فلا يُسلَّم له أنَّهم مِنْ عوائم المقلّدة، لأنَّ عوامَّ المقلدةَ ليس عندهم قدرةٌ على إنشاءِ مذهبٍ، فضلًا عن السيرِ عليه.
أمَّا أنَّ الأئمةَ لم يأذنوا، فمُسَلّمٌ على أساسِ أنَّهم لم يدعوا أحدًا إلى قولِهم، ولم يلزموا الناسَ به.
* * *
стр. 632
المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية
لقد تهيأتْ بعضُ الظروفِ التي أسهمتْ وساعدتْ في نشأةِ المذاهب الفقهيةِ، وبالنظرِ والتأمّلِ في المذاهب، فقد ظَهَرَ لي عددٌ مِن الأسباب التيَ يمكنُ القولُ إنَّها أسبابٌ لنشوئها.
السبب الأول: اختلافُ الأصولِ والمناهج التي سار عليها المجتهدون.
فالأدلةُ المستَدَّلُ بها، وطُرُقُ الاستنباطِ منها، والمنهجُ المتبعُ عند تعارضِها، أمورٌ تختلفُ مِنْ مجتهدٍ إلى آخر، ومِنْ مدرسةٍ فقهيةٍ إلى أخرى (١) - وإنْ كان هناك نوعُ تقاربٍ بين بعض المجتهدين - الأمر الذي يدعو إلى تمايزِ مناهجِ المجتهدين، ولَفْتِ نَظَرِ تلامذتِهم إليه، وهو داع إلى استقلالِ المجتهدِ بمذهبٍ، له أصولُه وفروعُه المستقلةُ.
فمثلًا: إذا كان المجتهدُ يحتجُّ بالحديثِ المرسلِ (٢) وفقَ شروطٍ معينةٍ
стр. 633
- ومجتهدٌ آخر لا يرى الاحتجاجَ به، فإنَّ مِنْ شأنِ هذا الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه مذاهبُ عدّةٌ؛ نظرًا لاختلافِ أصولِ الاستنباطِ، وطرائقِ الاجتهادِ.
فإذا كانتْ مناهجُ الاستنباطِ متمايزة، فَأمْرٌ طَبَعي أنْ تتكونَ مذاهبُ متعددةٌ؛ لاختلافِ أنظارِ المجتهدين (١).
السبب الثاني: اختلافُ المجتهدين في الفروعِ، وتشعّبُ آرائِهم، وكثرةُ أقوالِهم في كثيرٍ مِن المسائلِ الفرعيةِ (٢)، ومِنْ أهمّ أسبابِه، ولا سيما في عصورِ نشأةِ المذاهبِ:
- اختلافُ المجتهدين في الأصولِ والمناهج المعتمدةِ في الاستنباطِ.
فلا يخفى على أحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ مِنْ أهمِّ أسباب الاختلافِ بين المجتهدين هو اختلافهم في أصولِ الفقهِ، كطُرُقِ الاستدلَالِ، والاستنباطِ مِن النصوصِ.
- اختلافُ المجتهدين في حظوظِهم مِن العلمِ والفهمِ وسعةِ الإدراكِ (٣).
- اختلافُ الأمصارِ التي يعيشُ فيها المسلمون، مِنْ حيثُ أنماطُ حياةِ الناسِ، وتباينُ أحوالِهم.
وهذا مِنْ شَأْنِه أنْ يجعلَ حالةَ الفقهِ في قُطرٍ تختلفُ عن حالتِه في بقيةِ الأقطارِ (٤).
- عدمُ الاطلاعِ على الحديثِ.
فتدوينُ السنةِ لم يكتملْ، فقد يُفتي المجتهدُ بخلافِ ما جاءتْ به
стр. 634
السُنّةُ؛ لعدمِ معرفتِه بها، أو لعدمِ ثبوتِها عنده (١).
ومِنْ شأنِ الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه اختلافاتٌ علميةٌ، وثروةٌ فقهيةٌ مؤدّيةٌ إلى تعددِ أقوالِ المجتهدين، وتدعو إلى جمع ما تناثرَ عن الواحدِ منهم في مذهبٍ مستقلٍّ.
السبب الثالث: اتِّباعُ التلاميذِ لشيوخِهم، وجمعُهم ما تناثرَ عمَّن بَرَزَ مِنْ مجتهدي عصرِهم، وتدوينُه، والعنايةُ به؛ بحيثُ يتكوّنُ مِنْ صنيعِهم مذهبٌ مستقلٌّ (٢).
وممَّا دَفَعَ بالتلاميذِ إلى العنايةِ بعلومِ الأئمةِ، واكتفائِهم بها، وعدمِ الرغبةِ في تجاوزها: إعجابُ التلاميذِ بشيوخِهم.
السبب الرابع: ضعفُ الهمَّةِ عندَ بعضِ تلاميذِ الأئمةِ، فإذا ضَعفتْ الهمّةُ، قَعَدَتْ بصاحبِها عن تَطلّب درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، وأورثته البقاءَ على ما عَرَفَه وعَلِمَه مِنْ علومِ شيوخِه، دونَ رغبةِ في الوصولِ إلى رتبةٍ أعلى ممَّا هو عليها.
* * *
стр. 635
المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة
لم تخلُ الأمصارُ الإسلاميةُ في القرونِ الأُولى مِنْ وجودِ العلماءِ المجتهدين، فقد كان هناك مذاهبُ قائمةٌ لبعضِ المجتهدين، في حينِ أنَّ عددًا ليس بالقليلِ مِنْ هذه المذاهبِ لم يكتبْ لها البقاءُ، وبات الأمرُ على وجودِ المذاهب الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذَهب الشافعي، والمذهب الحنبلي (١).
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن المذاهبِ الأربعةِ: "وهذه كما يعبِّرُ الفقهاءُ: (مذاهب الأمصار)، أي: أنَّها التي انتشرتْ في الأمصارِ الإسلاميةِ، ولا يخلو مِصْرٌ منها، فلا يمكنُ أنْ يوجد مِصْرٌ إسلاميٌّ خالٍ منها، وقد يخلو مِنْ بعضِها، ولا يخلو مِنْ كلِّها" (٢).
وسوف أعرضُ في هذا المطلبِ عددًا مِن الأسباب التي توافرتْ لهذه المذاهبِ، فأسهمتْ في بقائِها عقودًا، بلْ قرونًا متطاولةً إلى وقتنِا الحاضرِ.
وليس بخافٍ أنَّ الأسبابَ التي سأذكرُها قد تتوافرُ جميعُها لمذهبٍ واحدٍ، وقد يتوافرُ بعضُها لمذهبٍ آخر.
стр. 636
وتجدرُ الإشارةُ قبلَ الشروعِ في ذكرِ الاسبابِ إلى أمرين:
الأمر الأول: أنَّ مِن الأسبابِ التي سأذكرها ما يكون سببًا في بقاءِ المذهبِ، وهو أيضًا في الوقتِ ذاتِه سببٌ في شيوعِه وانتشارِه.
الأمر الثاني: سيكونُ حديثي مركّزًا على بيانِ أسبابِ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ، ولن أتحدثَ عن أسبابِ فناءِ المذاهبِ المندثرةِ، وإنْ ذُكِرَ شيءٌ منها، فعلى سبيلِ التتميمِ لأسبابِ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ.
أسبابُ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ:
السبب الأول: التلاميذ النجباء (١).
لقد كانَ لبعضِ الائمةِ المجتهدين تلاميذُ نجباءُ، أُعجِبوا بهم، وتأثّروا بمنهجِهم، فحملوا علمَهم، وأسّسوا لهم مذهبًا، وأخذوا أقوالَهم وآراءَهم فنشروها، ودوّنوها، وبثّوها في مؤلفاتِهم، وساروا على طريقتِهم في الفقهِ وأصولِه (٢)، بلْ كانَ الأمرُ عند بعضِ التلاميذِ في مؤلفاتِهم ومناظراتِهم ولقاءاتِهم المختلفة أنْ عارضوا أقوالَ الأئمةِ المجتهدين بقولِ إمامِهم (٣).
وقد أَدْرَكَ الأئمةُ المجتهدون أنفسُهم قيمةَ وجودِ التلاميذ لهم في بقاءِ
стр. 637
علمِهم بعد موتِهم، فقد قالَ الشعبيُّ (١) لإبراهيمَ النخعي: "أَمَا إنِّي أفقه منك حيًّا، وأنتَ أفقهُ منّي مَيْتًا؛ وذاك أنَّ لك أصحابًا يلزمونك، فيُحْيون علمَك" (٢).
وممَّا يشهدُ لأهميةِ وجودِ التلاميذِ في حفظِ أقوالِ المجتهدِ والعنايةِ بها:
- ما قاله الإمامُ الشافعيُّ عن الليثِ بنِ سعدٍ (٣): "الليثُ بنُ سعدٍ أفقهُ مِنْ مالكٍ! إلا أنَّ أصحابَه لم يقوموا به" (٤).
- وما قاله أحدُ معاصري تلامذة الإمامِ الأوزاعي (٥): "ما لكم لا
стр. 638
تجتمعون؟ ! ما لكم لا تتذاكرون؟ ! " (١).
ويقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: "وقد وُفّقَ هؤلاءِ الأئمةُ المشهورون الذين بقيتْ مذاهبُهم إلى أنْ يكونَ لهم أرفعُ التلاميذ شَأنًا، وأَبْيَنُهم حجةً، وأعلاهم كعبًا في نظرِ شعوبِهم وملوكِهم، فدوَّنوا ما تلقّوه عن إمامِهم مِن الأحكامِ، وأَخَذَهَا عنهم العددُ الكثيرُ مِنْ تلاميذِهم، فبثّوها بين الناسِ الذين اتَّبعوها؛ ثقةً منهم بمَنْ يفتيهم ... " (٢).
وقد أدركَ بعضُ الأئمةِ ما لتلامذتِهم مِنْ جهدٍ في إظهارِ أقوالِهم، فها هو الإمامُ الشافعيُّ يقولُ عن تلميذِه المزني: "المزنيُّ ناصرُ مذهبي" (٣).
ومِن الأهميةِ بمكانٍ أنْ يكونَ التلاميذُ نجباءَ؛ إذ إن التلميذَ غيرَ النجيبِ، وغيرَ القوي في العلمِ غيرُ كافٍ في نشرِ المذهبِ والسعي في بقائِه.
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن سببِ عدمِ بقاءِ مذاهب بعض المجتهدين: "إنَّه لم يكنْ له تلاميذُ أقوياء ينشرون في الأقاليم آراءَهم (٤)، ويخدمونها بالتدوينِ أو الفحصِ والجمعِ والروايةِ ... " (٥).
ووجودُ العلماءِ المحققين المتمذهبين الذين لهم إسهامٌ وبروزٌ في الفقهِ
стр. 639
وأصولِه، ممَّا يُعززُ بقاءَ المذهبِ، ويدعو إلى عدمِ اندثارِه (١).
وتعدَّى الأمرُ عند بعضِ تلامذةِ الأئمةِ وأربابِ مذاهبِهم خدمةَ المذهب والعنايةَ به، فأضحى كثيرٌ منهم يسعى في نشرِ مذهبِ إمامِه في الأقطارَ والأمصارِ التي يذهبُ إليها، ويستقرُّ فيها (٢).
وإليك بعض الأمثلةِ لبعضِ العلماءِ الذين قاموا بنشرِ مذهبِ إمامِهم:
- يحيى بنُ يحيى (٣) تلميذُ الإمامِ مالكٍ، جاءَ في ترجمتِه أنَّه مِن الناشرين لمذهبِ الإمامِ مالكٍ (٤).
- عبدان بنُ محمد بن عيسى (٥)، جاءَ في بعضِ الكتبِ التي ترجمتْ
стр. 640
له: أنَّه نَشَرَ مذهبَ الإمامِ الشافعي في خراسان (١).
- أبو الفرجِ عبدُ الواحدِ بنُ محمد المقدسي (٢)، جاءَ في ترجمته أنَّه: "قَدِم الشامَ، فَسَكَنَ بيتَ المقدس، فَنَشَرَ مذهبَ الإمامِ أحمدَ فيما حوله، ثمَّ أقامَ بدمشقَ، فَنَشَرَ المذهبَ" (٣)، وقال عنه بعضُ الحنابلة: "كان أبو الفرجِ ناصرًا لمذهبنا، متجرِّدًا لنشرِه" (٤).
- القاضي أبو زُرعة الثقفي (٥)، جاءَ في ترجمتِه: "أنَّه الذي أدخل مذهبَ الشافعي إلى دمشقَ، وأنَّه كان يَهَبُ لمَنْ يحفظُ مختصرَ المزني مائة دينارٍ" (٦).
стр. 641
- القاضي ابنُ فرحون المالكي، جاءَ في ترجمتِه: أنَّه "تولَّى القضاءَ بالمدينةِ ... فسار فيها سيرةً حسنةً ... وأظَهَرَ مذهبَ مالكٍ بها بعدَ خمولِه" (١).
