Полный текст (186 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تلقى الرياسة أو تموت بطعنة … والموت يأتي من نأَى وتجنَّبا
قالوا: دعا المنذر ابنه النعمان، وهو غلام شاب، فقال: " يا بنيّ، إن لي فيك رأيا دون غيرك من لدي، فإني آمرك بما أمرني به والدي، وأنهاني عما نهاني عنه والدي، آمرك بالذلّ في عرضك، وذلك أن تكون ذلولا بالمعروف، وعليك بالانخداع في مالك، وأُحبُّ لك خلوة اللّيل وطول السَّمر، وأكره لك إخلاف الصديق، واطّراف المعرفة، واتهاك عن ملاحاة الحلماء ومواح السفهاء، إن لك عقلا وجمالا ولسانا، فاكتس من ثناء الناس ما يؤيد جمالك، ودع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبئ تدَّخره أبدا ليوم حاجتك.
ثم قال:
إنَّ ظنِّي بمن أَمرتُ بأَمري … حسنَ إن أَعانت الأذنان
باستماع وما ظفرت بشيء … إن نبا مقولي عن النعمان
قد تفرَّست في بنيّ وفيه … فإذا الأمر ليس بالمتداني
فلئن تمّ ما أُؤَمل فيه … ما له في بني الملوك مدان
وله ألظُّ في الجمال وفي العقل … وحظّ من مهلة ولسان
قالوا: وأوصى مالك بن المنذر البجلي بنيه، وكان قد أصاب دما في قومه، فخرج هاربا بأهله حتى أتى بهم بني هلال، فلما احتضر أوصى بنيه، وأمرهم أن يعطوا قومه النِّف من حدثه الذي أَحدثه فيهم، وقال: " يا بني، قد أتت عليّ ستون ومائة سنة ما صافحت بيميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنه عم لي ولا كنَّة، ولا طرحت عندي
стр. 142
مومسة قناعها، ولا بحثُ لصديق لي بسرِّي، وإني لعلي دين شعيب النسبي، ﷺ ، وما عليه أحد من العرب غيري، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّ، فاحفظوا وصيتي، وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته، ولا يحل بكم الدمار، وتوحش منكم الديار.
يا بني، كونوا جميعا، ولا تفرقوا، فتكونوا شيعا، فإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلٍّ وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، الدهر صرفان، فصرف رخاء، وصرف بلاء، واليوم يومان، فيوم حبره، ويوم عبره، والناس رجلان، فرجل معك، ورجل عليك، وزوّجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنّبوا الحمقاء، فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إنه لا راحة لقاطع " يعني القرابة ".
وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، التفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، العمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث إلمام الهمّ، وانتهاك الحرمة تزيل النعمة، عقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، النصيحة لا تهجم على الفضيحة، احتمال الحقد يمنع الرِّفد، لزوم الخطية يعقب البلية، سوء الرِّعة يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبايم.
ثم قال:
أكلت شبابي فأفنيته … وأمضيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم … فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
стр. 143
قليل الطَّعام، عسير القيا … م، قد ترك الدَّهر قيدي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السَّما … ءِ، أقلِّب أمري، بطونا ظهورا
قالوا: وأوصي عمرو بن الغوث بن طيء ولده، وهم: ثعل، ونبهان، وبنوهم؛ وكان عمرو قد عاش حتى كبر ولده، فقال: " يا بني، إنكم قد حللتم محلاّ تخرجون منه ولا يدخل عليكم فيه، فارعوا مرعى الضَّبّ الأعور، يرى جحره، ويعرف قدره، ولا تكونوا كالجراد، يأكل ما وجد ويأكله ما وجده؛ وإيّاكم والبغي، فإن الله إذا أراد هلاك النملة جعل لها جناحين؛ يا بني، لا تستحيوا من منع من لا يستحي من المسألة، وكلوا من الكعام وأطعموه، ولا يستحي أحدكم أن يفعل شيئا ينتفع به إذا لم يعرف، فإنه إنما يستحي حينئذ لغيره، وابدءوا الناس بالشر فإنه أشكر لخيركم وإن كان قليلا، ولا تمنعكم الكثرة أن تربعوا على أقداركم، والله يحوطكم ".
قالوا: وأوصي قيس بن معد يكرب ولده، فقال: " باسمك اللهم، احفظوا أدبي يكفكم، واتَّبعوا وصاتي تلحقوا بصالح قومكم ويستعل أمركم، إنِّي أكلكم إلى أدبي، وإن المعنيّ بكم لغائب " يعني نفسه "، الزموا ما يجمل، واقنوا حياءكم، وأطيعوا ذوي رأيكم، وأجلُّوا ذوي أسنانكم، ولا تعطوا الدنّية، وإن كان الصبر على خطَّة الضَّيم أبقي لكم، وتناصروا تكونوا حمى، وإذا نزلتم على قومكم فلتكن محلّتكم واحدة، واهدروا الحسد يقطع عنكم النائرة، ودعوا المكافأة بالشر يحببكم الناس، وعفّوا عن الدناءة وأكرموا أهل الكفاءة، ولا تواكلوا الترافد والرياسة فيحلّ عطبكم،
стр. 144
واتخذوا لأسراركم من علانيتكم حجابا، ولا تدبروا أعجاز ما قد أدبرت صدوره، ولا تقيَّلوا الرأي بالظن فيبدع بكم، والزموا الأناة يفز قدحكم، وأطيلوا الصمت إلا فيما يعنيكم، ولا تأخذوا ختلا، وخذوا صراحا، فهناك عزّ القرار، ومنعة الجار، واظعنوا في الأرض تبلغوا مأمنكم، ولا تعرضوا لنمائم النساء، وإياكم والغدر فإنه أحلَّني دار الغربة، واعتبروا ".
