ فيه، بلْ هو ممَّا لا بُدَّ منه في هذه المواطن، أعني: عند الحاجةِ إليه" (٢). ثمَّ ساقَ الشاطبيُّ عددًا مِن الأدلةِ الدالةِ بعمومِها على التفضيلِ بذكرِ المزايا والخواص (٣)، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٤). خامسًا: لا يتأتَّى الحديثُ عنْ تفضيلِ مذهبٍ ما إلا مِنْ عالم ضليعٍ في علومِ الشريعةِ الإسلامية؛ لأنَّه هو القادر على معرفةِ خصائصِ المَذاهبِ ومزاياها على الوجهِ الأمثلِ. يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "ولا يَعْرِفُ هذا التفاضل إلا مَنْ خاضَ في تفاصيلِ العلمِ" (٥). سادسًا: لو قيل: إنَّ الأفضلَ لمَنْ يريدُ التفقه بدراسةِ مذهب إمامٍ معيَّنٍ أنْ يتمذهبَ بالمذهبِ المنتشرِ في قُطْرِه وإقليمِه؛ لأنَّه أدْعى إلىَ ضبطِ العلم؛ لوجودِ العلماءِ الذين نخلوا مذهبَهم، فيقصرُ بهم الطريقُ على المتفقَّه: لما كان بعيدًا (٦).

стр. 587

سابعًا: لا يُوجدُ مذهبٌ مِن المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ متمحِّضٌ في الصوابِ ولا في الخطأ، بلْ أيّ مذهبٍ يصيبُ في بعضِ المسائلِ، ويخطئُ في بعضِها الآخر (١)، وبناءً عليه: فترجيحُ مذهبٍ برُمّتِه على مذهبٍ آخر لا يخلوُ مِنْ كثيرٍ مِن الحيفِ. الفقرة الثانية: نماذجُ مِنْ أقوالِ بعضِ العلماءِ في تفضيل مذهبهم على غيره. سأذكرُ نماذج لبعضِ العلماءِ الذين تحدثوا عنْ تفصيلِ مذهبِهم: يقولُ القاضي عبدُ الوهاب المالكي: "وأمَّا ترجيحنا إيَّاه - أيْ: مذهب الإمام مالك - على غيرِه من المذاهبِ؛ فلقولِه: (يوشكُ أنْ يضربَ الناسُ أكبادَ الإبلِ في طلبِ العلمِ، فلا يجدون عالمًا أعلم مِنْ عالمِ المدينةِ) (٢)، فالدلالةُ في هذا مِنْ موضعين:

стр. 588

أحدهما: إخبارُه بأنَّ مَنْ ينطبقُ عليه هذا الاسم أعلمُ أهلِ وقتِه، ولم هذا في غيرِه، ولا موصوفًا به سواه ... والثاني: تأويل الأئمةِ ذلك منهم: ابن جريجٍ (١) وابنُ عيينةَ (٢) ... مِنْ غيرِ خلافٍ عليهم في

стр. 589

ذلك" (١). ويقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "فإذا نَظَرَ الناظرُ إلى منصبِ الإمامِ الشافعي عَرَفَ أنَّه أعلمُ الأئمةِ بكتابِ الله تعالى، فإنَّه عربيٌّ مبينٌ، والشافعيُّ تفقأتْ عنه بيضة قريش، ولا يخفى تميّزه عنْ غيرِه" (٢)، ثمَّ يقول: "فمَنْ نَظَرَ إلى الأصولِ، ثم نَظَرَ نَظَرًا كليًّا إلى الفروعِ، لم يخفَ عليه مَنْ يكون أولى بالاتِّباعِ. وإنْ قَصُرَ نَظَرُ بعضِ المستفتين عن فهمِ ما ذكرناه، فلا عليه لو احتذى بقولِ النبي ﵇: (الأئمةُ مِنْ قريشٍ) " (٣).

