لم يكن التمذهبُ عائقًا أمامَ الاستزادة مِن العلمِ، بلْ كان دافعًا إلى النظرِ والتنقيب، ولا سيما في تراثِ إمامِ المذهب، وقد عُني كثيرٌ مِن المتمذهبين بالنظرِ فيما أطلقَ إمامُ المذهبِ الحكَمَ فيه، فأظهروا عللَ المسائلِ التي كَشَفَ إمامُهم عن أحكامِها؛ بُغْيَةَ إلحاقِ الفروع المشابهةِ لها بما نصَّ على حكمِه (١).
وبيانُ العللِ يفتحُ أمامَ المتمذهبين بابَ الفتيا فيما ليس فيه نصٌّ عن إمامِهم متى ما عُرِفتْ علةُ ما نصَّ عليه، وقد سُمِّي مَنْ يعمل ذلك بالمخرِّج، أو بمجتهدِ التَّخْرِيج (٢).
ومِن الطبعي أنْ يقعَ بين مخرّجي المذهب الواحدِ اختلافٌ في حكم الحادثةِ (٣)؛ لاختلافِهم في الفرع المخرَّجِ عليَه، وفي علتِه، وهذا مؤذنٌ باتساعِ دائرةِ الأقوالِ في المذهبِ (٤).
وكذلك اهتمَّ بعضُ المتمذهبين، ولا سيما مِنْ أرباب المذهبِ الحنفي ببيانِ أصولِ مذهبِهم مِنْ خلالِ الفروعِ المرويّةِ عن أئمةِ الَمذهب، وتمحيصِ النظرِ فيها؛ طلبًا للأصلِ الذي ساروا عليه (٥).
стр. 667
يقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري عن علماءِ الحنفيةِ في تلك القرون: "كان كثيرٌ مِن الاحكامِ التي رَوَوْها عن أئمتِهم غيرَ معللةٍ، فاجتهدوا في بيانِ الأصولِ التي جَرَى عليها الأئمةُ في استنباطِهم، وقد يختلف العلماءُ في تخريج هذه العللِ ... ووضعوا عند ذلك ما سمَّوه بأصولِ الفقه؛ اجتهادًا منهم أَنَّ هذه أصولُ أئمتِهم التي بنوا عليها استنباطَهم" (١).
ثانيًا: القيامُ بالترجيحِ بين الآراء المختلفةِ في المذهبِ (٢).
اهتمتْ طائفةٌ مِن أربابِ المذهبِ بالترجيحِ بين الأقوالِ داخل المذهبِ، فكانتْ لها عنايةٌ بهذا الأمرِ، وقد وَقَعَ الترجيحُ على نوعين:
النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.
النوع الثاني: الترجيحُ مِن جهةِ الدراية (٣).
стр. 668
النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.
قد يختلفُ النقلُ في بعضِ المسائلِ عن أئمةِ المذاهبِ؛ إذ الناقلون عن الأئمة كُثُرٌ، وقد يحصلُ الاختلافُ بينهم - لأيِّ سببٍ: كتجدّدِ الاجتهادِ، وخطأِ الناقلِ، ونحو ذلك - فكان مِنْ عملِ بعضِ علمَاءِ المذهبِ قيامُهم بالترجيح بين الرواياتِ المختلفةِ عن إمامِهم، فرجَّحوا ما اطمأنتْ أنفسُهم إليه، كأنْ يُرَجَّح ما نَقَلَه واحدٌ بعينِه مِنْ علماءِ المذهبِ على غيرِه مِنْ أرباب مذهبِه؛ لمزيَّةٍ فيه، أو يُرَجّح ما نَقَلَه الراوي الأكثر ثقةً على سائرِ الرواة فيمَا لو خالفوه (١).
النوع الثاني: الترجيحُ مِنْ جهةِ الدراية.
ممَّا هو واقعٌ في أغلب المذاهبِ - إنْ لم يكن في جميعِها - أنْ يُنْقَلَ عن إمامِ المذهب في مسألةٍ وَاحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، أو أنْ يختلفَ قولُ الإمامِ مع قولِ بعضِ أرَبابِ مذهبِه، ففي مثلِ هذه الأحوالِ تقومُ طائفةٌ مِنْ علماءِ المذهب العارفين بأصولِه، وطرقِ الاستنباطِ فيه، بالترجيحِ بين هذه الاختلافَاتِ في ضوءِ ما يتفق وأصولَ مذهبِهم (٢).
وقد ظَهَرَ نتيجةَ للترجيحِ بين الأقوالِ رواياتٌ وأقوالٌ وأوجهٌ ضعيفةٌ،
стр. 669
وأخرى قويةٌ يُعْتَمد عليها (١).
ومِن المتوقّعِ أنْ يحصلَ الاختلافُ بين المرجِّحين في القولِ الذي يتفقُ وأصولَ المذهب (٢)، وكان في هذا مدعاةٌ إلى تشعّبِ الآراءِ في المذهبِ، واتساعِ دائرتِه (٣).
ثالثًا: القيامُ بالانتصارِ للمذهبِ.
حَرَصَ جمعٌ مِن المتمذهبين على الانتصارِ لمذهبِهم، وبيانِ أدلتِه، وقوةِ أصولِه، وكان ذلك على صورتين:
الصورة الأُولى: الانتصارُ للمذهبِ ونصرتُه جُمْلَةً، وذلك ببيانِ مناقبِ إمامِ المذهبِ، ولا سيما سعة علمِه، واتباعه للكتابِ والسنةِ، وجودة استنباطِه، ومزيد ورعِه وزهدِه، والحثّ على التمذهبِ بمذهبِه (٤).
وقد يُوغِلُ بعضُ المتمذهبين فيتعصبُ لمذهبِه، ويقدحُ في أئمةِ
стр. 670
المذاهبِ الأخرى، ويحطُّ مِنْ شَأنِهم (١).
الصورة الثانية: الانتصارُ للمذهبِ على سبيلِ التفصيلِ، وذلك بذِكرِ حُجَجِ الإمامِ وأصحابِه في المسائلِ الخلافيةِ بين الأئمةِ، وتفنيدِ أدلةِ معارضيه، وقد صنّفَ المتمذهبون في ذلك كُتُبًا، عُرِفَت بكُتُب الخلاف (٢).
