← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الفصل الرابع الأحكام المترتبة على التمذهب وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: طبقات المتمذهبين المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب المبحث الثالث: تتبع الرخص المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب

стр. 877

المبحث الأول: طبقات المتمذهبين وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبيبن المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات

стр. 878

المطلب الأول أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم المسألة الرابعة: تقسيم ابن كمال باشا

стр. 879

تمهيد قبلَ الحديثِ عن مطالب المبحثِ الأولِ، أُحِبُّ أنْ أُبيّن أن مَنْ قسّمَ المفتين - أو العلماء - إلى طَبقات لم يحصرْ تقسيمَه في درجةٍ معينةٍ مِن الاجتهادِ، بلْ ذَكَرَ طبقاتِ العلماءِ بدءًا بالدرجةِ العُليا، وهي درجةُ الاجتهادِ في الشريعةِ، وانتهاءً بأدنى الدرجاتِ، وهي التقليدُ المذهبي. ونظرًا لأنَّ حديثي هنا عن المتمذهبين، فإنَّ ذكري للدرجةِ الأولى - وهي: درجةُ الاجتهادِ - سيكون على سبيلِ تتميمِ الطبقات. وغيرُ خافٍ على أحدٍ أهمية معرفةِ طبقاتِ العلماءِ؛ لتنزّلَ أقوالهم منازلها، ويُعطى العالمُ ما يستحقُّه مِنْ مكانةٍ. * * *

стр. 880

توطئة كان لبعضِ أهلِ العلمِ المتقدمين إسهامٌ في بيانِ طبقاتِ المفتين - أو العلماء - التي يصدقُ على أكثرِها أنَّها طبقاتٌ للمتمذهبين المشتغلين بمذهبِ إمامٍ بعينِه، وكانَ مِنْ أبرزِ جهودِ العلماءِ المتقدمين مِنْ وجهةِ نظري أربعةُ مناهج، وهي: تقسيمُ ابنِ الصلاحِ، وتقسيمُ ابنِ حمدان، وتقسيمُ ابنِ القيّمِ، وتقسيمُ ابنِ كمال باشا. المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح يعدُّ ابنُ الصلاحِ مِنْ أوائل العلماءِ الذين قسّموا الفقهاءَ - أو المفتين كما أسماهم - إلى طبقاتٍ، ومجموع ما ذكره خمسُ طبقاتِ، تندرجُ تحتَ قسمين رئيسين (١)، وهما: القسم الأول: المفتي المستقل. القسم الثاني: المفتي غير المستقل (٢). ومحلُّ حديثي هنا هو القسم الثاني؛ إذ أربابُ القسمِ الأول غيرُ داخلين أصلًا في المتمذهبين. وقبلَ الولوجِ في ذكرِ طبقاتِ القسم الثاني، أذكرُ ما قاله ابنُ الصلاحِ عن القسمِ الأولِ؛ ليكونَ الحديثُ مكتملًا.

стр. 881

يقولُ ابنُ الصلاح: "المجتهدُ المستقلُّ: هو الذي يستقلُّ بإدراكِ الأحكام الشرعيةِ مِن الأَدلةِ الشرعيةِ مِنْ غيرِ تقليدٍ وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ" (١). ويقولُ أيضًا: "مُنْذُ دهرٍ طويل طُوِي بساطُ المفتي المستقلّ المطلق - والمجتهد المطلق - وأفضى أَمرُ الفتوى إلى الفقهاءِ المنتسبين إلى أئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ ... " (٢). أعودُ إلى القسمِ الثاني، فأقول: جَعَلَ ابنُ الصلاحِ القسمَ الثاني أربعَ طبقات - أو حالات، يصدق عليها أنَّها طبقات المتمذهبين - وهي: الطبقة الأولى: يُمَثلها مَنْ لم يكنْ مقلِّدًا لإمامِه لا في المذهب، ولا في دليلِه؛ لكونِه جَمَعَ الأوصاف والعلوم المشترطة في المجتهدِ المستَقلِّ (٣). والمجتهدُ في هذه الطبقة يُنْسَبُ إلى مذهبِ إمامِه؛ لكونِه سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ، ودعا إلى سبيلِه (٤). ونَقَلَ ابنُ الصلاح عن الأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفراييني أنَّه ادَّعى هذه الصفة لأئمةِ الشافعيةِ، وأصحاب مالكٍ وأحمدَ وداود الظاهري، وأكثرِ أصحاب أبي حنيفةَ (٥)، يقول الأستَاذُ أبو إسحاقَ: "الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه المحققون ما ذَهَبَ إليه أصحابُنا، وهو أنَّهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ لا على جهةِ التقليدِ له، ولكنْ لمَّا وجدوا طريقَه في الاجتهادِ والفتاوى أسدَّ الطرقِ وأولاها، ولم يكنْ لهم بُدٌّ مِن الاجتهادِ: سلكوا طريقَه في الاجتهادِ، وطلبوا معرفةَ الأحكامِ بالطريقِ الذي طلبها الشافعيُّ به" (٦). ولا يصدق التمذهبُ على أهلِ هذه الطبقةِ في ضوءِ ما قرره الأستاذُ

стр. 882

أبو إسحاقَ؛ لأنَّهم أخذوا أصولَ إمامِهم عن نظرٍ وقناعةٍ، فأخذهم لها من بابِ موافقةِ العالمِ للعالمِ، ويبقى النظرُ في اتصافِهم بالتمذهبِ الاسمي باعتبارِ انتسابِهم إلى إمامِ مذهبِهم. لكنَّ ابنَ الصلاحِ لم يؤيّدْ ما أطلقه الأستاذُ أبو إسحاقَ، ونازعه فيما قالَ، ورأى أن دعوى انتفاءِ التقليدِ عن أرباب هذه الطبقةِ مطلقًا مِنْ كل وجهٍ لا تستقيم، إلا أنْ يكونوا أحاطوا بشروطَ الاجتهادِ المطلقِ، وهذا لا يلائم المعلوم مِنْ أحوالِهم، أو أحوالِ أكثرِهم (١). ويمكنُ القولُ: إنَّ أهلَ هذه الطبقة - في ضوءِ ما قرره ابنُ الصلاحِ في تعقّبِه آنف الذكر - متمذهبون في الأصولِ، في الجملةِ - إمَّا في جميع الأصول، وإمَّا في بعضها - دونَ الفروعِ؛ إذ إنَّهم ساروا على طريقةِ إمامِهم في الأصولِ، دونَ تقيّدٍ بأقوالِه في الفروع، ويكون تمذهبُهم في الفروع تمذهبًا بالاسمِ فقط. فإنْ بَلَغَ العالمُ في هذه الطبقة درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، وبقي على النسبةِ المذهبيةِ، فهو متمذهبٌ بالانتسابِ. ثمَّ نبَّه ابنُ الصلاحِ إلى أنَّ مِنْ أهلِ هذه الطبقة مَنْ يتحققُ له الاجتهادُ في بابٍ مِن الفقهِ؛ بناءً على تجزؤ منصبٍ الاجتهادِ (٢). وهنا سوال، وهو: أَلا يتعارضُ ما قرره ابنُ الصلاح في صدرِ الطبقةِ - مِنْ جمعِهم شروط المجتهدِ المستقلِّ - مع اتصافِهمَ أحيانًا في بعضِ المسائلِ بالاجتهادِ الجزئي؟ وقد سمَّى جلالُ الدين السيوطيُّ العالمَ في هذه الطبقة بالمجتهدِ المطلقِ (٣).

