← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الثاني: إِجماعُ الصحابةِ ﵃ على أنَّ مَنْ استفتى أبا بكرٍ وعمر ﵄، فله أنْ يستفتي غيرَهما (١). يقولُ عبدُ العلي الأنصاري: "فقد بَطَلَ بهذين الإِجماعين قولُ الإِمامِ" (٢). ويمكن الجواب عن الوجه الرابع: بأنَّ مرادَ إِمامِ الحرمين الجويني منعُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي بعدَ استقرارِ المذاهبِ، لا مطلق تقليدِه، وبهذا يَسلمُ الإِجماعُ مِنْ معارضةِ الإِجماعات الأخرى. وقد علَّقَ شهابُ الدين القرافي على ما ذكره إِمامُ الحرمين بأنَّ كلامَه يخلو مِن الأدبِ مع الصحابةِ ﵃ (٣). واشتدَّ غَضَبُ ابنِ القيّمِ على ما ذكره إِمامُ الحرمين الجويني، فقال متعقبًا له - دونَ أنْ يصرِّحَ ابنُ القيمِ باسمِ إِمام الحرمين -: "بلْ قد صرَّحَ بعضُ غلاتِهم في بعضِ كتبِه الأصوليةِ أنَّه لا يجوزُ تقليدُ أبي بكرٍ وعمر، ويجبُ تقليدُ الشَّافعي! فيا لله العجب الَّذي أَوْجَبَ تقليدَ الشَّافعي، وحرَّم عليكم تقليدَ أبي بكرٍ وعمر ... ونحمدُ اللهَ على أنْ عافانا ممَّا ابتلى به مَنْ حرَّمَ تقليدَهما، وأوجبَ تقليدَ متبوعِه مِن الأئمةِ" (٤). الدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ ﵃ والتابعين - وإِنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدَهم - لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ محرّرٌ مقرّرٌ مستوعبٌ للأصولِ والفروعِ، ولم يقرروا لأنفسِهم أصولًا تفي باحكامِ الحوادثِ، وإِنْ وُجِدَ لبعضِهم أصولٌ، فإِنَّها لا تفي بجميعِ الحوادثِ - بلْ إِنَّ بعضَها لم يثبتْ حق الثبوتِ - وإِنَّما قامَ بذلك مَنْ جاءَ بعدهم مِن الأئمةِ الناخلين لمذاهبِ الصحابةِ والتابعين، القائمين

стр. 737

بتمهيدِ أحكام الوقائعِ قبلَ وقوعِها، وظَهَرَ في مذاهبِهم تقييدُ مطلقِها، وتخصيصُ عامِّها، وشروطُ فروعِها، فما أطلقوا حكمَه في موضعٍ، وُجِد تكميلُه في موضع آخر، ولذا فليس لأحدٍ أنْ يتمذهبَ بمذهبِ أحدٍ من الصحابةِ والتابعين (١). وخلاصةُ هذا الدليل: أنَّ الصحابةَ ﵃ والتابعين لم يتفرغوا لضبطِ العلمِ - أصولًا وفروعًا - ولم يَأْتِ أحدٌ يقومُ على خدمةِ أقوالهم؛ لتظهرَ في منظومةٍ مذهبيةِ متكاملةٍ. مناقشة الدليل الثالث: إِنَّ قولَكم: "ليس لأحد منهم مذهب محرر مستوعب للأصول والفروع"، مسلَّمٌ. وأمَّا قولكم إِنَّه لم يُوْجَدْ مَنْ يعتني ويخدم أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فيلزمُ منه تعذّر نقل أقوالِ الصحابةِ والتابعين في جميعِ المسائلِ، ويلزمُ منه أحدُ أمرين: الأمر الأول: عدمُ جوازِ نقلِ أقوالِ الصحابةِ ﵃ والتابعين؛ لعدمِ انضباطِها. الأمر الثاني: جوازُ نقلِ أقوالِ الصحابةِ ﵃ التابعين؛ لضبطِها، مع جوازِ أخذِها والعملِ بها. أمَّا مَنْعُ العملِ بها؛ لتوهم عدمِ ضبطِ شروطِ تلك المسائلِ، فهذا يَمْنَعُ النقلَ عنهم (٢)، وواقعُ الأمرِ أنَّ العلماءَ ينقلون أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فَظَهَرَ بهذا ضعفُ دليلِكم.

стр. 738

الجواب عن المناقشة: أجابَ شهابُ الدّينِ القرافي عن المناقشةِ، فقالَ: "إِنَّ أمرَ النقلِ خفيفٌ بالنسبةِ إِلى العملِ؛ فإِنَّه قد يكونُ المقصودُ منه الاطلاعَ على وجوه الفقهِ، والتنبيه (١) اللمداركِ، وعدم الوفاقِ، فيوجب ذلك التوقّف عن أمورٍ، والحثّ على أمورٍ" (٢). الدليل الرابع: أنَّ في التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي وقوعًا في التلفيقِ بين المذاهب، والانتقال بين أكثر مِنْ مذهبٍ، وهو ممنوعٌ؛ ذلك أنَّ أقوالَ الصحابي والتابعي لم تستوعبْ جميعَ الفروعِ، فليس للواحدِ منهم مِن النصوصِ ما يكفي مَنْ يُرِيدُ التمذهبَ بمذهبِه، فلا يتأتَّى الاكتفاءُ به، الأمر الَّذي يؤدّي بالمتمذهب بمذهبِ الصحابي والتابعي إِلى انتقالِه في المسائلِ الَّتي لم يجدْ فيها قولًا عنهم - وهي كثيرةٌ - إِلى غيرِه مِن المذاهبِ، وهو أمرٌ ممنوعٌ (٣). ويمكن أن يناقش الدليل الرابع: بعدمِ التسليمِ بالمنع مِن الانتقالِ مِن المذهب إِلى غيرِه؛ ولا سيما عند وجودِ ما يدعو إِليه، فالمسَألةُ محلُّ خلافٍ بين الأَصوليين. الدليل الخامس: لو كُلِّفَ الناسُ بالتمذهب بمذهبِ الصحابي أوالتابعي لوقعتْ عليهم مشقةٌ عظيمةٌ؛ إِذ يترتبُ عليه تعطيل معاشِهم، لذا سَقَط عنهم الأخذُ بمذهبِ الصحابي والتابعي (٤). ويمكن أن يناقش الدليل الخامس: بأنَّ المشقةَ إِنَّما تحصلُ فيما لو قِيلَ بوجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، ونحنُ لم نقلْ بالوجوبِ، ثمَّ كلامنا في غيرِ العامي الصِرْفِ.

стр. 739

الدليل السادس: يتطرقُ إِلى مذهبِ الصحابي والتابعي عدةُ احتمالاتٍ لا يتمكنُ معها العامي مِن الأخذِ به، فضلًا عن التزامِ جميعِ أقوالِه، منها: قوةُ عبارةِ الصحابي والتابعي، وصعوبتُها على فهمِ العامي، واحتمالُ رجوعِ الصحابي والتابعي عن قولِه، وأنْ يكون الإِجماعُ منعقدًا بعد قولِ الصحابي والتابعي على قولٍ آخر، وأنْ لا يثبتَ القولُ عن الصحابي أو التابعي. فلهذه الاحتمالاتِ مَنَعْنَا الأخذَ بقولِهما (١). مناقشة الدليل السادس: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: إِنْ أردتم بالعامي في دليلِكم العامي الصِرْف، فليس كلامُنا فيه؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ (٢) - كما تقدم تقريرُه مِنْ قبلُ - وإنْ أردتم بالعامي مَنْ عدا المجتهد، فقد يُسلَّمُ لكم بعضُ الاحتمالات المذكورةِ. الوجه الثاني: ما ذكرتموه مِن الاحتمالات، هي احتمالاتٌ عقليةٌ لم يقمْ عليها دليلٌ، وكلُّها واردةٌ في التمذهبِ بالمذاهبِ الأربعةِ (٣). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: ما رُوي عن النبي ﷺ : (أصحابي كالنجومِ بأيّهم اقتديتم اهتديتم) (٤).