ولم تخلُ بعضُ هذه الانتصاراتِ مِنْ بعضِ الممارساتِ السلبيةِ، كالتكلّفِ في الاستدلالِ للمذهبِ، وفي المناقشةِ لأدلةِ المخالفين (٣)، وكتركِ أدلةِ المخالفين القويّةِ وإغفالِ ذكرِها.
لقد اتسمتْ تلك القرون وخاصةً القرن السادس والقرن السابع بكثرةِ العلمِ، فقد كانت المعلوماتُ كثيرةً جدًّا، وقد اهتمَّ بها الدارسون، فعَكَفوا عليها، لكنَّ هذه الكثرةَ لم يأتِ ما يناسبها من جودةِ النقدِ والترجيحِ لدى طائفةٍ كبيرةٍ من المتمذهبين؛ لإصرارِهم على الالتزام بالمذهب، وتعصّبِهم له (٤).
وممَّا بَرَزَ في القرون: الرابع الهجري وما بعده إلى القرن السابعِ الهجري:
الأمر الأول: انتشارُ ظاهرةِ التمذهبِ للأئمةِ، بحيثُ أصبحتْ هي
стр. 671
السّمةَ الباوؤةَ للحياةِ العلميةِ (١).
وتضاعفُ الأمرُ عند بعضِ المتمذهبين، فقرروا المنعَ مِن الخروجِ من المذهب؛ لئلا يقعَ الناسُ في تتبّعِ الرخصِ (٢).
وحلَّ الاجتهادُ المذهبي محلَّ الاجتهادِ المطلقِ (٣)، فكان كثيرٌ مِنْ محققي المذاهبِ في تلك القرونِ يقومون ببيانِ حكمِ النوازلِ عن طريقِ الاجتهادِ المذهبي المقيَّدِ (٤).
يقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: "لم يبقَ في جُلِّ الرابعِ مجتهدٌ مطلقٌ ... وإنْ ادَّعاه أحدٌ أنكرَ عليه، ونُوزع فيه" (٥).
стр. 672
وتَبعَ شيوع التمذهبِ للأئمةِ:
- تمركزُ بعضِ المذاهب في عددٍ من الأقاليم والأقطارِ الإسلاميةِ بصورةٍ أوضح ممَّا كانت عليه (١).
- وجودُ المدارٍ التي تُعْنَى بالعلمِ الشرعي، وكان منها: المدارسُ المذهبيةُ التي تقومُ على نشْرِ علومِ المذهبِ ورعايتها (٢).
يقولُ شمسُ الدينِ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) بعدما ذَكَرَ عددًا مِنْ مجتهدي أوائل القرن الرابع: "ثمَّ بعدَ هذا النَمَطِ تَنَاقَصَ الاجتهادُ، ووُضِعَتْ المختصراتُ، وأخلدَ الفقهاءُ إلى التقليدِ، مِنْ غيرِ نظير في الأعلمِ، بلْ بحسبِ الاتفاقِ والتشهي والتعظيمِ والعادةِ والبلدِ" (٣).
ويقول الشيخُ مصطفى الزرقا عن الحالةِ العلميةِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ: "ركدتْ حركةُ الاجتهادِ، وأخلدَ الراغبونَ في الفقهِ إلى العكوتِ على مذاهبِ أولئك المجتهدين السابقين، وخاصةً منهم الأربعة" (٤).
وكانتْ جهودُ كثيرٍ من الفقهاءِ في هذه القرونِ محصورةً في دائرةِ مذهبِ إمامِهم، فلا يكادون يحيدون عنه (٥).
الأمر الثاني: القولُ بإقفالِ بابِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ
стр. 673
الإسلاميةِ (١).
دعا بعضُ المتمذهبين في أواخرِ القرنِ الرابعِ الهجري تقريبًا إلى القولِ بإقفالِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ (٢).
وكانت هناك عدةُ بواعث للقولِ بإقفالِ باب الاجتهادِ، وسيأتي في البابِ الثاني إنْ شاءَ الله مزيدُ حديثٍ عن هذه المسأَلة.
الأمر الثالث: خدمةُ المذهب بالتأليفِ فيه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الأمرِ عند حديثي عن أعمالِ المتمذهبين في هذه القرونِ (٣).
الأمر الرابع: اتّساعُ علمِ أصولِ الفقهِ على أيدي كبارِ رجالِ المذاهبِ الأربعةِ، وتحريرُ مسائلِه، والعنايةُ به (٤).
стр. 674
يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا معلِّلًا توسّعَ العلماءِ في أصولِ الفقهِ: "كان اتساعُه؛ نتيجةً لازمةً لتلك التوسعاتِ المذهبيةِ التي يجبُ أنْ تستندَ إليه" (١).
ويُبيّنُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عنايةَ العلماءِ بأصولِ الفقهِ في القرونِ التي قيل: إنَّ بابَ الاجتهاد قد أُقْفِلَ فيها، فيقول: "وَجَدَت العقولُ القويّةُ المتجهةُ إلى الفحصِ والبحثِ والدراسةِ في أصولِ الفقهِ بابًا لرياضةِ فقهيّةٍ، مِنْ غيرِ أنْ تتورطَ في استنباطِ أحكامٍ تُخالفُ ما قرره المذهبُ الذي ينتمون إليه، وإنَّ المتعصبين لمذاهبِهم وجدوا في بحوثِ علمِ الأصولِ والاستفاضةِ فيها ما يمكن أنْ يؤيدوا به مذهبَهم، ويوثقوا الاستدلالَ له" (٢).
الأمر الخامس: استمرارُ انتشارِ المناظراتِ بين أتباعِ المذاهب، وتَبعَ هذا الأمر اهتمامُ بعض المتمذهبين بتقعيدِ علمِ الجدلِ وتأصيلِه (٣).
فقد شاعَت المناظراتُ بين أرباب المذاهب أكثر ممَّا سَبَقَ، فخاضوا مَعَامِعَهَا، وجالوا في مَيَادِينِها، وكان الدافعُ في كثيرٍ منها الانتصارَ للمذهب، وترجيحَ التمذهبِ به على سائرِ المذاهب (٤).
стр. 675
يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: "كانتْ هناك منافساتٌ ومناقشاتٌ ومناظراتٌ واسعةٌ بين رجالِ المذاهب ... تسودها صبغةُ العصبيةِ المذهبيةِ أكثر مِن الغَرَضِ العلمي" (١).
الأمر السادس: شيوعُ التعصبِ للمذاهبِ، وقيامُ الصراعاتِ بينها (٢).
