ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "المذاهبُ الأربعةُ المدوَّنةُ المحررةُ قد اجتمعت الأمةُ - أو مَنْ يعتدّ به منها - على جوازِ تقليدِها إِلى يومِنا هذا" (١).
فالتمذهبُ قديمٌ، وقد أَدركَ الناسُ شيوخَهم عليه (٢).
مناقشة الدليل الحادي عشر: نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: انعدامُ قيمةِ الإِجماع المذكورِ في الدليل؛ لأنَّ المجمعين هم المقلِّدون المذهبيون الذين لم يتأهلوا للنظرِ في الأدلةِ (٣).
ويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّه لا يُسلَّم لكم أنَّ المجمعين هم مِنْ المتمذهبين الذين لم يتأهلوا إِلى النظرِ في الأدلةِ، والاستنباطِ منها، بلْ أربابُه مِن المتأهلين إِلى النظرِ في الأدلةِ، ومعرفةِ القولِ الراجحِ بدليلِه.
الوجه الثاني: نختلفُ معكم في تفسيرِ كلامِ بعضِ من أوردتم حديثه، فليس مرادُ ابنِ هبيرةَ - على وجهِ الخصوصِ - بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماعَ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ، وإِنَّما مرادُه الردُّ على مَن اشترطِ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا، وأنَّ المقلِّدَ لا ينفذُ قضاؤه، وحَمَلَ كلامَ مَن اشترطَ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا على ما كانت عليه الحالُ قبلَ استقرارِ المذاهب الأربعةِ، وأمَّا بعد استقرارها، فيجوزُ تولية المقلِّدِ لها، وينفذُ قضاؤه (٤).
ويدلُّ على هذا: سياقُ كلامِ ابنِ هبيرةَ؛ إِذ يقولُ: "اتفقوا على أنَّه لا يجوزُ أنْ يولَّى القضاء مَنْ ليس مِنْ أهلِ الاجتهادِ، إِلَّا أبا حنيفةَ، فإِنَّه قال: يجوزُ ذلك.
стр. 807
قال الوزير: والصحيحُ في هذه المسألةِ، أنَّ قولَ من قال: لا يجوزُ تولية قضاءٍ حتى يكون مِنْ أهلِ الاجتهادِ، فإِنَّه إِنَّما عَنى به ما كانت الحال عليه قبلَ استقرارِ ما استقر مِنْ هذه المذاهب الَّتي اجتمعت الأُمَّةُ على أنَّ كلًّا منها يجوزُ العملُ به؛ لأنَّه مستندٌ إِلى أَمرِ رسولِ الله ﷺ وإلى سنته، فالقاضي في هذا الوقتِ وإِنْ لم يكنْ مِنْ أهلِ الاجتهادِ ... فإِنَّ ذلك ممَّا قد فُرغَ له منه غيرِه، ودأب له فيه سواه، وانتهى الأمرُ مِنْ هؤلاءِ الأئمة المجتهدين إِلى ما أراحوا فيه مَنْ بعدهم، وانحصرَ الحقُّ في أقاويلهم ... فإِذا عَمَلَ القاضي في أقضيتِه بما يأخذُه عنهم، أو عن الواحدِ منهم، فإِنَّه في معنى مَنْ كان أدّاه اجتهادُه إِلى قولٍ قاله" (١).
ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه ثالث: أنَّ الإِجماعَ المذكورَ إِنْ حُمِلَ على جوازِ التمذهبِ بهذه المذاهب بحيثُ تكون طريقًا للتفقه، ومعرفةِ الأدلةِ، والراجحِ بدليلِه، فهذا مسلَّم؛ لأنَّه لا يظهرُ لي جريان الخلافِ في هذه الحالةِ.
وإِنْ حُمِلَ على جوازِ التقليدِ المذهبي للمتأهلِ لمعرفةِ الأدلةِ والنظرِ فيها والاستنباطِ منها، فحكايةُ الإِجماعِ حينئذٍ محلُّ نظرٍ؛ لوجودِ الخلافِ في هذه الحالةِ.
الدليل الثاني عشر: أنَّ العلماءَ اتفقوا على عدم الإِنكارِ في مسائلِ الاجتهادِ، ولا ريبَ أن أقلَّ ما يُقالُ عن المذاهب الأربعةِ: إِنَّها مِنْ هذا القبيلِ (٢).
يقولُ سفيانُ الثوري: "إِذا رأيتَ الرجلَ يعملُ العملَ الَّذي اختُلِف فيه، وأنتَ ترى تحريمَه، فلا تنهه" (٣).
стр. 808
ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "مسائلُ الاجتهادِ مَنْ عَمِلَ فيها بقولِ بعضِ العلماءِ لم يُنْكَرْ عليه، ولم يُهجرْ، ومَنْ عَمِلَ بأحدِ القولين لم يُنكرْ عليه، وإِذا كانَ في المسألةِ قولان، فإِنْ كانَ الإِنسانُ يظهر له رجحانُ أحدِ القولين، عَمِلَ به، وإِلَّا قلَّدَ بعض العلماءِ الذين يعتمدُ عليهم في بيانِ أرجحِ القولينِ" (١).
ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما جاء عن سفيانَ الثوري لا يدلُّ على ما ذكرتم، وإِنَّما هو مِنْ بابِ السعةِ على المخالفِ في المسائلِ الاجتهاديةِ.
الدليل الثالث عشر: جاءَ عن الأئمةِ المجتهدين التصريحُ بجوازِ التقليدِ، ومنهم مَنْ جوَّزه للمجتهدِ، وإِذا جازَ للمجتهدِ جازَ لغيرِه ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مِنْ بابٍ أولى.
وإِذا جازَ تقليدُ الأئمة، فإِنَّه يجوزُ أنْ يُقْتَصَرَ على تقليدِ واحدٍ منهم بعينِه (٢).
ومِن الأقوالِ الواردةِ عن الأئمةِ في هذا الشأنِ:
قولُ محمد بن الحسن: يجوزُ للعالمِ تقليد مَنْ هو أعلمُ منه (٣).
وكان الإِمامُ مالكٌ لا يخرجُ عن عملِ أهلِ المدينة، كما هو مشهورُ مذهبِه (٤).
стр. 809
وجاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّدَ غيرَه (١).
مناقشة الدليل الثالث عشر، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إِنْ كانَ مرادُكم في الدليلِ أنَّ جميعَ الأئمةِ جوّزوا التقليدَ، فهذه الدعوى محلُّ نظرٍ؛ إِذ جاءَ عن بعضِ الأئمةِ النهيُّ عنه (٢).
الوجه الثاني: أنَّ مَنْ يستدل بهذا الدليلِ يُنْكِر نسبةَ التقليد إِلى إِمامِه؛ وقد اضطربَ بعضُ الشافعية في تفسيرِ ما جاءَ عن الإِمام الشَّافعي مِن القولِ بالتقليدِ، فالدليلُ في أصلِه غيرُ مسلَّم عند بعضِ المستدلين به (٣).
الوجه الثالث: أنَّ ما جاءَ عن الأئمةِ مِن العملِ بالتقليدِ إِنَّما كان في مسائل يسيرةٍ، لم يقفوا فيها على دليلٍ من الكتابِ ولا من السنةِ، وبناءً عليه، فلا يصحُّ جعل ما نُقِلَ عنهم في هذه المسائل القليلة دليلًا على جوازِ التقليدِ المذهبي الَّذي لا يُخرجُ فيه عن أقوالِ إِمام المذهب في الأعمِّ الأغلبِ (٤).
ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: أنَّ ما جاء عن الإِمام مالك مِنْ أخذه بعمل أهل المدينة لا يعدُّ تقليدًا، وإنَّما هو أخذ بالدليلِ.
وما جاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّد غيره، فليس مرادُه بالتقليدِ التقليدُ المصطلح عليه، بلْ مرادُه به الاتّباعُ (٥).
стр. 810
الدليل الرابع عشر: أنَّ الأئمةَ الأربعة على هدىً، فاتْبَاعُهم على هدىً قطعًا؛ لأنَّهم ساروا وراءَهم (١).
مناقشة الدليل الرابع عشر: إِن الهدى الَّذي كان الأئمةُ عليه هو اتِّباعهم للدليلِ، والعملُ بالكتاب والسنةِ، وهذا هو طريقهم، فمَنْ سارَ عليه، فاتَّبع الدليلَ، وانقادَ إِليه، فهو على هدىً، أمَّا اتخاذُ أقوالِ واحدٍ منهم، وجعلها بمنزلةِ نصوصِ الشرعِ الَّتي لا محيدَ عنها، فليس هذا مِنْ هديهم (٢).
ويمكن الجواب عن مناقشة الدليل الرابع عشر: بأنَّ السيرَ على طريقِ الأئمةِ إِنَّما يتمُّ لمنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، أو كانت لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والاستنباط منها، أمَّا مَنْ تمذهبَ، ولم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ، فله السيرُ على أقوالِ إِمامِه.
يقولُ الشيخُ حمدُ بن معمَّر: "مَنْ كان محصلًا لبعضِ العلومِ، وقد تفقه في مذهبٍ مِن المذاهبِ، وتبصَّرَ في كتبِ متأخري الأصحابِ ... ولكنَّه قاصرُ النظرِ عن معرفةِ الدليلِ، ومعرفةِ الراجح مِنْ كلامِ العلماءِ: فهذا له التقليدُ أيضًا؛ إِذ لا يجبُ عليه إِلَّا ما يقدرُ عليه" (٣).
الدليل الخامس عشر: إِنَّ صوابَ المتمذهب في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه في اجتهادِه لو أرادَ طلبَ الحقِّ بنفسِه، وَيكون حالُه كمَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ لا خبرةَ له بها، فإِنَّه إِذا قلَّدَ عالمًا بتلك السلعةِ خبيرًا بها ناصحًا، كان صوابُه وحصولُ غرضِه أقربَ مِنْ اجتهادِ نفسِه (٤).