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 742

وجهُ الدلالةِ مِن الحديثِ: أنَّ الحديثَ ظاهرٌ في تجويزِ التمذهبِ بمذهبِ صحابي بعينِه دونَ غيرِه، وأنَّ الاقتداءَ به مِنْ سبيلِ الهدايةِ (١). مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من وجهين:

стр. 743

الوجه الأول: أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، فلا يقوى على إِثباتِ ما ادَّعيتموه (١). الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بقبولِ الحديثِ، فإِنَّ المرادَ بالاقتداءِ بالصحابةِ في الحديثِ؛ إِمَّا الاقتداءُ بهم فيما نقلوه عن النبي ﷺ ، وشهدوا به عليه، فكلهم ثقةٌ مؤتمنٌ على ما جاءَ به (٢)؛ وإِمَّا أنْ يكونَ المرادُ بالاقتداءِ بهم الجريَ على طريقتِهم في طلبِ الصوابِ في الأحكامِ، وقد كانتْ طريقتُهم العملَ بالاجتهادِ، ويؤكّد هذا: أنَّ الحديثَ شبَّه الصحابةَ ﵃ بالنجومِ، وإِنَّما يُهْتَدى بالنجمِ مِنْ حيثُ الاستدلالُ به على الطريقِ بما يدلّ عليه، لا أنَّ النجمَ نفسَه يُوجبُ ذلك (٣). الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ أثبتَ الخيّريةَ لقرنِه - وهم الصحابة - ثم للذين يلونهم - وهم التابعون - وإذا كانوا هم خير الأُمّةِ، جازَ التمذهبُ بمذاهبِهم؛ لثبوتِ الخيريةِ لهم (٥). مناقشة الدليل الثاني: إِنَّ المرادَ بالخيريةِ في الحديثِ هي الخيريةُ

стр. 744

في السيرةِ والفَضْلِ، وهذا لا يدلُّ على تفضيلِ تقليدِهم، أو التمذهب لهم (١). الدليل الثالث: إِذا جازَ التمذهبُ بمذهبِ أحدٍ مِنْ الأئمةِ الأربعةِ، فجوازه للصحابي والتابعي البالغِ رتبة الاجتهادِ مِنْ بابٍ أولى؛ لمزيتهم عن سائرِ المجتهدين (٢). ويمكن أن يناقش الدليل الثالث: بأنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ مجتهدي الصحابةِ ﵃ والتابعين أولى مِن الأئمةِ الأربعةِ، أمرٌ مسلَّمٌ، فهم أعلى شأنًا ممَّنْ بعدهم، لكنَّنا نمنعُ التمذهبَ بمذاهبِهم؛ لأمرٍ خارجٍ، وهو عدمُ اكتمالِ المنظومةِ المذهبيةِ لهم، فليسَ لأحدِهم مذهبٌ محررٌ مكتملُ الأصولِ والفروعِ، ولم يأتِ لهم أتباعٌ يقومون بذلك. * الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الراجحَ في مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي) هو جوازُ التمذهبِ بمذاهبِهم - وهذا على سبيل التنظير - لأنَّه إِذا جازَ التمذهبُ بمذهبْ أحدٍ مِن الأئمةِ الأربعةِ، فإِنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ الصحابي والتابعي؛ لأنَّهم مجتهدون. ويبقى النظرُ في إِمكانِ التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي، والذي يظهرُ لي عدم إِمكانِه إِلَّا بمشقةٍ بالغةٍ؛ ذلك أن التمذهبَ عبارةٌ عن منظومةٍ متكاملةٍ، ومدرسةٍ فقهيةٍ أصوليةٍ، تشملُ القواعدَ والأصولَ والفروعَ؛ ليتمكنَ المتمذهبُ مِن الالتزامِ بالمذهبِ، والسيرِ على أصولِه، وبيانِ حكم الحوادث في ضوءِ أصولِ مذهبِه وفروعِه، وهذه المنظومةُ المتكاملةُ مفقودةٌ

стр. 745

في جانبِ الصحابةِ ﵃ والتابعين - وليس معنى هذا أنهم يفتون دونَ أصولٍ، كلا، بل المرادُ أنَّ أصولَهم غيرُ محررةٍ ولا مدونة لمنْ بعدهم - وإِيجادُها في مذهبِ الواحدِ منهم فيه مِن المشقةِ ما فيه. ومن جهة أخرى: فإِنَّ الفائدةَ المرجوةَ مِنْ إِبرازِ أصولِ الواحدِ مِن الصحابة والتابعين وقواعده قد تكونُ قليلةً؛ لأنَّ الغالبَ موافقةُ المذاهبِ الأربعةِ لأصولِ الصحابةِ والتابعين، في الجملة؛ إِذ أصولُ المذاهبِ الأربعةِ مستقاةٌ مِن مدارس الصحابةِ وتلامذتِهم. وما ذكرتُه آنفًا لا يُقللُ مِنْ شأنِ أقوالِ الصحابة ﵃ ولا مِنْ شأنِ أقوالِ التابعين، فإِنَّ أخذَ أقوالهم مسألةٌ أخرى تختلفُ عمَّا أتحدثُ عنه. • سبب الخلاف: بتأمَّلِ المسألةِ بأقوالها وأدلتِها، يظهرُ لي أنَّ للخلافِ فيها عدةَ أسباب: السبب الأول: حكمُ التمذهبِ بمذهبِ عالمٍ على سبيلِ العمومِ؟ فمَنْ قال: إِنَّ التمذهبَ - بغضِّ النظرِ عن إِمامِ المذهب - ممنوعٌ منه، مَنَعَ التمذهبَ بمذهب الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليهَ بعضُ أصحاب القولِ الأولِ. ومَنْ قال: إِنَّ التمذهبَ جائزٌ، اختلفوا في التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي: فمنهم مَنْ أجازه، ومنهم مَنْ مَنَعَه؛ لعدمِ إِمكَانِ تطبيقَ التمذهب على الوجهِ الحقيقي. السبب الثاني: هلْ يجوزُ الانتقالُ بين المذاهبِ؟ فمَنْ قال: لا يجوزُ الانتقالُ بين المذاهب، مَنَعَ التمذهبَ بمذهب الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.

стр. 746

ومَنْ قال: يجوزُ الانتقالُ بين المذاهب، لم يمنعْ من التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليه أَصحابُ القولِ الثاني. وقد ذَكَرَ هذا السببَ جمالُ الدّينِ الإِسنوي (١). يقولُ ابنُ بَرْهان: "تقليدُ الصحابةِ ﵃ يتخرَّجُ على جوازِ الانتقالِ في المذاهبِ: فمَنْ مَنَعَه، قال: مذاهبُ الصحابةِ لم يكثرْ فروعها حتى لا يمكنُ الاكتفاءُ بها، فيؤديه ذلك إِلى الانتقالِ، وهو ممنوعٌ، ومذاهبُ المتأخرين تمهدتْ، فيكفي المذهبُ الواحدُ المكلَّفَ طولَ عمرِه" (٢). وجعَلَ ابنُ بدران السببَ الثاني سببًا للخلافِ بالنسبةِ إِلى العامةِ فقط (٣). ولم يرتضِ الشَّيخ محمدٌ المطيعي سببَ الخلافِ الَّذي ذكره ابنُ برهان (٤). السبب الثالث: هلْ مذاهبُ الصحابةِ ﵃ والتابعين محرَّرةٌ؟ (٥). فمَنْ قالَ: إِنَّها غيرُ محرَّرةٍ على الوجهِ الأمثلِ، وفيها ما يشكُّ في

стр. 747

صحتِه، مَنَعَ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ قالَ: إِنَّها محرَّرةٌ سوَّغ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني. السبب الرابع: هل يتحققُ لأحدٍ مِن الصحابة ﵃ والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مدوَّنٌ مشتملٌ على الأصولِ والفروعِ، والقواعد والضوابطِ؟ (١). فمَنْ رأى أنَّه لا يتحققُ لأحدِ مِن الصحابةِ والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مِنْ جهة الأصولِ والفروعِ، مَنَعَ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأول. ومَنْ رأى أنَّه قد يتحققُ لأحدِ مِن الصحابة والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مِنْ جهة الأصولِ والفروعِ، سوَّغ التمذهب بمذاهبِهم، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الثاني. بقي أنْ أقول: إِنَّ ابنَ بدران أشارَ إِلى سبب آخر للخلافِ، وهو أنَّ مرد الخلافِ في شأنِ تمذهب غير العامي بمذهبَ الصحابي والتابعي إِلى جوازِ خلوِّ العصرِ عن مجتهدٍ (٢)، ولم يفضلْ في وجهِ كونه سببًا للخلافِ. ولعل وجه تأثير مسألةِ: (جواز خلو العصر عن مجتهد) في مسألتنا: أنَّ مَنْ قالَ بعدمِ جوازِ خلوّ العصرِ عن مجتهدٍ، لم يجوّز أخذَ أقوالِ الصحابي أو التابعي؛ للاستغناءِ عن أقوالِهما بوجودِ المجتهدِ. ومَنْ قالَ بجوازِ خلو العصرِ عن مجتهدٍ، جوَّزَ أخذ أقوالِ الصحابي أو التابعي في حال خلوِ العصرِ عن المجتهدِ؛ لأنَّهم أولى مِن أُخذتْ أقوالهم.

