← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فقد كَثُرَتْ في نهايةِ القرنِ الرابع عشر الهجري إلى وقتنِا الحاضر الدراساتُ العلميةُ المتخصصةُ التي لا تقتصرُ على مذهب فقهيٍّ واحدٍ، بلْ تستفيدُ مِنْ كافّةِ المذاهبِ المتبوعة (١) - سواء ما كان منهًا مقدمًا لنيلِ درجةٍ علميةٍ، أو ما كان منها منشورًا في مجلةٍ علميةٍ محكمةٍ (٢) - وحصَلَ بسببِ هذا ازدهارٌ للدراساتِ الأصوليةِ والفقهيةِ. وممَّا ظَهَرَ في العصرِ الحاضرِ: كتابةُ الفقهِ على طريقةِ النظرياتِ (٣)، فقد عُني بعضُ المعاصرين بالكتابةِ في موضوعاتٍ فقهيةٍ محددةٍ، وعرضها بطريقةٍ مرتبةٍ، بحيثُ يكون للموضوعِ شروطٌ وأركانٌ وأحكامٌ عامة (٤)، ويقرر المؤلِّفُ في النظريةِ ما يراه راجحًا، دون تقيّدٍ بمذهبِه (٥). وقد اطَّرَحَتْ كثيرٌ مِن المؤلفاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ المعاصرة التعقيداتِ اللفظيةَ، ووشاحَ التعصبِ المذهبي (٦)، والاكتفاءَ بالمذهبِ، وبَرَزَ الاهتمامُ بالموازنةِ بين المذاهبِ الفقهية؛ بُغْيَةَ الترجيحِ بينها في ضوءِ

стр. 702

الأدلةِ (١). الأمر السابع: عملتْ بعضُ الهيئاتِ العلميةِ في العصرِ الحاضرِ على إصدارِ موسوعةٍ فقهيةٍ وأخرى أصولية مستمدةٍ من المذاهب الفقهيةِ، وقد تمّتْ بعضُ هذه الموسوعات (٢).

стр. 703

وكتابة الموسوعاتِ الفقهية والأصولية نمطٌ تجديدي في مجالِ الدراساتِ الفقهيةِ والأصوليةِ للمذاهب (١). الأمر الثامن: وُجِدَ في منتصفِ القرن الرابع عشر، والقرن الخامس عشر الهجريين عددٌ مِن العلماءِ الذين عُرفوا بالتحذير من التمذهب، ومن التقليدِ المذهبي الصِرفِ، والدعوةِ إلى النظرِ في الأدلةِ دونَ التقيّد بمذهبٍ بعينِه، منهم: الشيخ محمد سلطان المعصومي (ت: ١٣٨٠ هـ)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠) (٢)، والشيخ أحمد الوزير (كان حيًّا سنة ١٤١٧ هـ) (٣). وهم متفاوتون في درجةِ التحذيرِ، فقد يُحَذِّرُ أحدُهم من التقليدِ المذهبي أو مِن الالتزامِ التامِّ بالمذهب مع الإعراض عن الأدلة، دونَ محاربةٍ للمذاهبِ والانتسابِ إليها، وقد يُعَمّمُ آخرون، فيحاربون المذاهبَ؛ بحجّةِ مخالفةِ عددٍ مِنْ أربابِها للأدلة وإعراضِهم عنها. وقد وُجِدَت في عصرِنا الحاضر فئتان ممّن تناهض التمذهب: الفئة الأولى: تُحَارِبُ التمذهبَ، وتنتصرُ للأخذِ بالحديثِ، ويجعلون المذهبَ الفقهيَّ مصادمًا لاتباعِ الدليلِ.

стр. 704

الفئة الثانية: تُحَارِبُ التمذهبَ والأخذَ مِن الكتبِ التراثيةِ عمومًا، وتدعو إلى الاجتهاد المطلق مِنْ كلِّ قيدٍ، مع ضعفٍ فيها في العلمِ الشرعي، وتمجيدٍ للعقلِ البشري (١). الأمر التاسع: مع كل ما سبق بيانُه عن العصر الحاضر، فإنَّ التمذهب بالمذاهب الفقهية ما زال باقيًا في الأقاليم الإسلامية (٢). * * *

стр. 705

الفصل الثالث: حكم التمذهب وفيه: تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد في: حكم تقليد الميت المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة

стр. 706

تمهيد: في تقليد الميت للتمذهبِ علاقةٌ واضحةٌ بمسألةِ: (تقليد الميت)؛ مِنْ جهةِ أنَّ عملَ المتمذهب، وإِفتاءَه في الغالبِ بقولِ إِمامِه، وهو مجتهدٌ ميتٌ، سواءٌ أكان أخذُه لقولَ إِمامِه تقليدًا محضًا، أو بعد معرفةِ مأخذِه. يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: "اعلمْ أنَّ الذين يُقال لهم: أصحاب الشَّافعي وأصحاب أبي حنيفةَ ومالك ﵏ ثلاثةُ أصنافٍ ... وتقليدُهم إِيَّاهم مفرَّعٌ على جوازِ تقليدِ الميتِ" (١). فأثرُ مسألةِ: (تقليد الميت) على مسألة: (حكم التمذهب) (٢)، و (حكم إِفتائِه بمذهبِه) (٣)، واضحٌ جليٌ. • صورة المسألة: أنْ يكونَ للمجتهدِ الميتِ قولٌ منصوصٌ ثابتٌ عنه، كالقولِ بالإِباحةِ أو بالتحريمِ مثلًا (٤)، فهل يجوزُ لغيرِ المجتهدِ تقليدُه فيه؟ (٥). هذه هي صورةُ المسألةِ، وقبلَ الدخولِ في تفاصيلها يحسنُ إِيرادُ مثالٍ

стр. 707

لها، ويمكنُ أنْ يمثّل بمسألةِ: (اشتراط الطهارةِ لسجودِ التلاوةِ)، فقد ذَهَبَ عبد الله بن عمر ﵄، والإِمامُّ البخاري إِلى عدمِ اشتراطِ الطهارةِ لسجودِ التلاوةِ (١)، فهلْ يسوغُ تقليدُهما فيما ذَهَبا إِليه؟ • تحرير محل النزاع: أولًا: مسألةُ: (تقليد الميت) محلُّ خلافِ بين القائلين بجوازِ التقليدِ عمومًا، أمَّا مَنْ مَنَع التقليدَ جُمْلَةً، فإِنَّه يمنعُ تقليدَ الحيّ والميتِ (٢). ثانيًا: قيَّد بعضُ الأصوليين المسألةَ بما إِذا لم يُوجدْ مجتهدٌ، أمَّا إِذا وُجِدَ في الأحياءِ مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدُ الميتِ اتفاقًا (٣)، وممَّنْ قيّدَ المسألةَ بهذا الاتفاقِ أبو الوفاءِ بن عقيل (٤). وحكايةُ الاتفاقِ آنفِ الذكرِ محلُّ نظرٍ؛ للأمورِ الآتيةِ: الأمر الأول: أنَّ أكثرَ مَنْ عَرَضَ المسألةَ مِن الأصوليين لم ينصّوا على هذا القيدِ (٥). الأمر الثاني: نصَّ بعضُ الأصوليين على أنَّ الخلافَ في المسألةِ يشملُ ما لو وُجِدَ مجتهدٌ، أو لم يُوْجدْ (٦). الأمر الثالث: مِن الأقوال في المسألةِ - كما سيأتي بعد قليلِ - التفريقُ بين ما لو وُجِدَ مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدِ الميت، وبين ما لو لم يُوجدْ مجتهدٌ، فيجوز تقليدُ الميتِ.

