← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إليه، وهذا يشغِلُه عمَّا هو أهمّ، مِنْ العمل بما تعلمه، وقد ينقضي عمرُه قبلَ حصولِ تفقهِه في المذهبِ المنتقَلِ إليه (١). الحالة الثانية: إنْ كانَ المتمذهبُ قد اشتغلَ بمذهبِه، فلم يحصلْ منه على شيءٍ يُذْكَرُ، ووَجَدَ مذهبَ غيرِه سهلًا عليه، بحيثُ يمكنه إدراكُه وفهمُه، ويمكنُه الإحاطةُ به: فهنا يجبُ عليه الانتقالُ، ولا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه (٢)؛ لأنَّ التفقهَ على مذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ، وفهمه خيرٌ مِن الاستمرارِ على مذهبٍ ما مَعَ الجهلِ بَأكثرِ مسائلِه (٣). يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي: "رُبَّ شخصٍ يُفتَحُ عليه في علمٍ دون علمٍ، وفي مذهبٍ دونَ مذهبٍ، وهي قسمةٌ مِن الله" (٤). الحالة الثالثة: إنْ كانَ المتمذهبُ لمَّا يتمكن مِنْ مذهبه بعدُ، ولم يمضِ عليه زمنٌ كبيرٌ. فالظاهرُ أنَّ له الانتقالَ؛ لأنَّ حالَه كحال المبتدئِ، والمبتدئُ له التمذهبُ بأيِّ مذهبٍ أرادَ. سادسًا: يراعى في مسائل الانتقالِ ما ذكرتُه في مسألةِ: (تفضيل مذهب من المذاهب)، مِنْ أن الأَولى بالمتمذهب البقاء على المذهبِ السائدِ في قُطْرِه وإقليمه؛ لأنَّه أدعى إلى ضبطِ العَلمِ، لوجودِ العلماءِ الناخلين لمذاهبِهم العارفين بها. * * *

стр. 947

المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل مِنْ المعلومِ أنَّ مبنى التمذهبِ على الالتزامِ بالمذهبِ، وهذا يعني أنَّ الأصلَ فيه عدمُ الخروجِ عنه في أصولِه وفروعِه، لكن قد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ لأيّ سببٍ كان، فما حكمُ خروجِه؟ مِنْ خلالِ تأمّلي لهذه المسألةِ، ظَهَرَ لي أنَّ لخروجِ المتمذهبِ عن المذهبِ ثلاثَ صورٍ: الصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقة (١). الصورة الثانية: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ خارجٍ عن مذهبه في مسألةٍ واحدةٍ ذاتِ أجزاء مترابطة (كوسائل المسالة ومقدماتها وأَحكامها)، كالشافعي إذا توضأَ، فمسحَ بعضَ شعرِه؛ أخذًا بمذهبِه، ثم مسَّ امرأةً دون شهوةٍ، ولم يجعل المسَّ ناقضًا؛ أخذًا بمذهبِ الحنفيةِ، ثم صلّى، فإنَّ صلاتَه غيرُ صحيحةٍ على مذهب الشافعيةِ؛ لانتقاضِ الطهارةِ بمس المرأةِ، وغيرُ صحيحةٍ على مذهبِ الحنفَية؛ لاقتصارِه على مسحِ بعضِ شعرِه (٢). الصورة الثالثة: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه على سبيلِ تتبعِ الرخصِ.

стр. 948

وسأتحدثُ في هذا المطلبِ عن الصورةِ الأُولى، وسيأتي الحديثُ عن الصورةِ الثانيةِ، والصورة الثالثةِ في مبحثٍ مستقلٍّ لكلٍّ منهما. وأنبّه إلى أنَّ هناك مَنْ أطلقَ مصطلحَ: (التلفيق) على الصورة الأُولى (١)، يقولُ الدكتورُ عياضٌ السلمي: "يُطلقُ التلفيقُ على أعمِّ مِنْ هذا المعنى - أي: الصورة الثانية - عند بعضِ العلماءِ، حيثُ أدخلوا فيه أخذَ المقلِّدِ في مسألةٍ بمذهب إمامٍ، وفي مسألةٍ أخرى بمذهب إمام آخر، حتى لو لم يكن بين المسألتينَ تلازمٌ" (٢). ومع أن حقيقةَ الصورة الأُولى قد تكون داخلةً في التلفيق، إلا أنِّي آثرتُ الفصلَ بينها، وبين الصورةِ الثانيةِ؛ للآتي: أولًا: أنَّ كثيرًا ممَّنْ تحدّث عن التلفيقِ - من المتأخرين (٣)، والمعاصرين (٤) - قَصَرَ الحديثَ على الصورةِ الثانيةِ. ثانيًا: إقرارُ بعضِ مَنْ أدرجَ الصورةَ الأُولى في التلفيقِ بأنَّ الخلافَ قد اشتدَّ في الصورةِ الثانيةِ، يقولُ الدكتورُ ناصر الميمان: "قد قام النزاعُ ... واشتد في الصورةِ الثالثة (٥) " (٦).

стр. 949

ثالثًا: وجودُ مَنْ ينازعُ في إدراجِ الصورةِ الأُولى تحتَ مصطلح: (التلفيق)، جاء في: (الموسوعة الفقهية الكويتية): "التلفيقُ المقصودُ هنا: هو ما كانَ في المسألةِ الواحدةِ ... أمَّا الأخذُ بأقوالِ الأئمةِ في مسائل متعددة فليس تلفيقًا، وإنَّما هو تنقّلٌ بين المذاهبِ، أو تخيّرُ منها" (١). ثم إنَّ المسالةَ اصطلاحيةٌ لفظيةٌ، فالخَطْبُ فيها يسيرٌ. الصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبه الذي التزمه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقةٍ، كما لو أَخَذَ الحنبليُّ في بابِ الطهارةِ بمذهب الشافعية في نواقضِ الطهارةِ، ولا يكون هناك تأثرٌ بين مسائل البابين، وَكما لو أَخَذَ الحنفيُّ بمذهبِ الحنابلة في أبوابِ المعاملاتِ. • صورة المسألة: هلْ للمتمذهب الخروجُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ، فيخالف مذهبَ إمامِه، ويأخذ بقولِ مجتهدٍ آخر؟ (٢). • تحرير محل النزاع: أولًا: ظَهَرَ لي مِنْ خلالِ بحثِ المسألةِ أنَّه لا يدخلُ في الحديثِ فيها ما إذا ترجَّحَ للمتمذهبِ غيرُ مذهبِه؛ لأنَّ خروجَه عنه لمقتضٍ (٣). ثانيًا: حكى عددٌ مِن العلماءِ الاتفاقَ على أنَّه ليس للمقلِّدِ الخروجُ عن مذهبِه في الأحكامِ التي عملَ بها إلى غيرِه من المذاهبِ، منهم:

стр. 950

الآمديّ (١)، والشريفُ التلمساني (٢)، وابنُ الحاجبِ (٣)، وصفيُّ الدين الهندي (٤)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (٥)، وتاجُ الدينِ بن السبكي (٦)، وجمالُ الدين الإسنوي (٧)، وأبو زكريا الرهوني (٨)، وابنُ الهمام الحنفي (٩). ونازعَ في حكاية الاتفاقِ تقيُّ الدين السبكي (١٠)، وبدرُ الدين الزركشي (١١).