مناقشة الدليل الخامس عشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: مقتضى دليلِكم أنَّه لا يمكنُ أن يخفى على إمامِ
стр. 811
المذهب دليلٌ مِن الأدلةِ الشرعيةِ النقليةِ، وهذا ما لا يقولُه أحدٌ؛ فإِنَّ أجلةَ الَصحابةِ ﵃ مع قرب عهدِهم مِن النبي ﷺ خفيتْ عليهم بعضُ السننِ (١).
وإِذا سُلِّم أنَّ إِمامَ المذهبِ قد تخفى عليه بعضُ السننِ، لم يكن القولُ بأنَّ تقليدَه في كلِّ حالٍ ولكلِّ شخصٍ أسلمُ، مسلَّمًا.
الوجه الثاني: قولكم: "إِنَّ صواب المتمذهب ... " دعوى غير مسلَّمةٍ؛ فإِنَّ المتمذهبَ إِذا قلَّد إِمامَه، وخالفَ إِمامَه غيرُه مِن العلماءِ - ممَّنْ هم مثله أو أعلم منه - لم يدرِ المتمذهبُ أهو على صوابٍ، أم على خطأٍ؟
وإِنَّما يكونُ المتمذهبُ أقربَ إِلى الصوابِ، إِذا عَرَفَ أنَّ الصوابَ مع إِمامِه دونَ غيرِه، وحينئذٍ لا نُثَرِّبُ فعله؛ لأنَّه عَرَفَ الدليلَ (٢).
ويمكن أن يجاب على الوجه الثاني: بأنَّ ما ذكرتموه في مناقشتِكم مُسلَّم لمنْ لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، أمَّا إِنْ كانَ المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ للنظرِ فيها - إِمَّا لتدرجِه في العلمِ وإِمَّا لضعفِ علمِه - فلا يُسلَّمُ لكم إِيجاب النظر عليه في الأدلةِ؛ لفقدِه الآلة.
الوجه الثالث: إِنَّ ما مثلتم به في دليلِكم حجةٌ عليكم! فإِنَّ مَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ إِذا اختلفَ عليه اثنانِ، وكلٌّ منهما يأمرُ بخلافِ ما يأمره به الآخرُ، فإِنَّه لا يُقْدِمُ على تقليدِ أحدِهما، بلْ يطلبُ الصوابَ مِنْ أقوالهما،
стр. 812
ولو أَخَذَ بقولِ أحدِهما تقليدًا عُدّ مخاطرًا مذمومًا، ولم يُمْدَحْ، بلْ عليه أنْ يطلبَ الصوابَ مِنْ خارجٍ؛ ليتبيّنَ له المصيبُ (١).
ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: إِنْ كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، والترجيحِ بينها، فلا يُسلَّمُ لكم أنَّ صوابَه في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه مِن اجتهادِه، بلْ لو نَظَرَ المتمذهبُ المتأهلُ في الأدلةِ، فأخطأَ الحكمَ، فهو خيرٌ ممَّا لو قلَّدَ إِمامَه فأصابَ؛ لأنَّه باجتهادِه قد أدَّى ما عليه - وهو أخذ الحكمِ مِنْ دليلِه - وخطؤه مغفورٌ له.
الدليل السادس عشر: قياسُ التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعةِ والاقتصار على واحدٍ منها على الاقتصارِ على إِحدى القراءاتِ السَبعِ، فإِذا جازَ للمسلمِ أنْ يقرأَ القرآنَ بإِحدى القراءاتِ السبعِ مقتصرًا عليها (٢)، فيجوزُ له أنْ يتمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (٣).
مناقشة الدليل السادس عشر: إِنَّ القياسَ المذكورَ في دليلِكم غيرُ صحيحٍ؛ للفارقِ البيّنِ بين القراءاتِ السبعِ، والمذاهب الفقهيةِ، ووجه الفرقِ: أنَّ القراءات متواترةٌ عن النبي ﷺ نفسِه، وقد قَرَأ بها تسهيلًا على الناسِ، فكلُّها حقٌّ، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فأكثرُ مسائلِها آراء، تحتملُ الصوابَ والخطأَ، ولا يمكنُ القولُ بأنَّها كلها صوابٌ (٤).
وأيضًا: فالقراءاتُ وإن اختلفتْ في اللفظِ إِلَّا أنَّ المعنى واحدٌ، أو متقاربٌ (٥)، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فبينها اختلافٌ معنوي في كثيرٍ مِن المسائلِ.
стр. 813
وأمر آخر: وهو أنَّه يحصلُ المقصودُ بواحدةٍ من القراءاتِ، بخلافِ آراءِ المذاهب الفقهيةِ، فقد يكون القولُ الراجحُ خارجًا عن المذهبِ؛ فلا تحصلُ للمقتَصرِ على مذهبٍ واحدٍ معرفةُ الراجحِ في بعضِ المسائلِ إِلَّا إِذا اطَّلعَ على غيرِه مِن المذاهبِ.
الدليل السابع عشر: قياسُ تقليدِ أحدِ الأئمةِ الأربعةِ وأخذِ أقوالِه على قَبولِ روايةِ الراوي، فالراوي سَمِعَ بأذنِه ما رواه، فأدَّى مسموعَه، والعالم عَقِلَ بقلبِه ما سمعه، فأدَّى معقوله (١).
مناقشة الدليل السابع عشر: إِنَّ القياسَ المذكورَ في دليلِكم غيرُ صحيحٍ؛ إِذ ثمّةَ فرقٌ بين الرأي والروايةِ، وذلك مِن وجهين:
الوجه الأول: أنَّ اتِّباعَ الراوي واجبٌ؛ لأنَّ الله أَمَرَ بقبولِ خبرِه، ولأنَّه انفرد بعلمِ ما أَخبَرَ به، بخلافِ اتِّباعِ العالمِ، فغيرُ واجبٍ؛ لأنَّ الله لم يأمرْ به، ولإِمكانِ أنْ يعلمَ الناظرُ مِنْ حيثُ عَلِمَ العالمُ.
الوجه الثاني: أنَّ الغلطَ في الروايةِ قليلٌ؛ لأنَّ ضبطَها سهلٌ، بخلافِ الرأي، فالغلطُ فيه ليس بالقليلِ؛ لدقَّةِ طرقِه، وكثرتِها (٢).
الدليل الثامن عشر: قياسُ أخذِ أقوالِ العالمِ على أخذِ أقوالِ المقوِّمين للمتلفاتِ، والقائفين (٣) والمترجمين والمعرِّفين والمعدِّلين، وعلى قَبولِ الأعمى لمنْ يَدُلُّه على القِبلةِ، وهذا كلُّه تقليدٌ محضٌّ (٤).
стр. 814
مناقشة الدليل الثاني عشر: هناك فرق بين قَبولِ رأي العالمِ، وما ذكرتموه في قياسِكم، وبيان ذلك: أنَّ قَبولَ قولِ المقوِّمِ والقائفِ وسائر مَنْ ذكرتُم في المقيسِ عليه مِنْ بابِ قبولِ قولِ المخبرِ الَّذي أَمَرَ للهُ بقَبولِ خبرِه إِنْ كانَ عدلًا صادقًا، وليس مِنْ بابِ قبولِ الفتيا في الدِّينِ مِنْ غيرِ قيامِ دليلٍ على صحتِها (١).
أدلة أصحاب القول الثاني (القائلين بوجوب التمذهب):
استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
يستدلُ أصحابُ القولِ الثاني بأكثر أدلةِ أصحابِ القولِ (٢)، لكنَّهم يضيفون إِليها أدلةً ترتقي بالقولِ بالجوازِ إِلى القولِ بالوجوبِ:
الدليل الأول: يجبُ التمذهبُ على غيرِ المجتهدِ مِنْ غيرِ العامةِ (٣)؛ لئلا يفضي عدمُ تمذهبِه إِلى التقاطِ رخصِ المذاهب، واتِّباعِ الهوى، فيأخذ في عدّةِ مسائل بالمذهبِ القائلِ بالإِباحةِ، ويتركَ المذهبَ القائلَ بالمنعِ، وفي هذا مفسدةٌ ظاهرةٌ، تضرُّ بالدِّينِ، وتؤدي إِلى الانحلالِ عن التكليفِ، ولذا قلنا: بوجوبِ التمذهب بمذهبِ معيَّنٍ (٤).
يقولُ أبو عبدِ الله المازري: "لستُ ممَّنْ يحملُ الناسَ على غيرِ المعروفِ المشهورِ مِن مذهبِ مالكٍ وأصحابِه؛ لأنَّ الورعَ قلَّ، بلْ كاد
стр. 815
يُعْدمُ! والتحفّظُ على الدياناتِ كذلك؛ وكثرت الشهواتُ، وكَثُرَ مَنْ يَدَّعي العلمَ، ويتجاسرُ على الفتوى فيه، فلو فُتِحَ لهم بابٌ في مخالفةِ المذهبِ لاتّسعَ الخرقُ على الراقعِ، وهتكوا حجابَ هيبةِ المذهب، وهذا مِن المفسدات الَّتي لا خفاءَ بها" (١).
مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بعصرِ الإِسلامِ الأَوَّل، فلم يُلْزِم الصحابةُ ﵃ ولا التابعون أحدًا بالتمذهبِ بمذهبٍ معيَّنٍ؛ لئلا يقعَ الناسُ في الأخذِ بالرخصِ (٢).
الجواب عن الوجه الأول: إِنَّ المذاهبَ لم تكنْ مدوّنةً ولا محررةً في العصرِ الأول، وهذا يجعل المقلِّدين يسألون مَنْ وجدوه حين تَعْرِضُ لهم المسألةُ، لذا لم نقلْ بوجوب التمذهب بمذهب معيّنٍ، بخلافِ العصورِ اللاحقةِ، فالمذاهبُ قد دُوِّنَتْ ومُهِّدَتْ وأُصِّلَتْ (٣).