стр. 883

الطبقة الثانية: يُمَثلها مِنْ كان مجتهدًا مقيدًا في مذهبِ إمامِه، مستقلًا بتقريرِ مذهبِه بالدليلِ، غيرَ أنَّه لا يتجاوزُ في أدلتِه أصولَ إمامِه وقواعده (١). وقد يتحققُ لأهلِ هذه الطبقة الاجتهادُ الجزئي في بعضِ المسائلِ (٢). وبيَّن ابنُ الصلاحِ شروطَ أهلِ هذه الطبقةِ، فذَكَرَ الآتي: ١ - أنْ يكونَ عالمًا بالفقه. ٢ - أنْ يكونَ خبيرًا بأصولِ الفقه (٣). ٣ - أنْ يكونَ عارفًا بأدلةِ الأحكامِ تفصيلًا. ٤ - أنْ يكونَ بصيرًا بمسالكِ الأقيسةِ والمعاني. ٥ - أنْ يكونَ تامَّ الارتياضِ في التخريجِ والاستنباطِ، قيّمًا بإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ عليه في مذهبِ إمامِه بأصولِه وقواعدِه (٤). ثم بيّنَ ابنُ الصلاحِ أنَّ الفقيهَ مِنْ أهلِ هذه الطبقة لا يَعْرى عن شوبٍ مِن التقليدِ لإمامِه؛ لإخلالِه ببعضِ شروطِ الاجتهادِ، مثل: الإخلال بعلمِ الحديثِ، أو بعلمِ اللغة العربيةِ (٥).

стр. 884

ويتخذُ أهلُ هذه الطبقةِ نصوصَ إمامِهم أصولًا يستنبطون منها، كما يفعلُ المجتهدُ المستقلُّ بنصوصِ الشارعِ (١). فإنْ قالَ قائلٌ: كيفَ يُمكنُ للمتمذهبِ في هذه الطبقةِ التخريجُ على أقوالِ إمامِه، مَعَ إخلالِه بعلمِ اللغةِ العربيةِ؟ يمكن الجواب: بأنَّه ليس المرادُ بالإخلالِ عدمَ المعرفةِ بالكليةِ، بل المعرفةُ حاصلةٌ له، لكنَّها لا تبلغ بصاحبِها المعرفة التي بلغها المجتهدُ المطلقُ. وقد ذَكَرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ الفقيهَ مِنْ أهلِ هذه الطبقة رُبَّما مرَّ به الحكمُ، وقد ذكره إمامُه بدليلِه، فيكتفي بذلك، ولا يبحثُ عن معارضٍ لهذا الدليلِ (٢). ثمَّ قالَ ابنُ الصلاحِ: "وهذه صفةُ أصحابِ الوجوهِ والطُرُقِ في المذهبِ" (٣). ثمَّ بيّنَ أنَّ على هذه الطبقة أئمةَ الشافعيةِ، أو أكثرهم (٤). وقد سمَّى تاجُ الدين بنُ السبكي المتمذهبَ في هذه الطبقةِ بمجتهدِ المذهبِ (٥)، وسمَّاه جلالُ الدين السيوطيُّ بالمجتهدِ المقيّدِ، وبمجتهدِ التخريجِ (٦). الطبقة الثالثة: يُمَثلها مَنْ كان فقيهَ النفسَ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، قائمًا بتقريرِها وبنصرتِها، يصوّرُ ويحرّرُ، ويمهّدُ ويقرّرُ، ويزيّفُ ويرجّحُ، لكنَّه قَصرَ عن درجةِ أربابِ الطبقةِ الثانيةِ: (أصحاب الوجوه والطرق)؛ إمَّا لكونِه لم يبلغْ مبلغَهم في حفظِ المذهبِ، وإمَّا لكونِه لم

стр. 885

يرتضِ في التخريجِ والاستنباطِ كارتياضهم، وإمَّا لكونِه غيرَ متبحِّرٍ في أصولِ الفقهِ - غير أنَّ الفقيه في هذه الطبقة لا يخلو من معرفةٍ بالقواعدِ الأصوليةِ في ضمن ما يحفظه من الفقهِ، ويعرفه مِنْ أدلتِه (١) - وإمَّا لكونِه مقصّرًا في غير ذلك مِن العلومِ التي هي مِنْ شروطِ الاجتهادِ المذهبي الحاصلِ لأصحابِ الوجوهِ والطرقِ (٢). يقولُ ابنُ الصلاحِ: "هذه صفةُ كثيرٍ مِن المتأخرين - إلى أواخر المائة الخامسة مِن الهجرةِ - المصنِّفين، الذين رتَّبوا المذهبَ، وحرروه، وصنفوا فيه تصانيفَ بها معظمُ اشتغالِ الناسِ اليومَ، ولم يلحقوا بأربابِ الحالةِ الثانيةِ" (٣). ويمكنُ جعل ما ذكره ابنُ الصلاحِ في صدرِ الطبقةِ شروطًا مستقلةً لأهلِها. وقد يقومُ أهلُ هذه الطبقةِ بالتَّخْرِيج، فيقيسون غيرَ المنقولِ والمسطورِ في مذهبِهم على المنقولِ والمسطورِ فيه (٤). يقولُ ابنُ الصلاحِ عن فتاوى أهلِ هذه الطبقةِ: "فيهم مَنْ جُمِعَت فتاويه وأُفْرِدَتْ، ولا يبلغُ في التحاقِها بالمذهبِ مبلغ أصحابِ الوجوهِ، ولا تقوى كقوتِها" (٥). وقد بيَّنَ ابنُ الصلاحِ المرادَ بحفظِ المذهبِ، بقولِه: "أنْ يكونَ معظمُ الفقهِ على ذهنِه، ويكونَ؛ لدُرْبتِه متمكنًا مِن الوقوفِ على الباقي بالمطالعةِ - أو ما يلتحقُ بها - على القُرْبِ" (٦).

стр. 886

وظاهرُ كلامِ تاجِ الدينِ بنِ السبكي في كتابِه: (جمع الجوامع) (١) أنَّه يُسمّي أهل هذه الطبقة بمجتهدي الفتيا؛ إذ يقولُ: "ودونَه - أيْ: دون مجتهدِ المذهب - مجتهدُ الفتيا، وهو: المتبحرُ المتمكنُ مِنْ ترجيحِ قولٍ على آخر" (٢). يؤكّدُ ما بينتُه آنفًا أنَّ جلالَ الدينِ السيوطي لمَّا شَرَحَ نظمه لجمعِ الجوامعِ قرّرَ أنَّ مجتهدَ الفتيا هو ما ذكره ابنُ الصلاحِ في الطبقةِ الثالثةِ (٣). ويمكنُ القولُ: إن تاجَ الدين بن السبكي سمَّى أربابَ هذه الطبقة، وأربابَ الطبقة الرابعة الآتية بعد قليلٍ بمجتهدي الفتيا؛ لأنَّ بدرَ الدين الزركشي قال عن مجتهدِ الفتيا: "وهذا أدنى المراتبِ، وما بقي بعده إلا العاميُّ ومَنْ في معناه" (٤). أمَّا جلالُ الدينِ السيوطيُّ فسمَّى أهلَ هذه الطبقةِ بمجتهدي الترجيحِ (٥). الطبقة الرابعة: مَنْ يقومُ بحفظِ المذهبِ، ونقلِه وفهمِه في واضحِ المسائلِ ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقريرِ أدلتِه، وتحريرِ أقيستِه (٦). يقولُ ابنُ الصلاحِ عن فقيه هذه الطبقةِ: "إنَّ هذا الفقيه لا يكونُ إلا فقيه النفسِ؛ لأنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ثم نقلَ أحكامها بعد استتمامِ تصويرها - جلياتها وخفياتها - لا يقومُ به إلا فقيهُ النفسِ، ذو حظٍّ مِن الفقهِ" (٧).