لقد قصرتْ نظرةُ بعضِ أربابِ المذاهبِ في فَهْمِ التمذهب، فأوغلوا في الدفاعِ عن مذهبِهم، وعن آثارِ إمامِهم، فتعصّبوا له، وادّعَوا صوابَ مذهبِهم كلِّه، وحاربوا غيرَهم مِنْ أرباب المذاهب (٣)، ولم يجعلوا مِنْ الاختلافاتِ القائمةِ بين المذاهبِ رحمة وعذرًا للمخالفِ، بلْ جعلوها مدخلًا للوقوعِ في التعصبِ بشتَّى ألوانِه وصورِه، فسمَّوا المخالفَ
стр. 676
خصمًا (١)، مع العلمِ أنَّ جُلَّ المسائلِ الخلافيةِ بين أرباب المذاهبِ مسائلُ اجتهادية، وقد كان أئمةُ المذاهب أنفسُهم وسائرُ المجتهدين يعذرون المخالفَ فيها (٢).
يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) عن مالكيةِ الأندلسِ: "وأمَّا أهلُ بلدِنا، فليسوا ممَّنْ يتعنَّى بطلب دليلٍ على مسائلِهم ... فيَعْرِضُون كلامَ الله تعالى، وكلامَ الرسول ﷺ عَلى قولِ صاحبهم ... فإنْ وافقَ قولُ الله وقولُ رسولِه ﵇ قولَ صاحبِهم أخذوه، وإنْ خالفاه تركوا قولَ الله تعالى جانبًا، وقولَه ﵇ ظهريًا" (٣).
ويقولُ ابنُ الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): "رأيتُ جماعةً مِن المنتسبين إلى العلمِ، يعملون عَمَلَ العوامِّ، فإذا صلَّى الحنبليُّ في مسجدٍ شافعي، ولم يجهرْ، غَضَبَت الشافعيةُ، وإذا صلَّى شافعيُّ في مسجدٍ حنبلي، وجَهَرَ، غَضَبَت الحنابلةُ، وهذه مسألةٌ اجتهاديةٌ، والعصبيةُ مجرّدُ هوى يمنعُ منه العلمُ" (٤).
وقرّرَ بعضُ المتمذهبين عدمَ صحةِ الصلاةِ خلفَ المخالف في الفروع (٥)، بلْ تعدّى الأمرُ في أوائلِ المائةِ السادسةِ إلى وجودِ أربعةِ
стр. 677
مقاماتٍ للمذاهبِ الأربعةِ في المسجدِ الحرامِ؛ ليؤدي أربابُ كلِّ مذهبٍ صلاتهم على حدة (١).
ولتصورِ مدى التعصب المذهبي واستفحالِ أمرِه في تلك القرون، أذكرُ ما جرى لأبي المظفرِ السمَعاني (ت: ٤٨٩ هـ) لمَّا انتقلَ إلى المذهبِ الشافعي وترك المذهبَ الحنفي، إذ اضطربَ الناسُ في إقليمِه، وماجت العوامُّ، وقَامَت الحربُ على ساقٍ! وظَهَرَتْ بوادرُ فتنةٍ بين أرباب المذهبين: الحنفي والشافعي، ووَرَدَ كتابٌ مِن السلطان إلى أبي المظفر يُشَدّدُ عليه بالرجوعِ إلى المذهبِ الحنفي، لكنَّ أبا المظفرِ لم يرجعْ إلى المذهبِ الحنفي، وانتقلْ إلى بلدٍ آخر (٢).
بلْ بَلَغَ التعصبُ المذهبي مِنْ بعضِ المنتسبين إلى المذاهبِ في تلك القرون أنْ يقول أحدُ أرباب المذهب الحنفي (٣): "لو كان لي أمرٌ لأخذتُ الجزيةَ مِن الشافعيةِ"! (٤).
وللتعصبِ صورٌ سآتي عليها في البابِ الثاني، إنْ شاءَ الله تعالى.
стр. 678
الأمر السابع: وجودُ عددٍ مِن العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي.
لمَّا استفحلَ أمرُ التمذهبِ عند بعضِ المتمذهبين، ورَكَنُوا إلى التقليدِ المذهبي، وأَعْرَضُوا عن النظرِ في الأدلةِ، قامَ بعضُ العلماءِ بالتحذيرِ مِنْ هذا الفعلِ، والنصيحةِ لمَنْ وَقَعَ فيه، وبيانِ أنَّ الواجبَ هو النظرُ في الأدلةِ، ويأتي على رأس هؤلاء العلماء: ابنُ حزمٍ الأندلسي (ت: ٤٥٦ ص) (١) - وموقفه من المتمذهبين مشهورٌ - وابن عبد البر المالكي (ت: ٤٦٣ هـ) - وسيأتي بيانُ قولهما في الفصلِ الثالثِ، إن شاءَ الله تعالى - وأبو شامةَ المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ).
* * *
стр. 679
المطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري
لقد ازدادَ تمسكُ العلماءِ بالمذاهب الفقهيةِ مع بدءِ القرنِ الثامنِ الهجري، فأضحى التمذهبُ بكافّة ألوانِه طاغيًا مِنْ حيثُ الجملةُ على الحياةِ العلميةِ في الفقهِ وأصولِه، بلْ مع كلِّ أسفٍ جَعَلَ كثيرٌ من المتمذهبين مِنْ تمذهبِهم سبيلًا إلى تقهقرِ الفقهِ، وجمودِ أصولِه؛ لتركِهم تطبيقَ القواعدِ الأصوليةِ على نصوصِ الكتابِ والسنةِ.
وأيضًا: فقد جَعَلَ المتمذهبون مذاهبَهم مهيمنةً عليهم، وازداد تبعًا لهذا الأمرِ الجمودُ على المذاهبِ (١)، والتمسكُ بها (٢).
ويتحسر شمسُ الدينِ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) على الحالةِ العلميةِ المنتشرةِ في عصرِه، فيقول: "صارَ علماءُ العصرِ في الغالبِ عاكفين على التقليدِ في الفروعِ مِنْ غيرِ تحريرٍ لها ... واسْتَحْكَمَت الأهواءُ، ولاحتْ مبادئُ رفعِ العلمِ، وقبضِه مِن الناسِ ... " (٣).
стр. 680
وقد انتشرَ تقيّدُ أربابِ المذاهب في هذه الحُقبِ الزمنيةِ بمذاهبِهم، فلا يحيدون عنها، وقد حكىَ شمسُ الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) أنَّ أكثرَ علماءِ زمانِه متقيدون بمذاهبِهم (١).
وممَّا يُؤَكّدُ انتشار الصبغة المذهبية في هذه القرونِ أنَّ عددًا مِن المتمذهبين مَنَعُوا التلفيقَ بين المذاهبِ، وأَوْجَبَتْ طائفة منهم التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم (٢).
وقد ازدادَ في هذه القرونِ التعصبُ للمذاهب الفقهيةِ بصورةٍ أشدّ مما كانت عليه مِنْ قبلُ (٣).
ويصف الحافظ ابنُ رجبٍ (ت: ٧٩٥ هـ) حالَ أكثرِ الناسِ في زمنِه بأنَّهم لم يبلغوا الغايةَ في العلمِ، ولا ارتقوا إليها، وما زالوا في بدءِ أمرِهم، مع ادِّعاء كثيرٍ منهم الوصولَ إلى الغاياتِ، والانتهاءَ مِن النهاياتِ (٤).
وقد أوضحَ ابنُ خَلدون (ت: ٨٠٨ هـ) أن حالَ محصِّلي الفقه في عصرِه أمسى في نقلِ المذاهبِ، والعملِ بمذهبِ إمامِهم (٥).
ويقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا عن هذه القرونِ: "ففي هذا العصرِ سادَ الفكرُ التقليديُّ المغلقُ، وانصَرَفَت الأفكارُ عن تَلَمّسِ العللِ والمقاصدِ الشرعيةِ في فقهِ الأحكامِ إلى الحفظِ الجافِّ، والاكتفاءِ بتقبّلِ كلِّ ما في الكتبِ المذهبيةِ، دونَ مناقشةٍ" (٦).
стр. 681
وكان قدرٌ ليس بالقليل مِن النشاط التأليفي لأرباب المذاهب منصرفًا إلى الاختصارِ للمؤلفاتِ السابقة، فكانَ كثيرٌ منها إعَادةً لما قالَه السابقون، وقد اتسمتْ هذه المؤلفات بالطَابَعِ التقليدي في التأليفِ؛ إذ يمثّلُ أكثرُها الجمودَ المذهبي على ما كتبه السابقون (١)، إضافة إلى عدمِ اعتناءِ كثيرٍ مِن المؤلِّفين بذكرِ أدلةٍ لمذاهبهم، واكتفائهم بتقريرِ الحكمِ مجرّدًا عنها (٢).
وقد تفنّن العلماءُ في الإيجازِ، بحيثُ يَجْمَعون الفروعَ الكثيرةَ في الألفاظِ القليلةِ (٣)، وأضحتْ هذه المختصرات بالألغازِ أشبه (٤)، وأمسى الدارسُ لا يفهمُ هذه العباراتِ الموجزةَ إلا بمراجعةِ الشروحِ والحواشي؛
стр. 682
ليتوصّلَ إلى مراداتِ مؤلفيها (١).
يقول الإمامُ محمد الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) عن علماء هذه القرونِ: "لا ريبَ أنَّ في سائرِ الديارِ المصريةِ والشاميةِ مِن العلماءِ الكبارِ مَنْ لا يبلغُ غالبُ أهلِ ديارِنا إلى رتبتِه، ولكنَّهم لا يفارقون التقليدَ الذي هو دَأَب مَنْ لا يعقلُ حججَ الله ورسولِه، ومَنْ لم يفارق التقليدَ، لم يكنْ لعلمِه كثيرُ فائدةٍ، وإنْ وُجِدَ مَنْ يعمل بالأدلة، ويَدَعُ التعويلَ على التقليدِ، فهو القليلُ النادرُ، كابنِ تيمية، وأمثالِه" (٢).
ولم يكتفِ بعضُ المتمذهبين بتركِ النظرِ في نصوصِ الكتابِ والسنةِ، بلْ تعدَّى الأمرُ إلى تَرْكِ النظرِ في كُتُب إمامِ المذهب ومتقدمي أصحابِه، والاكتفاءِ بما قرّره متأخرو علماءِ الَمذهب، بلْ بَلَغَ الأمرُ عند بعضِ المتمذهبين إلى أن الواحدَ منهم لو أراد النظَرَ في كتبِ إمامِه أو مؤلفاتِ أصحابِه المتقدمين، لسَخِرَ منه بعضُ أرباب مذهبه، وقالوا عنه: إنَّه يرى نفسَه أهلًا لمعرفةِ قولِ الإمام! (٣).
ويبيّنُ الشيخُ محمدُ بنُ عبد الوهاب (ت: ١٢٠٦ هـ) حالَ بعضِ المتمذهبين في عصرِه، فيقول: "قالوا: القرآن لا يجوزُ العملُ به لنا ولأمثالنا (٤)، ولا بكلامِ الرسولِ، ولا بكلامِ المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره
стр. 683
المتأخرون" (١).
ويقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: "قلَّما تَجِدُ عالمًا يُعْنى بدراستِها - أي: كتب متقدمي المذاهب - أو الاطلاعِ عليها، بلْ تجدُ كبارَ العلماءِ لا يَسْمَعُون بأسمائِها ... " (٢).
ولتوضيحِ الحالةِ المذهبيةِ في تلك القرونِ في بعضِ الأقاليم أذكر ما نقله أحمدُ الونشريسي (ت: ٩١٤ هـ) (٣) عن بعضِ فقهاءِ عصرِه في وصفِ الحالةِ العلميةِ والمذهبيةِ لبلادِ المغرب، فيقول: "إنَّ اتّباعَ أهلِها لمذهب مالكِ ﵃، والتزامَهم الأخذَ بقولِه وقولِ أصحابِه، ومَنْعَ ملوكِها وأمرائَها الناسَ مِن الخروجِ عنه، أمرٌ هو مِن الشُّهرةِ بحيثُ لا يحتاجُ إلى استشهادٍ عليه، حتى إنَّه لم يُحْفَظْ عن أحدٍ مِن أهلِ العلم بالمغرب الخروجُ مِنْ مذهب مالكٍ! ولا الأخذُ بغيرِه مِن المذاهب، وكلُّ مَنْ رام شَيئًا مِن ذلك، أو جَنَحَ إليه، لقيَ مِن الإنكارِ لعلمِه، والتسفيهِ لحِلمِه ما لم يكن له به قِبَل ... " (٤).
وقد بَرَزَ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ عددٌ من محققي المذاهب، منهم من عُنِيَ بتحقيقِ مذهبِه، ومنهم مَنْ أضافَ إليه العنايةَ بالنظرِ في الأدلةِ، ومِن هؤلاءِ: تقيُّ الدّينِ السبكي الشافعي (ت: ٧٥٦ هـ)، وجمالُ الدّينِ الزيلعي
стр. 684
الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ) (١)، وشمسُ الدّينِ محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ)، وجمالُ الدّينِ الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، وخليلٌ المالكي (ت: ٧٧٦ هـ)، وسراجُ الدّينِ البلقيني (ت: ٨٠٥ هـ) (٢)، وابنُ الهمامِ الحنفي (ت: ٨٦١ هـ)، وأكملُ الدّينِ محمد البابرتي (ت: ٧٨٦ هـ)، وعلاء الدين المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ).
وقد كَثُرَتْ في هذه القرونِ التطبيقاتُ الفقهيةُ المذهبيةُ، إذ سُجِّلتْ فتاوى عددٍ مِن المتمذهبين، وكُتِبَتْ في مُؤَلَّفاتٍ مرتبةٍ على أبوابِ الفقهِ، وقد جاءَ في تضاعيفِ بعضِ هذه المؤلفات مباحثُ أصوليةٌ، وقد عُرِفَ كثيرٌ منها باسم: الفتاوى (٣).
يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: "أسلوبُ الفتاوى يجري غالبًا على طريقةِ
стр. 685
ذكرِ السؤالِ، وإردافِه بالجواب مع النصوصِ المذهبيةِ التي يستندُ الجوابُ إليها، وقد يُقْتَصَرُ فيها على سرَدِ أحكامِ الوقائعِ، دونَ الأسئلةِ" (١).
وهذا النوعُ مِن التأليف في تلك القرونِ مع ما وَصَلَت إليه الحالةُ المذهبيةُ مِن التقليدِ المذهبي الصِرْف، شاهدٌ ناطقٌ على أن المتمذهبين لم يقفوا أمامَ الحوادثِ دونَ بيانِ حكمِها، بلْ أوجدوا لها الحلولَ في ضوءِ فروعِ مذهبِهم، وأصولِه (٢).
وقد بدأت الصورةُ المذهبيةُ القاتمةُ مِن القرن العاشر الهجري تقريبًا (٣)، واستمرتْ إلى منتصفِ القرن الرابع عشر الهجري تقريبًا، وقد وَصفَ الشيخُ مصطفى الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ) فِكْرَ كثيرٍ مِن متمذهبي المذاهبِ الأربعةِ في القرونِ المتأخرةِ بأنَّه فكرٌ عاميٌّ! وليس بفكرٍ علمي (٤).
стр. 686
وقد بيَّن أحدُ علماءِ المذهب الشافعي في القرن الحادي عشر الهجري (١) أنَّ الغالبَ على الناسِ في إقليمه (الأحساء)، التزامُ ترجيح مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ بدءًا مِنْ كتاب: الطهارةِ إلى نهايةِ أبوابِ الفقهِ، والباعثُ عليه هو التقليدُ المذهبي المحضُ (٢).
وقد غَلَبَ على كثيرٍ من المتمذهبين الاعتمادُ على الكتبِ المختصرةِ، والاكتفاءُ بها (٣).
وقد بَزَرَ في القرونِ المتأخرة عددٌ من محققي المذاهب، مثل: أبي الحاسن بن المبرد الحنبلي (ت: ٩٠٩ هـ)، وابنِ نجيمٍ الحنفي (ت: ٩٦٩ هـ)، وشمسِ الدّينِ الرملي الشافعي (ت: ١٠٠٤ هـ)، ومنصور البهوتي الحنبلي (ت: ١٠٥١ هـ)، وأحمد الدردير المالكي (ت: ١٢٠١ هـ)، ومحمد بن عابدين الحنفي (ت: ١٢٥٢ هـ)، والشيخِ عبد الحي اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) (٤)، والشيخِ خير الدين الألوسي (ت: ١٣١٧ هـ) (٥)،
стр. 687
والشيخ أحمد الزرقا (ت: ١٣٥٧) (١).
وقد بَرَزَ في القرنِ الثامنِ الهجري إلى منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري أمورٌ (وهي في مجملِها مثل ما في مميزاتِ القرونِ: الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري)، مِنْ أهمِّها:
الأمر الأول: تمكّنُ روحِ التقليد المذهبي الصِرْف في نفوسِ كثيرٍ مِن العلماءِ (٢)، وغلبتْ هذه الروحُ ولا سيما في القرن العاشر الهجري وما بعده مِن القرونِ على ظاهرةِ الاجتهادِ المذهبي المقيَّد (٣).
стр. 688
يقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: "فغالبُ العلماءِ مِن المائة الثامنة إلى الآن، لم يُحْفَظْ لهم كبيرُ اجتهادٍ، ولا لهم أقوالٌ تعتبرُ في المذهبِ أو في المذاهبِ، وإنَّما هم نقَّالون اشتغلوا بفتحِ ما أغلقه ابنُ الحاجب، ثم خليلٌ، وابنُ عرفة، وأهلُ القرونِ الوسطى مِن المذاهبِ الفقهيةِ" (١).
ويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن حالِ علماءِ بعضِ المذاهب بعدَ تقهقرِهم في الاجتهادِ المذهبي: "بعد أن انقضى دورُ التخريجِ جَمَدَ الَعلماءُ على المنقولِ، لا يتجاوزونه، وامتنعوا عن التصرّفِ، وصاروا يرجّحون ما ترجِّحُ الكتبُ، ويزَيّفون ما تُزيّف، وليس لهم فكرٌ إلا في استخراجِ العلمِ مِنْ بين دِفَّاتِها ... " (٢).
وازداد الأمر سوءًا مِنْ أوائلِ القرنِ العاشرِ الهجري، فـ "الحالُ قد تبدلتْ، والمعالمُ قد تغيرتْ، وأُعْلِنَ أنَّه لا يجوز لفقيهٍ أن يختارَ ولا أن يرجّحَ، وأنَّ زَمَنَ ذلك قد فاتَ، وحِيلَ بين الناسِ، وبين كتب المتقدمين" (٣)، وأُصيبَت العلومُ بالانحطاطِ (٤).
يقولُ الشيخُ صالحٌ الفلاني (ت: ١٢١٨ هـ): "لقد طُفتُ مِنْ أقصى المغرب، ومِنْ أقصى السودان إلى الحرمين الشريفين، فلم ألقَ أحدًا يُسأل عن نازَلةٍ، فيرجع إلى كتاب ربّ العالمين وسنةِ سيّدِ المرسلين وآثارِ الصحابةِ والتابعين، إلا ثلاثَةَ رجالٍ، وكلُّ واحدٍ منهم مقموعٌ محسودٌ، يبغضه جميعُ مَنْ في بلدِه مِن المتفقهين ... وموجِبُ العداوةِ والحسدِ تمسّكهم بالكتابِ وسنةِ إمامِ المتقين ... " (٥).
стр. 689
وكان غالبُ نشاطِ كثيرٍ من المتمذهبين منحصرٌ في العملِ على تحريرِ المذهبِ، والتمييزِ بين الأقوالِ الضعيفةِ والقويةِ فيه (١).
الأمر الثاني: ازدادَ التعصبُ المذهبي بين صفوفِ كثيرٍ مِن المتمذهبين (٢).
يقول الشيخُ صديقٌ حسن خان (ت: ١٣٠٧ هـ) عن ظاهرةِ التعصّبِ المذهبي في عصرِه: "فهذا النوعُ مِن الافتراقِ في هذا العصرِ موجودٌ ومشاهدٌ بكثرةٍ في بلادِ الهندِ، لعلك شاهدتَ أنَّ المقلِّدين للمذهبِ الحنفي لا يُصَلّون خلف مَن يجهر بـ: آمين، ويرفع اليدين في مسجدٍ واحدٍ، ويحسبون المتبعَ أسوأ مِنْ المقلِّد، حتى انفصلت المساجدُ، وتباينت المذاهبُ، وتوزَّع أهلُ المذاهب إلى طوائف ... ووَصَلَ التفرقُ والخلافُ إلى حدِّ تجاوز التبديعَ إلى أن يُكفرَ بعضُهم بعضًا" (٣).
ويقولُ الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) (٤): "بَلَغَ مِنْ إيذاءِ بعضِ المتعصبين لبعضٍ في طرابلس الشام في آخر القرنِ الثالث عشر الهجري، أنْ ذَهَبَ بعضٌ شيوخِ الشافعيةِ إلى المفتي - وهو رئيس العلماء - وقالَ له: اقسم المساجدَ بيننا وبين الحنفيةِ؛ لأنَّ فلانًا من فقهائهم يعتبرنا كأهل
стр. 690
الذِّمة ... ! " (١).
الأمر الثالث: تشربتْ كثيرٌ مِن النفوسِ القول بإغلاقِ باب الاجتهادِ، وازْدَادَت الحيلولةُ عنه؛ بدليل: ندرة مَنْ دعا إليه مِنْ أربابِ المذَاهب (٢).
الأمر الرابع: الانغلاقُ والانحباسُ في المذهب، بحيثُ لا يكادُ يَعْرِفُ بعضُ المتمذهبين غيرَ مذهبِهم؛ لأنَّهم يرون أنَّ الَحقَّ منحصرٌ فيه (٣)، وتَبعَ ذلك إعراضُ كثيرٍ مِنهم عن النظرِ في الأدلةِ.
وقد جعل الشيخُ عبدُ الحي اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) هذا الأمرَ عامًّا عند أربابِ المذاهبِ من الحنفيةِ والشافعيةِ والمالكيةِ والحنبليةِ (٤).
يقول الشيخُ محمدٌ الخضري عن الحالةِ العلميةِ في القرونِ المتأخرةِ: "لا نسمعُ باسم عالمٍ كبيرٍ، أو فقيهٍ عظيمٍ، أو مؤلِّفٍ مجيدٍ، بلْ نَجِدُ قومًا غَلبتْ عليهم القناعةُ في الفقهِ، فقلَّما نَجِدُ مَنْ يشتغلُ بغيرِ مذهبِه، وإذا اشتغلَ بمذهبِه اقتصرَ على تلك الكتب التي اشتدَّ بها الاختصار، حتى كأنَّها ما ألفتْ لتُفْهَم! " (٥).
الأمر الخامس: شيوعُ تصنيفِ المختصراتِ الفقهية، وكُتُبِ الفتاوى، وانقطاعُ الصلةِ بكتبِ المتقدمين (٦)، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ.
стр. 691
الأمر السادس: وجودُ عددٍ مِن العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي (١).
فقد وُجِدَ في هذه القرونِ عددٌ مِن العلماءِ الذين دَعَوْا إلى النظرِ في الأدلةِ، وترجيحِ ما يرجحه الدليلُ، دون التقيّدِ بما في المذهب، ودعوا أيضًا إلى عدمِ الجمودِ على المذاهبِ، فمِنْ هؤلاءِ: تقي الدين بن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، وشمسُ الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، وشمسُ الدين بن القيم (ت: ٧٥١ هـ)، والشيخ محمد بن الوزير اليماني (ت: ٨٤٠ هـ) (٢)، والشيخ صالح المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) (٣)، والشيخ محمد المعين السندي (ت: ١١٦١ هـ) (٤)،
стр. 692
والأمير محمد الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) (١)، والشيخ الحسين بن مهدي النُعْمي (ت: ١١٨٧ هـ) (٢)، والشيخ صالح بن محمد الفُلاني (ت: ١٢١٨ هـ) (٣)، والشيخ محمد الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) (٤)، والشيخ صديق حسن خان (ت: ١٣٠٧ هـ) - وكان شديد التأثر بالشوكاني - والشيخ نور الحسن القنوجي (ت: ١٣٣٦ هـ) (٥).
стр. 693
وهؤلاءِ متفاوتون في موقفِهم مِن المذاهبِ أو مِن التمذهبِ، فبعضُهم حاربَ التقليدَ المذهبي مِن القادرِ على الاستدلالِ، ومنهم مَن حاربَ التمذهبَ على سبيلِ العمومِ.