стр. 708

وهذا يدلُّ على دخولِ حالة ما إِذا كان هناك مجتهدٌ في خلافِ المسألةِ. ثالثًا: تشملُ مسألةُ: (تقليد الميت) مَنْ عدا المجتهد المطلق، هل له تقليدُ الميت؟ فيدخل في الخلاف: مجتهدُ المذهبِ، ومَنْ دونه مِن المتمذهبين، والعاميُّ الصرف (١). يقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: "مرادُ الإِسنوي بالمقلّد غيرُ المجتهدِ المطلقِ، فيشملُ: مجتهدَ المذهبِ، ومجتهدَ الفتوى، ومَنْ هو دونهما" (٢). ويتلخص ممَّا سَبَقَ أنَّ محل النزاعِ هو: أنْ يُوجدَ لمجتهدٍ ميتٍ قولٌ تصحُّ نسبتُه إِليه (٣)، فهلُ يسوغُ تقليدُه في الحالةِ؛ سواء أكان في الأحياءِ مجتهدٌ أم لا. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في مسألةِ تقليدِ المجتهدِ الميتِ على أقوال: القول الأول: أنَّ تقليدَ الميتِ جائزٌ مطلقًا. وهذا القولُ أصحُّ الوجهين عند الشافعيةِ (٤)، وهو الوجه الصحيح عند الحنابلة (٥).

стр. 709

ونَسَبَه المرداويُّ (١)، وابنُ النجارِ (٢) إِلى جمهورِ العلماءِ. ونسبه الرويانيُّ - كما نقله عنه بدرُ الدِّين الزركشي - إِلى أكثرِ الشافعيةِ (٣). وذَهَبَ إِليه بعضُ الحنفيةِ (٤). وقد اختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو بكر الشاشي (٥)، والأسمندي (٦)، وأبو القاسمِ الرافعي (٧)، وابنُ الصلاحِ (٨)، ومال إِليه: ابن التلمسانيُّ (٩)،

стр. 710

واختاره أيضًا: محيي الدين النووي (١)، والقاضي البيضاوي (٢)، وابنُ حمدان (٣)، وتقيُّ الدين بن تيمية (٤)، وتاجُ الدين بن السبكي (٥)، وبدرُ الدين الزركشي (٦)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (٧). وقد بيَّن جمالُ الدين الإِسنويُّ أنَّ الفخر الرازيَّ مالَ إِلى هذا القولِ (٨). ويلحقُ باربابِ هذا القولِ: كل مَنْ جوَّز إِفتاءَ غيرِ المجتهد بقول إِمامِه مطلقًا، كما سيأتي قولهم في مسألةِ: (إِفتاء المتمذهب بمذهب إِمامه). القول الثاني: أنَّ تقليدَ الميتِ ممنوعٌ مطلقًا. وهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (٩)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (١٠). وحكى أبو حامدٍ الغزالِيُّ إِجماعَ الأصوليين عليه (١١). ونعتَه ابن التلمساني بأنَّه القولُ المشهورُ (١٢). وهو قولُ بعضِ المعتزلةِ (١٣). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو

стр. 711

الحسين البصري (١)، وأبو الخطابِ (٢)، والفخر الرَّازي (٣)، وتاجُ الدينِ الأرموي (٤)، وسراجُ الدين الأرموي (٥). وقد وَصَفَ محيي الدين النوويُّ (٦)، والمرداويُّ (٧) هذا القولَ بأنَّه ضعيفٌ. القول الثالث: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ الميتِ إِنْ فُقِدَ المجتهد، فإِنْ كان في الأحياء مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدُ الميتِ. ذَهَبَ إِلى هذا القولِ: ابنُ بَرهان (٨). ونسبه بدرُ الدين الزركشيُّ إِلى إِلكيا الهراسي (٩)، وإِلى العز بنِ عبد السلام (١٠). وقد حَمَلَ أحمدُ الكوراني كلامَ الفخرِ الرَّازي على هذا القولِ؛ إِذ

стр. 712

كيفَ يكون الرازيُّ شافعيَّ المذهب، ولا يجوِّز تقليدَ الميتِ؟ ! (١)؛ وحينَ عرضَ الرازيُّ المسألةَ، ذَكَرَ في أوَلها القولَ بالمنع مِنْ تقليدِ الميتِ، ثمَّ ذَكَرَ في آخرِها الإِجماعَ على جوازِ العملِ بالفتوى المنقولةِ عن المجتهدِ الميتِ؛ لانقطاعِ المجتهدين، فجمعًا بين الكلامين يُحمل قولُه على المنعِ مِن تقليدِ الميتِ إِنْ وُجِدَ مجتهدٌ (٢). القول الرابع: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ الميتِ إِذا كان حاكي مذهبِه مجتهدًا فيه، مطَّلِعًا على ماخذِه، أهلًا للنَّظَرِ والتفريعِ، فإِنْ لم يكنْ حاكي المذهب بهذه الصفةِ، فلا يجوزُ تقليدُ الميت. وهذا قولُ الآمدي (٣)، وابنِ الحاجبِ (٤)، وصفي الدينِ الهندي (٥). ونَقَلَ بدرُ الدين الزركشي عن تاجِ الدينِ بنِ السبكي أنَّ هذا القولَ خارجٌ عن محلِّ النزاعِ؛ لأنَّ الكلامَ فيما إِذا ثَبَتَ أنَّه مذهبُ الميت، فإِنْ فُرِضَ أنَّ الناقلَ لا يُوْثقُ بنقلِه فهمًا وإِنْ وُثقَ به نقلًا، تَطَرَّقَ عدمُ الوثوقِ بفهمِه إِلى عدمِ الوثوقِ بنقلِه، وصارَ عدمُ قبولِه؛ لعدمِ صحةِ المذهبِ عن المنقولِ إِليه، لا لأنَّ الميتَ لا يُقَلَّد، فليس تفصيلُ القولِ الرابعِ واقعًا في محلِّ النزاع (٦). ثمَّ إِنَّ القائلين بهذا القولِ ساقوا قولَهم في مسألةِ: (إِفتاء غيرِ المجتهدِ بقولِ أحدِ المجتهدين)، ولم يسوقوه في مسألةِ: (تقليد الميت) (٧).