стр. 748

المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة انتهت المدارسُ الفقهيةُ إِلى أربعةِ مذاهب فقهية مشهورة، وهي: المذهبُ الحنفي، والمذهبُ المالكي، والمذهبُ الشَّافعي، والمذهبُ الحنبلي (١)، وبقيتْ هذه المذاهبُ عبرَ قرون طويلةٍ، وتعلقَ الناسُ بها إِلى زمانِنا الحاضرِ. وتُعدُّ مسألة: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة) كبرى مسائلِ التمذهبِ الَّتي دار فيها جَدلٌ بين العَلماءِ قديمًا وحديثًا. وقبلَ الحديثِ عن تحريرِ محلِّ النزاعِ في المسألةِ، أُمهدُ لها بالنقاطِ الآتيةِ: الأولى: لا خلافَ بنين العلماءِ في قَبولِ وجودِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ. هذا ما ظَهَرَ لي أَثْنَاءَ بحثِ المسألةِ؛ إِذ لم أقفْ على مَنْ دعا إِلى إِلغاءِ المذاهبِ الفقهيةِ، أو إِلى تركِ كتبِ الفقهاءِ، والاكتفاءِ بالرجوعِ إِلى الأدلةِ الشرعية مباشرةً. وأيضًا: فالتمذهبُ لا يتعارضُ مع اتباعِ الأدلةِ، والنظرِ فيها. ولذا فأيُّ دعوةٍ إِلى إِلغاءِ المذاهب الفقهية، فهي دعوةٌ مردودةٌ (٢).

стр. 749

الثانية: اتفقَ العلماءُ المجيزون للتمذهبِ على أنَّ المتمذهبَ المتأهلَ إِذا خالفَ مذهبَه وخَرَجَ عنه؛ لرجحانِ غيرِه مِن المذاهبِ، فقد أحسن. يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "إِذا كانَ الرجلُ متبعًا لأبي حنيفةَ أو مالك أو الشَّافعي أو أحمد، ورأى في بعضِ المسائلِ أنَّ مذهبَ غيرِه أقوى، فاتَّبعه، كانَ قد أحسن في ذلك، ولم يقدحْ ذلك في دينِه ولا عدالتِه، بلا نزاعٍ" (١). ولم تزل المذاهب الفقهية حافلةً بالعلماءِ المحققين الذين يرجِّحون ما خالفَ مذهبَهم؛ لموافقةِ الدليلِ. الثالثة؛ أنَّ التمذهب يشملُ الفقهَ وأصولَه - كما تقدّمَ تقريرُه - ومع هذا، فإِنَ جُل كلامِ العلماء في مسألةِ: (التمذهب بالمذاهب الفقهية الأربعة) منصبٌّ على الفقهِ، دونَ أصولِه. ولعلَّ السبب في هذا عائدٌ إِلى أنَّ صورة التمذهبِ الَّتي حذّرَ منها المانعون أكثر ما تُوجدُ في الفروعِ؛ ولأنَّ الفتوى تقع في الفروعِ، لا في الأصولِ، ومِنْ أسبابِ قيامِ الاختلافِ بين المتمذهبين وغيرهم هو ما يصدر عنهم من فتاوي. ثُمَّ ارتباط الفروعِ بالعملِ يجعلُ أثرَ التمذهب في الفقهِ ظاهرًا، بخلافِ أصولِ الفقهِ. الرابعة: محلُّ الكلامِ هنا عن تمذهبِ غيرِ المجتهدِ، أمَّا تمذهبُ

стр. 750

المجتهدِ، فقد أفردتُ له مسألةً مستقلةً، وقد تقدمَ الحديثُ عنها. الخامسة: لا يدخلُ في حديثي في هذه المسألةِ العاميُّ الصِرْفُ؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ - كما تقدّمَ تقريرُه - وقد يُعَبِّر بعضُ العلماءِ بالعامي، ومرادهم به: مَنْ عدا المجتهد المطلق (١)، فيدخل فيه: المتمذهبون الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ، ممَّن ارتفعوا عن العوامِّ، وهم درجاتٌ متفاوتة. • تحرير محل النزاع: لا بُدَّ مِنْ تحريرِ محلِّ النزاع؛ لتحديد النقطةِ الَّتي وَقَعَ الخلافُ فيها، ولتحريرِ محلِّ النزاعِ في هذه المسَألةِ أهميةٌ بالغةٌ؛ لئلا يستغلَ بعضُ الناسِ ما قد يُوجدُ عند بعضِ العلماءِ مِن التحذيرِ مِنْ عملِ بعضِ المتمذهبين، فيجعل المرادَ به محاربة المذاهبِ على وجهِ العمومِ. أولًا: قد يكونُ التمذهبُ عبارةً عن ملازمةِ مدرسةٍ فقهيةٍ أصوليةٍ يتخرَّجُ فيها المتمذهبُ، مترقيًا في العلمِ، مع عنايتِه بالدليلِ، وطلبِ القولِ الراجحِ، والتفقه في مذهبِه في ضوءِ الكتابِ والسنةِ. ويظهرُ لي أنَّ هذه الحالة لا خلافَ في جوازِها، ويشهدُ لهذا: ما وَقَعَ في زمنِ صدرِ الصحابةِ ﵁ مِنْ نشرِ العلمِ عن طريقِ التلاميذ الملازمين للصحابة ﵃، الذين كانوا كالمدرسةِ الفقهيةِ، يقول ابنُ القيم: "الدِّينُ والفقهُ والعلمُ انتشر في الأمةِ عن أصحاب ابنِ مسعود، وأصحابِ زبد بن ثابت، وأصحابِ عبد الله بن عمر، وأصَحاب عبد الله بن عبَّاس، فعِلْمُ الناسِ عامّته عن أصحابِ هؤلاء الأربعة ... أَمَّا عائشة فكانتْ مقدَّمةً في العلمِ بالفرائضِ والأحكامِ، والحلالِ والحرامِ، وكان مِن الآخذين عنها الذين لا

стр. 751

يكادون يتجاوزون قولَها المتفقهين: القاسمُ بن محمد (١) " (٢). وسيأتي في الموازنةِ الترجيحِ أقوالُ بعضِ معارضي التمذهب في إِقرارهم التلقي عن طريقِ المذاهبِ، لكنْ مع معرفةِ الدليلِ. ثانيًا: إِذا أَخَذَ المتمذهبُ قولَ إِمامِه مع قناعتِه برجحانِه - بعد نظرِه في أدلتِه وأدلةِ مَنْ خالفه - لكنَّه ينسب القولَ إِلى مذهبِه، لا إِلى اختيارِه: فيظهرُ لي أنَّه لا خلافَ في جوازِ فعلِه حينئذٍ؛ لأمرين: الأمر الأول: إِذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، فقد أدَّى ما عليه في هذه الحالةِ. الأمر الثاني: لم أقفْ على مَنْ مَنَعَ مِنْ فعلِ المتمذهب، بل المانعون يحثّون المتمذهبين على النظرِ في الأدلةِ؛ إِذ هم مَنَعُوا التَقليدَ المذهبي، وسيأتي بيانُ مرادِهم في المسألةِ بعد قليلٍ. ثالثًا: يسوغُ للشخصِ أنْ يتمذهبَ بمذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ إِذا عَجَزَ عن معرفةِ الشرعِ مِنْ غيرِ جهةِ المذهبِ؛ لأنَّ حالتَه حالةُ ضرورةٍ (٣). رابعًا: إِذا كانَ التمذهبُ على سبيلِ الالتزامِ أو الانتساب، وتَبِعَه موالاةٌ المتمذهب لمنْ هم على مذهبِه، ومعاداته لمَنْ لم يكنْ مِنْ أربابِ