стр. 887

والمرادُ بحفظِ المذهبِ في هذه الطبقةِ هو: المعنى ذاته المذكورُ في الطبقةِ الثالثةِ، كما نصَّ عليه ابنُ الصلاحِ (١). وهلْ لأهلِ هذه الطبقة أنْ يخرِّجوا حكمَ ما لم ينصَّ عليه إمامُهم؟ يجيبُ ابنُ الصلاح عن السؤالِ، فيقول: "وأمَّا ما لا يجده منقولًا في مذهبِه: فإنْ وَجَدَ في المنقولِ ما هذا في معناه، بحيثُ يدركُ مِنْ غيرِ فَضْلِ فكرٍ وتأمّلٍ أنَّه لا فارقَ بينهما - كما في الأَمةِ بالنسبةِ إلى العبدِ المنصوصِ عليه في إعتاقِ الشريكِ (٢) -: جازَ له إلحاقُه به، والفتوى به، وكذلك ما يَعْلَم اندراجه تحتَ ضابطٍ منقولٍ وممهّدٍ في المذهبِ. وما لم يكن كذلك، فعليه الإمساكُ عن الفتيا به" (٣). وسمَّى جلالُ الدّين السيوطيُّ أهلَ هذه المرتبةِ بمجتهدي الفتيا (٤). ولعلَّ وجه نعتِ السيوطي لهم بالاجتهادِ المذهبي، هو قيامُهم بالتخريجِ على فروعِ المذهبِ في أحوال معينةٍ. وقد تَبِعَ محيي الدّينِ النوويُّ (٥)، وتقيُّ الدّين بنُ تيمية (٦)، وبرهانُ

стр. 888

الدين الأبناسيُّ (١)، وجلالُ الدّين السيوطيُّ (٢)، والدكتور محمد حسن هيتو (٣) ابنَ الصلاحِ فيما ذكره مِنْ أقسام، وتبعه - أيضًا - جمالُ الدينِ القاسمي (٤)، إلا أنَّه لم يذكر الطبقتين: الثالثة والرابعة؛ لقلّةِ جدواهما، ولأنَّهما فُرِّعتا لزمنٍ غيرِ هذا الزمنِ الذي يعيش فيه (٥). المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان كانَ لابنِ حمدان كلامٌ في تقسيمِ المجتهدين - ومن ضمنِهم

стр. 889

المتمذهبون - وقد قسّمهم إلى أربعةِ أقسام، ضَمَّنَ القسمَ الثاني أربع طبقات: القسم الأول: المجتهد المطلق. القسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه. القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم. القسم الرابع: المجتهد في مسألة، أو مسائل (١). وقبلَ بيانِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ حمدان أنبّه إلى تأثرِه الواضحِ بمنهجيةِ عرضِ ابنِ الصلاحِ في تقسيمِه لطبقات المفتين، كما لا يخفى على مَنْ قارنَ بينهما، بلْ إنَّ ابنَ حمدان نَقَلَ كثيرًا مِنْ عباراتِ ابنِ الصلاحِ (٢). ومحلُّ حديثي هنا هو القسم الثاني فحسب؛ وسأُعرّجُ على القسمين: الثالث والرابع. أمَّا القسمُ الأولُ فغيرُ داخلٍ معنا؛ لأنَّ أربابَه غيرُ متمذهبين أصلًا، ولا ينتسب أحدٌ منهم إلى مذهبٍ معيَّنٍ. يقولُ ابنُ حمدان عن القسمِ الأولِ: "مُنْذُ دهرٍ طويلٍ عُدِم المجتهدُ المطلقُ، مع أنَّه الآن أيسرُ منه في الزمنِ الأولِ ... " (٣). القسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه. جَعَلَ ابنُ حمدان القسمَ الثاني أربعَ طبقات: الطبقة الأولى: يُمثلها مَنْ كان غيرَ مقلِّد لإمامِه في الحكمِ، ولا في الدليلِ، لكنَّه سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ والفتوى، ودعا إلى مذهبِه، وقَرَأَ كثيرًا منه على أهلِه، فوجده صوابًا، وأولى مِنْ غيرِه (٤).

стр. 890

يقولُ ابنُ حمدان: "وقد ادَّعى هذا منَّا: القاضي أبو علي بن أبي موسى الهاشمي في: (شرح الإرشاد) الذي له، والقاضي أبو يعلى، وغيرُهما، ومِن الشافعيةِ خلقٌ كثيرٌ ... " (١). وما قلتُه عن الطبقةِ الأُولى في تقسيمِ ابنِ الصلاحِ مِنْ جهةِ تمذهبِ أهلِ هذه الطبقةِ في الأصولِ، وانتسابهم إلى إمامِ مذهبِهم، يُقالُ هنا. الطبقة الثانية: يُمثلها مَنْ كان مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، مستقلًا بتقريرِه بالدليلِ، لكن لا يتعدّى أصولَ مذهبِه وقواعدَه (٢). وقد ذَكَرَ ابنُ حمدان شروطَ أرباب الطبقة الثانية، وهي: ١ - أنْ يكونَ متقنًا للفقه. ٢ - أنْ يكونَ متقنًا لأصولِ الفقه (٣). ٣ - أنْ يكونَ متقنًا لأدلةِ مسائلِ الفقه. ٤ - أنْ يكون عارفًا بالقياسِ ونحوه (٤)، تام الرياضةِ. ٥ - أنْ يكونَ قادرًا على التخريجِ والاستنباطِ، وإلحاقِ الفروعِ بالأصولِ والقواعدِ المذهبيةِ (٥). يقولُ ابنُ حمدان: "قيل: وليس مِنْ شرطِه معرفةُ هذا علم الحديثِ، واللغةِ العربيةِ" (٦)، ثمَّ قالَ بعده بقليلٍ: "والظاهرُ معرفتُه بما يتعلق بذلك - أيْ: بأخذ الأحكام من نصوصِ إمامِه - مِنْ حديثٍ ولغةٍ ونَحْوٍ" (٧). ويجعلُ فقيهُ أهلِ هذه الطبقة نصوصَ إمامِه كنصوصِ الشارع في استنباطِ الأحكامِ (٨).

стр. 891

وقد نَعَتَ ابنُ حمدان أهلَ هذه الطبقةِ بأصحابِ الأوجهِ والطرقِ في المذهبِ (١). وإذا رأى الفقيهُ مِنْ أهلِ هذه الطبقةِ حُكْمًا ذَكَرَه إمامُه بدليلٍ، فإنَّه يكتفي بذلك، ولا يبحثُ عن معارضٍ أو غيرِه، يقولُ ابنُ حمدان بعدَما قرّر هذا: "وهو بعيدٌ" (٢). ولعل سبب البُعْدِ هو اجتماع شروطِ الاجتهادِ الرئيسةِ لأهلِ هذه الطبقةِ التي تؤهِلُهم للنظرِ في الأدلةِ، وما يعارضها. الطبقة الثالثة: يُمثلها مَنْ كان فقيهَ النفسِ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، قائمًا بتقريرِ مذهبِه ونصرتِه، يصوّرُ ويحررُ (٣)، ويقررُ ويزيّفُ، ويرجّحُ (٤)، لكنَّه قَصُرَ عن رتبةِ أهلِ الطبقةِ الثانيةِ: (أصحاب الوجوه والطرق)؛ إمَّا لأنَّه لم يبلغْ في حفظِ المذهب مبلغهم، وإمَّا لعدمِ تبحّرِه في أصولِ الفقهِ ونحوه - غير أن الفقيه في هَذه الطبقة لا يخلو مِنْ معرفةِ القواعدِ الأصولية في ضمن ما يحفظه مِن الفقهِ، ويعرفُه مِنْ أدلتِه - وإمَّا لتقصيرِه في العلومِ المشترطةِ في أصحابِ الوجوهِ والطرقِ (٥). ويقولُ ابنُ حمدان عن أهلِ هذه الطبقةِ: "وهذه صفةُ كثيرٍ مِن المتأخرين الذين رتَّبوا المذاهبَ، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف بها يشتغلُ الناسُ اليومَ غالبًا" (٦). وفتاوى أهلِ هذه الطبقةِ مقبولةٌ، لكنَّها لا تبلغُ درجةَ فتاوى أصحابِ الوجوه (٧)، ورُبَّما تطرّق أهلُ هذه الطبقةِ إلى تخريجِ قولٍ، أو استنباطِ وجهٍ واحتمالٍ (٨).

стр. 892

ويمكنُ جعلُ ما ذكره ابنُ حمدان في صدرِ الطبقةِ شروطًا مستقلةً لأهلِها. الطبقة الرابعة: يمثلها مَنْ يقومُ بحفظِ المذهبِ وفهمِه ونقلِه (١). وهل لأهلِ هذه الطبقةِ أن يخرِّجوا حكمَ ما لم ينصَّ عليه إمامُهم؟ يجيبُ ابنُ حمدان عن السؤالِ، فيقول: "وأمَّا ما (٢) يجده منقولًا في مذهبِه: فإنْ وَجَدَ في المنقولِ ما هذا في معناه، بحيثُ يدركُ مِنْ غيرِ فَضْلِ فكرٍ وتأمّلٍ أنَّه لا فارقَ بينهما - كما في الأَمةِ بالنسبة إلى العبدِ المنصوصِ عليه في إعتاقِ الشريكِ (٣) -: جازَ له إلحاقُه به، والفتوى به، وكذلك ما يُعلم اندراجُه تحتَ ضابطٍ و (٤) منقولٍ وممهدٍ في المذهبِ. وما لم يكنْ كذلك فعليه الإمساكُ عن الفتيا به" (٥). ولا يكون الشخصُ في هذه الطبقةِ إلا فقيهَ النفسِ؛ لأنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ونَقْلَ أحكامِها لا يقومُ به إلا فقيهُ النفس. ويكفي استحضارُ أكثرِ المذهبِ، مع قدرتِه على مطالعةِ بقيتِه (٦). وهنا سؤال، وهو: ما وجّه عدّ أرباب الطبقة الرابعةِ ضمن القسم الثاني: (المجتهدين في مذهب الإمام)؟ يمكن الجواب: بأنَّ إدراجَ أهلِ هذه الطبقة ضمن القسم الثاني: (المجتهدين في مذهب إمام المذهب): إمّا على سبيلِ المسامحةِ، وإمَّا لقيامِهم بالتخريجِ على فروعِ مذهبِهم في أحوال معينة.

стр. 893

هذه هي الطبقاتُ الأربع التي ذكرها ابنُ حمدان تحت القسم الثاني، وسأُعرجُ على ذكرِ القسمين: الثالث والرابع. القسم الثالث: المجتهد في نوعٍ من العلم (١). مَنْ عَرَفَ القياسَ وما يتصلُ به، جازَ له أنْ يُفتي في مسألةٍ قياسيةٍ، لا تتعلقُ بالحديثِ، ومَنْ عَرَفَ الفرائضَ، فله أنْ يُفتي فيها، وإنْ جَهلَ أحاديثَ النكاحِ مثلًا (٢). القسم الرابع: المجتهد في مسألة، أو مسائل (٣). مَنْ كان مجتهدًا في مسألةٍ أو مسائل، فليس له الفتوى في غيرِ ما اجتهدَ فيه. أمَّا فتواه في المسألةِ التي اجتهدَ فيها، فالأظهرُ عند ابنِ حمدان: جوازُ إفتائِه (٤)، وقالَ بعده: "ويحتملُ المنعُ؛ لأنَّه مظنّةُ القصورِ والتقصيرِ" (٥). وما أورده ابنُ حمدان في القسمين: الثالث، والرابع يمكنُ دخولُه في الطبقاتِ المندرجةِ تحتَ القسمِ الثاني (٦)؛ بدليلِ: ما قال ابنُ حمدان نفسُه عن الطبقةِ الثانيةِ: "يُوجَد مِن المجتهدِ المقيّد استقلالٌ بالاجتهادِ والفتوى في مسألةٍ خاصةٍ، أو بابٍ خاص، فيجوزُ له أنْ يفتي فيما لم يجدْه مِنْ أحكامِ الوقائعِ منصوصًا عليها عن إمامِه لما يخرّجه على مذهبِه، وعلى هذا العملُ" (٧). وقد تَبعَ المرداويُّ (٨)،

стр. 894

وابنُ النجارِ (١)، وابنُ منقورٍ (٢) ابنَ حمدان في التقسيمِ الذي أورده. المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم تطرَّقَ ابنُ القيّمِ إلى الحديثِ عن طبقاتِ الفقهاء - أو المفتين - ومِنْ ضمنِهم المتمذهبون، فقسّمهم إلى أربعِ طبقات: الطبقة الأولى: العالمُ بكتابِ لله، وسنةِ رسوله ﷺ ، وأقوالِ الصحابة ﵃، المجتهدُ في أحكامِ النوازلِ، الذي يقصدُ موافقةَ الأدلة الشرعية حيثُ كانتْ، ولا ينافي اجتهادُه تقليدَ غيرِه أحيانًا (٣). وأهل هذه الطبقة غيرُ داخلين في حديثي هنا؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهبِ عنهم. الطبقة الثانية: مجتهدٌ مقيّدٌ في مذهبِ مَنْ ائتمَّ به (٤). الفقيه مِنْ أهلِ هذه الطبقة مجتهدٌ في معرفةِ فتاوي إمامِه وأقوالِه، ومآخذِه وأصولِه، عارفٌ بها، متمكّنٌ مِن التخريجِ عليها، وقياس ما لم ينصَّ إمامُه على حكمِه على ما نصَّ عليه، مِنْ غير أنْ يكونَ مقلِّدًا لإمامِه في الحكمِ، ولا في الدليلِ، لكنْ سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ والفتيا، ودعا

стр. 895

إلى مذهبِه، ورتَّبَه وقرَّره، فهو موافقُ له في مقصدِه وطريقِه معًا (١). يقولُ ابنُ القيّمِ عن هذه الطبقةِ: "وقد ادعى هذه المرتبة مِن الحنابلةِ القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي ابن أبي موسى في: (شرح الإرشاد) الذي له، ومِنْ الشافعيةِ خلقٌ كثيرٌ" (٢). ثمَّ ذَكَرَ خلافَ العلماءِ في أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وزفر، وأشهب، وابنِ عبدِ الحكم (٣)، وابنِ القاسم، وابنِ وهب، والمزني، وابنِ سريجٍ، وابنِ المنذرِ، ثمَّ قالَ: "ومَنْ تَأمَّل أحوالَ هؤلاءِ وفتاويهم واختياراتهم، عَلِمَ أنَّهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتِهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهرُ مِنْ أنْ يُنْكَر، وإنْ كان منهم المستقلُّ والمستكثرُ، ورتبةُ هؤلاءِ دون رتبةِ الأئمةِ في الاستقلالِ بالاجتهادِ" (٤). الطبقة الثالثة: مجتهدٌ في مذهبِ إمامِه، مقررٌ له بالدليلِ، متقنٌ لفتاويه، عالمٌ بها، لا يتعدى أقوالَ إمامِه، ولا يخالفها، وإذا وَجَدَ نصَّ إمامِه لم يعدلْ عنه إلى غيرِه البتة (٥).

стр. 896

يقولُ ابنُ القيِّمِ: "هذا شأنُ أكثرِ المصنفين في مذاهبِ أئمتِهم، وهو حالُ أكثرِ علماءِ الطوائفِ، وكثيرٌ منهم يظنُّ أنَّه لا حاجةَ به إلى معرفةِ الكتاب والسنةِ والعربيةِ؛ لكونِه مجتزيًا بنصوصِ إمامِه ... وقد يَرَى إمامَه ذَكَرَ حُكْمًا بدليلِه، فيكتفي هو بذلك الدليلِ مِنْ غيرِ بحثٍ عن معارضٍ له، وهذا شأنُ كثيرٍ مِن أصحابِ الوجوه والطرقِ، والكتب المطولَّةِ والمختصرةِ، وهؤلاءِ لا يدَّعون الاجتهادَ، ولا يُقِرونَ بالتقليدِ" (١). ثم بيّنَ ابنُ القيّمِ أنَّ كثيرًا مِنْ أصحابِ هذه المرتبة مِنْ مختلفِ المذاهب يقولون: اجتهدنا في المذاهب، فرأينا أقربَها للحقِّ مذهبَ إمامِنا! (٢). الطبقة الرابعة: طائفةٌ تَفَقّهَتْ في مذهب مَن انتسبتْ إليه، وحفظتْ فتاويه وفروعَه، وأقرَّتْ على أنفسِها بالتقليدِ المَحضِ مِنْ جميعِ الوجوه (٣). وقد رَمى ابنُ القيّمِ بعضَ أربابِ هذه الطبقةِ بالتعصب لأقوالِ إمامِهم، فَذَكَرَ بعضَ صورِ التعصبِ التي وقعوا فيها (٤). وقد تَبعَ ابنُ القيّمِ ابنَ الصلاحِ في منهجِه في تقسيمِ الطبقات، لكنَّه طوى طبقةَ أهلِ التخريجِ - أصحاب الوجوه والطرق - وطبقةَ أهلِ الترجيحِ في طبقةٍ واحدة، وهي الطبقةُ الثالثةُ: (المجتهد في مذهب من انتسب إليه) (٥). وتَبعَ الدكتورُ عبدُ العزيز الربيعة ابنَ القيّمِ فيما ذَكَرَه مِن الطبقاتِ (٦).

стр. 897

المسألة الرابعة: تقسيم ابنه كمال باشا اشتهرَ تقسيمُ ابنِ كمال باشا (١) عند علماءِ الحنفيةِ الذين أتوا بعده، وكان منهم المؤيّدُ، ومنهم المعارضُ، ولا يبعدُ القولُ بأنَّ تقسيمَ ابن كمال أشهرُ التقسيماتِ عند علماءِ الحنفيةِ. يقولُ الدكتورُ محمد أحمد علي عن تقسيمِ ابنِ كمال: "هذا التقسيمُ أوسعُ انتشارًا، وأكثرُ قبولًا" (٢). وقد جَعَلَ ابنُ كمال باشا الطبقاتِ سبعًا بما في ذلك طبقة المجتهدين، وسأُوردُ الطبقات، ثمَّ أعقبها بما أُورد عليها مِن اعتراضات. الطبقة الأولى: المجتهدون في الشرع (٣). ومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقة بالأئمةِ الأربعةِ، ومَنْ سَلَكَ مسلكَهم في تأسيسِ قواعدِ الأصولِ، واستنباطِ أحكامِ الفروعِ عن الأدلةِ الأربعةِ: الكتاب والسنة والإجماع والقياس على حسبِ تلك القواعدِ، مِنْ غيرِ تقليدٍ لأحدٍ في الفروعِ، ولا في الأصولِ (٤).

стр. 898

وأهلُ هذه الطبقة غيرُ داخلين في طبقاتِ المتمذهبين؛ للقطعِ بانتفاءِ وصفِ التمذهبِ عنهم. الطبقة الثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهبِ (١). ومثَّل ابنُ كمال للطبقةِ الثانيةِ بأبي يوسفَ ومحمدِ بنِ الحسن وسائر أصحابِ أبي حنيفةَ القادرين على استخراج الأحكامِ عن الأدلةِ على مقتضى القواعدِ التي قررها إمامُهم أبو حنيفةَ، وإنْ خالفوه في بعضِ أحكامِ الفروعِ، لكنهم يقلِّدونه في قواعدِ الأصولِ (٢). وبتمذهب أهلِ هذه الطبقة في الأصولِ فارقوا أئمةَ المذاهبِ الأخرى، كالإمامِ مالكٍ والإمامِ الشافعي والإمامِ أحمدَ المخالفين لأبي حنيفةَ في الأصولِ والفروعِ (٣). وأهلُ هذه الطبقة، بناءً على ما قرره ابنُ كمال باشا - بغضِّ النظرِ عمَّنْ مثّلَ بهم - متمذهبون في الأصولِ دونَ الفروع، وتمذهبُهم في الفروعِ تمذهبٌ بالاسمِ فقط. الطبقة الثالثة: المجتهدون في المسائلِ التي لا روايةَ فيها عن أصحابِ المذهبِ (٤). ومثل ابنُ كمال لهذه الطبقة بالخصَّافِ (٥) وأبي جعفرٍ الطحاوي وأبي

стр. 899

الحسنِ الكرخي وشمسِ الأئمةِ الحلواني (١) وأبي بكرِ السرخسي وفخرِ الدين البزدوي وفخرِ الدّينِ قاضي خان (٢)، وأمثالِهم؛ فإنَّهم لا يقدرونَ على المخالفةِ لشيخٍ لا في الأصولِ، ولا في الفروعِ، ولكنَّهم يستنبطون الأحكامَ في المسائلِ التي لا نصَّ عنه فيها، حسب أصولِ قررها، ومقتضى قواعد بَسَطَها (٣). يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة معلِّقًا على أهلِ هذه الطبقةِ: "هذه الطبقةُ هي التي خَدَمت الفقهَ الحنفي؛ إذ هي التي وَضَعَت الأسسَ لنموِه، والتخريج عليه، والبناء على أقوالِه، وهي التي وَضَعَتْ أُسسَ الترجيحِ فيه، والمقايسة بين الآراء، وتصحيح بعضِها وتضْعِيف الآخر، وهي التي ميزت الكيانَ الفقهي للمذهبِ الحنفي" (٤).

стр. 900

الطبقة الرابعة: أصحابُ التخريجِ من المقلِّدين (١). ومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقة بالرازي وأمثالِه؛ فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهادِ أصلًا، لكنَّهم؛ لإحاطتِهم بالأصولِ، وضبطهم للمآخذِ يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحُكمٍ مُبْهَم (٢) محتملٍ لأمرين، منقولٍ عن صاحبِ المذهب، أو عن واحدٍ مِنْ أصحابِه المجتهدين، برأيهم ونَظَرِهم في الأصولِ وَالمقايسة على أمثالِه ونظرائه مِن الفروعِ، وقولُ بعضِ الحنفيةِ: "كذا في تخريجِ الكرخي، وتخريجِ الرازي"، مِنْ هذا القبيلِ (٣). الطبقة الخامسة: أصحابُ الترجيحِ مِن المقلِّدين (٤). ومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقةِ بأبي الحسين القدوري وصاحب الهداية (٥)، وأمثالِهما، وشَأْنُهم تفضيلُ بعضِ الرواياتِ على بعضٍ، بقولِهم: هذا أولى (٦)، وهذا أصحُّ روايةً، وهذا أرفق للناسِ (٧). الطبقة السادسة: المقلِّدون القادرون على التمييزِ بين الأقوى والقوي

стр. 901

والضعيف، وظاهرِ المذهبِ وظاهرِ الروايةِ والروايةِ النادرةِ (١). ومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقةِ بأصحاب المتونِ المعتبرةِ مِن المتأخرين، مثل: صاحب الكنزِ (٢) وصاحبِ المختارِ (٣) وصاحب الوقايةِ (٤) وصاحبِ المجمعِ (٥)، وشَأْنُهم أنْ لا ينقلوا في كتبِهم الأقوالَ المردودةَ، والرواياتِ الضعيفةَ (٦). الطبقة السابعة: المقلِّدون الذين لا يقدرون على ما ذُكِرَ، ولا يُفرّقون بين الغثِّ (٧) والسمين، ولا يميّزون بين الشمالِ واليمينِ، بلْ يجمعونَ ما يجدون، كحاطبِ ليلٍ، فالويلُ لهم، ولمنْ قلَّدهم كلّ الويلِ (٨).

стр. 902

يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة عن الطبقةِ السابعةِ: "إنَّ هذا الصنفَ ... قد كَثُرَ في العصورِ الأخيرةِ، فهم يتعبَّدون بعبارةِ الكتبِ لا يتجاوزن ما فيها، ولا يميزون بين الأدلةِ، ولا الأقوالِ والراوياتِ" (١). هذه هي طبقاتُ الفقهاءِ التي أوردها ابنُ كمال باشا، وقد تباينت مواقفُ العلماءِ - وخاصةً علماء الحنفية - تجاه هذا التقسيمِ، فكان هناك موقفان: الموقف الأول: موقفُ المؤيدين - أو المعتمدين - لتقسيم ابن كمال باشا. الموقف الثاني: موقف المنتقدين لتقسيم ابن كمال باشا. الموقف الأول: موقفُ المؤيدين - أو المعتمدين - لتقسيم ابن كمال باشا. أيّدَ بعضُ العلماءِ تقسيمَ ابنِ كمال باشا، بلْ نصَّ بعضُهم على استحسانِه، وأورده آخرون دونَ اعتراضٍ عليه، وذكره آخرون دونَ إشارةٍ إلى نسبتِه إلى ابنِ كمال باشا. فممّنْ ذَكَرَ تقسيمَ ابنِ كمال باشا: طاش كبري زاده (٢)، والكفويُّ (٣) -

стр. 903

دونَ إشارةٍ منهما إلى ابن كمال باشا - وتقيُّ الدّينِ التميمي (١)، وقالَ عنه: "تقسيمٌ حسنٌ جدًّا" (٢)، وابنُ عابدين (٣)، وعلوي بن أحمد السقاف (٤)، ومحمدٌ حسنين مخلوف المالكي (٥)، والدكتورُ محمد شلبي (٦)، والدكتورُ بدران أبو العينين - ونسب التقسيمَ إلى ابن عابدين (٧) - والدكتورُ محمد أحمد علي (٨)، ومحمدٌ تقي العثماني (٩)، والدكتورُ محمد محروس المدرس، دون إشارة منه إلى ابن كمال باشا (١٠). يقولُ الشيخُ محمد تقي العثماني بعدما ذَكَرَ طبقاتِ ابنِ كمال باشا: "إنَّ بعضَ الناسِ يزعمون أنَّ هذه الطبقات السبعة أقسامٌ متباينةٌ لا تجتمعُ في شخصٍ واحدٍ، فمَنْ كان مِنْ أهلِ الترجيحِ لا يكون مِنْ أهلِ التخريجِ، ومَنْ كان مِنْ أهلِ التخريجِ لا يكون مجتهدًا في المسائل. لكن الذي ظَهَرَ لهذا العبدِ الضعيفِ - عفا اللهُ عنه - هو أنَّ هذه الأقسامَ للوظائفِ، لا للأشخاصِ، والمراد أنَّ وظائفَ الفقهاءِ تنقسم إلى

стр. 904

هذه الأقسام السبعة، ولا يستلزمُ مِنْ ذلك أنْ لا يكون الرجلُ يتولى جميع هذه الوظائف، أو بعضها في وقتٍ واحدٍ ... لذا ذكروا أبا جعفر الطحاوي ﵀ أهل (١) الاجتهاد في المسائل، ثم عدّه بعضُهم مِنْ أصحابِ التخريجِ" (٢). ومع وجاهة ما قاله الشيخ محمد العثماني، إلا أنَّ بعضَ النقدِ - كما سيأتي بعد قليل - موجَّه إلى تداخلِ بعضِ الطبقاتِ، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإنَّ ابنَ كمال باشا قد نَعَتَ جملةً مِن الفقهاءِ بأنّ مِنْ شأنِهم كذا، ولا يقدرون على كذا (كما في الطبقةِ السابعة) ممَّا يعني أنَّهم عنده مِنْ أهلِ تلك الطبقةِ، دونَ غيرِها مِن الطبقاتِ (٣). الموقف الثاني: موقف المنتقدين لتقسيم ابن كمال باشا. انتقدَ جمعٌ مِنْ علماءِ المذهبِ الحنفي تقسيمَ ابنِ كمال، ومِنْ هؤلاءِ: شهابُ الدّينِ المرجاني (٤)، فقد جَرَحَ التقسيمَ، وعلَّق على ثناءِ تقيّ الدين التميمي على التقسيم بأنَّه "تقسيمٌ حسنٌ جدًّا" (٥)، فقالَ: "بلْ هو بعيدٌ عن الصحةِ بمراحل، فضلًا عن حسنِه جدًّا، فإنَّه تحكماتٌ باردةٌ، وخيالاتٌ

стр. 905

فارغةٌ، وكلماتٌ لا روحَ لها، وألفاظٌ غيرُ محصِّلةِ المعنى، ولا سلفَ له في ذلك المدَّعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى" (١). وانتقد تقسيمَ ابنِ كمال أيضًا: عبدُ الحي اللكنوي (٢)، ومحمد بخيت المطيعي (٣)، ومحمد الكوثري (٤)، ومحمد أبو زهرة (٥)، والدكتور يعقوب الباحسين (٦). والنقدُ الموجه إلى طبقاتِ ابن كمالِ باشا يسير في اتجاهين: الاتجاه الأول: النقدُ الموجّه إلى تقسيمِ الطبقاتِ، وترتيبِها. الاتجاه الثاني: النقدُ الموجّه إلى توزيعِ الفقهاءِ على الطبقات (٧). الاتجاه الأول: النقدُ الموجّه إلى تقسيمِ الطبقاتِ، وترتيبِها. وجّه عددٌ مِن علماءِ الحنفيةِ نقدَهم إلى تقسيمِ طبقاتِ ابن كمال باشا، فذكروا الآتي:

стр. 906

أولًا: يرى الشيخُ محمدٌ أبو زهرة أنَّ عدَّ أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وزفر مِنْ أهلِ الطبقةِ الثانيةِ، محلُّ نظرٍ - كما سيأتي بعد قليلٍ - وبناءً عليه، فإذا كان لا يُوجَد في الطبقة الثانيةِ إلا هم وأمثالهم، فليس لهذه الطبقةِ وجودٌ في المذهبِ الحنفي؛ لأنَّ أبا يوسف ومحمدًا، وأمثالهما مجتهدون مستقلون كلّ الاستقلالِ، ولهم مِثْلُ ما لشيخهم أبي حنيفةَ مِنْ آراء، وإنْ كان له فضلُ السبقِ والتعليمِ (١). ثانيًا: انتقدَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة - أيضًا - الفَصْلَ بين الطبقتين: الثالثة والرابعة، وعلّلَ لذلك، فقالَ: "إنَّ الفرقَ بين الطبقةِ الرابعةِ، وسابقتها دقيقٌ لا يكادُ يستبين، ومَنْ عدَّهما طبقةً واحدةً لا يعدو الحقيقة؛ لأنَّ الترجيحَ بين الآراءِ على مقتضى الأصولِ لا يقل وزنًا عن استنباطِ أحكامِ فروعٍ لم تُؤْثَر لها أحكامٌ عن الأئمةِ" (٢). فأصحابُ التخريجِ الذين عدّهم ابنُ كمال باشا الطبقة الرابعة، هم المجتهدون في المسائل التي لا روايةَ فيها عن إمام المذهب الذين عدّهم طبقةً ثالثةً. ثالثًا: لمَّا ذَكَرَ ابنُ كمال الطبقةَ الرابعةَ: (أصحاب التخريج)، جَعَلَ عملَهم تفصيلَ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحُكمٍ مُبْهَم محتمل لأمرين ... وانتقد جمعٌ مِن العلماءِ صنيعَه؛ لأنَّ عملَ أهلِ الطبقةِ الرابعة على هذا الوصفِ، لا يتضحُ معه الفرقُ بينهم، وبين عملِ أهلِ الطبقةِ الخامسةِ: (أصحاب الترجيح)؛ لأنَّ عملَ أهلِ الطبقةِ الرابعةِ مِنْ قبيلِ الترجيحِ (٣). يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "إنَّه لكي تكون الأقسامُ متميزةً غيرَ متداخلة، يجب حذفُ طبقةٍ مِنْ هذه الطبقات الثلاث، وهي: الثالثةُ والرابعةُ

стр. 907

والخامسةُ، واعتبارهما طبقتين اثنتين: إحداهما: طبقة المخرِّجين ... والثانية: طبقة المرجِّحين ... " (١). لكنْ يمكنُ التفريقُ بين الطبقتين: الرابعةِ والخامسةِ، وبيانُ ذلك: أنَّ وظيفةَ أرباب الطبقةِ الرابعةِ هي توضيح قولٍ واحدٍ فقط، أمَّا الطبقة الخامسة، فوظَيفةُ أهلِها هي الترجيحُ بين عدّةِ أقوال. رابعًا: لا يتضحُ فرقٌ ظاهرٌ بين الطبقةِ الخامسةِ، والطبقةِ السادسةِ؛ لأنَّ أصحابَ الطبقةِ السادسةِ إذا كانوا قادرين على التمييزِ بين الأقوى والقوي والضعيفِ، وظاهرِ المذهب والروايةِ النادرةِ، فهم مِنْ أهل الترجيحِ الذين عدَّهم ابنُ كمال باشا في الطَبقةِ الخامسةِ (٢). لكنَّ الشيخَ محمدًا أبو زهرة قرّر الفرقَ بين الطبقتين - فلا يَرِدُ الإشكالُ بناءً على تفريقِه بينهما - إذ جَعَلَ أهلَ الطبقةِ السادسةِ: (الذين لا يرجحون بين الأقوالِ والرواياتِ) على علمٍ بما رجّحَه السابقون، واختاروه، وبيّنوا أنَّه الأقوى، ومعرفةُ ما رجَّحه العلماءُ، والموازنة بين ترجيحِ المرجِّحين مِنْ حيثُ قوةُ الدليلِ، أو كثرةُ العددِ أمرٌ سهلٌ، فعملُ الطبقةِ السادسةِ ليس الترجيحِ، ولكنْ معرفةُ ما رُجِّحَ، وترتيب درجاتِ الترجيحِ (٣). خامسًا: عقّبَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة على وصفِ أهلِ الطبقةِ السابعةِ بأنَّهم لا يُفرّقون بين الغثِّ والسمين، ولا يميزون بين الشمالِ واليمين ... بقولِه: "لستُ أدري إذا كان هؤلاءِ على ذلك الوصفِ، فكيفَ يُعدون مِن الفقهاء؟ ! إنَّهم نقلة، إنْ أردنا أنْ نرفقَ بهم في الاسمِ" (٤).

стр. 908

ويمكنُ القول بأنَّ مرادَ ابن كمال باشا بالفقهاءِ ما يشملُ كلَّ مِن انتسبَ إلى الفقهِ؛ وأهلُ الطبقةِ السابعة ممَّنْ ينتسبُ إلى الفقهِ. الاتجاه الثاني: النقدُ الموجه إلى توزيعِ الفقهاءِ على الطبقاتِ. لمَّا ذَكَرَ ابنُ كمال باشا طبقاتِ الفقهاءِ أَرْدَفَ أغلبَها بذكرِ أمثلةٍ لها مِنْ علماءِ المذهبِ الحنفي، ورأى بعضُ علماءِ الحنفيةِ أنَّ بعضَ علمائهم أُنزِلوا في طبقةٍ دونَ التي يستحقونها. وسأوجزُ الحديثَ هنا؛ لأنَّه لا يعدو أنْ يكونَ اختلافًا في وجهاتِ النظرِ إلى بعضِ العلماءِ، إضافةً إلى قلِّةِ الثمرةِ المرجوةِ وراءه. أولًا: عدَّ ابنُ كمال باشا أبا يوسفَ ومحمدًا وسائرَ أصحاب أبي حنيفة مقلِّدين للإمامِ أبي حنيفةَ في أصولِه. ولم يُسلِّمْ لابنِ كمال جمعٌ مِنْ علماءِ الحنفيةِ؛ لأنَّ لبعضِ أصحابِ الإمامِ أبي حنيفةَ أصولًا مختصة بهم، تفردوا بها عن الإمامِ أبي حنيفة، وخالفوه فيها (١)، ومَنْ يدرسُ حياتهم العلميةَ سيجدُ أنَّه يبعدُ وصفُهم بالتقليدِ لإمامِهم في أصولِه، فبعضُهم لم يكتفِ بالإمامِ أبي حنيفة، بلْ دَرَسَ على غيرِه مِن الأئمةِ (٢)، مع العلمِ أن الأصولَ لم تحرّرْ تحريرًا كاملًا في عهدِ الإمامِ أبي حنيفة، حتى يُقال: إنَّ أصحابَه تلقوها عنه، واتَّبعوه فيها، وإنَّما كانت الأصولُ تراعى عند الاستنباطِ، ولا تُلقى إلقاءً (٣). يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "إنَّ أبا يوسف ومحمدًا وزفرَ - وغيرَهم

стр. 909

من الأصحاب - كانوا مستقلين في تفكيرِهم الفقهي كلّ الاستقلالِ، وما كانوا مقلِّدينَ لشيخِهم بأيّ نحوٍ مِن نواحي التقليدِ. وكونهم درسوا آراءَه، أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أُوْلى دراساتِهم عليه، لا يمنعُ استقلالَ تفكيرِهم، وحريةَ اجتهادِهم؛ وإلا لكانَ مَنْ يتلقى على شخصٍ لا بُدَّ أنْ يكونَ مقلِّدًا له، وتنتهي القضيةُ لا محالةَ إلى أنْ تنزلَ بأبي حنيفةَ نفسِه عن مرتبةِ المجتهدين المستقلين؛ فإنَّه ابتدأَ دراساته بتلقي فقه إبراهيمَ النخعي على شيخِه حماد بنِ أبي سليمان (١)، وكانَ كثيرَ التخريجِ عليه ... وإذا كانت الأصولُ التي بُنِيَ عليها الاستنباطُ عند هؤلاءِ التلاميذِ وشيخِهم متحدةً في أكثرِها، فليستْ متحدةً في كلِّها، وحسبهم تلك المخالفة؛ لتَثْبُتَ لهم صفةُ الاستقلالِ" (٢). ثانيًا: جعل ابنُ كمال الخصَّافَ، والطحاويَّ، والكرخيَّ مِنْ أهلِ الطبقةِ الثالثةِ. ولم يؤيّدْ هذا التوزيع بعضُ علماءِ الحنفيةِ، وعدّوه بخسًا لقدرِ هؤلاءِ الفقهاءِ (٣)؛ إذ لهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروعِ خالفوا فيها إمامَهم أبا حنيفةَ (٤).