стр. 713

• أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بجواز تقليد الميت مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: انعقادُ الإِجماعِ على مرِّ العصورِ على أنَّ قولَ الميتِ باقٍ، ويُعْمَلُ به، والإِجماعُ حجةٌ (١). يقولُ ابنُ القيِّمِ: "وعليه عَمَلُ جميعِ المقلدين في جميعِ أقطارِ الأرضِ، وخيارُ ما بأيديهم مِن التقليدِ تقليدُ الأمواتِ" (٢). مناقشة الدليل الأول: إِنَّ حقيقةَ الإِجماعِ: اتفاقُ المجتهدين، والاتفاقُ المذكورُ في الدليلِ إِنَّما هو اتفاقُ المقلِّدين، ولا عبرةَ باتفاقِهم (٣). الجواب عن المناقشة: على فَرْضِ أنَّ الإِجماعَ صادرٌ مِنْ أهلِ العصرِ الذين يقلِّدون الميتَ، فإِجماعُهم حجةٌ في مثل هذا؛ لإِلجاء الضرورةِ إِليه، مع ما يتمتعون به مِن العلمِ، وأهليةِ النظرِ في الجملةِ، فهم ليسوا عوامًا، بلْ هم مجتهدون في مسألةِ: (تقليد الميت)، وإنْ لم يكونوا مجتهدين في

стр. 714

أعيانِ المسائلِ الَّتي يَقَعُ فيها التقليدُ (١). الدليل الثاني: إِنَّ تصنيفَ الكتب الفقهيةِ مع فناءِ أصحابِها، ونقلَ الفقهاءِ لخلافاتِ العلماءِ، دليلٌ على جوازِ تقليدِ الميتِ؛ إِذْ لو لم يجز الأخذُ بها، لما كان لذكرِها فائدةٌ (٢). يقولُ ابنُ القيمِ: "لو بَطَلَتْ بموتِهم - أي: لو بطلت المذاهب بموتِ المجتهدين - لبَطَلَ ما بأيدي الناسِ مِن الفقهِ عن أئمتِهم، ولم يسغْ لهم تقليدُهم، والعملُ بأقوالِهم" (٣). مناقشة الدليل الثاني: إِن تصنيفَ الكتبِ الفقهيةِ مع فناءِ مؤلفيها، ليس لاعتمادِها في التقليدِ، وإِنَّما لها فائدتانِ: الفائدة الأولى: استفادةُ طريقِ الاجتهادِ؛ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ مِنْ عملِ الفقهاءِ وتصرفِهم في النوازلِ، وكيفية معرفةِ حكمِها ببناءِ النازلةِ على الفروعِ (٤). الفائدة الثانية: معرفةُ المسائلِ المتفقِ عليها بن المذاهبِ مِن المسائلِ الَّتي هي محلّ خلافِ (٥). الجواب عن المناقشة: قولُكم في الفائدةِ الثانيةِ: "معرفة المسائل المتفق عليها من المختلف فيها": إِن كان مقصودُكم بمعرفةِ المسائلِ المتفقِ

стр. 715

عليها؛ لئلا يخالفَها؛ لأنَّها خرقٌ للإِجماعِ، فإِنَّ هذا ينافي دعواكم؛ إِذ حُرْمةُ المخالفةِ فرعُ بقاءِ القولِ (١). وأجيب عن الجواب: بأنَّ ما ذكرناه مِن الفائدة لا ينافي ما ادعيناه مِن المنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ؛ لأنَّه لا يلزمُ مِن الاعتدادِ بقولِه مع غيرِه مِن المجتهدين، الاعتداد بقولِه وحده (٢). ويمكن أنْ يُضاف وجهٌ ثانٍ في الجواب عن مناقشةِ الدليلِ الثاني: بأنَّ ما ذكرتموه مسلَّمٌ، ولكنْ لا مانعَ مِنْ أنْ نقوَلَ: إِن تصنيفَ الكتبِ الفقهيةِ له ثلاثُ فوائد: الفائدتانِ اللتانِ ذُكِرَتا في المناقشةِ، والفائدة الثالثة: تقليدُ الميتِ، ولا سيما أنَّ عملَ الفقهاءِ وصنيعهم يدلُّ على هذه الفوائد. الدليل الثالث: أن المجتهدَ إِذا قالَ قولًا، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ قولَه لا يبطلُ بموتِه (٣)؛ يقولُ الإِمامُ الشَّافعي: "المذاهبُ لا تموتُ بموتِ أربابِها، ولا بفقدِ أصحابِها" (٤). ويدلُّ على ما سبق: اختيارُ كثيرٍ مِن الأصوليين أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ لا يُعَدُّ إِجماعًا تَحْرُم مخالفتُه؛ لتقدّمِ الخلافِ، فالقولُ لا يموتُ بموتِ قائلِه (٥).

стр. 716

ثُمَّ إِنَّ الحاكمَ إِذا حَكَمَ بحكمٍ، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ حكمَه لا يبطلُ بموتِه، والشاهدَ إِذا أَدَّى شهادتَه، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ شهادتَه لا تبطلُ بموتِه، ولا تبطلُ الوصيةُ بموتِ الموصي، وكذلك الراوي إِذا روى خبرًا عن النبي ﷺ ، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ روايته لا تبطلُ بموتِه، فكذلك المجتهد إِذا قالَ قولًا، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ قولَه لا يبطلُ بموتِه (١). الدليل الرابع: يؤدّى القولُ بالمنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ - لأنَّه لا قولَ له - إِلى إِبطالِ الإِجماعاتِ المنعقدة مِن المجتهدين في العصورِ السابقةِ؛ لأنَّ قولَهم بَطَلَ بعدَ موتِهم، وتصير المسألةُ المجمعُ عليها مسألةً لا يُحكى فيها الإِجماع! وهذا ظاهرُ البطلانِ (٢). يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: "لو بَطَلَ قولُ القائلِ بموتِه، لبَطَلَ الإِجماعُ بموتِ المجمعين، ولصارت المسألةُ اجتهاديةً" (٣). الدليل الخامس: لو منعنا الناسَ مِنْ تقليدِ الأمواتِ، لبقوا في حيرةٍ وحرج، ولوَقَعَ عليهم الضررُ عند فَقْدِ المجتهدِ، فلا بُدَّ لهم مِنْ تقليدِ الأمواتِ (٤).

стр. 717

ويمكن أنْ يناقشَ الدليل الخامس من وجهين: الوجه الأول: بعدمِ التسليمِ بوقوعِ الضررِ على الناسِ إِذا لم يقلدوا الأمواتِ؛ إِذ لا يخلو العصرُ مِنْ قائمٍ لله بالحجةِ. الوجه الثاني: هذا الدليلُ يدلُّ على جوازِ تقليدِ الميتِ إِذا لم يُوجدْ مجتهدٌ، أمَّا إِذا وُجدَ مجتهدٌ، فإِن الحيرةَ الحرجَ مندفعان. أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بمنع تقليد الميت مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: لو قُدِّرَ أنَّ المجتهدَ الميتَ لا يزال حيًا، فإِنَّ قولَه قد يتغيرُ إِذا عُرِضَتْ عليه المسألةُ مرةً أخرى؛ لتجديدِ نظرِه فيها، وعلى تقديرِ تجديدِ اجتهادِ المجتهدِ، يحتملُ رجوعُه عنْ قولِه، فيكون تقليدُه والحالةُ هذه بناءً على وهمٍ وترددٍ، وهذا غيرُ جائزٍ (١). مناقشة الدليل الأول: إِنَّ الأصلَ بقاءُ المجتهدِ على قولِه الَّذي ماتَ عليه، واحتمالُ تغيّر قولِه بناءً على تجديدِ الاجتهادِ، مخالفٌ للأصلِ (٢). الدليل الثاني: ذَكَرَ بدرُ الدينِ الزركشي (٣)، وأحمدُ الوزير (٤) أنَّ أبا حامدٍ الغزالي حكى إِجماعَ علماءِ الأصولِ على منعِ تقليدِ الميتِ، والإِجماعُ حجةٌ يجبُ المصيرُ إِليه. يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "قد قالَ الفقهاءُ: يُقَلِّده وإنْ ماتَ ... وأجمعَ علماءُ الأصولِ على أنَّه لا يفعلُ ذلك" (٥).