الوجه الثاني: ما ذكرتموه في دليلِكم مسلَّمٌ، إِنْ كان الخروجُ لغيرِ مقتضٍ شرعي، أمَّا إِن التزمَ بالمذهب، وخَرَجَ عنه؛ لتبيّنِ رجحانِ غيرِه مِن المذاهبِ، فهذا ممَّا يُمدحُ فاعلُه، ولَا يُذمّ (٤).
يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "مَنْ التزم مذهبًا معينًا، ثم فَعَلَ خلافَه، مِنْ غير تقليدٍ لعالمٍ آخر أفتاه، ولا استدلال بدليلٍ يقتضي خلافَ ذلك، ومِنْ غيرِ عذرٍ شرعي يبيحُ له ما فعله، فإِنَّه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغيرِ اجتهادٍ ولا تقليدٍ ... فهذا مُنْكَرٌ ... وأمَّا إِذا تبين له ما يُوجبُ رجحان قولٍ على قولٍ، إِمَّا بالأدلةِ المفصلةِ، إِنْ كان يعرفها ويفهمها، وإِمَّا بأنْ يرى أحد
стр. 816
الرجلين أعلم بتلك المسألةِ مِن الآخرِ، وهو أتقى لله فيما يقوله، فيرجع عن قولٍ إِلى قولٍ لمثل هذا: فهذا يجوزُ، بلْ يجبُ" (١).
الوجه الثالث: أنَّ إِيجابَ الالتزامِ بالمذهب، مع اشتمالِه على أقوال مرجوحةٍ أمرٌ لا تقرُّه الشريعةُ (٢)، وتكون المَفسدةُ حينئذٍ في القولِ بالإِيجابِ.
الدليل الثاني: أنَّ قصرَ الناسِ على مذهب معيّنٍ مِن المذاهبِ الأربعةِ، يحققُ مصالحَ عدة، كضبطِ الناسِ في عباداتِهم ومعاملاتِهم، وانضباطِ أقضيةِ الحكّامِ.
ومِنْ حكمةِ الله تعالى أنْ ضَبَطَ الدّينَ وحفظه بأنْ نَصَبَ للناسِ أئمةً اجتمعُ الناسُ على علمِهم ودرايتهم، فصارَ الناسُ يعولون عليهم، وعلى مذاهبِهم المحررةِ.
وأيضًا: فالتمذهبُ يحققُ مصلحةَ إِسكاتِ كلِّ مَنْ لم يكنْ أهلًا للاجتهادِ (٣).
يقولُ ابنُ رجبٍ: "ولولا ذلك - أيْ: وجود المذاهب الأربعة - لرأى الناسُ العجبَ العجاب مِنْ كلِّ أحمقٍ متكلِّفٍ مُعْجَبٍ برأيه جريءٍ على الناسِ" (٤).
الدليل الثالث: أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ مذهبَه هو الحقّ، وَجَبَ عليه العملُ بموجبِ اعتقادِه (٥).
стр. 817
الدليل الرابع: أنَّ الاجتهادَ قد انقطعَ بعد الأئمةِ الأربعةِ (١)، وإِذا لم يُوْجَدْ مجتهدٌ تعيَّنَ تقليد أحدِ هؤلاءِ الأئمةِ (٢).
مناقشة الدليل الرابع: لا يُسَلّم لكم القولُ بانقطاعِ الاجتهادِ، فلا يخلو عصرٌ عن مجتهدٍ (٣)، ثمَّ إِنَّكم لم تلتزموا أقوالَ هؤلاءِ الأئمة، بل قلدتم متأخري علماءِ مذهبِكم (٤).
الدليل الخامس: أنَّ إِمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على معاني كتاب الله جميعِها، ولم يفته منها شيءٌ، وعلى جميعِ سنةِ رسولِ الله ﷺ ، ولمَ يفته منها شيءٌ، ولذا اتبعناه؛ لكمالِ علمِه (٥).
مناقشة الدليل الخامس: قولكم: إِن إِمامَ المذهبِ أحاطَ بجميعِ الأدلةِ، قولٌ مردودٌ؛ فإِنَّ أجلّةَ الصحابةِ ﵃ مع قُربِ عهدهم مِن النبي ﷺ خفيت عليهم بعضُ السننِ (٦)، والأئمةُ أنفسُهم معترفون بعدمِ الإِحاطةِ بمعاني نصوص الكتاب والسنة (٧)، وما مِنْ شكٍّ أنَّه يفوتُ الواحد منهم بعضُ الأحاديثِ الَّتي لم يطلعْ عليها، وهو معذورٌ في تركِ العملِ بها؛ لعدمِ اطلاعِه (٨).
стр. 818
الدليل السادس: أنَّنا نعملُ بنصوصِ إِمامِ المذهب ونلتزم مذهبَه؛ لأنَّه لا قدرةَ لنا على معرفةِ نصوصِ الكتابِ والسنةِ، فإِذا لمَ نقلِّدْ إِمامَنا بقينا في حيرةٍ (١).
مناقشة الدليل السادس: لا يجوزُ الإِعراضُ عن نصوصِ الكتابِ والسنةِ، بل الواجبُ تعلّمهما، وادِّعاؤكم أنَّ معرفةَ الكتاب والسنةِ غيرُ مقدورٍ عليه، قولٌ مردودٌ، فالله تعالى أَمَرَ الناسَ بتدبُّرِ القرآنِ الكريمِ (٢).
يقولُ ابنُ حزمٍ مخاطبًا أصحاب هذا الدليل: "فليتَ شعري كيفَ قصرتْ عقولُكم عن فهمِ ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به، واتّسعتْ عقولُكم للفهمِ عن الشَّافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ؟ ! وما أمركم الله تعالى قطُّ بالسماعِ منهم خاصة دونَ سائرِ العلماءِ، ولا ضمن لكم ربُّكم تعالى قط العونَ على فهمِ كلامِهم، كما ضمن لكم في فهمِ كلامِه" (٣).
أدلة أصحاب القول الثالث (القائلين بالاستحباب):
تقدمت الإِشارةُ إِلى أن قولَ أصحابِ القول الثالث يرجعُ إِمَّا إِلى القولِ الأول، وإِمَّا إِلى القولِ الثاني.
أدلة أصحاب القول الرابع (القائلين بالمنع من التمذهب):
استدلَّ أصحابُ القولِ الرابعِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
стр. 819
وجه الدلالة: أنَّ مَنْ اتخذَ عالمًا إِمامًا له يعرضُ عليه نصوصَ الكتابِ والسنةِ، فما وافقَ قولَ إِمامِه قَبِلَه، وما خالفه تركه، مع أنَّه يُقر بأنَّ هذا قول الله وقول رسوله ﷺ : فقد اتخذ إِمامَه مِنْ دونِ الله وليًا (١).
مناقشة الدليل الأول: يمكن أن يناقش وجه الدلالة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ ما ذُكرَ في وجه الدلالةِ هو التعصّب لأقوالِ الإِمامِ، وليس هذا ما نتحدثُ عنه.
الوجه الثاني: لا يصح تنزيلُ الآيةِ على مَنْ يعتقدُ أنَّ الحلالَ هو ما أحلَّه الله ورسولُه ﷺ ، وأنَّ الحرامَ هو ما حرَّمه اللهُ ورسولُه ﷺ ، لكن لما قَصُرَ علمُه وفهمُه عمَّا قاله النبيّ ﷺ ، وضعفَ إِدراكُه عن بلوغِه، ولم يكنْ عنده علمٌ بطرقِ الجمعِ بين الأدلةِ: اتَّبع عالمًا يغلبُ على ظنِّه أنَّه متبعٌ للكتاب والسنةِ - وإنْ علم مِنْ إِمامِه مخالفةً للدليلِ تَرَكَ قولَه - فإِنَّ مثلَ هذا لا يلحَقه لومٌ، ولا تتوجه إِليه هذه الآيات (٢).
الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ (٣).
وجه الدلالة: أنَّه لا وليجةَ أعظم ممَّنْ جَعَل أقوالَ عالمٍ بعينِه عيارًا (٤) على كلامِ الله تعالى، وكلامِ رسولِه ﷺ (٥).
مناقشة الدليل الثاني: الَّذي يأخذُ قولَ إِمامِه؛ لاعتقادِه أنَّ قولَه كاشفٌ عن مرادِ الله ومرادِ رسولِه ﷺ لا أنَّه اختارَ قولَ إِمامِه وقدّمه على قولِ الله
стр. 820
وقولِ رسوله ﷺ لم يتخذْ إِمامَه وليجةً (١).
الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢).
وجه الدلالة: أنَّ مَنْ تمذهبَ بمذهبِ أحدِ الأئمةِ، ووَجَدَ قولًا لإِمامِه يخالفُ الكتابَ أو السنة، فإِنَّه يأبى قبولَ الدَّليلِ، ويتّبعُ ما عليه آباؤه (٣).
مناقشة الدليل الثالث: يمكن أن يناقش وجه الدلالة بما نُوقش به الدليلُ الأولُ.
الدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
وجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى خصَّ بالفلاحِ مَنْ دعا إِلى الخيرِ، والداعون إِلى الخيرِ هم الداعون إِلى كتابِ الله، وسنةِ رسولِه ﷺ ، لا الداعون إِلى رأي فلانٍ وفلانٍ (٥).
مناقشة الدليل الرابع: يمكن أن يناقش وجه الدلالة: بأنَّ دلالةَ الآيةِ على ما ذكرتموه ليست دلالةً ظاهرةً بحيثُ يُلزم المخالف لقولِكم بتركِ قولِه، وكون الدعوة إِلى الكتابِ والسنةِ مِن الفلاحِ أمرٌ لا مِرْيَةَ فيه، لكنْ قد يكونُ الأخذُ بمذهبِ أحدِ الأئمة طريقًا إِلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ، إِذا قَصَدَه المتمذهبُ.