стр. 951

يقولُ بدرُ الدِّينِ الزركشي: "ادَّعى الآمديُّ، وابنُ الحاجب أنَّه (١) يجوزُ قبلَ العملِ، لا (٢) بعده بالاتفاقِ، وليس كما قالا! ففي كلامِ غيرِهما ما يقتضي جريان الخلافِ بعد العملِ أيضًا" (٣). وحَمَلَ الشيخُ علويّ السقاف الاتفاقَ المحكي آنفًا على ما إذا بَقِيَ مِنْ آثارِ القول ما يلزمُ منه مع الثاني تركيبُ حقيقةٍ واحدةٍ مركبةٍ لا يقولُ بها كلٌّ مِنْ الإمامين (٤). والظاهرُ اختصاصُ الاتفاقِ - على فرضِ التسليمِ به - بالعامي (٥)؛ لأنَّ المتمذهبَ قد يظهرُ له رجحانُ غيرِ مذهبِه، بخلافِ العامي، فليس لديه أهليةُ معرفةِ الراجحِ (٦). وأيضًا: فمِن الأقوالِ في المسألةِ قولُ مَنْ يجعلُ المتمذهبَ كالعامي، فيجوزُ له الخروج من مذهبِه قبلَ العملِ، لا بعده. • الأقوال في المسألة: اختلفَ الأصوليون في خروجِ المتمذهبِ عن مذهبِه على أقوال، أشهرها: القول الأول: لا يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ بغيرِ مذهبِه. نَسَبَ أبو المحاسنِ بنُ تيميةَ هذا القولَ إلى بعضِ الحنابلةِ، وبعضِ الشافعيةِ (٧).

стр. 952

وجَزَمَ الجيلي (١) بهذا القولِ - كما نقله عنه بدرُ الدين الزركشي في كتابِه: (البحر المحيط) (٢) - واختاره: إمامُ الحرمين الجويني (٣)، وابنُ حمدان (٤)، وتقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ (٥)، وابنُ أبي القاسم اليماني (٦)، كما نسبه إليه ابنُ الوزيرِ (٧). وذَكَرَ هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ كلٌّ مِنْ: ابنِ بَرْهان (٨)،

стр. 953

والآمديّ (١)، وابنِ الحاجبِ (٢)، وشهابِ الدين القرافيّ (٣)، وصفيّ الدين الهندي (٤)، وأبي الثناءِ الأصفهاني (٥)، وتاجِ الدين بن السبكي (٦)، وجمالِ الدين الإسنوي (٧)، وأبي زكريا الرهوني (٨)، وبدرِ الدّينِ الزركشي في كتابه: (تشنيف المسامع) (٩)، وابنِ الهمامِ الحنفي (١٠)، وابنِ أمير الحاج (١١)، وأحمدَ الحموي (١٢). ونَسَبَ عبد الله العلوي هذا القول إلى أبي عبدِ الله المازري، وأبي حامدٍ الغزالي (١٣). ويمكن أنْ يُلْحَقَ بأرباب هذا القولِ القائلون بوجوبِ التمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّن دونَ سائرِ الأئمةِ. القول الثاني: يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ بغيرِ مذهبِه. نسب أبو المحاسنِ بن تيمية هذا القولَ إلى جمهورِ الحنابلةِ، وإلى سائرِ العلماءِ (١٤). ونسبه ابن النجارِ إلى الأكثرِ (١٥). ونسبه أبو زكريا الرهوني إلى بعضِ المتأخرين مِن المغاربةِ (١٦). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابن الحاجبِ (١٧)، والعزُّ ابن

стр. 954

عبد السلام (١)، ويحيى الزناتي (٢)، وأمير باد شاه (٣)، وأحمدُ الحموي (٤)، وجلالُ الدين السيوطي (٥)، وعبدُ العلي الأنصاري (٦)، وقيّدَ السيوطيُّ والأنصاريُّ القولَ بالجوازَ بأنْ لا يتتبع الرخصَ. وذَكَرَ هذا القول دون نسبةٍ إلى أحدٍ كلٌّ مِن: ابن بَرْهان (٧)، والآمديّ (٨)، وشهاب الدّينِ القرافيّ (٩)، وصفيّ الدِّين الهندي (١٠)، وأبي الثناء الأصفهاني (١١)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (١٢)، وجمالِ الدين الإسنوي (١٣)، وابنِ الهمام الحنفي (١٤)، وابنِ أمير الحاج (١٥)، وإبراهيم

стр. 955

اللقاني (١)، وعبدِ الله العلوي (٢). وقال عنه بدرُ الدّين الزركشي: "وهو الأصحُّ في الرافعي" (٣). ويلحقُ بأربابِ هذا القول مَنْ فصَّلَ الحكمَ: فأجازَ للمتمذهبِ الخروجَ عن مذهبِه إذا لم تكن المسألةُ الثانيةُ التي سيخالف مذهبَه فيها متصلةً بعملِ المتمذهب بالمسألةِ الأُولى، أمَّا إنْ كانت - المسألةُ الثانيةُ متصلةً بعملِ المتمذهبِ بالمسألةِ الأولى، فليس له الخروج عن مذهبِه. وقد ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ من العلماءِ، منهم: الآمدي (٤)، وشهابُ الدين القرافي (٥)، وأبو زكريا الرهوني (٦)، وإبراهيمُ اللقاني (٧). القول الثالث: أنَّ المتمذهبَ كالذي لم يلتزم مذهبًا، ليس له الخروجُ عن مذهبِه في الأحكامِ التي عملَ بها إلى غيرِه مِن المذاهبِ، وكلُّ مسألةٍ لم يعملْ فيها بمذهبِه، فلا مانعَ مِن الأخذِ بغيرِه. اختارَ هذا القولَ تاجُ الدين السبكي (٨)، وعبدُ الله العلوي (٩)، ومالَ إليه ابنُ الهمامِ الحنفي (١٠). وذَكَرَ القولَ الثالثَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ: أبو الثناء الأصفهاني (١١)، وبدرُ الدين الزركشي (١٢)، وأبو القاسم البرزلي (١٣)، وابنُ الهمام الحنفي (١٤).

стр. 956

القول الرابع: يجوزُ للتمذهبِ أنْ يخرجَ عن مذهبِه في بعضِ المسائل، إنْ غَلَبَ على ظنِّه أن غيرَ مذهبِه هو الأقوى. نَسَبَ بدرُ الدين الزركشي هذا القولَ إلى أبي الحسين القدوري (١). ويظهرُ لي أنَّ هذا القولَ لا يخرجُ في مجملِه عن القولِ الثاني؛ لأن مَنْ يجوّزُ الخروجَ عن المذهبِ، فإنَّه يجوّز الخروجَ إنْ غَلَبَ على ظنِّ المتمذهبِ رجحانُ غيرِ مذهبِ إمامِه؛ من بابٍ أولى. • أدلةُ الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: انعقدَ الإجماعُ على عدمِ جوازِ التنقلِ بين المذاهبِ؛ إذ لم يُعلمْ أنَّ أحدًا مِن المقلِّدين يترددُ بين مذاهبِ علماءِ الإسلامِ المتقدمين منهم والمتأخرين، فلم يُوجدْ مَنْ يقلِّدُ أبا بكرٍ ﵁ في مسألةٍ، ويقلِّدُ في أخرى عمر ﵁، ولا مَنْ كان حنفيًا في مسألةٍ، شافعيًا في أخرى. وقد حكى الإجماعَ ابنُ أبي القاسم اليماني، كما نقله عنه محمد الوزير (٢). مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا نُسلِّم صحةَ الإجماعِ المذكورِ في الدليلِ، بلْ قد انعقد الإجماعُ على خلافِ ما ذُكِرَ في الدليلِ (٣)، كما سيأتي الاستدلالُ به بعدَ قليلٍ. الوجه الثاني: أنَّ المستدلَّ بالإجماعِ عوَّل في انعقادِه على المقلِّدين