стр. 718

ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني: بأنَّ الظاهرَ أنَّ مرادَ الغزالي حينَ حكى إِجماعَ الأصوليين على منعِ تقليدِ الميتِ، المنعُ مِنْ تقليدِ المجتهدِ الَّذي لم يثبتْ قولُه، أو لم يتحررْ، أمَّا تقليدُ مَنْ ثَبَتَ قولُه، وتحررَ المرادُ منه، فيجوزُ. يدلُّ على هذا: ما قاله الغزالِيُّ بعد حكايتِه للإِجماعِ: "ولو اتَّبعَ الآن عاميٌّ مذهبَ أبي بكر، مُعْرِضًا عن سائرِ المذاهبِ، لا يجوزُ له ذلك؛ فإِن الصحابةَ كانوا لا يَعْتَنُون بنخلِ المسائلِ وتهذيبها، وإِنَّما اعتنى به المتأخرونَ" (١). فكلامُ أبي حامد واضحٌ في تحديد المرادِ بالإِجماعِ الَّذي حكاه. الدليل الثالث: أنَّ المجتهدَ لا قولَ له بعدَ موتِه، بدليلِ: أنَّ الإِجماعَ لا ينعقدُ مع خلافِه إِذا كان حيًّا، وينعقدُ مع موتِه، ويدل هذا على موتِ القولِ بموتِ قائلِه، وإِذا لم يكنْ للمجتهدِ قولٌ، لم يجزْ تقليدُه (٢). مناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل مِن وجهين: الوجه الأول: لا نُسلمّ أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ إِجماعٌ صحيحٌ (٣)؛ إِذ المسألةُ محلّ خلافٍ بين الأصوليين، وكثيرٌ مِنْ محققيهم يرونَ أنَّه ليس بإِجماعٍ (٤).

стр. 719

الوجه الثاني: سلّمْنا أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ يُعَدّ إِجماعًا، لكنْ لا يلزم مِنْ ذلك عدمُ جوازِ تقليدِ الميتِ؛ إِذ عدمُ مانعيةِ قولِ الميتِ انعقاد الإِجماع لا تستلزم أنْ لا يكون مثلَ قولِ الحي في جوازِ تقليدِه عند عدمِ الإِجماعِ على خلافه (١). الدليل الرابع: أنَّ المجتهدَ بعد موتِه خَرَجَ عن أهليّةِ الاجتهادِ، فيكون حالُه كحالِ المجتهدِ إِذا فَسَقَ (٢). مناقشة الدليل الرابع: هناك فرقٌ بين الفسقِ، والموتِ، يبينُ هذا: أنَّ الشاهدَ لو شَهَدَ عند الحاكمِ، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ الحاكمَ يحكمُ بشهادتِه، ولا يُؤَثِّرُ موتُه في ردِّ شهادتِه، بخلافِ ما لو شَهِدَ عند الحاكمِ، ثُمَّ فَسَقَ الشاهدُ، فإِنَّ الحاكمَ لا يحكمُ بتلك الشهادةِ، للفسقِ. وإِذا ثَبَتَ الفرقُ بين الفسقِ والموتِ، لم يصحَّ إِلحاقُ الموتِ بالفسقِ (٣). ثمَّ إِنَّ الموتَ وإِنْ أزالَ التكليفَ عن المجتهدِ، إِلَّا أنَّه أُمِنَ معه عدمُ رجوعِ المجتهدِ عن قولِه، لأنَّه لن يعيدَ النظرَ في اجتهادِه (٤). أدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ: يتألفُ قولهم من شقين: الشق الأول: المنعُ مِنْ تقليدِ الميتِ إِنْ وُجِدَ مجتهدٌ، واستدلوا بالآتي: أولًا: أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني المانعين مِنْ تقليدِ الميتِ مطلقًا.

стр. 720

وقد سبقتْ مناقشتُها. ثانيًا: أن تقليدَ المجتهدَ الحي أولى مِنْ تقليدِ المجتهدِ الميتِ (١). الشق الثاني: جوازُ تقليدِ الميتِ إِنْ لم يُوجدْ مجتهدٌ ودليلهم: إِنْ لم يُوْجَد المجتهدُ، فإِنّنا نُجَوِّزُ تقليدَ الميتِ؛ للضرورةِ، إِذ كيفَ يستقيمُ حالُ الناسِ إِنْ لم يُوجدْ مجتهدٌ إِلَّا بتقليدِ الميتِ؟ ! فلو لم يُقلَّد الميتُ والحالة هذه، لضاعت الشريعةُ (٢). • الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، وما وَرَدَ عليها مِن مناقشاتٍ، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بجوازِ تقليدِ الميتِ مطلقًا، وقبلَ ذكرِ أسبابِ الترجيحِ أنبّه إِلى الأمرين الآتيين: الأمر الأول: ليسَ للعامي أنْ يُقَلِّدَ المجتهدَ الميت ابتداءً؛ لأنَّ فرضَه إِذا نزلتْ به نازلةٌ سؤالُ العالمِ. الأمر الثاني: لزومُ النظرِ فيما أفتى فيه المجتهدُ الميت، أو نُقِلَ قولُه فيه، مِنْ جهةِ غلبةِ الظنِّ هلْ لتغيّرِ العصرِ مدخلٌ في تغيّرِ قولِه؟ فإِنْ غَلَبَ على الظنِّ أنَّه لا مدخلَ للعصرِ في تغيّرِ قولِ الميتِ، فلا بأسَ بتقليدِه. وإن غَلَبَ على الظنِّ أنَّ للعصر مدخلًا في تغيّرِ قولِ المجتهدِ الميتِ - مثل: أنْ يُبْنَي قولُه على العرفِ القائم في وقتِه - فينبغي التَّريث في تقليدِه، حتى نعلم مأخذَ قولِه ومقصدِه منه (٣).

стр. 721

وقد رجحتُ ما سبق؛ للأسبابِ الآتية: الأول: قوةُ أدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ، ولا سيَّما الإِجماع الَّذي ذكروه، فلم يَزَلْ أتباعُ الأئمةِ في عهدِ أئمةِ الإِسلام ينقلون أقوالَ المجتهدين الأموات، ويقررونها، ويناظرونَ لنصرتِها، دون أنْ يُنْكِرَ عليهم أحدٌ. الثاني: عملُ الفقهاءِ في مصنفاتِهم، فتجد فيها أقوالَ المجتهدين الأموات، تُقَرّر، ويُسْتَدلُّ لها، ويُعْتَرضُ عليها، ولو ماتتْ أقوالُهم بموتِهم، لكان ذكرهُم لها ضربًا مِن ضروبِ العبثِ. الثالث: حاجةُ الناسِ إِلى تقليدِ المجتهدِ الميتِ، ولا سيما مع ندرةِ المجتهدين (١). يقولُ ابنُ الصلاحِ عن أثرِ القولِ الثاني المانعِ مِن تقليدِ الميت: "يجرُّ خَبطًا في الأعصارِ المتأخرةِ" (٢). ويقولُ صفيُّ الدين الهندي: "لو لم نجوِّز هذا - أيْ: العمل بقول الميت - لأدَّى ذلك إِلى أنَّ الشريعةَ غيرُ وافيةٍ ببيانِ أكثر الوقائعِ الحادثةِ، ومعلومٌ أنَّ هذا يؤدِّي إِلى التهارجِ وفسادِ أحوالِ الناسِ" (٣). الرابع: ضعفُ أدلةِ الأقوالِ الأخرى؛ بما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ. • نوع الخلاف: مالَ البنانيُّ إِلى أنَّ الخلافَ في مسألةِ: (تقليد الميت) خلافٌ لفظي (٤)، يقول: "قد يُقَالُ: مَنْعُه له - أي: منع الرَّازي لتقليدِ الميت - إِنَّما هو مِنْ حيثُ كونُه عن الميتِ، وإِلَّا فَيُعْمَل به عنده مِنْ حيثُ نقلُ الثقةِ له