стр. 752

مذهبِه، فهذا الفعلُ مذمومٌ؛ لأنَّه تعصبٌ (١). يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "الأسماءُ الَّتي قد يسوغُ التسمي بها، مثل: انتسابِ الناس إِلى إِمامٍ، كالحنفي والمالبهي والحنبلي ... لا يجوز لأحدٍ أنْ يمتحنَ الناسَ بها، ولَا يوالي بهذه الأسماءِ، ولا يعادي عليها" (٢). خامسًا: محلُّ الخلاف في التمذهبِ بالمذاهبِ الفقهيةِ الأربعة في صورٍ ثلاث: الصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه، واكتفاؤه به، بحيثُ لا يخرج عنه، أو التزامُه بمذهبِه، مع عدمِ معرفتِه بدليلِه. الصورة الثانية: إِعراضُ المتمذهبِ المتأهلِ عن النظرِ في الأدلةِ. الصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ بالمذهبِ مع مخالفتِه للدليلِ. وسيكون الحديثُ هنا عن الصورةِ الأولى فقط؛ لأنَّها ألصقُ ما تكون بحقيقةِ التمذهبِ، أمَّا الصورة الثالثة، فسيأتي الحديثُ عنها في مسألةِ مستقلةٍ، وأمَّا الصورةُ الثانيةُ، فهي أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهب، هذا مِنْ جهةٍ، ومِنْ جهةٍ أخرى: فسيأتي الحديثُ عنها في مسألةٍ مستقلةٍ. سادسًا: هناك كلامٌ لبعضِ العلماءِ الذين اشتُهِرَ عنهم محاربة التقليدِ المذهبي - كابنِ حزمٍ، وابنِ عبدِ البر، وابنِ تيمية، وابنِ القيِّم - يُحَدّد في ضوئِه محل الخلافِ والنزاعِ، وسأسوقُ عددًا مِن النقولِ عن العالمِ الواحدِ؛ ليكونَ الناظرُ في المسألةِ على بصيرةٍ بالصورة الَّتي هي محلُّ الخلافِ، ولنفهمَ كلام هؤلاءِ العلماءِ على وجهِ الخصوصِ على الوجهِ الصحيحِ. ١ - : ما جاء عن أبي محمد بن حزم: أولًا: حدَّد ابنُ حزمٍ التقليدَ الَّذي حاربه في عددٍ مِن المواضعِ في

стр. 753

كتبِه، مِنْ ذلك قولُه: "فإِنَّهم - أيْ: أهل التقليد لإِمامِهم - ما داموا آخذين بالقولِ؛ لانَّ فلانًا قاله، دونَ النبي ﷺ ، فهم عاصون" (١). ويقولُ أيضًا: "إِمَّا أنْ يكونَ اعتقده - أيْ: اعتقد المرء شيئًا بغيرِ برهان - لأنَّ بعضَ مَنْ دون النبي ﷺ قاله، وهذا هو التقليدُ" (٢). ويقولُ أيضًا: "الشيءُ الَّذي يأمرُ به اللهُ ليس تقليدًا ... والتقليدُ إِنَّما هو اتِّباع مَنْ لم يأمرْنا باتباعِه، وإنَّما التقليدُ الَّذي نخالفهم فيه: هو أَخْذُ قولِ رجلٍ ممَّنْ دونَ النبي ﷺ ، لم يأمرْنا ربُنا باتباعِه، بلا دليلٍ يصحّحُ قولَه، لكنْ لأنَّ فلانًا قاله فقط" (٣). وهذا الكلامُ مهمٌّ في تحديدِ التقليدِ الَّذي عابَه ابنُ حزم على المتمذهبين، فما كانَ دون دليلٍ، فهو تقليدٌ، وما كان عن دليلٍ فليس "بتقليدٍ". ثانيًا: انتقدَ ابنُ حزم بشدّةٍ موقفَ بعضِ المتمذهبين تجاه الأدلةِ النقليةِ، فقال: "أمَّا أهلُ بلادِنا، فليسوا ممَّنْ يتعنّى بطلب دليلٍ على مسائلِهم، وطالبُه منهم في الندرةِ، إِنَّما يطلبُه كما ذكرنا آنفًا (٤)، فيَعْرِضون كلامَ الله تعالى، وكلامَ الرسول ﷺ على قول صاحبِهم - وهو مخلوقٌ مذنبٌ، يخطئُ ويصيبُ - فإِنْ وافق قولُ الله وقولُ رسوله ﷺ قولَ صاحبِهم، أخذوا به، وإِنْ خالفاه تركوا قولَ الله تعالى جانبًا وقوله ﷺ ظهريًا، وثبتوا على قولِ صاحبِهم" (٥). ويقولُ أيضًا: "مَنْ اتخذ رجلًا إِمامًا، يَعْرِض عليه قولَ ربه تعالى، وقولَ نبيه ﷺ ، فما وافق فيه قولَ ذلك الرجل قَبِلَه، وما خالفه تَرَكَ قولَ ربِّه

стр. 754

تعالى وقول نبيه ﷺ ، وهو يُقِرّ أنَّ هذا قول الله وقول رسول الله ﷺ ، والتزم قول إِمامه: فقد اتخذ دونَ الله تعالى وليًّا" (١). ثالثًا: انتقدَ ابنُ حزمٍ بشدّةٍ عَمَلَ بعضَ المتمذهبين تجاه أقوال إِمامٍ مذهبِهم الَّتي لايحيدون عنها، فقالَ: "إِنَّ العجبَ ليطول ممَن اختارَ أخذ أقوالِ إِنسانٍ بعينِه لم يصحبْه مِن الله معجزةٌ، ولا ظهرتْ عليه آيةٌ" (٢). ويقولُ - أيضًا -: "فاتَّبع ضعفاءُ أصحابِ أبي حنيفةَ أبا حنيفةَ، وأصحابُ مالكٍ مالكًا، ولم يلتفتوا إِلى حديثٍ يخالفُ قولَهما، ولا تفقهوا في القرآنِ والسننِ، ولا بَالَوا بهما" (٣). ويقولُ - أيضًا -: "فكيفَ بهم - أيْ: بالصحابةِ - لو شاهدوا ما نشاهده مِن المصائب الهادمةِ للإِسلامِ ... مِن الانتماءِ إِلى مذهبٍ فلان وفلان، والإِقبالِ على أقوالِ مالكٍ وأبي حنيفة والشافعي؟ ! .. " (٤). ويقولُ أيضًا: "المنعُ مِنْ أنْ يقصدَ منهم - أيْ: من الصحابة والتابعين - أحدٌ إِلى قولِ إِنسانٍ منهم، أو ممَّنْ قبلهم، فيأخذه كلّه، فليَعْلَم مَنْ أَخَذَ بجميع قولِ أبي حنيفةَ أو جميعِ قولِ مالكٍ أو جميع قولِ الشافعي أو جميع قولِ أَحمدَ بن حنبل ﵃، ممَّنْ يتمكنُ مِن النظرِ، ولم يتركْ مَنْ اتَّبعه منهم إِلى غيره: أنَّه قد خالف إِجماعَ الأُمّةِ" (٥). رابعًا: جاءَ عن ابنِ حزمٍ ثناءٌ على مَنْ تَرَكَ مذهبَ إِمامِه، لمخالفتِه الدليل، فيقول: "أمَّا أفاضل أصحاب أبي حنيفةَ ومالك، فما قلَّدوهما، فإِن خلافَ ابنِ وهبٍ وأشهبَ وابنِ الماجَشون والمغيرةَ (٦)

стр. 755

وابنِ أبي حازم (١) لمالكِ، أشهرُ مِنْ أنْ يتكلّف إِيرادُه، وقد خالفه ابنُ القاسمِ، وكذلك خلافُ أبي يوسفَ وزفر ومحمد والحسن بن زياد (٢) لأبي حنيفةَ أشهر مِنْ أنْ يُتكلّفَ إِيرادُه. وكذلك خلافُ أبي ثور والمزني للشافعي، ﵀. وكذلك خالف أصبغ وسحنون ابنَ القاسم، وكذلك خالف الطحاويُّ أيضًا أبا حنيفةَ وأصحابه" (٣). وامتداحُ ابنِ حزمٍ لبعضِ المتمذهبين حين خالفوا مذهبَهم؛ لا لأنَّهم

стр. 756

خالفوا مذهبَهم لمجردِ المخالفةِ، بلْ لأنَّ المخالفةَ قرينةٌ دالةٌ على أنَّ المخالفَ اتَّبع الدليلَ لما ظَهَرَ له ضعفُ مذهبِه. ويمكن أنْ نستخلص ممَّا سبق إِيراده من كلام ابن حزم الآتي: الأول: أنَّ التقليدَ الَّذي حاربه ابنُ حزمٍ هو ما كان أخذًا لقولِ عالمٍ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه، وإِنَّما أَخَذَه؛ لأنَّ فلانًا قاله. ويترتب على هذا: أنَّ مَنْ أَخَذَ قولَ عالمٍ؛ لظهورِ رجحانِه، أو لمعرفةِ دليلِه، فليس الآخذُ مقلِّدًا عند ابنِ حزمٍ، ولا يسمّي فعله تقليدًا، فلا يتوجه انتقادُ ابنِ حزمٍ إِلى مثلِ هؤلاءِ. ويدلُّ على ما سَبَقَ: أنَّ ابنَ حزم نصَّ على ذمّ مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامٍ بلا دليلٍ يُصححُ قولَه (١)، وهو قيدٌ مهمٌّ؛ يخرجُ به مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامِه بدليلٍ يصححُ قولَه، فلا يدخلُ فيما ذمّه ابنُ حزمٍ. الثاني: أنَّ تحذيرَ ابنِ حزمٍ انصبَّ على حالةِ المتمذهب الَّذي يأخذُ أقوالَ إِمامِه في جميعِ المسائلِ، ويقتصر على مذهبِه - ولا يلتَفت إِلى غيرِه البتة، مِنْ مخالفٍ أو دليلٍ - ويلتزمُ مذهبَ إِمامِه، والدليلُ على خلافِه. الثالث: لم أقفْ على كلامٍ لابنِ حزمٍ دعا فيه إِلى تركِ المذاهبِ الفقهيةِ، وإنَّما ذمَّ صنيعَ بعضِ المتمذهبين في الحالةِ السابقةِ. الرابع: لم يفصّل ابنُ حزم حين مَنَعَ التقليدَ المذهبي بين المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ، والمتمذهبِ الَّذي لم يتأهلْ. لكنْ في كلام ابن حزمٍ في بعض المواطنِ إِشارةٌ إِلى توجّه كلامِه إِلى المتمكنِ مِن النظرِ (٢). والذي يظهرُ لي أنَّ ابنَ حزمٍ يمنعُ التزام المذهبِ، سواءٌ أكان

стр. 757

المتمذهبُ متمكنًا مِن النظر أم لا، لأنَّ أكثرَ أدلته فيها عموماتٌ تشملُ كلَّ الملتزمين بمذهبِهم (١)، ولأنَّه قد يؤدي إِلى تغليب قولِ الإِمام على قولِ الله تعالى وقولِ رسوله ﷺ . ثُمَّ إِنَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه - كما سيأتي في أدلةِ أصحاب القولِ الرابعِ - مِن البدعِ، وهذا يدلُّ على المنعِ مِنْ الالتزامِ مطلقًا. وأيضًا: لئلا يكونَ عدمُ تأهّلِ المتمذهبِ ذريعةً له في بقائِه على مذهبِه. ٢ - : ما جاء عن أبي عمر ابن عبد البر: جاءَ عن ابنِ عبد البر عباراتٌ شديدةٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، وسأحررُ قولَه في ضوءِ الآتي: أولًا: تعريف التقليد عند ابنِ عبد البر: بيَّنَ ابنُ عبد البر التقليدَ بقولِه: "يُقالُ لمَنْ قالَ بالتقليدِ: ما حجتك في تقليدِ بعضِ العلماءِ دونَ بعضٍ، وكلّهم عالمٌ؟ ولعل الَّذي رغبتَ عن قولِه أعلم مِن الَّذي ذهبتَ إِلى مذهبِه. فإنْ قال: قلَّدتُه، لأنِّي علمتُ أنَّه صوابٌ. قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ مِن كتابٍ أو سنةٍ أو إِجماعٍ؟ فإنْ قالَ: نعم، فقد أبطلَ التقليدَ، وطُولب بما ادّعاه مِن الدليلِ" (٢). ويقولُ أيضًا: "التقليد: أنْ تقولَ بقولِه - أيْ: القائل - وأنتَ لا تعرفُ وجهَ القولِ، ولا معناه (٣)، وتأبى سواه، أو يتبين لك خطؤُه، فتتّبعه؛ مهابةَ خلافِه، وأنتَ قد بان لك فسادُ قولِه" (٤). وكلامُ ابنِ عبد البر مِن الوضوح بمكانٍ في تحديدِ مصطلح التقليدِ، وأنَّه يشمل حالتين:

стр. 758

الحالة الأولى: أخذُ القولِ دونَ معرفةِ دليلِه. الحالة الثانية: أخذُ القولِ مع ظهورِ خطئِه. وأنَّ مَنْ أَخَذَ قولَ عالمٍ مع معرفةِ دليلِه، فليس بمقلِّدٍ. ويقصدُ ابنُ عبد البر بكلامِه الَّذي حذَّر فيه مِن التقليدِ مَنْ عدا العامي؛ لأنَّ فرضَ العامي سؤالُ العالمِ وتقليدُه، وقد حكى الإِجماعَ عليه (١). إِذًا فابن عبد البرِ يحاربُ أدنى درجاتِ التمذهبِ لمنْ هو أهلٌ للنظرِ في الأدلةِ. ثانيًا: أن ابنَ عبد البر نفسَه ألَّف كتابًا في الفقهِ المالكي، ولو كان يحاربُ التمذهبَ بكافَّةِ أحوالِه وألوانِه لما ألَّف كتابًا في فقهِ مذهبِه. يقولُ في مقدمةِ كتابِه: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) (٢): "فإِنَّ بعضَ إِخوانِنا مِنْ أهلِ الطلبِ والعنايةِ والرغبةِ في الزيادةِ مِن التعلّمِ، سألني أنْ أجمعَ له كتابًا مختصرًا في الفقهِ ... فرأيتُ أنْ أجيبَه إِلى ذلك ... واعتمدتُ فيه على علمِ أهلِ المدينةِ، وسلكتُ فيه مسلكَ مذهبِ الإِمامِ أبي عبدِ الله مالك بن أنس ﵀ لما صحَّ له مِنْ جمعِ مذاهبِ أسلَافِه مِنْ أهلِ بلدِه ... واقتطعتُه مِنْ كتبِ المالكيين، ومذهبِ المدنيين ... ". ثالثًا: نَسَبَ ابنُ عبد البر نفسَه إِلى المذهب المالكي، وصرَّح بأنَّ المالكيةَ أصحابُه، يقولُ في موضعٍ مِنْ كتبِه: "زَعَمَ بعضُ أصحابِنا" (٣). وكتابُه: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) خيرُ شاهدٍ على نسبتِه المذهبيةِ. وكذلك ترجم له مَنْ كَتَبَ في طبقاتِ المالكيةِ: كالقاضي عياض (٤)،

стр. 759

والقاضي ابنِ فرحون (١). ولما ألَّف كتابَه: (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي)، بَدَأَ بالإِمامِ مالكٍ؛ ولعلَّ مردّ ذلك إِلى كونه مالكي المذهبِ. ومِنْ أقوى ما يدلُّ على نسبتِه المذهبية إِلى المالكية ترجيحَه للمتعلمِ أنْ يتفقه على مذهبِ الإِمامِ مالكٍ، يقول في هذا الصددِ: "الاختيارُ له - أيْ: للمتعلم - أنْ يجعلَ إِمامَه في ذلك إِمامَ أهلِ المدينةِ، دار الهجرة، ومعدِن السُنّةِ" (٢). وجاءَ هذا الكلامُ في كتابِه: (جامع بيان العلم وفضله) الَّذي حذَّر فيه مِن التقليدِ. ويتلخص أمران ممَّا سَبَقَ: الأمر الأول: أنَّ مرادَ ابنِ عبد البر بالتقليدِ هو أخذُ المتمذهب قولَ عالمٍ، دونَ معرفةِ دليلِه، وأخذُه القول مع ظهورِ خطئِه. الأمر الثاني: أن ابنَ عبد البر لم يحارب التمذهبَ بكافّةِ صورِه، بلْ حاربَ التقليدَ المذهبيَّ، فلم يحارب المذاهبَ الفقهيةَ، ولم يحارب مجتهدي المذاهبِ. ٣ - : ما جاء عن تقي الدين بن تيمية: جاءَ عن تقي الدينِ بنِ تيمية كلامٌ في التمذهبِ والتقليدِ، وسأبينُ الأمورَ الأساسية في كلامِه؛ لتتضحَ الصورةُ الَّتي عارضها، وحذّر منها: أولًا: خبرةُ تقي الدين بنِ تيميةَ الواسعةُ، ومعرفتُه القويّةُ بمذهبِ الحنابلةِ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُ إِلى إِقامةِ دليلٍ عليه، وخبرتُه خبرة مَنْ بَلَغَ النهايةَ في معرفةِ المذهبِ الحنبلي.

стр. 760

ولو كان لا يرى التمذهبِ بكافّة أحوالِه؛ لما اشتغلَ بالمذهبِ مدةً ليستْ باليسيرةِ مِنْ عمرِه. ثانيًا: تعبيرُه عن علماءِ الحنابلة بقوله: "أصحابنا" (١)، قرينةٌ قويةٌ على انتسابِه إِلى المذهبِ الحنبلي. ثالثًا: حدّد تقيُّ الدين التقليدَ المحرّمَ بـ "أنْ يتّبعَ غيرَ الرسولِ فيما خالفَ فيه الرسول" (٢). فمتى ما كان المقلّدُ في تقليدِه يَعْلَم معارضةَ قولِ إِمامِه لقولِ الله تعالى ولقولِ رسولِه ﷺ ، فهذا هو التقليدُ المحرّمُ عند ابنِ تيمية (٣). رابعًا: سُئل تقيُّ الدين عن طريقِ معرفةِ الصحيحِ في مذهب الإِمامِ أحمدَ، مع كثرةِ الرواياتِ والأوجه في مذهبِه؛ فأجابَ بإِحالةِ السَائلِ إِلى كتبِ المذهبِ الَّتي تُعْنَى بذكرِ الراجحِ (٤)، وخَتَمَ ذلك بقولِه: "مَنْ كان خبيرًا بأصولِ أحمدَ ونصوصِه عَرَفَ الراجحَ في مذهبِه في عامّةِ المسائلِ" (٥). فلم ينه عن كتب الفقهاءِ، ولو كان يَرَى أنَّ كتبَ الفقهاءِ تصدُّ عن معرفةِ الكتابِ والسنةِ وَأقوالِ الصحابةِ، لما أرشدَ إِليها. خامسًا: ذَكرَ ابنُ القيمِ أنَّ رجلًا حنفيَّ المذهب جاءَ إِلى تقي الدين بنِ تيميةَ، يستشيرُه في الانتقالِ عن مذهبِه؛ لكثرةِ مخالفتِه للأحاديثِ الصحيحةِ، فأجابَه بقولِه: "اجعل المذهبَ ثلاثةَ أقسام: • قسمٌ: الحق فيه ظاهرٌ بيّنٌ موافقٌ للكتابِ والسنةِ، فاقضِ به، وأنتَ طيبُ النفسِ، منشرح الصدرِ.

стр. 761

• وقسمٌ: مرجوحٌ، ومخالفُه معه الدليلُ، فلا تُفْتِ به، ولا تحكمْ به، وادفعه عنك. • وقسم: مِنْ مسائل الاجتهادِ الَّتي الأدلةُ فيها متجاذبةٌ، فإِنْ شئتَ أنْ تُفْتِي به، وإِنْ شئتَ أنْ تدفعَه عنك" (١). وهذه الإِجابةُ ظاهرةٌ في تقديرِ ابنِ تيمية للمذاهبِ الفقهيةِ ومدوّناتها، فلم يُرْشِد السائلَ إِلى الانتقالِ عن مذهبِه إِلى مذهب آخر، ولم يأمرْه بتركِ المذاهبِ بالكليةِ، وإِنَّما أجابَه بإِجابةٍ صالحةٍ ونافعةٍ لكلِّ متمذهب يريدُ اتباعَ الكتابِ والسنةِ. سادسًا: جاءَ عن ابنِ تيميةَ ما يدلُّ على أن اتِّباعَ الإِمامِ في كلِّ ما قاله مِنْ أمرٍ أو نهي، وإِيجابَ طاعتِه على كل الناس، والدعوة إِلى ذلك: فعلٌ غيرُ جائزٍ، يقولُ تقيُّ الدّينِ: "مَنْ نَصَب إِمامًا، فأَوْجَبَ طاعتَه مطلقًا - اعتقادًا أو حالًا - فقد ضلَّ في ذلك ... وكذلك مَنْ دعا إِلى اتِّباع إِمامٍ مِنْ أئمةِ العلمِ في كلِّ ما قاله وأَمَرَ به، ونهي عنه مطلقًا، كالأئمةِ الأربَعةِ" (٢). ويقولُ - أيضًا -: "مَنْ يتعصب لمالك أو الشَّافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أنَّ قولَ هذا المعيَّن هو الصواب الَّذي ينبغي اتباعُه، دونَ الإِمامِ الَّذي خالفه، فمَنْ فَعَلَ هذا كان جاهلًا ضالًا، بلْ قد يكون كافرًا! " (٣). وكلامُه آنفُ الذكرِ يدلُّ على أنَّ مِنْ أنزلَ إِمامَ مذهبِه منزلةً فوق الَّتي يستحقها، فإِنَّ فعلَه ضلالٌ مُبِينٌ، لأنَّه غلوٌ في التعصبِ. سابعًا: جاء عن ابنِ تيميةَ الثناءُ على أصحاب الأئمةِ الذين خالفوا أئمتَهم حين اتضحَ لهم ضعفُ قولِ إِمامِهم، فيقول. "لهذا كانَ الأكابرُ مِنْ

стр. 762

أتباعِ الأئمةِ الأربعةِ لا يزالون إِذا ظَهَرَ لهم دلالةُ الكتابِ أو السنةِ على ما يخالفُ قولَ متبوعهم، اتَّبَعُوا ذلك" (١). ويقولُ في موضعٍ آخر: "وهذا أبو يوسفَ ومحمدٌ أَتْبَعُ الناسِ لأبي حنيفةَ، وأعلمهم بقولِه، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكادُ تحصى؛ لما تبيَّنَ لهما مِن السنةِ والحجةِ ما وَجَبَ عليهما اتباعه" (٢). ثامنًا: محلُّ النقدِ عند ابنِ تيميةَ في ضوءِ ما سَبَقَ: أنْ يأخذَ المتمذهبُ أقوالَ إِمامِه كلّها - فلا يحيد عنها - أو أنْ يأخذَ قولًا لإِمامِه مع مخالفتِه للدليلِ. خلاصة ما سبق: أنَّ تقيَّ الدينِ بنَ تيمية لم يحذّرْ مِن المذاهبِ الفقهيةِ، ولا مَنْ اتَّبعها إِذا لم يخالف الدليلَ، وإِنَّما حذر مِنْ عملِ بعضِ المتمذهبين في بعضِ صورِ التزامِهم بمذاهبِهم. ٤ - : ما جاء عن أبي عبد الله بن القيم الجوزية: كانَ لابنِ القيمِ كلماتٌ كثيراتٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي - قد يفهمُ منها بعضُ الناسِ التحذيرَ مِن التمذهبِ ومن المذاهبِ على وجهِ العمومِ - وبتأمّلِ كلامِه ظَهَرَ لي أنَّ ابنَ القيمِ حارب صورًا مِن التمذهبِ، ولم يحارب التمذهبَ الَّذي لا يتعارضُ مع الأخذِ بالدليلِ، ولم يحارب المذاهبَ الفقهية القائمة في عصرِه، ولا كتبَ الفقهاءِ، يقولُ في هذا الصددِ مبينًا كيدَ الشيطانِ لبعضِ المنتسبين إِلى العلمِ: "وكذلك قصّرَ بقومٍ حتى منعهم قبولَ أقوالِ أهل العلمِ والالتفات إِليها بالكليةِ، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلالَ ما حللوه والحرامَ ما حرموه، وقدَّموا أقوالهم على سنةِ رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة" (٣).

стр. 763

وسأبينُ موقفَ ابنِ القيمِ في ضوءِ الآتي: أولًا: حدّدَ ابنُ القيمِ التقليدَ الَّذي حذَّر منه في مواضع متعددةٍ مِنْ مؤلفاتِه، بأنَّه: المعرفةُ الحاصلةُ دونَ دليل (١)، فقالَ: "العجبُ أنَّ كلَّ طائفةٍ مِن الطوائف، وكلَّ أمةٍ مِن الأممِ تدّعي أنَّها على حقٍّ، حاشا فرقة التقليدِ؛ فإِنَّهم لا يدَّعون ذلك - ولو ادَّعوه لكانوا مبطلين - فإِنَّهم شاهدون على أنفسِهم بأنَّهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليلٍ قادهم إِليه، وبرهانٍ دلّهم عليه، وإِنَّما سبيلُهم محضُ التقليدِ" (٢). ونصَّ في موضعٍ آخر على أنَّ الشخصَ إِذا أقامَ الدليلَ على ما ادَّعاه، فإِنَّه قد انتقلَ مِنْ منصبِ التقليدِ إِلى منصبِ الاستدلالِ (٣). وبناءً على ما سَبَقَ، متى كانَ أخذُ القولِ عن دليلٍ، فإِنَّه ليس بتقليدٍ. ثانيًا: بيّنَ ابنُ القيمِ الصورةَ المذهبيةَ القاتمة الَّتي كانت في عصرِه، والتي حذَّرَ منها، فقالَ: "ثُمَّ كلٌّ منهم - أيْ: مَنْ يقلِّدُ إِمامَه - يَعْرِفُ مِنْ نفسِه أنَّه مقلِّد لمتبوعِه، لا يفارقُ قولَه، ويترك له كل ما خالفه مِنْ كتابٍ أو سنةٍ أو قولٍ صاحبٍ، نعلم بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحدٌ اتخذ رجلًا منهم يقلِّده في جميع أقوالِه، فلم يسقطْ منها شيئًا، وأَسْقَطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذْ منها شيئًا" (٤). ويقولُ في موطنٍ آخر مبيّنًا حالَ بعضِ المتمذهبين المقلِّدين لأئمتِهم: "على أيِّ شيءٍ كان الناسُ قبلَ أنْ يولدَ فلانٌ وفلانٌ الذين قلّدتموهم، وجعلتُم أقوالَهم بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ؟ ! " (٥). ويقولُ في سياقٍ آخر: "هل في هذا - أيْ: في تقليدِ عمر لأبي بكرٍ ﵄ في مسألةٍ واحدةٍ - دليل على جوازِ اتخاذِ أقوالِ رجلٍ بعينِه بمنزلةِ

стр. 764

نصوصِ الشارعِ، لا يُلتفتُ إِلى قولٍ مَنْ سواه، بلْ ولا إِلى نصوصِ الشارعِ، إِلَّا إِذا وافقتْ قولَه؟ ! " (١). ثالثًا: عابَ ابنُ القيمِ على المتمذهبين أمرين: الأمر الأول: التعصّب لقولِ إِمامِ المذهبِ إِذا خالفَ الدليلَ. الأمر الثاني: إِعراضُ المتمذهبِ المتأهلِ عن النظرِ في نصوصِ الكتابِ والسنةِ. يقولُ واصفًا حالَ بعضِ المتمذهبين: "إِذا خالفَ قولُ متبوعِهم نصًّا عن الله ورسولِه، فالواجبُ التمحّل والتكلّفُ في إِخراجِ ذلك النصِّ عن دلالتِه ... ومِنْ عجيبِ أمرِكم أيّها المقلدون، أنَّكم اعترفتُم وأقررتم على أنفسِكم بالعجزِ عن معرفةِ الحقِّ بدليلِه مِنْ كلامِ الله وكلامِ رسولِه، مع سهولتِه، وقربِ مأخذِه" (٢). ويقولُ في موضع آخرٍ: "مَنْ عَدَلَ عن الكتابِ والسنةِ وأقوالِ الصحابة، وعن معرفةِ الحقِّ بالدليلِ، مع تمكّنه منه، إِلى التقليدِ: فهو كمَنْ عَدَلَ إِلى الميتةِ مع قدرتِه على المذكّى" (٣). ويقولُ أيضًا: "إِنَّ اللهَ سبحانه ذمَّ مَنْ أعرضَ عمّا أنزله إِلى تقليدِ الآباء ... وأمَّا تقليد مَنْ بَذَلَ جُهْدَه في اتباع ما أنزلَ اللهُ، وخفي عليه بعضُه، فقلَّد فيه مَنْ هو أعلمُ منه، فهذا محمود غيرُ مذمومٍ" (٤). ويقولُ في موضعٍ آخر: "الفرق بين تقليدِ العالمِ في كلِّ ما قال، وبين الاستعانةِ بفهمِه والاستضاءَةِ بنورِ علمِه: فالأول: يأخذُ قولَه مِنْ غيرِ نظرٍ فيه، ولا طلبٍ لدليلِه مِن الكتابِ والسنةِ، بلْ يجعلُ ذلك كالحبلِ الَّذي يلقيه في عنقِه يقلَّد به، ولذلك سُمّيَ تقليدًا، بخلافِ مَن استعانَ بفهمِه واستضاءَ

стр. 765

بنورِ علمِه في الوصولِ إِلى الرسولِ ﷺ ، فإِنَّه يجعلهم بمنزلةِ الدليل إِلى الدليلِ ... " (١). وفي كلام ابنِ القيّمِ آنف الذكر إِشارةٌ إِلى أنَّ كلامَه موجهٌ إِلى المتمذهبين المتأهلين للنظرِ في الأدلةِ المعرضينَ عن النظرِ فيها إِلى الأخذِ بقولِ إِمامِهم. ويقررُ ابنُ القيّمِ أنَّ مَنْ اتَّبع إِمامًا؛ لظنه أنَّه لا يقولُ إِلَّا ما هو حقٌّ، وهو عاجزٌ عن معرفةِ الحقِّ بنفسِه - لم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ - فهو معذورٌ، بخلافِ مَنْ قَدِرَ على الوصولِ إِلى الحكمِ بالدليلِ، وتَرَكَ النظرَ في الأدلةِ إِعراضًا عنها، فهو غيرُ معذورٍ (٢). فمَنْ تأهّلَ مِن المتمذهبين للنظرِ في الأدلةِ، ولم ينظرْ مع قدرتِه، فهو مذمومٌ عند ابنِ القيّمِ، وإِنْ نَظَرَ في الأدلةِ، ثمَّ توصّلَ إِلى حكمٍ - سواء أوافق إِمامه، أم لا - فهو غيرُ مذمومِ عنده؛ لأنَّه اتبعَ الدليلَ. أمَّا إِذا أَخَذَ المتمذهبُ الَّذي لم يتأهلْ للنظرِ أقوالَ إِمامِه، فلا يلحقُه ذمٌّ عنده. وإِن كانْ في بعضِ الأدلةِ الَّتي ساقها ابنُ القيم عموماتٌ تشملُ المتمذهبَ المتأهلَ للنظرِ في الأدلةِ، والمتمذهبَ الَّذي لم يتأهلْ (٣)، ولا سيما أنَّ ابنَ القيم نفسَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ إِمامٍ بعينِه مِن البدعِ المحدِّثةِ (٤). • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في حكم التمذهب بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ المشهورةِ على أقوالٍ:

стр. 766

القول الأول: جوازُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. وقد يُعبَّرُ عن هذا القولِ بعدمِ لزومِ التمذهبِ. وهذا القولُ مذهبُ الحنفية (١)، وقولُ بعضِ المالكيةِ (٢)، وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (٣)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (٤)، ونعته ابنُ مفلحٍ (٥) وتبعه المرداويُّ (٦) - بأنَّه الوجه الأشهر عند الحنابلةِ، وجَعَلَ ابنُ مفلحٍ هذا القولَ أحدَ الوجهين عند المالكيةِ (٧). ونَسَبَه أبو المحاسنِ عبدُ الحليم بنُ تيميةَ (٨)، وتقي الدين بن تيمية إلى

стр. 767

الأكثرِ (١). ونسبه تقي الدين بن تيمية إلى جماهير العلماء (٢). ونسبه الأميرُ الصنعاني إلى الجمهورِ (٣). وهذا القولُ - عدم لزوم التمذهب بمذهب محددِ - هو ظاهرُ قولِ الإمامِ مالكٍ - كما ذكره بدرُ الدّينِ الزركشي (٤) - وظاهرُ قولِ الإمامِ أحمدَ (٥). وذَهَبَ إليه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو الحسين القدوري (٦)،

стр. 768

وهو مقتضى قولِ أبي يعلى (١)، وأبي إسحاقَ الشيرازي (٢) - إذ جوّزا تقليدَ المفضولِ مع وجودِ الفاضلِ - ونسبه بدرُ الدّينِ الزركشي إلى ابنِ بَرْهان (٣)، وهو قولُ الوزيرِ ابنِ هبيرةَ (٤)، والآمدي (٥)، وظاهر قولِ ابنِ الحاجبِ - إذ أوجبَ التقليدَ على من عدا المجتهدِ وإنْ كان عالمًا، ثمَّ جوّز تقليدَ مجتهدٍ آخر في حادثةٍ أخرى (٦) - وهو قول محيي الدّينِ النووي (٧)، وظاهرُ قولِ شهابِ الدّينِ القرافي (٨)، وهو - أيضًا - قولُ أبي البركاتِ النسفي (٩)، وصفي الدّينِ الهندي (١٠)، وشمس الدّينِ الذهبي (١١)، ومحمد البابرتي في كتابِه: (النقود والردود) (١٢)، وابنِ جزي المالكي (١٣)، وبدرِ الدين الزركشي (١٤)، وابنِ نور الدّينِ (١٥)،

стр. 769

وابنِ الهمام الحنفي (١)، وابنِ أمير الحاج (٢)، وابنِ قاوان الكيلاني (٣)، وابنِ نجيم (٤)، وابنِ النجار الفتوحي (٥)، وأمير باد شاه (٦)، ومحمد الملا فروخ (٧)، وأحمد الحموي (٨)، وابن عبد الشكور (٩)، وعبد العلي الأنصاري (١٠)، وشاه ولي الدهلوي (١١)، والشيخ محمد سعيد الباني (١٢)، والشيخ محمد بخيت المطيعي (١٣)، والشيخ عبد الله أبا بطين (١٤)، والشيخ

стр. 770

محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١)، والدكتور محمد مدكور (٢)، والدكتور بدران أبو العينين (٣)، ومحمد زكريا البرديسي (٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (٥)، والدكتور محمد الزحيلي (٦)، والدكتور محمد حنفي (٧)، والدكتور محمد الحفناوي (٨)، والدكتور عبد الكريم زيدان (٩)، والدكتور زكي الدين شعبان (١٠)، والدكتور عياض السلمي (١١). واختارَ ابنُ دقيق العيد جوازَ التمذهب بشرطين، وتبعه تقيُّ الدّينِ السبكي (١٢): الشرط الأول: أنْ لا يكونَ في المسألةِ التي يريدُ أنْ يأخذَ فيها بالمذهبِ حديثٌ صحيحٌ يقتضي خلافَ مذهبِ إمامِه. الشرط الثاني: أنْ ينشرحَ صدرُه لذلك، ولا يعتقدَ أنَّه متساهلٌ (١٣). والظاهرُ مِنْ حالِ المجوزين للتمذهب موافقتهم لابنِ دقيق العيد وتقي الدين السبكي في هذينِ الشرطينِ. ولتقي الدينِ بنِ تيمية كلامٌ يدلُّ على أنَّه لا يرى لزومَ التمذهبِ (١٤)، لكنَّه صرَّحَ في موضع آخر بالمنعِ، كما سيأتي بعدَ قليلٍ.

стр. 771

ويُلحقُ بأربابِ هذا القول فريقان: الفريق الأول: مَنْ ألَّفَ في فقهِ مذهبِه، وانتسبَ إليه، ولم يَرِدْ عنه قولٌ بوجوبِ التمذهبِ، أو استحبابِه، أو تحريمِه، فظاهرُ صنيعِه يدلُّ على أنَّ أقلَّ ما يراه في حكمِ التمذهبِ هو الجوازُ والإباحةُ. الفريق الثاني: مَنْ قال: لا يلزمُ الأخذُ بقولِ الفاضلِ، وللمستفتي الأخذُ بقولِ المفضولِ، فإنَّ ممَّا يقضيه قولُهم عدم إيجابِ التمذهبِ. القول الثاني: وجوبُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. وقد يُعبّرُ عن هذا القولِ بلزومِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. وقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ بعضُ الحنفيةِ (١)، وبعضُ المالكيةِ (٢). وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (٣)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (٤)، وجَعَلَ ابنُ مفلحٍ هذا القولَ أحدَ الوجهين عند المالكيةِ (٥). ونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى أصحابِه الشافعيةِ (٦)، ونسبه تاجُ الدين بن السبكي إلى محققي الشافعيةِ (٧). ونسبه الأميرُ الصنعاني إلى الأقلِّ (٨).

стр. 772

ويقولُ محمد السفاريني: "قَطَعَ الكبارُ بلزومِ التمذهبِ بمذهبٍ" (١). ويقولُ عبد الله العلوي: "وَقَعَ الإجماعُ اليومَ على وجوبِ تقليدِ المذاهبِ الأربعةِ" (٢). ويقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "متأخرو الأصوليين مِنْ جميعِ المذاهبِ مطبقون كلّهم على وجوبِه" (٣)، أيْ: على وجوبِ التمذهب. وذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٤)، وإلكيا الهراسي (٥)، وأبو المظفرِ السمعاني (٦)، وأبو حامدٍ الغزالي (٧)، وهو ظاهرُ قولِ أبي عبدِ الله المازري (٨)، وهو قولُ ابنِ المنيِّر (٩)، وتاجِ الدينِ ابنِ

стр. 773

السبكي (١)، ومحمدٍ البابرتي - كما نقله عنه ابنُ أبي العز الحنفي (٢) - وهو ظاهرُ قولِ أبي إسحاقَ الشاطبي (٣)، وهو قولُ ابنِ رجبٍ (٤)، وابنِ رسلان الرملي (٥)، وجلالِ الدين المحلي (٦)، وزكريا الأنصاري (٧)، وبدرِ الدين الغزي (٨)، وعبدِ الرؤوف المناوي (٩)، ومحمدٍ السفاريني (١٠)، وعبدِ الله العلوي (١١)، ومحمد الأمين الجكني (١٢)، وعلوي السقاف (١٣)، ومحمد الخضر الشنقيطي (١٤)، ومحمد زاهد الكوثري (١٥)،

стр. 774

ومحمد الحامد (١)، والدكتور محمد البوطي (٢)، وهو ما يفهم من كلام محمد تقي العثماني (٣)، واختاره الدكتور محمد حسن هيتو (٤)، ومحمد كمال الراشدي (٥). ويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "أمَّا كثيرٌ مِنْ أتباعِ أئمةِ العلمِ ومشايخِ الدِّينِ، فحالُهم وهواهُم أيضًا هي حالُ مَنْ يوجبُ متبوعَه، لكنْ لا يقولُ ذلك بلسانِه، ولا يعتقده علمًا، فحالُه يخالفُ اعتقادَه" (٦). ويشترطُ بعضُ أصحابِ القولِ الثاني: أنْ يعتقدَ المتمذهبُ رجحانَ مذهبِه (٧). ونصَّ بعضُهم على لزومِ تركِ المذهبِ إنْ ظَهَرَت مخالفتُه للدليلِ (٨). ويظهر لي أنَّ أكثرَ أصحابِ هذا القول يرون تركَ المذهبِ إنْ خالفَ الدليلَ. القول الثالث: استحبابُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.

стр. 775

وهذا قولُ ابنِ الصلاحِ (١)، ونَقَلَ محيي الدين النوويُّ كلامَ ابن الصلاح في كتابِه: (المجموع شرح المهذب) (٢)، دونَ تعقبٍ، وهو قولُ ابنِ حمدان (٣). وذهبَ إليه بعضُ الزيدية (٤). ويظهرُ لي أنَّ مرادَ أربابِ هذا القولِ أحد أمرين: الأمر الأول: أنَّهم يجوّزون التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الأولِ. الثاني: أنَّهم يوجبونَ التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الثاني. وعلى كلٍّ فأربابُ القولِ الثالثِ متفقون مع القولينِ السابقينِ على تجويزِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. القول الرابع: منعُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.
следующие страницы →