← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وفي نصيحةِ تقي الدّينِ بنِ تيميةَ المتقدمةِ لمنْ أرادَ تركَ مذهبِه ما يشهدُ لما ذكرتُه آنفًا. الرابعة عشرة: أن أخذَ قولِ العالمِ موجودٌ في زمنِ الصحابة ﵃، يدلُّ عليه: قول طاووس: (إنِّي رأيتُ سبعين مِن أصحابِ رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا في شيءٍ صاروا إلى قولِ ابنِ عباس) (١). وفي أثرِ ابن عباس المتقدم، قول عروة له - وكان ابنُ عباس قد خالفَ أبا بكرٍ وعمر لثبوتِ سنةِ النبي ﷺ عنده -: (هما كانا أتبعَ لرسولِ الله ﷺ وأعلمَ منك). الخامسة عشرة: لا يتعارضُ ما قررتُه في حكمِ التمذهبِ في ضوءِ التفصيلِ السابقِ مع دعوةِ أهلِ العلمِ إلى الرجوعِ إلى المصدرين الرئيسين: الكتاب والسنةِ؛ لأنَّ التمذهبَ لا يتعارضُ مع معرفةِ الأدلةِ، وتركِ مذهب الإمامِ متى ما ظَهَرَ للمتمذهبِ رجحانُ غيرِه. يقولُ الشيخُ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "نحنُ في الفروعِ على مذهبِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل، ولا ننكرُ على مَنْ قلَّدَ أحدَ الأئمةِ الأربعةِ ... إلا أنَّنا في بعض المسائل، إذا صحَّ لنا نصٌّ جليٌّ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ غيرُ منسوخٍ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقالَ به أحدُ الأئمةِ الأربعةِ: أخذْنا به، وتركنا المذهبَ" (٢). السادسة عشرة: أن إيجابَ اتباع عالم بعينه، والدعوةَ إليه، وتحريمَ الخروجِ عن أقوالِه مِن التعصبِ المذهبي المذموم (٣). السابعة عشرة: أنَّ مَنْ تمذهبَ بمذهبٍ واحدٍ، واقتصرَ عليه، فإنَّه

стр. 842

يفوّتُ على نفِسه الاطلاعَ والإفادةَ من جهودِ العلماءِ المحققين مِن المذاهبِ الأخرى (١). • سبب الخلاف: يظهرُ أن للخلافِ في المسألةِ عدة أسباب، وهي: السبب الأول: حكمُ تقليدِ المجتهدِ الميت. ولم أرَ لهذا السببِ أثرًا في أدلةِ المسألةِ، فلم يتكئْ عليه المانعون للتمذهبِ - في ضوءِ ما وقفتُ عليه من مصادر - إلا أن مَنْ تكلّم عن أثرِ الخلافِ في مسألةِ: (تقليد الميت) ذَكَرَ مسألة: التمذهب مِنْ جملةِ آثارِ الخلافِ، وقد تقدّم بيان ذلك في مسألةِ: (تقليد الميت) (٢). السبب الثاني: أيلحقُ المتمذهبُ بالمجتهدين، أم بالعوامِّ؟ مَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالمجتهدين مَنَعَه مِن التمذهبِ - التقليد المذهبي - وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ. ومَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالعوامِّ جوّزَ له - أو أوجب عليه - التمذهبَ، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الأولِ، والقولِ الثاني (٣). يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "الثالث: - أي: من أحوال المكلفين - أنْ يكونَ غيرَ بالغٍ مبلغ المجتهديىن، لكنَّه يفهمُ الدليلَ وموقعَه، ويصلحُ فهمُه للترجيحِ بالمرجحاتِ المعتبرةِ في تحقيقِ المناطِ ونحوِه، فلا يخلو أنْ يُعْتَبر ترجيحُه ونظرُه، أو لا؟ فإن اعتبرناه، صارَ مثلَ المجتهدِ ... والمجتهدُ إنَّما هو تابع للعلمِ الحاكمِ، ناظرٌ نحوه، متوجّهٌ شطره، فالذي يُشْبِهه كذلك. وإنْ لم نعتبرْه، فلا بُدَّ مِنْ رجوعِه إلى درجةِ العامي، والعاميُّ إنَّما

стр. 843

اتبع المجتهدَ مِنْ جهةِ توجهه إلى صوب العلمِ الحاكمِ، فكذلك مَنْ نُزِّلَ منزلتَه" (١). السبب الثالث: هلْ يدخلُ المتمذهبُ في عموم الأدلةِ الدالةِ على جوازِ التقليدِ؟ مَنْ رأى أن المتمذهبَ يدخلُ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني. ومَن رأى عدمَ دخولِ المتمذهبِ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، مَنَعَ التمذهبَ، وقَصَرَ الأدلةَ على العامي الصرفِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ. السبب الرابع: هلْ أخذُ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليل قولِه مِن التعصّبِ؟ مَنْ رأى أن أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه ليس مِنْ قبيلِ التعصب، جوَّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأَول، وأصحابُ القولِ الثاني. ومَنْ رأى أنَّ أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه مِن التعصبِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابع (٢). يقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي: "ما يتقيّد بمذهبٍ واحدٍ إلا مَنْ هو قاصرٌ في التمكنِ مِن العلمِ - كأكثرِ علماءِ زمانِنا - أو مَنْ هو متعصّبٌ" (٣). السبب الخامس: هلْ في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ

стр. 844

له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ؟ مَنْ رأى أنَّه ليس في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني. ومَنْ رأى أن في عدمِ الخروح عن أقوالِ إمامِ المذهب تنزيلًا له فوقَ منزلتِه، ورفعًا له إلى درجةِ الأنبياءِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذَا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ (١). يقولُ محمد حياة السندي: "إنْ لم يقدرْ - أي: على معرفةِ القرآنِ والسنةِ - فعليه أنْ يُقلّدَ العلماءَ مِنْ غيرِ التزامِ مذهبٍ؛ لأنَّه يُشْبِه اتخاذه نبيًا" (٢). السبب السادس: واقعُ بعضِ المتمذهبين مِنْ تعصّبِهم المقيتِ لأقوالِ إمامِهم، وردّ النصوصِ مِن الكتابِ والسنةِ؛ لمخالفتِها المذهبِ، وعدم الالتفاتِ إلى الأدلةِ الشرعيةِ إلا علَى سبيلِ الندرةِ (٣)، وترك ردِّ ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنةِ (٤)، والقول بإغلاقِ باب الاجتهادِ (٥)، وغير ذلك من صور التعصبِ، الأمر الذي أورث عند بعضِ العلماءِ موقفًا شديدًا ضدّ هؤلاءِ المتمذهبين المتعصبين. السبب السابع: هل كل مجتهد مصيب؟ تُعدُّ مسألة: (التصويب والتخطئة) إحدى المسائلِ الأصوليةِ التي طال