стр. 722

عن الميتِ المجتهدِ، وليس هذا مِنْ تقليدِ الميتِ عنده، وإنَّما هو عملٌ بالظنِّ، وبهذا يصيرُ الخلافُ بينه وبين القومِ لفظيًا؛ فإِنَّهم يقولون: للميتِ قولٌ لم يمتْ، فليقلَّدْ، وهو يقول: لا قولَ للميتِ، ولكنَّ الحكايةَ عنه تُغَلِّبُ ظنَّ أنَّ هذا حكمُ الله" (١). وما ذكره البنانيُّ، وإِنْ كان وجيهًا، إِلَّا أنَّه محلُّ نظرٍ؛ لأنَّ القائلين بمنعِ تقليدِ الميتِ يقولون: إِنَّ المجتهدَ إِذا ماتَ، بَطَلَ قولُه، ويؤكّدُ هذا: قولهم: إِنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهل العصرِ السابقِ، إِجماعٌ صحيحٌ (٢). والذي يظهرُ لي أن الخلافَ في المسألةِ خلافٌ معنوي، له أثرُه في المسائلِ الأصوليةِ، والمسائلِ الفقهيةِ. فمن المسائل الأصولية: المسألة الأولى: إِذا انقسمَ أهلُ العصرِ إِلى قسمين، ثمَّ ماتَ أحدُهما، فهلْ يكون قولُ الباقين إِجماعًا؟ يتخرَّج الخلافُ في المسألة على الخلافِ في مسألةِ: (تقليد الميت) (٣). المسألة الثانية: التمذهبُ بمذهب المجتهدِ الميتِ (٤). وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ استقلالًا. المسألة الثالثة: إِفتاءُ غيرِ المجتهدِ بقولِ المجتهدِ الميتِ (٥). وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ استقلالًا.

стр. 723

المسألة الرابعة: إِذا سألَ العاميُّ مجتهدًا، فأفتاه، ثُمَّ ماتَ المجتهدُ قبلَ عملِ العامي بفتوى المجتهدِ، فهل يسوغُ للعامي العملُ بالفتيا حينئذٍ؟ إِنْ قلنا: يجوزُ تقليدُ الميتُ، ساغَ العملُ بالفتيا. وإنْ قلنا: لا يجوزُ تقليدُ الميت، لم يسغ العملُ بالفتيا (١). وأثرُ الخلافِ في المسائلِ الفقهيةِ ظاهرٌ في أبوابِ الفقهِ جميعِها، ولا سيما في المسائل الَّتي انفردَ بها أحدُ المجتهدين. • سبب الخلاف: مِنْ خلالِ عرضِ المسألةِ بأقوالها وأدلتها، يظهرُ أنَّ الخلافَ راجعٌ إِلى السببين الآتيين: السبب الأول: بقاءُ قولِ المجتهدِ بعد موتِه، فإِذا قالَ المجتهدُ قولًا، ثُمَّ ماتَ، فهلْ نقولُ ببقاءِ قولِه؟ إِنْ قلنا: إِنَّ قولَ المجتهد لا يبقى، بلْ يموتُ بموتِه، منعنا تقليدَه. وإِنْ قلنا: إِنَّ قولَ المجتهدِ يبقى، ولا يموتُ بموتِه، جوّزنا تقليدَه. السبب الثاني: لزومُ تجديدِ الاجتهادِ إِذا سُئلَ المجتهدُ عن المسألةِ مرةً ثانية. فإِذا أوجبنا تجديدَ الاجتهادِ، فقد يقولُ قائلٌ بالمنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ؛ لأنَّه لا يمكنُ منه تجديدُ الاجتهادِ. وإِذا لم نوجبْ تجديدَ الاجتهادِ، جوّزنا تقليدَ الميت.

стр. 724

يقولُ بدرُ الدين الزركشي: "قيل: الخلافُ هنا - أيْ: في مسألةِ: (تقليد الميت) - مخرّجٌ مِن الخلافِ في إِعادةِ الاجتهادِ عند حدوثِ الحادثةِ مرةً أخرى" (١). * * *

стр. 725

المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي (١)، والتابعي (٢) لا شكَّ في مكانةِ الصحابةِ ﵃ في الإِسلامِ، وفي سبقِهم في نشرِه ونقلِه، واهتمامِهم بالتفقهِ في دينِ الله. وقد كانَ مِنْ الصحابةِ ﵃ مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، فأفتوا الناسَ وأرشدوهم وعلَّموهم، وكان منهم: المقلُّ، والمكثرُ (٣).

стр. 726

وللصحابةِ ﵃ مكانةٌ رفيعةٌ عند المسلمين، ويتحدّثُ ابنُ القيّمِ عن مكانتهم، فيقول: "لمَّا كان التلقي عنه ﷺ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغيرِ واسطةِ، و (١) كان التلقي بلا واسطةٍ حظَّ أصحابِه الذين حازوا قصباتِ السِّباقِ، واستولوا على الأَمَد، فلا مَطْمَعَ لأحدٍ مِن الأُمّةِ بعدَهم في اللحاقِ ... فأيّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إِليها؛ ! وأيّ خطةِ رُشْدٍ لم يستولوا عليها؟ ! الله لقد وَرَدُوا رأسَ الماءِ مِنْ عينِ الحياةِ عذبًا صافيًا زلالًا" (٢). ويقول - أيضًا -: "ثمَّ قامَ بالفتوى بعده - أيْ: بعد النبي ﷺ بَرْكُ (٣) الإِسلامِ، وعصابةُ الإِيمانِ، وعسكرُ القرآنِ، وجندُ الرَّحمنِ، أولئك أصحابه ﷺ ، أبر الأمةِ قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إِيمانًا ... " (٤). ويُبَيِّن أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ احتفاءَ السلفِ وأربابِ المذاهب حين توافق أقوالُهم أقوال الصحابة ﵃، فيقول: "إِنَّ السلفَ والخلفَ - مِنْ التابعين ومَنْ بعدهم - يهابون مخالفةَ الصحابةِ، ويتكثّرون بموافقتِهم، وأكثر ما تجدُ هذا المعنى في علومِ الخلافِ الدائرِ بين الأئمةِ المعتبرين، فتجدهم إِذا عيَّنوا مذاهبَهم قووها بذكرِ مَنْ ذَهَبَ إِليها مِن الصحابةِ، وما ذاك إِلَّا لما اعتقدوا في أنفسِهم وفي مخالفيهم مِنْ تعظيمهم، وقوّةِ مآخذهم دونَ غيرِهم، وكبر شأنِهم في الشريعةِ ... " (٥). وقد نَقَلَ الصحابةُ ﵃ علمَهم إِلى التابعين - كما سَبَقَ بيانُه في الفصلِ الثاني - فكانوا أقربَ الناسِ بعد الصحابةِ إِلى مشكاةِ النبوةِ.