стр. 821
الدليل الخامس: حديث عدي بن حاتم المتقدم.
وقد تقدم الاستدلال به، ومناقشةِ وجه الدلالة في المبحثِ الأولِ مِنْ هذا الفصلِ.
الدليل السادس: أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ بمذهب أحدٍ مِن الأئمةِ الأربعةِ، ولا أَمَرَ به رسولُه ﷺ ، فمِنْ أينَ لكم اتباعُ عالمٍ بعينِه دون غيرِه من العلماءِ؟ ! (١).
مناقشة الدليل السادس: يمكن أن يناقش الدليل: بأنَّه يُسلَّمُ لكم أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ، ولذا لم نقلْ بوجوبِه، لكنَّ الله أجازَ لمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ أنْ يأخذَ أقوالَ العلماءِ، وإذا جازَ أخذُ أقوالِ العلماءِ، جازَ الاقتصارُ على أخذِ أقوالِ واحدٍ منهم.
الدليل السابع: أنَّ المتمذهبين بمذهبِ إِمامٍ معيّنٍ خالفوا أمرَ الله تعالى وأمرَ رسولِه ﷺ ، وارتكبوا ما نهاهم عنه إِمامُهم، وسلكوا ضدَّ طريقِ أهلِ العلمِ، وبيان هذا: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما تنازع فيه المسلمون إِليه، وإلى رسولِه ﷺ ، وذلك في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، والمقلِّدون لإِمامِهم ردّوا ما تنازعَ الناسُ فيه إِلى إِمامِهم.
وأَمَرَ رسولُ الله ﷺ عند الاختلافِ بالأخذِ بسنتِه، وسنةِ خلفائِه الراشدين، والمقلِّدون لإِمامِهم أخذوا بقولِ إِمامِهم وتمسّكوا به.
وخالفوا إِمامَهم؛ فالأئمة نَهَوا عن تقليدِهم، وحذروا منه، كما سيأتي بعد قليل.
وسلكوا ضدَّ طريقِ أهلِ العلمِ؛ فإنَّ طريقَهم طلبُ أقوالِ العلماءِ،
стр. 822
وعرضها على القرآنِ والسنةِ الثابتةِ وأقوالِ الصحابةِ ﵁، فما وافقها أخذوا به، وما خالفها ردّوه، والمقلدون قصروا الحقَّ في أقوالِ إِمامِهم (١).
مناقشة الدليل السابع: يمكن أن يناقش الدليل: بأنَّ ما ذكرتموه مسلَّمٌ إِنْ تحققتْ للمتمذهب درجةُ الاجتهادِ، أو تأهلَ إِلى النظرِ في الأدلةِ، وأمكنه النظرُ، ثمَّ تَركه، وقلَّد إِمامَه.
أمَّا إِنْ كان المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ للنظرِ في الأدلةِ، واقتصر على قولِ إِمامِه - الَّذي يظن أنَّه متبعٌ للقرآنِ والسنةِ، ولم يظهرْ له أنَّه خالفهما - فلا يتوجه إِليه أنَّه قد خالفَ أمرَ الله وأمرَ رسوله ﷺ وارتكبَ ما نهاه عنه إِمامُه.
الدليل الثامن: إِجماعُ الصحابةِ والتابعين كلهم على المنعِ مِنْ أنْ يقصدَ أحدٌ إِلى أقوالِ أحدِ العلماءِ، فيأخذها كلّها، ولا يلتفتْ إِلى غيرِها، حكاه ابنُ حزمٍ، فقالَ: "قد صحَّ إِجماعُ الصحابةِ ﵃ أولهم عنْ آخرِهم، وإِجماعُ جميعِ التابعين أولهم عنْ آخرِهم على الامتناعِ والمنعِ مِنْ أنْ يقصدَ منهم أحدٌ إِلى قولِ إِنسانٍ - منهم أو ممَّنْ قبلهم - فيأخذَه كله.
فليَعْلَم مَنْ أَخَذَ بجميعِ قولِ أبي حنيفةَ، أو جميع قولِ مالكٍ، أو جميعِ قولِ الشَّافعي، أو جميعِ قولِ أحمدَ بن حنبل ﵁ ممَّنْ يتمكنُ مِن النظرِ، ولم يتركْ مَنْ اتَّبعه منهم إِلى غيره: أنَّه قد خالفَ إِجماعَ الأمّةِ كلّها عن آخرها، واتّبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنين" (٢).
وحكى الإِجماعَ أيضًا تقِيُّ الدينِ بنُ تيميةَ (٣).
وحكى ابنُ القيّمِ إِجماعَ الأمةِ على تحريمِ اتخاذِ أقوالٍ رجلٍ بعينِه،
стр. 823
وجعلها بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ، فلا يلتفتُ إِلى نصوصِ الكتابِ والسنةِ (١).
مناقشة الدليل الثامن: يمكن أن يناقش الدليل: بأن دعوى الإِجماعِ المذكورة محلُّ نظرٍ؛ وتحتاجُ إِلى إِثبات، ولم يورد ابنُ حزمٍ قولًا لأحدٍ الصحابةِ ﵃ أو التابعين دالًا على المنعِ.
لكن إِنْ كان قَصْدُ مَنْ حكى الإِجماعَ عدمَ التزام مَنْ كان متأهلا للنظرِ في الأدلة (٢) - إِمَّا لبلوغِه درجة الاجتهادِ، وإِمَّا لتحققِ وصف الاجتهاد الجزئي فيه في بعضِ المسائلِ، وفي كلامِ ابنِ حزمٍ السابق إِشارةٌ إِلى قيدِ التمكن مِن النظرِ - بأقوالِ عالم، مع تمكنِه مِن الوصولِ إِلى الحكمِ الشرعي، وتَرَكَه إِعراضًا عن الأدلةً؛ أو مَعَ نظرِه فيها، وتوصله إِلى رأي، وترَكَ ما ترجَّحَ عنده، وبقي على قولِ إِماِمه: فتُسلَّم لهم حكايةُ الإِجماعِ - ويكون صنيعُ المتمذهبِ حينئذٍ تعصبًا مذهبيًا ممقوتًا - لأنَّ حالَ الصحابةِ ﵃ والتابعين أنَّهم يعملون بما ترجّحَ عندهم.
الدليل التاسع: أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه دونَ غيرِه، بحيثُ لا يخرجُ عنها بدعةٌ محدثةُ لم تكنْ موجودةً في صدرِ الإِسلامِ الأول، فلم يكن الصحابةُ منقسمين إِلى مذاهب علمائهم، وبناءً عليه لا يجوزُ التمذهبُ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (٣).
يقول ابنُ حزمٍ: "إِنَّ تقليدَ الآراءِ لم يكن قطُّ يومًا في قرنِ الصحابةِ ﵃ ولا في قرنِ التابعين ولا في قرنِ تابعي التابعين - وهذه القرونُ الَّتي أثنى
стр. 824
النبيُّ عليها - وإِنَّما حدثتْ هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ المذموم على لسان النبي ﷺ ، وأنَّه لا سبيلَ إِلى وجودِ رجلٍ واحدٍ في القرونِ الثلاثةِ المتقدمةِ قلَّدَ صاحبًا أو تابعًا أو إِمامًا أخذ عنه في جميعِ أقوالِه، فأخذه كما هو، وتديّن به وأفتى به الناسَ" (١).
ويقولُ ابنُ القيّم: "إِنَّا نعلمُ بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحد اتَّخذَ رجلًا منهم يقلِّدُه في جميعِ أقوالِه، فلم يُسقطْ منها شيئًا، وأسقطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذ منها شيئًا، ونعلم بالضرورةِ أن هذا لم يكنْ في عصرِ التابعين، ولا تابعي التابعين ... وإِنَّما حدثت هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ ... " (٢).
مناقشة الدليل التاسع: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قولكم: "إِنَّ أخذَ أقوالَ عالمٍ بعينه لم يكن موجودًا في الصدر الأول"، لا يمكنُ لكم أنْ تقيموا الدليلَ عليه، فقد يكون هناك التزامٌ مِنْ بعضِ الناسِ بما يصدرُ عن أحدِ علماءِ الصحابةِ ﵃ بعينِه من فتاوى، ولم تتطلعوا عليه (٣).
بلْ هناك ما يدلُّ على وجودِ شيءٍ من الالتزامِ بأقوالِ العالم، فقد كان المنادي في الحجِّ يصيحُ: "لا يُفتي الناسَ إِلَّا عطاءُ بن أبي رباح" (٤).
وقد تقدّمَ في الفصلِ الثاني كلامُ عليّ بن المديني بشأنِ حال التابعين مع علماءِ الصحابة ﵃.
ولو قلتم لم يُوْجَدْ في الصدرِ الأول النّسبُ المذهبية - كبكري وعمري - لسلِّمَ لكم.
стр. 825
الوجه الثاني: لو سُلِّم أنَّه لم يكن في الصدرِ الأولِ للإِسلامِ التزامٌ لأقوالِ عالمٍ بعينه، فإِن عدمَ وجودِه لا يدلُّ على تحريمِه (١)، ولا سيَّما في شأنِ المتمذهَبِ الَّذي لم يتأهلْ للنظرِ، والمتمذهب المتأهلِ الَّذي لم يتمكنْ مِن النظرِ.
الوجه الثالث: إِنَّ السببَ في عدم الالتزام بأقوالِ عالم في الصدرِ الأولِ هو أنَّه لم يكنْ ثمّةَ مذاهب محررةٌ مدونةٌ، يمكنُ معها التزامُ مذهب عالمٍ بعينِه (٢)، فكانَ العلماءُ يعلِّمون طلابَهم العلم، ويفتون الناسَ، ولم تكن مذاهبُهم مدونةً، وعدمُ تدوينِ أقوالِ العلماء في تلك العصورِ صارفٌ عن التمذهبِ بها.
الدليل العاشر: أنَّ الأئمةَ الأربعةَ، وإنْ كانوا مجتهدين، فهم بَشَرٌ، يصيبون ويخطئون، وقد يخفى عليهم شيءٌ مِن السننِ الواردةِ عن النبي ﷺ ، فكيفَ يجوزُ تقليدُهم؟ ! (٣).
يقولُ ابنُ عبد البر: "إِذا ثَبَتَ وصحَّ أنَّ العالمَ يخطئُ وَيزِلُّ، لم يجزْ لأحدِ أنْ يفتي، ويَدِين بقولٍ لا يعرِفُ وجهه" (٤).
ويقول ابنُ القيِّم: "إِنَّ العالمَ قد يَزِل ولا بُدّ؛ إِذ ليس بمعصومٍ، فلا يجوزُ قَبولُ كل ما يقولُه، وينَزلُ قوله منزلةَ قولِ المعصومِ" (٥).
وإذا ثَبَتَ أنَّ العالمَ يخطئُ، فكيفَ يجوزُ للمتمذهبِ أنَّ يُحلِّلَ ويُحرّمَ،
стр. 826
ويريقَ الدماءَ، ويبيحَ الفروجَ، ويُملّكَ الدُّور بقولِ مَنْ يُقرُّ المتمذهبُ نفسُه بجوازِ كونِه مخطئًا؟ ! (١).
مناقشة الدليل العاشر: يمكن أن يناقش الدليل: بالتسليمِ لما قالوه فيما إذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ عارفًا بدلالات الألفاظِ، وأمكنه الوصولُ إلى الحكمِ (٢).
أمَّا إنْ كان المتمذهبُ غيَر متأهلٍ، فلا يُسلّمُ لهم؛ لأنَّ فرضَه التقليدُ وسؤالُ العلماءِ، وإذا جازَ له التقليدُ لأيّ عالم، جازَ له أنْ يقتصرَ على واحدٍ منهم؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه، فيقتصر على أقوالِه.
الدليل الحادي عشر: جاءَ عن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ قولُه: (إنَّ حديثَكم شرُّ الحديثِ، إنَّ كلامَكم شرُّ الكلامِ؛ فإنَّه قد حدثّتم الناسَ حتى قيل: قال فلانٌ، وقال فلانٌ، ويُتْرَك كتاب الله، مَنْ كان منكم قائمًا فليقم بكتاب الله، وإلا فليجلسْ) (٣).
وجه الدلالة: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وصف مَنْ يقولُ: قالَ فلان، إذا كان تاركًا لكتابِ الله، بأنَّ كلامَه شرُّ الكلامِ، وكان هذا في عصرِه القريبِ مِن عصرِ النبوةِ، فكيفَ بالعصورِ التي بعده؟ ! وكلامُه صادقٌ على مَنْ تَرَكَ الأدلةَ مِن الكتابِ والسنةِ، وأَقبلَ إلى ما قاله إمامُه (٤).
الدليل الثاني عشر: جاءَ عن عبدِ الله بن عباس ﵄ قوله: (ويلٌ للأتباعِ مِن عثراتِ العالمِ). قيل له: وكيفَ ذلك؟ قال: (يقول العالمُ شيئًا
стр. 827
برأيه، ثم يجدُ مَنْ هو أعلم منه برسول الله ﷺ ، فيترك قولَه ذلك، ثم تمضي الأتباعُ) (١).
وجه الدلالة: أنَّ عبد الله بن عباس ﵄ بيَّن أنَّ الويلَ لكاتب رأي العالمِ والآخذِ به؛ لأنَّ العالمَ قد يُغيّرُ رأيه إذا بلغَه دليلٌ يخالفُ قولَه الأولَ، وقد يبقى بعضُ أتباعِه على رأيه الأولِ المخالفِ للدليلِ (٢).
الدليل الثالث عشر: يقولُ عبدُ الله بن مسعودِ ﵁: (لا يقلدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا إنْ آمنَ آمنَ، وإنْ كَفَرَ كَفَرَ؛ فإنَّه لا أسوةَ في الشرِّ) (٣).
مناقشة الدليل الثالث عشر: أنَّ في أثرِ عبد الله بن مسعود ﵁ ضعفًا (٤).
ويمكن أن يضاف إلى المناقشة وجهان آخران:
الوجه الثاني: وَرَدَ الأثرُ بلفظٍ آخر - وقد تقدم ذكرُه في أدلةِ أصحابِ القولِ الأول - دالٍّ على خلافِ قولِكم.
الوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بالأثرِ؛ فإنَّ قولَه ﵁ موجّه إلى المجتهدين، فلا يجوزُ لهم التقليدُ؛ لقدرتِهم على معرفةِ الحكمِ بالنظرِ في الأدلةِ.
الدليل الرابع عشر: يقولُ عبدُ الله بن مسعود ﵁: "الإمعةُ فيكم
стр. 828
المُحْقِب دينه الرجال) (١).
وجه الدلالة: أنَّ ابنَ مسعود ﵁ بيّنَ أن الإمعةَ هو المقلِّدُ، الذي يجعل دينَه تابعًا لغيرِه (٢).
مناقشة الدليل الرابع عشر: يمكن أن يناقش الدليل: بالوجهِ الثالثِ المذكورِ في مناقشةِ الدليلِ الثالثِ عشرِ.
الدليل الخامس عشر: جاءَ عن الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم النهيُّ عن تقليدِهم، وذمُّ مَنْ أَخَذَ أقوالَهم دونَ معرفةِ أدلتِها، فمَنْ قلَّدَهم فقد عصاهم (٣)، وبناءً عليه: يكونُ تقليدُ المتمذهبِ لإمامِه محرِّمًا عليه تقليدَه! لأنَّ إمامَه نهاه عنه، فإنْ كان مقلِّدًا لجميعِ مذهبِه - والمنعُ مِنْ تقليدِه مِنْ مذهبِه - فهّلا أَخذَ بهذا النهي؟ ! (٤).
يقولُ الإمامُ أبو حنيفةَ: "لا يحلُّ لمنْ يفتي مِنْ كتبي أنْ يفتي حتى يعلم مِنْ أينَ قلتُ؟ " (٥).
стр. 829
ويقولُ أبو يوسفَ: "لا يحلُّ لأحدٍ أنْ يقولَ بقولِنا حتى يعلم مِنْ أين قلناه؟ " (١).
وقال الهيثم بن جميل (٢) للإمامِ مالكٍ: إنَّ عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقولُ أحدُهم: حدثنا فلانٌ عن فلانٍ عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلانٌ عن إبراهيم بكذا، ونأخذُ بقولِ إبراهيمَ. قالَ مالكٌ: "صحَّ عندهم قولُ عمر؟ ". قلتُ: إنَّما هي روايةٌ كما صحَّ عندهم قولُ إبراهيمَ. قال مالكٌ: "هؤلاء يستتابون! " (٣).
ويقولُ الإمامُ الشافعي: "مَثَلُ الذي يطلبُ العلمَ بلا حجّةٍ كمَثَلِ حاطبِ ليلٍ، يحمل حُزمةَ حطبٍ، وفيه أفعى تلدغه، وهو لا يدري" (٤).
ويقولُ المزنيُّ في مقدمةِ مختصرِه في الفقهِ الشافعي: "اختصرتُ هذا مِنْ علمِ الشافعي من معنى قولِه؛ لأُقَرِّبَه على مَنْ أرادَه، مع إعلامِيه نهيه عن تقليدِه، وتقليدِ غيرِه" (٥).
стр. 830
ويقولُ الإمامُ أحمدُ: "لا تُقلّدْ دينك أحدًا مِنْ هؤلاءِ ... " (١)، ويقولُ أيضًا: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخُذْ مِنْ حيثُ أخذوا" (٢).
وهذا الكلامُ موجّهٌ إلى مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ؛ لعدمِ احتياجِ المجتهدِ إلى قولِهم (٣).
مناقشة الدليل الخامس عشر: لا شكَّ في أن هؤلاءِ الأئمة ممَّنْ يعظّمُ الكتابَ والسنةَ، ويوجبُ اتباعَهما، ولا ريبَ في أن على كلِّ طالب علمٍ أنْ يهتمَّ بالكتابِ والسنةِ، وأنْ يشتغلَ بتعلّمِهما، لكنَّ هذه الأقوالَ الَواردةً عن الأئمةِ مُوجّه إلى المجتهدين؛ لتمكنِهم مِنْ معرفةِ الحكمِ بدليلِه، وإلى مَنْ تأهلِ إلى النظرِ في الأدلةِ - وإنْ لم يرتقِ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ - لقدرتِه على استنباطِ الحكمِ مِن الكتابِ والسنةِ.
أمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الدرجة، فإنَّ كلامَهم لا يتوجّه إليه البتة (٤)؛ بدليل: أن كلامَهم موجهٌ إلى تلامذتِهم - وقد بلغ بعضُهم رتبةَ الاجتهادِ، وتأهّلَ كثيرٌ منهم إلى النظرِ في الأدلةِ - لحثِّهم على النظرِ في أقوالِهم،
стр. 831
والبحثِ عن مآخذِها، ليأخذوا العلمِ عن بصيرةٍ (١).
يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: "إنَّما نهوا المجتهدَ خاصّةً عن تقليدِهم، دونَ مَنْ لم يبلغْ هذه الرتبة" (٢).
ويقولُ ابنُ رجب: "مَنْ عَرَفَ ذلك - أيْ: الكتاب والسنة - وبَلَغَ النهايةَ مِنْ معرفتِه ... فهذا لا حجرَ عليه، ولا يتوجّه الكلامُ فيه، إنَّما الكلامُ في منعِ مَنْ لم يبلغْ هذه الغاية، ولا ارتقى إلى هذه النهايةِ، ولا فهم مِنْ هذا إلا النزرَ اليسير، كما هو حالُ أكثرِ أهلِ هذا الزمانِ" (٣).