стр. 910

يقولُ شهابُ الدّينِ المرجاني: "إنَّ قولَه - أي: ابن كمال باشا - في الخصَّافِ والطحاويّ والكرخيّ: إنَّهم لا يقدرون على مخالفةِ أبي حنيفةَ لا في الأصولِ، ولا في الفروعِ: ليس بشيءٍ؛ فإنَّ ما خالفوه فيه مِن المسائل لا يعدُّ ولا يحصى، ولهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروعِ، وأقوالٌ مستنبطةٌ بالقياسِ" (١). ويقولُ عبد الحي اللكنوي: "عدَّه - أي: الطحاوي - ابنُ كمال باشا، وغيرُه مِن طبقةِ مَنْ يقدرُ على الاجتهادِ في المسائلِ التي لا روايةَ فيها، ولا يقدرُ على مخالفةِ المذهبِ لا في الفروعِ ولا في الأصولِ، وهو منظورٌ فيه؛ فإنَّ له درجةً عاليةً، ورتبةً شامخةً، قد خالفَ بها صاحبَ المذهبِ في كثيرٍ مِنْ الأصولِ والفروعِ، ومَنْ طَالعَ: (شرحَ معاني الآثار)، وغيرَه مِنْ مصنفاتِه، يجدْه يختارُ خلافَ ما اختاره صاحبُ المذهب كثيرًا، إذا كان الدليلُ عليه قويًّا، فالحقُّ أنَّه مِن المجتهدين المنتسبين" (٢). ثالثًا: اعتيرَ بعضُ الحنفيةِ عدَّ ابن كمال باشا الجصاص الرازيَّ مِن المقلِّدين الذين لا يقدرون على الاجتهادِ أصلًا، تنزيلًا له عن مكانتِه الرفيعةِ، فإنَّ باعَه ممتدةٌ في الفقهِ وأصولِه، ومؤلفاتُه الفقهيةُ والأصوليةُ شاهدةٌ على هذه المكانةِ (٣). وقد التمسَ شهابُ الدّينِ المرجاني عذرًا لابنِ كمال في ذلك؛ بأنَّه

стр. 911

وَجَدَ في مؤلفاتِ الحنفيةِ قولَهم: "كذا في تخريجِ الرازي"، فَفَهِمَ مِنْه ابنُ كمال أنَّ وظيفةَ الرازي هي التخريجُ فقط (١). رابعًا: جَعَلَ ابنُ كمال باشا أبا الحسين القدوري، والمرغيناني (صاحب الهداية) مِن الطبقةِ الخامسةِ: (طبقة أصحاب الترجيح من المقلِّدين). وتُعُقِّب ذلك، بأنَّ أبا الحسين القدوري أعلى كعبًا في الفقهِ، وأطول باعًا مِنْ بعضِ مَنْ ذكرهم ابنُ كمال في الطبقةِ الثالثةِ - كالسرخسي والبزدوي وقاضي خان - فكيفَ يُعدّ هؤلاءِ مِن المجتهدين في المسائلِ، ولا يعدُّ القدوري منهم؟ ! (٢). وكذلك المرغيناني (صاحب الهداية) كيفَ تنزلُ مرتبته عن مرتبةِ قاضي خان؟ ! مع أنَّ المرغينانيَّ أقدرُ على الاجتهادِ منه (٣). يقولُ عبدُ الحي اللكنوي عن المرغيناني: "له في نقدِ الدلائلِ، واستخراجِ المسائل شأنٌ أفي شأنٍ، فهو أحقُّ بالاجتهادِ في المذهبِ، وعدُّه من المجتهدين في المذهبِ إلى العقلِ السليمِ أقربُ" (٤). خامسًا عدَّ ابنُ كمال أبا البركات النسفي (صاحب الكنز) من الطبقةِ السادسةِ (المقلِّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيفِ، وظاهرِ المذهبِ وظاهرِ الروايةِ والروايةِ النادرةِ ... ).

стр. 912

وقد تُعُقِّب في هذا، فدرجةُ أبي البركات مِن المجتهدين في المذهبِ (١). تلك هي أبرز الانتقادات التي وُجِّهَتْ إلى تقسيم ابن كمال باشا لطبقات الفقهاء، وبعضُ من انتقد ابن كمال اقترح تقسيمًا آخر سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى.

стр. 913

المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبين وفيه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة المسألة الثالثة: تقسيم الدكتور محمد الفرفور

стр. 914

توطئة لم يقتصر الاهتمامُ بذكرِ طبقاتِ العلماءِ - ومِن ضمنهم المتمذهبون - على مَنْ تقدّمَ مِنْ أهلِ العلمِ، فقد وُجِدَ لبعضِ العلماءِ المتأخرين والمعاصرين اهتمامٌ بذكرِ الطبقات، وكانتْ بعضُ هذه الجهود ناشئةً مِنْ نقدِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا. المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي قسَّمَ شاه ولي الله الدهلويُّ الفقهاءَ إلى أربعِ طبقات، ولا يُوصف أرباب بعض الأقسام المندرجةِ تحتَ الطبقاتِ بالتمذهبِ، وقد آثرتُ ذكرها موجزةً؛ ليكون الحديثُ مكتملًا. الطبقة الأولى: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا. وهذه الطبقة على قسمين: القسم الأول: المجتهد المستقل. القسم الثاني: المجتهد المنتسب إلى مجتهد مستقل (١). القسم الأول: المجتهدُ المستقل. ويُمَثّل لهذا القسمِ بالأئمةِ الأربعةِ، وللمجتهدِ في هذا القسمِ إضافةً إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، خصالٌ يمتازُ بها غيرِه من المجتهدين، وهي:

стр. 915

الخصلة الأولى: التّصرفُ في الأصولِ والقواعدِ التي بَنَى عليها اجتهادَه وفقهَه. الخصلة الثانية: جمعُ الآياتِ والأحاديثِ والآثارِ؛ لمعرفةِ الأحكامِ التي دلّتْ عليها، وسُبِق بالجواب فيها، وللتنبيه على مآخذِ الفقهِ منها، ولجمعِ مختلفها، ولترجيحِ بعضِها على بعضٍ. الخصلة الثالثة: الكلامُ في المسائلِ النازلةِ التي لم يُسْبَقْ بالجواب فيها، أخذًا مِن الأدلةِ. الخصلة الرابعة: أنْ يَنْزِلَ له القبولُ مِن الله تعالى، فيُقْبِل إلى عِلْمِه جماعاتٌ مِن العلماءِ مِن المفسرين والمحدثين والأصوليين والفقهاءِ، ويمضي على ذلك القبول (١). ولا يدخلُ أربابُ هذا القسمِ في المتمذهبين؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهب عنهم، واستقلالِهم بالاجتهادِ. القسم الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مجتهدٍ مستقل (٢). المجتهدُ في هذا القسم سلَّمَ لشيخِه الخصلةَ الأُولى، وجرى مجراه في الخصلةِ الثانيةِ (٣). يقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "المنتسب: مَنْ سلَّمَ أصولَ شيخِه، واستعانَ بكلامِه كثيرًا في تتبعِ الأدلةِ، والتنبيهِ للمآخذِ، وهو مع ذلك مستيقن (٤) الأحكام مِنْ قِبَلِ أدلتِها، قادرٌ على استنباطِ المسائلِ منها، قلَّ ذلك منه أو كَثُرَ" (٥).
следующие страницы →