стр. 727

ولقد أَسْهَبَ الأصوليون في الحديث عن مسألةِ: (حجية قولِ الصحابي)، وحديثي هنا عن مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي)، وبين المسألتين فرقٌ؛ فإِن مَنْ يَعُدُّ قول الصحابي حجةً لا يعتبرُ أخذَ قولِه تقليدًا ولا تمذهبًا، بلْ هو أخذٌ بالدليلِ والحجةِ، أمَّا عند القائل: إِنَّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ، فإِنَّ مسألةَ: (التمذهب بمذهبِ الصحابي) تَرِد عنده. • صورة المسألة: هلْ لأحدٍ أنْ يتمذهبَ بمذهب واحدٍ مِن الصحابةِ أو مِن التابعين، بحيثُ يلتزمُ مذهبَه في جميعِ أحوالِه، أو أكثرِها؟ • تحرير محل النزاع: يمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ في ضوء الآتي: أولًا: اتفقَ العلماءُ على عدمِ وجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي. هذا ما ظَهَرَ لي أَثْنَاءَ بحثِ المسألةِ، ويؤكدُه أمرانِ: الأمر الأول: عدمُ وقوفي على قولٍ يُوجبُ التمذهبَ بمذهبِ الصحابي، والتابعي. الأمر الثاني: ليس في سياقِ المسألةِ وأدلتِها ما يدلُّ على الوجوبِ، وإِنَّما الحديثُ هنا عن امتناعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، أو تجويزِه (١). ثانيًا: محل الخلافِ في الصحابي والتابعي البالغِ رتبة الاجتهادِ، أمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الرتبة منهم، فلا خلافَ حينئذٍ في عدم جوازِ أخذِ أقوالِه، إِنْ كان له أقوالٌ (٢).

стр. 728

وإِضافةُ: "مذهب" إِلى الصحابي والتابعي مشعرةٌ ببلوغِهما درجة الاجتهادِ؛ لأنَّ غيرَ المجتهدِ لا مذهبَ له (١). ثالثًا: مَنْ قالَ: قولُ الصحابي ليس بحجةٍ، وقولُ التابعي ليس بحجةٍ، فإِنَّ مسألةَ التمذهبِ بمذاهبِهم تَرِدُ عنده. أمَّا مَنْ قال: قولُ الصحابي حجةٌ، فلا يُوجدُ عنده تمذهبٌ؛ لأنَّ أخذَ قولِ الصحابي حينئذٍ أخذٌ بالدليلِ، وقد سبقت الإِشارةُ إِلى هذا قبلَ قليلٍ. رابعًا: الحديثُ هنا عن تمذهب مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ المطلقِ مِنْ غير العامةِ، أمَّا تمذهبُ المجتهدِ بمذهب الصحابي أو التابعي، فقد تقدمَ الحديث عن: (تمذهب المجتهدِ) في مسألةٍ مستقلةٍ. خامسًا: محلُّ الخلافِ هو في التزام غيرِ العامي الَّذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مذهب واحدٍ بعينه مِن الصحابة، أَو التابعين. سادسًا: نفى الآمديُّ الخلافَ في جوازِ تقليدِ العامي للصحابي (٢)، ومراده بالعامي: مَنْ عدا المجتهد. وما ذكره مشكلٌ؛ ولا سيما أنَّ إِمامَ الحرمين الجويني حَكَى الإِجماعَ على خلافِ ما ذكره الآمديُّ - كما سيأتي بعد قليلِ - ويمكنُ حملُ كلامِ الآمدي على عوامّ الصحابةِ والتابعين. ويؤكّدُ هذا: ما ذكره الآمديُّ نفسُه بعد نفيه للخلافِ في شأنِ العامي؛ إِذْ ذَكَرَ حكمَ تقليدِ المجتهدِ من التابعين للصحابي (٣)، فالظاهر أنَّه أرادَ بالعامي في كلامِه العامي في عصرِ الصحابة ﵃. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في مسألةِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي على قولين:

стр. 729

القول الأول: المنع مِن التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي. ذَهَبَ إِلى هذا القولِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حزمٍ (١)، وإمامٌ الحرمين الجويني (٢)، وأبو حامدٍ الغزالي (٣)، وابنُ بَرْهان - كما نقله عنه: شهابُ الدين القرافي (٤)، وبدرُ الدين الزركشي (٥) - وابنُ الصلاحِ (٦)، ومحيي الدين النووي (٧)، وابنُ حمدان (٨)، وهو ظاهرُ اختيارِ تقي الدين بنِ تيمية - إِذ نَقَلَ كلامَ ابنِ الصلاح في المنعِ، ولم يتعقبه (٩) - وهو أيضًا ظاهرُ اختيارِ جمالِ الدين الإِسنوي - إِذ نَقَلَ كلامَ إِمامِ الحرمين وابنِ الصلاح دونَ تعقبٍ (١٠) - واختاره: بدرُ الدين الزركشي (١١)، وابن رجبٍ الحنبلي (١٢)، ومحمد بن الوزير (١٣)، وابنُ رسلان الرملي (١٤)، وابنُ الهمام الحنفي (١٥)، ومحمد التمرتاشي (١٦)، وعبدُ الله العلوي (١٧)، ومحمد الأمين

стр. 730

ابن أحمد الجكني (١)، ومحمد حسنين مخلوف (٢). القول الثاني: جوازُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي. نَسَبَ أبو الحسنِ الماورديُّ هذا القولَ إِلى بعضِ أصحابِ الحديث، وبعضِ الفقهاءِ (٣). واختاره الشيخُ محمد ناصر الدين الألباني؛ إِذ علَّق على كلامِ ابن حمدان لمَّا مَنَعَ التمذهبَ بمذهب أحدٍ مِن الصحابةِ والتابعين، بقولِه: "فإِنَّ التمذهبَ بمذهب أحدٍ مِن الصحَابةِ - ولا سيما الخلفاء الراشدين منهم - بعدَ صحتِه أحقُّ مَا تمذهبَ به المسلمُ بعد كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ " (٤). ويظهرُ لي أنَّ مقصدَ الشيخِ الألباني هو الأخذُ بأقوالِ الصحابةِ وتقديمِها على غيرِها، دونَ حقيقةِ التمذهب الَّتي هي التزامُ أقوالِ عالمٍ بعينِه؛ لما عُرِفَ عن الشيخِ الألباني مِنْ شدّةِ مَحاربتِه للتمذهبِ بالمذاهبِ. واختارَ القولَ الثاني: محمد المختار الشنقيطي (٥). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: عن عدي بن حاتمٍ ﵁ (٦)، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وفي

стр. 731

عنقي صليبٌ مِنْ ذهبٍ، فقالَ: (يا عدي، اطرح عنك هذا الوثنَ)، وسمعتُه يقرأُ في سورةِ براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) قال: قُلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّا لسنا نعبدهم! فقال: (أليس يحرّمون ما أحلَّ اللهُ فتحرمونه، ويحلّون ما حرَّم اللهُ فتستحلونه؟ ). قُلتُ: بلى. قال: (فتلك عبادتهم) (٢).