ويتصلُ بالسببِ الأول: (التلاميذ النجباء) ما يقومُ به أربابُ المذاهبِ ورجالُه مِنْ خدمةِ مذهبِهم بأمرين مهمّين لهما الأثرُ البالغُ في بقاءِ المذهبِ:
الأمر الأول: التدوين.
الأمر الثاني: التخريج الفقهي.
الأمر الأول: التدوين.
إنَّ تدوينَ المذهب في أصولِه وفروعِه وبيانَ أدلته - سواءٌ أكان التدوينُ مِنْ قِبَل إمامِ المذَهب، أم مِنْ قِبَل تلامذتِه وأتباعِه - مساعدٌ ومسهمٌ في حفظِ المذهبِ، وبقائِه وانتشارِه (٢)، ومقرِّب له عند عمومِ الناسِ (٣).
стр. 642
وغيرُ خافٍ على أحدٍ أهميةُ التدوينِ، إذ وجودُ الثروةِ المذهبيةِ مؤذن بوجودِ حلولٍ لأكثر المسائل (١)، وكم مِنْ مذهبٍ اندثرَ، ولا يُعْلَم ما له مِنْ مدوّناتٍ.
الأمر الثاني: التخريجُ الفقهي (٢).
ممَّا هو معلومٌ أنَّ النوازلَ والحوادثَ لا تنتهي، ولا يُمكنُ لأحدٍ مِن الأئمةِ أنْ يُقرّرَ أحكامًا لكل الحوادثِ التي ستقعُ (٣)، فإذا كان في المذهب مَنْ يقومُ ببيانِ أحكامِ النوازلِ في ضوءِ مذهبِه بالتخريجِ على فروع مذهبِه أوَ على أصولِه: نَمَا المذهبُ، ونموُّه يكفلُ بقاءَه واستمرارَه (٤).
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "إذا كان الاجتهادُ بالتخريجِ ... لا ينقطع أبدًا؛ لأنَّ الفتوى لا تنقطعُ - وهو شرطها - فإنَّ المذهبَ الذي يُقررُ فقهاؤه ذلك في نماءٍ مستمرٍ، واتصالٍ بالحياةِ دائم" (٥).
وممَّا له صلةٌ بالتخريجِ الفقهي: أنْ يكونَ في التخريجِ سهولةٌ ومرونةٌ بحيثُ لا يلقى المتمذهبُ عَنَتًا ومشقةً أثناءَ قيامِه بتخريجٍ أحكامِ النوازلِ في مذهبِه.
وكذلك تخريجُ أصولِ المذهبِ مِنْ فروعِه، فقد قامَ بعضُ التلاميذِ النجباءِ بتخريجِ أصولِ مذهبِهم مِن الفروعِ الفقهيةِ المنقولةِ عن أئمةِ المذهبِ، ولوجودِ أصولٍ للمذهبِ أثرٌ بالغٌ في بقائِه واستمرارِه.
стр. 643
السبب الثاني: تمذهبُ الدولةِ بالمذهبِ (١).
لقد اهتمتْ دولٌ كثيرةٌ في الماضي والحاضرِ ببيانِ المذهبِ الفقهي الذي تنتمي إليه، فكانَ لكثيرٍ منها مذهبٌ رسمي مِنْ أحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ (٢).
وقد تَبعَ هذا الأمر عند كثير مِن الدولِ العنايةُ بالمذهبِ، والقيامُ برعايتِه ونشرِه، وتحاكم رعيتها إليه (٣)، بلْ تعدَّى الأمرُ عند بعضِ الولاةِ في عصورٍ سابقةٍ إلى محاربةِ المذاهبِ الأخرى، ولا سيما المذاهبُ التي لها شوكةٌ (٤).
يقولُ ابن حزمٍ في هذا الصددِ: "مذهبانِ انتشرا في بدءِ أمرِهما بالرياسةِ
стр. 644
والسلطانِ: مذهبُ أبي حنيفةَ ... ومذهبُ مالكٍ عندنا بالأندلسِ" (١).
وللسببِ الثاني: (تمذهب الدولة بالمذهب) بروزٌ في عدة ميادين، مِنْ أهمِّها ميدانانِ:
الميدان الأول: تعيينُ القضاةِ مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ.
الميدان الثاني: توليةُ منصبِ الإفتاءِ مِنْ فقهاءِ مذهبٍ فقهي معيّنٍ.
الميدان الأول: تعيينُ القضاةِ مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ (٢).
للقضاءِ المكانةُ الكبرى عند الناسِ، فهو ميزانُ العدلِ، وقد كانَ القضاةُ في عهدِ الصحابةِ ﵃ وعهدِ التابعين غيرَ متقيّدين بمذهبِ أحدٍ، بلْ يقضي الواحدُ منهم بما أدّاه إليه اجتهادُه (٣).
стр. 645
وقد ولّى كثيرٌ مِن الخلفاءِ القضاءَ عددًا مِنْ علماءِ المذاهبِ، الأمر الذي عزّز مِنْ بقاءِ المذهب في المِصْرِ الذي يتولى أربابُه القضاءَ فيه (١)، فكان فيه عونٌ عظيمٌ للمتَمذهبين في بقاءِ مذهبِهم (٢)؛ وترسيخ جذورِه، وتوسيع قاعدتِه (٣).
وقد كانَ لبعضِ المتمذهبين مكانةٌ عند الولاةِ، فكانوا يُشيرونَ عليهم باختيارِ قضاةٍ مِنْ أربابِ مذهبِهم (٤).
يقولُ الشيخُ محمد الخضري: "إذا هُيئَ لمذهبٍ مِن المذاهب مَلِكٌ، أو سلطانٌ يقلِّدُه، ويَقْصِرُ توليةَ القضاءِ على متبعيه: كان ذلك سببًا عظيمًا في انتشارِه، وازديادِ العلماءِ الذين يقومون به وبنشرِه" (٥).
ومِنْ أشهرِ الأمثلةِ لهذا السببِ:
- تولي أبي يوسفَ - صاحب الإمام أبي حنيفة - القضاءَ أيامَ الدولةِ العباسيةِ (٦)، فقد جاءَ في ترجمتِه أنَّه كانت إليه توليةُ القضاءِ في الآفاقِ مِن
стр. 646
الشرقِ إلى الغرب، فلا يُعَيّنُ قاضٍ إلا بمشورتِه وموافقتِه، وكان يُعَيِّن القضاةَ مِنْ أربابِ المذهبِ الحنفي (١).
- يحيى بن يحيى - تلميذ الإمام مالك - يقولُ ابنُ حزمٍ عنه: "كان مَكِينًا عند السلطانِ، مقبولَ القولِ في القضاةِ، وكان لا يلي قاضٍ في أقطارِ بلادِ الأندلسِ إلا بمشورتِه واختيارِه، ولا يشيرُ إلا بأصحابِه ومَنْ كان على مذهبِه ... على أنَّ يحيى لم يلِ القضاءَ قطُّ" (٢).
الميدان الثاني: توليةُ منصبِ الإفتاءِ مِنْ فقهاءِ مذهبٍ فقهي معيّنٍ (٣).
مِن الميادين المهمّةِ التي غززتْ مِنْ بقاءِ المذاهبِ، وكان لها الأثرُ الكبيرُ في استمرارِه إسنادُ منصبِ الإفتاءِ إلى أرباب مذهبٍ فقهي معيّنٍ؛ إذ حين يتولَّى أحدُ علماءِ المذهبِ منصبَ الإفتاءِ في قَطرِه ومِصرِه، فإنَّه سيفتي بمذهبِ إمامِه، وفي الغالبِ سيسعى في تولّي أصحابِه منصبَ الإفتاءِ، فيشيع المذهبُ بين الناسِ، وتقوى حياتُه (٤).
стр. 647
وممَّا يدلُّ على أثرِ القضاءِ وغيرِه مِن المناصب في بقاءِ المذهبِ: ما قاله أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ عن علماءِ المذهب الحنبَلي: "هذا المذهبُ إنَّما ظَلَمَه أصحابُه! لأنَّ أصحابَ أبي حنيفةَ والشَافعي إذا بَرِعَ واحدٌ منهم في العلمِ، تولَّى القضاءَ وغيرَه مِن الولاياتِ، فكانت الولايةُ سببًا لتدريسِه واشتغالِه بالعلمِ، فأمّا أصحابُ أحمدَ، فإنَّه قلَّ فيهم مَنْ تعلّقَ بطَرَفٍ مِن العلمِ إلا ويخْرِجُه ذلك إلى التعبّدِ والتزهُّدِ؛ لغَلَبَةِ الخيرِ على القومِ، فينقطعون عن التشاغلِ بالعلمِ" (١).
ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "أيُّ مذهبٍ كان أصحابُه مشهورين، وسُدَّ إليهم القضاءُ والإفتاءُ، واشتهرتْ تصانيفُهم في الناسِ، ودرسوا درسًا ظاهرًا: انتشرَ في أقطارِ الأرضِ، ولم يزل ينتشر كلِّ حينٍ، وأيُّ مذهبٍ كان أصحابُه خاملين، ولم يُولَّوا القضاءَ والإفتاءَ، ولم يرغبْ فيهم الناسُ: اندرس مذهبُهم بعد حينٍ" (٢).
وقد كان بعضُ الناسِ يرغبُ في المذهب الذي أُسنِد إلى أربابِه منصبُ الإفتاءِ؛ طمعًا في أمثالِ هذه المناصبِ، ويَبيّن الشيخُ عبدُ القادر ابن بدران إعراضَ بعضِ المتمذهبين عن المذهبِ الذي لا تُوجد له مواردُ مالية، كالمذهبِ الحنبلي في وقتِه، فيقول: "أصابَ هذا المذهبَ ما أصاب غيرَه مِنْ تشتتِ كتبِه حتى آلتْ إلى الاندراسِ، وأكبَّ الناسُ على الدنيا، فنظروا فيها، فإذا هو - أي: المذهب الحنبلي - منهلُ سُنّةٍ، وفقهٌ صحيحٌ، لا مورد مالٍ، فهجره كثير ممَّنْ كان متبعًا له؛ رجاءَ قضاءٍ أو وظيفةٍ ... " (٣).
ويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: "كم مِنْ عالمٍ في الشامِ وغيرِها أُريد
стр. 648
توظيفُه في بلدٍ أهلُها حنابلةٌ في الفتوى مثلًا، فيلزم أنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مذهبِه الأصلي، كالشافعي، ويصير حنبليًا؛ كي يكون مفتيًا، مع أنَّ هذا سهلٌ لا بأسَ به" (١).
وكلامُ الشيخِ الحجوي شاهدٌ ناطق على أنَّ للإفتاءِ مدخلًا في التمذهبِ؛ إذ لم يؤثر الإفتاءُ في بقاءِ المذهب فحسب، بلْ في انتقالِ علماءِ المذاهبِ الأُخْرَى إليه.
السبب الثالث: المدارسُ المذهبيةُ.
لقد اهتمتْ بعضُ المذاهبِ الفقهيةِ بتدريسِ علومِ الشريعةِ - ويأتي على رأسِها: أصول المذهب وفروعه - في مدارس مستقلةٍ، يدرِّسُ فيها الفقهاءُ والعلماءُ.
ومِنْ شأنِ وجودِ هذه المدارس أنْ تطيلَ عمرَ المذهبِ، وأنْ يستمرَ وجودُه ما دامتْ أحكامُه الأصولية والفقهية تُدرَّسُ.
وليس بخافٍ على أحدٍ ما للمدارسِ مِنْ دورِ كبيرٍ في الحفاظِ على المذهبِ، والإبقاءِ عليه على مرِّ العصورِ.
يقول العزُّ بنُ عبد السلام: "علوم المدارسِ: المذهبُ، والجدلُ، والخلافُ، وأصولُ الفقهِ، وعلمُ الكلامِ، وأَوْلاها: المذهبُ وأصولُه، ثمَّ الخلاف، ثمَّ الجدلُ ... " (٢).
ويبدو أنَّ بعضَ المدارسِ كانت تُسمّى بإمامِ مذهبِها أو بأحدِ علماءِ مذهبِه
المتميزين، يقول الوزيرُ ابنُ هبيرة (٣): "أمَّا تعيين المدارسِ بأسماء
стр. 649
فقهاء مُعَينين، فإنَّه لا أرى به بأسًا" (١).
وقد أسهمَ بعضُ الخلفاءِ في بناءِ المدارسِ المذهبيةِ، ومِنْ أمثلةِ هذا: ما فعله صلاحُ الدين الأيوبي (٢) في مصر، إذ أنشأَ فيها مدرستين: مدرسةً للمالكيةِ، والأخرى للشافعيةِ (٣).
السبب الرابع: الأوقافُ على أربابِ المذهبِ.
