القسم الأول: التمذهبُ في الأصولِ.
المرادُ بالأصولِ هنا: أصولُ الفقهِ، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ ممَّا يصدقُ عليه أنَّه ظنّي - إِذ ما كان قاطعًا مِنْ أصولِ الفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهية، فليس محلًا للتمذهبِ؛ لأنَّه ليس محلًا للاجتهادِ - وقد تقدّمَ الحديثُ عنْ صحةِ التمذهبِ في أصولِ الفقهِ، وأنَّ التمذهبَ يتبعُ الاجتهادَ، فما كان محلًا له، فهو محلٌّ للتمذهبِ.
ويُعنى بالتمذهبُ في الأصولِ: التزامُ المتمذهبِ مذهبَ إِمامِه في المسائلِ الأصوليةِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ الاجتهاديةِ، دونَ تقيّدٍ بفروعِ المذهبِ (١).
ولا يعني الالتزامُ في الأصولِ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ البتة، فقد يكونُ الالتزامُ التزامًا في الجملةِ.
ويكونُ التمذهبُ في الأصولِ: نظريًا، وتطبيقيًا.
- فالتمذهبُ النظري في الأصولِ يكونُ بالتأليفِ في أصولِ المذهبِ، وقواعدِه وضوابطِه الفقهيةِ، بتقريرِ المذهبِ، والاستدلالِ له، ومناقشةِ المخالفين.
- والتمذهبُ التطبيقي في الأصولِ يكونُ ببيانِ حكمِ النازلةِ وفقَ قواعدِ المذهبِ الأصوليةِ.
والمتمذهبُ في الأصولِ هو: مَن يلتزمُ مذهبَ إِمامِه في أصولِ الفقهِ، والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ.
ويدخلُ تحتَ هذا القسم: طبقةُ المجتهدين المنتسبين إِلى المذهب (٢) - وسيأتي التعريفُ بها - ممَّنْ ساروا على قواعدِ إِمامِهم، دونَ التزامِ أقوالِه
стр. 597
في الفروعِ (١).
ويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ - على خلافٍ في بعضِهم -: بأبي يوسفَ (٢)، ومحمد بنِ الحسن (٣)، وزُفَرَ (٤)، وأشهبَ (٥)، وابنِ القاسمِ (٦)، والمزني (٧)، وابنِ سريجٍ (٨)، وأبي عليّ بنِ أبي موسى (٩)، والقاضي أبي يعلى (١٠).
القسم الثاني: التمذهبُ في الفروعِ.
يعدُّ التمذهبُ في الفروعِ قسمًا مِنْ أقسامِ التمذهبِ، فقد يكونُ الشخصُ ملتزمًا مذهبَ إِمامِه في الفروعِ دونَ الأصولِ؛ وذلك إِمَّا لاشتغالِه بعلمِ أصولِ الفقهِ وعدمِ تقيّدِه بمذهبِ أحدٍ فيه، بلْ يحققُ المسائلَ الأصوليةَ في ضوءِ الأدلةِ؛ وإِمَّا لتركِه الاشتغالَ بعلمِ أصولِ الفقهِ بالكليَّةِ، وجهلِه به أصلًا، وعدمِ درايتِه به.
стр. 598
والعجبُ أنْ يحققَ العالمُ درجةَ عالية في الأصول، ويكتفي في الفروعِ بأدنى درجاتِ التمذهبِ.
وكما قلتُ في القسم الأولِ: إِنَّ التمذهبَ في الأصولِ لا يعني عدمَ الخروجِ عنْ المذهب مطلقًا، بلْ إِنَّ خروجَ المتمذهب عن مذهبِ إِمامِه في بعضِ المسائلِ لمقتَضى الدليلِ لا ينافي التمذهبَ، فكذا القولُ في شأنِ التمذهبِ في الفروعِ.
ويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ بأبي إِسحاقَ الشاطبي؛ فإِنَّ أبا إِسحاقَ على جلالةِ قدرِه في الأصولِ، وسعةِ علمِه فيه، وإبداعِه في عرضِ مسائلِه، إِلَّا أنَّه في الفروعِ لا يُفتي الناسَ إِلَّا بالمشهورِ مِنْ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ (١).
القسم الثالث: التمذهب في الأصول والفروع.
قد يكونُ التمذهبُ في الأصولِ والفروعِ معًا، وذلك بأنْ يكونَ المتمذهبُ ملتزمًا بمذهبِ إِمامِه في أصولِه وفروعِه.
ويمكنُ أنْ يمثلَ لهذا القسمِ بأربابِ التخريجِ الذين يقومون بقياسِ ما لم ينصَّ عليه إِمامُهم بما نصَّ عليه؛ فإِنَّهم في الجملةِ متمذهبون في الأصولِ والفروعِ.
ثانيًا: أقسام التمذهب باعتبار درجة الالتزام بالمذهب:
ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ إِلى قسمين:
القسم الأول: التمذهبُ في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها.
يرتبطُ التمذهبُ بالالتزامِ بالمذهبِ ارتباطًا وثيقًا؛ إِذْ به تَتَحَقّقُ حقيقةُ التمذهبِ، ولذا فإِنَّ التمذهبَ قد يكونُ بالالتزامِ بالمذهبِ في جميعِ
стр. 599
المسائلِ، أو أغلبِها، فنجدُ المتمذهبَ لا يخرجُ عن مذهبِه متى ما عَرَفَه إِلَّا على سبيلِ القِلّةِ والندرةِ - سواءٌ أكانَ تمذهبُه في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - ويكونُ سبيلُ المتمذهب في هذه الحالةِ هو السعي إِلى معرفةِ مذهبِ إِمامِه والراجحِ فيه، وقد يَتْبَعُ ذلك معرفةُ دليلِه.
يقولُ ابنُ القيّمِ: "إِذا وَجَدَ - أي: المجتهد في مذهبِه - نصَّ إِمامِه لم يَعْدِل عنه إِلى غيرِه البتة، وهذا شأنُ أكثرِ المصنفين في مذاهبِ أئمتِهم، وهو حالُ أكثرِ علماءِ الطوائفِ، وكثيرٌ منهم يظنّ أنَّه لا حاجةَ به إِلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ والعربيةِ؛ لكونِه مجتزيًا بنصوصِ إِمامِه، فهي عنده كنصوصِ الشارعِ، قد اكتفى بها مِنْ كُلْفَةِ التعب والمشقةِ، وقد كفاه الإِمامُ استنباطَ الأحكامِ، ومؤنةَ استخراجِها مِن النَصوصِ، وقد يرى إِمامَه ذَكَرَ حُكْمًا بدليلِه، فيكتفي هو بذلك الدليلِ مِنْ غيرِ بحثٍ عن معارضٍ" (١).
ويُمْكِنُ أنْ يُمَثلَ لهذا القسمِ بـ: ابنِ عرفةَ والدردير المالكيين، وابنِ عابدين الحنفي، ومنصورٍ البهوتي ومحمدِ الخلوتي (٢) الحنبليين، وغيرهم خلق كثير.
القسم الثاني: التمذهب في كثيرٍ مِن المسائلِ، أو بعضِها.
قد يكونُ التزامُ المتمذهب بمذهبِه في كثيرٍ مِنْ أقوالِه، أو بعضِها، مع انتساب المتمذهبِ إِليه، ويكونُ السببُ في تركِه مذهبَه أحدَ أمرين:
стр. 600
الأمر الأول: بلوغُه رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ، وتقليدُه لإِمامِه في بعضِ المسائلِ.
الأمر الثاني: بلوغُ المتمذهبِ رتبةَ الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ - بناءً على القولِ بتجزؤِ الاجتهادِ - فيخرجُ عن مذهبِه؛ لمَّا تبيّنَ له رجحانُ غيرِه.
ثالثًا: أقسام التمذهب باعتبار صفة التمذهب:
ينقسمُ التذهبِ باعتبارِ صفةِ التمذهبِ إِلى قسمين:
القسم الأول: التمذهبُ الحقيقي.
كما تقدم لنا في تعريفِ التمذهبِ أنَّه التزامٌ، فإذا وُجِدَتْ في المنتسبِ إِلى المذهبِ حقيقةُ التمذهبِ، وهي الالتزامُ بالمذهب - سواءٌ أكانت في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - فهو التمذهبُ الحَقيقي حينئذٍ.
ويدخلُ تحتَ هذا القسمِ جميعُ المتمذهبين الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ.
القسم الثاني: التمذهب الاسمي.
المرادُ بالتمذهبِ الاسمي هو: انتسابُ المجتهدِ المطلقِ إِلى مذهب معيّنٍ - دونَ أنْ تُؤَثرَ هذه النسبةُ في آرائِه واختياراتِه - فهو متمذهبٌ بالاسمِ فقط، دون الحقيقة؛ إِذْ حقيقةُ التمذهبِ - وهي الالتزامُ بالمذهبِ - غيرُ موجودةٍ، لكنَّ المجتهدَ يُؤْثِرُ بقاءَ انتسابِه إِلى مذهبِه.
يقولُ أبو الفرجِ بنُ الجوزي (١): "فأَمَّا المجتهد مِنْ أصحابِه - أيْ:
стр. 601
أصحاب الإِمام أحمد - فإِنَّه يتَّبعُ دليلَه مِنْ غيرِ تقليدٍ له، ولهذا يميلُ إِلى إِحدى الروايتين عنه دونَ الأخرى، ورُبّما اختارَ ما ليس في المذهب أصلًا؛ لأنَّه تابعٌ للدليلِ، وإِنَّما يُنسبُ هذا إِلى مذهب أحمدَ؛ لميلِه إِلَى عموم أقوالِه" (١).
وقد سبقَ لنا الحديثُ عن مسألةِ: (تمذهب المجتهد) بصورِها المختلفةِ.
ويمكنُ أنْ يمثلَ لهذا القسمِ بـ: تقي الدّينِ بنِ تيمية، وابنِ القيّم، وجلالِ الدّينِ السيوطي (٢).
رابعًا: أقسام التمذهب باعتبار معرفة الدليل:
ينقسمُ التمذهب باعتبارِ معرفةِ الدليلِ إِلى قسمين:
القسم الأول: التمذهبُ مع معرفةِ الدليلِ.
يتحقّقُ التمذهبُ الكاملُ مع معرفةِ دليلِ المذهبِ، فيُوجدُ في المتمذهبين مَنْ له معرفةٌ بمذهبِه - في أصولِه وفروعِه، أو في أحدِهما - ومعرفةٌ بأدلتِه في جميعِ المسائلِ، أو بعضِها (٣)، ولا شكَّ في أنَّ رتبةَ مَنْ عَرَفَ مذهبَه بدليلِه أعلى مِنْ رتبةِ مَنْ عَرَفَ مذهبَه، وجَهَلَ دليلَه.
وقد تؤدي معرفةُ المتمذهبِ بالدليلِ إِلى مزيدِ تمسكِه بمذهبه؛ لقوةِ دليلِه، وقد تؤدي إِلى تركِ المذهبِ ومخالفتِه؛ لضعفِ دليلِه أمامَ أدلةِ مَنْ خالفَه، وقد لا تُؤَثِّرُ المعرفةُ في زحزحةِ المتمذهبِ عنْ قولِ إِمامِه (٤).
стр. 602
ويمكنُ أنْ يُمثلَ لهذا القسمِ بالعلماءِ الذين ألّفوا في فقهِ مذهبِهم وأصولِه، مع استدلالِهم له.
القسم الثاني: التمذهب مع عدم معرفة الدليل.
ليسَ مِن شرطِ تحققِ التمذهبِ أنْ يعرفَ المتمذهبُ دليلَ مذهبِه؛ إِذ التمذهبُ التزامٌ بالمذهبِ، وليستْ معرفةُ دليلِ المذهبِ مِنْ شرطِ الالتزامِ به.
وقد يكونُ مردُّ عدمِ معرفةِ دليلِ المذهبِ إِلى التدرجِ العلمي الَّذي يسيرُ عليه المتمذهبُ، فَيَتَدَرّجُ في العلمِ ويرتقي فيه، وأولُ درجاتِ التعلمِ والتفقهِ معرفةُ المذهبِ مجرّدًا عن دليلِه.
وقد يكونُ مردُّ عدمِ معرفةِ دليلِ المذهبِ إِلى قناعةِ المتمذهبِ بصوابِ رأي إِمامِه، فإِذا كان رأي إِمامِه صوابًا، فما الحاجةُ إِلى معرفةِ دليلِه؟ !
يقولُ ابنُ القيّمِ واصفًا حالَ بعضِ المتفقهةِ: "طائفةٌ تفقهتْ في مذاهب مَن انتسبتْ إِليه، وحَفِظَتْ فتاويه وفروعَه، وأقرَّتْ على أنفسِها بالتقليدِ المحضِ مِنْ جميعِ الوجوهِ، فإِنْ ذكروا الكتابَ والسنةَ يومًا ما في مسألةٍ، فعلى وجهِ التبركِ والفضيلةِ" (١).
* * *
стр. 603
الفصل الثاني: نشأة التمذهب، وتاريخه
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: نشأة التمذهب
المبحث الثاني: تاريخ التمذهب.
стр. 604
المبحث الأول: نشأة التمذهب
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب
المطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية
المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية
المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة
стр. 605
المطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب
لا تخلو حالةُ الناسِ قبلِ نشوءِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ مِنْ أحدِ ثلاثةِ: إِمَّا عالمٌ، وإِمَّا متعلمٌ، وإِمَّا عامي (١).
ولمَنْ أرادَ الحديثَ عنْ حالِ الناسِ قبلَ وجودِ المذاهب المتبوعةِ، ومعرفةَ ذلك أنْ ينظرَ فيهم زمنَ النبيّ ﷺ ، وزمنَ الصحابةِ ﵃، وزمنَ التابعين؛ إِذ إِنَّها الأزمنةُ الرئيسةُ لمَنْ أرادَ أنْ يُلمَّ بأحوالِ الناسِ قبلَ المذاهبِ.
والحديثُ في هذا المطلبِ حديثٌ قابلٌ للبسطِ وللإِيجازِ، وسأحاول أنْ يكونَ حديثي موجزًا، مع وفائه بالمقصدِ والغَرَضِ.
لقد كان النبيُّ ﷺ حالَ حياتِه مرجعَ الناسِ في جميعِ أمورِهم الدينيةِ (٢)، فقد كان ﷺ يجيبُ الناسَ عن أسئلتهم ويفتيهم، ويبيُّن الأحكامَ عن طريقِ الوحي (٣)، وقد تحدّثَ الأصوليون عنْ مسألةٍ متصلةٍ بهذا المقام،
стр. 606
وهي: (هل كان للنبيّ ﷺ أنْ يجتهدَ في الشريعةِ؟ )، وأفاضوا في الحديثِ عنها (١).
وسواءٌ أقلنا: كانَ له ﷺ أنْ يجتهدَ، أم لم نقلْ ذلك، فإِنَّه ﷺ هو المرجعُ للناسِ.
وقد كان بعضُ الصحابةِ ﵃ يُفتي مَنْ سأله مِن الناسِ في حياة النبي ﷺ ، وقد كان ﷺ يُرْسِلُ بعضَ أصحابِه إِلى بعضِ الأقطارِ؛ لتعليمِ الناس وإِرشادِهم (٢).
стр. 607
يقولُ ابنُ القيم: "وقد اجتهدَ الصحابةُ في زمنِ النبي ﷺ في كثيرٍ مِن الأحكامِ، ولم يُعنِّفْهم" (١).
ولما انتقل النبيُّ ﷺ إِلى جوارِ ربِّه، تولّى علماءُ الصحابة ﵃ تعليمَ الناس وإِفتاءَهم في جميعِ شؤونِهم (٢)، وبرزتْ أسماءُ بعضِ الصحابةِ ﵃ في هذا المقامِ (٣).
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ علماءَ الصحابةِ ﵃ سلكوا في أقوالِهم وإِفتائِهم في النوازلِ والحوادثِ طريقَ الاجتهادِ وفقَ أصولٍ مركوزةٍ في نفوسِهم (٤)
стр. 608
- ولم تكن الأصولُ مدونةً آنذاك، كما هو معلوم (١) - وقد كان اجتهادُهم لمعرفةِ أحكامِ النوازلِ هو الطابع العامّ لهم (٢).
وقد تلقّى عامّةُ الناسِ عن الصحابةِ ﵃ ما توصلوا إِليه من اجتهاداتٍ (٣).
يقولُ ابنُ القيّم مُبَيِّنًا طريقةَ الصحابةِ ﵃ في دراسةِ المسائلِ: "فالصحابةُ ﵃ مثَّلوا الوقاع بنظائرِها، وشبّهوها بأمثالِها، وردُّوا بعضَها إِلى بعضٍ في أحكامِها، وفتحوا للعلماءِ بابَ الاجتهادِ، ونهجوا طريقَه، وبيَّنوا لهم سبيلَه" (٤).
وكان مِن اجتهادِهم ما يصحُّ جعله النواةَ الأُولى للاجتهادِ الجماعي الَّذي وُجِد في عصرنا الحاضر (٥).
يقولُ ابنُ حزمٍ: "لمَّا ماتَ النبيُّ ﷺ ، ووَليَ أبو بكرِ ﵁، فمِنْ حينئذٍ تفرَّق الصحابةُ للجهادِ ... وإِلى الشامِ والعراق، وبقي بعضُهم بالمدينةِ مع
стр. 609
أبي بكرٍ ﵁، فكان إِذا جَاءَت القضيةُ ليس عنده فيها عن النبي ﷺ أمرٌ، سأل مَنْ بحضرتِه مِن الصحابةِ عن ذلك؟ فإِنْ وَجَدَ عندهم رَجَعَ إِليه، وإِلَّا اجتهدَ في الحُكمِ، ليس عليه غيرُ ذلك.
فلمَّا ولي عمرُ ﵁، فُتِحَت الأمصارُ، وزاد تَفَرُّقُ الصحابةِ في الأقطارِ، فكانت الحكومةُ تَنْزِلُ في المدينةِ أو في غيرِها مِن البلادِ، فإِنْ كان عندَ الصحابةٍ الحاضرين لها في ذلك عن النبي ﷺ أثرٌ، حَكَمَ به، وإِلَّا اجتهدَ أميرُ تلك المدينةِ في ذلك، وقد يكونُ في تلك القضيةِ حُكمٌ عن النبي ﷺ موجودٌ عند صاحب آخر، في بلدٍ آخر، وقد حَضَرَ المدينيُّ ما لم يحْضُر المصريُّ، وحَضَرَ المصريُّ ما لم يحضُر الشاميُّ، وحَضَرَ الشاميُّ ما لم يحضر البصريُّ ... " (١).
واستمرَّ الأمرُ على حالٍ قريبةٍ مِنْ هذه زَمَنَ التابعين، فقدْ تفقّه التابعون على الصحابةِ ﵃ (٢)، كلٌّ في قُطْرِه وبلدِه، وكان التابعون لا يتعدّون في كثيرٍ مِنْ أحوالِهم فتاوى الصحابةِ ﵃ (٣)، فأَخَذَ أتباعُ المدينةِ كثيرًا مَنْ
стр. 610
فتاوى عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄ وأَخَذَ أتباعُ أهلِ الكوفة كثيرًا مِنْ فتاوى عبدِ الله بنِ مسعود ﵁، وأَخَذَ أتباعُ أهل مكةَ كثيرًا مِنْ فتاوى عبدِ الله بن عبَّاس ﵄ (١).
وحكى ابنُ حزمٍ حالَ السلفِ في هذه العصورِ، فقالَ: "كانَ أهلُ هذه القرونِ الفاضلةِ المحمودةِ يطلبون حديثَ النبيّ ﷺ ، والفقهَ في القرآنِ، وَيَرْحَلُونَ في ذلك إِلى البلادِ، فإِنْ وجدوا حديثًا عنه ﷺ ، عَمِلُوا به واعتقدوه، ولا يقلّدُ أحدٌ منهم أحدًا البتة" (٢).
وإنْ كان ابنُ حزمٍ يقصدُ بكلامِه علماءَ السلف ومجتهديهم، فمسلّمٌ، وإلَّا فقد وُجِدَ التقليدُ مِن العامةِ لعلماءِ الصحابةِ ﵃.
وقد نفى ابنُ حزم عن التابعين أنَّهم أخذوا فتاوى الصحابةِ ﵃ على سبيلِ التقليدِ (٣).
وتبع ابنَ حزم ابنُ القيّمِ؛ إِذ نَقَلَ كلامَه بحذافيره في كتابه: (الصواعق المرسلة) (٤) مَعْزُوًّا إِليه.
وما ذكره ابنُ حزم يحتاجُ إِلى ما يعضده، بلْ يمكنُ القولُ: إِنَّ أَخْذَ التابعين عن الصحابةِ ﵃ يُعدُّ اللبنةَ الأُولى في طريقِ بناءِ المدارسِ الفقهيةِ - الَّتي استقرتْ إِلى المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ - واللبنةَ الأولى أيضًا في وجودِ شيءٍ مِن التمذهبِ لبعضَ أعيانِ الصحابةِ ﵃.
ويشهد لما قلتُه آنفًا: ما قاله أبو الحسن عليّ بنُ المديني (٥): "لم يكنْ
стр. 611
في أصحابِ رسولِ الله ﷺ منْ له صُحَيبَةٌ، يذهبون مذهبَه، ويُفْتُون بفتواه، ويسلكون طَريقتَه إِلَّا ثلاثةٌ: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت (١)، وعبد الله بن عبَّاس.
فأصحابُ عبدِ الله بنِ مسعود الذين يُفْتُون بفتواه، ويقرأون بقراءتِه: علقمةُ بنُ قيسٍ (٢)، والأسودُ بنُ يزيدَ (٣) " (٤). إِلى أنْ قالَ: "وأصحابُ ابنِ
стр. 612
عبَّاس الذين يذهبون مذهبَه، ويسلكون طريقَه: عطاءُ (١)، وطاووسٌ (٢)، ومجاهدٌ (٣) ... وأصحابُ زيدِ بنِ ثابتٍ الذين كانوا يأخذون عنه، ويُفْتُون بفتواه ... : سعيد بن المسيب (٤)،
стр. 613
وعروةُ بن الزُّبَيْر (١) " (٢).
وكلامُ عليِّ بنِ المديني محمولٌ فيما ظَهَرَ لي على أولِ أحوالِ هؤلاءِ التابعين في العِلمِ، وعلى معرفتِهم الدقيقةِ بأقوالِ الصحابي، ثمَّ بعدَ أنْ حصّلوا درجةَ الاجتهادِ، اجتهدوا في المسائلِ (٣)، فما أفتوا فيه بقولِ الصحابي فمِنْ بابِ: موافقةِ العالمِ للعالمِ، لا مِنْ بابِ: التقليدِ.
يقولُ شاه وليُّ الله الدهلوي عن التابعين: "صارَ لكلِّ عالمٍ مِنْ علماءِ التابعينَ مذهبٌ على حيالِه، فانتصبَ في كلِّ بلدٍ إِمامٌ ... " (٤).
ويقولُ الإِمامُ ابنُ جريرٍ الطبري: "وقد قِيلَ: إِنَّ ابنَ عمر وجماعةً ممَّنْ
стр. 614
عاشَ بعده بالمدينةِ مِنْ أصحاب رسولِ الله ﷺ إِنَّما كانوا يُفْتُون بمذاهبِ زيدِ بن ثابت، وما كانوا أخذَوا عنه ممَّا لم يكونوا حفظوا فيه عن رسولِ الله ﷺ قولًا" (١).
وما قاله ابنُ جريرٍ محمولٌ مِنْ وجهةِ نظري على ما ظَهَرَ لي مِنْ كلامِ عليّ بنِ المديني.
ثمَّ جاءَ بعدَ التابعين أتباعُهم، وجَرَوْا على الطريقِ الَّتي سار عليها التابعون، فأَخَذَ كلُّ واحدٍ منهم ما عندَ التابعينَ الذين في بلدِه مِنْ علمٍ (٢)، وقد وُجِدَ في أتباعِ التابعين عددٌ مِن المجتهدين الذين تكوّنتْ لهم فيما بعدُ مذاهب فقهيةٌ قائمةً (٣).
يقولُ أبو شامةَ المقدسيُّ: "ثمَّ كَثُرَت الوقائعُ والنوازلُ، وأفتى فيها مجتهدو الصحابةِ والتابعين وأتباعِهم، وحُفِظَتْ فتاويهم، وسُطِّرَتْ ودُوِّنتْ، ووصلتْ إِلى مَنْ بعدهم مِن الفقهاءِ الأئمةِ" (٤).
ولم تكنْ أصولُ الفقه في هذه الحقبةِ مدوّنةً تدوينًا كاملًا، وإنْ كان العلماءُ يسيرون على أصولٍ مركوزةٍ في طرائقِهم الاجتهاديةِ.
ويحكي شاه وليُّ الله الدهلوي حالَ أتباعِ التابعين مع التابعين، فيقول: "فأظمأَ اللهُ أكبادًا إِلى علومِهم - أي: علوم التابعين - فَرَغِبُوا فيها،
стр. 615
وأَخَذُوا عنهم الحديثَ وفتاوى الصحابةِ وأقاويلهم، ومذاهب هؤلاءِ العلماءِ وتحقيقاتهم مِنْ عندِ أنفسِهم ... ودارتْ بينهم المسائلُ، ورُفِعتْ إِليهم الأقضيةُ ... " (١).
وقد بيّنَ الدهلويُّ صنيعَ أتباعِ التابعين إِذا اختلفتْ عليهم مذاهبُ الصحابةِ والتابعين في مسألةٍ ما، فالمختارُ عند كلِّ عالمٍ منهم مذهبَ أهلِ بلدِه وشيوخِه؛ لأنَّه أعرفُ بصحيحِ أقوالِهم مِنْ سقيمِها، وأدرى بأصولِها، ثم إِنَّ قلبَه أميلُ إِلى أقوالِهم؛ لفضلِهم وتبحرِهم (٢).
ولقد كان مِنْ أهمِّ أحوالِ السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - أنَّهم كانوا "متفقينَ على الأخذِ بحديثِ النبيّ ﷺ إِذا بَلَغَهم، وصحَّ طريقُه" (٣)، ويفتي الواحدُ منهم بما ظَهَرَ له أنَّه الصوابُ في مسائلِ الأحكامِ والفروعِ (٤).
وجُملةُ القولِ: إِنَّه لم يُوْجَد قبلَ نشأةِ المذاهب الفقهيةِ تمذهبٌ بمعناه المعهود (٥)، ولا نسبةٌ مذهبيةٌ إِلى أحدٍ مِن المجتهدَين بعينِه، وقُصَارى ما وقفتُ عليه أمورٌ يصحُّ وصفُها بأنَّها مِن اللبناتِ الأُوْلى في طريقِ قسمٍ مِنْ أقسامِ التمذهبِ، وهو التمذهبُ مَعَ معرفةِ الدليلِ.
وقد وُجِدَتْ بداياتُ المدارسِ الفقهيةِ في هذه الأزمنةِ، وكان منبعُها أقوالَ الصحابة ﵃، وأقوالَ التابعين (٦)،
стр. 616
فَظَهَرَتْ مدرستانِ مشهورتانِ (١):
المدرسة الأُوْلى: تُعنى بالأثر.
المدرسة الثانية: تُعنى بالرأي.
وكان هناك مدارسُ أُخر، جمعتْ بين الأثرِ، والرأي (٢).
стр. 617
وسيأتي حديثٌ موجزٌ في المطلبِ القادمِ عن المدرستين الأُوْليين، وإشارةٌ إلى أن الأئمةَ المجتهدين قد تخرجوا فيها.
يقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "وبعد المائتينِ ظَهَرَ فيهم - أي: في العلماء - التمذهبُ للمجتهدينَ بأعيانِهم، وقلَّ مَنْ كان لا يَعْتَمِدُ على مذهبِ مجتهدٍ بعينِه، وكانَ هذا هو الواجب في ذلك الزمانِ" (١).
هذه لمحةٌ موجزةٌ لما كان عليه الناسُ قبلَ نشأةِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ.
* * *
стр. 618
المطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية
لم تكنْ نشأة المذاهبِ الفقهيةِ - سواءٌ ما بقي منها، أو ما فَنِيَ - في وقتٍ واحدٍ، وإنَّما نشأَ أكثرُها في وقتٍ متقارب (١)، وقبلَ الحديثِ في هذا المطلب، أشيرُ إلى أنَّني لا أتحدثُ عن نشأةِ مذهبٍ بعينِه، ولا أكتبُ تاريخًا لَه، وإنَّما الحديثُ عن نشأةِ المذاهبِ الفقهيةِ على جهةِ العمومِ.
يصحُّ لي في البدءِ أنْ أقولَ: إنَّ نشأةَ المذاهب الفقهيةِ كانت نابعةً مِن المدارسِ الموجودةِ في تلك العصور (٢)، فأعلامُ المَذاهب وأئمتها تخرجوا فيها (٣)، ورأسُ المدارسِ الفقهيةِ آنذاك مدرستانِ:
المدرسة الأولى: مدرسةُ الأثرِ.
المدرسة الثانية: مدرسةُ الرأي (٤).
يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: "اقتضتْ حِكْمَةُ الله سبحانه أنْ ضَبَطَ الدِّينَ وحفظَه، بأنْ نَصَبَ للناس أئمةً - مجتمعًا على علمِهم ودرايتِهم وبلوغِهم الغايةَ المقصودةَ في مرتبةِ العلمِ بالأحكامِ والفتوى - مِنْ أهلِ الرأي
стр. 619
والحديثِ" (١).
ويقول الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "اختلفت الآراءُ الفقهيةُ، وتكوَّنتْ مِنْ هذا الاختلافِ مدارس فقهيةٌ، ثم تَبَلْوَرَت المدارسُ، فصارتْ مذاهبَ فقهية" (٢).
وسأتحدثُ في هذا المطلب عن هاتينِ المدرستينِ بحديثٍ موجزٍ - تاركًا بعضَ الأمورِ المتعلقةِ بهما، وعلى وجهِ الخصوصِ النقد الموجّه إلى مدرسةِ الرأي (٣) - لأنَّ المذاهبَ الفقهيةَ - والمتبوعةَ منها على وجهِ الخصوصِ - قد نَشَأَتْ عن هاتينِ المدرستينِ.
وكما أسلفتُ في المطلبِ السابقِ، فإنَّ منبعَ المدرستينِ الفقهيتينِ ونواتَهما كانتْ مِنْ أقوالِ الصحابةِ ﵃، ومِنْ منهجِهم في معالجةِ النوازلِ، ومِنْ أقوالِ تلامذتِهم ومنهجِهم في دراسةِ النوازلِ (٤)؛ إذ الصحابةُ ﵃ تفرقوا في الأمصارِ، فاشتغلتْ طائفةٌ منهم بالعِلم ونَشرِه، فكان لها طلاب عُنوا بأقوالِهم (٥) - كما سبقت الإشارةُ إليه في كلامِ علي بنِ المديني في المطلب السابقِ - وتولّوا الإفتاءَ بعدهم (٦)، ونتَجَ عن هذا تعددُ اتجاهاتِ العلماءِ (٧)، فَظَهَرَتْ بوادرُ اتجاهين:
الاتجاه الأول: الوقوفُ مع النصّ الشرعي في حدودِه المبينة، دونَ التوغّلِ في علتِه وبواعثِه.
стр. 620
الاتجاه الثاني: الوقوفُ مع النصِّ الشرعي، مع البحثِ والنظرِ في علتِه وغرضِ الشارعِ منه (١).
ومَعَ استمرارِ الزمنِ، أَخَذَ الخلافُ يتعمّقُ بين الاتجاهينِ، واتّسعتْ شُقَّةُ الخلافِ المنهجي بين الفريقينِ، حتى ظَهَرَتْ إثرَ ذلك: مدرسةُ الأثرِ، ومدرسةُ الرأي، فكان لكلِّ واحدةٍ منهما مميزات وخصائص، وطريقةٌ في النظرِ في الأدلةِ والاستدلالِ منها، ظَهَرَ أَثَرُها في أصولِ المذاهب الفقهيةِ التي نشأتْ عنهما (٢).
يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرةَ: "كلمَّا اخْتَلَفَت المدارسُ الفقهيةُ كان الاختلاف سببًا في أنْ تتميّزَ مناهجُ الاستنباطِ في كلِّ مدرسةٍ" (٣).
أولا: مدرسة الأثر:
كان مقرُّ مدرسةِ الأثرِ في الحجازِ، وفي مدينةِ النبي ﷺ على وجهِ الخصوصِ (٤)، ويرجعُ فقهُ هذه المدرسةِ إلى عددِ مِن الصحابةِ ﵃، ومِنْ
стр. 621
أشهرِهم: عبدُ الله بنُ عمر، وعبدُ الله بنُ عباسٍ، وعائشةُ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ﵃ (١).
وقد اشتهرَ في هذه المدرسةِ عددٌ مِنْ فقهاءِ التابعين وأتباعِهم: كسعيدِ بنِ المسيبِ، وعروةَ بنِ الزبير، ومحمدِ بنِ شهابٍ الزهري (٢)،
стр. 622
وغيرِهم (١).
وكان أشهرُ أربابِ هذه المدرسةِ، ولسانُ فقهائِها سعيدَ بنَ المسيب (٢).
ويتحدثُ الشيخ محمدٌ شلبي عن علماءِ مدرسةِ الأثرِ ومنهجِهم،
стр. 623
فيقول: "رَأَى هؤلاءِ مدينتَهم أغنى البلدانِ بالحديثِ، مهبط الوحي، ومجمع الصحابةِ ... وفيها أقامَ الخلفاءُ وجمهرة الصحابةِ، فافتوا وقضوا، وحَفِظَ الناسُ قضاياهم وفتياهم، فإذا ضممنا إلى ذلك ... بُعْدَ البلادِ عن الحضارةِ وحوادِثِها المتجددة: حَكَمْنَا بكفايةِ هذه الأحكامِ لتلك البلادِ، إلا إذا جدَّ جديدٌ - وهو قليلٌ - فيمكنُ أَخذُ حكمِه بقياسٍ أو بغيرِه" (١).
ويتجلى الطابعُ العامُّ لهذه المدرسةِ في أمرينِ:
الأمر الأول: الوقوفُ مع نصوصِ السنةِ النبويةِ على وجهِ الخصوصِ؛ لوفرةِ الأحاديثِ التي وقفوا عليها، مع عنايتِهم بتحصيلِها، ولقلّةِ النوازلِ التي تحتاجُ إلى أحكامٍ غيرِ منصوصٍ عليها (٢).
الأمر الثاني: قلةُ استعمالِ علماءِ مدرسةِ الأثرِ للرأي (٣).
стр. 624
ولا يعني هذا أنَّهم لا يعتمدونَ على الرأي ولا يستعملونه، وإنَّما يستعملونه في المسائلِ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقليٌّ (١).
ومِنْ أشهرِ أئمةِ المذاهبِ الفقهيةِ الذين تخزجوا في مدرسةِ الأثرِ: الإمامُ مالك بن أنس (٢)، والإمامُ الشافعي - مع درايته وتأثره بمدرسة أهل الرأي - والإمامُ أحمدُ بن حنبل (٣)، وأئمةُ أهلِ الظاهرِ (٤).
تانيًا: مدرسة الرأي:
كان مقرُّ مدرسةِ الرأي في العراقِ، وفي الكوفة على وجهِ
стр. 625
الخصوصِ (١)، ووَرِثَتْ هذه المدرسةُ عِلْمَ عددٍ من الصحابة ﵃، وعلى رأسِهم: عمرُ بنُ الخطاب، وعبدُ الله بن مسعود، وعليّ بن أبي طالبٍ ﵃ في فتاويهم وأقضيتِهم (٢).
стр. 626
وقد اشتهرَ في هذه المدرسة عددٌ مِنْ فقهاءِ التابعين وأتباعِهم، منهم: علقمةُ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ يزيدَ، وإبراهيمُ النخعي (١)، وغيرُهم (٢).
وكما كان سعيدُ بنُ المسيب أشهرَ رجالاتِ مدرسةِ الأثرِ، فإنَّ إبراهيمَ النخعي كان حاملَ لواءِ مدرسةِ الرَأي (٣).
стр. 627
ويتحدثُ الشيخُ محمدٌ شلبي عن مدرسةِ الرأي وشيوخِها، فيقول: "ذهبوا إلى أن الشريعةَ جاءتْ لحِكَمٍ ومَقَاصِد، وبُنِيتْ على أسبابٍ وعللٍ، وأنَّها معقولةُ المعنى، وليس شيءٌ منها قُصِدَ به التَّعَبّدُ إلا اليسير - وهو بابُ العباداتِ - فقعَّدوا القواعدَ العامةَ، وضبطوا عللَها، ثُمَّ وضعوها في الموضعِ اللائقِ بها في نظرِهم، حكّموها في بعضِ النصوصِ، فردّوها؛ لمخالفتِها أو مجيئِها على غيرِ مَهْيَعها (١)، ظَهَرَ ذلك جليًّا في بعضِ أخبارِ الآحادِ ... " (٢).
وتظهر السمةُ البارزةُ لمدرسةِ الرأي في أمرين:
الأمر الأول: كثرةُ استعمالِ علماءِ المدرسةِ للرأي (٣).
يقولُ أبو الفتحِ الشهرستاني: "وإنَّما سُمّوا أصحاب الرأي؛ لأنَّ أكثرَ
стр. 628
عنايتِهم بتحصيل وجهِ القياسِ، والمعنى المستنبطِ مِن الأحكام، وبناءِ الحوادثِ عليها" (١).
الأمر الثاني: قلّةُ استدلالِ علماءِ المدرسةِ بالأحاديثِ النبويةِ، فقد تشدّدوا في قبولِها؛ لكثرةِ الوضاعين في وقتِهم، وبُعْدِهم عن المصدرِ المكاني للسُنَّةِ النبويةِ، إضافةً إلى كثرةِ النوازلِ التي لم يُنَصَّ على حكمِها (٢).
ومِنْ أشهرِ أئمةِ المذاهبِ الفقهيةِ الذين تخرّجوا في مدرسةِ الرأي: الإمامُ أبو حنيفة النعمان (٣).
يقولُ ابنُ خَلدون متحدثًا عن مدرستي: الحديث، والرأي: "انقسم الفقهُ إلى طريقتين:
стр. 629
طريقةِ أهلِ الرأي والقياسِ، وهم أهل العراقِ؛ وطريقة أهلِ الحديثِ، وهم أهلُ الحجازِ.
وكان الحديثُ قليلًا في أهلِ العراقِ ... فاستكثرَ الناسُ مِن القياسِ ومَهَرُوا فيه، فلذلك قيل: أهل الرأي، ومقدَّم جماعتِهم الذي استقرَ المذهبُ فيه وفي أصحابِه: أبو حنيفة.
وإمامُ أهلِ الحجازِ: مالك بن أنس، والشافعي مِنْ بعدِه" (١).
ولقد ظَهَرَت المناهجُ الأصوليةُ بصورةٍ أوضح في عصورِ الأئمةِ المجتهدين (٢)، يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "إذا تجاوزنا عَصْرَ التابعين ووَصَلنا إلى عَصْرِ الأئمةِ المجتهدين، نَجِد المناهجَ تتميّزُ بشكلٍ أوضحَ، ومَعَ تمييز المناهج تتبيّنُ قوانينُ الاستنباطِ، وتَظْهَرُ معالمُها، وتظهرُ على ألسنةِ الأئمةِ في عباراتٍ صريحةٍ واضحةٍ دقيقةٍ" (٣).
ويقولُ الدكتورُ محمد مدكور: "كان هناك موازينُ للاجتهادِ في أذهانِ الصحابةِ والتابعين، أَخَذَتْ تَتَّضِحُ شيئًا فشيئًا، حتى وضحتْ ناصعةً في عَصْرِ الأئمةِ، وبَدَأَ الشافعيُّ في إبرازِها، وتدوينِها" (٤).
لقد انتشر في الأمصارِ الإسلاميةِ في القرنين: الأول والثاني الهجريين فقهاءُ مجتهدون، كانت لهم آراء وأقوال، ومنهم مَنْ بقي مذهبُه إلى وقتنا، ومنهم مَن اندثرَ مذهبُه (٥).
وممَّا تحسنُ الإشارةُ إليه: أنَّ المجتهدين الذين صارت لهم مذاهب مستقلةٌ - سواء أبقيت إلى الآن، أم فنيت - لم يجعلوا مِنْ آرائِهم وأقوالِهم
стр. 630
مذاهبَ؛ ليعتنقَها تلامذتُهم، أو لتَرْسِمَ لهم طريقَ سلوكِهم، فضلًا عن دعوةِ الناسِ إليها، أو إلزامِهم بها، وإنَّما كانتْ أقوالُهم عبارةً عن آراء لهم فيما عُرِضَ عليهم، أو عَرَضُوا له مِن المسائلِ في مؤلفاتِهم (١)، ثمَّ تكوَّن مِن اجتهاداتِهم فِقْهٌ، ومِنْهَاجٌ سار عليه مَنْ تلاهم مِنْ تلامذتهم (٢)، فرسموا مذهبًا قائمًا لأئمتِهم ولم يُلْزَم الناسُ في هذه العصورِ بمذهب مجتهدٍ واحدٍ، بحيثُ لا يأخذون بأقوالِ غيرِه من المجتهدين، بلْ كانَ للناسِ - العامي منهم، والمتعلم الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ - أنْ يستفتوا مَنْ شاءوا مِن المجتهدين (٣).
وقد وفّق الله تعالى الأئمةَ الأربعةَ بوجودِ طلابٍ قاموا بالبذلِ لقيامِ مذهبِ إمامِهم، وألَّفوا في مذاهبِهم أصولًا وفروعًا، وخرّجوا أحكامَ النوازلِ في ضوءِ مذاهب أئمتِهم، فنَهَجُوا نَهْجَهم في الاستنباطِ، واستشهدوا بأقوالِهم وآرائِهم، وتحمّسَ آخرون منهم، فقاموا بنشرِ مذهب إمامِهم والذبِّ عنه (٤)، إلى أنْ تتابعتْ هذه الجهودُ وأنجبتْ عبرَ السنينَ مذاهبَ قائمةً بأصولِها وفروعِها.
وكان هؤلاءِ المتمذهبون على قَدْرٍ كبيرٍ مِن العلمِ، أمَّا ما قاله الإمام محمدٌ الشوكاني عن المذاهب الأربعة: إنَّه أحدثها عوامُّ المقلِّدة لأنفسِهم، مِنْ دون أنْ يأذنَ بها إمامٌ مِن الأئمةِ المجتهدين (٥).
стр. 631
فلا يُسلَّم له أنَّهم مِنْ عوائم المقلّدة، لأنَّ عوامَّ المقلدةَ ليس عندهم قدرةٌ على إنشاءِ مذهبٍ، فضلًا عن السيرِ عليه.
أمَّا أنَّ الأئمةَ لم يأذنوا، فمُسَلّمٌ على أساسِ أنَّهم لم يدعوا أحدًا إلى قولِهم، ولم يلزموا الناسَ به.
* * *
стр. 632
المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية
لقد تهيأتْ بعضُ الظروفِ التي أسهمتْ وساعدتْ في نشأةِ المذاهب الفقهيةِ، وبالنظرِ والتأمّلِ في المذاهب، فقد ظَهَرَ لي عددٌ مِن الأسباب التيَ يمكنُ القولُ إنَّها أسبابٌ لنشوئها.
السبب الأول: اختلافُ الأصولِ والمناهج التي سار عليها المجتهدون.
فالأدلةُ المستَدَّلُ بها، وطُرُقُ الاستنباطِ منها، والمنهجُ المتبعُ عند تعارضِها، أمورٌ تختلفُ مِنْ مجتهدٍ إلى آخر، ومِنْ مدرسةٍ فقهيةٍ إلى أخرى (١) - وإنْ كان هناك نوعُ تقاربٍ بين بعض المجتهدين - الأمر الذي يدعو إلى تمايزِ مناهجِ المجتهدين، ولَفْتِ نَظَرِ تلامذتِهم إليه، وهو داع إلى استقلالِ المجتهدِ بمذهبٍ، له أصولُه وفروعُه المستقلةُ.
فمثلًا: إذا كان المجتهدُ يحتجُّ بالحديثِ المرسلِ (٢) وفقَ شروطٍ معينةٍ
стр. 633
- ومجتهدٌ آخر لا يرى الاحتجاجَ به، فإنَّ مِنْ شأنِ هذا الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه مذاهبُ عدّةٌ؛ نظرًا لاختلافِ أصولِ الاستنباطِ، وطرائقِ الاجتهادِ.
فإذا كانتْ مناهجُ الاستنباطِ متمايزة، فَأمْرٌ طَبَعي أنْ تتكونَ مذاهبُ متعددةٌ؛ لاختلافِ أنظارِ المجتهدين (١).
السبب الثاني: اختلافُ المجتهدين في الفروعِ، وتشعّبُ آرائِهم، وكثرةُ أقوالِهم في كثيرٍ مِن المسائلِ الفرعيةِ (٢)، ومِنْ أهمّ أسبابِه، ولا سيما في عصورِ نشأةِ المذاهبِ:
- اختلافُ المجتهدين في الأصولِ والمناهج المعتمدةِ في الاستنباطِ.
فلا يخفى على أحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ مِنْ أهمِّ أسباب الاختلافِ بين المجتهدين هو اختلافهم في أصولِ الفقهِ، كطُرُقِ الاستدلَالِ، والاستنباطِ مِن النصوصِ.
- اختلافُ المجتهدين في حظوظِهم مِن العلمِ والفهمِ وسعةِ الإدراكِ (٣).
- اختلافُ الأمصارِ التي يعيشُ فيها المسلمون، مِنْ حيثُ أنماطُ حياةِ الناسِ، وتباينُ أحوالِهم.
وهذا مِنْ شَأْنِه أنْ يجعلَ حالةَ الفقهِ في قُطرٍ تختلفُ عن حالتِه في بقيةِ الأقطارِ (٤).
- عدمُ الاطلاعِ على الحديثِ.
فتدوينُ السنةِ لم يكتملْ، فقد يُفتي المجتهدُ بخلافِ ما جاءتْ به
стр. 634
السُنّةُ؛ لعدمِ معرفتِه بها، أو لعدمِ ثبوتِها عنده (١).
ومِنْ شأنِ الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه اختلافاتٌ علميةٌ، وثروةٌ فقهيةٌ مؤدّيةٌ إلى تعددِ أقوالِ المجتهدين، وتدعو إلى جمع ما تناثرَ عن الواحدِ منهم في مذهبٍ مستقلٍّ.
السبب الثالث: اتِّباعُ التلاميذِ لشيوخِهم، وجمعُهم ما تناثرَ عمَّن بَرَزَ مِنْ مجتهدي عصرِهم، وتدوينُه، والعنايةُ به؛ بحيثُ يتكوّنُ مِنْ صنيعِهم مذهبٌ مستقلٌّ (٢).
وممَّا دَفَعَ بالتلاميذِ إلى العنايةِ بعلومِ الأئمةِ، واكتفائِهم بها، وعدمِ الرغبةِ في تجاوزها: إعجابُ التلاميذِ بشيوخِهم.
السبب الرابع: ضعفُ الهمَّةِ عندَ بعضِ تلاميذِ الأئمةِ، فإذا ضَعفتْ الهمّةُ، قَعَدَتْ بصاحبِها عن تَطلّب درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، وأورثته البقاءَ على ما عَرَفَه وعَلِمَه مِنْ علومِ شيوخِه، دونَ رغبةِ في الوصولِ إلى رتبةٍ أعلى ممَّا هو عليها.
* * *
стр. 635
المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة
لم تخلُ الأمصارُ الإسلاميةُ في القرونِ الأُولى مِنْ وجودِ العلماءِ المجتهدين، فقد كان هناك مذاهبُ قائمةٌ لبعضِ المجتهدين، في حينِ أنَّ عددًا ليس بالقليلِ مِنْ هذه المذاهبِ لم يكتبْ لها البقاءُ، وبات الأمرُ على وجودِ المذاهب الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذَهب الشافعي، والمذهب الحنبلي (١).
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن المذاهبِ الأربعةِ: "وهذه كما يعبِّرُ الفقهاءُ: (مذاهب الأمصار)، أي: أنَّها التي انتشرتْ في الأمصارِ الإسلاميةِ، ولا يخلو مِصْرٌ منها، فلا يمكنُ أنْ يوجد مِصْرٌ إسلاميٌّ خالٍ منها، وقد يخلو مِنْ بعضِها، ولا يخلو مِنْ كلِّها" (٢).
وسوف أعرضُ في هذا المطلبِ عددًا مِن الأسباب التي توافرتْ لهذه المذاهبِ، فأسهمتْ في بقائِها عقودًا، بلْ قرونًا متطاولةً إلى وقتنِا الحاضرِ.
وليس بخافٍ أنَّ الأسبابَ التي سأذكرُها قد تتوافرُ جميعُها لمذهبٍ واحدٍ، وقد يتوافرُ بعضُها لمذهبٍ آخر.