стр. 732

وجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ سمَّى اتِّباعَ مَنْ دونه في التحليلِ والتحريمِ عبادةً، وكلُّ مَنْ قلَّد عالمًا، وتمذهبَ بمذهبِه - والعالمُ يخطئُ ويصيبُ - فلا بُدَّ له ضرورةً أنْ يستحلَّ حرامًا، ويحرِّمَ حلالًا (١)، فيُنهى عنه، والتمذهبُ داخلٌ تحتَ الصورةِ المنهي عنها (٢). يقولُ الشيخُ محمد صديق القنوجي: "إِنَّ طاعةَ المتمذهبِ لمنْ يقتدي بقولِه، ويستن بسنتِه مِنْ علماءِ هذه الأُمّةِ، مع مخالفتِه لما جاءَت به النصوصُ ... هو كاتخاذِ اليهودِ والنصارى للأحبارِ والرهبانِ أربابًا مِنْ دون الله؛ للقطع بأنَّهم لم يعبدوهم، بلْ أطاعوهم، وحرّموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا" (٣). مناقشة الدليل الأول: يمكنُ أنْ يُناقش الاستدلالُ بالحديثِ: بأنَّ الصورةَ الَّتي يصدقُ عليها وصفُ العبادةِ هي: إِمَّا أَخْذُ قولِ عالمِ في تحليلِ ما حرَّمه اللهُ تعالى، والآخذُ يَعْلَمُ حرمتَه، أو أخذُ قولِ العالمِ في تحريمِ ما أحلَّه الله، والآخذُ يعلمُ حلَّه، وإِمَّا أخذُ قولِ عالمِ مع إِضمارِ الآخذِ في نفسِه عدم تركِ قولِ العالمِ، وإنْ ظَهَرَ الدليلُ على خلافِه. لأنَّ في هاتين الصورتين تقديمًا لرأي العالم على حكمِ الله القاطعِ؛ كما لو قلَّدَ المجتهدُ شخصًا في حكمٍ يقطعُ المجتهدُ بخطئِه (٤). أمَّا صورةُ أخذِ أقوالِ عالمٍ فيما لا يُعلمُ خطؤه ومخالفتُه لحكمِ الله تعالى، فلا يظهرُ دخولها تحتَ معنى العبادةِ.

стр. 733

ويدلُّ على ما سَبَقَ: أنَّا لو أخذنا بعمومِ الاستدلالِ لمنعنا تقليدَ العامي الصِرْفِ للمجتهدِ، وجماهيرُ العلماءِ على القولِ بجوازِه (١)، بلْ حَكَى بعضُهم الإِجماعَ عليه (٢). والمتمذهبُ اتَّبعَ عالمًا يظنه أنَّه مصيبٌ في حكمِه، ولم يتَّبعه محادَّة لله تعالى ولرسولِه ﷺ (٣). الدليل الثاني: إِجماعُ المحققين على منعِ غيرِ المجتهدين مِنْ أخذِ أقوالِ الصحابةِ ﵃، حكاه إِمامُ الحرمين الجويني، فقالَ: "أَجَمَعَ المحققونَ على أنَّ العوامَّ ليس لهم أنْ يتعلقوا بمذاهب أعيانِ الصحابةِ ﵃، بلْ عليهم أن يتبعوا مذاهبَ الأئمةِ الذين سبروا (٤) وَنظروا، وبوّبوا الأبوابَ، وذكروا أوضاعَ المسائلِ، وتعرضوا للكلامِ على مذاهبِ الأولين" (٥).

стр. 734

ثمَّ ساقَ إِمامُ الحرمين الشواهدَ على ترجيحِ الأخذِ بمذهبِ الإِمامِ الشَّافعي (١). وقد نَقَلَ الإِجماعَ الَّذي حكاه إِمامُ الحرمين الجويني جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: جمالُ الدين الإِسنويّ (٢)، وبدرُ الدين الزركشيّ (٣)، وابنُ الهمام الحنفي (٤)، ومحمد التمرتاشيُّ (٥)، وعبدُ الرؤوف المناوي (٦)، وإبراهيمُ اللقانيُّ (٧). وقد حَمَلَ أبو عبد الله المازريُّ (٨)، وابنُ الوزير (٩) الإِجماعَ الَّذي حكاه إِمامُ الحرمين على منعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي، لا مطلق تقليدِه.

стр. 735

مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من أربعة أوجه: الوجه الأول: ليس مرادُ إِمامِ الحرمين الجويني بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماعَ الَّذي هو حجةٌ، بلْ مرادُه ما يكون مختارًا عند أحدٍ مِن العلماءِ، وتكون الجماعة متفقة عليه، فيقالُ عنه: أَجَمعَ المحققونَ على كذا. ويدلُّ على هذا: أنَّ هناك إِجماعًا على خلافِ ما ذكره إِمامُ الحرمين - كما سيأتي بعد قليل - فلئلا نَقَعَ في مخالفةِ إِجماعٍ سابقٍ، أَوَّلنا ما ذكره إِمامُ الحرمينِ الجويني (١). الوجه الثاني: لا يلزمُ مِنْ سَبْرِ الأئمةِ الأربعةِ مذاهبَهم وجوبُ أخذِها؛ لأنَّا لو قلنا بهذا، للزمَ الأخذُ بمذاهبِ مَنْ بعد الأئمةِ الأربعةِ؛ لأنَّه وُجدَ فيمَنْ بعدهم مَنْ جَمَعَ سَبْرًا أكثر منهم (٢). الوجه الثالث: أنَّ التبويبَ وذكرَ أوضاعِ المسائلِ لا مدخلَ له في التقليدِ، فكيفَ نمنعُ تقليدَ الصحابةِ؛ لأنّضهم لم يُبَوَّبوا؟ ! (٣). ويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بأن للتبويبِ وذكرِ أوضاعِ المسائلِ أثرًا في التمذهبِ بمذهب الصحابي والتابعي؛ إِذ إِنَّه يقرِّبُ التمذهبَ، ويُيسر الالتزامَ بالمذهبِ، ولعَلَّ ما ذكره إِمامُ الحرمين مِن الإِشارةِ إِلى التبويبِ وذكرِ المسائلِ قرينةٌ دالةٌ على إِرادتِه بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماع على منعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي، لا مطلق تقليدِه. الوجه الرابع: يبطلُ الإِجماعُ المذكورُ في الدليل بإِجماعين سابقين، وهما: الأول: إِجماعُ العلماءِ على أنَّ مَنْ أسلمَ، فله أنْ يقلِّد مَنْ شاءَ مِن العلماءِ.