عُني بعضُ الموسرين بإقامةِ الأوقافِ على أرباب مذهبٍ معيّنٍ، بُغْيَةَ الأجرِ مِن الله تعالى، وما مِنْ شكٍّ في أنَّ الوقفَ على المذهب ورجالِه مِنْ أهمِّ الأسباب المعينةِ على بقاءِ المتمذهبين متمسكين بمذهبِهم، الأمر الذي يكفلُ بقاءَ المَذهبِ على مرِّ العصورِ (٤).
стр. 650
ويدلُّ على هذا السببِ: ما حكاه الحافظ ابنُ رجبٍ عن بعضِ المتمذهبين الذين يظهرون الانتسابَ إلى مذهبٍ معيّنٍ في الظاهرِ، وهم في باطنِ الأمرِ منتسبون إلى مذهبٍ آخر؛ والباعث لهم على فعلِهم: أخذُ الأموالِ المختصةِ بأصحابِ ذلك الإمام مِن الأوقافِ ونحوِها (١).
وإنْ كان ابنُ رجبٍ لم ينصَّ على أنَّ الأوقافَ سببٌ مِنْ أسبابِ بقاءِ المذهبِ، إلا أنَّ فيما حكاه ما هو أشدُّ، وهو الانتقالُ إلى المذهبِ، أو إظهارُ التمذهبِ به بُغْيَةَ ريعِ الأوقافِ، وفي هذا الأمرِ ما يدعو إلىَ بقاءِ المذهبِ، وعدمِ فنائِه.
السبب الخامس: تفرقُ المذهب في الأقاليم (٢).
مِن الأسبابِ المعينةِ على بقاءِ المذهب على مرِّ العصور والدهور انتشارُ المذهبِ وتفرق أربابِه في عدةِ أقاليم، فلو فُرِضَ اندثارُه في إقليمٍ ما، فإنَّ وجودَ أربابِه في أقاليم أُخر يكفلُ بقاءَ المذهبِ واستمرارَه.
* * *
стр. 651
المبحث الثاني: تاريخ التمذهب
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري
المطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري
المطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري
المطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر.
стр. 652
تمهيد
سأُحاولُ في هذا المبحثِ رصدَ تاريخٍ للحالةِ المذهبيةِ عبرَ القرونِ السابقةِ إلى وقتِنا الحاضر، وتجدرُ الإشارةُ إلى عدَّةِ أمورٍ:
الأمر الأول: سأذكرُ في المبحثِ السِّمَةَ الرئيسةَ للعصرِ أو للحُقْبَةِ الزَّمنيةِ التي أتحدثُ عنها، دونَ الغوصِ في تفاصيلِ أحوالِ العصرِ.
الأمر الثاني: قد أَذْكُرُ مَعَ تاريخِ التمذهبِ شيئًا مِن الأحوالِ الاجتهاديةِ، وذكري لها على سبيلِ التتميم للحديثِ عن تاريخ التمذهب، والتكميلِ له.
الأمر الثالث: لا أقومُ في هذا المبحثِ بكتابةِ تاريخ للمذاهبِ الأربعةِ، ولا لمذهبٍ منها، ولا أقصدُ كتابةَ تاريخٍ عن الحالةِ المذهبيةِ لإقليمٍ أو قُطْرٍ، وما قد يَرِدُ في تضاعيف حديثي مِنْ ذكرِ تاريخِ بعضِ المذاهبِ فعلى سيبلِ التتميمِ لتاريخِ التمذهبِ.
الأمر الرابع: أغفلتُ ذكرَ الأمورِ السياسيةِ التي كان لها أثرٌ على الحياةِ العِلمِية؛ حرصًا منِّي على تركيزِ الحديثِ على التمذهبِ، وما له صلةٌ به؛ ولئلا يطولَ الحديثُ في المبحثِ، ويتشعبَ.
الأمر الخامس: ذكرتُ في أكثرِ مطالب المبحثِ الثاني عددًا مِن علماءِ المذاهبِ البارزين، ولم أستقصِ، ولمَ ألتزمْ ذكرَ كلِّ المتميزين، وذكرتُ أيضًا عددًا مِن العلماءِ الذين عُرِفُوا بمهاجمةِ التمذهبِ أو التقليدِ المذهبي، ولم أذكرْ مَنْ له مشاركةٌ في محاربةِ التعصب المذهبي؛ لكثرتِهم، ولأنَّ حديثي عن التمذهبِ لا عن التعصبِ.
стр. 653
المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري
سَبَقَ وأنْ بينتُ في المبحثِ السابقِ أنَّ اللبناتِ الأُولى للتمذهبِ كانت موجودةً في زمنِ تلامذةِ الصحابةِ ﵃.
وقد بدأت نشاةُ التمذهبِ مع تلامذةِ الأئمةِ، إذْ هم الذين أسسوا المذاهبَ، وأقاموا أصولَها وفروعها.
ويمكنُ القول بأنَّ التمذهبَ كان موجودًا في عصورِ الأئمةِ؛ فبعض متمذهبي المالكيةِ (١) قد التقى بالإمامِ الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وحصلت بينهما مساجلاتٌ علميةٌ (٢).
واللافتُ للنظرِ وقوعُ التعصبِ لبعضِ الأئمةِ في أوائلِ القرنِ الثالثِ الهجري (٣).
يقول ابنُ حزمٍ بعد استنكارِه لأحوالِ المتمذهبين: "وليَعلمْ مَنْ قَرَأ كتابَنا أنَّ هذه البدعةَ العظيمةَ، نعني: التقليدَ، إنَّما حدثتْ في الناسِ، وابتُدِئ بها بعد الأربعين ومائة مِنْ تاريخِ الهجرةِ، وبعد أزيد مِنْ مائةِ عامٍ وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله ... " (٤).
ولن أقف مع كلامِ ابنِ حزم فيما يتصل بحكمِ التمذهبِ - الذي يسميه
стр. 654
بالتقليدِ - فللحديثِ عنه مسألةٌ مستقلةٌ، وهي: (حكمُ التمذهب بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ).
لقد وُجِدَ عددٌ مِن العلماءِ المتمذهبين في القرنِ الثالثِ الهجري، وكان منهم متحمسون لمذهبِهم، فسعوا في نشرِه في الإقليم الذي يقطنونه (١).
يقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "وبعد المائتين ظَهَرَ فيهم - أي: في العلماء - التمذهبُ للمجتهدين بأعيانِهم، وقلَّ مَنْ كانَ لا يعتمدُ على مذهبِ مجتهدٍ بعينِه، وكان هذا هو الواجب في ذلك الزمانِ" (٢).
بلْ قد وُجد بعضُ المتمذهبين في أواخر القرن الثاني الهجري، يدلُّ على ذلك أمورٌ، منها:
- ما ذُكِرَ أنَّ أحدَ أمراءِ الأندلس (٣) أَخَذَ جميعَ الناس بإلزامِهم بمذهب الإمام مالكٍ، وصيَّر القضاءَ والفتيا عليه، وكان ذلك في عشرِ السبعيَن ومائةٍ مِن الهجرةِ، وكان حالَ حياةِ الإمامِ مالك، وقريبًا من موته (٤)، وكان أهلُ الأندلسِ قبلَ تمذهبِهم بمذهب الإمام مالكٍ على مذهب الإمامِ الأوزاعي! (٥).
стр. 655
- وما جاء في ترجمةِ شعيب بن إسحاق (ت: ١٨٩ هـ) (١): أنَّه "روى عن ... أبي حنيفةَ، وتمذهبَ له" (٢).
فهذانِ الأمرانِ يدلانِ على وجودِ التمذهبِ قبلَ تصرّمِ القرنِ الثاني الهجري.
وقد بَرَزَ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ - إضافةً إلى أسماءِ الأئمةِ المجتهدين - عددٌ مِن العلماءِ البارزين مِنْ تلاميذِ الأئمة وأتباعِهم ممَّنْ ساروا على طريقتِهم، منهم على سبيلِ المثالِ: عبدُ الرحمن بن القاسم (ت: ١٩١ هـ)، وأشهب (ت: ٢٠٤ هـ)، وعبدُ الملك بن الماجشون (ت: ٢١٢ هـ)، وعيسى بنُ أبان (ت: ٢٢١ هـ) (٣)، ويوسفُ البويطي (ت: ٢٣١ هـ)، وسحنون (ت: ٢٤٠ هـ)، وإسماعيلُ المزني (ت: ٢٦٤ هـ)، وأبو بكرٍ الأثرم (ت: ٢٦٠ هـ)، وأبو العباسِ بن سريجٍ (ت: ٣٠٣ هـ)، وأبو بكرٍ الخلال (ت: ٣١١ هـ).
стр. 656
وقد وُجِدَ في القرنِ الثالثِ الهجري شيءٌ مِن التعصّبِ المذهبي (١)، فقد جَرَى على الإمامِ بقي بنِ مخلدٍ (ت: ٢٧٦ هـ) (٢) حين دَخَلَ الأندلسَ شيءٌ مِن التعصبِ، إذ هجره بعضُ المالكيةِ، وهضموا جانبَه (٣).
ويظهرُ لي أنَّ بدءَ انتشارِ التمذهبِ بمذهب معيَّنٍ في صفوفِ العلماءِ والمنتسبين إلى العلمِ، والميلِ إلى إمامِ المذهبُ وأصحابِه بصورة أوضح، كان مع نهايةِ القرنِ الثاني الهجري، وأوائل القرنَ الثالثِ الهجري (٤).
ويدلُّ على هذا: ما خطّتُه أقلامُ المترجِمين لعلماءِ المذاهب مِن التراجمِ لعلماء مِنْ هذين القرنين (٥).
وممَّا ذُكِرَ في هذا المقامِ: أنَّ أحدَ البارعين في مذهبِ المالكيةِ (٦)
стр. 657
لمَّا مالَ إلى مذهب الشافعيةِ، واستخفَّ بمذهبِه، هَجَرَه علماءُ المذهبِ المالكي، وكانت هَذه الحادثةُ في نهايةِ القرنِ الثالثِ الهجري تقريبًا (١).
وهذا يعطي صورةً لما كان عليه جماعةٌ مِن الناسِ في تلك العصورِ.
وقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "اعلم أنَّ الناسَ كانوا قبل المائةِ الرابعةِ غيرُ مجمعين على التقليدِ الخالصِ لمذهب بعينِه" (٢)، وقولُه أيضًا: "غيرَ أنَّ أهلَ المائةِ الرابعةِ لم يكونوا مجتمعين على التقليدِ الخالصِ على مذهبٍ واحدٍ، والتفقه له، والحكاية لقولِه؛ كما يظهر بالتتبع" (٣): إنْ كان يقصدُ بقولِه التقليدَ المذهبيَّ الذي انتشرَ في القرونِ التاليةِ لهذه العصور، فمسلَّمٌ، وإلا فقد وُجِدَ التمذهبُ بمذاهبِ الأئمةِ، والدعوة إليها، والقيام بنشرِها في نهايةِ القرنِ الثاني، وأوائل القرنِ الثالثِ الهجريين.
ويؤكّدُ ما ذكرتُه آنفًا: أنَّ الدهلويَّ نفسَه قرر في كتابِه: (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف) (٤) أنَّ الناسَ في المائةِ الأُولى والمائةِ الثانيةِ غيرُ مجمعين على التقليدِ لمذهبٍ واحدٍ بعينِه.
ويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي واصفًا الحالةَ العلمية في القرنِ الثالثِ الهجري: "إذا أَمْعَنْتَ النظرَ في تراجمِ هؤلاء الرجالِ، عَلِمْتَ صدقَ ما قلناه مِنْ دخولِ الفقهِ مدةَ القرنين: الثالث والرابع في طورِ الكهولةِ" (٥).
وقد بَرَزَ في القرنين: الثاني والثالثِ الهجريين أمورٌ، مِنْ أهمِّها:
الأمر الأول: نشأةُ المذاهبِ الفقهيةِ بعدَ منتصفِ القرنِ الثاني الهجري
стр. 658
تقريبًا، وقد اندرسَ بعضُها، فلم يكتبْ لها البقاءُ، وبقي منها المذاهبُ الفقهيةُ الأربعةُ المشهورةُ (١).
الأمر الثاني: شيوعُ التمذهب بالمذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ في أصولِها وفروعِها في القرنِ الثالثِ الهجري، واضمحلالُ الاجتهادِ المطلقِ شيئًا فشيئًا (٢)، وشيوعُ ظهورِ بعضِ صورِ التعصبِ للمذاهبِ (٣).
وتَبعَ ذلك تمركزُ بعض المذاهبِ الفقهيةِ في عددٍ ليس بالقليلِ في الأقطارِ والأقاليمِ الإسلامية (٤).
стр. 659
الأمر الثالث: بدءُ التدوينِ في أصولِ الفقهِ، وكان ذلك على يدِ الإمامِ الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابِه: (الرسالة) (١)، ثم تَبعَ ذلك بدءُ التدوينِ في الفقهِ والأصولِ تدوينًا علميًا مذهبيًا (٢).