الدليل السادس عشر: يُقالُ للمتمذهبِ المقلِّدِ لإمامِه: هل لك حجّةٌ فيما ذهبتَ إليه في تقليدِك قول إمامِك؟ فإن قال: نعم، فقد أَبْطَلَ التقليدَ؛ لقيامِ الحجةِ على القولِ. وإنْ قال: لا. قيل له: فَلِمَ أرقتَ الدماءَ وأبحتَ الفروجَ دونَ حجةٍ؟ فإنْ قال: أنَا أعلمُ أنِّي مصيبٌ، وإنْ لم أعرف الحجةَ؛ لأنِّي قلَّدتُ إمامًا، وهو لا يقولُ قولًا إلا بحجةٍ خفيتْ عليَّ. قيل له: إذا جازَ تقليدُ معلمِك؛ لأنَّه لا يقولُ إلا بحجةٍ خفيتْ عليك، فتقليدُ معلّم معلّمِك أولى؛ لأنَّه لا يقولُ إلا بحجّةٍ خفيتْ على معلمِك، كما لم يقلْ معلمُك إلا بحجةٍ خفيتْ عليك. فإنْ قال: نعم، تَرَكَ تقليدَ معلّمِ معلّمِه، ومَنْ هو أعلى حتى ينتهي إلى أصحاب النبي ﷺ . وإن قال: لا. قيل له: كيفَ يجوزُ تقليدُ مَنْ هو أصغرُ وأقلُّ عِلْمًا، ولا يجوزُ تقليدُ مَنْ هو أكبرُ وأكثرُ علمًا؟ ! هذا تناقض. فإنْ قال: معلّمي وإنْ كانَ أصغر، فقد جَمَعَ عِلْمَ مَنْ هو فوقه إلى علمِه، فهو أبصرُ بما علمَ، وأعلم بما تَرَكَ. قيل له: وكذلك مَنْ تعلّمَ مِن معلمِك، فقد جَمَعَ عِلْم معلّمِك، وعلمَ مَنْ فوقه إلى علمِه، فيلزمك تقليده، وترك معلمِك (٤).
стр. 832
الدليل السابع عشر: أن هؤلاءِ المتمذهبين في أمورِ دنياهم لا يقلَّدون أحدًا، ولا يجرون معاملةً حتى يتأمّلونها، ويتقون الغبنَ فيها، وإذا كان هذا صنيعُهم في أمورِ دنياهم، فإنَّ أمورَ دينهم أولى أنْ لا يقلدوا فيها أحدًا (١).
الدليل الثامن عشر: أن التمذهبَ يؤدّي إلى مفاسد عدةٍ، منها:
• التعصّبُ لقولِ إمامِ المذهب، والدفاعُ عنه بشتى السبل، وإذا خالفَ قولُ الإمامِ نصًّا مِن الكتاب أوَ السنةِ، انبرى أتباعُه في التكلَّفِ في ردِّ النصِّ، وإخراجِه عن دلالتِه، وَتحيلوا لدفعِه؛ ليصحَّ قولُ إمامِهم (٢).
• الوقوعُ في التفرقِ والاختلافِ في الدّينِ، وهذا التفرقُ هو شأنُ أتباعِ المذاهبِ (٣).
• عدمُ معرفةِ الأدلةِ التي تدلُّ على خلافِ مذهبِ الإمامِ؛ وذلك لاكتفائِهم به واقتصارِهم عليه، وتقليدهم إيّاه في كلِّ ما قالَ، وعدم النظرِ في الأدلةِ.
يقولُ الفخرُ الرازي: "قد شاهدتُ جماعةً مِن مقلّدةِ الفقهاءِ، قرأتُ عليهم آياتٍ كثيرةً مِنْ كتاب الله تعالى في بعضِ المسائلِ، وكانت مذاهبُهم بخلافِ تلك الآياتِ، فلمَ يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا
стр. 833
ينظرون إليَّ! كالمتعجبِ، يعني: كيفَ تعملُ بظاهرِ هذه الآياتِ مع أن الروايةَ عن سلفنا وردتْ عَلى خلافِها؟ ! " (١).
مناقشة الدليل الثامن عشر: إنَّ ما ذكرتموه مِن المفاسد هي مِن التعصّب المذهبي، وهذا ما نمنعُه، أمَّا التمذهب، فليس ما ذكرتم مِنْ لازمِه (٢) - وإنْ كانَ أثرًا مِن آثارِه جاءَ مِنْ تطبيقِه على وجهٍ خاطئ - وبناءً عليه: فإنَّا لا نمنعُ التمذهبَ لوجودِ التعصبِ والافتراقِ، بلْ فمنعُ التعصبَ والافتراقَ، ونميّزُ بينه وبين التمذهبِ (٣).
ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّه لو وَقَعَ الافتراقُ والاختلافُ بين متبعي الدليلِ؛ لأيّ سببٍ، فهلْ يمكنُ لأحدٍ أنْ يمنعَ اتِّباعَ الدليلِ؛ لتفرقِ أصحابِه الذين يدّعون اتَباعَه؟ ! بالطبعِ لنْ يمنعَ، وإنَّما الذي يتوجه إليه المنعُ هو التفرقُ والاختلافُ فحسب.
الدليل التاسع عشر: يُقالُ لأتباعِ المذاهب المقلدين لها: أكانَ الناسُ قبلَ أنْ يولدَ إمامُكم على هدىً، أم على ضلَالةٍ؟ ولا بُدَّ أن تُقِروا أنَّهم كانوا على هدى. فيُقال لكم: فما الذي كانوا عليه سوى اتِّباعِ القرآنِ والسنةِ، وتقديمها على كلِّ ما يخالفها؟ وإذا كان هذا هو الهدى، فليس ما عداه إلا الضلال. فإنْ قلتم: إنَّ إمامَنا سارَ على طريقِ الهدى، وسَلَكَ منهجَ السابقين. قيل لكم: مَنْ عداه مِن الأئمةِ، أشاركَ إمامكم في السيرِ على طريقِ الهدى، أم أن إمامَكم انفردَ بسلوكِ الطريقِ؟ فإنْ قلتم بالثاني، فهذا ضلالٌ مبينٌ. وإنْ قلتم بالأولِ، فكيفَ لكم قبول أقوالِ إمامِكم، وردّ أقوالِ غيرِه، حتى كأنَّ الصوابَ معه وحده؟ ! (٤).
стр. 834
ويمكن أن يناقش الدليل التاسع عشر: بأنَّ هذا الدليلَ يدفعُ القولَ بوجوبِ التمذهبِ، ولا يقوى على منعِه إنْ كانَ المتمذهبُ غير متأهلٍ للنظرِ في الأدلةِ ومعرفةِ الراجحِ مِن الأقوالِ.
الدليل العشرون: أنّ عدمَ التمذهبِ بمذهبِ واحدٍ هو الأصلُ، وهو الأيسرُ والأقربُ إلى الفهمِ (١)، وفي التمذهبِ وقوعٌ في الحرجِ والشدةِ (٢).
الدليل الحادي والعشرون: أن التمذهبَ بمذهبٍ واحدٍ يجزُ إلى اتباعِ المجتهدين دونَ ذكرِ دليلِ قولِهم (٣).
الدليل الثاني والعشرون: أن في التمذهبِ انغلاقًا على علمِ مجتهدٍ واحدٍ، وتركًا لعلمِ غيرِه (٤).
الدليل الثالث والعشرون: أن في التمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ إلحاقًا لغيرِ المعصومِ بالمعصومِ، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ مَن تَبع مذهبًا فإنَّه يسوّي في واقعِ الأمرِ بينَ اتِّباعِ النبي ﷺ المعصومِ، واتِّباعِ الفقيه غير المعصومِ (٥).
• الموازنة والترجيح:
تُعدُّ مسألة: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ) مِنْ أعظمِ
стр. 835
المسائلِ التي حَصَلَ فيها نزاعٌ بين العلماءِ قديمًا وحديثًا، وأرى صعوبةً كبيرةً في إطلاقِ القولِ بترجيحِ أحدِ الأقوالِ في المسألةِ؛ لأنَّ المتمذهبين ليسوا على درجةٍ واحدةٍ، هذا من جهة.
ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ للتمذهبِ معنى واسعًا، قد يضيقُ عند بعضِ الناسِ؛ فيحارب المذاهبَ؛ بحجةِ محاربةِ التقليدِ المذهبي.
وسأذكرُ الراجحَ في ضوءِ النقاطِ الآتيةِ، (وممَّا يجدرُ التنبيه إليه أن بعضَ النقاطِ التي سأذكرُها قد لا يكون لها تعلقٌ مباشرٌ بالمسألةِ، وقد ذكرتُها؛ لأهميتِها):
الأولى: أن أيَّ دعوةٍ إلى نَبْذِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ، أو نَبْذِ كتبِ الفقهِ وأصولِه؛ بحجّةِ أنَّها آراء علماء، وأنَّها تربي على تقديمِ الأقوالِ على الأدلةِ: دعوى مردودةٌ؛ إذ ليس كلُّ كتبِ الفقهِ وأصولِه بهذه الحالة، بلْ إنَّ كتبَ المذاهب الأساسية - إلا ما قلَّ - لا تخلو مِنْ ذكرِ الأدلةِ؛ فكتبُ المذاهب طريقٌ إلى معرفةِ أدلةِ المسائلِ (١)، فالمذاهبُ الفقهيةُ مدارس فقهيةٌ لتفسيرِ النصوصِ الشرعيةِ، واستنباطِ الأحكامِ منها (٢).
يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "إذا ثَبَتَ أن الحقَّ هو المعتبرُ، دونَ الرجالِ، فالحقُّ أيضًا لا يُعْرَف دونَ وساطتهم، بلْ بهم يُتوصلُ إليه، وهم الأدلةُ على طريقِه" (٣).
الثانية: أن أيسرَ طريقٍ لتعلمِ الفقهِ وأصولِه هو التمذهبُ بأحدِ المذاهبِ الفقهية المتبوعة؛ لأنَّه أجمعُ الطرقِ وأحكمها، وأيسرها في
стр. 836
تحصيل هذين العلمين، فقد خَدَمَ أربابُ المذاهبِ مذاهبهم خدمةً فائقةً، وألَّفوا فيها كتبًا تختصرُ الطريقَ أمامَ الطالبِ، مع عنايتِهم بتحريرِ المسائلِ، والتفريقِ بين المتشابهاتِ، فمَنْ سَلَكَ طريقَ التمذهبِ، فقد ارتقى الدرجةَ الأُولى في العلمِ (١).
ثمَّ يتدرجُ في العلمِ، ويجعل مسائل المذهب على ثلاثةِ أقسام كما ذَكَرَ ذلك تقيُّ الدين بن تيمية في نصيحتِه لمنْ جاءَه مريدًا ترك مذهبِه، وقد ذكرتُها في صدرِ المبحثِ.
الثالثة: يمكنُ القولُ: إنَّ التمذهبَ سلاحٌ ذو حدين، فالتمذهبُ طريقٌ للتفقهِ والترقّي في العلمِ، وقد يصلُ بصاحبِه إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ.
وقد يكونُ التمذهبُ طريقًا إلى الانغلاقِ في دائرةٍ مذهبيةٍ ضيقةٍ، بعيدةٍ عن معرفةِ الأدلةِ، مقتصرةٍ على التقليدِ والجمودِ المذهبي.
يقولُ القاضي عياض: "يلزمُ طالب العلم في بدايتِه في درسِ ما أصّله الأعلمُ مِنْ هؤلاءِ - أي: المجتهدين - وفرّعه، وحفظُه ما ألَّفه وجمعه، والاهتداء بنظرِه في ذلك، والميل معه حيثُ مالَ ... فسبيله أنْ يقلِّدَ مَنْ
стр. 837
يُعرفُه أنَّ هذا هو الحقّ، حتى إذا أَدركَ مِن العلمِ ما قُيِّضَ له، وحصَّلَ منه ما قَسَمَ لله له، وأفلحَ وكان فيه محلٌ للنظرِ والاجتهادِ: انتقل إلى ذلك وأدركه" (١).
الرابعة: أنَّ الذين حاربوا التمذهبَ، توجه كلامُهم في الأساسِ إلى محاربةِ التقليدِ المذهبي، والتقليدُ عندهم: أخذُ القولِ دونَ معرفةِ دليلِه.
الخامسة: التعصّبُ المذهبي بكافّةِ صورِه وألوانِه غيرُ جائزٍ، والواجبُ الحذرُ منه، والتحذيرُ مِن الوقوعِ فيه، ولا بُدَّ مِن التفريقِ بينه وبين التمذهبِ.
ومَنْ أعطى إمامَه فوقَ المنزلةِ التي يستحقها، وجَعَلَ أقوالَه حاكمةً على الكتابِ والسنةِ، فقد وَقَعَ في التعصّبِ المذهبي المقيتِ (٢).
وليس يصحُّ المنعُ مِن التمذهبِ بحجةِ أنَّه تعصبٌ.
السادسة: أنَّ المصلحةَ لها أثرٌ في الترجيحِ في هذه المسألةِ - فالمصلحةُ دليلٌ مِن الأدلةِ - فقد يكون مِن المصلحةِ في قُطرٍ مِن الأقطارِ الإبقاءُ على التمذهبِ، وعلى قولِ إمامِ المذهبِ - أو ما استقر عليه المذهبُ - وذلك لتحقيقِ مصلحةٍ راجحةٍ في أقضيةِ الناسِ، وعدم خروجِهم إلى تتبعِ الرخصِ.
ويلحقُ بهذا، ما إذا كانَ العلماءُ في قطرٍ ما لم يطلعوا على المذاهبِ الأخرى، لعدمِ وصولِ مؤلفاتِ أربابِها إليهم، فيرونَ الإبقاء على ما عرفوه مِنْ مذهبِهم ممَّا لم يخالفْ دليلًا.
يقولُ عبد الله العلوي: "الظاهرُ أنَّ مذهبَ مالكٍ يتعيّن على جُل أهلِ المغربِ! إذ لا يكادُ يُوجدُ فيه أحدٌ يعرفُ فقهَ غيرِه مِن المذاهبِ الثلاثةِ الأخرى، ولا كتابَ مؤلِّفٍ في ذلك، وكذا يتعيّنُ مذهبُ أبي حنيفةَ في
стр. 838
أرضِ الرومِ؛ لما ذكِرَ" (١).
ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "إذا كان إنسانٌ جاهلٌ في بلادِ الهند أو بلادِ ما وراء النهرِ، وليس هناك عالمٌ شافعي ولا مالكي ولا حنبلي، ولا كتابٌ مِنْ كتبِ هذه المذاهبِ، وَجَبَ عليه أنْ يُقلِّدَ مذهبَ أبي حنيفةَ، وَيحْرُم عليه أنْ يخرجَ عن مذهبِه؛ لأنَّه حينئذٍ يخلعُ ربقةَ الشريعةِ، ويبقى سُدًا مُهْمَلًا" (٢).
السابعة: وهي متصلة بالسادسة: إذا كان لدى المتمذهب أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، ومعرفة القولِ الراجحِ، لكنَّه نَشَأَ في بيئةٍ يغلبُ على أهلِها الالتزامُ بالمذهبِ، ومحاربةُ مَنْ يخرجُ عنه، ورأى أن المصلحةَ تقضي عدمَ معارضةِ أربابِ مذهبِه: فعليه الأخذُ بما ترجّحَ عنده، ثمَّ يسعى إلى تخريجِ الرأي الذي توصّلَ إليه على أصولِ مذهبِه أو فروعِه ما أمكن؛ لتتحققَ له مصلحتانِ: اتباعُ القولِ الراجحِ، وعدمُ مخاصمةِ أربابِ مذهبِه.
الثامنة: إذا ترقّى المتمذهبُ في العلمِ، وتأهل إلى النظرِ في الأدلةِ، ومعرفةِ القولِ الراجح، أو تحقق له الاجتهَادُ الجزئي في بعضِ المسائلِ: فالواجبُ عليه اتباعُ ما ترجّح عنده في المسائلِ التي تَنْزِلُ به، أو التي يُستفتى عنها، أمَّا فيما عداهما فهو في فسحةٌ مِنْ أمرِه، إذا لم يكن هناك نصٌّ في المسألةِ، ولم يظهرْ له خطأٌ إمامِه (٣).
وإذا تبيّنَ للمتمذهب الذي لم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ خطأ إمامِ مذهبِه، فعليه تركُ قولِه، واتباع الصوابِ الذي بانَ له (٤).
стр. 839
يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة: "إنَّ أهلَ النظرِ والإدراكِ، ومَنْ توفرت عندهم أدواتُ الاجتهادِ، لا يسوغ لهم أنْ يقلّدوا إمامًا في كل ما يقولُه - أو كلّ ما قالَ وقرر - مِنْ غيرِ ترجيحٍ بدليلٍ على دليلٍ ... مَنْ يتبع ذلك الاتباع، فقد خالفَ الأئمةَ الأربعةَ في أقوالِهم؛ لأنَّهم دعوا إلى عدم الأخذِ بأقوالهم مِنْ غيرِ معرفةِ أدلتِهم". (١).
التاسعة: يسوغُ للمتمذهب إذا لم يتأهلْ إلى النظرِ في الأدلةِ، أو كانت عنده الأهليةُ، لكنَّه لم يتمَكن مِن النظرِ، أو نَظَرَ ولم يتوصلْ إلى الراجِحِ، أو ضاقَ عليه الوقتُ، أو غمضتْ عليه سبلُ الاستنباطِ (٢): أنْ يأخذ بقولِ إمامِه - سواءٌ أعرفَ دليلَه أم لا - وذلك لجوازِ التقليدِ له في هذه الحالةِ.
ولشمسِ الدّينِ الذهبي كلامٌ جيّدٌ متصلٌ بمسألتنا، يقول: "مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وشَهِدَ له بذلك عدّةٌ من الأئمةِ، لم يسغ له أنْ يُقلّدَ، كما أن الفقيهَ المبتدئَ والعاميَّ الذي يحفظُ القرآنَ - أو كثيرًا منه - لا يسوغُ له الاجتهادُ أبدًا؛ فكيفَ يجتهدُ؟ ! وما الذي يقولُ؟ ! وعلامَ يبني؟ وكيفَ يطيرُ ولمَّا يُرَيّش؟ !
والقسم الثالث: الفقيهُ المنتهي اليقظُ الفَهِمُ المحدّثُ الذي قد حَفِظَ مختصرًا في الفروعِ، وكتابًا في قواعدِ الأصولِ، وقَرَأَ النحوَ، وشارك في الفضائلِ، مع حفظِه لكتابِ الله وتشاغلِه بتفسيرِه ... فهذه رتبةُ مَنْ بَلَغَ الاجتهادَ المقيّد، وتأهلَ للنظرِ في دلائل الأئمةِ، فمتى وَضَحَ له الحقُّ في مسألةٍ، وثبت فيها النصُّ، وعملَ به أحدُ الأئمةِ ... فليتبعْ فيها الحقَّ ... ولا يسعه فيها بعد قيامِ الحجةِ عليه تقليدٌ" (٣).
стр. 840
العاشرة: أن حصولَ أهليةِ النظرِ في الأدلةِ يتوقّفُ على وجودِ شروطِ الاجتهادِ الرئيسة (١).
الحادية عشرة: القولُ بوجوبِ التمذهبِ محلُّ نظرٍ؛ لعدمِ قيامِ الدليلِ المُوْجِبِ، ولقيامِ الإجماعِ على عدمِ لزومِ أخذِ أقوالِ مفتٍ واحدٍ في زمنِ الصدرِ الأولِ مِن الإسلامِ.
الثانية عشرة: جُمْلةُ القولِ: إن التمذهبَ جائزٌ في الجملةِ.
الثالثة عشرة: أنَّ وطأةَ الخصومةِ والنزاعِ بين المجوزين أو الموجبين للتمذهبِ، والمانعين منه تخفُّ في المسائلِ التي لم يَرِدْ فيها نصٌّ مِن الشارعِ؛ ذلك أن كثيرًا مِنْ أدلة المانعين للتمذهبِ تتكئُ على مخالفةِ المتمذهبِ للأدلةِ النقلية مِن الكتابِ والسنةِ، ويُشدّدون على مَنْ خالفها، أو أعرضَ عنها؛ اكتفاءً بما في مذهبِه.
وهذا ما يدعو إلى ضرورةِ التفريقِ بين الشرعِ المنزَّلِ (٢)، والشرعِ المؤوَّلِ (٣)؛ فيجبُ على المتمذهبِ في الشرعِ المنزَّلِ أنْ يعرفَ حكمَ الله تعالى بدليلِه، فمتى وَجَدَ نصًّا مِن كتَابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ ، فهو المقدّمُ.
أمَّا الشرعُ المؤوَّلُ، فالأمرُ فيه أخفُّ - كما لو يكن في المسألةِ نصٌّ أو كان ظاهرُ النصوصِ التعارض (٤) - لأنَّه ممَّا يسوغُ اتباعُه، ولا يجب (٥).
стр. 841
وفي نصيحةِ تقي الدّينِ بنِ تيميةَ المتقدمةِ لمنْ أرادَ تركَ مذهبِه ما يشهدُ لما ذكرتُه آنفًا.
الرابعة عشرة: أن أخذَ قولِ العالمِ موجودٌ في زمنِ الصحابة ﵃، يدلُّ عليه: قول طاووس: (إنِّي رأيتُ سبعين مِن أصحابِ رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا في شيءٍ صاروا إلى قولِ ابنِ عباس) (١).
وفي أثرِ ابن عباس المتقدم، قول عروة له - وكان ابنُ عباس قد خالفَ أبا بكرٍ وعمر لثبوتِ سنةِ النبي ﷺ عنده -: (هما كانا أتبعَ لرسولِ الله ﷺ وأعلمَ منك).
الخامسة عشرة: لا يتعارضُ ما قررتُه في حكمِ التمذهبِ في ضوءِ التفصيلِ السابقِ مع دعوةِ أهلِ العلمِ إلى الرجوعِ إلى المصدرين الرئيسين: الكتاب والسنةِ؛ لأنَّ التمذهبَ لا يتعارضُ مع معرفةِ الأدلةِ، وتركِ مذهب الإمامِ متى ما ظَهَرَ للمتمذهبِ رجحانُ غيرِه.
يقولُ الشيخُ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "نحنُ في الفروعِ على مذهبِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل، ولا ننكرُ على مَنْ قلَّدَ أحدَ الأئمةِ الأربعةِ ... إلا أنَّنا في بعض المسائل، إذا صحَّ لنا نصٌّ جليٌّ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ غيرُ منسوخٍ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقالَ به أحدُ الأئمةِ الأربعةِ: أخذْنا به، وتركنا المذهبَ" (٢).
السادسة عشرة: أن إيجابَ اتباع عالم بعينه، والدعوةَ إليه، وتحريمَ الخروجِ عن أقوالِه مِن التعصبِ المذهبي المذموم (٣).
السابعة عشرة: أنَّ مَنْ تمذهبَ بمذهبٍ واحدٍ، واقتصرَ عليه، فإنَّه
стр. 842
يفوّتُ على نفِسه الاطلاعَ والإفادةَ من جهودِ العلماءِ المحققين مِن المذاهبِ الأخرى (١).
• سبب الخلاف:
يظهرُ أن للخلافِ في المسألةِ عدة أسباب، وهي:
السبب الأول: حكمُ تقليدِ المجتهدِ الميت.
ولم أرَ لهذا السببِ أثرًا في أدلةِ المسألةِ، فلم يتكئْ عليه المانعون للتمذهبِ - في ضوءِ ما وقفتُ عليه من مصادر - إلا أن مَنْ تكلّم عن أثرِ الخلافِ في مسألةِ: (تقليد الميت) ذَكَرَ مسألة: التمذهب مِنْ جملةِ آثارِ الخلافِ، وقد تقدّم بيان ذلك في مسألةِ: (تقليد الميت) (٢).
السبب الثاني: أيلحقُ المتمذهبُ بالمجتهدين، أم بالعوامِّ؟
مَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالمجتهدين مَنَعَه مِن التمذهبِ - التقليد المذهبي - وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ.
ومَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالعوامِّ جوّزَ له - أو أوجب عليه - التمذهبَ، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الأولِ، والقولِ الثاني (٣).
يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "الثالث: - أي: من أحوال المكلفين - أنْ يكونَ غيرَ بالغٍ مبلغ المجتهديىن، لكنَّه يفهمُ الدليلَ وموقعَه، ويصلحُ فهمُه للترجيحِ بالمرجحاتِ المعتبرةِ في تحقيقِ المناطِ ونحوِه، فلا يخلو أنْ يُعْتَبر ترجيحُه ونظرُه، أو لا؟
فإن اعتبرناه، صارَ مثلَ المجتهدِ ... والمجتهدُ إنَّما هو تابع للعلمِ الحاكمِ، ناظرٌ نحوه، متوجّهٌ شطره، فالذي يُشْبِهه كذلك.
وإنْ لم نعتبرْه، فلا بُدَّ مِنْ رجوعِه إلى درجةِ العامي، والعاميُّ إنَّما
стр. 843
اتبع المجتهدَ مِنْ جهةِ توجهه إلى صوب العلمِ الحاكمِ، فكذلك مَنْ نُزِّلَ منزلتَه" (١).
السبب الثالث: هلْ يدخلُ المتمذهبُ في عموم الأدلةِ الدالةِ على جوازِ التقليدِ؟
مَنْ رأى أن المتمذهبَ يدخلُ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني.
ومَن رأى عدمَ دخولِ المتمذهبِ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، مَنَعَ التمذهبَ، وقَصَرَ الأدلةَ على العامي الصرفِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ.
السبب الرابع: هلْ أخذُ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليل قولِه مِن التعصّبِ؟
مَنْ رأى أن أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه ليس مِنْ قبيلِ التعصب، جوَّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأَول، وأصحابُ القولِ الثاني.
ومَنْ رأى أنَّ أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه مِن التعصبِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابع (٢).
يقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي: "ما يتقيّد بمذهبٍ واحدٍ إلا مَنْ هو قاصرٌ في التمكنِ مِن العلمِ - كأكثرِ علماءِ زمانِنا - أو مَنْ هو متعصّبٌ" (٣).
السبب الخامس: هلْ في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ
стр. 844
له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ؟
مَنْ رأى أنَّه ليس في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني.
ومَنْ رأى أن في عدمِ الخروح عن أقوالِ إمامِ المذهب تنزيلًا له فوقَ منزلتِه، ورفعًا له إلى درجةِ الأنبياءِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذَا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ (١).
يقولُ محمد حياة السندي: "إنْ لم يقدرْ - أي: على معرفةِ القرآنِ والسنةِ - فعليه أنْ يُقلّدَ العلماءَ مِنْ غيرِ التزامِ مذهبٍ؛ لأنَّه يُشْبِه اتخاذه نبيًا" (٢).
السبب السادس: واقعُ بعضِ المتمذهبين مِنْ تعصّبِهم المقيتِ لأقوالِ إمامِهم، وردّ النصوصِ مِن الكتابِ والسنةِ؛ لمخالفتِها المذهبِ، وعدم الالتفاتِ إلى الأدلةِ الشرعيةِ إلا علَى سبيلِ الندرةِ (٣)، وترك ردِّ ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنةِ (٤)، والقول بإغلاقِ باب الاجتهادِ (٥)، وغير ذلك من صور التعصبِ، الأمر الذي أورث عند بعضِ العلماءِ موقفًا شديدًا ضدّ هؤلاءِ المتمذهبين المتعصبين.
السبب السابع: هل كل مجتهد مصيب؟
تُعدُّ مسألة: (التصويب والتخطئة) إحدى المسائلِ الأصوليةِ التي طال
стр. 845
الحديثُ والخلافُ فيها، ولها أثرٌ في عددٍ مِن المسائلِ الأصوليةِ، ويمكن ردُّ الخلافِ في مسألةِ: (حكم التمذهب بأحد المذاهب الفقهية المتبوعة) إليها (١)، وأشيرُ إلى أن هذا السببَ متمسكٌ لبعضِ العلماءِ، وإلا فإنَّ بعضَ القائلينَ بالتخطئةِ قد اختلفوا في مسألةِ: حكمِ التمذهبِ.
• نوع الخلاف:
يظهرُ أن الخلافَ بين الأقوالِ خلافٌ معنويٌّ، ويظهرُ أثرُه في نشوءِ مسألة أخرى، وهي: (الانتقال عن المذهب).
فمَنْ رأى التمذهبَ - جوازًا أو وجوبًا - تحدّثَ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهب)، وبيَّنَ أحكامَها.
ومَنْ منعَ التمذهبَ ولم يره، فليس هناك ما يدعوه إلى الحديثِ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهبِ)؛ لأنَّه لا يرى التمذهبَ أصلًا.
* * *