ويدلُّ على وجودِ ظاهرةِ منافرةِ التقليدِ للمذاهبِ: ما قاله الشيخُ عبدُ الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٤٢ هـ): "بعضُ إخوانِنا في هذا الزمانِ، إذا خالفه بعضُ إخوانِه في مسألةٍ يسوغُ فيها الاجتهادُ، نَسَبَه إلى التقليدِ، أو ذَكَرَ له كلامَ بعضِ الفقهاء، تغيَّر وجهُه، وقال: هؤلاءِ المقلِّدة وأهل الرأي المتمذهبة" (١).
الأمر السابع: ظهورُ عددٍ مِن الدعواتِ في العالم الإسلامي، ينادي كثيرٌ منها بالعودةِ إلى الكتاب والسنةِ (٢)، ومِنْ أهمّها: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٠٦ هـ)، وَأتباعُ هذه الدعوةِ متمذهبون بالمذهبِ الحنبلي، دونَ تعصبٍ له، فمتى لاح الدليلُ لقولٍ أخذوا به، مع تأثرهم باختياراتِ تقي الدين بن تيمية، وتلميذه ابنِ القيم (٣).
الأمر الثامن: صدورُ (مجلة الأحكام العدلية)، ذات الصفة القانونية (٤).
стр. 694
صدر في أواخر القرن الثالث عشر الهجري عام (١٢٦٨ هـ) مِنْ لجنةٍ علميةٍ مجلةٌ عُرِفَتْ باسم: (مجلة الأحكام العدلية)، منتقاة مِنْ قسمِ المعاملاتِ مِنْ فقهِ المذهب الحنفي (١)، ورُتبَت مباحثُها على الكتب والأبوابِ الفقهية المعهودةِ، لكنَها فصلت الأحكامَ بمواد متسلسلةٍ؛ ليسهلَ الرجوعُ إليها، وقد أخذ القائمون عليها ببعضِ الأقوالِ المرجوحةِ في المذهبِ الحنفي؛ لأمورٍ تقتضي العملَ بها، كالمصلحةِ ونحوِها (٢).
* * *
стр. 695
المطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر
لم يختلفْ حالُ الناسِ مِنْ حيثُ التمسكُ بالمذاهب في منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري عمَّا سبق، فالعكوفُ على المذاهبَ، واكتفاءُ أربابِها بمذهبِهم كانت الصورةَ المهيمنةَ على الحالةِ العلميةِ، وقدَ ظَهَرَ لي أنَّ اهتمامَ كثيرٍ مِنْ المتمذهبين منصّبٌ على الفروعِ وتقريرِها، وكان هذا الاهتمامُ على حسابِ اهتمامِهم بأصولِ الفقهِ.
إضافةً إلى استمرارِ التعصبِ المذهبي في صفوفِ كثيرين مِنْ أربابِ المذاهبِ، وقد بيَّن الشيخُ عليٌّ بن حسن القنوجي (توفي قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر) (١) أنَّ حالَ الناسِ في غالبِ الأقاليمِ في زمنِه على الأخذِ بما قاله إمامُ المذهب، بل إنَّ بعضَهم يعدُّ مَنْ خالفه خارجًا عن الشريعة المطهرة! (٢).
وقد ذَكَرَ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ) أنَّ أحدَ
стр. 696
المالكيةِ في زمنِه قَبَضَ يديه في الصلاةِ، فأفتى العلماءُ بتضليلِه! وطلبوا مِنْ أميرِ بلادِهم أنْ يسجنَه أو يقتلَه! (١).
إلا أنَّ ما ذكرتُه آنفًا عن الحالةِ العلميةِ قد بَدَأَ بالاختلافِ مِنْ منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا؛ إذ ظَهَرَتْ كتابات لا تنحصرُ في مذهبٍ فقهيّ معيّنٍ، بلْ تستفيدُ ممَّا عند المذاهبِ الأخرى، دون أنْ تدعو إلى محاربةِ المذاهبِ، أو إلى تركِها، فانقلبَ الأمرُ عمَّا كان عليه مِنْ قبل (٢).
وقد وُجِدَتْ في العصرِ الحاضرِ دعوات تُحذِّرُ مِن المذاهب، وأخرى تُحذِّرُ مِن التقليدِ المذهبي، ومِن الإعراضِ عن الأدلةِ.
وقد بَرَزَ في منتصفِ القرنِ الرابع عشر، والقرنِ الخامس عشر الهجريين عددٌ مِن المتمذهبين البارعين في مذاهبهم، منهم: الشيخ عبد الله العنقري (ت: ١٣٧٣ هـ) (٣)، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) (٤)،
стр. 697
والشيخ عبد الرحمن السعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) (١)، والشيخ عيسى منون (ت: ١٣٧٦ هـ) (٢)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ).
وقد بَرَزَتْ في هذين القرنينِ أمورٌ، منها:
الأمر الأول: بدءُ انحسارِ الصبغةِ المذهبيةِ القاتمةِ التي كانت مهيمنةً على الحياةِ العلميةِ في القرونِ السابقةِ تدريجيًا بعدَ منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا في كثيرٍ من الأقاليمِ والأقطارِ.
стр. 698
الأمر الثاني: استمرارُ التعصبِ المذهبي في بعضِ الأقطارِ والأقاليمِ إلى أواخرِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا (١).
ثمَّ بعد هذا أَسْفَرَ نورُ انقشاعِ التعصبِ المذهبي بين صفوفِ أرباب المذاهبِ في الجملةِ في أواخر القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا إلى العصَرِ الحاضرِ (٢).
يقول الشيخُ محمدٌ أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ) عن التعصبِ المذهبي: "لا زالَ إلى الآن أثارةٌ قليلةٌ مِن التعصب بين أهلِ المذاهب، نرجو أنْ تزيلَها سعةُ العقول والأفهامِ" (٣).
ويقول الشيخُ مصطفى الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ) عن التعصبِ المذهبي: "فهو - بحمد الله - في هذا العصرِ آخذٌ في الاضمحلال؛ إذ أصبحَ الانفتاحُ على المذاهبِ جميعًا مِنْ سماتِ الفقيه المعاصر" (٤).
الأمر الثالث: ضعفُ الاهتمامِ بعلمِ أصول الفقهِ في غالب عقودِ القرنِ الرابع عشر الهجري، ثم بدء الاهتمامِ به في العصرِ الحاضرِ، وظهور كتاباتٍ أصوليةٍ متخصصةٍ.