стр. 590

ثُمَّ يقولُ عن الإِمامِ أبي حنيفةَ بعدما وصفه بأنَّه مِن الموالي! : "أمَّا أبو حنيفةَ: فلا نُنْكِرُ اتِّقادَ فطنتِه، وجودةَ قريحتِه في دَرَكِ عرفِ المعاملاتِ

стр. 591

ومراتب الحكوماتِ ... لكنَّه غيرُ خبيرٍ بأصولِ الشريعةِ، وهي في حقِّه منقسمةٌ إِلى أصلِ جهلِه! أو أَغْفَلَه وذَهَلَ عنه، وإِلى آخر تمسك به وما راعاه! ... وأَمَّا الإِمامُ مالكٌ، فلا يُشَقُّ غبارُه في ضبطِ ما يصحُّ مِن الأخبارِ والآثارِ والأقضيةِ ووقائع الصحابةِ ... لكنَّه يَنْحَلُّ بعض الانحلالِ في الأمورِ الكليةِ! ... وأمَّا الشَّافعي، فإِنَّه أعرفُ خلقِ الله بأصولِ الشريعةِ، وأضبطُهم لها، وأشدُّهم كيسًا واتِّقادًا في مآخذِها وتنزيلها منازلِها ... " (١). وأنتَ ترى كيفَ أنَّ إِمامَ الحرمين الجويني على سعةِ علمِه وجلالةِ فضلِه، لم يسلمْ مِن الحطِّ مِن شأنِ أئمةِ المذاهبِ المخالفةِ لمذهبِه. ويقولُ أبو بكرِ السرخسي: "أمَّا الشَّافعي ﵀ حينَ لم يجوِّز العملَ بالمراسيلِ، فقد تَرَكَ كثيرًا مِن السننِ، وحين لم يقبلْ روايةَ المجهولِ، فقد عطَّل بعضَ السُنّة أيضًا ... ثمَّ جوَّزَ العملَ بقياسِ الشبهِ ... وتبيَّن أنَّ أصحابَنا هم القدوةُ في أحكامِ الشرعِ: أصولها وفروعها، وأنَّ بفتواهم اتَّضحَ الطريقُ للناسِ ... " (٢).

стр. 592

وقد عَقَدَ القاضي عياضٌ المالكي (١) بابًا في ترجيحِ مذهبِ الإِمام مالكٍ، والحجةِ في وجوبِ تقليدِه وتقديمِه على غيرِه مِن الأئمةِ، وقالَ فيه: "وها نحنُ نُبيِّنُ أنَّ مالكًا - رحمه الله تعالى - هو ذاكَ أي: أولى الأئمة بالاتباعِ والتقليدِ - لجمعِه أدواتِ الإِمامةِ، وتحصيلِه درجةَ الاجتهادِ، وكونه أعلم القومِ، بلْ أهل زمانِه" (٢). واستمعْ إِليه وهو يتحدثُ عن أئمةِ المذاهبِ الأخرى، فيقول: "أمَّا أبو حنيفةَ والشافعي، فيُسَلَّم لهما حسن الاعتبارِ، وقدقيق النظرِ والقياسِ، وجودة الفقهِ والإِمامة فيه، لكن ليس لهما إِمامةٌ في الحديثِ، ولا معرفة به، ولا استقلال بعلمِه ... وقد ضعفهما فيه أهلُ الصنعةِ! " (٣). ويقولُ أيضًا: "أمَّا أحمد وداود، فإِنَّهما سلكا اتباعَ الآثارِ، ونَكَّبَا عنْ طريقِ الاعتبارِ، لكنَّ داودَ غلا في ذلك، فترك القياسَ جُملةً ... " (٤)، ثُمَّ ساقَ أدلةً مِن النقلِ، ومِن الاعتبارِ والنظرِ تؤيدُ تقديمَ التمذهبِ بمذهبِ الإِمامِ مالكٍ على غيره من المذاهبِ (٥).

стр. 593

ويقولُ ابنُ حمدان: "لمَّا كان مِن اللازمِ الالتزامُ بأهلِ الدينِ وعلماءِ الشريعةِ المبرزين، وأكابرِ الأئمةِ المتبوعين ... وكان الإِمامُ العالمُ السالكُ الناسكُ الكاملُ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ قد تأخّر عنْ أئمةِ المذاهبِ المشهورةِ، ونَظَرَ في مذاهبِهم ومذاهبِ مَنْ قبلهم، وأقاويلهم وسَبَرَها وخَبَرَها وانْتَقَدَها، واختار أرجحَها وأصحَّها، ووَجَدَ مَنْ قبله قد كفاه مؤنة التصويرِ والتأصيلِ والتفصيلِ، فتفرَّغَ للاختيارِ والترجيحِ، والتنقيحِ والتكميلِ ... ثُمَّ لم يُوجدْ بَعْدَه مَنْ بَلَغَ محلَّه في ذلك، كان مذهبُه أولى مِنْ غيرِه بالاتباعِ والتقليدِ، وهذا طريقُ الإِنصافِ والسلامةِ مِن القدحِ في بعضِ الأئمةِ ... " (١). وقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ المحققين كلامٌ رصينٌ في بيانِ حالِ مَنْ يُسْرِفُ في الحديثِ عن تفضيلِ مذهبِه، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "أمَّا ترجيحُ بعضِ الأئمةِ والمشايخِ على بعضٍ، مثل: مَنْ يرجّحُ إِمامَه الَّذي تفقّه على مذهبِه، أو يُرجّحُ شيخَه الَّذي اقتدى به على غيرِه ... فهذا أكثرُ الناسِ يتكلمون فيه بالظنِّ، وما تهوى الأنفسُ؛ فإِنَّهم لا يعلمون حقيقةَ مراتبِ الأئمةِ والمشايخِ، ولا يقصدون اتباعَ الحقِّ المطلقِ! بلْ كلُّ إِنسانٍ تهوى نفسُه أنْ يرجِّحَ متبوعَه، فيرجّحه بظنٍّ ظنّه، وإِنْ لم يكنْ معه برهانٌ على ذلك، وقد يفضي إِلى تحاجِّهم وقتالِهم وتفرقهم، وهذا ممَّا حرّمَ اللهُ ورسولُه ... وأمَّا مَنْ ترجح عنده فضلُ إِمامٍ على إِمامٍ، أو شيخٍ على شيخٍ بحسبِ اجتهادِه، كما تنازع المسلمون أيّهما أفضل الترجيعُ في الأذان، أو تركه؟ .. فمَنْ ترجّحَ عنده تقليدُ الشَّافعي لم ينكرْ على مَنْ ترجّح عنده تقليدُ مالكٍ ... ولا أحدَ في الإِسلامِ يجيبُ المسلمين كلَّهم بجوابٍ عامٍّ: إِنَّ فلانًا أفضل مِنْ فلانٍ، فيقبل منه هذا الجواب؛ لأنَّه مِن المعلَومِ أنَّ كلَّ

стр. 594

طائفةٍ تُرَجِّحُ متبوعَها، فلا تقبلُ جوابَ مَنْ يجيبُ بما يخالفها فيه ... وما مِنْ إِمامٍ إِلَّا له مسائل يترجح فيها قولُه على قولِ غيرِه ... " (١). ويصفُ ابنُ القيّمِ الحالةَ النفسيةَ لمنْ يفضِّلُ مذهبَه على غيرِه مِن المذاهب، فيقول: "إِنَّ كثيرًا ممَّنْ يتكلمُ في التفضيلِ يَستشعرُ نِسبتَه وتَعَلُّقَه بمَنْ يُفضَّلُه، ولو على بُعْدٍ، ثمَّ يأخذُ في تقريظِه وتفضيلِه، وتكون تلك النسبةُ والتعلّق مُهَيِّجةً له على التفضيلِ والمبالغةِ فيه، واستقصاءِ محاسنِ المفضَّلِ ... ويكون نظرُه في المفضَّلِ عليه بالعكس، ومَنْ تأمَّل كلامَ أكثرِ الناسِ في هذا الباب رأى غالبَه غيرَ سالمٍ مِنْ هذا، وهذا منافٍ لطريقةِ العلمِ والعدلِ الَّتي لا يقبل اللهُ سواها، ولَا يرضي غيرَها، ومِنْ هذا تفضيلُ كثيرٍ مِنْ أصحابِ المذاهبِ والطرائقِ والشيوخ، كلٌّ منهم لمذهبِه أو طريقتِه أو شيخِه ... فإِنْ كان الرجلُ ممَّنْ لا يُشك في علمِه وورعِه، خيفَ عليه مِنْ جهةٍ أخرى، وهو أنَّه يَشْهَد حَظَّه ونفعَه المتعلق بتلك الجهةِ، ويغيب عن نفعِ غيرِه بسواها؛ لأنَّ نفعَه مشَاهدٌ له أقربُ مِنْ علمِه بنفعِ غيرِه، فيُفضّلُ ما كان نفعُه وحظُّه مِنْ جهتِه، باعتبارِ شهودِه ذلك" (٢). ويقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبي: "ورُبَّما انتهت الغفلةُ - أو التغافل - بقومٍ ممَّنْ يُشارُ إِليهم في العلمِ أنْ صيَّروا الترجيحَ بالتنقيصِ - تصريحًا أو تعريضًا - دَأَبَهم، وعَمَرُوا بذلك دواوينهم، وسوّدوا به قراطيسَهم، حتى صار هذا النوعُ ترجمةً مِنْ تراجم الكتبِ المصنّفةِ في أصولِ الفقهِ ... " (٣). ويقولُ في موضع آخر عن الأئمة الأربعةِ: "وعَيْنُ الإِنصافِ تَرَى أنَّ الجميعَ أئمةٌ فضلاء" (٤). * * *

стр. 595

المبحث الرابع: أقسام التمذهب يُمكنُ تقسيمُ التمذهبِ عدَّةَ أقسامٍ، وذلك باعتباراتِ مختلفةٍ: أولًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ محلِّه إِلى ثلاثةِ أقسام: القسم الأول: التمذهبُ في الأصولِ. القسم الثاني: التمذهبُ في الفروعِ. القسم الثالث: التمذهبُ في الأصولِ والفروعِ. ثانيًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ إِلى قسمين: القسم الأول: التمذهبُ في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها. القسم الثاني: التمذهبُ في كثيرٍ مِن المسائلِ، أو بعضِها. ثالثًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ صفةِ التمذهبِ إِلى قسمين: القسم الأول: التمذهبُ الحقيقيُّ. القسم الثاني: التمذهبُ الاسميُّ. رابعًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ معرفةِ الدليلِ إِلى قسمين: القسم الأول: التمذهبُ مع معرفةِ الدليلِ. القسم الثاني: التمذهبُ مع عدمِ معرفةِ الدليلِ. أولًا: أقسامُ التمذهبِ باعتبارِ محلِّه: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ محلِّه إِلى ثلاثةِ أقسامٍ:

стр. 596

القسم الأول: التمذهبُ في الأصولِ. المرادُ بالأصولِ هنا: أصولُ الفقهِ، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ ممَّا يصدقُ عليه أنَّه ظنّي - إِذ ما كان قاطعًا مِنْ أصولِ الفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهية، فليس محلًا للتمذهبِ؛ لأنَّه ليس محلًا للاجتهادِ - وقد تقدّمَ الحديثُ عنْ صحةِ التمذهبِ في أصولِ الفقهِ، وأنَّ التمذهبَ يتبعُ الاجتهادَ، فما كان محلًا له، فهو محلٌّ للتمذهبِ. ويُعنى بالتمذهبُ في الأصولِ: التزامُ المتمذهبِ مذهبَ إِمامِه في المسائلِ الأصوليةِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ الاجتهاديةِ، دونَ تقيّدٍ بفروعِ المذهبِ (١). ولا يعني الالتزامُ في الأصولِ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ البتة، فقد يكونُ الالتزامُ التزامًا في الجملةِ. ويكونُ التمذهبُ في الأصولِ: نظريًا، وتطبيقيًا. - فالتمذهبُ النظري في الأصولِ يكونُ بالتأليفِ في أصولِ المذهبِ، وقواعدِه وضوابطِه الفقهيةِ، بتقريرِ المذهبِ، والاستدلالِ له، ومناقشةِ المخالفين. - والتمذهبُ التطبيقي في الأصولِ يكونُ ببيانِ حكمِ النازلةِ وفقَ قواعدِ المذهبِ الأصوليةِ. والمتمذهبُ في الأصولِ هو: مَن يلتزمُ مذهبَ إِمامِه في أصولِ الفقهِ، والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ. ويدخلُ تحتَ هذا القسم: طبقةُ المجتهدين المنتسبين إِلى المذهب (٢) - وسيأتي التعريفُ بها - ممَّنْ ساروا على قواعدِ إِمامِهم، دونَ التزامِ أقوالِه

стр. 597

في الفروعِ (١). ويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ - على خلافٍ في بعضِهم -: بأبي يوسفَ (٢)، ومحمد بنِ الحسن (٣)، وزُفَرَ (٤)، وأشهبَ (٥)، وابنِ القاسمِ (٦)، والمزني (٧)، وابنِ سريجٍ (٨)، وأبي عليّ بنِ أبي موسى (٩)، والقاضي أبي يعلى (١٠). القسم الثاني: التمذهبُ في الفروعِ. يعدُّ التمذهبُ في الفروعِ قسمًا مِنْ أقسامِ التمذهبِ، فقد يكونُ الشخصُ ملتزمًا مذهبَ إِمامِه في الفروعِ دونَ الأصولِ؛ وذلك إِمَّا لاشتغالِه بعلمِ أصولِ الفقهِ وعدمِ تقيّدِه بمذهبِ أحدٍ فيه، بلْ يحققُ المسائلَ الأصوليةَ في ضوءِ الأدلةِ؛ وإِمَّا لتركِه الاشتغالَ بعلمِ أصولِ الفقهِ بالكليَّةِ، وجهلِه به أصلًا، وعدمِ درايتِه به.

стр. 598

والعجبُ أنْ يحققَ العالمُ درجةَ عالية في الأصول، ويكتفي في الفروعِ بأدنى درجاتِ التمذهبِ. وكما قلتُ في القسم الأولِ: إِنَّ التمذهبَ في الأصولِ لا يعني عدمَ الخروجِ عنْ المذهب مطلقًا، بلْ إِنَّ خروجَ المتمذهب عن مذهبِ إِمامِه في بعضِ المسائلِ لمقتَضى الدليلِ لا ينافي التمذهبَ، فكذا القولُ في شأنِ التمذهبِ في الفروعِ. ويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ بأبي إِسحاقَ الشاطبي؛ فإِنَّ أبا إِسحاقَ على جلالةِ قدرِه في الأصولِ، وسعةِ علمِه فيه، وإبداعِه في عرضِ مسائلِه، إِلَّا أنَّه في الفروعِ لا يُفتي الناسَ إِلَّا بالمشهورِ مِنْ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ (١). القسم الثالث: التمذهب في الأصول والفروع. قد يكونُ التمذهبُ في الأصولِ والفروعِ معًا، وذلك بأنْ يكونَ المتمذهبُ ملتزمًا بمذهبِ إِمامِه في أصولِه وفروعِه. ويمكنُ أنْ يمثلَ لهذا القسمِ بأربابِ التخريجِ الذين يقومون بقياسِ ما لم ينصَّ عليه إِمامُهم بما نصَّ عليه؛ فإِنَّهم في الجملةِ متمذهبون في الأصولِ والفروعِ. ثانيًا: أقسام التمذهب باعتبار درجة الالتزام بالمذهب: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ إِلى قسمين: القسم الأول: التمذهبُ في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها. يرتبطُ التمذهبُ بالالتزامِ بالمذهبِ ارتباطًا وثيقًا؛ إِذْ به تَتَحَقّقُ حقيقةُ التمذهبِ، ولذا فإِنَّ التمذهبَ قد يكونُ بالالتزامِ بالمذهبِ في جميعِ

стр. 599

المسائلِ، أو أغلبِها، فنجدُ المتمذهبَ لا يخرجُ عن مذهبِه متى ما عَرَفَه إِلَّا على سبيلِ القِلّةِ والندرةِ - سواءٌ أكانَ تمذهبُه في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - ويكونُ سبيلُ المتمذهب في هذه الحالةِ هو السعي إِلى معرفةِ مذهبِ إِمامِه والراجحِ فيه، وقد يَتْبَعُ ذلك معرفةُ دليلِه. يقولُ ابنُ القيّمِ: "إِذا وَجَدَ - أي: المجتهد في مذهبِه - نصَّ إِمامِه لم يَعْدِل عنه إِلى غيرِه البتة، وهذا شأنُ أكثرِ المصنفين في مذاهبِ أئمتِهم، وهو حالُ أكثرِ علماءِ الطوائفِ، وكثيرٌ منهم يظنّ أنَّه لا حاجةَ به إِلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ والعربيةِ؛ لكونِه مجتزيًا بنصوصِ إِمامِه، فهي عنده كنصوصِ الشارعِ، قد اكتفى بها مِنْ كُلْفَةِ التعب والمشقةِ، وقد كفاه الإِمامُ استنباطَ الأحكامِ، ومؤنةَ استخراجِها مِن النَصوصِ، وقد يرى إِمامَه ذَكَرَ حُكْمًا بدليلِه، فيكتفي هو بذلك الدليلِ مِنْ غيرِ بحثٍ عن معارضٍ" (١). ويُمْكِنُ أنْ يُمَثلَ لهذا القسمِ بـ: ابنِ عرفةَ والدردير المالكيين، وابنِ عابدين الحنفي، ومنصورٍ البهوتي ومحمدِ الخلوتي (٢) الحنبليين، وغيرهم خلق كثير. القسم الثاني: التمذهب في كثيرٍ مِن المسائلِ، أو بعضِها. قد يكونُ التزامُ المتمذهب بمذهبِه في كثيرٍ مِنْ أقوالِه، أو بعضِها، مع انتساب المتمذهبِ إِليه، ويكونُ السببُ في تركِه مذهبَه أحدَ أمرين:

стр. 600

الأمر الأول: بلوغُه رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ، وتقليدُه لإِمامِه في بعضِ المسائلِ. الأمر الثاني: بلوغُ المتمذهبِ رتبةَ الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ - بناءً على القولِ بتجزؤِ الاجتهادِ - فيخرجُ عن مذهبِه؛ لمَّا تبيّنَ له رجحانُ غيرِه. ثالثًا: أقسام التمذهب باعتبار صفة التمذهب: ينقسمُ التذهبِ باعتبارِ صفةِ التمذهبِ إِلى قسمين: القسم الأول: التمذهبُ الحقيقي. كما تقدم لنا في تعريفِ التمذهبِ أنَّه التزامٌ، فإذا وُجِدَتْ في المنتسبِ إِلى المذهبِ حقيقةُ التمذهبِ، وهي الالتزامُ بالمذهب - سواءٌ أكانت في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - فهو التمذهبُ الحَقيقي حينئذٍ. ويدخلُ تحتَ هذا القسمِ جميعُ المتمذهبين الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ. القسم الثاني: التمذهب الاسمي. المرادُ بالتمذهبِ الاسمي هو: انتسابُ المجتهدِ المطلقِ إِلى مذهب معيّنٍ - دونَ أنْ تُؤَثرَ هذه النسبةُ في آرائِه واختياراتِه - فهو متمذهبٌ بالاسمِ فقط، دون الحقيقة؛ إِذْ حقيقةُ التمذهبِ - وهي الالتزامُ بالمذهبِ - غيرُ موجودةٍ، لكنَّ المجتهدَ يُؤْثِرُ بقاءَ انتسابِه إِلى مذهبِه. يقولُ أبو الفرجِ بنُ الجوزي (١): "فأَمَّا المجتهد مِنْ أصحابِه - أيْ:
следующие страницы →