стр. 845

الحديثُ والخلافُ فيها، ولها أثرٌ في عددٍ مِن المسائلِ الأصوليةِ، ويمكن ردُّ الخلافِ في مسألةِ: (حكم التمذهب بأحد المذاهب الفقهية المتبوعة) إليها (١)، وأشيرُ إلى أن هذا السببَ متمسكٌ لبعضِ العلماءِ، وإلا فإنَّ بعضَ القائلينَ بالتخطئةِ قد اختلفوا في مسألةِ: حكمِ التمذهبِ. • نوع الخلاف: يظهرُ أن الخلافَ بين الأقوالِ خلافٌ معنويٌّ، ويظهرُ أثرُه في نشوءِ مسألة أخرى، وهي: (الانتقال عن المذهب). فمَنْ رأى التمذهبَ - جوازًا أو وجوبًا - تحدّثَ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهب)، وبيَّنَ أحكامَها. ومَنْ منعَ التمذهبَ ولم يره، فليس هناك ما يدعوه إلى الحديثِ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهبِ)؛ لأنَّه لا يرى التمذهبَ أصلًا. * * *

стр. 846

المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة تقدَّم لنا في المبحثِ السابقِ الحديثُ عن التمذهب بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة، وقد ذكرتُ أنَّها التي كُتِبَ لها البقاءُ مِن الَمذاهبِ السنيةِ. وقد وُجِدَت على مرِّ العصورِ مذاهبُ فقهية لم يُكْتَبْ لها البقاءُ، بل اندثرتْ (١)، ولم يبقَ مِنْ ذكرِها إلا ما دوّنه فقهاءُ المذاهب من أقوالِ أئمتها، وما نقلتُه بعض المصنفاتِ التي تُعْنَى بذكرِ أقوال السلفِ، وقد وُجِدَ لبعضِ أئمةِ هذه المذاهبِ مدوّناتٌ أسهمتْ في حفظِ أقوالِهم. وقد وُجِدَ أيضًا مذاهبُ فقهية أخرى باقية إلى يومِنا هذا، لكنَّها تنتسبُ إلى بعض الفرقِ التي شاب اعتقادَها كثيرٌ مِن البدعِ (٢)، وهم بينَ مقلٍّ ومستكثرٍ.

стр. 847

في ضوءِ ما سَبَقَ، يمكنُ تقسيمُ التمذهبِ بالمذاهبِ الفقهيةِ - عدا المذاهب الأربعة المشهورة - إلى ثلاثةِ أقسام: القسم الأول: التمذهب بمذهب مندثر. القسم الثاني: التمذهب بالمذهب الظاهري. القسم الثالث: التمذهب بمذهب فقهي لإحدى الفرق المبتدعة (١). القسم الأول: التمذهبُ بمذهبِ مندثرٍ. أشرتُ قبلَ قليلٍ إلى وجودِ مذاهب فقهية كانتْ قائمةً في عصرٍ مِن العصورِ، وكان لها أتباعٌ، إلا أنَّها اندثرتْ مع مرورِ الزمنِ، ولم يبقَ مِنْ ذكرِها إلا ما يُنقلُ مِن أقوال عن أئمتِها. وقبلَ حديثي عن حكمِ التمذهبِ بمذهبِ مندثرٍ أُنبّه إلى أمرين: الأمر الأول: حديثي هنا عن التمذهبِ بمذهبِ فقهي مندثرٍ، وليس عن تقليدِ إمامِ مذهبِ مندثرٍ في مسألةٍ مِن المسَائلِ. الأمر الثاني: لا يدخل في حديثي هنا: المجتهدُ؛ فقد أفردتُ لتمذهبِه مسألةً مستقلةً، وقد تقدمَ الحديثُ عنها. ويحسنُ قبلَ الحديثِ عن حكمِ التمذهب بمذهب مندثرٍ ذكرُ أمثلةٍ لبعض المذاهبِ المندثرةِ، فمنها: أولًا: مذهب الإمام الأوزاعي. كان المذهبُ الأوزاعيُّ منتشرًا في الشامِ، وفي الأندلسِ، ولمَّا ظَهَرَ

стр. 848

المذهبُ الشافعيُّ في الشامِ، انتقل أهلُه إليه، ولمَّا ظَهَرَ المذهبُ المالكي في الأندلسِ، انتقلَ أهلُه إليه (١). ولم يدوِّن الإمامُ الأوزاعيُّ مذهبَه، ولم يدوّن تلاميذُه آراءَه، ولم يهتموا بنشرِ مذهبِه (٢)، ولذا لم يُكتبْ لمذهبِه البقاءُ (٣). يقولُ القاضي عياض: "غَلَبَ مذهبُ الأوزاعي على الشامِ، وعلى جزيرةِ الأندلس أولًا، إلى أنْ غَلَبَ عليها مذهبُ مالكٍ بعد المائتين، فانقطعَ منها" (٤). ويقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: "ما زالوا - أيْ: أهل الشام - على مذهبِه - أي: مذهب الأوزاعي - إلى المائةِ الرابعة، بلْ أهلُ المغربِ كانوا على مذهبِه قبلَ أنْ يدخلَ إليهم مذهبُ مالكٍ" (٥). ويقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي: "كان أهلُ الشامِ، ثمَّ أهلُ الأندلسِ على مذهب الأوزاعي مدةً مِن الدهرِ، ثمَّ فَنِيَ العارفون به، وبقي منه ما يُوجدُ في كتَبِ الخلافِ" (٦).

стр. 849

ثانيًا: مذهب الإمام سفيان الثوري. يقولُ ابنُ العمادِ (١) عن سفيان الثوري: "كانَ صاحبَ مذهبٍ" (٢). ويقولُ القاضي عياضٌ عن مذهبِ الثوري: "لم يكثرْ أتباعُ مذهبِه، ولم يَطُلْ تقليدُه، وانقطعَ عن قريبٍ" (٣). ولعل القاضي يقصدُ إقليمًا مِن الأقاليمِ، أو بحسبِ ما انتهى إليه علمُه، إذ يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ (ت: ٧٢٨ هـ) عن مذهبِ الثوري: "له مذهبٌ باقٍ اليومَ بأرضِ خراسانَ" (٤). ويقولُ ابنُ رجبٍ: "وُجِدَ في آخر القرنِ الرابعِ سفيانيون" (٥). وكان مذهبُه في الكوفة (٦). وقد نُقِلَت بعضُ أقوال الثوري في كتبِ الخلافِ وفي الكتبِ التي

стр. 850

تُعنى بذكرِ أقوالِ الأئمةِ (١). ثالثًا: مذهب الإمام الليث بن سعد. عاصرَ مذهبُ الإمامِ الليث بن سعد مذهبَ الإمامِ الشافعي في مصر (٢)، لكنْ لم يُكتب البقاءُ لمذهبِ الليثِ؛ وذلك لقلِّةِ أتباعِه، وعدمِ اهتمامِهم بنشرِ آراء إمامِهم (٣). يقولُ الإمامُ الشافعي: "الليثُ بن سعد أفقه مِنْ مالكٍ! إلا أن أصحابَه لم يقوموا به" (٤). رابعًا: مذهب الإمام محمد بن جرير الطبري. تلقَّى الإمامُ محمد بن جرير الطبري في بدءِ أمرِه مذهبَ الإمامِ الشافعي، وأَخَذَ أيضًا عن مذهبِ الإمامِ مالكٍ، ثمَّ انتحى لنفسِه مذهبًا (٥).

стр. 851

وقد انتشرَ مذهبُه في بغدادَ (١)، وكان له أتباعٌ، لكنَّهم لم يكثروا، ولم تَطُلْ مدةُ مذهبِه (٢)، واستمرَّ إلى منتصفِ القرنِ الخامسِ الهجري تقريبًا (٣). يقولُ القاضي عياضٌ عن المذهبِ الطبري: "انقطعَ أتباعُ الطبري بعدَ أربعمائة" (٤). وممَّا ميّزَ مذهبَ الإمامِ الطبري بقاءُ عددٍ مِن مؤلفاتِ إمامِه. وهناك مذاهبُ أخرى لم يُكتبْ لها البقاءُ، كمذهبِ الإمام النخعي، ومذهبِ الإمامِ عبد الله بن شبرمة (٥)، ومذهبِ الإمامِ إسحاقَ بنِ راهويه (٦). حكم التمذهب بمذهب مندثر: سأُبيّنُ حكمَ التمذهبِ بمذهبٍ مندثرٍ في ضوءِ الآتي:

стр. 852

أولًا: مَنْ مَنَعَ التمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ، فإنَّه يمنعُ التمذهبَ بمذهب مندثرٍ؛ لعدمِ الفرقِ بين المذهبِ القائمِ، والمذهبِ المندثرِ، هذا مِنْ جهةٍ. ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الأدلةَ التي استدلوا بها تعمُّ التمذهبَ بأيّ مذهبٍ دونَ استثناءٍ. ثانيًا: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِن مصادر - على قولٍ نصَّ على جوازِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ المندثرةِ. ثالثًا: لم أقفْ لهذه المذاهبِ المندثرةِ على أصول فقهيةٍ مدوَّنةٍ في عصورٍ مبكرةٍ (١). رابعًا: لا يختلفُ تقريرُ الحكمِ هنا عمّا قررتُه في مسألةِ: (التمذهب بمذهبِ الصحابي والتابعي)؛ لأنَّه إذا جوزنا التمذهبَ بمذهب مجتهدٍ ما، فإنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ مجتهدٍ آخر؛ لعديم الفرقِ بينهما، فَهما مشتركانِ في وصفِ الاجتهادِ، فإذا جازَ التمذهبُ بمذهبِ الإمامِ مالكٍ مثلًا، فإنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ الإمامِ الليثِ بنِ سعدٍ (٢). يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "ليس في الكتابِ والسنةِ فرقٌ في الأئمةِ

стр. 853

المجتهدين بين شخصٍ وشخصٍ، فمالكٌ والليثُ بن سعد والأوزاعيُّ والثوريُّ، هؤلاءِ أئمةٌ في زمانِهم، وتقليدُ كلِّ منهم كتقليدِ الآخر" (١). خامسًا: لو أرادَ شخصٌ أن يتمذهبَ بمذهبٍ مندثرٍ، فإنَّه سيواجه صعوبةً كبيرةً؛ وذلك لعدمِ تدوينِ أصولِ هذه المذاهب، ولعدمِ وجودِ ثروةٍ فقهيةٍ مدوّنةٍ فيها، بحيثُ تنتظمُ منظومةً مذهبيةً متكاملةً. يقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي عن المذاهب المندثرةِ: "لم يبقَ اليومَ إلا هذه المذاهبُ الأربعةُ، وقلَّ مَنْ ينهضُ بمعرفتِها كما ينبغي، فضلًا عن أنْ يكونَ مجتهدًا" (٢). سادسًا: أغلبُ أقوالِ أئمةِ المذاهبِ المندثرةِ، أو كثيرٌ منها، موافقةٌ لأقوالِ المذاهبِ الأربعةِ؛ ولعلَّ مردّ هذا إلى تخرّجِ أئمةِ المذاهبِ - الباقية والمندثرة - مِنْ مدارس فقهيةٍ متقاربةٍ. وقد نَقَلَ تقيُّ الدّينِ بن تيميةَ عن أبي الحسنِ الكَرَجِي (٣) - أحد أئمةِ الشافعيةِ مِن كتابِه: (الفصول في الأصول)، ولم يتعقبه - قولَه: "ثمَّ اندرجتْ مذاهبُهم الآخرة - أي: المذاهب المندثرة - تحتَ مذاهبِ الأئمةِ المعتبرةِ، وذلك أن ابنَ عيينة كان قدوةً، ولكنْ لم يُصنّفْ في الذي كان يختارُه مِن الأحكامِ، وإنَّما صنّف أصحابُه: وهم الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، فاندرج مذهبُه تحتَ مذاهبِهم.

стр. 854

وأمَّا الليث بن سعد، فلم يقمْ أصحابُه بمذهبِه ... إلا أن قولَه يوافق قولَ مالكٍ، أو قول الثوري لا يخطئهما، فاندرجَ مذهبُه تحتَ مذاهبِهم. وأمَّا الأوزاعي، فلا نَرى له في أعمِّ المسائلِ قولًا إلا ويوافقُ قولَ مالكٍ، أو قول الثوري، أو قول الشافعي، فاندرجَ اختيارُه أيضًا تحتَ اختيارِ هؤلاءِ، وكذلك اختيارُ إسحاق يندرجُ تحتَ مذهبِ أحمدَ؛ لتوافقِهما. فإنْ قيل: فمِنْ أينَ وقعتَ على هذا التفصيلِ والبيانِ في اندراجِ مذاهبِ هؤلاءِ تحتَ مذاهبِ الأئمةِ؟ قلتُ: مِن التعليقةِ للشيخِ أبي حامدٍ الإسفراييني (١)، التي هي ديوانُ الشرائعِ وأُمُّ البدائعِ في بيانِ الأحكامِ ومذاهب العلماءِ الأعلامٍ، وأصول الحجج العظام، في المختلف والمؤتلف ... وسمعتُ محمدَ بنَ طاهرٍ الحافظ (٢) يقولُ: استنبط البخاريُّ في الاختيارات مسائلَ موافقةً لمذهبِ

стр. 855

أحمدَ وإسحاقَ" (١). وإنْ كان يعتري هذا الاستقراء ما يعتري أيّ استقراءٍ ناقصٍ، إلا أنَّه يُعطي معلومةً مهمةً. سابعًا: لم يأتِ مَنْ يقومُ على خدمةِ المذاهبِ المندثرةِ بتحريرِ أقوالِها، وتمييزِ ما ثَبَتَ عنِ إمامها، وما لم يثبتْ عنه، وما قاله ورَجَعَ عنه، ولم تجمع المسائل المنقولة عنه في أبواب، ولم تنقحْ ولم تهذبْ (٢). وقد تقدمَ كلامُ شمسِ الدين الذهبي قبلَ قليلٍ. ويقولُ ابنُ الصلاحِ: "ليس له التمذهبُ بمذهبِ أحدٍ مِنْ أئمةِ الصحابةِ، وغيرِهم مِن الأولين، وإنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدهم؛ لأنَّهم لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ مهذبٌ محرّرٌ مقرّرٌ" (٣). وما علّل به إمامُ الحرمين الجويني حينَ مَنَعَ التمذهبَ بمذهبِ الصحابي صادقٌ على المذاهبِ المندثرةِ (٤). ويدلُّ التعليلُ بعدمِ تحريرِ وتهذيبِ المذاهبِ المندثرة على أن منعَ التمذهبِ بها؛ لأمرٍ عرضي، وليس لأمرٍ ذاتي (٥).

стр. 856

وأنبّه إلى أن بعضَ العلماءِ علّلَ عدمَ أخذِ أقوالِ المذاهب المندثرةِ بأنَّها نُقِلَت إلينا بطريقِ الآحادِ، ولا تحصلُ الطمأنينةُ بهذا النقلِ (١). وهذا التعليلُ بمفردِه فيه نظرٌ؛ إذ أقوالُ النبي ﷺ تثبتْ بنقلِ الواحدِ، فكيفَ يُقالُ بثبوتِ قولِ النبي ﷺ بطريقِ الآحادِ - وهو أعظم شأنًا - وبعدمِ ثبوتِ قولِ العالمِ إذا نُقِلَ بطريقِ الآحادِ؟ ! ثامنًا: نصَّ غيرُ واحدٍ من الأصوليين على انحصارِ الحقِّ في أقوالِ المذاهب الأربعةِ - وليس حديثي هنا عن مسألةِ انحصارِ الحقّ فيها - ويرتبطُ القولُ بانحصارِ الحقّ في المذاهب الأربعةِ بمسألةِ: (حكم التمذهبِ بمذهبِ مندثرٍ)؛ لأنَّ القائلَ بانحصارِ الحَقِّ فيها لا يَرَى حاجةً إلى الأخذِ بقولِ إمامِ مذهبِ مندثرٍ، فضلًا عن التمذهبِ بمذهبِه والتزامه. يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: "وقد وَقَعَ الاتفاقُ بين المسلمين على أن الحقَّ منحصرٌ في هذه المذاهب - أي: المذاهب الأربعة - وحينئذٍ، فلا يجوزُ العملُ بغيرِها" (٢).

стр. 857

ويقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ مستدلًا على لزومِ حصرِ الناسِ في المذاهبِ الأربعةِ: "فإنَّ قالَ أحمق متكلِّفٌ: كيفَ يُحصرُ الناسُ في أقوال علماء مُعَينِين (١)، ويُمْنَعُ مِن الاجتهادِ أو مِنْ تقليدِ غيرِ أولئك مِنْ أئمةِ الدَّينِ؟ قيلَ له: كما جَمَعَ الصحابةُ ﵃ الناسَ على حرفٍ واحدٍ مِنْ حروفِ القرآنِ، ومنعوا الناسَ مِن القراءةِ بغيرِه في سائرِ البلدانِ؛ لمَّا رأوا أن المصلحةَ لا تتمُّ إلا بذلك، وأنَّ الناسَ إذا تُرِكوا يقرؤون على حروفٍ شتّى وقعوا في أعظمِ المهالكِ" (٢). وقد بيّن شمسُ الدّينِ الذهبي شأنَ اتفاقِ أئمةِ المذاهبِ الأربعةِ على حُكمٍ، فقالَ: "لا يكادُ يُوجدُ الحقُّ فيما اتفق أئمةُ الاجتهادِ الأربعةِ على خلافِه، مع اعترافنا بأنَّ اتفاقَهم على مسألةٍ لا يكون إجماعَ الأمةِ، ونهابُ أنْ نجزمَ في مسألةٍ اتفقوا عليها بأنَّ الحقَّ في خلافِها" (٣). تاسعًا: يُفهمُ مِنْ كلامِ العلماءِ آنف الذِّكرِ أنَّ تركَ التمذهبِ بمذهبٍ مندثرٍ؛ لأمرين: الأمر الأول: أن المذهبَ المندثرَ لم يُحَرّرْ ولم يُهَذبْ ولم يُنَقحْ. الأمر الثاني: أن القولَ الراجحَ في الغالبِ لا يَعْدو المذاهبَ الأربعةَ. في ضوءِ ما سَبَقَ، فالأَوْلى عدمُ التمذهب بمذهبٍ مندثرٍ؛ وأنَّ المرءَ إذا أرادَ أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ فقهي، فالأَولىَ له أنْ يختارَ أحدَ المذاهب الأربعةِ؛ لتوافر العلماءِ على خدمتِها، بحيثُ يصبحُ المتمذهبُ بأحدِها على بصيرةٍ مِنْ أمرِ مذهبِه في الأصولِ والفروعِ.

стр. 858

القسم الثاني: التمذهب بالمذهب الظاهري. يعدُّ بعضُ الباحثين المذهبَ الظاهري مِن المذاهبِ المندثرةِ (١)، فقدْ كانَ موجودًا في القرنين: الثالثِ والرابع الهجريين، بلْ كان رابعَ المذاهب الأربعة في المشرقِ حتى حلَّ محلَّه المذهبُ الحنبلي (٢)، وقد استمرَّ المذهبُ الظاهري في المشرقِ إلى منتصفِ القرنِ الخامسِ الهجري تقريبًا (٣). وازدهرَ آخر القرنِ السادسِ الهجري، وأول القرنِ السابع الهجري في شمالِ إفريقيا (٤)، ثمَّ بَدَأَ بالاضمحلالِ (٥)، وانقرضَ في القرنِ الثامنِ الهجري تقريبًا (٦).

стр. 859

ويقولُ أبو محمدٍ القرشي الحنفي (ت: ٧٧٥ هـ) (١) عن داودَ الظاهري: "له أصحابٌ ينتحلونَ مذهبَه خَلَفًا عن سلفٍ إلى يومِنا هذا" (٢). ويقولُ ابنُ خَلدون (ت: ٨٠٨ هـ): "دَرَسَ مذهبُ أهلِ الظاهرِ اليومَ بدروسِ أئمتِه وإنكارِ الجمهورِ على منتحلِه، ولم يبقَ إلا في الكتبِ المجلّدةِ، ورُبَّما يعكفُ كثيرٌ مِن الطالبين - ممَّنْ تكلّفُ بانتحالِ مذهبِهم - على تلك الكتب، يَرُومُ أخذَ فِقْهِهم منها ومذهبهم، فلا يحلو بطائلٍ! ويصيرُ إلى مخالفةِ الجَمهورِ، وإنكارِهم عليه" (٣). وقد أثنى شمسُ الدّينِ الذهبي على مذهب داود الظاهري، فقالَ: "لا بأسَ بمذهب داود، وفيه أقوالٌ حسنةٌ، ومتابعةٌ للنصوصِ، مع أن جماعةً مِن العلماءِ لَا يعْتَدّون بخلافِه" (٤).

стр. 860

ومع كلِّ ما سَبَقَ، فإنّي لم أجعل المذهبَ الظاهري ضَمنَ القسمِ الأول؛ وذلك للأسبابِ الآتية: السبب الأول: انفرادُ المذهبِ الظاهري بتدوينِ فروعِه، وتدوينِ أصولِه على وجه الخصوصِ في وقتِ مبكرٍ، الأمر الذي ميّزَ المذهبَ الظاهري عن سائرِ المذاهب المندثرةِ بأصولِه وفروعِه المدونةِ. وقد كان هذا التدوين على يدِ الإمامِ ابنِ حزمٍ، إذ ألَّفَ عددًا مِن الكتب الأصوليةِ (١): كـ (الإحكامِ في أصولِ الأحكامِ)، و (النبذِ في أصولِ فقهِ الظاهرية)، و (الصاح في الردِّ على مَنْ قال بالقياسِ) (٢)، وكذلك ألَّفَ في فروعِ الظاهريةِ، كـ (المحلى)، وقد كان تطبيقُ أصولِ المذهبِ على فروعِه ظاهرًا (٣). ولا يخفى ما لتدوينِ أصولِ المذهبِ وفروعِه مِنْ أثرٍ في بقاءِ أقوالِه على مرِّ العصورِ (٤). السبب الثاني: انفرادُ المذهبِ الظاهري عن سائرِ المذاهبِ بآراء

стр. 861

أصوليةٍ، كقولِهم: بالأخذِ بظواهرِ النصوصِ، وعدمِ مشروعيةِ القياسِ (١). السبب الثالث: وجود أفرادٍ قليلين في العصر الحديثِ ينتحلون المذهبَ الظاهري (٢). ويمكن بيان حكم التهذهب بالمذهب الظاهري في ضوء الآتي: أولًا: للتمذهبِ بالمذهبِ الظاهري صورتانِ: الصورة الأولى: التزامُ أقوالِ الظاهريةِ: الأصولية والفروعية، وعدمُ الخروجِ عنها في الجملةِ، وقد يصحبُ الالتزامَ معرفة الدليلِ في بعضِ المسائلِ. وهذه الصورة مِن الالتزامِ لا تُقرّها أصولُ المذهبِ الظاهري، ولا يجوّزها أئمتُه، ويكون الملتزمُ بالمذهبِ الظاهري في هذه الحالةِ مرتكبًا لما نهاه عنه أئمةُ مذهبِه، ومناقضًا لأصلٍ مِنْ أصولِه، وهو منعُ التزامِ أقوال مذهبٍ بعينِه. يقولُ ابنُ حزمٍ: "أمَّا أصحابُ الظاهر، فهم أبعدُ الناسِ مِن التقليدِ، فمَنْ قلّدَ أحدًا ممنْ يدّعي أنَّه منهم، فليسَ منهم! ولم يُعْصمْ أحدٌ مِن الخطأِ" (٣).

стр. 862

وإنْ كانَ ظاهرُ حالِ من يلتزمُ المذهبَ الظاهري، أنَّه ظاهري؛ إلا أن أصولَ المذهبِ تردُّ نسبته إليهم. الصورة الثانية: التزامُ أصولِ المذهب الظاهري - وأهمّها القولُ بالظاهرِ، وعدم تعليلِ نصوصِ الكتاب والسنةِ، ونفي القياسِ - مَعَ القناعةِ برجحانها عن حُجَّةٍ وبرهانٍ، ثمّ تطبيقَ هذه الأصول على الفروعِ الفقهيةِ، سواءٌ أوافقَ علماء المذهبِ الظاهري، أم خالفَهم. وهذه الصورة هي التي يُسمّى صاحبُها ظاهريًا، وما سأذكرُه في النقاطِ الآتيةِ منصبٌ على الصورةِ الثانيةِ. ثانيًا: إنْ كانَ سببُ الأخذِ بالمذهب الظاهري هو النظرُ والاجتهادُ والقناعةُ به، فلا ملامةَ في هذه الحالِ؛ لأنَّ الواجبَ أنْ يتبعَ العالمُ ما ترجّحَ عنده. ثالثًا: جاءَ عن بعضِ الظاهريةِ أقوالٌ شنيعة في بعضِ المسائلِ الفقهيةِ نفرَّت العلماءَ عن مذهبِهم (١)، بلْ نقل القاضي عياضٌ عن بعضِ العلماءِ أن مذهبَ داود بدعةٌ ظَهَرَتْ بعدَ المائتين! (٢). وأيًّا كان الدافعُ لهذا القولِ، إلا أنَّ فيه محاربةً قويةً للمذهبِ الظاهري. وقد نَقَلَ ابنُ حجر (٣)

стр. 863

عن ابنِ أبي حاتمٍ الرازي (١) قولَه عن داودَ إمامِ الظاهريةِ: "نَفَى القياسَ، وألَّف في الفقهِ على ذلك كتبًا شَذَّ فيها عن السلفِ، وابتدعَ طريقةً هَجَرَه أكثرُ أهلِ العلمِ عليها ... رأيُه أضعفُ الآراءِ، وأبعدُها عن طريقِ الفقهِ، وأكثرها شذوذًا" (٢). ويقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية عن ابنِ حزمِ: "وأبو محمد مع كثرةِ علمِه وتبحّرِه، وما يأتي به من الفوائدِ العظيمةِ، له مِن الأقوالِ المنكرةِ الشاذّةِ ما يعجبُ منه، كما يعجب ممَّا يأتي به من الأقوالِ الحسنةِ الفائقةِ" (٣). رابعًا: كل مَنْ لا يرى جوازَ الخروجِ عن المذاهبِ الأربعةِ، وأنَّ الحق منحصرٌ فيها، فإنَّه لا يجوّزُ التمذهبَ بالمذهبِ الظاهري. خامسًا: جاءَ عن بعضِ العلماءِ النصُّ على عدمِ الاعتدادِ بخلافِ

стр. 864

المذهبِ الظاهري (١)، وفي هذا إشارةٌ إمَّا إلى عدمِ جوازِ التمذهبِ به، وإمَّا إلى أن الأَوْلى عدم التمذهبِ به. سادسًا: لا أستطيعُ القول بمنعِ التمذهب بالمذهب الظاهري، ولا سيما لمَنْ كان على مذهب ما، ثمَّ انتقلَ إليه؛ لأنِّي لم أطَلع على مَنْ مَنَعَ صراحةً التمذهبَ به (٢)، ولأنَّ الآخذَ بأصولِ الظاهريةِ أَخَذَها مع قناعتِه برجحانِها، ومَنْ أرادَ أنْ يحذرَ مِنْ أقوالِ المذهبِ الظاهري، فعليه البيانُ بالحجّةِ والبرهانِ. ويؤكّدُ ما سَبَقَ: أنَّه على الرُّغم مِنْ أن المذهبَ الظاهري كان موجودًا عقودًا مِن الزمنِ، فإنَّه لم ينصَّ أحدٌ في عصرٍ متقدمٍ على مَنعِ التمذهبِ به. يقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي معلّقًا على قولِ إمامِ الحرمين الجويني لما قررَ عدمَ الاعتدادِ بالظاهريةِ، وألحقهم بالعوام: "وندري بالضرورةِ أنَّ داود كان يُقْرِئ مذهبَه، ويناظرُ عليه، ويفتي به في مثلِ بغدادَ، وكَثُرَ الأئمةُ بها وبغيرِها، فلم نَرَهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه، ولا تدريسه، ولا سَعَوْا في منعِه مِنْ بثِّه" (٣). سابعًا: الأَوْلى بالشخصِ أنْ لا يتمذهبَ بالمذهبِ الظاهري؛ وذلك للأمرينِ الآتيينِ: الأمر الأول: أنَّ مِنْ أصول الظاهريةِ القولَ بعدمِ مشروعيةِ القياسِ، وترك تعليلِ نصوصِ الكتابِ والسنةِ، وعدمِ الاحتجاجِ بالمصالحِ

стр. 865

والاستحسانِ وسدِّ الذرائعِ، وعدم الالتفاتِ إلى مقاصدِ الشارعِ، وترك العملِ بقواعدِ الشريعةِ العامةِ، ومنعِ جميعِ الشروط الجعلية في العقودِ إلا ما نصَّ الشارعُ على جوازِه (١)، الأمر الذي يوقعُ الظاهريَّ إذا أرادَ معالجة نازلةٍ مِن النوازل في حرجٍ وضيقٍ شديدين. إضافةً إلى أن عدمَ اعتمادِ المذهب الظاهري على الأدلةِ الاجتهاديةِ سَلَبَ فقهَه المرونةَ والقابليةَ للتطورِ (٢). يقول شمسُ الدينِ بن القيّم عن ابنِ حزمٍ وأصحابِه: "لكنْ أبو محمدٍ وأصحابُه سدوا على نفوسِهم بابَ اعتبارِ المعاني والحِكَمِ التي علَّقَ بها الشارعُ الحُكمَ، ففاتهم بذلك حظٌّ عظيمٌ مِن العلمِ ... " (٣). الأمر الثاني: أن الظاهريةَ مخطئون فيما انفردوا به عنْ سائر علماء الأمةِ مِن أقوال. يقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: "كذلك أهل الظاهر، كلُّ قولٍ انفردوا به عن سائر الأمة، فهو خَطأٌ" (٤) وما قاله تقيُّ الدّين بن تيمية وإنْ كان صادقًا على كل المذاهبِ - بلْ إنَّه نصَّ قبلَ كلامِه السابق على أنَّ ما انفرد به أيُّ مذهب عن سائر علماء الأمة، فهو خطأٌ (٥) - إلا أنَّ انفرادَ الظاهريةِ عن سائرِ العلماءِ الأمةِ أكثرُ مِنْ غيرِهم مِن المذاهبِ، وفي مسائل ليستْ بالقليلةِ. القسم الثالث: التمذهب بمذهب فقهي لإحدى الفرق المبتدعة. وُجِدَ في بعضِ الفرقِ المخالفةِ لأهلِ السنةِ والجماعةِ اهتمامٌ بالفقهِ وأصولِه، فكان لها إضافةً إلى آرائِها العقدية آراء فقهيةٌ وأصوليةٌ.

стр. 866

فهناك مذهبُ الإمامية (١)، ومذهبُ الزيدية، ومذهبُ الإباضية (٢)، وغيرها من المذاهبِ المخالفةِ لأهل السنة والجماعةِ. تختلفُ هذه المذاهب في مدى توغلِ البدعةِ في معتقداتِها، فقد تصلُ البدعةُ في بعضِ الفرقِ إلى الكفرِ والخروجِ مِن الملةِ. وأيضًا: تختلفُ هذه المذاهب في مدى قربِها مِن المذاهبِ السنيةِ أصولًا وفروعًا. وسأبيّنُ الحكمَ في النقاطِ الآتيةِ، دونَ تعرضٍ إلى مذهبٍ بعينِه إلا في

стр. 867

القليل؛ لأنَّ تعيينَ مذهبٍ بعينِه تستلزمُ دراسةَ أقوالِه العقدية، وأصولِه الفقهية، وهذا خارجٌ عن بحثي: أولًا: مَنْ مَنَعَ التمذهبَ بأحدِ المذاهب الفقهيةِ الأربعة، فإنَّه يمنعُ التمذهبَ بمذهبٍ فقهي للفرق المبتدعة؛ لأنَّ الأدلةَ التي استدلوا بها تعمُّ التمذهبَ بأيِّ مذهب دون استثناءٍ (١). ثانيًا: كلُّ مَنْ لا يجوّز التمذهبَ بغيرِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة - إمَّا لأنَّ الحق لا يعدوها، وإمَّا لأن أئمة المذاهب الأربعة هم الذين حفظوا فقه الصحابة، دون غيرِهم (٢) - فإنَّه لا يجوّزُ التمذهبَ بالمذاهبِ الفقهيةِ لفرقِ المبتدعةِ. ثالثًا: يمكنُ تقسيمُ المذاهبِ في القسم الثالث قسمين: القسم الأول: مذاهب واقعة في بدعة مكفرة. القسم الثاني: مذاهب واقعة في بدعة مفسقة غير مكفرة. القسم الأول: مذاهب واقعة في بدعة مكفرة. لا يجوزُ التمذهبُ بمذهبٍ يقرّرُ بدعة مكفرة، والقولُ بعدمِ الجوازِ أمرٌ بدهي؛ لخروجِها عن دائرةِ الإسلامِ، ولانتفاءِ وصفِ الأمةِ المسلمةِ عنها (٣).

стр. 868

القسم الثاني: مذاهب واقعة في بدعة مفسقة غير مكفرة. أصحابُ هذا القسمِ متفاوتون، وهم على مراتب عدة، وذلك بالنظرِ إلى درجةِ البدعِ التي يعتقدونها، ويمكنُ جعل أربابِ هذا القسم على نوعين: النوع الأول: مذاهب تدعو إلى البقاءِ على أقوالِها، وتحرّمُ الأخذَ بمذاهبِ أهلِ السنةِ، بل تكفرهم! وتعطي أئمتها حقَّ التحليلِ والتحريمِ، وتصفُهم بالعصمةِ (١). هذا النوعُ من المذاهب يحرمُ التمذهبُ به؛ لأنَّه مذهبٌ صادٌّ عن الحقِّ، موغلٌ في الباطلِ، وعلَى المتمذهبِ به ترك مذهبه جملةً وتفصيلًا. النوع الثاني: مذاهبُ لا تدعو إلى البقاءِ على أقوالِها، ولا تحرِّمُ الأخذَ بمذاهبِ أهلِ السنةِ. وما سيأتي مِن كلام في بيانِ حكمِ التمذهبِ منصبٌّ على النوع الثاني. رابعًا: إذا كانَ الشخصُ ناشئًا في بيئةٍ يغلبُ عليها مذهبٌ مِن المذاهبِ المنحرفةِ، وكان مِن أصولِها الدعوةُ إلى الاجتهادِ، ونبذُ الجمودِ المذهبي (٢) - وبدعةُ المذهبِ في مجال الاعتقادِ ليستْ بالشديدةِ -: فإن كانَ بمقدور المتمذهب معرفةُ الراجحِ بالنظرِ في الأقوالِ وأدلتِها، فله في هذه الحالةِ البقاءُ على انتسابِه إلى مذهبِه الفقهي، إنْ رأى مصلحةً في هذا - ولا بُدَّ مِن تركِ مذهبِه العقدي، وما يُبنى عليه - لكنَّه يتبعُ الراجحَ والصوابَ في الفقه والأصول، ويسعى في الردِّ على ما في مذهبِه مِن أقوال مرجوحةٍ (٣).

стр. 869

أمَّا إنْ كان المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ لمعرفةِ الراجح، فعليه ترك مذهبه بالكليةِ. خامسًا: لو أرادَ شخصٌ أنْ يتمذهبَ بمذهب فقهي لإحدى الفرقِ المبتدعةِ، فلتمذهبِه صورتان: الصورة الأولى: أنْ يأخذَ بالمذهبِ، بحيثُ يعتقدُ ما يعتده أربابُ المذاهبِ من البدعة. فهذا لا ريبَ في منعِه وتحريمِه. الصورة الثاني: أنْ يأخذَ بالمذهب، وهو تاركٌ لاعتقاداتِهم، ويكتفي بالفقهِ وأصولِه. وسأبيّن حكم هذه الصورة بعد قليلٍ. سادسًا: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على من نصَّ على حكمِ التمذهب بالمذاهب الفقهيةِ لفرق المبتدعةِ؛ ولعل السبب في عدم اهتمامِ العلماءَ ببيانِ حكمَ التمذهبِ بها هو أن اهتمامَهم منصب على الردِّ على عقائدِهم المنحرفةِ، وفي هذا غُنْيَةٌ عن الحديثِ عن حكمِ التمذهب بمذاهبِهم الفقهيةِ؛ لأنَّه إذا بَطَلَتْ آراءُ المذهبِ العقديةِ، فبطلانُ الفقَهِ وأصولِه تبعٌ. سابعًا: أنبّه إلى أمير مهمٍ، وهو أنَّه قد يُفْهَم مِنْ صنيعِ بعضِ المتأخرين الذي دعو إلى التقريبِ بين أهلِ السنةِ والشيعةِ، إقرارهم جوازَ التمذهبِ بمذاهبِهم (١). ثامنًا: الذي يترجح عندي في الصورة الثانية هو المنعُ وعدمُ الجوازِ؛ وذلك للآتي:

стр. 870

الأول: أنَّ في الأخذِ بالمذهب الفقهي لفرق المبتدعةِ - حتى لو فُرِضَ أنَّ الشخصَ يدّعي اتباعَ الراجحِ وترَكَ المرجوحِ، ومخالفتهم في الاعتقادِ - تكثيرًا لسوادِ المذهبِ البدعي؛ وفي هذا مِنْ المفسدةِ ما لا يخفى على ذي لُبّ. الثاني: أن هناك مسائلَ أصولية مبنية على مسائل عقدية، قد يغفلُ عنها المتمذهبُ، فيقعُ في مأخذٍ عقدي مِنْ حيثُ لا يشعرُ. إضافةً إلى كثرةِ وجودِ البدعِ العمليةِ لدى هذه المذاهبِ. الثالث: قررَ جمعٌ من الأصوليين عدمَ الاعتدادِ بخلافِ المجتهدِ المبتدعِ (١)، وفي عدمِ الاعتدادِ بقولِه إشارةٌ إلى ضعفِ أقوالِه. الرابع: أن محققي المذاهب الأربعة المشهورة لا يكادون يذكرونَ الأقوالَ الفقهيةَ والأصوليةَ لمذاهب أهلِ الأهواءِ، وإنْ ذُكِرَتْ، فعلى سبيلِ التنبيه، أو للردِّ عليها، فأقوالهم وَخلافُهم من بابِ الخلافِ الذي لا يُلتفتُ إليه. يقولُ الخطيبُ البغدادي: "أمَّا الرافضةُ الذين يشتمونَ الصحابةَ، ويسبون السلفَ الصالحَ، فإنَّ فتاويهم مرذولةٌ، وأقاويلهم غيرُ مقبولةٍ" (٢). ويقولُ شمسُ الدين الذهبي: "كالشيعةِ في الفروع، لا نَلْتَفِتُ إلى أقوالِهم، ولا ننصبُ معهم الخلافَ، ولا يُعتنى بتحصيلِ كتبِهم، ولا ندُلُّ مستفتيًا مِن العامةِ عليهم، وإذا تظاهروا بمسألةٍ معلومةٍ البطلانِ، كمسحِ الرجلين، أدَّبْنَاهم وعزرناهم، وألزمناهم بالغَسلِ جزمًا" (٣).

стр. 871

ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "إنَّ كلَّ خلافٍ واقعٍ لا يستمر أنْ يُعَدّ في الخلافِ؛ لما تقدم من أن الفرقَ الخارجة عن السنةِ حين لم تجمعْ بين أطرافِ الأدلةِ، تشابهتْ عليها المآخذُ، فضلّتْ، وما ضلّتْ إلا وهي غيرُ معتبرةِ القولِ فيما ضلّتْ فيه، فخلافُها لا يُعَدُّ خلافًا، وهكذا ما جَرَى مجراها في الخروجِ عن الجادّةِ" (١). الخامس: دعوى اتصالِ فقهِ هذه المذاهبِ بالسلفِ، واتباعهم لإمامٍ من أئمةِ السلفِ، دعوى مردودة. فمثلًا: يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن المذهبِ الرافضي: "مبنى مذهبِ القومِ على الجهلِ والكذبِ والهوى، وهم وإنْ كانوا يدّعون اتِّباع الأئمةِ الاثنى عشر في الشرائعِ" (٢). ويقولُ أيضًا عنهم: "وقد اتفقَ عقلاءُ المسلمين على أنَّه ليس في طائفةٍ مِنْ طوائف أهلِ القِبلةِ أكثرُ جهلًا وضلالًا وكذبًا وبِدَعًا، وأقربُ إلى كلِّ شرٍّ، وأبعد عن كلِّ خيرٍ مِن طائفتِه" (٣)، يعني: طائفةَ ابن مطهر الحلي (٤)، وهي: الرافضة.

стр. 872

ويقولُ الشيخُ علوي السقاف عن المذهب الزيدي: "إنَّما ارتفعت الثقةُ بمذهبِه - أي: مذهب الإمام زيد بن علي (١) - لعدمِ اعتناءِ أصحابِه بالأسانيد، فلم يُؤْمَنْ على مذهبِه التحريفُ والتبديلُ ونسبةُ ما لم يقلْه إليه" (٢). ففي القائمين على خدمةِ المذهب مَنْ رُمِي بالكذب والوضعِ (٣) فكيفَ تحصلُ الثقةُ بمذاهبِهم؟ ! ويقولُ الشيخ محمد أبو زهرة: "لا نستطيعُ أنْ نقول: إنَّ كلَّ ما نُسِبَ إلى الإمامِ جعفر الصادق (٤)

стр. 873

مِنْ آراء في هذا صحيحُ النسبةِ إليه" (١). السادس: أن أصولَ المذاهب الفقهيةِ تختلفُ اختلافًا جذريًا عن أصولِ مذاهبِ أهلِ السنةِ في مصادرِ التشريعِ، وطرقِ الاستنباطِ (٢). السابع: أن أكثرَ هذه المذاهب مقطوعةُ الصلةِ عن المصدرين الرئيسين: الكتاب والسنةِ، وخاصةً السنة النبوية، فلا يكادون يرجعون إلى المصنفاتِ فيها التي عُنِيَ العلماءُ بها (٣). يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: "أمَّا الحديثُ، فهم - أيْ: الرافضة - أبعدُ الناسِ عن معرفتِه: لا إسناده ولا متنه، ولا يعرفون الرسولَ وأحوالَه، ولهذا إذا نقلوا شيئًا مِن الحديثِ كانوا مِنْ أجهلِ الناسِ به" (٤). ويقول أيضًا: " يتبينُ أن الرافضة أمةٌ ليس لها عقلٌ صريحٌ، ولا نقلٌ صحيحٌ، ولا دينٌ مقبولٌ، ولا دنيا منصورةٌ" (٥) وينقلُ القاضي إسماعيل الأكوع عن بعضِ علماءِ فرقةِ الزيديةِ قولَه: "ولهم - أي: أهل السنة - كتابانِ يسمونهما بالصحيحينِ: (صحيح البخاري

стр. 874

وصحيح مسلم) ولعمري إنَّهما عن الصحةِ خاليان! " (١). ويقولُ الدكتور عمرو خليفة: "لم يعتمد الفقهُ الإباضي - خلال تاريخِه الطويلِ - إلا على مواد إباضية مرويةٍ من قِبَل علماء إباضيين، أمَّا مجموعات الأحاديث السنية الأخرى، فلم تستخدمْ في أيّةِ مرحلةٍ ... وكان الإباضيون لا يزالون يُثَبِّطُون استخدامَ مجموعات الأحاديثِ السنية ... فإن النظامَ الفقهيَّ الإباضي كان قائمًا على مواد ترويها المصادرُ الإباضيةُ فقط، وتطور خلال تاريخِه في إطارِ هذه المواد" (٢). الثامن: إذا كان اعتقادُ المرءِ على الوجهِ الصحيحِ، فإنَّ في تمذهبِه بمذهبٍ فقهي لأحدى الفرقِ المبتدعة تناقضًا بيّنًا (٣)، فكيفَ يكونُ المرءُ سنيًا في اعتقادِه في حين أنَّه في الفقهِ وأصولِه على مذهبٍ غيرِ سني؟ ! فجوازُ التمذهبِ بالمذهبِ الفقهي مفرَّعٌ على جوازِ الأخذِ بأقوالِهم في الاعتقادِ. التاسع: أنَّ في المذاهبِ الفقهيةِ لفرقِ المبتدعةِ قلّةَ فقهٍ، وضعفَ نَظَرٍ. يقولُ تقي الدين بنُ تيمية عن الرافضة: "أمَّا الفقه، فهم مِنْ أبعدِ الناسِ عن الفقهِ" (٤). العاشر: تضمنت بعضُ المذاهبِ أقوالًا خطيرةً وشنيعةً، مثلُ: القولِ بالتَّقِيَّة (٥)،

стр. 875

والجمع بين الصلاتين دونَ عذرٍ (١)، والقولِ ببدعيةِ صلاةِ الضحى (٢)، وغير هذه الأقوال، الأمر الذي يجعلُ المتمذهبَ بها مُتَلَبِّسًا بالمخالفاتِ والبدعِ العملية لا يكادُ ينفكُّ عنها. الحادي عشر: تعتبرُ هذه المذاهب مذاهب أهلِ الأهواءِ، وقد حذَّر العلماءُ مِنْ مجالسةِ أهلِ الأهواءِ ومخالطتهم ومناكحتهم (٣)، فكيف بالتمذهبِ بمذاهبِهم؟ ! لهذه الأمور رجحتُ ما سبق، وهو منعُ التمذهبِ بالمذاهب الفقهية للفرقِ المبتدعةِ. * * *

стр. 876

الفصل الرابع الأحكام المترتبة على التمذهب وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: طبقات المتمذهبين المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب المبحث الثالث: تتبع الرخص المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب

стр. 877

المبحث الأول: طبقات المتمذهبين وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبيبن المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات

стр. 878

المطلب الأول أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم المسألة الرابعة: تقسيم ابن كمال باشا

стр. 879

تمهيد قبلَ الحديثِ عن مطالب المبحثِ الأولِ، أُحِبُّ أنْ أُبيّن أن مَنْ قسّمَ المفتين - أو العلماء - إلى طَبقات لم يحصرْ تقسيمَه في درجةٍ معينةٍ مِن الاجتهادِ، بلْ ذَكَرَ طبقاتِ العلماءِ بدءًا بالدرجةِ العُليا، وهي درجةُ الاجتهادِ في الشريعةِ، وانتهاءً بأدنى الدرجاتِ، وهي التقليدُ المذهبي. ونظرًا لأنَّ حديثي هنا عن المتمذهبين، فإنَّ ذكري للدرجةِ الأولى - وهي: درجةُ الاجتهادِ - سيكون على سبيلِ تتميمِ الطبقات. وغيرُ خافٍ على أحدٍ أهمية معرفةِ طبقاتِ العلماءِ؛ لتنزّلَ أقوالهم منازلها، ويُعطى العالمُ ما يستحقُّه مِنْ مكانةٍ. * * *

стр. 880

توطئة كان لبعضِ أهلِ العلمِ المتقدمين إسهامٌ في بيانِ طبقاتِ المفتين - أو العلماء - التي يصدقُ على أكثرِها أنَّها طبقاتٌ للمتمذهبين المشتغلين بمذهبِ إمامٍ بعينِه، وكانَ مِنْ أبرزِ جهودِ العلماءِ المتقدمين مِنْ وجهةِ نظري أربعةُ مناهج، وهي: تقسيمُ ابنِ الصلاحِ، وتقسيمُ ابنِ حمدان، وتقسيمُ ابنِ القيّمِ، وتقسيمُ ابنِ كمال باشا. المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح يعدُّ ابنُ الصلاحِ مِنْ أوائل العلماءِ الذين قسّموا الفقهاءَ - أو المفتين كما أسماهم - إلى طبقاتٍ، ومجموع ما ذكره خمسُ طبقاتِ، تندرجُ تحتَ قسمين رئيسين (١)، وهما: القسم الأول: المفتي المستقل. القسم الثاني: المفتي غير المستقل (٢). ومحلُّ حديثي هنا هو القسم الثاني؛ إذ أربابُ القسمِ الأول غيرُ داخلين أصلًا في المتمذهبين. وقبلَ الولوجِ في ذكرِ طبقاتِ القسم الثاني، أذكرُ ما قاله ابنُ الصلاحِ عن القسمِ الأولِ؛ ليكونَ الحديثُ مكتملًا.
следующие страницы →