الأمر الرابع: وجودُ المحافلِ العلميةِ، والمجامعِ الفقهيةِ التي يُعْنى
стр. 699
القائمون عليها بالنظرِ في النوازلِ التي تنزل بالمسلمين؛ لمعالجتِها في ضوءِ الأدلةِ الشرعيةِ، مع عدمِ إغفالِهم لما دوّنه فقهاءُ المذاهبِ الفقهيةِ (١).
وقد بَرَزت في هذه المجامع ظاهرةُ الاجتهادِ الجماعي، فَفُتِحَ بذلك بابُ الاجتهادِ في الشريعة الإسلامية (٢).
وقد عدَّ الشيخُ مصطفى الزرقا التقاءَ العلماءِ في هذه المحافلِ لدراسةِ النوازلِ بعثًا للاجتهادِ مِنْ مرقدِه في صورةِ جماعيةٍ (٣).
وقد تحقّقَ في هذه المجامعِ توثيقُ الصلةِ بين أربابِ المذاهبِ،
стр. 700
واطلاعهم على ما لدى غيرِهم، والاهتمامُ بمذاهبِ المجتهدين ممَّنْ دُوّنتْ أقوالهم، واندرست مذاهبُهم (١).
ويلتحقُ بالأمرِ الرابعِ: الندواتُ واللقاءاتُ العلميةُ التي تُنَاقشُ موضوعاتٍ فقهيةً وأصوليةً (٢).
الأمر الخامس: طُبِعَ في الوقتِ الحاضرِ كثيرٌ مِنْ كتب أصولِ الفقهِ والفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهية، وقد طُبعَ عددٌ منها على أُسسٍ ومناهج علميةٍ (٣).
فأصبح بذلك أمامَ الدارسِ للمذهب الواحدِ عددٌ مِنْ المؤلفاتِ المذهبيةِ المختلفةِ في مناهجِها (٤).
الأمر السادس: الغالبُ في الدراساتِ التي تُعْنى بالفقه وأصولِه عدمُ انطوائِها تحتَ مسمَّى مذهبٍ بعينِه (٥)، وإنْ كانت تعتمدُ على الكتبِ المذهبيةِ المتنوعةِ.
стр. 701
فقد كَثُرَتْ في نهايةِ القرنِ الرابع عشر الهجري إلى وقتنِا الحاضر الدراساتُ العلميةُ المتخصصةُ التي لا تقتصرُ على مذهب فقهيٍّ واحدٍ، بلْ تستفيدُ مِنْ كافّةِ المذاهبِ المتبوعة (١) - سواء ما كان منهًا مقدمًا لنيلِ درجةٍ علميةٍ، أو ما كان منها منشورًا في مجلةٍ علميةٍ محكمةٍ (٢) - وحصَلَ بسببِ هذا ازدهارٌ للدراساتِ الأصوليةِ والفقهيةِ.
وممَّا ظَهَرَ في العصرِ الحاضرِ: كتابةُ الفقهِ على طريقةِ النظرياتِ (٣)، فقد عُني بعضُ المعاصرين بالكتابةِ في موضوعاتٍ فقهيةٍ محددةٍ، وعرضها بطريقةٍ مرتبةٍ، بحيثُ يكون للموضوعِ شروطٌ وأركانٌ وأحكامٌ عامة (٤)، ويقرر المؤلِّفُ في النظريةِ ما يراه راجحًا، دون تقيّدٍ بمذهبِه (٥).
وقد اطَّرَحَتْ كثيرٌ مِن المؤلفاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ المعاصرة التعقيداتِ اللفظيةَ، ووشاحَ التعصبِ المذهبي (٦)، والاكتفاءَ بالمذهبِ، وبَرَزَ الاهتمامُ بالموازنةِ بين المذاهبِ الفقهية؛ بُغْيَةَ الترجيحِ بينها في ضوءِ
стр. 702
الأدلةِ (١).
الأمر السابع: عملتْ بعضُ الهيئاتِ العلميةِ في العصرِ الحاضرِ على إصدارِ موسوعةٍ فقهيةٍ وأخرى أصولية مستمدةٍ من المذاهب الفقهيةِ، وقد تمّتْ بعضُ هذه الموسوعات (٢).
стр. 703
وكتابة الموسوعاتِ الفقهية والأصولية نمطٌ تجديدي في مجالِ الدراساتِ الفقهيةِ والأصوليةِ للمذاهب (١).
الأمر الثامن: وُجِدَ في منتصفِ القرن الرابع عشر، والقرن الخامس عشر الهجريين عددٌ مِن العلماءِ الذين عُرفوا بالتحذير من التمذهب، ومن التقليدِ المذهبي الصِرفِ، والدعوةِ إلى النظرِ في الأدلةِ دونَ التقيّد بمذهبٍ بعينِه، منهم: الشيخ محمد سلطان المعصومي (ت: ١٣٨٠ هـ)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠) (٢)، والشيخ أحمد الوزير (كان حيًّا سنة ١٤١٧ هـ) (٣).
وهم متفاوتون في درجةِ التحذيرِ، فقد يُحَذِّرُ أحدُهم من التقليدِ المذهبي أو مِن الالتزامِ التامِّ بالمذهب مع الإعراض عن الأدلة، دونَ محاربةٍ للمذاهبِ والانتسابِ إليها، وقد يُعَمّمُ آخرون، فيحاربون المذاهبَ؛ بحجّةِ مخالفةِ عددٍ مِنْ أربابِها للأدلة وإعراضِهم عنها.
وقد وُجِدَت في عصرِنا الحاضر فئتان ممّن تناهض التمذهب:
الفئة الأولى: تُحَارِبُ التمذهبَ، وتنتصرُ للأخذِ بالحديثِ، ويجعلون المذهبَ الفقهيَّ مصادمًا لاتباعِ الدليلِ.
стр. 704
الفئة الثانية: تُحَارِبُ التمذهبَ والأخذَ مِن الكتبِ التراثيةِ عمومًا، وتدعو إلى الاجتهاد المطلق مِنْ كلِّ قيدٍ، مع ضعفٍ فيها في العلمِ الشرعي، وتمجيدٍ للعقلِ البشري (١).
الأمر التاسع: مع كل ما سبق بيانُه عن العصر الحاضر، فإنَّ التمذهب بالمذاهب الفقهية ما زال باقيًا في الأقاليم الإسلامية (٢).
* * *
стр. 705
الفصل الثالث: حكم التمذهب
وفيه: تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في: حكم تقليد الميت
المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي
المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة
المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة