وَجَدَ في مؤلفاتِ الحنفيةِ قولَهم: "كذا في تخريجِ الرازي"، فَفَهِمَ مِنْه ابنُ كمال أنَّ وظيفةَ الرازي هي التخريجُ فقط (١).
رابعًا: جَعَلَ ابنُ كمال باشا أبا الحسين القدوري، والمرغيناني (صاحب الهداية) مِن الطبقةِ الخامسةِ: (طبقة أصحاب الترجيح من المقلِّدين).
وتُعُقِّب ذلك، بأنَّ أبا الحسين القدوري أعلى كعبًا في الفقهِ، وأطول باعًا مِنْ بعضِ مَنْ ذكرهم ابنُ كمال في الطبقةِ الثالثةِ - كالسرخسي والبزدوي وقاضي خان - فكيفَ يُعدّ هؤلاءِ مِن المجتهدين في المسائلِ، ولا يعدُّ القدوري منهم؟ ! (٢).
وكذلك المرغيناني (صاحب الهداية) كيفَ تنزلُ مرتبته عن مرتبةِ قاضي خان؟ ! مع أنَّ المرغينانيَّ أقدرُ على الاجتهادِ منه (٣).
يقولُ عبدُ الحي اللكنوي عن المرغيناني: "له في نقدِ الدلائلِ، واستخراجِ المسائل شأنٌ أفي شأنٍ، فهو أحقُّ بالاجتهادِ في المذهبِ، وعدُّه من المجتهدين في المذهبِ إلى العقلِ السليمِ أقربُ" (٤).
خامسًا عدَّ ابنُ كمال أبا البركات النسفي (صاحب الكنز) من الطبقةِ السادسةِ (المقلِّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيفِ، وظاهرِ المذهبِ وظاهرِ الروايةِ والروايةِ النادرةِ ... ).
стр. 912
وقد تُعُقِّب في هذا، فدرجةُ أبي البركات مِن المجتهدين في المذهبِ (١).
تلك هي أبرز الانتقادات التي وُجِّهَتْ إلى تقسيم ابن كمال باشا لطبقات الفقهاء، وبعضُ من انتقد ابن كمال اقترح تقسيمًا آخر سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى.
стр. 913
المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبين
وفيه ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي
المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة
المسألة الثالثة: تقسيم الدكتور محمد الفرفور
стр. 914
توطئة
لم يقتصر الاهتمامُ بذكرِ طبقاتِ العلماءِ - ومِن ضمنهم المتمذهبون - على مَنْ تقدّمَ مِنْ أهلِ العلمِ، فقد وُجِدَ لبعضِ العلماءِ المتأخرين والمعاصرين اهتمامٌ بذكرِ الطبقات، وكانتْ بعضُ هذه الجهود ناشئةً مِنْ نقدِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا.
المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي
قسَّمَ شاه ولي الله الدهلويُّ الفقهاءَ إلى أربعِ طبقات، ولا يُوصف أرباب بعض الأقسام المندرجةِ تحتَ الطبقاتِ بالتمذهبِ، وقد آثرتُ ذكرها موجزةً؛ ليكون الحديثُ مكتملًا.
الطبقة الأولى: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا.
وهذه الطبقة على قسمين:
القسم الأول: المجتهد المستقل.
القسم الثاني: المجتهد المنتسب إلى مجتهد مستقل (١).
القسم الأول: المجتهدُ المستقل.
ويُمَثّل لهذا القسمِ بالأئمةِ الأربعةِ، وللمجتهدِ في هذا القسمِ إضافةً إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، خصالٌ يمتازُ بها غيرِه من المجتهدين، وهي:
стр. 915
الخصلة الأولى: التّصرفُ في الأصولِ والقواعدِ التي بَنَى عليها اجتهادَه وفقهَه.
الخصلة الثانية: جمعُ الآياتِ والأحاديثِ والآثارِ؛ لمعرفةِ الأحكامِ التي دلّتْ عليها، وسُبِق بالجواب فيها، وللتنبيه على مآخذِ الفقهِ منها، ولجمعِ مختلفها، ولترجيحِ بعضِها على بعضٍ.
الخصلة الثالثة: الكلامُ في المسائلِ النازلةِ التي لم يُسْبَقْ بالجواب فيها، أخذًا مِن الأدلةِ.
الخصلة الرابعة: أنْ يَنْزِلَ له القبولُ مِن الله تعالى، فيُقْبِل إلى عِلْمِه جماعاتٌ مِن العلماءِ مِن المفسرين والمحدثين والأصوليين والفقهاءِ، ويمضي على ذلك القبول (١).
ولا يدخلُ أربابُ هذا القسمِ في المتمذهبين؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهب عنهم، واستقلالِهم بالاجتهادِ.
القسم الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مجتهدٍ مستقل (٢).
المجتهدُ في هذا القسم سلَّمَ لشيخِه الخصلةَ الأُولى، وجرى مجراه في الخصلةِ الثانيةِ (٣).
يقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "المنتسب: مَنْ سلَّمَ أصولَ شيخِه، واستعانَ بكلامِه كثيرًا في تتبعِ الأدلةِ، والتنبيهِ للمآخذِ، وهو مع ذلك مستيقن (٤) الأحكام مِنْ قِبَلِ أدلتِها، قادرٌ على استنباطِ المسائلِ منها، قلَّ ذلك منه أو كَثُرَ" (٥).
стр. 916
ويقولُ - أيضًا -: "انقرضَ المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ في مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ بعد المائة الثالثة" (١).
وظاهرُ صنيعِ الدهلوي حينَ مثّلَ للقسمِ الأولِ بالأئمةِ الأربعةِ، أنَّه يرى اندراجَ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ في القسمِ الثاني - وقد مثّل لهذا القسمِ بكبارِ العلماءِ مِن الشافعيةِ (٢) - فمن انتقدَ ابنَ كمال باشا حين عدَّ أصحاب الإمام أبي حنيفة، كأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن وزفر مِن المجتهدين المقلِّدين له في أصولِه، فإنَّ نقدَه يتوجّه إلى الدهلوي (٣).
ويعدُّ المجتهدُ في القسيم الثاني مِن المتمذهبين في الأصولِ دونَ الفروعِ، وتمذهبُه في الفروعِ تمذهبٌ اسمي.
الطبقة الثانية: المجتهدُ في المذهبِ (٤).
المجتهدُ في هذه الطبقةِ سلَّمَ لشيخِه الخصلتين: الأُولى والثانية المتقدم ذكرهما قبلَ قليل، وجَرَى مجراه في التفريعِ على منهاجِ تفاريعه (٥)، فهو مقيّدٌ بالمذهبِ متَّبعٌ لإمامِه في جُلِّ ما يجدُ فيه نصَّه، حافظٌ لأصولِه وفروعِه (٦).
وقد سمَّى الدهلويُّ المجتهدَ في هذه الطبقةِ بالمخرِّجِ (٧)، وقالَ عنه: "هو مقلِّدٌ لإمامِه فيما ظَهَرَ فيه نصُّه، لكنَّه يَعْرِفُ قواعدَ إمامِه، وما بَنَى عليها مذهبه، فإذا وقعتْ حادثةٌ لم يَعْرِفْ لإمامِه نَصًّا فيها، اجتهد على مذهبِه، وخرَّجها مِنْ أقوالِه، وعلى منوالِه" (٨).
стр. 917
والواجبُ على المجتهدِ في هذه الطبقةِ:
أولًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ عِلْمِ السننِ والآثارِ ما يحترزُ به مِنْ مخالفةِ الحديثِ الصحيحِ، واتفاقِ السلفِ (١).
ثانيًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ دلائلِ الفقه ما يُعِيْنُه على معرفةِ مآخذِ أصحاب مذهبِه في أقوالِهم (٢).
والمجتهدُ في هذه الطبقةِ إلى جانب ممارستِه للتخريج في مذهبِه، فإنّه يختارُ مِنْ أقوالِ الإمام أبي حنيفةَ وأصحَابه المجتهدين ممَّا اختلفوا فيه، ما هو أقوى دليلًا، وأقيسُ تعليلًا، وما كان أرفقَ بالناس (٣).
الطبقة الثالثة: مجتهد الفتيا (٤).
وهو الذي حَفِظَ المذهبَ وأتقنه، وتبحَّر فيه، وتمكن مِنْ تَرْجِيحِ قولٍ على آخر، ووجهِ مِنْ أوجهِ الأصحابِ على غيرِه (٥).
والشروطُ الواجبُ اجتماعها على المجتهدِ في هذه الطبقة:
١ - أنْ يكونَ صحيحَ الفهمِ.
٢ - أنْ يكونَ عارفًا بالعربيةِ وأساليبِ الكلامِ.
٣ - أن يكونَ عارفًا بمراتبِ الترجيحِ.
٤ - أنْ يكونَ متفطنًا لمعاني كلامِ علماءِ مذهبِه، بحيثُ لا يخفى عليه غالبًا تقييدُ ما يكون مطلقًا في الظاهر، والمرادُ منه المقيّد، وإطلاقُ ما يكون مقيّدًا في الظاهرِ، والمراد منه المطلق، ونحو هذا (٦).
стр. 918
الطبقة الرابعة: المقلِّدُ الصِرْفُ (١).
وهو من لم يبلغْ درجةَ الطبقة الثالثة، وإنَّما يعملُ بفتوى علماءِ مذهبِه (٢).
هذه هي الطبقات التي أوردها شاه ولي الله الدهلوي، والتي تدخلُ منها في دائرة التمذهب: القسمُ الثاني من الطبقة الأولى، والطبقات: الثانية، والثالثة، والرابعة.
المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة
كانَ للشيخِ محمد أبو زهرة جهدٌ واضحٌ في نقدِ الطبقاتِ التي ذَكَرَها ابنُ كمال باشا - وإنْ كانَ نقدُ الشيخ أبو زهرة متوجهًا إلى ما ذكره ابنُ عابدين، فلعله لم يطلعْ على ما قاله ابنُ كمال باشا - وقد انتهى نقدُه إلى أن تكونَ طبقاتُ العلماء - ومن ضِمنهم المتمذهبون - خمسًا؛ إذ إنَّه حَذَفَ الطبقةَ السابعةَ، ودَمَجَ الطبقاتِ: الثالثة والرابعة والخامسة، وجعلها في طبقتين، ولذا قد يوجد شيءٌ من التكرار مع ما ذكرتُه في المسألةِ الرابعةِ من المطلبِ الأولِ.
الطبقة الأولى: المجتهدونَ المستقلونَ في الاجتهادِ (٣).
أهلُ هذه الطبقةِ يستخرجون الأحكامَ من مصادرِها، كالكتابِ والسنةِ وسائرِ الأدلة التي يَرَوْنَها، وليسوا تابعين لأحدٍ، ويرسمون المناهجَ لأنفسِهم، ويفرِّعون عليها الفروعَ التي يرونها (٤).
стр. 919
ويُمَثّل لهذه الطبقة بـ: الأئمةِ الأربعةِ، والإمامِ الأوزاعي، والإمامِ الليث بن سعد، وتلاميذِ الإمامِ أبي حنيفةَ (١).
ولا يدخلُ أهلُ هذه الطبقةِ في دائرةِ التمذهبِ؛ لتحققِ وصفِ الاجتهادِ لهم، إلا ما يكون مِنْ انتساب بعضِهم إلى إمامِه، فيكونون متمذهبين بالاسمِ، دونَ الحقيقةِ.
الطبقة الثانية: المجتهدون المنتسبون (٢).
وهم الذين اختاروا ما قرره إمامُهم بالنسبةِ إلى أصولِ الاستنباطِ، وخالفوه في الفروعِ، فقد ينتهي المجتهدُ في هذه الطبقة إلى خلافِ ما قرره إمامُه، وإنْ كان الغالبُ على الأحكامِ التي توصل إليها مشابهتَها إلى ما توصّلَ إليه إمامُه (٣).
وأهلُ هذه الطبقة في الغالبِ هم ممَّن لهم صحبةٌ وملازمةٌ للإمامِ (٤).
ويمثل لهذه الطبقة مِن المذهب الحنفي: بخالد بن يوسف السمني (٥)، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومن المذهب الشافعي: بالمزني، ومن المذهب المالكي: بابنِ القاسمِ، وأشهب، وابنِ وهبٍ (٦).
стр. 920
وخَتَمَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه عن هذه الطبقةِ قائلًا: "الخلاصةُ أن هذه الطبقةَ تتقيّدُ بالمنهاجِ المذهبي، وتجتهدُ في الفروعِ، وتخالفُ فيها الإمامَ أو توافقه، فتجتهدُ فيما اجتهدَ فيه، وما لم يجتهدْ، وسُمِّي هؤلاءِ منتسبين؛ لأنَّهم منتسبون لمذهبٍ معيَّنٍ، وإنْ لم يتقيدوا بفروعِه" (١).
وأهلُ هذه الطبقة متمذهبون في الأصولِ، دونَ الفروعِ، وتمذهبُهم في الفروعِ تمذهبٌ اسمي.
الطبقة الثالثة: المخرِّجون (٢).
يتبعُ أهلُ هذه الطبقةِ إمامَ المذهبِ فيما أُثِرَ عنه مِنْ فروعٍ وأصولٍ، فلا يخالفونه فيهما، ويتبعون ما انتهى إليه، وليس لهم أنْ يجتهدوا في المسائلِ التي نصَّ عليها في المذهبِ، إلا في حدودٍ معينةٍ (٣).
ويطبِّقُ أهلُ هذه الطبقةِ العللَ والقواعدَ فيما لم يعرضْ له السابقون مِن مسائل (٤)، ويخرِّجون حكمَ المسائل التي لا روايةَ فيها عن صاحبِ المذهبِ (٥).
وخلاصةُ عملِ أهلِ هذه الطبقةِ يتكوّن مِنْ عنصرين:
أحدهما: استخلاصُ القواعدِ العامةِ التي يلتزمها الأئمةُ السابقون مِن
стр. 921
الفروعِ المرويّةِ عنهم (١)، واستخلاصُ الضوابطِ الفقهيةِ العامةِ التي تتكوّن مِنْ علل الأقيسةِ التي استخرجها الأئمةُ (٢).
ثانيهما: استنباطُ الأحكامِ التي لم يَنُصَّ عليها الأئمةُ السابقون بالبناءِ على تلك القواعد، حتى لا يحيدوا عن المذهبِ (٣).
وأهلُ هذه الطبقة هم المجتهدون في المذهبِ (٤).
وخَتَمَ الشيخُ محمد أبو زهرة حديثَه عن الطبقةِ قائلًا: "هي التي حررت الفقهَ المذهبيَّ، ووضعتْ الأسُسَ لنموِّ المذاهب، والتخريج عليها، وهي التي وضعتْ أسسَ الترجيحِ والموازنةِ بين الآراء؛ لتصحيحِ بعضِها وتضعيف الآخر، وهي التي ميّزت الكيانَ الفقهيَّ لكلِّ مذهبِ" (٥).
الطبقة الرابعة: المجتهدون المرجِّحون بين الرواياتِ والأقوالِ المختلفةِ (٦).
يرجِّح أهلُ هذه الطبقةِ بين الرواياتِ المرويَّةِ عن إمامِهم والأقوالِ المختلفةِ بوسائل الترجيحِ التي ضَبَطَها لهم أصحابُ الطبقةِ الثانية، ويُبَيّنُون أقوى الرواياتِ، ويميزون أصحَّ الأقوالِ، أو أقربها إلى السنةِ أو إلى القياسِ الصحيحِ أو أرفقها بالناسِ (٧)، ونحو ذلك ممَّا لا يُعَدُّ استنباطًا
стр. 922
جديدًا، مستقلًا أو غير مستقلٍّ (١).
ويختمُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه قائلًا: "الفرقُ بين هذه الطبقةِ، وسابقتِها دقيقٌ، وقد عدَّهما بعضُ الأصوليين طبقةً واحدة، وليس ذلك ببعيدٍ عن الحقيقةِ؛ لأنَّ الترجيحَ بين الآراءِ بمقتضى الأصولِ لا يقلّ وزنًا عن استنباطِ أحكامِ الفروعِ التي لم تَرِدْ فيها أحكامٌ عن الأئمةِ، وإنَّ النوويَّ في: مقدمةِ (المجموع) (٢) ذكرهما على أنَّهما طبقةٌ واحدةٌ، وابنَ عابدين في: (شرح رسالة رسم المفتي) (٣) عدَّهما طبقتين، وقولُ النووي أدقُّ" (٤).
الطبقة الخامسة: المميزون بين الترجيحاتِ (٥).
أهلُ هذه الطبقةِ هم مِن المقلِّدين الذين يحفظون أكثرَ أحكامِ المذهب ورواياته، وهم حجةٌ في النقلِ، دونَ الاجتهادِ (٦)، ولا يُرَجِّحون بين الأقوالِ والرواياتِ، لكنْ لهم عِلْمٌ بترجيحاتِ السابقين (٧)، فيَعْرِفون ما رُجِّحَ، وترتيبَ درجاتِ الترجيح على حسبِ ما قامَ به المرجِّحون (٨).
وقد يؤدِّي ذلك إلى الحُكمِ بين المرجِّحِين، حين يرجِّحُ بعضُهم رأيًا، ويرجِّحُ الآخرُ غيرَه، فيختارُ صاحبُ هذه الطبقة مِنْ أقوالِ المرجّحين أقواها
стр. 923
ترجيحًا، وأكثرِها اعتمادًا في الترجيحِ على أصولِ المذهبِ، وغير هذا مِنْ أنواعِ المرجحاتِ (١).
وخَتَمَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه، قائلًا: "يظهرُ أنَّ ترتيبَهم - أيْ: أهل الطبقات - الوجودي يتفق مع الترتيبِ الذي ذكرناه؛ فالطبقةُ الأُولى: وهم المجتهدون المُطْلَقُون هم أبو حنيفةَ وأصحابه، ثمَّ الذين يلونهم هم المخرِّجون (٢) الذين أفتوا فيما لم يُؤْثَرْ عنهم بمقتضى قواعدِهم وأصولِهم، وبالقياسِ على فروعِهم، ثمَّ الذين يلونهم هم المرجِّحون بين الأقوالِ المختلفة، ثمَّ جاءَ مَنْ بعدهم مَنْ لهم قدرةٌ على معرفةِ ما رجَّحه سابقوهم، وليس لهم الحقُّ في أنْ يرجِّحوا هم ما لم يؤثر ترجيحُه عمَّنْ سَبَقَهم" (٣).
وأنبّه إلى أن بعضَ الباحثين نَقَدَ الشيخَ محمدًا أبو زهرة بأنَّه اطَّرحَ الطبقةَ الثانية التي ذكرها ابنُ كمال باشا وخَفِي مع اطراحِها المجتهدون المطلقون المنتسبون إلى أئمتِهم الذين يسيرون على أصولِهم الفقهية، دون تقيّدٍ بالفروع، الذين لم يصلوا إلى درجةِ الاجتهادِ المستقل، وارتفعوا عن درجةِ المخرِّجين (٤).
وما قاله صحيحٌ، إلا أنَّ الشيخَ أبو زهرة قد صرّح بهذه الطبقةِ في كتابه: (تاريخ المذاهب الإسلامية) (٥)، فيكمّل به ما قاله في كتبِه الأخرى التي كان سياقُ الكلامِ فيها منصبًّا على نقدِ طبقاتِ ابنِ كمال باشا.
стр. 924
المسألة الثالثة: تقديم الدكتور محمد الفرفور
كان للدكتورِ محمد الفرفور إسهامٌ في نقدِ تقسيمِ طبقاتِ ابنِ كمالِ باشا (١)، وقد اقترحَ تقسيمًا آخر، وَصَفَه بأنَّه لم يُسْبَقْ إليه مجتمعًا، وإنْ كانتْ عناصرُه مسبوقةً مِنْ قِبَل الفقهاءِ السابقين (٢)، فجعل الطبقات ثلاثًا:
الطبقة الأولى: طبقةُ المجتهدين (٣).
وتنقسم هذه الطبقة إلى قسمين:
القسم الأول: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الشرع .
القسم الثاني: المجتهدون المقيَّدون بالمذهبِ (٤).
القسم الأول: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الشرعِ.
بعضُ المجتهدين في هذا القسمِ مجتهدٌ مستقل غير منتسبٍ، كالأئمةِ الأربعة (٥)، فلا يدخلون معنا في طبقات المتمذهبين، وبعضهم مجتهدٌ مستقلٌّ منتسبٌ، كأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن، وإنْ أخذوا بأصلٍ مِنْ أصول إمامِهم، فعلى سبيلِ الموافقةِ والاقتناع به (٦)، وهؤلاءِ متمذهبون بالاسمِ، دونَ الحقيقةِ.
القسم الثاني: المجتهدون المقيّدون بالمذهبِ.
ويُسَمَّى أربابُ هذا القسم بمجتهدي المذهب (٧).
وتدخلُ تحت القسم الثاني: طبقةُ المخرِّجين، وطبقةُ مجتهدي
стр. 925
المسائلِ اللتانِ ذكرهما ابنُ كمال باشا (١).
الطبقة الثانية: المتَّبعون (٢).
وتدخلُ تحتَ طبقةِ: المتَّبِعين الطبقتانِ اللتانِ ذكرهما ابنُ كمال باشا، وهما: الطبقةُ الرابعةُ: (أصحاب التخريج من المقلدين ... )، والطبقةُ الخامسةُ: (أصحاب الترجيح من المقلدين ... ) (٣).
فأهلُ الطبقةِ الثانيةِ لا يستنبطون أحكامَ المسائلِ التي لا يُعرفُ حكمُها، ولكنَّهم يرجِّحون بين الآراءِ المرويةِ بوسائل الترجيحِ، ويستطيعون الموازنةَ بين أقوالِ المذهبِ، فيُفَضِّلون بعضَ الرواياتِ على بعضِ (٤).
الطبقة الثالثة: طبقةُ المقلِّدين (٥).
وهؤلاءِ مقلِّدون لا يرجِّحون بين الأقوالِ والرواياتِ، ولكنَّهم على علمِ بما رجّحه السابقون واختاروه (٦).
وتدخلُ تحتَ طبقةِ المقلدين: الطبقةُ السادسة: (المقلِّدون القادرون على التمييز ... ) من الطبقات التي ذكرها ابنُ كمال باشا (٧).
وما ذكره الدكتور محمد الفرفور مستفادٌ مِن ابنِ كمال باشا - كما أشرتُ إلى ذلك في صدرِ المسالةِ - في ضوءِ ما قرره الشيخُ محمدٌ أبو زهرة، إلا أنَّ الدكتور محمدًا الفرفور عدّل في تسميةِ بعضِ الطبقاتِ.
стр. 926
وأرى أنَّ الإبقاءَ على تسميةِ الطبقاتِ بوظيفةِ أهلِها، وبما عُرِفَتْ به - إنْ لم يكنْ ثمّةَ خطأٌ - أولى مِن الإتيان بأسماء أخرى لا تَدلُّ على وظيفةِ أهل الطبقة، فمثلًا: تسميةُ الطبقةِ الثانية من الطبقات التي ذكرها الدكتور الفرفور، بالمميزين بين الترجيحات أوضحُ وأدلُّ على وظيفتِهم من تسميتِهم بالمتَّبعين.
* * *
стр. 927
المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات
يمكنُ القولُ بأنَّ أبرزَ التقسيمات السابقة هي: تقسيم ابنِ الصلاحِ، وتقسيم ابنِ كمال باشا؛ لأن أغلبَ مَنْ جاءَ بعدهما قد تأثّر بمنهجِهما - سواء أصرَّح بذلك، أم لم يصرّحْ - ويمكنُ القولُ أيضًا بأنَّ هذينِ التقسيمينِ يسيرانِ في اتجاهينِ متقاربينِ، وسوف أُجْرِي موازنةَ بين الطبقاتِ التي ذكراها، وقد استفدتُ ممَّا قرره فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين في موازنته بين التقسيمين (١)، وسأذكرُ الطبقةَ في تقسيمِ ابنِ الصلاح، وأبيّنُ ما يماثلها في تقسيمِ ابنِ كمال باشا.
القسم الأول الذي ذكره ابنُ الصلاحِ: (المجتهد المستقل) (٢)، يُمثلُ الطبقة الأُولى التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المجتهدون في الشرعِ) (٣).
وكلاهما لا يدخلُ ضمن المتمذهبين؛ لانتفاءِ التمذهب عنهم، كما نبهتُ عليه مِنْ قبل.
والطبقةُ الأُولى مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاح: (أنْ لا يكون مقلِّدًا لإمامِه لا في المذهبِ، ولا في دليلِه؛ لتوفر أوصافِ المجتهدِ المستقلِ ... ) (٤)، تُمثل الطبقةَ الثانية التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (طبقة المجتهدين في المذهب) (٥).
стр. 928
ويمكنُ أنْ يفرَّقَ بين منهجِ ابنِ الصلاحِ، ومنهجِ ابنِ كمال بأنَّ ابنَ الصلاح يَعُدُّ أربابَ هذه الطبقة مِن المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، في حين أنَّ ابنَ كمال باشا يَعُدُّهم مِن المجتهدين في المذهبِ (١).
والطبقةُ الثانيةُ مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاح: (أنْ يكونَ مجتهدًا مقيَّدًا في مذهبِ إمامِه، وهم أصحابُ الوجوه والطرق) (٢)، تُمثلُ الطبقةَ الثالثةَ التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المجتهدون في المسائل التي لا روايةَ فيها عن أصحابِ المذهبِ) (٣).
والطبقةُ الثالثةُ مِن القسمِ الثاني التي ذَكَرَها ابنُ الصلاحِ: (مَنْ كان فقيهَ النفسِ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، لكنَّه قصرَ عن درجةِ أصحابِ الوجوهِ والطرقِ) (٤)، تُمثلُ الطبقات الآتية: الطبقة الرابعة: (أصحاب التخريج من المقلِّدين) (٥)، والطبقة الخامسة: (أصحاب الترجيح من المقلدين) (٦)، والطبقة السادسة: (المقلِّدون القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرواية والرواية النادرة) (٧) من الطبقات اللاتي ذكرها ابنُ كمال باشا.
وقد سمَّى جلالُ الدينِ السيوطي أربابَ الطبقةِ الثالثةِ التي ذكرها ابنُ الصلاحِ بمجتهدي الترجيحِ (٨)، فوَصَفَهم بالاجتهادِ، أما ابنُ كمال باشا فوصفهم بالتقليدِ.
стр. 929
والطبقةُ الرابعةُ مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاحِ: (مَنْ يقومُ بحفظِ المذهب، ونقلِه، وفهمِه، غير أنَّ عنده ضعفًا في تقريرِ أدلتِه، وتحرير أقيستِه) (١)، يَمكنُ أنْ تمثلَها الطبقةُ السابعةُ التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المقلِّدون الذين لا يَقْدِرون على التمييزِ بين الأقوالِ، ولا يفرقون بين الغثِّ والسمينِ) (٢)، وإلا فالطبقةُ الرابعةُ عند ابنِ الصلاحِ أرفعُ مِن الطبقةِ السابعةِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا.
ويصعبُ القولُ بأنَّ تقسيمًا من التقسيماتِ المتقدمِ ذكرها في المطلبينِ السابقينِ أرجحُ مِنْ غيرها؛ إذ مبنى التقسيمِ على سبرِ أحوالِ الفقهاءِ، ثمَّ تقسيمهم على وظائفِهم، لكنَّ المهمَّ أنْ يكونَ التقسيمُ حاصرًا لوظائفِ الفقهاءِ، وأنْ لا يكونَ ثمة تداخلٌ بين الطبقاتِ.
يقولُ الدكتورُ سيد الأفغاني: "إنَّ الذين كَتَبوا في هذا الموضوعِ - أي: الطبقات - يظهرُ مِنْ كتاباتِهم أنَّهم رتَّبوا طبقاتِ المجتهدين والفقهاءِ مِنْ خلالِ مطالعتِهم أحوالَهم، وتسجيلهم ما امتاز (٣) كل طبقةٍ عن طبقةٍ أخرى، فلذلك نجدهم يقولون: يُفْهَمُ مِنْ تَتَبّعِ أحوالِ هذه الطبقةِ أنها قادرةٌ على كذا ... ولذلك اختلفوا في إلحاقِ بعضِ العلماءِ ببعضِ الطبقاتِ، واختلفوا في بيانِ أوصافِ ما اعتنوا بها مِن الطبقاتِ أيضًا" (٤).
والعبرةُ في إدخالِ الشخصِ في طبقةٍ من طبقاتِ المتمذهبين باجتماع شروط الطبقة فيه، وبالأعمِّ الأغلبِ مِنْ حالِه، فقد يخرِّجُ المجتهدُ المطلقُ أحيانًا، ولا يقدحُ في وصفِه بالاجتهادِ (٥).
وسوفَ أَذْكُرُ طبقاتِ المتمذهبين في ضوءِ ما ورد في المطلبينِ السابقينِ، وقد جَعَلْتُ الطبقاتِ أربعًا، ثلاثًا للمجتهدين - الأُولى للمجتهدِ
стр. 930
المطلقِ المنتسبِ، والثانية والثالثة للمجتهدِ المذهبي - وواحدةً للمقلدين المذهبيين.
الطبقة الأولى: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.
الطبقة الثانية: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.
الطبقة الثالثة: مجتهدُ الترجيحِ.
الطبقة الرابعة: حافظُ المذهبِ.
الطبقة الأولى: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.
تحققتْ للمجتهدِ في هذه الطبقة شروطُ الاجتهادِ، ولا يقلِّدُ إمامَه في الفروع - لا في الحكمِ، ولا في دليلِه - لكنَّه استنبطَ الحكمَ مِنْ دليلِه في ضوءِ أصولِ إمامِ مذهبِه (١)، وانتسبَ إليه، فلمْ يُؤسسْ لنفسِه قواعد ومناهجَ للاستنباطِ (٢).
وإنْ كان سيرُ المجتهدِ مِنْ أهلِ هذه الطبقةِ على قواعدِ إمامِه عن قناعةٍ بها، وعلمٍ برجحانها، فهو موافق لإمامِه في قواعدِه، ويصبح متمذهبًا بالاسمِ فقط.
وإنْ كان سيرُه على قواعدِ إمامِه على سبيلِ التلقي والتقليد، فهو متمذهبٌ في الأصولِ، أمَّا في الفروعِ، فهو مجتهدٌ متمذهبٌ بالاسمِ فقط.
الطبقة الثانية: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.
المجتهد المقيّد: هو مَنْ يبذلُ وسعَه في تخريجِ الوجوهِ والأحكامِ على نصوصِ إمامِه، ويتقيدُ بأصولِه وقواعدِه (٣)، فلا يخرجُ عنها ولا يخرجُ عن فروعِه.
стр. 931
والاجتهادُ في هذه الطبقة داخلٌ حدودِ مذهبٍ معيّنٍ (١).
ولا يجتهدُ المخرِّجُ إلا فيما لم يَرِدْ بشأنِه نصٌّ عن إمامِه، أما ما وَرَدَ فيه عنْ إمامِه نصٌّ، فلا يَسَعه إلا الأخذ بقولِ إمامِه، وبهذا خالفوا أربابَ الطبقةِ الأُولى، فإنهم يجتهدون فيما اجتهدَ فيه إمامُهم، وقد يخالفونه (٢).
ومِنْ شأنِ المجتهدِ في هذه الطبقة أنْ يكونَ مطلِّعًا على قواعدِ إمامِه، محيطًا بأصولِه، مستوعبًا لها، عارفًا بمآخذِه التي يستند إليها (٣)، قادرًا على إقامةِ الأدلةِ على أقوالِه (٤)، وهو وإنْ لم يبلغْ رتبةَ المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، إلا أنَّه ليس بمقلِّدٍ تقليدًا محضًا، بل هو صاحبُ نظرٍ واستدلالٍ وبَصَرٍ في الأصولِ، وخبرةٍ تامَّةٍ في الفروعِ، وله محلٌّ رفيعٌ في العلمِ، وقَدَمٌ راسخةٌ في المذهبِ (٥).
ويُسَمّى أربابُ هذه الطبقة بالمجتهدين في المذهبِ (٦)، وبالمخرَّجين (٧).
ويبيّنُ الشريفُ التلمسانيُّ (٨) عملَ فقيه هذه الطبقة بمثالٍ توضيحي،
стр. 932
فيقول: "أمَّا ابنُ القاسمِ، فكانَ إذا سُئِلَ عن مسألةٍ، يقولُ: سمعتُ مالكًا يقول فيها: كذا، وإنْ لم يكنْ سَمِعَ مِنْ مالكٍ شيئًا، قال: لم أسمعْه منه، ولكنْ بلغني عنه كذا، فإنْ لم يكنْ بَلَغَه، قال: لم يبلغني، ولكن قال في المسألةِ الفلانيةِ: كذا، ومسألتُك هذه مثلها، فهذه رتبةُ الاجتهادِ المذهبي" (١).
والشروطُ الواجبةُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ المذهبي هي الشروط التي ذكرها ابنُ الصلاحِ، وابنُ حمدان، وقد تقدمَ ذكرُها.
الطبقة الثالثة: مجتهدُ الترجيحِ.
مجتهد الترجيح، هو: المتبحِّرُ في مذهب إمامِه، العارفُ بأدلتِه، القائمُ بتقريرِها وتصويرِها وتحريرِها، المتمكنُ مِن الترجيحِ بين أقوالِ المذهب (٢)، لكنَّه قصرَ عن رتبةِ الطبقةِ الثانيةِ؛ لقصوره في بعضِ العلومِ التي تُشترطُ في مجتهدِ المذهبِ، كما تقدم ذلك في كلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنِ حمدان.
ويُسَمّى مجتهدُ الترجيحِ بمجتهدِ الفتيا (٣).
ويُشترطُ فيه الشروط التي ذكرها ابنُ الصلاح، وابنُ حمدان، وشاه ولي الله الدهلوي كما تقدّمَ ذكرها في المطلبين السابقين.
стр. 933
وليسَ مِنْ شَأْنِ الفقيه في هذه الطبقةِ استنباطُ حُكْمِ ما لم يَرِدْ به نصٌّ عن إمامِ مذهبِه (١)؛ لأنَّه يقدرُ على الترجيحِ، دونَ الاستنباطِ والتخريجِ (٢).
وقد يخرِّجُ الفقيه في هذه الطبقة في بعضِ المسائلِ؛ لأنَّ الاجتهادَ المذهبي يَتَجَزّأ، فرُبَّما يتصّف به بعضُ أربابِ هذه الطبقة، أو مَنْ دونها (٣).
الطبقة الرابعة: حافظ المذهب.
الفقيهُ في هذه الطبقة لا يعدو أنْ يحفظَ مذهبَه كلَّه أو أكثره، ويفهمَ مسائلَه الواضحة والمشكلة، لكنَّه لا يرتقي إلى درجةِ الطبقةِ الثالثةِ؛ لضعفِه في تقريرِ أدلةِ مذهبِه، وتحريرِ أقيسته (٤)، فهو حامل فقهٍ (٥).
ولا يُوصف بالاجتهادِ المذهبي، وإنَّما يُوصفُ بالتقليدِ المذهبي، لكن قد يتصفُ بالاجتهادِ المذهبي في بعضِ المسائلِ، كما أشرت إلى هذا قبل قليلٍ.
* * *
стр. 934
المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد
المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر
المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل
стр. 935
تمهيد:
مِنْ المعلومِ أنَّ حقيقةَ التمذهب ومبناه هي التزام مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ - كما تقدم تقريرها - وقد يحصلُ انتَقالٌ عن المذهبِ بالكلية، أو خروجٌ عنه في بعضِ المسائلِ.
والانتقالُ عن التمذهبِ لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: الانتقالُ عن التمذهبِ إلى الاجتهادِ.
الحالة الثانية: الانتقالُ عن التمذهبِ بمذهبٍ معيّنٍ إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر.
وسيكون الحديثُ عن الانتقالِ عن التمذهبِ والمذهبِ في المطالبِ الآتيةِ:
المطلب الأول: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد
المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر
المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل
стр. 936
المطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل
المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المطلق
стр. 937
توطئة
قد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلامية، وكما هو معلوم، فإنَّ الاجتهادَ المطلقَ في الشريعةِ الإسلامية على قسمين.
القسم الأول: الاجتهاد المستقل.
القسم الثاني: الاجتهاد المنتسب.
وفي ضوءِ تقسيمِ الاجتهادِ سرتُ في هذا المطلبِ.
المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل .
تقدّم لنا في كلامِ ابنِ الصلاحِ في المبحثِ الأولِ تعريفُ المجتهدِ المستقلِّ، وأنَّه الذي يستقل بإدراكِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ مِنْ غيرِ تقليدٍ وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ (١).
ومِن المعلوم، فإنَّ للمجتهدِ المستقلِّ التصرفَ في أصولِه وقواعدِه الاستنباطيةِ، دونَ تقيّد بمذهبِ أحدٍ مِن العلماءِ، في ضوءِ ما يترجحُ عنده.
يقولُ جلالُ الدِّينِ السيوطي: "المستقلُّ: هو الذي استقلَّ بقواعد لنفسِه، بَنَى عليها الفقهَ، خارجًا عن قواعد المذاهبِ المقررةِ" (٢).
стр. 938
وكلامي في هذه المسألةِ عن وصولِ المتمذهبِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ؛ بحيثُ ينتقلُ عن التمذهبِ إلى درجةِ أئمةِ المذاهبِ المستقلين باجتهاداتهم، وسأبيِّنُ الحكمَ في هذه المسألة في النقاطِ الآتيةِ:
الأولى: المتمذهبُ الذي لم تجتمع فيه شروطُ الاجتهادِ في الشريعةِ، ليس له ادّعاءُ بلوغِه؛ لفقدِه شروطه، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يحتاجُ إلى إقامةِ الدلائل عليه.
الثانية: لا خلافَ في جوازِ الوصولِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقل في عصورِ الاجتهادِ التي كانتْ قبلَ استقرارِ أصولِ المذاهبِ.
هذا ما يُفهمُ مِنْ كلام أبي حامد الغزالي (١)، وأبي القاسم الرافعي (٢)، وابنِ الصلاحِ (٣)، وابنِ حمدان (٤)، حيثُ نصّوا على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقل، والقولُ بإغلاقِه يدلُّ على أنَّه كان مفتوحًا لمَنْ تحققتْ فيه الشروطُ.
ويؤكّدُ ما سَبَقَ: أن الأئمةَ الذين اتفق الناسُ على اتصافهم بالاجتهادِ المستقل، كانوا قبلَ بلوغِهم درجته غير مجتهدين.
الثالثة: نصَّ غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقلِّ، منهم: أبو حامد الغزالي (٥)، وأبو القاسم الرافعي (٦)، وابن الصلاح (٧)، وابن حمدان (٨)، وجلال الدين السيوطي (٩)، فليس لأحدٍ أنْ يحدث مذهبًا جديدًا بأصول وقواعد جديدة.
стр. 939
الرابعة: لم أقفْ - في ضوءِ ما اطلعت عليه مِنْ مصادر - على دليلٍ يدلُّ على إغلاقِ باب الاجتهادِ المستقل، إلا أن مِن القائلين بإغلاقه مَنْ رأى في القولِ به حمايةً لأصولِ الشريعةِ الإسلاميةِ مِنْ أنْ يأتي من يُغَيّر فيها؛ مدعيًّا أنه مجتهد (١).
الخامسة: لو أرادَ المتمذهبُ الانتقالَ عن التمذهب إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلّ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، فالذي يَظهرُ لي أنَّ لانتقالِه صورتين:
الصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها، مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.
الصورة الثانية: أنْ لا يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفةً لما استقرت عليه أصول المذاهب، بلْ يسير على الأصولِ المدوّنة، لكنَّه يأخذ بما ترجَّحَ عنده مِنْها، دونَ التزامِ أصولِ مذهبٍ معيّنٍ.
الصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.
الذي يظهرُ لي في هذه الصورة هو المنعُ وعدمُ الجوازِ؛ لأنَّ الأصولَ والقواعد مدوَّنةٌ، ولا يمكن أنْ يكون هناك أصولٌ صحيحةٌ خَلَتْ عنها المذاهبُ الفقيهةُ طوال قرون متطاولة.
يقول ابنُ بَرهان: "أصولُ المذاهب وقواعدُ الأدلةِ منقولةٌ عن السلفِ، فلا يجوزُ أنْ يُحدثَ في الأعصارِ خلافُهَا" (٢).
ويقولُ ابنُ المنيِّرِ المالكي: "أتباعُ الأئمةِ الآن حازوا شروطَ الاجتهادِ، مجتهدون ملتزمون أنْ لا يحدثوا مذهبًا، أمَّا كونهم مجتهدون؛ فلأنَّ الأوصافَ قائمةٌ بهم، وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبًا؛ فلأنَّ
стр. 940
إحداثَ مذهبٍ زائدٍ بحيث يكونُ لفروعِه أصولٌ وقواعد مباينة لسائرِ قواعد المتقدمين، متعذرُ الوجودِ؛ لاستيعابِ المتقدمين سائر الأساليبِ" (١).
ويقول الشيخُ محمدٌ بخيت المطيعي: "المجتهدُ المطلقُ الذي يُنْشِئُ مذهبًا خارجًا عن جميعِ مذاهبِ مَنْ تقدمه مِنْ المجتهدين في الأصولِ والفروعِ، وذلك متعذرٌ، بلا شبهةٍ" (٢).
ولهذا نصَّ غيرُ واحدٍ على طيِّ بساطِ الاجتهادِ المستقلِّ، كما تقدمت الإشارةُ قبلَ قليلٍ.
الصورة الثانية: أنْ لا يكوِّن لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفةً لما استقرتْ عليه أصول المذاهب، بلْ يسيرُ على الأصولِ المدوّنة، لكنّه يأخذ بما ترجَّحَ عنده منها، دونَ التزامِ أصولِ مذهبٍ معيَّنٍ.
الذي يظهرُ لي في هذه الصورة هو الجواز، بشرطِ: أنْ لا يدَّعي لنفسِه مذهبًا قائمًا بأصولِه وقواعده الخاصةِ؛ وذلك لانتفاءِ المحذورِ، وهو الإتيانُ بأصول جديدةٍ غيرِ مسبوقٍ إليها.
وأمَّا اشتراط أنْ لا يدَّعي لنفسِه مذهبًا قائمًا؛ فلخلوِّ هذه الدعوى عن حقيقتِها، وهي الإتيان بمذهبٍ جديدٍ.
المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المنتسب
مِنْ المعلومِ أنَّ حقيقةَ التمذهبِ، وهي الالتزامُ، تنافي الاجتهادَ؛ إذ مبنى الاجتهادِ على بذلِ الجهدِ للوصولِ إلى الحكمِ الشرعي عنِ طريقِ الأدلةِ، وكما ذكرتُ مِنْ قبلُ أنَّ التمذهبَ قد يصلُ بالمتمذهبِ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلق المنتسبِ، فما حكم انتقالِ المتمذهبِ إلى هذه الدرجةِ؟
стр. 941
سأُبيّنُ الحكمَ هنا في النقاطِ الآتيةِ:
الأولى: المتمذهب الذي لم تجتمع فيه شروطُ الاجتهاد، ليس له ادّعاء مرتبته؛ لفقدِه شروطه.
الثانية: إذا اجتمعتْ شروطُ الاجتهادِ في الشخصِ المتمذهب، فإنَّ الواجبَ عليه تركُ التمذهبِ، والانتقالُ إلى الاجتهادِ، وعلى هذا الأمَر كثيرٌ مِن المتمذهبين الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ المطلق (١).
ولعل مِنْ أبرز مَنْ ادَّعى بلوغ رتبة الاجتهادِ المطلقِ المنتسب إلى مذهب معيّنٍ، ونَفَى عن نفسِه بلوغَ درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ: جلالُ الدينَ السيوطي، إذ يقولُ: "وإنَّما جاءَ الغلطُ لأهلِ عصرنا مِنْ ظنّهم ترادف المطلق والمستقل، وليس كذلك ... والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق، لا الاستقلال، بلْ نحنُ تابعون للإمامِ الشافعي ﵁، وسالكون طريقَه في الاجتهادِ؛ امتثالًا لأمرِه، ومعدودون مِنْ أصحابِه، وكيفَ يُظَنُّ أنَّ اجتهادَنا مقيّدٌ؟ ! والمجتهدُ المقيّدُ إنَّما ينقصُ عن المطلقِ بإخلالِه بالحديثِ والعربيةِ، وليس على وجهِ الأرضِ مِنْ مشرقِها إلى مغربِها أعلم بالحديثِ والعربيةِ منّي! " (٢).
الثالثة: لو قيل: إنَّ الأَولى بالمتمذهب الذي لديه القدرةُ على تحصيلِ شروطِ الاجتهادِ، أنْ يكون قصدُه في سلوكِ التمذهبِ بلوغَ درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، لكان قولًا جيّدًا.
الرابعة: لا يعني ما تقدم آنفًا أنَّ الاجتهادَ ميسورٌ لكلّ شخصٍ أراد بلوغه، بل له شروطٌ متعددةٌ، يتعين اتصافُ الشخصِ بها؛ ليوصفَ بالاجتهاد (٣).
стр. 942
المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر
مِنْ المعلومِ أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ متعددةٌ، وقد يَرَى المتمذهبُ تركَ مذهبِه برُمَّتِه، والانتقالَ عنه إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر، فمثلًا قد يكون شخصٌ متمذهبًا بالمذهب الحنفي، ويرى بعد ذلَك تركَ التمذهب به، والانتقالَ إلى التمذهبِ بالمذَهبِ الشافعي، فحديثي هنا عن تركِ المذهبِ بالكليةِ، والانتقال إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر (١).
ويمكنُ بيانُ حكمِ الانتقال مِنْ مذهبٍ إلى آخر فيما يأتي:
أولًا: الأصلُ في الانتقالِ مِن التمذهب بمذهبٍ معيّنٍ إلى التمذهب بمذهبٍ آخر هو الجوازُ (٢)؛ وذلك للأمورِ الآتية:
الأمر الأول: انتفاءُ الدليلِ الموجِبِ اتِّباع مذهبِ إمامٍ بعينِه (٣).
الأمر الثاني: أنَّ الانتقالَ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ، كالانتقالِ مِنْ قولِ إلى قولٍ، وهو سائغٌ (٤).
стр. 943
الأمر الثالث: إذا ساغَ التمذهبُ بمذهب معيَّنٍ ابتداءً، فإنَّه يسوغُ الانتقالُ إليه مِنْ مذهب آخر؛ لعدمِ الفرقِ بين الحالين.
ثانيًا: وُجِدَ عند بعضِ المتمذهبين أقوالٌ في التشديدِ في الانتقالِ عن مذهبِهم إلى غيرِه مِن المذاهب فمثلًا، يقولُ بعضُهم: يجوزُ لغيرِ الحنفي أنْ يتحولَ حنفيًّا، ولا يجوزُ للحنفي أنْ يتحولَ شافعيًّا أو مالكيًّا (١)، أو يقولُ بعضهم: يجبُ التمذهبُ بمذهبِ إمامِنا على الناسِ كافة، ويحرمُ تركُ مذهبِه.
وهذه الأقوالُ ونحوها أقوالٌ مردودةٌ، ينبغي أنْ لا يُلْتَفَتُ إليها، ومنشأها تعصبٌ مذهبي محضٌ (٢)، ولم يزلْ كثيرٌ مِن المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ ينتقلون مِنْ مذهبِهم إلى مذهبٍ آخر (٣).
يقول عبدُ الحي اللكنوي: "أما ... ما في بعضِ الفتاوي أنَّه يجوزُ للشافعي أنْ يكون حنفيًّا، ولا يجوز العكس، فتعصّبٌ لائحٌ، وتشددٌ واضحٌ، لا يُلْتَفَتُ إليه" (٤).
ولو فُرِضَ وجودُ كلام لبعضِ العلماءِ في التشديدِ في الانتقالِ عن المذهبِ، فإنَّه محمولٌ على مَنْ كان غرضُه مِن الانتقالِ دنيويًّا، ولعل مِنْ أسبابِ تشديدِهم في الانتقالِ هو ما وجدوه مِن بعضِ المتمذهبين الذين تركوا مذاهبَهم، وانتقلوا إلى غيرِها؛ لغرضٍ دنيوي (٥).
стр. 944
ثالثًا: إنْ كان الغرضُ مِن الانتقالِ مِن مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر هو النفعَ الدنيوي، منْ مالٍ أو جاهٍ، أو قربٍ عند الواليَ أو عند أهلِ الدنيا، أو اتباع الهوى، كالتعصّبِ للمذهب المنتقل إليه، أو لشهواتِ النفس: فإنَّ الانتقالَ مذمومٌ، ولا يحمدُ المنَتقل على انتقالِه؛ وذلك لسوءِ غرضِه ونيتِه (١).
وقد صرَّح عبد الله العلوي بالمنع هنا (٢).
وإنْ كانَ المذهبُ الذي انتقل إليه خيرًا مِنْ مذهبِه الأول، فإنَّ الذمَّ يلحقُ المنتقل أيضًا؛ وذلك لسوءِ قصدِه، ويكون حالُه كحالِ مَنْ لا يسلِّم على غيرِه إلا لغرضٍ دنيوي (٣).
يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي عمَّنْ ينتقل لهذا الغرضِ، وهو فقيه في مذهبِه الأول: "هذا أمرُه أشدّ، وعندي أنَّه يصلُ إلى حدِّ التحريمِ؛ لأنَّه تلاعبٌ بالأحكامِ الشرعيةِ؛ لمجرَّدِ غرضِ الدنيا" (٤).
وذَهَبَ الشيخُ علوي السقاف إلى جوازِ الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر، ولو بمجرَّدِ التشهي (٥).
ولعله أرادَ صحةَ الانتقالِ، وجواز الالتزامِ بالمذهبِ المنتقل إليه، ولم يُرِدْ الحكمَ على نيةِ المتمذهبِ.
رابعًا: إنْ كانَ الغرضُ مِن الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ دينيًا، كظهورِ رجحانِ أصولِ المذهبِ المنتقَل إليه، وقوةِ مداركِه (٦)، أو ظهور
стр. 945
رجحانِ أكثرِ فروعِه: فإن الانتقالَ سائغٌ (١)، ولا بأسَ به، بلْ هو ممَّا يُثاب عليه (٢)؛ وذلك للأمرين الآتيين:
الأمر الأول: لم يزلْ كثيرٌ مِن العلماءِ المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ على مرِّ العصورِ ينتقلون مِنْ مذهبٍ إلى مذهبِ، والظاهرُ أنَّ الباعثَ لهم عليه أمرٌ ديني (٣).
الأمر الثاني: أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ كلَّها طريقٌ إلى الفقهِ في الدِّينِ في أصولِه وفروعِه (٤).
ومِن العلماءِ مَنْ قالَ بوجوبِ الانتقالِ في هذه الحالِ (٥).
ويظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين القائلين بالجوازِ، والقائلين بالوجوبِ خلافٌ لفظي؛ إذ يمكن حَمْلُ كلامِ المجوِّزين للانتقالِ على الانتقالِ في أصلِه، ويحمل كلام الموجبين له على أخذِ المتمذهبِ بما ترجّحَ عنده.
خامسًا: إنْ كانَ انتقالُ المتمذهب مِنْ مذهبٍ إلى آخر مجرَّدًا عن الغرضِ الدنيوي، والغرضِ الديني، فهذا لَه ثلاثُ حالات:
الحالة الأولى: إنْ كانَ المتمذهبُ قد تمكَّنَ مِنْ مذهبِه، وأتقنه.
فهذا ممَّا لا ينبغي معه الانتقالُ - ويكونُ حكمُ انتقالِه دائرًا بين الكراهةِ، والمنعِ (٦) - لأنَّه يحتاجُ إلى زمنٍ آخر لتحصيلِ المذهبِ المنتقَلِ
стр. 946
إليه، وهذا يشغِلُه عمَّا هو أهمّ، مِنْ العمل بما تعلمه، وقد ينقضي عمرُه قبلَ حصولِ تفقهِه في المذهبِ المنتقَلِ إليه (١).
الحالة الثانية: إنْ كانَ المتمذهبُ قد اشتغلَ بمذهبِه، فلم يحصلْ منه على شيءٍ يُذْكَرُ، ووَجَدَ مذهبَ غيرِه سهلًا عليه، بحيثُ يمكنه إدراكُه وفهمُه، ويمكنُه الإحاطةُ به: فهنا يجبُ عليه الانتقالُ، ولا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه (٢)؛ لأنَّ التفقهَ على مذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ، وفهمه خيرٌ مِن الاستمرارِ على مذهبٍ ما مَعَ الجهلِ بَأكثرِ مسائلِه (٣).
يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي: "رُبَّ شخصٍ يُفتَحُ عليه في علمٍ دون علمٍ، وفي مذهبٍ دونَ مذهبٍ، وهي قسمةٌ مِن الله" (٤).
الحالة الثالثة: إنْ كانَ المتمذهبُ لمَّا يتمكن مِنْ مذهبه بعدُ، ولم يمضِ عليه زمنٌ كبيرٌ.
فالظاهرُ أنَّ له الانتقالَ؛ لأنَّ حالَه كحال المبتدئِ، والمبتدئُ له التمذهبُ بأيِّ مذهبٍ أرادَ.
سادسًا: يراعى في مسائل الانتقالِ ما ذكرتُه في مسألةِ: (تفضيل مذهب من المذاهب)، مِنْ أن الأَولى بالمتمذهب البقاء على المذهبِ السائدِ في قُطْرِه وإقليمه؛ لأنَّه أدعى إلى ضبطِ العَلمِ، لوجودِ العلماءِ الناخلين لمذاهبِهم العارفين بها.
* * *
стр. 947
المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل
مِنْ المعلومِ أنَّ مبنى التمذهبِ على الالتزامِ بالمذهبِ، وهذا يعني أنَّ الأصلَ فيه عدمُ الخروجِ عنه في أصولِه وفروعِه، لكن قد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ لأيّ سببٍ كان، فما حكمُ خروجِه؟
مِنْ خلالِ تأمّلي لهذه المسألةِ، ظَهَرَ لي أنَّ لخروجِ المتمذهبِ عن المذهبِ ثلاثَ صورٍ:
الصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقة (١).
الصورة الثانية: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ خارجٍ عن مذهبه في مسألةٍ واحدةٍ ذاتِ أجزاء مترابطة (كوسائل المسالة ومقدماتها وأَحكامها)، كالشافعي إذا توضأَ، فمسحَ بعضَ شعرِه؛ أخذًا بمذهبِه، ثم مسَّ امرأةً دون شهوةٍ، ولم يجعل المسَّ ناقضًا؛ أخذًا بمذهبِ الحنفيةِ، ثم صلّى، فإنَّ صلاتَه غيرُ صحيحةٍ على مذهب الشافعيةِ؛ لانتقاضِ الطهارةِ بمس المرأةِ، وغيرُ صحيحةٍ على مذهبِ الحنفَية؛ لاقتصارِه على مسحِ بعضِ شعرِه (٢).
الصورة الثالثة: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه على سبيلِ تتبعِ الرخصِ.
стр. 948
وسأتحدثُ في هذا المطلبِ عن الصورةِ الأُولى، وسيأتي الحديثُ عن الصورةِ الثانيةِ، والصورة الثالثةِ في مبحثٍ مستقلٍّ لكلٍّ منهما.
وأنبّه إلى أنَّ هناك مَنْ أطلقَ مصطلحَ: (التلفيق) على الصورة الأُولى (١)، يقولُ الدكتورُ عياضٌ السلمي: "يُطلقُ التلفيقُ على أعمِّ مِنْ هذا المعنى - أي: الصورة الثانية - عند بعضِ العلماءِ، حيثُ أدخلوا فيه أخذَ المقلِّدِ في مسألةٍ بمذهب إمامٍ، وفي مسألةٍ أخرى بمذهب إمام آخر، حتى لو لم يكن بين المسألتينَ تلازمٌ" (٢).
ومع أن حقيقةَ الصورة الأُولى قد تكون داخلةً في التلفيق، إلا أنِّي آثرتُ الفصلَ بينها، وبين الصورةِ الثانيةِ؛ للآتي:
أولًا: أنَّ كثيرًا ممَّنْ تحدّث عن التلفيقِ - من المتأخرين (٣)، والمعاصرين (٤) - قَصَرَ الحديثَ على الصورةِ الثانيةِ.
ثانيًا: إقرارُ بعضِ مَنْ أدرجَ الصورةَ الأُولى في التلفيقِ بأنَّ الخلافَ قد اشتدَّ في الصورةِ الثانيةِ، يقولُ الدكتورُ ناصر الميمان: "قد قام النزاعُ ... واشتد في الصورةِ الثالثة (٥) " (٦).
стр. 949
ثالثًا: وجودُ مَنْ ينازعُ في إدراجِ الصورةِ الأُولى تحتَ مصطلح: (التلفيق)، جاء في: (الموسوعة الفقهية الكويتية): "التلفيقُ المقصودُ هنا: هو ما كانَ في المسألةِ الواحدةِ ... أمَّا الأخذُ بأقوالِ الأئمةِ في مسائل متعددة فليس تلفيقًا، وإنَّما هو تنقّلٌ بين المذاهبِ، أو تخيّرُ منها" (١).
ثم إنَّ المسالةَ اصطلاحيةٌ لفظيةٌ، فالخَطْبُ فيها يسيرٌ.
الصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبه الذي التزمه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقةٍ، كما لو أَخَذَ الحنبليُّ في بابِ الطهارةِ بمذهب الشافعية في نواقضِ الطهارةِ، ولا يكون هناك تأثرٌ بين مسائل البابين، وَكما لو أَخَذَ الحنفيُّ بمذهبِ الحنابلة في أبوابِ المعاملاتِ.
• صورة المسألة:
هلْ للمتمذهب الخروجُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ، فيخالف مذهبَ إمامِه، ويأخذ بقولِ مجتهدٍ آخر؟ (٢).
• تحرير محل النزاع:
أولًا: ظَهَرَ لي مِنْ خلالِ بحثِ المسألةِ أنَّه لا يدخلُ في الحديثِ فيها ما إذا ترجَّحَ للمتمذهبِ غيرُ مذهبِه؛ لأنَّ خروجَه عنه لمقتضٍ (٣).
ثانيًا: حكى عددٌ مِن العلماءِ الاتفاقَ على أنَّه ليس للمقلِّدِ الخروجُ عن مذهبِه في الأحكامِ التي عملَ بها إلى غيرِه من المذاهبِ، منهم:
стр. 950
الآمديّ (١)، والشريفُ التلمساني (٢)، وابنُ الحاجبِ (٣)، وصفيُّ الدين الهندي (٤)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (٥)، وتاجُ الدينِ بن السبكي (٦)، وجمالُ الدين الإسنوي (٧)، وأبو زكريا الرهوني (٨)، وابنُ الهمام الحنفي (٩).
ونازعَ في حكاية الاتفاقِ تقيُّ الدين السبكي (١٠)، وبدرُ الدين الزركشي (١١).