الأمر الرابع: ظهورُ المصطلحاتِ الأصوليةِ والفقهيةِ ذاتِ الدلالةِ على معانٍ محددةٍ؛ نتيجةً لظهورِ النشاطِ الفقهي في المذهبِ، وظهورِ الخلافِ بين الأئمةِ (٣).
стр. 660
الأمر الخامس: كثرةُ المناظراتِ والجدلِ بين العلماءِ، ثمَّ انتشارهما بعدَ استقرارِ المذاهبِ الفقهيةِ بين أربابِ المذاهب؛ بُغْيَة بيانِ أدلةِ المذهبِ، ونُصرتِه (١).
وسيأتي في البابِ الثاني إنْ شاءَ اللهُ مزيدُ حديثٍ عن المناظراتِ والجدلِ.
* * *
стр. 661
المطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري
لقد ظَهَرَ التمذهبُ للأئمةِ في القرنِ الرابع الهجري، وفيما بعده من القرونِ بصورةٍ أوضح مما كانتْ عليه مِنْ قبلُ، ويمكنُ القولُ: إنَّ التمذهبَ قد حلَّ مكانَ الاجتهادِ الذي كان موجودًا في القرونِ السابقةِ.
لقد سرتْ في نهايةِ القرنِ الرابعِ الهجري وفيما بعده مِن القرونِ روحُ التمذهبِ للأئمةِ، وظَهَرَ في صفوفِ العلماءِ الانتسابُ إليهم، والأخذ بمناهجِهم (١).
يقول الشيخُ محمدٌ الخضري: "بعد أنْ كان مُرِيدُ الفقهِ يشتغلُ أولًا بدراسةِ الكتاب، وروايةِ السُنَّة - اللذينِ هما أساسُ الاستنباطِ - صار في هذا الدورِ يتلقَّى كُتُبَ إمامٍ معيَّنٍ، ويدرسُ طريقتَه التي استنبطَ بها ما دوّنه مِن الأحكامِ، فإذا أتمَّ ذلك صارَ مِن العلماءِ الفقهاءِ" (٢).
وانتشرتْ في هذه القرونِ الكتابةُ في فقهِ إمامِ المذهبِ وأصولِه - إمَّا بالتأليفِ ابتداءً، وإمَّا بالاختصارِ لكتاب مؤلِّفٍ سابقٍ، وإمَّا بالشرحِ لمختصرٍ - واتَّسَمَ التأليفُ بالتنظيمِ والترتيبِ والتحقيقِ للمذهبِ (٣).
стр. 662
يقول الشيخُ مصطفى الزرقا (١) عن علماءِ هذه القرون: "تخرَّج في كلِّ مذهبٍ فقهاءُ عظام تناولوا المذهبَ بالتدوينِ والتنقيحِ والترتيبِ" (٢).
وقد نبغ في هذه الحقبةِ الزمنية علماءُ محققون في مختلف المذاهب الفقهية (٣)، مِنْ هؤلاءِ: أبو جعفر الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ)، وأبو القاسمِ الخرقي (ت: ٣٣٤ هـ)، وأبو الحسنِ الكرخي (ت: ٣٤٠ هـ)، وأبو بكرٍ القفال الكبير (ت: ٣٦٥ هـ) (٤)، وأبو بكرٍ الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ)، وأبو بكرٍ الأبهري
стр. 663
(ت: ٣٧٥ هـ) (١)، وابن بطة الحنبلي (ت: ٣٨٧ هـ) (٢)، وأبو سليمان الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) (٣)، وأبو الحسن بن القصار (ت: ٣٩٨ هـ)، والحسن بن حامد الحنبلي (ت: ٤٠٣ هـ)، وأبو زيد الدبوسي (ت: ٤٣٠ هـ)، وأبو عبد الله الصيمري
стр. 664
الحنفي (ت: ٤٣٦ هـ)، والقاضي أبو الحسن الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ)، والقاضي أبو يعلى الفراء (ت: ٤٥٨ هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، وإمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ)، وأبو المظفرِ السمعاني (ت: ٤٨٩ هـ)، وأبو بكرٍ السرخسي (ت: ٤٩٠ هـ)، وأبو حامد الغزالى (ت: ٥٠٥ هـ)، وأبو الخطاب الكلوذاني (ت: ٥١٠ هـ)، وأبو محمدٍ البغوي (ت: ٥١٦ هـ) (١)، وأبو بكرٍ بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، وأبو القاسم الرافعي (ت: ٦٢٤ هـ)، وابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، وابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، ومجد الدين أبو البركات بن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ) (٢)، ومحيي الدين النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، وشهاب الدين القرافي (ت: ٦٨٤ هـ).
стр. 665
ومِن الأمورِ المهمّةِ التي برزتْ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ: نضوجُ الاتجاهين الرئيسين في الكتابةِ في أصولِ الفقهِ، والاتجاهان هما:
الاتجاه الأول: الكتابةُ الأصوليةُ الخالصةُ التي لم تخالطْ أكثر مسائلها الفروعُ الفقهية.
واشتهرت هذه الطريقة باسم: طريقة المتكلمين، أو طريقة الشافعية (١).
الاتجاه الثاني: الكتابةُ الأصوليةُ المتأثرةُ في أكثر مسائلها بالفروع الفقهية.
واشتهرت هذه الطريقة باسم: طريقة الحنفيةِ (٢).
وقد ظَهَرَتْ في هذه القرونِ بعضُ الأعمالِ العلميةِ المذهبيةِ التي قامَ بها كثيرٌ مِنْ متمذهبي المذاهب، ومِنْ أهمِّها:
أولًا: القيامُ ببيانِ عِلَلِ الأحكامِ التي استنبطها إمامُ المذهبِ وإظهارِها (٣).
стр. 666
لم يكن التمذهبُ عائقًا أمامَ الاستزادة مِن العلمِ، بلْ كان دافعًا إلى النظرِ والتنقيب، ولا سيما في تراثِ إمامِ المذهب، وقد عُني كثيرٌ مِن المتمذهبين بالنظرِ فيما أطلقَ إمامُ المذهبِ الحكَمَ فيه، فأظهروا عللَ المسائلِ التي كَشَفَ إمامُهم عن أحكامِها؛ بُغْيَةَ إلحاقِ الفروع المشابهةِ لها بما نصَّ على حكمِه (١).
وبيانُ العللِ يفتحُ أمامَ المتمذهبين بابَ الفتيا فيما ليس فيه نصٌّ عن إمامِهم متى ما عُرِفتْ علةُ ما نصَّ عليه، وقد سُمِّي مَنْ يعمل ذلك بالمخرِّج، أو بمجتهدِ التَّخْرِيج (٢).
ومِن الطبعي أنْ يقعَ بين مخرّجي المذهب الواحدِ اختلافٌ في حكم الحادثةِ (٣)؛ لاختلافِهم في الفرع المخرَّجِ عليَه، وفي علتِه، وهذا مؤذنٌ باتساعِ دائرةِ الأقوالِ في المذهبِ (٤).
وكذلك اهتمَّ بعضُ المتمذهبين، ولا سيما مِنْ أرباب المذهبِ الحنفي ببيانِ أصولِ مذهبِهم مِنْ خلالِ الفروعِ المرويّةِ عن أئمةِ الَمذهب، وتمحيصِ النظرِ فيها؛ طلبًا للأصلِ الذي ساروا عليه (٥).
стр. 667
يقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري عن علماءِ الحنفيةِ في تلك القرون: "كان كثيرٌ مِن الاحكامِ التي رَوَوْها عن أئمتِهم غيرَ معللةٍ، فاجتهدوا في بيانِ الأصولِ التي جَرَى عليها الأئمةُ في استنباطِهم، وقد يختلف العلماءُ في تخريج هذه العللِ ... ووضعوا عند ذلك ما سمَّوه بأصولِ الفقه؛ اجتهادًا منهم أَنَّ هذه أصولُ أئمتِهم التي بنوا عليها استنباطَهم" (١).
ثانيًا: القيامُ بالترجيحِ بين الآراء المختلفةِ في المذهبِ (٢).
اهتمتْ طائفةٌ مِن أربابِ المذهبِ بالترجيحِ بين الأقوالِ داخل المذهبِ، فكانتْ لها عنايةٌ بهذا الأمرِ، وقد وَقَعَ الترجيحُ على نوعين:
النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.
النوع الثاني: الترجيحُ مِن جهةِ الدراية (٣).
стр. 668
النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.
قد يختلفُ النقلُ في بعضِ المسائلِ عن أئمةِ المذاهبِ؛ إذ الناقلون عن الأئمة كُثُرٌ، وقد يحصلُ الاختلافُ بينهم - لأيِّ سببٍ: كتجدّدِ الاجتهادِ، وخطأِ الناقلِ، ونحو ذلك - فكان مِنْ عملِ بعضِ علمَاءِ المذهبِ قيامُهم بالترجيح بين الرواياتِ المختلفةِ عن إمامِهم، فرجَّحوا ما اطمأنتْ أنفسُهم إليه، كأنْ يُرَجَّح ما نَقَلَه واحدٌ بعينِه مِنْ علماءِ المذهبِ على غيرِه مِنْ أرباب مذهبِه؛ لمزيَّةٍ فيه، أو يُرَجّح ما نَقَلَه الراوي الأكثر ثقةً على سائرِ الرواة فيمَا لو خالفوه (١).
النوع الثاني: الترجيحُ مِنْ جهةِ الدراية.
ممَّا هو واقعٌ في أغلب المذاهبِ - إنْ لم يكن في جميعِها - أنْ يُنْقَلَ عن إمامِ المذهب في مسألةٍ وَاحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، أو أنْ يختلفَ قولُ الإمامِ مع قولِ بعضِ أرَبابِ مذهبِه، ففي مثلِ هذه الأحوالِ تقومُ طائفةٌ مِنْ علماءِ المذهب العارفين بأصولِه، وطرقِ الاستنباطِ فيه، بالترجيحِ بين هذه الاختلافَاتِ في ضوءِ ما يتفق وأصولَ مذهبِهم (٢).
وقد ظَهَرَ نتيجةَ للترجيحِ بين الأقوالِ رواياتٌ وأقوالٌ وأوجهٌ ضعيفةٌ،
стр. 669
وأخرى قويةٌ يُعْتَمد عليها (١).
ومِن المتوقّعِ أنْ يحصلَ الاختلافُ بين المرجِّحين في القولِ الذي يتفقُ وأصولَ المذهب (٢)، وكان في هذا مدعاةٌ إلى تشعّبِ الآراءِ في المذهبِ، واتساعِ دائرتِه (٣).
ثالثًا: القيامُ بالانتصارِ للمذهبِ.
حَرَصَ جمعٌ مِن المتمذهبين على الانتصارِ لمذهبِهم، وبيانِ أدلتِه، وقوةِ أصولِه، وكان ذلك على صورتين:
الصورة الأُولى: الانتصارُ للمذهبِ ونصرتُه جُمْلَةً، وذلك ببيانِ مناقبِ إمامِ المذهبِ، ولا سيما سعة علمِه، واتباعه للكتابِ والسنةِ، وجودة استنباطِه، ومزيد ورعِه وزهدِه، والحثّ على التمذهبِ بمذهبِه (٤).
وقد يُوغِلُ بعضُ المتمذهبين فيتعصبُ لمذهبِه، ويقدحُ في أئمةِ
стр. 670
المذاهبِ الأخرى، ويحطُّ مِنْ شَأنِهم (١).
الصورة الثانية: الانتصارُ للمذهبِ على سبيلِ التفصيلِ، وذلك بذِكرِ حُجَجِ الإمامِ وأصحابِه في المسائلِ الخلافيةِ بين الأئمةِ، وتفنيدِ أدلةِ معارضيه، وقد صنّفَ المتمذهبون في ذلك كُتُبًا، عُرِفَت بكُتُب الخلاف (٢).
ولم تخلُ بعضُ هذه الانتصاراتِ مِنْ بعضِ الممارساتِ السلبيةِ، كالتكلّفِ في الاستدلالِ للمذهبِ، وفي المناقشةِ لأدلةِ المخالفين (٣)، وكتركِ أدلةِ المخالفين القويّةِ وإغفالِ ذكرِها.
لقد اتسمتْ تلك القرون وخاصةً القرن السادس والقرن السابع بكثرةِ العلمِ، فقد كانت المعلوماتُ كثيرةً جدًّا، وقد اهتمَّ بها الدارسون، فعَكَفوا عليها، لكنَّ هذه الكثرةَ لم يأتِ ما يناسبها من جودةِ النقدِ والترجيحِ لدى طائفةٍ كبيرةٍ من المتمذهبين؛ لإصرارِهم على الالتزام بالمذهب، وتعصّبِهم له (٤).
وممَّا بَرَزَ في القرون: الرابع الهجري وما بعده إلى القرن السابعِ الهجري:
الأمر الأول: انتشارُ ظاهرةِ التمذهبِ للأئمةِ، بحيثُ أصبحتْ هي