стр. 736

الثاني: إِجماعُ الصحابةِ ﵃ على أنَّ مَنْ استفتى أبا بكرٍ وعمر ﵄، فله أنْ يستفتي غيرَهما (١). يقولُ عبدُ العلي الأنصاري: "فقد بَطَلَ بهذين الإِجماعين قولُ الإِمامِ" (٢). ويمكن الجواب عن الوجه الرابع: بأنَّ مرادَ إِمامِ الحرمين الجويني منعُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي بعدَ استقرارِ المذاهبِ، لا مطلق تقليدِه، وبهذا يَسلمُ الإِجماعُ مِنْ معارضةِ الإِجماعات الأخرى. وقد علَّقَ شهابُ الدين القرافي على ما ذكره إِمامُ الحرمين بأنَّ كلامَه يخلو مِن الأدبِ مع الصحابةِ ﵃ (٣). واشتدَّ غَضَبُ ابنِ القيّمِ على ما ذكره إِمامُ الحرمين الجويني، فقال متعقبًا له - دونَ أنْ يصرِّحَ ابنُ القيمِ باسمِ إِمام الحرمين -: "بلْ قد صرَّحَ بعضُ غلاتِهم في بعضِ كتبِه الأصوليةِ أنَّه لا يجوزُ تقليدُ أبي بكرٍ وعمر، ويجبُ تقليدُ الشَّافعي! فيا لله العجب الَّذي أَوْجَبَ تقليدَ الشَّافعي، وحرَّم عليكم تقليدَ أبي بكرٍ وعمر ... ونحمدُ اللهَ على أنْ عافانا ممَّا ابتلى به مَنْ حرَّمَ تقليدَهما، وأوجبَ تقليدَ متبوعِه مِن الأئمةِ" (٤). الدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ ﵃ والتابعين - وإِنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدَهم - لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ محرّرٌ مقرّرٌ مستوعبٌ للأصولِ والفروعِ، ولم يقرروا لأنفسِهم أصولًا تفي باحكامِ الحوادثِ، وإِنْ وُجِدَ لبعضِهم أصولٌ، فإِنَّها لا تفي بجميعِ الحوادثِ - بلْ إِنَّ بعضَها لم يثبتْ حق الثبوتِ - وإِنَّما قامَ بذلك مَنْ جاءَ بعدهم مِن الأئمةِ الناخلين لمذاهبِ الصحابةِ والتابعين، القائمين

стр. 737

بتمهيدِ أحكام الوقائعِ قبلَ وقوعِها، وظَهَرَ في مذاهبِهم تقييدُ مطلقِها، وتخصيصُ عامِّها، وشروطُ فروعِها، فما أطلقوا حكمَه في موضعٍ، وُجِد تكميلُه في موضع آخر، ولذا فليس لأحدٍ أنْ يتمذهبَ بمذهبِ أحدٍ من الصحابةِ والتابعين (١). وخلاصةُ هذا الدليل: أنَّ الصحابةَ ﵃ والتابعين لم يتفرغوا لضبطِ العلمِ - أصولًا وفروعًا - ولم يَأْتِ أحدٌ يقومُ على خدمةِ أقوالهم؛ لتظهرَ في منظومةٍ مذهبيةِ متكاملةٍ. مناقشة الدليل الثالث: إِنَّ قولَكم: "ليس لأحد منهم مذهب محرر مستوعب للأصول والفروع"، مسلَّمٌ. وأمَّا قولكم إِنَّه لم يُوْجَدْ مَنْ يعتني ويخدم أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فيلزمُ منه تعذّر نقل أقوالِ الصحابةِ والتابعين في جميعِ المسائلِ، ويلزمُ منه أحدُ أمرين: الأمر الأول: عدمُ جوازِ نقلِ أقوالِ الصحابةِ ﵃ والتابعين؛ لعدمِ انضباطِها. الأمر الثاني: جوازُ نقلِ أقوالِ الصحابةِ ﵃ التابعين؛ لضبطِها، مع جوازِ أخذِها والعملِ بها. أمَّا مَنْعُ العملِ بها؛ لتوهم عدمِ ضبطِ شروطِ تلك المسائلِ، فهذا يَمْنَعُ النقلَ عنهم (٢)، وواقعُ الأمرِ أنَّ العلماءَ ينقلون أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فَظَهَرَ بهذا ضعفُ دليلِكم.

стр. 738

الجواب عن المناقشة: أجابَ شهابُ الدّينِ القرافي عن المناقشةِ، فقالَ: "إِنَّ أمرَ النقلِ خفيفٌ بالنسبةِ إِلى العملِ؛ فإِنَّه قد يكونُ المقصودُ منه الاطلاعَ على وجوه الفقهِ، والتنبيه (١) اللمداركِ، وعدم الوفاقِ، فيوجب ذلك التوقّف عن أمورٍ، والحثّ على أمورٍ" (٢). الدليل الرابع: أنَّ في التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي وقوعًا في التلفيقِ بين المذاهب، والانتقال بين أكثر مِنْ مذهبٍ، وهو ممنوعٌ؛ ذلك أنَّ أقوالَ الصحابي والتابعي لم تستوعبْ جميعَ الفروعِ، فليس للواحدِ منهم مِن النصوصِ ما يكفي مَنْ يُرِيدُ التمذهبَ بمذهبِه، فلا يتأتَّى الاكتفاءُ به، الأمر الَّذي يؤدّي بالمتمذهب بمذهبِ الصحابي والتابعي إِلى انتقالِه في المسائلِ الَّتي لم يجدْ فيها قولًا عنهم - وهي كثيرةٌ - إِلى غيرِه مِن المذاهبِ، وهو أمرٌ ممنوعٌ (٣). ويمكن أن يناقش الدليل الرابع: بعدمِ التسليمِ بالمنع مِن الانتقالِ مِن المذهب إِلى غيرِه؛ ولا سيما عند وجودِ ما يدعو إِليه، فالمسَألةُ محلُّ خلافٍ بين الأَصوليين. الدليل الخامس: لو كُلِّفَ الناسُ بالتمذهب بمذهبِ الصحابي أوالتابعي لوقعتْ عليهم مشقةٌ عظيمةٌ؛ إِذ يترتبُ عليه تعطيل معاشِهم، لذا سَقَط عنهم الأخذُ بمذهبِ الصحابي والتابعي (٤). ويمكن أن يناقش الدليل الخامس: بأنَّ المشقةَ إِنَّما تحصلُ فيما لو قِيلَ بوجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، ونحنُ لم نقلْ بالوجوبِ، ثمَّ كلامنا في غيرِ العامي الصِرْفِ.

стр. 739

الدليل السادس: يتطرقُ إِلى مذهبِ الصحابي والتابعي عدةُ احتمالاتٍ لا يتمكنُ معها العامي مِن الأخذِ به، فضلًا عن التزامِ جميعِ أقوالِه، منها: قوةُ عبارةِ الصحابي والتابعي، وصعوبتُها على فهمِ العامي، واحتمالُ رجوعِ الصحابي والتابعي عن قولِه، وأنْ يكون الإِجماعُ منعقدًا بعد قولِ الصحابي والتابعي على قولٍ آخر، وأنْ لا يثبتَ القولُ عن الصحابي أو التابعي. فلهذه الاحتمالاتِ مَنَعْنَا الأخذَ بقولِهما (١). مناقشة الدليل السادس: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: إِنْ أردتم بالعامي في دليلِكم العامي الصِرْف، فليس كلامُنا فيه؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ (٢) - كما تقدم تقريرُه مِنْ قبلُ - وإنْ أردتم بالعامي مَنْ عدا المجتهد، فقد يُسلَّمُ لكم بعضُ الاحتمالات المذكورةِ. الوجه الثاني: ما ذكرتموه مِن الاحتمالات، هي احتمالاتٌ عقليةٌ لم يقمْ عليها دليلٌ، وكلُّها واردةٌ في التمذهبِ بالمذاهبِ الأربعةِ (٣). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: ما رُوي عن النبي ﷺ : (أصحابي كالنجومِ بأيّهم اقتديتم اهتديتم) (٤).

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →