← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويُلحقُ بأربابِ هذا القول فريقان: الفريق الأول: مَنْ ألَّفَ في فقهِ مذهبِه، وانتسبَ إليه، ولم يَرِدْ عنه قولٌ بوجوبِ التمذهبِ، أو استحبابِه، أو تحريمِه، فظاهرُ صنيعِه يدلُّ على أنَّ أقلَّ ما يراه في حكمِ التمذهبِ هو الجوازُ والإباحةُ. الفريق الثاني: مَنْ قال: لا يلزمُ الأخذُ بقولِ الفاضلِ، وللمستفتي الأخذُ بقولِ المفضولِ، فإنَّ ممَّا يقضيه قولُهم عدم إيجابِ التمذهبِ. القول الثاني: وجوبُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. وقد يُعبّرُ عن هذا القولِ بلزومِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. وقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ بعضُ الحنفيةِ (١)، وبعضُ المالكيةِ (٢). وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (٣)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (٤)، وجَعَلَ ابنُ مفلحٍ هذا القولَ أحدَ الوجهين عند المالكيةِ (٥). ونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى أصحابِه الشافعيةِ (٦)، ونسبه تاجُ الدين بن السبكي إلى محققي الشافعيةِ (٧). ونسبه الأميرُ الصنعاني إلى الأقلِّ (٨).

стр. 772

ويقولُ محمد السفاريني: "قَطَعَ الكبارُ بلزومِ التمذهبِ بمذهبٍ" (١). ويقولُ عبد الله العلوي: "وَقَعَ الإجماعُ اليومَ على وجوبِ تقليدِ المذاهبِ الأربعةِ" (٢). ويقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "متأخرو الأصوليين مِنْ جميعِ المذاهبِ مطبقون كلّهم على وجوبِه" (٣)، أيْ: على وجوبِ التمذهب. وذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٤)، وإلكيا الهراسي (٥)، وأبو المظفرِ السمعاني (٦)، وأبو حامدٍ الغزالي (٧)، وهو ظاهرُ قولِ أبي عبدِ الله المازري (٨)، وهو قولُ ابنِ المنيِّر (٩)، وتاجِ الدينِ ابنِ

стр. 773

السبكي (١)، ومحمدٍ البابرتي - كما نقله عنه ابنُ أبي العز الحنفي (٢) - وهو ظاهرُ قولِ أبي إسحاقَ الشاطبي (٣)، وهو قولُ ابنِ رجبٍ (٤)، وابنِ رسلان الرملي (٥)، وجلالِ الدين المحلي (٦)، وزكريا الأنصاري (٧)، وبدرِ الدين الغزي (٨)، وعبدِ الرؤوف المناوي (٩)، ومحمدٍ السفاريني (١٠)، وعبدِ الله العلوي (١١)، ومحمد الأمين الجكني (١٢)، وعلوي السقاف (١٣)، ومحمد الخضر الشنقيطي (١٤)، ومحمد زاهد الكوثري (١٥)،

стр. 774

ومحمد الحامد (١)، والدكتور محمد البوطي (٢)، وهو ما يفهم من كلام محمد تقي العثماني (٣)، واختاره الدكتور محمد حسن هيتو (٤)، ومحمد كمال الراشدي (٥). ويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "أمَّا كثيرٌ مِنْ أتباعِ أئمةِ العلمِ ومشايخِ الدِّينِ، فحالُهم وهواهُم أيضًا هي حالُ مَنْ يوجبُ متبوعَه، لكنْ لا يقولُ ذلك بلسانِه، ولا يعتقده علمًا، فحالُه يخالفُ اعتقادَه" (٦). ويشترطُ بعضُ أصحابِ القولِ الثاني: أنْ يعتقدَ المتمذهبُ رجحانَ مذهبِه (٧). ونصَّ بعضُهم على لزومِ تركِ المذهبِ إنْ ظَهَرَت مخالفتُه للدليلِ (٨). ويظهر لي أنَّ أكثرَ أصحابِ هذا القول يرون تركَ المذهبِ إنْ خالفَ الدليلَ. القول الثالث: استحبابُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.

стр. 775

وهذا قولُ ابنِ الصلاحِ (١)، ونَقَلَ محيي الدين النوويُّ كلامَ ابن الصلاح في كتابِه: (المجموع شرح المهذب) (٢)، دونَ تعقبٍ، وهو قولُ ابنِ حمدان (٣). وذهبَ إليه بعضُ الزيدية (٤). ويظهرُ لي أنَّ مرادَ أربابِ هذا القولِ أحد أمرين: الأمر الأول: أنَّهم يجوّزون التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الأولِ. الثاني: أنَّهم يوجبونَ التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الثاني. وعلى كلٍّ فأربابُ القولِ الثالثِ متفقون مع القولينِ السابقينِ على تجويزِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ. القول الرابع: منعُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.

стр. 776

ذَهَبَ إلى هذا القولِ: ابنُ خويز منداد (١)، وابنُ حزمٍ (٢)، وتقيُّ الدين بن تيميةَ (٣)، وابنُ القيم (٤)، وابنُ أبي العز الحنفي (٥)، وصالحٌ المقبلي (٦)، ومحمد حياة السندي (٧)، ومحمد الأمير الصنعاني (٨)، وصالحٌ الفُلاني (٩)، والشوكاني (١٠)، وصديق حسن القنوجي (١١)، وعلي بن حسن القنوجي (١٢)،

стр. 777

ومحمد رشيد رضا (١)، ومحمد سلطان المعصومي (٢)، وأحمد بن الصديق الغماري (٣)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٤)، ومحمد ناصر الدين الألباني (٥)، وأحمد بن حجر آل بوطامي (٦)، ومقبل بن هادي الوادعي (٧)، ومحمد عيد عباسي (٨). • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بجواز التمذهب) (٩):

стр. 778

استدلَّ أصحابُ القولِ الأول بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قالَ الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أَمَرَ مَنْ لا علمَ له أنْ يسألَ مَنْ هو أعلمُ منه (٢)، ونحنُ امتثلنا الأمرَ، فأخذنا بقولِ إمامِنا، وإذا جازَ هذا في مسألةٍ واحدةٍ، جازَ فيما سواها من المسائلِ، فإذا جازَ لغيرِ المجتهدِ تقليدُ مَنْ شاءَ مِن العلماءِ جازَ له أنْ يختارَ واحدًا منهم، فيقلِّده دونَ غيرِه؛ لثقتِه في علمِه وعدالتِه (٣). مناقشة الدليل الأول: نوقش الاستدلال بالآية من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ الآيةَ واردةٌ في غيرِ محلِّ النزاعِ؛ فالآيةُ نزلتْ ردًّا على المشركين لمَّا أنكروا كونَ الرسولِ ﷺ بشرًا (٤)، فليس فيها ما يدلُّ على سؤالِ العالمِ (٥).

стр. 779

ويمكن الجواب عن الوجه الأول بالآتي: أولًا: أنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، كما هو قولُ جمهورِ العلماءِ (١)، فالآيةُ وإنْ نزلتْ ردًّا على المشركين المنكرين لنبوةِ محمدٍ ﷺ ، إلا أنَّ لفظَها عامٌّ. ثانيًا: أنَّ القائلين بهذا الوجهِ - وهم الشيخُ صالح الفلاني ومَنْ تبعه - لم يطردْ أصلَه فيما استدلَّ به مِنْ آيات وَرَدَتْ في شأنِ المشركين لمّا احتجوا بتقليدِ آبائِهم (٢)، فقد أقامَ هذه الآياتِ - وقد نزلتْ في شأنِ المشركين - على الاستدلالِ لنقضِ التقليدِ المذهبي، فاعتبرَ خصوصَ السببِ دونَ عمومِ اللفظِ في آيةِ سؤالِ أهلِ الذكرِ، واعتبرَ عمومَ اللفظِ دونَ خصوصِ السببِ في الآياتِ التي وردتْ في شأنِ المشركين لمَّا احتجوا بتقليدِ آبائِهم (٣)، وهذا تناقضٌ منهم. الوجه الثاني: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنا أنْ نسألَ أهلَ العلم عمَّا حَكَمَ اللهُ تعالى به في المسألةِ، وما رُوِيَ عن رسولِه ﷺ فيها، ولمَ يأمرْنا أنْ نسألَ عمَّا قاله إمامُ المذهب (٤)، فالآيةُ آمرةٌ بسؤالِ أهلِ القرآنِ والحديثِ عنهما، ليخبروا بحكمِهما (٥).

стр. 780

يقولُ ابنُ القيّمِ: "ما ذكرتُم بعينِه حجةٌ عليكم! فإنَّ اللهَ سبحانه أَمَرَ بسؤالِ أهلِ الذّكرِ، والذكرُ: هو القرآنُ والحديثُ - الذي أمر اللهُ نساءَ نبيه أنْ يَذْكُرْنَه بقولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (١) - فهذا هو الذكرُ الذي أَمَرَنا اللهُ باتباعِه، وأَمَر مَنْ لا علم عنده أنْ يسألَه أهله، وهذا هو الواجب على كلِّ أحدٍ أنْ يسألَ أهلَ العلمِ بالذكرِ الذي أنزله على رسولِه؛ ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يسعه غيرُ اتباعِه، وهذا كانَ شأنُ أئمةِ أهلِ العلمِ، لم يكنْ لهم مقلَّدٌ معيّنٌ يتبعونه في كلِّ ما قالَ" (٢). الجواب عن الوجه الثاني: مِنْ أينَ لكم أنَّ المرادَ بالآيةِ الكريمةِ ما قلتُم؟ إنْ كان مِنْ منطوقِ الآية، فممنوعٌ، وإنْ كان مِنْ مفهومِها فممنوعٌ أيضًا، ومجرّدُ بيانِ الذّكرِ لا يفيدُ ما قلتُم. وأيضًا: لم يلتزم الأئمةُ ذكر أدلةٍ على أقوالِهم إذا سُئلوا عن حكمِ مسألةٍ ما (٣)، ولو كان المرادُ بالآيةِ ما ذكرتم؛ لقالَ: فاسألوا عن الذِّكرِ (٤). وإذا كانَ السائلُ لأهلِ الذكرِ ممَّنْ يجوزُ له التقليدُ - كالمتمذهبِ الذي ليس لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والمتمذهب المتأهل الذي لم يتمكنْ مِن النظرِ - فله أنْ يسألَ عن رأي عالمٍ ما يرى أنَّه إنْ أَخَذَ بقولِه فقد اتَّبعَ الشرعَ، وفي هذه الحالِ لا لومَ عليه لو أَخَذَ أقوالَ إمامِه؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه. الوجه الثالث: أنَّ الآيةَ الكريمةَ متوجهٌ إلى العامي الصِرْفِ الذي لا يعرفُ معاني النصوصِ وتأويلاتها، أمَّا العالمُ بمعاني النصوصِ، العارفُ بالأدلةِ، فلا تتوجه الآيةُ إليه (٥). يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "إنْ كانت الآيةُ تدلُّ على نوعِ

стр. 781

تقليدٍ في الجملةِ، فهي لا تدلُّ إلا على التقليدِ الذي قدمنا أنّه لا خلافَ فيه بين المسلمين، وهو تقليدُ العامي الذي تنزلُ به نازلةٌ عالمًا مِن العلماءِ، وعمله بما أفتاه به، مِنْ غيرِ التزامٍ منه لجميعِ ما يقولُه ذلك العالمُ، ولا تركه لجميعِ ما يقولُه غيرُه" (١). الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). وجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ هم العلماءُ، وقد أَمَرَ اللهُ بطاعتِهم، وتكون طاعتُهم بأخذِ أقوالِهم فيما يخبرونَ به عن الشرعِ (٣). مناقشة الدليل الثاني: نوقش الاستدلال بالآية من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ الأمراءُ والولاةُ، كما سَبَقَ بيانُه في مسألةِ: (تمذهب المجتهد). الوجه الثاني: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بطاعةِ أولي الأمرِ، وهم العلماءُ، فيما نقلوه إلينا عن الله تعالى ورسولِه ﷺ ، فيطاعون في طاعةِ الله إذا أمروا بأمرِ الله تعالى ورسولِه ﷺ ، فيكون العلماءُ مبلغين لأمرِ الله وأمرِ رسوله ﷺ ، فتجبُ طاعتُهم؛ لطاعةِ الله ورسولِه ﷺ (٤). الوجه الثالث: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بطاعةِ جميعِ العلماءِ، لا بعضهم؛ لأنَّ الله لم يقلْ: بعض أولي الأمرِ، وبناءً عليه تكونُ الآيةُ دالةً على أنَّ العلماءَ إذا أجمعوا على أمرٍ ما، فالواجبُ اتباعُهم؛ للآيةِ (٥).

стр. 782

ويمكن أن يضاف إلى المناقشةِ وجه رابع: على فرضِ التسليم بأنَّ أولي الأمرِ هم العلماء، فالآيةُ متوجهةٌ إلى العامي، وليستْ متوجهةً إلى المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ. الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). وجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى أوجبَ على الناسِ قبولَ نذارةِ المنذرِ إليهم، وهذا أمرٌ بتقليدِ العالمِ (٢)، ويدخلُ تحتَ الأمرِ كلُّ مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ. مناقشة الدليل الثالث: إنَّ الله تعالى لم يأمر الناسَ بقبولِ ما يقولُه المنذرُ مطلقًا، وإنَّما أَمَرَ بقبولِ ما أنذرهم به مِن الوحي الذي ينزلُ في غيبتِهم عن النبي ﷺ في الجهادِ، والإنذارُ إنَّما يكونُ بالحجةِ والوحي، والنذيرُ: مَنْ أقامَ الحجةَ. ويدلُّ على هذا المعنى: ما ذكره الله تعالى عن خزنةِ النارِ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٣)، وما جاءَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٤)، ومَنْ لم تقمْ عليه حجةٌ لم يكنْ قد أُنذِر، فالآية متوجهةٌ إلى الروايةِ، وليس فيها ما يدلُّ على قَبولِ رأي العالمِ (٥)، وقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٦) يدلُّ

стр. 783

على أنَّهم ينذرون بما تفقهوا فيه مِن الدِّينِ، وليس التفقه في الدِّينِ إلا علم الكتابِ والسنةِ (١). الدليل الرابع: أتى رجلٌ مِن الأعراب رسولَ الله ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ الله أنشدك الله إلا قضيتَ لي بكتابِ الله. فقالَ الخصمُ الآخر - وهو أفقه منه -: نعم، فاقضِ بيننا بكتابِ الله، وائذنْ لي. فقال رسول الله ﷺ : (قل). قال: إنَّ ابني كان عسيفًا (٢) عَلى هذا، فزنا بامرأتِه، وإنِّي أُخْبِرتُ أنَّ على ابني الرجم، فافتديت منه بمائةِ شاةٍ ووليدة، فسألتُ أهلَ العلمِ، فأخبروني أنَّما على ابني جلد مائةٍ، وتغريب عام، وأنَّ على امرأةِ هذا الرجمَ. فقالَ رسولُ الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتابِ الله ... ) الحديث (٣). وجه الدلالة: دلَّ الحديثُ على أنَّ الناسَ كانوا يفتون في عهدِ الرسولِ ﷺ ، ولم ينكرْ ﷺ على السائلِ تقليدَه مَنْ هو أعلمُ منه (٤)، وإذا ساغَ التقليدُ في واقعةٍ واحدةٍ ساغَ فيما عداها. مناقشة الدليل الرابع: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: لا يدلُّ الدليلُ على دعواكم؛ لأنَّ السائلَ إنَّما سألَ عن حكمِ الله تعالى، وأَخْبَرَه أهلُ العلمِ بسنةِ الرسول ﷺ في الزاني البكرِ، ولم

стр. 784

يسألهم عن رأيهم ومذاهبِهم (١). يقولُ الشوكانيُّ: "فهو - أيْ: والد العسيف - إنَّما سألَ علماءَ الصحابةِ عن حكم مسألةٍ مِنْ كتابِ الله وسنةِ رسولِه ﷺ ، ولم يسألهم عن رأيهم ومذاهبِهم" (٢). الجواب عن الوجه الأول: الظاهرُ مِن الحالِ أنَّ أهلَ العلمِ أخبروه بالحكمِ الشرعي، ولم يحدثوه حديثًا على جهةِ الروايةِ، ولم ينكر النبيُّ ﷺ على والدِ العسيفِ أخذ قولِهم (٣). الوجه الثاني: هذا الدليل يدلُّ على خلافِ قولِكم؛ لأنَّ المفتين لما اختلفوا في عقوبةِ العسيفِ، ووَقَعَ التنازعُ، رُدَّ الأمرُ إلى رسولِ الله ﷺ ، ولم يُرَدَّ إلى رأي فلانٍ وفلانٍ (٤). الدليل الخامس: حديثُ جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلًا منا حجرٌ، فشجّه (٥) في رأسِه، ثمَّ احتلمَ، فسالَ أصحابَه: هل تجدون لي رخصةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ، فماتَ، فلمَّا قدمنا على النبي ﷺ أُخبِر بذلك، فقالَ: (قتلوه قتلهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاءُ العيّ السوالُ) (٦).

стр. 785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 786

وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ أرشد مَنْ أرادَ معرفةَ الحكمِ إلى السؤالِ، وهذا هو تقليدُ العالمِ بعينِه (١). مناقشة الدليل الخامس: دلَّ الحديثُ على أنَّ الإفتاءَ بعلمٍ طريقٌ صحيحٌ لمعرفةِ الحكمِ الشرعي، ويكونُ العلمُ صحيحًا، إنْ كانت الفتيا عن معرفةٍ للحكم بدليلِه، فالنبيُّ ﷺ أرشدَ المفتين لصاحب الشجّة إلى السؤالِ عن حكمِه ﷺ وسنتِه، لا عن مذاهب الناسِ، وقولُه ﷺ : (ألا سألوا)، أي: سألوا عن حكمِ الله وحكمِ رسولِه ﷺ . ويدلُّ على هذا: أنَّ النبيَّ ﷺ دعا على مَنْ أفتى بغيرِ علمٍ (٢). الدليل السادس: عن ابنِ أبي ليلى (٣) قال: حدثنا أصحابُنا أنَّهم كانوا إذا صلوا مع النبي ﷺ ، فدَخَلَ الرجلُ، أشاروا إليه، فقَضَى ما سُبِق به، فكانوا ما بين قائمٍ وراكعٍ وقاعدٍ ومصلٍّ مع رسولِ الله ﷺ ، حتى جاءَ معاذٌ، فقالَ: لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها. فقالَ رسولُ الله ﷺ : (إنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنة، فكذلك فافعلوا) (٤).

стр. 787

وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ بيّنَ جوازَ تقليدِ الصحابة ﵃ لمعاذِ ﵁ في فعلِه حينَ أخّرَ قضاءَ الصلاةِ إلى ما بعد سلامِ الإمامِ (١). مناقشة الدليل السادس: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ في الحديث ضعفًا (٢). الوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الحديثِ، فليس فيه ما يدلُّ على جوازِ التقليدِ؛ إذ فِعلُ معاذٍ ﵁ لم يصرْ سنةً إلا حينَ أَمَرَ به رسولُ الله ﷺ ، وليس فعلُ معاذٍ ﵁ سنةً بمجردِه، ويكون معنى الحديثِ: إنَّ معاذًا فَعَلَ فعلًا جَعَلَه الله لكم سنةً (٣). ويدلُّ على أنَّ مجردَ فعلِ معاذ ﵁ ليس بسنةٍ إلا إذا أقره النبيُّ ﷺ : ما جاءَ في تطويلِ معاذٍ لصلاةِ العشاءِ، وغَضَب النبي ﷺ منه، ونهيه عن التطويلِ (٤).

стр. 788

الوجه الثالث: على فرضِ التسليم بصحةِ الاستدلالِ بالحديثِ على جوازِ تقليدِ معاذ ﵁، فليس فيه ما يدلُّ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ؛ للفرقِ الواضحِ بين مقامِ الصحابي، ومقامِ مَنْ جاءَ بعده (١). الدليل السابع: أنَّ الصحابةَ ﵃ جوّزوا التقليدَ، وعملوا به، وهناك عددٌ مِن الوقائعِ تدلُّ على ذلك، منها: الأولى: أنَّ أبا بكرٍ الصديق ﵁ قال في الكلالة (٢) (أقضي فيها، فإنْ يكن صوابًا فمِن الله، وإنْ يكن خطأ فمني ومن الشيطانِ، والله منه بريءٌ، هو ما دون الوالد والولد). فقالَ عمرُ بنُ الخطاب ﵁: (إنِّي لأستحيي مِن الله أنْ أخالف أبا بكرٍ) (٣). وجه الدلالة: الأثرُ ظاهرٌ في تقليدِ عمر ﵁ لأبي بكرٍ ﵁، وإقرار مَنْ حَضَرَ مِن الصحابةِ ﵁ له، وإذا جازَ لعمرَ ﵁ أنْ يقلِّدَ، فيجوز لغيرِه مِن بابٍ أولى.

стр. 789

الثانية: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ ألزم مَنْ يُطَلِّقُ زوجتَه ثلاثًا بالطلقاتِ الثلاثِ (١)، ومَنَعَ بيعَ أمهاتِ الأولادِ (٢)، وقد وافقه الصحابةُ ﵃ على هذا.

стр. 790

وجه الدلالة: أنَّ الصحابةَ ﵃ أخذوا قولَ عمرَ ﵁ تقليدًا له (١). الثالثة: جاءَ في كتابِ عمر بن الخطاب ﵁ إلى شريحٍ (٢): (أن اقضِ بما في كتابِ لله، فإنْ لم يكنْ في كتابِ الله، فبسنةِ رسول الله ﷺ ، فإنْ لم يكن في سنةِ رسول الله ﷺ ، فاقضِ بما قَضَى به الصالحون) (٣). وجه الدلالة: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ أرشدَ إلى تقليدِ الصالحين، وهذا منه إذنٌ في تقليدِ العلماءِ. الرابعة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود ﵁ كان يأخذُ بقولِ عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 791

وقد صححَ ابنُ القيمِ هذا الأخذ (١)، ومِنْ ذلك: قولُ ابنِ مسعودٍ ﵁: (إنَّ عمرَ كَرِهَ الصلاةَ بعد العصرِ، وإنِّي أَكْرَه ما كَرِه عمرُ) (٢). وهذا تقليدٌ مِنْ ابنِ مسعودٍ ﵁ لعمرَ بنِ الخطابِ ﵁. الخامسة: يقولُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ ﵁: (مَنْ كان منكم مستنًا فليستن بمَنْ قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنةُ، أولئك أصحاب محمد أبرّ الأمة قلوبًا، وأعمقهًا علمًا) (٣). ويقولُ ابنُ مسعودٍ ﵁ أيضًا: (أَلا لا يقلدنَّ رجلٌ رجلًا دينه، إنْ آمنَ آمنَ، وإنْ كفَرَ كفَرَ، فإنْ كانْ مقلّدًا لا محالة، فليقلد الميتَ، وبترك الحيَّ؛ فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنةُ) (٤).

стр. 792

وهذانِ الأثرانِ يدلانِ على أنَّ ابنَ مسعودٍ ﵁ يرى جوازَ أخذ أقوال العالمِ تقليدًا له. السادسة: يقولُ مسروق (١): (كان ستةٌ مِنْ أصحابِ النبي ﷺ يفتون الناسَ: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب (٢)، وأبو موسى الأشعري (٣)، وكان ثلاثةٌ منهم يَدَعُون قولَهم لقولِ

стр. 793

ثلاثة: كان عبدُ الله يَدَعُ قولَه لقولِ عمر، وكان أبو موسى يَدَعُ قولَه لقولِ علي، وكان زيد يَدَعُ قولَه لقولِ أُبيّ بن كعب) (١). السابعة: يقول الشعبي: إنَّ جندبًا (٢) ذُكِر له قولٌ في مسألةٍ من الصلاةِ لابنِ مسعود ﵁، فقالَ جندبٌ: (أنَّه لرجلٌ، ما كنت لأدعَ قولَه لقولِ أحدٍ مِن الناسِ) (٣).

стр. 794

وهذا الأثر يدلُّ على تقليدِ جندب لابنِ مسعود ﵁. فهذه الوقائعُ وغيرها تدلُّ على تقليدِ الصحابةِ ﵃ لبعضِهم، وتجويزهم لهذا. مناقشة الدليل السابع: لا نُسلمُ لكم أنَّ الصحابةَ ﵃ جوزوا التقليدَ، أو وقعوا فيه، وما ذكرتموه مِنْ وقائع لكل منها مناقشةٌ مستقلةٌ: أولًا: مناقشة ما جاء عن عمر ﵁: (إنِّي لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكرٍ)، نوقش الأثر من ثمانيةِ أوجه: الوجه الأول: أنَّ الأثرَ لا يصحُّ. يقولُ ابنُ حزمٍ: "هذا حديثٌ مكذوبٌ محذوفٌ لا يصحُّ منفردًا هذا اللفظُ" (١). وفيما قاله ابنُ حزمٍ نظرٌ؛ لعدمِ وجودِ كذّاب أو متروكٍ في سندِه، بلْ في الأثرِ انقطاعٌ - كما تقدم في تخريجه - إلا إذا أرادَ بقولِه أنَّه مكذوب أنَّ مَن استدلَّ به على دعوى التقليدِ، فقد كَذَبَ. الوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الأثرِ، فإنَّ معناه: أنَّ عمر ﵁ استحيا مِنْ مخالفة أبي بكرِ ﵁ في اعترافِه بجوازِ الخطأِ عليه، وأنَّ كلامَه كلَّه ليس صوابًا مأمونًا عليه الخطأُ. ويدلُّ على هذا المعنى: أنَّ عمرَ ﵁ أقرَّ عند موتِه أنَّه لم يقضِ في الكلالةِ بشيءٍ، وأنَّه لم يفهمْها (٢).

стр. 795

الجواب عن الوجه الثاني: إنَّ اعترافَ عمر ﵁ بعدمِ القضاءِ في الكلالةِ بشيءٍ، وأنَّه لم يفهمْها، دليلٌ على تقليدِه لأبي بكرٍ ﵁ فيها، وليس دليلًا على عدمِ التقليدِ (١). الوجه الثالث: أنَّ مخالفةَ عمر ﵁ لأبي بكرٍ ﵁ مشهورةٌ، فمِنْ ذلك: أنَّ عمرَ ﵁ أوقفَ الأرضَ المفتوحةَ عنوةً، وكان أبو بكرٍ ﵁ يقسمها (٢)، وكانَ عمرُ ﵁ يفاضلُ في العطاءِ، وأبو بكرٍ ﵁ يساوي فيه (٣)، وغير هذا ممَّا يدلُّ على بطلانِ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ عمرَ ﵁ لا يخالفُ أبا بكرٍ ﵁ (٤).

стр. 796

الوجه الرابع: لو صحَّ الاستدلالُ بهذا الأثرِ على جوازِ التقليدِ في كل واقعةٍ، فليس فيه حجةٌ على التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعةِ؛ لأنَّ الأئمةَ ليسوا ممَّنْ يداني الصحابةَ ﵁ أو يقاربهم، فلا يصحُّ إِلحاقُ غيرِ الصحابةِ بهم (١). الوجه الخامس: لو صحَّ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يرى جوازَ التقليدِ في واقعةٍ، فإِنَّا نَرُدُّ قولَه إِلى الكتابِ والسنةِ، وقد شَهِدَ النصُّ بردِّ قولِ مَنْ يقولُ بجوازِ التقليدِ، إِضافةً إِلى أنَّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ (٢). ويمكن الجواب عن الوجه الخامس: بأنَّه مناقشةٌ بمحلِّ النزاعِ، فالمجوّزون يقولون: دلَّ النصُّ على جوازِ التقليدِ، وأنتم تمنعونه، ثمَّ لا نُسلّم أنّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ. الوجه السادس: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ استحيا مِنْ مخالفةِ أبي بكرٍ الصديق ﵁، وأنتم تستدلون بهذا الأثرِ، لكنَّكم لا تستحيون من مخالفةِ أبي بكرٍ ﵁، وتقدِّمون أقوالَ إِمامِكم عليه، فأنتم تحتجون بما تخالفونه! (٣). الوجه السابع: أنَّ غايةَ ما في الأثرِ أن عمرَ ﵁ قلَّد أبا بكرٍ ﵁ في مسألةٍ واحدةٍ، خَفِيَ الصوابُ فيها على عمر، وليس فيه دليلٌ على جوازِ اتخاذِ أقوالِ إِمامٍ بعينِه بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ، لا يُخرجُ عنها، ولا يُلتفتُ إِلى سواها (٤).

стр. 797

الوجه الثامن: ليس في الأثرِ ما يدلُّ على قولِكم؛ لأنَّ الأثرَ يستدلُّ به مَنْ يرى جوازَ تقليد المجتهدِ لغيرِه من المجتهدين، إِذا عَجَزَ عن الاجتهادِ (١)، وتقليدُ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مسألةٌ أخرى تختلفُ عمَّا نحنُ بصدده. ويمكن الجواب عن الوجه الثامن: بأنَّه إِذا جازَ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، فمِنْ باب أولى يجوزُ التقليدِ لمَنْ لم يكن مجتهدًا. ثانيًا: مناقشة ما جاء أنَّ الصحابة ﵃ قلَّدوا عمر بن الخطاب ﵁ حين ألزم المطلِّق ثلاثًا بوقوع الطلقات ثلاثًا، ومنع بيع أمهات الأولاد: نوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ الصحابةَ ﵃ الذين أخذوا بقولِ عمرَ ﵁ لم يقلَّدوه، وإنَّما أداهم إِليه اجتهادُهم؛ فلم ينقلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قال: إِنِّي رأيتُ هذا؛ تقليدًا لعمرَ (٢). الوجه الثاني: هناك مِن الصحابة مَنْ خالفَ عمر ﵃، فعبدُ الله بن عبَّاس ﵄ خالفه في الإِلزامِ بالطلاقِ، فجاءَ عنه ما يدلُّ على أنَّ الطلاقَ الثلاثَ لا يقعُ إِلَّا واحدةً (٣)، وابنُ مسعودٍ ﵁ خالفَ عمرَ ﵁ في بيعِ

стр. 798

أمهاتِ الأولادِ (١)، وإِذا اختلفَ الصحابةُ في شيءٍ، فالمعوَّلُ عليه هو الحجةُ (٢). الوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بأنَّ الصحابةَ ﵃ قلَّدوا عمر ﵁ في هاتين المسألتين، فليس فيهما ما يسوِّغُ تقليد مَنْ هو دونَ عمر ﵁ بكثيرٍ في كلِّ ما يصدرُ عنه، وترك أقوال غيرِه ممَّنْ هم مثله، أو أعلم منه (٣). ثالثًا: مناقشة ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إِلى شريح: نوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ قولَ عمر ﵁ حجةٌ عليكم، لا لكم؛ فإِنَّه أَمَرَ شريحًا أنْ يعملَ بالكتابِ، فيقدمه على غيرِه، ثمَّ بالسنةِ، فإِنْ لم يجدْ قَضَى بما قضى به الصالحون، وهل أنتم تفعلون ما أرشد إِليه عمرُ ﵁ إِذا نزلت بكم نازلةٌ؟ ! وحالكم أنَّكم اقتصرتم على قولِ إِمامِكم، فلم تلتفتوا إِلى غيرِه، ولم تنظروا في دليلِه (٤).

стр. 799

الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بما ذكرتم، فإِنَّ هذا قول عمر ﵃، وقولُه ليس بحجةٍ (١). ويمكن الجواب عن الوجه الثاني: بأنَّ كتابَ عمر ﵁ كتابٌ مشهورٌ، ولم ينكرْه أحدٌ من الصحابةِ ﵃، فيكون حجةً. ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه ثالث: أن قولَ عمر ﵁: (واقضِ بما قضى به الصالحون)، يريد به الإِجماعَ، وهو أحدُ الأدلةِ المعتبرةِ، وإِذا فسرنا ما جاء عنه بالإِجماع لم يبقَ فيه متمسكٌ لمن حَمَلَه على التقليدِ. رابعًا: مناقشة الاستدلال بأنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ كان يأخذ بقول عمر بن الخطاب ﵁، نوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ أخذ ابنِ مسعود ﵁ لقولِ عمرَ ﵁ مِنْ باب موافقةِ العالمِ للعالمِ في الرأي والاستدلال، لا مِنْ بابِ التقليدِ له، يؤكدُ هذا أمران: الأمر الأول: أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ ﵁ خالفَ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ في مسائلَ كثيرةٍ (٢). الأمر الثاني: أنَّ عبدَ الله بن مسعود ﵁ نفسَه حذّر مِنْ أن يكون المسلمُ إِمّعةً (٣)، فقال: (وهو - أي: الإِمعة - فيكم: المُحْقِب (٤) دينه

стр. 800

الرجال) (١). الوجه الثاني: أنَّ المستدلَّ بهذا الأثرِ لا يرى تقليدَ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ ولا ابنَ مسعودٍ ﵁ في كل أقوالهما، بلْ تقليدُ مَنْ بعدهما من الأئمةِ أحبُّ إِليه، وآثرُ عنده (٢). الوجه الثالث: لو سُلِّمَ الاستدلال بهذا الأثرِ على مطلوبِكم، فإِنَّه يكونُ متمسكًا لمنْ قالَ: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ لمجتهدٍ آخر، وهذه مسألةٌ أخرى غير مسألتنا (٣). ويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بأنَّه إِذا جازَ للمجتهدِ أنْ يقلَّدَ مجتهدًا آخر، فمِنْ بابٍ أولى يجوزُ لمن لم يكن مجتهدًا أنْ يقلِّد أحدَ المجتهدين. خامسًا: مناقشة ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁:

стр. 801

الأول: مناقشة أثر عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستنًا ... )، نوقش الأثر من ثلاثةِ أوجه: الوجه الأول: أن عبد الله بن مسعود ﵁ عيَّن المستنَ بهم، وهم الصحابةُ ﵃، والمستدلُّ بهذا الأثرِ يُقَدِّم قولَ إِمامِه على من عداه (١). الوجه الثاني: يكونُ الاستنانُ بالصحابةِ ﵃ بالاقتداءِ بهم، بحيثُ يأتي المقتدي بمثلِ ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا. ويدلُّ على التفريقِ بين الاستنانِ والتقليدِ: أنَّ ابنَ مسعودٍ نفسَه نَهَى عن أنْ يكونَ المرءُ إِمعةً - أي: مقلدًا كما تقدم - وأَمَرَ بالاستنانِ (٢)، وهذا يدلُّ على تفريقه بينهما، فلا يصحُّ حملُ ما جاءَ عنه في الاستنانِ على معنى التقليدِ (٣). الوجه الثالث: أنَّ ابنَ مسعود ﵁ نهى عن الاستنانِ بالأحياءِ، وأنتم تقلِّدون الأحياءَ، فلا يستقيمُ لكم الاستدلالُ بهذا الأثرِ (٤). الثاني: مناقشة أثر عبد الله بن مسعود ﵁: (ألا لا يقلدن، رجل رجلًا ... ): نوقش الأثر من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الأثرَ غيرُ ثابتٍ (٥). الوجه الثاني: أنَّ في متن الأثرِ نكارةً، أوضحها ابنُ حزم، بقولِه: "مَعَ أنَّه - أي: ما نسب إِلى ابنِ مسعود - كلامٌ فاسدٌ؛ لأنَّ الميتَ أيضًا لا تُؤمَنُ عليه الفتنةُ إِذا أفتى بما أفتى، ولا فرقَ بينه، وبين الحي في هذا" (٦).

стр. 802

ويمكن أنْ يُضاف إِلى المناقشة وجهان آخران: الوجه الثالث: أنَّ مقتضى الأثرِ إِنْ صحَّ منعُ تقليدِ الحي، والمستدلُّ به لا يقولُ بمقتضاه. الوجه الرابع: عارضَ أثرَ عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁، مع ضعفِه ما جاءَ عنه مِنْ نهيه عن أنْ يكونَ المرءُ إِمّعةً (١). سادسًا: مناقشة قول مسروق: (كان ستة من أصحاب النبي ﷺ يفتون الناس ... )، نوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الأثرَ ضعيفٌ لا تقومُ به حجةٌ (٢). الوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الأثرِ، فإِنَّ المذكورين فيه لم يكونوا يَدَعُون ما يعرفون مِن السنةِ المطهرةِ تقليدًا لهؤلاءِ الثلاثة، بلْ إِذا ظَهَرَتْ لهم السنةُ لم يكونوا يَدَعُونها لقولِ أحدٍ كائنًا مَنْ كان، فهذا عبدُ الله بن عبَّاس ﵄ حين أنكرَ على مَنْ خالفَ السنة بقولِه: (قال: أبو بكرٍ وعمر)، وقال: (أراهم سيهلكون؛ أقولُ: قالَ النبيُّ ﷺ ، ويقولون: نهى أبو بكرٍ وعمرُ) (٣).

стр. 803

وإِنَّما كانوا يَدَعُون أقوالَهم لأقوالِ هؤلاءِ؛ لأنَّهم يقولون قولًا، ويقولُ هؤلاءِ قولًا مخالفًا لهم، ويكون الدليلُ معهم، فيرجعون إِليهم، ويَدَعُون أقوالَهم، وهذا عكس ما يفعلُه بعضُ المتمذهبين؛ إِذ لا يَدَعُون أقوالَ إِمامِهم وإِنْ خالفت الدليلَ (١). الوجه الثالث: لو سلمنا أنَّ الأثرَ يدلُّ على أنَّ الثلاثةَ المذكورين فيه يقلِّدون الثلاثةَ الآخرين، فليس فيه حجةٌ على تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ؛ لأنَّ المقلَّدين في الأثرِ هم أَجِلَّةُ الصحابةِ ﵃، ومَنْ جاءَ بعدَهم لا يداينهم ولا يقربُ منهم، فإِلحاقُه بهم فيه نظرٌ بيِّنٌ (٢). ثامنًا: مناقشة قول جندب: (إِنَّه لرجل، ما كنتُ لأدع قوله: ... ): نوقش بالأوجه الثلاثة الَّتي نوقش بها أثر مسروق آنف الذكر (٣). الدليل الثامن: إِجماعُ الصحابةِ ﵃ على جوازِ استفتاءِ العامي أكثر

стр. 804

مِنْ عالمٍ فيما يعرضُ له مِن المسائلِ، وإِذا لم يلزم مَنْ عدا المجتهد في عصرِ أوائل الأُمَة أنْ يختصَ بعالمٍ معيّنٍ، فكذا ما بعده مِن العصورِ (١). وقد حكى الإِجماعَ جمعٌ من الأصوليين، منهم: الآمديُّ (٢)، والعزّ بن عبد السلام (٣)، وشهابُ الدين القرافيُّ (٤)، وصفيُّ الدين الهندي (٥). وهذا الدليلُ يدلّ على جوازِ التمذهبِ، ويدفعُ القولَ بوجوبِه. الدليل التاسع: أنَّه لم ينقلْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ ﵃ أنَّهم كانوا يلزمون أحدًا بالتقيّدِ بمذهبِ أحدِ مجتهدي عصرِهم، ولو كان عدمُ التقيدِ بمذهبٍ معيَّنٍ غيرَ جائزٍ لما جازَ لهم السكوتُ عنه، وعدمُ إِنكارِه (٦). الدليل العاشر: أنَّ الله تعالى لم يُوْجِبْ على أحدٍ مِن الناسِ أن يتقيّدَ بمذهبِ أحدِ الأئمة الأربعة، بحيثُ لا يخرجُ عنه، ولا أوجبه رسولُه ﷺ ، ولا واجبَ إِلَّا ما أوجبه للهُ تعالى أو رسولُه، ولذا فالتمذهب غيرُ واجبٍ (٧).

стр. 805

الدليل الحادي عشر: انعقدَ الإِجماعُ على جوازِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (١). يقولُ القاضي عياضٌ: "وَقَعَ إِجماعُ المسلمين في أقطارِ الأرض على تقليدِ هذا النمطِ، واتباعهم - أي: الأئمة الأربعة - ودَرْس مذاهبِهم" (٢). ويقولُ الوزيرُ ابن هبيرة واصفًا المذاهب الأربعة: "الَّتي اجتمعت الأمةُ على أنَّ كلًّا منها يجوزُ العمل به" (٣). ويقولُ ابنُ فرحون المالكي عن المذاهب الفقهية: "هؤلاءِ الذين وَقَعَ إِجماعُ الناسِ على تقليدِهم، مع الاختلافِ في أعيانِهم، واتفاق العلماءِ على اتباعِهم، والاقتداء بمذاهبِهم، ودَرْس كتبهم، والتفقه على مآخذِهم ... " (٤).

стр. 806

ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "المذاهبُ الأربعةُ المدوَّنةُ المحررةُ قد اجتمعت الأمةُ - أو مَنْ يعتدّ به منها - على جوازِ تقليدِها إِلى يومِنا هذا" (١). فالتمذهبُ قديمٌ، وقد أَدركَ الناسُ شيوخَهم عليه (٢). مناقشة الدليل الحادي عشر: نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: انعدامُ قيمةِ الإِجماع المذكورِ في الدليل؛ لأنَّ المجمعين هم المقلِّدون المذهبيون الذين لم يتأهلوا للنظرِ في الأدلةِ (٣). ويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّه لا يُسلَّم لكم أنَّ المجمعين هم مِنْ المتمذهبين الذين لم يتأهلوا إِلى النظرِ في الأدلةِ، والاستنباطِ منها، بلْ أربابُه مِن المتأهلين إِلى النظرِ في الأدلةِ، ومعرفةِ القولِ الراجحِ بدليلِه. الوجه الثاني: نختلفُ معكم في تفسيرِ كلامِ بعضِ من أوردتم حديثه، فليس مرادُ ابنِ هبيرةَ - على وجهِ الخصوصِ - بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماعَ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ، وإِنَّما مرادُه الردُّ على مَن اشترطِ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا، وأنَّ المقلِّدَ لا ينفذُ قضاؤه، وحَمَلَ كلامَ مَن اشترطَ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا على ما كانت عليه الحالُ قبلَ استقرارِ المذاهب الأربعةِ، وأمَّا بعد استقرارها، فيجوزُ تولية المقلِّدِ لها، وينفذُ قضاؤه (٤). ويدلُّ على هذا: سياقُ كلامِ ابنِ هبيرةَ؛ إِذ يقولُ: "اتفقوا على أنَّه لا يجوزُ أنْ يولَّى القضاء مَنْ ليس مِنْ أهلِ الاجتهادِ، إِلَّا أبا حنيفةَ، فإِنَّه قال: يجوزُ ذلك.

стр. 807

قال الوزير: والصحيحُ في هذه المسألةِ، أنَّ قولَ من قال: لا يجوزُ تولية قضاءٍ حتى يكون مِنْ أهلِ الاجتهادِ، فإِنَّه إِنَّما عَنى به ما كانت الحال عليه قبلَ استقرارِ ما استقر مِنْ هذه المذاهب الَّتي اجتمعت الأُمَّةُ على أنَّ كلًّا منها يجوزُ العملُ به؛ لأنَّه مستندٌ إِلى أَمرِ رسولِ الله ﷺ وإلى سنته، فالقاضي في هذا الوقتِ وإِنْ لم يكنْ مِنْ أهلِ الاجتهادِ ... فإِنَّ ذلك ممَّا قد فُرغَ له منه غيرِه، ودأب له فيه سواه، وانتهى الأمرُ مِنْ هؤلاءِ الأئمة المجتهدين إِلى ما أراحوا فيه مَنْ بعدهم، وانحصرَ الحقُّ في أقاويلهم ... فإِذا عَمَلَ القاضي في أقضيتِه بما يأخذُه عنهم، أو عن الواحدِ منهم، فإِنَّه في معنى مَنْ كان أدّاه اجتهادُه إِلى قولٍ قاله" (١). ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه ثالث: أنَّ الإِجماعَ المذكورَ إِنْ حُمِلَ على جوازِ التمذهبِ بهذه المذاهب بحيثُ تكون طريقًا للتفقه، ومعرفةِ الأدلةِ، والراجحِ بدليلِه، فهذا مسلَّم؛ لأنَّه لا يظهرُ لي جريان الخلافِ في هذه الحالةِ. وإِنْ حُمِلَ على جوازِ التقليدِ المذهبي للمتأهلِ لمعرفةِ الأدلةِ والنظرِ فيها والاستنباطِ منها، فحكايةُ الإِجماعِ حينئذٍ محلُّ نظرٍ؛ لوجودِ الخلافِ في هذه الحالةِ. الدليل الثاني عشر: أنَّ العلماءَ اتفقوا على عدم الإِنكارِ في مسائلِ الاجتهادِ، ولا ريبَ أن أقلَّ ما يُقالُ عن المذاهب الأربعةِ: إِنَّها مِنْ هذا القبيلِ (٢). يقولُ سفيانُ الثوري: "إِذا رأيتَ الرجلَ يعملُ العملَ الَّذي اختُلِف فيه، وأنتَ ترى تحريمَه، فلا تنهه" (٣).

стр. 808

ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "مسائلُ الاجتهادِ مَنْ عَمِلَ فيها بقولِ بعضِ العلماءِ لم يُنْكَرْ عليه، ولم يُهجرْ، ومَنْ عَمِلَ بأحدِ القولين لم يُنكرْ عليه، وإِذا كانَ في المسألةِ قولان، فإِنْ كانَ الإِنسانُ يظهر له رجحانُ أحدِ القولين، عَمِلَ به، وإِلَّا قلَّدَ بعض العلماءِ الذين يعتمدُ عليهم في بيانِ أرجحِ القولينِ" (١). ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما جاء عن سفيانَ الثوري لا يدلُّ على ما ذكرتم، وإِنَّما هو مِنْ بابِ السعةِ على المخالفِ في المسائلِ الاجتهاديةِ. الدليل الثالث عشر: جاءَ عن الأئمةِ المجتهدين التصريحُ بجوازِ التقليدِ، ومنهم مَنْ جوَّزه للمجتهدِ، وإِذا جازَ للمجتهدِ جازَ لغيرِه ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مِنْ بابٍ أولى. وإِذا جازَ تقليدُ الأئمة، فإِنَّه يجوزُ أنْ يُقْتَصَرَ على تقليدِ واحدٍ منهم بعينِه (٢). ومِن الأقوالِ الواردةِ عن الأئمةِ في هذا الشأنِ: قولُ محمد بن الحسن: يجوزُ للعالمِ تقليد مَنْ هو أعلمُ منه (٣). وكان الإِمامُ مالكٌ لا يخرجُ عن عملِ أهلِ المدينة، كما هو مشهورُ مذهبِه (٤).

стр. 809

وجاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّدَ غيرَه (١). مناقشة الدليل الثالث عشر، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إِنْ كانَ مرادُكم في الدليلِ أنَّ جميعَ الأئمةِ جوّزوا التقليدَ، فهذه الدعوى محلُّ نظرٍ؛ إِذ جاءَ عن بعضِ الأئمةِ النهيُّ عنه (٢). الوجه الثاني: أنَّ مَنْ يستدل بهذا الدليلِ يُنْكِر نسبةَ التقليد إِلى إِمامِه؛ وقد اضطربَ بعضُ الشافعية في تفسيرِ ما جاءَ عن الإِمام الشَّافعي مِن القولِ بالتقليدِ، فالدليلُ في أصلِه غيرُ مسلَّم عند بعضِ المستدلين به (٣). الوجه الثالث: أنَّ ما جاءَ عن الأئمةِ مِن العملِ بالتقليدِ إِنَّما كان في مسائل يسيرةٍ، لم يقفوا فيها على دليلٍ من الكتابِ ولا من السنةِ، وبناءً عليه، فلا يصحُّ جعل ما نُقِلَ عنهم في هذه المسائل القليلة دليلًا على جوازِ التقليدِ المذهبي الَّذي لا يُخرجُ فيه عن أقوالِ إِمام المذهب في الأعمِّ الأغلبِ (٤). ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: أنَّ ما جاء عن الإِمام مالك مِنْ أخذه بعمل أهل المدينة لا يعدُّ تقليدًا، وإنَّما هو أخذ بالدليلِ. وما جاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّد غيره، فليس مرادُه بالتقليدِ التقليدُ المصطلح عليه، بلْ مرادُه به الاتّباعُ (٥).

стр. 810

الدليل الرابع عشر: أنَّ الأئمةَ الأربعة على هدىً، فاتْبَاعُهم على هدىً قطعًا؛ لأنَّهم ساروا وراءَهم (١). مناقشة الدليل الرابع عشر: إِن الهدى الَّذي كان الأئمةُ عليه هو اتِّباعهم للدليلِ، والعملُ بالكتاب والسنةِ، وهذا هو طريقهم، فمَنْ سارَ عليه، فاتَّبع الدليلَ، وانقادَ إِليه، فهو على هدىً، أمَّا اتخاذُ أقوالِ واحدٍ منهم، وجعلها بمنزلةِ نصوصِ الشرعِ الَّتي لا محيدَ عنها، فليس هذا مِنْ هديهم (٢). ويمكن الجواب عن مناقشة الدليل الرابع عشر: بأنَّ السيرَ على طريقِ الأئمةِ إِنَّما يتمُّ لمنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، أو كانت لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والاستنباط منها، أمَّا مَنْ تمذهبَ، ولم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ، فله السيرُ على أقوالِ إِمامِه. يقولُ الشيخُ حمدُ بن معمَّر: "مَنْ كان محصلًا لبعضِ العلومِ، وقد تفقه في مذهبٍ مِن المذاهبِ، وتبصَّرَ في كتبِ متأخري الأصحابِ ... ولكنَّه قاصرُ النظرِ عن معرفةِ الدليلِ، ومعرفةِ الراجح مِنْ كلامِ العلماءِ: فهذا له التقليدُ أيضًا؛ إِذ لا يجبُ عليه إِلَّا ما يقدرُ عليه" (٣). الدليل الخامس عشر: إِنَّ صوابَ المتمذهب في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه في اجتهادِه لو أرادَ طلبَ الحقِّ بنفسِه، وَيكون حالُه كمَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ لا خبرةَ له بها، فإِنَّه إِذا قلَّدَ عالمًا بتلك السلعةِ خبيرًا بها ناصحًا، كان صوابُه وحصولُ غرضِه أقربَ مِنْ اجتهادِ نفسِه (٤). مناقشة الدليل الخامس عشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مقتضى دليلِكم أنَّه لا يمكنُ أن يخفى على إمامِ
следующие страницы →