стр. 957

العوام، ومِن المعلومِ أنَّه لا عبرةَ بهم مع المجتهدين، فكيفَ بهم وحدهم؟ ! (١). الوجه الثالث: لو سُلِّمُ انعقادُ الإجماعِ لما كانَ فيه دلالةٌ على وجوبِ الالتزامِ بالمذهبِ في جميعِ المسائلِ، وتحريمِ الخروجِ عنه؛ لأنَّه فعلٌ، وليس بقولٍ، وفعلُ الأُمَّة دليلٌ على الجوازِ، لا على الوجوبِ؛ لأنَّها عُصِمَت عن الحرامِ، لا عن المباحِ (٢). الدليل الثاني: أن المتمذهبَ التزمَ مذهبَه كلَّه، فليس له أنْ يأخذَ بخلافِه (٣). الدليل الثالث: قياسُ حالِ المتمذهب في هذه الصورة على مَنْ أَخَذَ بقولِ إمامِه وعَمِلَ به، فليس له الرجوعُ عنه (٤). الدليل الرابع: لو لم نقلْ بمنعِ الخروجِ عن المذهب، لأدَّى ذلك إلى أنْ يأخذَ المتمذهبُ مِنْ أقوالِ العلماءِ ما هو أيسرُ عليه، وفي هذا مفسدةٌ ظاهرةٌ، فقلنا بالمنعِ؛ سدًّا للذريعةِ (٥)، وحفظًا على مصلحةِ التدين (٦). الدليل الخامس: أنَّ المتمذهبَ اعتقدَ أنَّ مذهبَه هو الصواب، فعليه الوفاءُ بموجَبِ اعتقادِه (٧).

стр. 958

مناقشة الدليل الخامس: لم ينشأ الاعتقادُ المذكورُ في دليلِكم عن دليلٍ شرعي، حتى يُلزم المتمذهب بالاستمرار عليه (١). الدليل السادس: أن مَنْ خَرَجَ عن مذهبِه مِنْ غيرِ مسوّغٍ، ولا استدلالٍ يقتضي خلافَ مذهبِه، ولا عذرٍ يبيحُ له ما فعله، فإنَّه يكونُ متبعًا لهواه، واتباعُ الهوى غيرُ جائزٍ (٢). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: لا فرقَ بين أقوالِ أئمةِ المذاهبِ بالنظرِ إلى اعتبارِها شرعًا، فليس هناك فرقٌ بينهم، وإذا لم يكن ثمّةَ فرقٌ، جازَ للمتمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ أنْ يخرجَ عن مذهبِه إلى مذهب غيرِه مِن الأئمةِ، والتزامُ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه لا يُخْرِجُ أقوال الأَئمةِ الآخرين عن كونِها معتبرةً (٣). الدليل الثاني: أنَّ التزامَ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه غيرُ ملزمٍ له أنْ لا يفارقَه، فلا يحرمُ عليه الخروجُ عنه (٤). الدليل الثالث: لم يَزَل الناسُ منذُ عهدِ الصحابةِ ﵃ إلى ظهورِ المذاهبِ الأربعةِ يأخذون بقولِ مَنْ اتفق مِن العلماءِ، ولم يُنْكِرْ عليهم أحدٌ، فكان هذا إجماعًا، ولو كانَ الواجبُ التزامَ أقوال عالمٍ بعينِه، لأنكرَ العلماءُ فعلَ الناسِ، وإذا أَخَذَ الشخصُ بمذهبٍ معيّنٍ وَجَبَ أنْ يبقى هذا التخييرُ

стр. 959

المجمعُ عليه، حتى يحصل دليلٌ على رفعِه (١). الدليل الرابع: لم يُوجب الله تعالى ولا رسولُه ﷺ على الناسِ أنْ يأخذوا بمذهب أحدٍ في جميعِ أمورِهم، ولم يحرِّم الله تعالى ولا رسولُه ﷺ على الناسِ الخَروجَ عن مذاهبِهم (٢). أدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الثالثِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: انتفاءُ الدليل الشرعي الموجِبِ والملزِمِ على المتمذهب اتباع مذهبِه فيما لم يعملْ به (٣)، وما لم يوجبْه الشرعُ فهو باطلٌ؛ لأنَّ التشريعَ بالرأي حرام (٤). مناقشة الدليل الأول: لا يشملُ دليلُكم حالةَ ما إذا عَمِلَ المتمذهبُ بمذهبِه، فهو مقتصرٌ على بعضِ قولِكم (٥). الدليل الثاني: إذا لم يجرْ للعامي الرجوعُ فيما عمل اتفاقًا، فالمتمذهبُ الملتزمُ مذهبًا معيّنًا أولى بعدمِ الجوازِ (٦). مناقشة الدليل الثاني: لا نُسلّم الاتفاق على أنَّه ليسَ للعاميّ الرجوعُ فيما عمل، وقد تقدمَ بيانُ هذا في صدرِ المسألةِ.

стр. 960

• الموازنة والترجيح: يرتبطُ الترجيحُ في هذه المسألةِ - مِنْ وجهةِ نظري - بالترجيحِ في مسألةِ: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعة) (١) المتقدّم بحثُها، ولأنِّي رجّحتُ جوازَ التمذهب في الجملةِ، فالذي يظهرُ لي في مسألتنا بعدَ النظرِ في الأقوالِ وأدلتها، رَجحانُ القولِ الثاني المجوِّز للمتمذهبِ الخروج عن مذهبه، إذا اطمأنتْ نفسُ المتمذهب إلى القولِ الذي ذَهَبَ إليه، وخلا الخروجُ عن قصدِ التلهي والتشهي؛ وذَلك سدًّا لذريعةِ الخروجِ مِنْ تكليفاتِ الشرعِ. ويتأكدُ الجوازُ إنْ كانَ خروجُ المتمذهب عن مذهبِه لمسوِّغ أو للاحتياطِ (٢)، أمَّا إنْ ظَهَرَ له رجحانُ مذهبِه، فليسَ له الخروجُ عنه (٣). وقد رجّحتُ ما سبق؛ للآتي: أولًا: سلامةُ الإجماعِ الذي استدلَّ به أصحابُ القولِ الثاني، والذي يدلُّ على أنَّ الأصلَ عدمُ لزومِ الاستمرارِ على مذهبِ مجتهدٍ واحدٍ. ثانيًا: لا فرقَ بين المذاهب الفقهيةِ مِنْ جهةِ جوازِ التمذهبِ بها، وبناءً عليه، فإن الأصلَ في الانتقالَ عنها والخروجِ منها هو الجوازُ. ثالثًا: أنَّ التزامَ المتمذهبِ بمذهبِه غيرُ ملزِمٍ له؛ لانتفاءِ الدليلِ الشرعي الذي يُلْزِم المتمذهب بالبقاءِ على مذهبِه والاستمرارِ عليه. رابعًا: لا يبعدُ أنْ يكونَ القولُ بمنعِ المتمذهبِ من الخروجِ عن مذهبِه عند بعضِ القائلين به ناشئًا من التعصبِ المذهبي. يقولُ الدكتورُ عياض السلمي عن حكمِ المسألةِ: "هذا لا يمكنُ منعه،

стр. 961

إلا على قولِ مَنْ يُوجِبُ على المقلّدِ الالتزام بمذهبٍ واحدٍ في جميعِ ما يفعلُ أو يترك، وهو قولٌ فاسدٌ لا دليلَ عليه، أوقعَ فيه الإفراطُ في التقليدِ" (١). خامسًا: أن اتباعَ الراجحِ هو الأصل، فإذا خَرَجَ المتمذهبُ عن مذهبِه؛ لظهورِ رجحانِ غيرِه، فقد أدَّى ما عليه. سادسًا: أنَّ الأدلةَ التي استدلَّ بها أصحابُ القولِ الأول لا تقوى على القولِ بمنعِ المتمذهب من الخروجِ عن مذهبِه، وهي معَارَضةٌ بما هو أقوى منها. • أثر الخلاف: الخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد ذَكَرَ جمالُ الدين الإسنوي أثرًا له في مسألة: إذا تولَّى مقلِّدٌ القضاءَ؛ للضرورةِ، فحَكَمَ بمذهب غيرِ مقلَّده: فإنْ قلنا: لا يجوزُ له الخروجُ عن مذهبِه، نُقِض حكمُه. وإنْ قلنا: يجوزُ له الخروجُ عن مذهبِه، لم يُنْقَضْ حكمُه (٢). * * *

стр. 962

المبحث الثالث: تتبع الرخص وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التتبع المطلب الثاني: تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم وبين زلة العالم المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص

стр. 963

توطئة إذا التزمَ المتمذهبُ مذهبَه، وأرادَ أنْ يأخذَ برخصةٍ مِنْ رُخَصِ المذاهبِ الأخرى، فهلْ له ذلك؟ تُعَدُّ مسألة: (تتبع الرخص) مِنْ المسائلِ المهمةِ التي كَثُرَ فيها كلامُ العلماءِ، ولا سيما مِنْ قِبَلِ المتأخرين والمعاصرين؛ وذلك لكثرةِ وقوعِ الناسِ فيها. المطلب الأول: تعريف التتبع التَّتَبُّعُ: مصدرٌ مِن الفعلِ تَتَبَّعَ، يُقالُ: تتَبَّعَ يَتَتَبَّعُ تَتَبُّعًا (١). وجعل الأخفشُ، والليثُ تَبعَ، واتَّبَعَ بمعنى واحد (٢). وفرَّقَ بينهما بعضُ أهلِ اللغةِ، فجعل تَبعَ بمعنى: مشى معه، تقولُ: تَبِعْتُ الرجلَ، إذا مشيتَ معه، واتَّبَعَ بمعنى: مشى خلفَه؛ ليلحقَه (٣). يقولُ الليثُ: "أمَّا التَّتَبُّع: فأنْ يتَتبَّعَ في مهلةٍ شيئًا بعدَ شيءٍ" (٤).

стр. 964

ويقولُ ابنُ فارسٍ: "التاءُ والباءُ والعين أصلٌ واحدٌ لا يشذُّ عنه مِن البابِ شيءٌ، وهو التُّلُوّ والقفْو" (١). ويقولُ الجوهريُّ: "تتبَّعْتُ الشيءَ تتبُّعًا، أيْ: تطلَّبْتُه مُتَتَبِّعًا له" (٢). ومِنْ إطلاقاتِ هذا المعنى: الأول: التُّبُّعُ: وهو الظلُّ (٣)؛ لأنَّه تابع أبدًا للشخصِ (٤)، وعلّل ابنُ دريد (٥) تسميةَ الظلِّ بالتُّبُّع؛ بانَّه يتبعُ الشمسَ (٦). الثاني: التَّبِيْعُ: وهو ولدُ البقرة إذا تَبعَ أمَّه (٧).

стр. 965

الثالث: التَّبِيْعُ: النصيرُ؛ لأنه يَتْبَعُه نصرُه (١). الرابع: التَّبِيْع: الذي لك عليه مال، فأنتَ تَتْبَعُه (٢). الخامس: التَّبِيْعُ: الذي له عليك مالٌ، يُتَابِعُك به، أيْ: يطالبك (٣). فالتَّتَبُّعُ معناه في اللغةِ: تَطلّبُ الشيءِ. المطلب الثاني: تعريف الرخصة في: اللغة، والاصطلاح للرخصةِ معنى لغوي، ومعنى في اصطلاحِ الأصوليين، وسوفُ أعرضهما مبتدئًا بالمعنى اللغوي. أولًا: تعريف الرخصة في اللغة: الرُّخْصَة - وِزَان غُرْفَة (٤)، وتضمُّ الخاء (٥) -: مصدرٌ، يُقالُ: رَخُصَ - بالضم وبالفتح - يَرْخَصُ رُخْصًا (٦)، ورُخْصَةً، والجمع: رُخَص، ورُخُصَات، كغُرَف، وغُرُفات (٧). ومعنى مادةِ (رخص): اللّينُ، وخلافُ الشّدةِ، يقولُ ابن

стр. 966

فارسٍ: "الراءُ والخاءُ والصادُ أصلٌ يدلُّ على لينٍ، وخلافِ الشدةِ" (١). والفعلُ رَخُصَ، ورَخَصَ فعلٌ لازمٌ، ويتعدَّى بالهمزةِ، فيُقالُ: أرخصَ للهُ السعرَ (٢)، يقولُ الفيومي: "وتعديتُه بالتضعيفِ، فيُقالَ: رخَّصَه للهُ، غيرُ معروفٍ" (٣). ومِنْ إطلاقاتِ الرُّخْصَةِ، والرُّخُصةِ: أولًا: التسهيلُ وخلافُ التشديدِ (٤)، وترخيصُ الله للعبدِ فيما يُخَفّفه عليه (٥). ثانيًا: النّوبةُ في الشربِ (٦). ثالثًا: ضدُّ الغلاءِ (٧)، يُقالُ: رَخُصَ السعرُ، وأرخصه لله، فهو رخيصٌ (٨). والرَخْصُ: الرطبُ الناعمُ (٩)، يُقالُ: رَخْصُ الجسدِ بيِّنُ الرُخُوصةِ

стр. 967

والرَخَاصةِ (١)، وامرأةٌ رَخْصَةُ البدنِ، إذا كانت ناعمةَ الجسمِ (٢)، والرَّخِيْصُ: الثوبُ الناعمُ (٣). فالرخصةُ معناها في اللغة: السهولةُ واليسرُ، وخلافُ التشديدِ. ثانيًا: تعريف الرخصة في الاصطلاح: عرَّفَ الأصوليون الرُّخْصةَ المقابلةَ للعزيمةِ بعدةِ تعريفاتٍ، وسأذكرُ عددًا منها دونَ ذكرِ الاعتراضاتِ الواردةِ عليها؛ وذلك لأنَّ المقصدَ معرفةُ ما ذكره الأصوليون، دون حاجةٍ إلى تحقيق التعريفِ السالم مِنْ الاعتراضات. التعريف الأول: جوازُ الفعلِ مع قيامِ المقتضي للمنعِ. وهذا تعريفُ الفخرِ الرازي في ضوءِ تقسيمه للفعلِ الذي يجوزُ للمكلَّفِ الإتيانُ به (٤). التعريف الثاني: استباحةُ المحظورِ مع قيامِ الحاضرِ. وهذا تعريفُ الموفقِ ابن قدامة (٥). التعريف الثالث: ما شُرِعَ مِن الأحكامِ لعذرٍ، مع قيامِ السببِ المحرِّمِ. وهذا تعريفُ الآمدي (٦). التعريف الرابع: المشروعُ لعذرٍ، مع قيامِ المحرِّم لولا العذرُ. وهذا تعريفُ ابنِ الحاجبِ (٧)، وهو قريبٌ مِن تعريفِ الآمدي (٨).

стр. 968

التعريف الخامس: جوازُ الإقدامِ على الفعلِ، مع اشتهارِ المانعِ منه شرعًا. وهذا تعريفُ شهابِ الدين القرافي (١). التعريف السادس: ما ثَبَتَ على خلافِ دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجحٍ. وهذا تعريفُ الطوفي (٢). المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص قبلَ بيانِ المرادِ بتتبعِ الرُّخصِ، لا بُدَّ أولًا مِنْ بيانِ المقصودِ بالرخْصةِ في قولنا: تتبع الرخص: المقصودُ بالرخصةِ في مسألتِنا هو الرُّخصةُ بمعناها اللغوي: السهولةُ واليسرُ الواقعةُ في المذاهبِ الفقهيةِ (٣)، دونَ الرخصةِ المقابلةِ للعزيمةِ (٤). يقولُ البنانيُّ: "الرخصةُ هنا بمعناها اللغوي: وهي السهولةُ، سواءٌ انطبقَ عليها حدُّ الرخصةِ اصطلاحًا، أم لا" (٥).

стр. 969

ويقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي: "هل المرادُ بالرُّخصِ هنا - أيْ: في مسألةِ: (تتبع الرخص) - الأمور السهلة، أو الَّتي ينطبقُ عليها ضابطُ الرخصةِ عند الأصوليين؟ محلُّ نظرٍ، ولم أرَ مَنْ نبَّه عليه، ومقتضى تعبيرِ أصلِ: (الروضةِ) بالأهونِ عليه (١) الأول، وليسَ ببعيدٍ" (٢). وقد عرَّفَ أعضاءُ مجمعِ الفقهِ الإِسلامي الرّخَص بأنَّها: ما جاءَ مِن الاجتهاداتِ المذهبيةِ مبيحًا لأمرٍ، في مقابلةِ اجَتهادات أخرى تَحْظُرُه (٣). وهو تعريفٌ جيدٌ. وقد ذَكَرَ الأصوليون عدة تعريفاتٍ لتَتبعِ الرخصِ، منها: التعريف الأول: اختيارُ المكلّفِ مِنْ كلّ مذهبٍ ما هو الأهونُ عليه. ذَكَرَ هذا بدرُ الدّينِ الزركشيُّ، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، وإِنَّما صدَّرَ الحديثَ عن تفسيقِ المتتبعِ للرخصِ بقولِه: "فلو اختار مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو الأهون عليه" (٤). ولعل ما ذكره الزركشيُّ مستفادٌ ممَّا قرره أبو القاسمِ الرافعي؛ إِذْ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ أَخَذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو الأهون عليه، دونَ أنْ يُسمّي الأخذَ بتَتَبّعِ الرخصِ (٥). وتَبعَ بدرَ الدين الزركشيَّ فيما قالَ عددٌ مِنْ أهل العلمِ، منهم: جلالُ

стр. 970

الدين السيوطيُّ (١)، وبدرُ الدّينِ الغزي (٢)، وشمسُ الدّينِ الرملي (٣)، وعبدُ الرؤوف المناوي (٤)، والدكتور محمد الحفناوي (٥). وقريبٌ ممَّا ذكره بدرُ الدين الزركشيّ تعريفُ جلالِ الدين المحلي؛ إِذ عرَّفَ تتبعَ الرخصِ بـ: أنْ يأخذَ المكلّفُ مِنْ كلِّ مِن المذاهب ما هو الأهون فيما يَقَعُ مِن المسائلِ (٦). وتبعَ جلالَ الدِّينِ المحلي في تعريفِه: ابنُ أمير الحاج (٧)، وأمير باد شاه (٨)، وعبدُ الله العلوي (٩)، ومحمد عليش المالكي (١٠)، والدكتورُ محمد مدكور (١١)، وعبد العزيز الخليفي (١٢)، والدكتور إِبراهيم إِبراهيم (١٣). وتَبعَ جلالَ الدّين أيضًا: الدكتورُ عبد العزيز القايدي، إِلَّا أنَّه أبدلَ كلمةَ: "المسائل" بـ "الأحداثِ" (١٤). وقريبٌ مِنْ تعريفِ جلال الدين المحلي تعريفُ الدكتور وهبة الزحيلي، إِذ عرَّفَ تتبعَ الرخصِ بـ "أنْ يأخذَ الشخصُ مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو أهونُ عليه وأيسر، فيما يَطْرَأ عليه مِن المسائلِ" (١٥).

стр. 971

التعريف الثاني: أنْ يعملَ العاميُّ بكلِّ رُخْصةٍ وَجَدَها، ولا يعملُ بغيرِها في ذلك المذهبِ. وهذا مستفادٌ مِن كلامِ المرداوي؛ إِذ يقولُ في سياقِه للمسألةِ: "وهو - أيْ: العامي -: أنَّه كلما وَجَدَ رخصةً في مذهبٍ عَمِلَ بها، ولا يعملُ بغيرِها في ذلك المذهب" (١). وتبع ابنُ النجار المرداويَّ فيما قالَ (٢). التعريف الثالث: أنْ يأخذَ المكلّفُ مِنْ كلِّ مذهبٍ بالأسهلِ. وهذا تعريفُ إِبراهيمَ اللقاني (٣)، وهو مستفادٌ ممَّا ذكره بدرِ الدين الزركشي، كما هو ظاهرٌ. ووافق اللقانيَّ في تعريفِه: علويٌّ السقاف (٤)، ومحمدُ بن عثمان الحكيم (٥). التعريف الرابع: رفعُ مشقةِ التكليفِ باتّباعِ كلِّ سهلٍ. وهذا تعريفُ بعضِ المالكيةِ، كما نقله محمدٌ الدسوقي (٦)، وأحمدُ الصاوي (٧). التعريف الخامس: اختيارُ الشخصِ لما يراه مناسبًا وملائمًا مِن الأحكامِ في المذاهب؛ لميلِ نفسِه، لسهولتِه عليها، ولكونِه أخفَّ تطبيقًا عنده ممَّا لو طبّقَ عليهَا غيرُه.

стр. 972

وهذا تعريفُ عبدِ الله الشنقيطي (١)، وفي تعريفِه طولٌ مِنْ غيرِ حاجةٍ، ثم إِنَّه عادَ فعرَّفَ تتبع الرخص بـ: "تَطلّب السهولةِ واليسر في الأحكامِ" (٢). التعريف السادس: أخذ المقلِّدِ أسهل وأخف أقوالِ العلماءِ عليه في المسائلِ. وهذا تعريفُ الدكتور سعد الشثري (٣)، ولو حذف إِحدى اللفظتين: أسهل، أو أخف؛ لئلا يكونَ في التعريفِ تكرارٌ. التعريف السابع: الأخذُ بأخفِّ الأقوالِ في المسائلِ الخلافيةِ. وهذا تعريفُ الدكتور عياض السلمي (٤)، وقد نصَّ على أنَّ تتبعَ الرخص قد يقعُ مِن المجتهدِ، ومِن المقلِّدِ (٥). التعريف الثامن: الأخذُ بالاجتهاداتِ المذهبيةِ لأمرٍ في مقابلةِ اجتهاداتٍ أخرى تَحْظُره؛ لمسوِّغٍ شرعي. وهذا تعريفُ الشيخِ عبد الله آل خنين (٦). وهو مستمدٌ مِنْ تعريفِ أعضاءِ مجمعِ الفقهِ الإِسلامي للرخصِ، إِلَّا أنَّه أضاف في آخره قيدًا، وهو "لمسوّغٍ شرعي". وأرى أنَّ إِضافةَ هذا القيدِ محلُّ نظرٍ، لأنَّ كلامَ العلماءِ في المسألةِ يشملُ تتبعَ الرخصِ دونَ مسوّغٍ شرعي. وغالبُ التعريفاتِ السابقةِ تسيرُ في اتجاهٍ واحدٍ، ويمكنُ تعريف تتبع الرخصِ بـ: أنْ يأخذَ المكلَّفُ فيما يَقَعُ له مِن المسائلِ بأخفِّ الأقوالِ، دونَ اعتبارٍ للقولِ الراجحِ.

стр. 973

وقبلَ أنْ أنتقلَ إِلى المطلبِ الرابعِ أنبّه إِلى أمرين: الأمر الأول: أن أخذَ الرخصةِ المذهبيةِ لا يُسمّى تَتَبّعًا إِلَّا إِذا كان متكررًا؛ لدلالةِ المعنى اللغوي لكلمة (التتبع) عليه (١). الأمر الثاني: قد تكونُ الرخصةُ خارجَ المذهب، وقد تكون مِنْ الأقوالِ والرواياتِ الموجودةِ في المذهبِ، وأكثرُ كلامِ الَعلماءِ في الرخصةِ الخارجةِ عن المذهبِ، كما تدلُّ عليه بعضُ التعريفاتِ السابقة (٢). المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم تقدّمَ لنا في المطلب الثالثِ بيانُ أنَّ المرادَ بالرخصِ في مسألةِ: (تتبع الرخص) هي الرُّخص المَذهبيةُ، وقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ التحذيرُ مِن الأخذِ بزلةِ العالمِ (٣)، فهلْ تدخلُ زلةُ العالمِ في الرّخصِ؟ قبلَ الحديثِ عن الفرقِ بين الرخصةِ مِن العالمِ، وزلتِه، لا بُدَّ مِنْ بيانِ المرادِ بزلةِ العالمِ؛ ليتسنى لنا معرفة الفوق بينهما. المراد بزلة العالم: كانَ لبعضِ العلماءِ حديثٌ عن عصمةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، وذكروا فيه المرادَ بالزلةِ، يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: "أمَّا الزَّلةُ، فإِنه لا يُوْجَد فيها القصدُ إِلى عينِها أيضًا، لكن يُوجدُ القصدُ إِلى أصلِ الفعلِ ... " (٤).

стр. 974

ويقولُ حسامُ الدين السغناقي (١): "الفرقُ بين الزّلةِ، والمعصيةِ: أنَّ الزَّلةَ اسمٌ لفعلٍ حرامٍ غيرِ مقصود في عينِه، والمعصيةَ: اسمٌ لفعلٍ حرامٍ مقصودٍ بعينِه" (٢). وعرَّفَ الشيخُ محمد الباني زلةَ العالم بأنَّها: الأقوالُ الشاذّةُ (٣). ويقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ: "إِنَّها - أيْ: زلة العالم - موضوعةٌ على المخالفةِ للشرعِ؛ ولذلك عُدَّتْ زلّةً .. كما أنَّه لا ينبغي أنْ يُنسبَ صاحبُها إِلى التقصيرِ ... " (٤). ويقولُ - أيضًا - في معنى الزّلةِ: "وزَلَلُ العالمِ ... يحتملُ وجهين: أحدهما: زلَلُه في النّظرِ، حتى يُفتي بما خَالفَ الكتابَ والسنةَ، فيُتَابَع عليه، وذلك الفُتْيَا بالقولِ. والثاني: زلَلُه في العملِ بالمخالفاتِ، فيُتَابَع - أيضًا - عليها على التأويلِ، وهو في الاعتبارِ قائمٌ مقامَ الفُتْيَا بالقولِ" (٥). ويقولُ أيضًا: "لهذا تُسْتَعْظمُ شرعًا زلةُ العالمِ، وتصير صغيرتُه كبيرةً ...

стр. 975

فإِذا زلَّ حُمِلَتْ زلتُه عنه - قولًا كانت أو فعلًا - لأنَّه موضوع منارًا يُهتدى به، فإِنْ عَلِمَ كونَ زلتِه زلةً صغرت في أعينِ الناسِ ... وتوهموا فيها رخصةً ... " (١). وألفاظُ أبي إِسحاقَ الأخيرة مشعرةٌ بالتفريقِ بين الرخصةِ، والزلةِ. ويقولُ ابنُ القيِّم: "إِذا عُرِفَ أنَّها زلةٌ لم يجزْ له أنْ يَتَّبِعَه فيها باتفاقِ المسلمين؛ فإِنَّه اتباعٌ لَلخطأِ على عمدٍ" (٢). ومِنْ خلالِ تأمَّلِ المواطنِ الَّتي وَرَدَ فيها التحذيرُ مِنْ زلةِ العالمِ، ومِنْ بيانِ بعضِ العلماءِ للمقصودِ بالزّلةِ في باب عصمةِ الأنبياءِ، ومِنْ خلالِ تأمّلِ كلامِ الشاطبي وابنِ القيّم، يظهرُ لي أنَّ الَمقصودَ بزلةِ العالمِ: القولُ الصادرُ عن المجتهدِ، الَّذي أخطأ فيه عن غيرِ قصدٍ. ومِن الألفاظِ المرادفةِ لزلةِ العالم: عثرةُ العالمِ؛ وقد جاءَ عن ابنِ عبَّاس ﵄ التحذير مِنْ عثراتِ العلماءِ، وجاءتْ رواية أخرى عنه، ولفظها: (ويلٌ للأتباعِ مِنْ زلةِ العالمِ). قيل له؛ وكيفَ ذلك؟ قال: (يقولُ العالمُ الشيءَ برأيه، فيلقى مَنْ هو أعلمُ برسولِ الله ﷺ منه، فيخبره، ويرجع، ويقضي الأتباعُ بما حَكَمَ) (٣). الفرق بين زلة العالم، والرخصة: بناءً على ما تقدم قبل قليل، فإِنَّه يمكنُ القولُ بأنَّ زلةَ العالم، والرخصةَ يجتمعانِ في أنَّ كلًّا منهما توصفُ به أقوالُ المجتهدِ. ويفترقانِ في أنَّ الزّلةَ هي القولُ الَّذي أخطًا فيه المجتهدُ، سواءٌ أكانَ قولًا ثقيلًا، أم خفيفًا. أمَّا الرخصةُ، فهي القولُ السهلُ اليسير، سواءٌ أزلَّ فيه المجتهدُ، أم لا، وسواءٌ أأخطأَ فيه، أم لا.

стр. 976

ثمَّ إِنَّ الغالبَ انفرادُ المجتهدِ بالقولِ الَّذي زلَّ فيه. أمَّا الرخصةُ، فقد ينفردُ المجتهدُ بالقولِ بها، وقد يوافقه غيرُه مِن المجتهدين. ولذا فإِنَّ القولَ الَّذي يوصفُ بأنَّه زلةٌ أخطرُ مِن القولِ الَّذي يُوصف بانَّه رخصةٌ؛ إِذ الزّلةُ أشدّ، يقولُ ابنُ عبدِ البرِ: "شبّه العلماءُ زلةَ العالمِ بانكسارِ السفينةِ؛ لأنَّها إِذا غَرِقَتْ غرقَ معها خلقٌ كثيرٌ" (١). ويمكنُ القولُ: إِنَّ النسبةَ بين الرخصةِ مِن العالمِ، والزَّلةِ منه: هي العمومُ والخصوصُ الوجهي، فيجتمعانِ في القولِ الَّذي زلَّ العالمُ فيه، وفيه رخصةٌ وسهولةٌ. وتنفردُ الرخصة بالقولِ السهلِ الَّذي لا يُقْطَعُ فيه بخطأِ المجتهدِ. وتنفردُ الزّلةُ بالقولِ الَّذي أخطأَ فيه المجتهدُ، وليس فيه تسهيلٌ على الناسِ. وبناءً على ما سَبَقَ، يمكنُ القولُ أيضًا: إِن الرّخصَ درجاتٌ، فمنها ما يكونُ قولًا غريبًا شاذًّا لا يلتفتُ إِليه، ومنها ما تكونُ قولًا غير شاذٍّ (٢). المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص اختلفتْ أنظارُ العلماءِ في مسألةِ: (حكم تتبع الرخص)، ومن اللازمِ قبلِ عرضِ أقوالهم في المسألةِ أنْ أُحرر محلَّ النزاعِ. • تحرير محل النزاع: أولًا: لا يَبعدُ القولُ: إِنَّ العلماءَ متفقون على منعِ تتبعِ الرخصِ إِذا

стр. 977

كان أَخْذُها على سبيلِ التلهي، كلعبِ الحنفي بالشِّطرنجِ (١) على رأي الشافعيةِ؛ قصدًا إِلى اللهوِ. يقولُ عبدُ العلي الأنصاري عن الحالةِ السابقةِ: "ولعل هذا حرامٌ بالإِجماعِ؛ لأنَّ التلهيَّ حرامٌ بالنصوصِ القاطعةِ" (٢). ويؤكِّدُ المنعَ السابق: أنَّه لا حاجةَ - فضلًا عن الضرووةِ - إِلى التلهي؛ ليترخصَ المكلّفُ بأقوالِ العلماءِ. والظاهرُ مِنْ حكايةِ الاتفاقِ شموله لتتبعِ الرخصِ للتلهي، وللأخذِ برخصةٍ واحدةٍ؛ للتلهي. ثانيًا: اتفقَ العلماءُ على أنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يعتقدَ الشيءَ واجبًا أو حرامًا، ثمَّ يعتقدَ أنَّه غيرُ واجبٍ أو غير حرامٍ؛ كل ذلك بمجرّدِ الهوى والتشهي (٣). يقولُ ابنُ حزمٍ: "اتفقوا على أنَّه لا يحلُّ لمفتٍ ولا لقاضٍ أنْ يحكمَ بما يشتهي ... في قصةٍ (٤)، وبما اشتهى ممَّا يخالفُ ذلك الحكم في أخرى مثلِها، وإِنْ كانَ كلا القولينِ ممَّا قالَ به جماعةٌ مِن العلماءِ، ما لم يكنْ ذلك لرجوعٍ عن خطأٍ لاحَ له إِلى صوابٍ بانَ له" (٥). ويقولُ أيضًا: "اتفقوا على أنَّ طلبَ رُخَصِ كلِّ تأويلٍ بلا كتابٍ ولا سنةٍ فسقٌ، لا يحلُّ" (٦).

стр. 978

ويقولُ المرداويُّ: "أمَّا الحكمُ بالتشهي، فلا نعلمُ أحدًا مِنْ أصحابِ الإِمامِ أحمدَ، بلْ ولا مِنْ غيرِهم قالَ به؛ فإِنَّ ذلك يفضي إِلى الإِباحةِ والتحريمِ بالتشهي، وهذا ممَّا لا يسوغُ في دينِ الإِسلامِ" (١). ويقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: "وقد نصَّ أحمدُ على أنَّه ليس لأحدٍ أنْ يعتقدَ الشيءَ واجبًا أو حرامًا، ثمَّ يعتقده غير واجبٍ ولا حرامٍ؛ بمجرّدِ هواه، مثل: أنْ يكونَ طالبًا لشفعةِ الجوارِ، فيعتقدها أنَّها حقّ له، ثم إِذا طُلِبَتْ منه شفعةُ الجوارِ اعتقدها أنَّها ليست ثابتًا، أو مثل مَنْ يعتقد إِذا كان أخًا مع جدٍّ أنَّ الإِخوةَ تقاسمُ الجدَّ، فإِذا صارَ جدًّا مع أخٍ، اعتقدَ أنَّ الجدَّ لا يُقاسمُ الإِخوة" (٢). ثالثًا: إِذا ألجأت الضرورةُ إِلى الأخذِ بالرخصِ، فالظاهرُ الجوازُ؛ لحالِ الاضطرارِ (٣). رابعًا: اتفقَ العلماءُ على أنَّ الواجبَ على المجتهدِ أنْ يأخذَ بما أدّاه إِليه اجتهادُه (٤)، وبناءً عليه، لا يجوزُ له تتبعُ الرخصِ في عملِه ولا في إِفتائِه، لغيرِ مسوّغٍ. لكنْ لو أدَّى اجتهادُ المجتهدِ إِلى الأخذِ بالرخصةِ، فله ذلك (٥)؛ لأنَّ أخذَه بالرخصةِ في هذه الحالة بناءً على اجتهادِه، وليس منْ بابِ تتبعِ الرخصِ، ويظهر لي أنَّه لا خلافَ في هذا الأمرِ.

стр. 979

خامسًا: يظهرُ لي أنَّه لا يدخلُ في النزاعِ ما إِذا ترجّحتْ للمتمذهب إِذا كانتْ لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ رخصةٌ مِن الرخصِ، وله الأخذُ بها، كالمجتهدِ. سادسًا: يظهرُ لي أيضًا أنَّه لا يدخلُ في النزاعِ ما إِذا أَخَذَ المتمذهبُ بِرُخَصِ إِمامِه؛ لأنَّ أخذه بها في هذه الحالةِ مِنْ بابِ التمذهبِ، لا مِنْ باب تَتَبّع الرخصِ (١). سابعًا: يُفْهَم مِنْ كلامِ بعضِ الأصوليين أنَّ محلَّ النزاع فيمَنْ كان شأنُه الأخذ برخصِ المذاهبِ، لا مَنْ أَخَذَ برخصةٍ مِنْ غيرِ تتبعٍ (٢). ثامنًا: حكى أبو عبد الله الفاسي (٣)، والدكتورُ محمد مدكور (٤)، والدكتور إِبراهيم إِبراهيم (٥)، والباحثُ صالح سندي (٦) اتفاقَ العلماءِ على المنعِ مِنْ تَتَبّع الرخصِ إِذا كان مفضيًا إِلى ما ينقضُ به حكم الحاكم من مخالفةِ نصٍّ أوَ قياسٍ جليٍّ. ومَعَ وجاهةِ ما ذكروه، إِلَّا أنِّي لم أقفْ - فيما رجعتُ إِليه من مصادر - على ما يدلُّ على الاتفاقِ المحكي. فيما عدا ما سبق، ما حكم تتبع الرخص؟ • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في حكمِ تتبعِ الرخصِ على أقوال، أشهرها:

стр. 980

القول الأول: أنَّ تتبعَ الرخصِ محرَّمٌ. وهذا القولُ هو الصحيحُ عند الحنفيةِ (١)، والأصحُّ عند المالكيةِ (٢)، وهو مذهبُ الشافعيةِ (٣)، ومذهبُ الحنابلةِ (٤). يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "الَّذي يدلُّ عليه كلامُ أصحابِنا وغيرِهم أنَّه لا يجوزُ له - أيْ: للعامي - يَتَتَبَّع (٥) الرخص مطلقًا" (٦). ونَسَبَ الأميرُ الصنعانيُّ هذا القولَ إِلى جمهورِ العلماءِ (٧). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (٩)، وابنُ الصلاحِ (١٠)، ومحيي الدين النووي (١١)، وابنُ حمدان (١٢)، ويحيى الزناتي (١٣)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (١٤)، وابنُ جزي المالكي (١٥)، وشمسُ الدين الذَّهبي (١٦)، وابنُ القيم (١٧)، وتقيُّ الدين السبكي (١٨)، وابنُ مفلحٍ (١٩)، وتاج الدين السبكي (٢٠)، وأبو إِسحاقَ

стр. 981

الشاطبي (١)، وبدرُ الدين الزركشي (٢)، والمرداوي (٣)، وأبو علي الشوشاوي (٤)، وابنُ المبرد (٥)، وجلال الدين السيوطي (٦)، وابنُ النجار (٧)، وابنُ حجر الهيتمي (٨)، وبدرُ الدين الغزي (٩)، وعبد الرؤوف المناوي - وقيّدَ المنعَ بأنْ يُؤدي تتبعُ الرخصِ إِلى انحلالِ رِبْقَة التكليفِ مِنْ عنقِه (١٠) - ومرعيُّ الحنبلي (١١)، وإِبراهيمُ اللقاني (١٢) ومحمد بنُ عثمان الحكيم (١٣)، ومحمدٌ السفاريني (١٤)، والبناني (١٥)، وأبو عبد الله الفاسي (١٦). ونَقَلَ علوي السقاف القولَ بمنعِ تتبع الرخصِ، دونَ تعقبٍ (١٧). وذَهَبَ إِلى القولِ الأولِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: عبدُ العزيز

стр. 982

الراجحي (١)، والدكتورُ محمد الدسوقي (٢)، والدكتورُ عياض السلمي (٣)، والدكتورُ سعد الشثري (٤)، والدكتورُ حسين الملاح (٥). وذَهَبَ محمدٌ حياة السندي إِلى أنَّ الأحسنَ عدمُ أخذِ الرخصِ لغيرِ المضطرِ (٦). وقد جاءَ عن بعضِ السلفِ التحذيرُ مِن الأخذِ بالرخصِ، وأنَّ مَنْ فعلَ ذلك فقد اجتمعَ فيه الشرُّ، مِنْ هؤلاءِ: يحيى القطان (٧)، وسليمانُ التيمي (٨)،

стр. 983

والإِمامُ الأوزاعي (١). القول الثاني: أنَّ تتبعَ الرخصِ جائزٌ. نَسَبَ تاجُ الدين بن السبكي (٢)، والأميرُ الصنعاني (٣)، وعبدُ الله العلوي (٤) هذا القولَ إِلى أبي إِسحاقَ المروزي (٥). وتعقبَ نسبةَ تاجِ الدّينِ السبكي: بدرُ الدين الزركشيُّ (٦)، ووليُّ الدين العراقيُّ (٧)، وجلالُ الدين المحلي (٨)، وجلالُ الدين السيوطي (٩)؛ وذلك لاطلاعِهم على نسبةِ القولِ بتفسيقِ متتبعِ الرخصِ إِلى أبي إِسحاقِ، وإِذا ذَهَبَ أبو إِسحاقَ إِلى تفسيقِ متتبعِ الرخصِ، فكيفَ يُنسبُ إِليه القولُ بجواز تتبعها؟ !

стр. 984

وتوسّطَ المرداويُّ هنا، فقال: "ويحمل (١) أنْ يكون للمروزي قولانِ" (٢). والقولُ بجوازِ تتبعِ الرخصِ هو ظاهرُ قولِ العزِّ بن عبد السَّلام (٣). ونازعَ ابنُ حجرٍ الهيتمي (٤)، وإِبراهيمُ اللقاني (٥) في نسبةِ القولِ إِلى العز بن عبد السَّلام؛ لأنَّه لم يُعَبّرْ بالتتبعِ، وإنَّما عَبّرَ بالعملِ برخصِ المذاهبِ، وليسَ العملُ برخصِ المذاهبِ مقتضيًا جوازَ تتبع الرخصِ؛ لصدقِ الأخذِ بها مع الأخذِ بالعزائمِ. وما قالاه وجيهٌ. واختارَ القولَ الثاني: ابنُ الهمام الحنفي (٦)، وابنُ أمير الحاج (٧) - واشترط في موضعٍ آخر: عدمَ اعتقادِ المتتبع للرخصِ كونه متلاعبًا بالدّينِ متساهلًا فيه (٨) - وأحمدُ الحموي (٩)، ومحبُ الله بن عبد الشكور (١٠)، وعبدُ العلي الأنصاري (١١)، وهو ظاهرُ قولِ الأمير الصنعاني (١٢)، وهو قولُ الدكتورِ زكي الدين شعبان (١٣). ونَسَبَ الدكتور وهبة الزحيلي هذا القول إِلى أكثرِ أصحاب الشَّافعي! (١٤).

стр. 985

ويقولُ الأميرُ الصنعاني: "وهو - أيْ: جواز تتبع الرخص - الظاهرُ ممَّنْ لم يُوجب الالتزامَ" (١). وهذا محلُّ نظرٍ؛ فإِنَّ ممَّنْ لم يُوجب الالتزام مَنْ قال بمنعِ تتبعِ الرخصِ. وجوّزَ محمدٌ الأمين الجكني، وبعضُ المتأخرين تتبعَ الرخصِ للموسوسِ (٢). واختارَ بعضُ المالكيةِ القولَ بجوازِ تتبعِ الرخصِ، إِلَّا أنَّه ينبغي أنْ لا يتتبعَ الرخصَ في أبوابِ النكاحِ (٣). القول الثالث: يجوزُ تتبعُ الرخصِ بضوابط معينةٍ، وقد اختلفَ أصحابُ هذا القولِ في تحديدِ الضوابط على اتجاهاتٍ متعددةٍ: الاتجاه الأول: ضابطُ جوازِ تتبعِ الرخصِ أنْ لا يترتبَ على تتبّعِها ما ينقضُ فيه قضاء القاضي، والذي ينقض فيه قضاء القاضي: ما خالفَ الإِجماعَ، أو القواعدَ، أو النصَّ الَّذي لا يحتملُ التأويل، أو القياسَ الجليَّ. وهذا قولُ شهابِ الدين القرافي (٤)، وبعضِ المالكيةِ (٥). الاتجاه الثاني: يجوزُ تتبع الرخصِ بشرط: أنْ لا يخالفَ المتتبعُ أمرًا مجمعًا عليه. وهذا قول ابنُ نور الدين (٦).
следующие страницы →