قالوا: وجمع أود بن صعب بن سعد بنيه، فقال: " يا بني، أخيفوا الناس ولا تخافوهم، واستخبروهم، ولا تخبروهم، وبئس موضع السر المرأة، وكونوا من الموتورين على حذر، وإذا دفعتم عن حقكم فاطلبوا أكثر منه، وإذا بخع لكم فاقتصروا عليه ".
قالوا: وأوصى عبقر بن أنمار البجليّ فقال: " يا بني، إذا غدوتم فبكِّروا، وإذا رحتم فهجِّروا، وإذا أكلتم فأوتروا، وإذا شربتم فأنبروا، وأبيحوا ما يؤكل فإن منعه ألأمُ اللُّؤم ".
"قال أبو حاتم: النبز الهمز، وإنما شّبهه بالصوت الذي تسمعه من الحلق إذا جرى الماء فيه ".
قالوا: وجمع صعب بن سعد بنيه عند موته، فقال: " يا بني، أوسعوا الحبا، وحلُّوا الربا، وكونوا أسى تكونوا حمى ".
стр. 145
" قال أبو حاتم، يقول، إذا احتبى أحدكم فليوسع الحبوة ولا ينقبض، أراد لتعظم همة أحدكم ولا تصغر؛ وقوله، وحلوا الربا، يعني، انزلوا المرتفعات من الأرض لترى نيرانكم فتقصدكم الأضياف، وقوله، وكونوا أسى، أي لتكن كلمتكم واحدة، وهو من الأسوة، أي لا تختلفوا، فيطمع فيكم أعداؤكم، ولكن، كونوا أسوة، بعضكم بعضا، تكونوا حمى، أي حرزا، لا يطمع فيكم ".
قالوا: وأوصى مالك بن عمرو الكلبيّ فقال: " يا بنيّ، عليكم بتقوى الله، وصلة الرَّحم، وأداء الأمانة، ورعاية الحق، والوفاء بالعهد، وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم، فإنه لا يسلم على الضغائن الكبير، ولا يصلح عليها الصغير، وصونوا أنفسكم بالدَّعة وبذل المعروف، وكفُّوها عن سوء الرَّعة في الأمور، وإن أقبح ذلك ما كان في المطمع؛ واهجروا البغي فإنه مثبور، وتجنّبوا العجب فإنه ممقتة، ولا تقصروا عن طاعة أمرائكم، ولا توجهوا الأمور دونهم، فإنهم إن يشاركوكم فيها يكمل رأيكم، والتمسوا المحامد في مظانَّها، ولا يمنعكم من طلب المعاش اليأس، فإن أبواببه أكثر من أن يبلغها الظانُّ، استكثروا من الإبل يكثر تبعكم، ولا تضيعوا رباطكم فيهدم حصنكم، وإذا لقيتم العدو فاصبروأ، فإن في الصبر النجاة والدَّرك للتراث، وألزموا النساء البيوت، وخافوهنّ على أسراركم، واجتمعوا ولا تفرقوا، واحذروا الغدر فإنه نقمة، وليحيكم ربُّكم ".
قالوا: وأوصى جابر بن مالك الكلبي بنيه وقومه، فقال: " يا معشر العمائر المنتظرة للفناء والمنقطعة من الأصل، أوصيكم برهبة الله، وصلة الرحم، والفظ للعهد، والمباعدة لأهل الغدر وأهل الذكر للمعاير، وعليكم
стр. 146
باحياء المناقب، وقد ترون المنايا تتبعها الرزايا، ولا تواكلوا النصر فتنكبوا، ولا تخاذلوا فتذلّوا، واجهدوا أبدانكم اليوم لراحتّها غدا، ولا تكنوها بالدَّعة فتحسر عند الاجتهاد، ولا تختلفوا فبخسِّر كيدكم، واحجبوا الكرائم، وتجنبوا الملاوم، وكلُّ ما يعتذر منه خطيئئة، ولتطب أنفسكم عن الدنيا، وبالصبر تدفع العظائم، ليحيكم المديل للأمم ".
قالوا: وأوصى هبيرة بن صخر الكلبيّ، ثم الغامديّ، فقال: " يا بنيّ ويا عشيرتاه، أوصيكم بتقوى الله والصبر على المضض، ففيه الفوز، لا فوز القسيّ، حافظوا على الحرم، فإن الهلاك في الغفلة عنها، والفشل في التخاذل، غيظوا العدو بإظهار السرور وإبداع الأمور، واذكروا المجامع والمواسم يأمن سربكم، فإن المحافظة أمن، وإنما المعسكر لمن صبر، وليحيّكم ربكم ".
قالوا: وأوصى الأحوص الكلبي ثم من بني عبدودٍّ، فقال: " يا عشيرتاه، إن الرأي الرأي اليوم، أوصيكم بشكر ذي النعمة، والغيرة على الحرم، والتمسك بالحسب، ولا ترضوا بالدنّية، ففيها البليّة وضياع العلم، وذهاب المهج، الموت في الغدر خير من الحياة في القسر، والفرج مع الصبر، وليحيِّكم ربكم.
قالوا: وأوصى عمرو بن يزيد الكلبيّ بنيه، فقال: " أوصيكم بتقوى الله، وبرّ الرحم، والحفظ للعيال، والإحراز للحرم،
стр. 147
ولا تحاسدوا فتذلّوا، ولا تواكلوا فتفشلوا، تعاطفوا يصلب عودكم، وتقاربوا، وتحابّوا يظهر حزمكم، وأقلّوا المنطق ترهبوا، وتساخوا الفعال، وأميتوا الضغائن تحمدوا العواقب، واستعينوا على محاربة عدوكم بذكر المعاير، والهرب منها كرم، والتخوف لها جهاد، أزيلوا عنكم نيّة البغي، وألزوما قلوبكم الإنصاف وعزيمة العفو تنصروا، ولتكن أعلامكم ذوي الرأس منكم، وأنزلوهم منزلة الآباء في التقليد والإنفاذ لأمرهم، فإن أعظم مصائب القوم خلاف الشَّفيق المصيب، وطاعة المصيب ظفر، واتباعه يمن، وإذا حاربتم قوما فأطيلوا مواقفتهم، وتأمّلوا فيهم الفرصة، وإن أمكنكم البيات ففيه الظفر بعدوكم، وإن منحوكم أكتافهم فوسِّعوا عليهم المسرب، ونهنهوا عن لجم المذاكي، وعند تلك فأحبوا فراقهم، فإن العافية لمن اعتصم بها، ليرعكم ربُّكم ".
قالوا: وأوصى زهير بن جناب فقال: " يا بنيّ، قد كبرت سنِّي، وبلغت حرسا " يعني دهرا من عمري " وأحكمتني التجارب، والأمور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول، وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإن ذلك داعية للغمّ، وشماتة لعدو، وسوء الظنّ بالربّ، وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه والله ما سخر امرؤ قط إلا ابتلى، ولكن استعفوا منها، وتوقّعوها؛ فإنما الإنسان في الدنيا غرض، تعاوره الرماة، فمقصّر دونه، ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لابدّ أنه مصيبه ".
стр. 148
قالوا: وأوصى رياح بن ربيعة بنيه عند موته فقال: " يا بنيّ، سوِّدوا أعقلكم، فإن أمير القوم إذا لم يكن عاقلا كان آفة لمن دونه، وجودوا على قومكم، وإياكم والبخل، فإنه داء، ونعم الدواء السخاء، والتغافل فعل الكرام، والصمت جماع الحلم، والصدق في بعض المواطن عجز، واستعينوا على من لا تقوون عليه بالجموع، واعلموا أن سيِّد القوم أشقاهم، وإياكم والمنّ، فإنه مهدمة للصنيعة ".
قالوا: وأوصى الأفوه الأوديّ فقال:
"عليكم بتقوى الله وصلة الرحم، وحسن التعزِّي عن الدنيا بالصبر، والنظر فيما حزبكم لما بعده تفلحوا، وتفقّدوا حالاتكم بالمعرفة لحقوق أعلامكم فإنهم بكم عزُّوا، وأنتم بهم أعزّ منكم بغيرهم، كونوا من الفتن على حذر، ولا تأمنوا على أحسابكم السفهاء، ولا تشركوهم في سرّكم، فإنهم كالضأن في رعيتها، كلامهم ذعر، وفعلهم عسر، لا يستحيون من دناءة، ولا يراقبون محرما، ولا يغضبنّ منكم امرؤ لسفيه على ابن عمه وإن وزعه، ولا تطمئنوا إلى أجسامهم، واستوحشوا من عقولهم، ولا تثقوا بناحيتهم، وإن حاربتم فاتخذوهم حشوا فيما بينكم، فإن النظر قبل اللقّاء حزم، ولا حزم بعد الندامة، فإذا اقتادكم امرؤ فوقِّروه بالإجلال والمناصحة تبلغوا بذلك من العدو، وتنالوا به المحامد، فإن لغد أمرا، والأيام دُوَل، فتأهّبوا، وتصنّعوا لحلولها.
ثم قال: أما بعد، فإن التجربة علم، والأدب عون، والكفّ عن ذلك مضرّة، وليكن جلساؤكم أهل المروءة والطلب لها، وإياكم ومجالسة الأشرار، فإنها تعقب الضغائن، والرفض لهم من أسباب الخير، والحلم محجزة عن الغيظ، والفحش من العيّ، والغيّ مهدمة للبناء " يعني المعالي "، ومن خير ما ظفرت به الرجال
стр. 149
اللسان الحسن " اللسان ههنا الثناء " - قال الله (لسان صدق في الآخرين).
وفي ترك المراءِ راحة للبدن، فلينظر كل رجل منكم إلى جهته، فإن العجب كبر، والكبر قائد إلى البغض، واشنأوا البغي، فإنه المرعى الوخيم، واستصلحوا الخلل، وتحاموا الذُّلّ، اللهم عليك بأهل الحسد للنعم ".
وقال الأقوه:
لنا معاشر لن يبنوا لقومهم … وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرعوون ولن يرعوا لمرشدهم … والغيُّ منهم معا والجهل ميعاد
كانوا كمثل لقيم في عشيرتهم … إذ أهلكت بالَّذي قدَّموا عاد
أو بعده كقدار حين طاوعه … على الغواية أقوام فقد بادوا
والبيت لا يبتني إلاَّ له عمد … ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمَّع أقوام ذوو حسب … تصطاد أمرهم، فارُّشد مصطاد
لا يصلح النَّاس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا
إذا تولّى سراة القوم أمرهم … نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
تهدي الأمور بأهل الرَّأي ما صلحت … فإن تولَّت فبالأشرار تنقاد
أمارة الغيِّ أن تلقي الجميع لدى ال … إبرام للأمر للأذناب ينقاد
كيف الرَّشاد إذا ما كنت في نفر … لهم عن الرُّشد أغلال وأقياد
أعطوا غواتهم جهلا مقاءَتهم … فكلهم في حبال الغيِّ منقاد
أخف الرَّحيل إلى قوم وإن بعدوا … فيهم صلاح لمرتاد وإرشاد
فسوف أجعل بعد الأرض دونكم … وإن دنت رحم منكم وميلاد
إنَّ النَّجاة إذا ما كنت ذا بصر … مراجع الغيِّ أبعاد فأبعاد
стр. 150
والخير تزداد منه ما بقيت به … والشرُّ يكفيك منه قلَّ ما زاد
قالوا: وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ بنيه، وكان سبب موته أن كرز بن عامر العقيليّ طعنه، وكان له بنون عشرة، فأوصاهم عند موته، واشتد به مرضه، فقال: - الموت أروح مما أنا فيه، فإياكم يطيعني؟ قالوا: كلُّنا لك مطيع.
فبدأ بأكبرهم، فقال: خذ سيفي هذا، فضعه على صدري، ثم اتّكئ عليه حتى يخرج من ظهري.
فقال: يا أبتاه، وهل يقتل الرجل أباه؟ فعدل عنه إلى ولده، كلّهم يقول مقالة الأول، حتى انتهى إلى عُيينة، فقال: - يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرني به سلوى وراحة، ولك مني فيه طاعة؟ قال: بلى.
قال: فمرني كيف أصنع.
قال حصن: ألق السيف يا بنيّ، فإني أردت أن أبلوكم فأعرف أطوعكم لي في حياتي، فهو أطوعكم لي بعد وفاتي، فاذهب فأنت سيّد ولدي من بعدي، ولك رياستي.
فجمع بني بدر، فأعلمهم بذلك، ثم قال:
"اسمعوا ما أوصيكم به، لا يتَّكلنّ آخركم على فعال أوّلكم، فإن الذي يدرك به الأول حجة على الآخر، وانكحوا الكفيء من العرب فإنه عزّ حادث، وإذا حاربتم فأوقعوا، وقولوا واصدقوا، فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، واغزوا الكثير بالكثير،
стр. 151
وبذلك كنت أغلب، ولا تغزوا إلا بالعيون " يعني بالأشراف "، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح، وعجّلوا القرى فإن خيره أعجله، وأعظوا على حسب المال، فإنه أبقى لكم، ولا تحسدوا من ليس مثلكم، فإنما يحسد القوم أمثالهم، ولا تحكروا على الملوك فإن أيديهم أطول من أيديكم، ولا تأمنوا صرعات البغي، ونضحات الغدر، وفلتات المزاح، واقتلوا " كرز بن عامر " فإنه قتلني ".
فمات.
فقام عُيينة بالرياسة، وقتل كرزا، وأدرك النبي ﷺ ، وكان من المؤلَّفة قلوبهم.
فقال النبي ﷺ فيما يذكرون: هذا الأحمق في دينه، المطاع في قومه.
قالوا: وأوصى مضرّس بن ربعيّ ابنه فقال: " يا بنيّ، إن الأسف مرض، والطمع لؤم، واليأس عجز، فاسل عما فات، واحرص فيما تستقبل، وفكِّر ثم قدِّر، ثم احضر ".
وقال:
لا تهلكنَّ النفَّس لوما وحسرة … على الشَّيء سدَّاه لغيرك قادره
فلا تيأسا من صالح أن تناله … وإن كان شيئا بين أيد تبادره
وما فات فاتركه إذا عزَّ واصطبر … على الدَّهر إن دارت عليك دوائره
ولا تظلم المولى ولا تضع العصا … على الجهل إن طارت عليك دوائره
قالوا: وأوصى أبو قيس بن صرمة فقال: " لا تنكلوا عن العدو، ولا تبخلوا عن الصديق، وجازوا ذا النعمة، وتمسّكوا بحرمة الجار، وتبادلوا، وقدّموا أهل العيّ، وأوفوا بالعهد، وإياكم والبغي، فإنه أقوى سلاح عدوكم ".
стр. 152
وأنشد:
يقول أبو قيس وأصبح غادبا … ألا ما استطعتم من وصاني فافعلوا
أوصيكم بالله والبرِّ والتُّقى … وأعراضكم، والبرُّ بالله أوَّل
وإن قومكم سادوا فلا تحسدوهم … وإن كنتم أهل السَّيادة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدَّواهي بقومكم … فأنفسكم دون العشيرة فابذلوا
وإن طلبوا عرفا فلا تحرموهم … وإن كان فضل العرف فيهم فافضلوا
وإن أنتم أعوزتم فتعفَّفوا … وما حمَّلوكم في النَّوائب فاحملوا
قالوا: وأوصى الحارث بن الحكم آكل الذراع بنيه، فقال: " يا بنيّ، لا تبكوا على الزمان فإنه لا يزداد على رجل على السن من أهله قربا إلا ازدادوا منه بعدا، استأنوا العشيرة، ولا تمشوا بينها بالنميمة، وكونوا لقومكم أتباعا، وإيّاكم والبغي، فإنه آخر مدة القوم، وجازوا بالحسنة، ولا تكافئوا بالسيئة ولا تردّوا الكرامة، ولا تبغوا، غنيتم وبقيتم " قوله هذا دعاء لهم ".
قالوا: لما حضر الحطيئة الوفاة قيل له، أوصِه.
قال: ويل للشِّعر من راوية السوء.
قيل: أوصه.
قال: أخبروا آل شمَّاخ بن ضرار أنه أشعر العرب.
قالوا: أوصه.
قال: بماذا؟ قالوا: في مالك، فإنه كثير.
قال: هو لذكور ولدي دون النساء.
قالوا: ليس كذلك قال الله .
стр. 153
قال: لكن أنا أقوله.
قالوا: أوصه.
قال: بماذا؟ قالوا: عبدك هذا قد طالت صحبته.
قال: اشهدوا أنه عبد ما بقى على الأرض عبسيٌّ.
ثم قال: احملوني على حمار، فإنه بلغني أن الكريم لا يموت على حمار.
فحمل عليه، فمات.
وصية قيس بن عاصم المنقريّ بنيه، قال: " أوصيكم بتقوى الله ، وسوِّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوَّدوا أكبرهم لم يفقدوا أباهم، وضعوا كرائمكم في أعقابكم، وتزوّجوا في مثل ذلك، فإنكم إذا فعلتم مثل ذلك خلفتم أباكم، وعليكم بطلب المال واصطناعه، فإن المال منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الرجال، فإنها آخر كسب المرء، ولا يعلمنّ بمدفني بكر بن وائل، فإني كنت أغاورهم في الجاهلية، وكانت بيني وبينهم خماشات، فأخاف أن يفتنوكم في دينكم، أو يدخلوا عليكم غضاضة، ولا تنوحوا عليّ، فإن رسول الله ﷺ لم سنح عليه ".
قالوا: وأوصى عوف بن كنانة الكلبيّ بنيه، فقال:
"يا بنيّ، احفظوا وصيتي، فإنها أنصح الجبلة لكم، وإن أنتم حفظتموها سدتم قومكم بعدي، إلهكم فاتقّوه، ولا تخونوا، ولا تستثيروا السباع في مرابضها فتندموا، وجازوا الناس بالكف عن مساوئهم تسلموا، ونصحّوا وخفُّوا عند
стр. 154
نائبتهم، ولا تستبطئو في حق، والزموا الصمت إلا من حق تحمدوا، وابذلو التحية تسلم لكم الصدور، ولا تظانَّو بالمنافع فتباغضو، واستتروا من العامّة تجلَّوا، ولا تكثرو مجالس الناس فيستخف بكم، ولا تزايلوهم فتعادوا، وإن نزلت معضلة فاصبروا، وأَلبسوا الهر أثوابه، فإن لسان الصدق مع المسكنة خير من لسان السوء مع الميسرة، وذلُّو لمن ذلّ لكم فإن أقرب الوسائل المودّة، ولا تعلموا الناس أَقتاركم فتهونوا عليهم، ويجمّلوا تنجبوا، وإياكم والعزبة فإنها ذلّة، ولا تضعوا الكرائم إلا عند الأكفاء، وابتغوا لأنفسكم المعالي، ولا يخلجنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن مناكحة الكرام مدارج الشرف، واخضعوا لقومكم، ولا تبغوا عليهم، ولا تخالفوهم فيما اجتمعوا عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وليكن معروفكم بعدهم في غيرهم، ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها، فإن إيحاشها إخماد الناس ودفع الحقوق، وأذكوا النار، وأحيوا الحقوق، ولا تبذلوا الوجوه إلى غير مكرميها فتكلحوها، وتحشوها الدناءة، وتقصروا بها، ولا تحاسدوا فتبورا.
والتمسوا بالتودد المنازل عند الولاة، فإنهم من وضعوا أفرد، ومن رفعوا أنجد، وابتنوا المباني بالأدب ومصافاة أهل الحبا، وابتاعوا المحبة بالجود، واجتنبوا البخل، ووقِّروا ذوي الفضيلة، وخذوا عن أهل التجارب، ولا تحتقروا الرجال من غير خبرة؛ وإنما المرء بذكاء قلبه وتعبير لسانه، وإذا خوِّفتم داهية فتثبتوا قبل العجلة، ولا يمنعنكم من المعروف صغر قدره، فإن له ثوابا، ولا تعفِّروا الأقدام إلا لأخطارها، وتنبَّلوا تسمُ اليكم الأبصار، وارفضوا النمائم بينكم تسلموا، وكونوا أنجاد عند الملمات تعّوا، واحذروا النجعة التي في المنعة.
وأكرموا الجار، وآثروا حق الضيف، وألزموا السفهاء الحلم تقلّ همومكم،
стр. 155
وإياكم والحرص فإنه من أسباب المتالف، واتخذوا الزهد جنة تسترح أبدانكم، وإياكم والفرقة فإنها ذلّ، ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها فتعجزوا، فلأن تلاموا وبكم قوة خير من أن تعانوا بالعجز، وعليك بالجد فإنّ به يمنع الضيم، وإياكم والتفريط فيه يكون الخلل، ولا أجدبتم أبدا، ولا غلبتم - أو - قال - ولا خذلتم.
حدثنا أبو حاتم قال: وذكر بعض أهل العلم أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى سليمان الكلبي، وكان رجلا جامعا للأدب فاضلا، ذا رأى.
قال سليمان: فدخلت عليه، وهو في غرفة له، قد علا نفسي. وانتفخ سحري، فسلمت عليه، فردّ عليّ، وأضرب عني حتى سكن جأشي، ثم قال لي: - يا سليمان، قد بلغني عنك ما أحب، وإذا بلغني عن أحد من رعيتي مثل الذي بلغني عنك أسرعت إليه بما يحب، واستعنت به على مهم أمري، وإن محمد ابن أمير المؤمنين بالمكان الذي بلغك، وهو جلدة ما بين عيني، وإني أرجو أن يبلِّغ الله به أفضل ما بلّغ بأحد من أهل بيته، وقد ولاك أمير المؤمنين تأديبه وتعليمه، وماله، والنظر فيما يصلح الله به أمره، فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه، فإنك تقصد فيه بخصال، لو لم تكن إلا واحدة كنت قمنا ألاّ تضيّعها، فكيف إذا اجتمعت؟ أما أولها فإنك مؤتمن عليه، وحقّ لك أداء الأمانة فيه؛ وأما الثانية فأنا إمام ترجوني، وتخافني؛ وأما الثالثة فكلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتفعت معه، ففي هذا ما يرغبّك فيما أوصيك به، فادخل عليه في خاصّة أهل القرآن، وذوي الأسنان، فإنك منهم بين خصلتين، إما أن يسمع منهم كلاما فيعيه ويحفظه فيكون لك صونه وذكره، وإما أن يراهم الناس يخرجون من عنده فيرون أنكم على مثل ما هم عليه.
стр. 156
ولا تدخل عليه الفسّاق ولا شربة الخمر، فإنك منهم بين خصلتين، إما أن يسمع منهم كلاما قبيحا فيعيه ويحفظه ويأخذ به فتريد تحويله عن ذلك فلا تقدر عليه، وإما أن يراهم الناس يخرجون من عندكم فيرون أنكم على مثل ما هم عليه.
وانظر إذا سمعت منه الكلمة العوراء فلا تؤنبه بها فتمحِّكه، ولكن احفظها عليه، فإذا قام من مجلسه فانقله إلى ما هو أحسن منه؛ وإذا سمعت منه الكلمة المعجبة ففطِّن القوم لها، فإنهم عسى ألا يكونوا فهموها وفهمتها باهتمامك بها، حتى يقوموا وقد سمعوا منه كلاما حسنا، ويروونه عنه، ويرفعونه به.
وإذا حضر الناس أبوابكم فعجلوا إذنهم، ثم ليحسن بشركم بهم، وأطيبوا للناس طعامهم، فإذا فرغوا من الغذاء والعشاء فمن أحب أقام للحديث من قبل نفسه، ومن أحب انصرف إلى أهله، فإن للناس حوائج عند زيارتكم، وإذا أعطيتم أهل القرآن وحملة العلم وأهل الفضل فإنكم تؤجرون على إعطائهم إلا أن يكون في سبب النجدة أو وسيلة، فإنكم ملوك، والناس سوق، وإنما تسودون الناس ويطأون أعقابكم ببارع الفضل ولين الجناح.
قال الشاعر:
فإنَّك لن ترى طردا لحرّ … كإلصاق به بعض الهوان
ولم تجلب مودَّة ذي وفاء … بمثل البذل أو لطف اللِّسان
وخذه بعلم نسبه في العرب حتى لا يخفى عليه منه قليل ولا كثير، وعلّمه منازل القمر، وأنواع الخطب، ومواضع الكلام، ومعرفة الجواب.
وإن هو احتبس عن تأديبه ومروّاته فادخل عليه، وإن كان من أهله في لحافه حتى تجرّ برجله إلى ما ينفعه الله به، وإياك أن تكتم عليه، فيؤدي ذلك إليّ غيرك، فأنزل لك عما يسرُّك إلى ما يضرُّك، ولا يخرجنَّ إلا معتمَّا، ولا يركبنّ
стр. 157
محذوفا، ولا مهلوبا، ولا يعقدن له ذنب دابة إلا من لثق، ولا يركبنّ سرجا صغيرا فتبدو منه أليتاه كفعل الفسّاق، ولا يسيرنّ متلفِّتا ولا طامحا.
فخذه بهذه الخصال، وزده من عندك ما استطعت، فإني سأقيس عقله اليوم وبعد اليوم، فإن رأيته قد ازداد خيرا إلى ما كان عليه رؤي فضل أمير المؤمنين عليك، وإن كانت الأخرى فلا تلم إلا نفسك.
وقد أجريت عليك ألف درهم في كل شهر، سوى كسوتك وجتئزتك.
قالوا: وأوصى أبجر بن جابر العجليّ فقال: " يا بنيّ، إن سرّكم طول البقاء وحسن الثناء والنِّكاية في الأعداء، فإذا استقبلتم الخميس فاستقبلوهم بوجوهكم، وإياكم أن تمنحوهم أكتافكم فتطعنوا بالرماح في أدباركم، فإن أمثل القوم بقيّة الصابر عند نزول الحقائق.
وحدثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قال أبجر العجليّ لابنه حجّار لما أراد الإسلام: إذا قدمت المصر فاستكثر من الصديق، فإنك على العدو قادر، وإياك والخطب فإنها نشوار كثير العثار.
قال أبو حاتم، وكان البذّال أبو العلاء، وهو من بني مازن بن عمرو بن تميم مرض، فقالوا: كيف تجدك؟ فقال: أجدني مغفورا.
قالوا: يا أبا العلاء، أوص.
стр. 158
قال: بما أوصي؟ ثم قال:
يا ابني حريث ارفعا وسادي … واستوصيا بالجلَّة التِّلاد
فإنَّما حولكم الأعادي ثم قال: ما لكما عندي وصية غير هذا.
"وابنا حريث ابنا أخيه ".
وصية شبث بن ربعيّ وأوصى شبث بن ربعيّ فقال: هذا ما أوصى به شبت بم ربعي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجواد في الجنة، وأن البخيل في النار.
انظروا ابنتي فلا تزوّجوها إلا كريما، ولا تدفنوني عند مقابر بني طهيَّة.
وصية وكيع بن أبي سود قال: وأوصى وكيع بن أبي سود، وكان أحمق الناس، وأظهر " هم " موقا، فقال: " يا بنيّ، إنيّ لو قد هلكت أتاكم قوم قد شمَّروا ثيابهم، وحلقوا شواربهم، وعفّروا جباههم، فقالوا، إن لنا على أبيكم دينا فاقضوا دين أبيكم، إلا وإنّ قبل أبيكم تبعات إن يغفرها الله له فالدّين أهون مما هنالك، وإن تكن الأخرى فلا يهلكنّ أبوكم وتذهب أموالكم ".
стр. 159
وصية ابن الأهتم قال لما ثقل ابن الأهتم أظهر ماله ودعا بنيه، فقال: " يا بنيّ، دُونكم، فقد كفيتكم كدَّه، وصفا لكم ما اشتهيتم منه، وإنما جمعته لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة، وأيم الله لوددت أنه كان بين صلعي حمار بالفلاة، أو بقراء مقحل ".
وصية المهلب قال: ولما حضرت المهلب الوفاة جمع بنيه فقال:
"أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن تقوى الله تعقب الجنة، وإن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتثري المال وتجمع الشَّمل، وتكثر العدد، وتعمر الدار، وتعزّ الجانب، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فإن معصية الله تعقب النار، وإن قطيعة الرحم تورث القلّة والذُّلة، وتفرق الجمع، وتدع الدار بلا قِع، وتطمع العدو، وتبدي العورة.
يا بنيّ، قومكم، قومكم، إنه ليس لكم فضل عليهم، بل هم أفضل منكم، إذ فضلَّوكم وسوَّدوكم، ووطئو أعقابكم، وبلغوا حاجتكم فيما أردتم، فلهم بذلك حقّ عليكم وبلاء عندكم، ولا تؤدُّون شكره، ولا تقومون بحقه، فإذا طلبوا فأطلبوهم، وإذا سألوا فأعطوهم، وإن لم يسألوا فابتدأوهم، وإن شمتوا فاحتملوا لهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم، ولا تغلق دونهم.
يا بنيّ، أني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره أن يكون للسانه الفضل على فعله.
стр. 160
يا بنيَّ، اتقوا الجواب وزلّة اللسان، فإني رأيت الرجل يعثر قدمه فيقوم من زلته، فينتعش منها سويا، ويزل لسانه فيوفيه وتكون فيه هلكته، يا بنيّ، إذا غدا عليكم رجل وراح فكفى بذلك مسألة وتذكرة بنفسه، يا بني، ثيابكم على غيركم أجمل منها عليكم، ودوابُّكم تحت غيركم أجمل منها تحتكم، يا بني، أَحيوا المعروف وافعلوه، واكرهوا المنكر واجتنبوه، وآثروا الجود على البخل، واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك، ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه في احتمالها وشكرها، والوفاء منها لصاحبها؟.
يا بنيّ، سوِّدوا أكابركم وأعزّوا ذوي أسنانكم تعظموا بذلك، وارحموا صغيركم، وقرِّبوه، وأَلطفوه، وأجيروا يتيمكم، وجودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على أيدي سفهائكم، وتعهدوا جيرانكم وفقراءكم بما قدرتم عليه، واصبروا للحقوق، واحذروا عار عدوّكم عليكم في الحرب بالأناة والتؤدة في اللقاء، وعليكم بالتماس الخديعة في الحرب لعدوّكم، وإياكم والنزَّق والعجلة، فإن لمكيدة والأناة والخديعة أنفع من الشجاعة.
واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان القضاء عند اللقاء، فإن ظفر امرؤ وأخذ بالحزم قال العاقل: قد أتى الأمر من وجه، وإن لم يظفر قال: ما ضيّع ولا فرّط، ولكن القضاء غالب، فالزموا الحزم على أي الحالين وقع الأمر، والزموا الطاعة والجماعة، وإياكم والخلاف وفراق الجماعة، تواطأوا، وتوازروا، وتواصلوا، وتعاطفوا فإن ذلك يثبت المودة، وتحابّوا، وخذوا فيما أوصيكم به بالجدّ والقيام به تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوة إلا بالله، وليكن أول ما تبدءون به أنفسكم إذا أصبحتم، تعلموا االقرآن والسنن والفرائض، تأدبوا بأدب الصالحين من قبلكم، من سلفكم الصالح، ولا تقاعدوا أهل الدَّعارة
стр. 161
والريبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعن في ذلك منكم، وإياكم والخفّة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه، وأدُّوا حق الله عليكم فإني قد أبلغت إليكم الوصية، واتخذت لله عليكم الحجة ".
قال: وتوفِّى الملّب رحمه الله تعالى بمو الروذ بخراسان، فقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرَّب للغنى … ومات النَّدى والحزم بعد المهلَّب
أَقام بمرو الرُّوذ رهن ثوابه … وقد غيِّبنا عن كلِّ شرق ومغرب
قالو: ثم ولى بعده قتيبة بن مسلم الباهليّ، فدخل عليه نهار بن توسعة، فقال له قتيبة: - أأنت القائل في المهلب، ألا ذهب الغزو؟ فقال: أنا الذي أقول:
ما كان مذ كنَّا ولا كان قبلنا … ولا هو فينا كائن كابن مسلمِ
أَعمَّ لأهل الشَّرك قتلا بسيفه … وأقسم فينا مغنما بعد مغنم
فقال: إن شئت فأقلل، وإن شئت فأكثر، والله لا تصيب منى خيرا، يا غلام، حلِّق على اسمه.
ولزم منزله حتى ولى يزيد بن المهلب خراسان، فأتاه نهار، فدخل عليه، وأنشأ يقول:
إِن يكُ ذنبي يا قتيبة أَنَّني … بكيت امرأً في المجد قد كان أَوحدا
أَبا كلِّ مظلوم ومن لا أبا له … وغيث مغياث أَطلعن التَّلدُّدا
رفشأنك، إِنَّ اله إِن سؤت محسن إِليَّ إِذا أَبقى يزيدا وخلدا فقال له: احتكم.
قال: مائة ألف.
فأعطاه مائة ألف درهم.
стр. 162
ويقال: إن مخلد بن يزيد بن المهلب هو الذي أعطاه، لأن أباه قد كان قدَّمه خليفة على خراسان، فكان يقول بعد موت مخلد: رحم الله مخلدا، ما ترك لي بعده من قول.
قالوا: وقدم قيس بن زهير على النَّمر بن قاسط بعد الهباءة ليقيم فيهم، فقال: يا معشر النمر، أنا قيس بن زهير، غريب، حريب، فانظروا إلى امرأة قد أذلها الفقرر وأدّبها الغنى، لها حسب وجمال، فزوِّجونها.
فنظروا له امرأة على ما وصف، يقال لها " ظبية " ابنة الكّيس النمريّ.
فقال لهم: إني ل أقيم فيكم، إني فخور غيور آنف، ولعّلني أن لا أغار حتى أرى، ولا أفخر حتى أسمع، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام حتى ولد له غلام، فسماه " خليفة " ثم بدا له أن يرتحل عنهم، فقال لهم: " إن لكم عيّ حقا، وإني أوصيكم بخصال فاحفظوها، عليكم بالأَناة فإن بها تنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء، فإن يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع ما تريدون منعه قبل القسر، وإجلرة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت الأيامى، وخلط الضيف بالعيال.
وأنهاكم عن الرِّهان فإني به أَثكلت مالكا، وعن البغي فإنه صرع زهيرا، وعن السرف في الدماء، فإنّ قتل أهل الهباءة ألزمني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، ولا تبيتوا بعراص الغدر، وإياكم وعورات الناس، ولا تردّوا النساء عن الأَكفاء فإن لم تصيبوا الأكفاء فإن خير أزواجهن القبر،
стр. 163
واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما، ظلمني بنو بدر بقتل مالك، فقتلت من لا ذنب له.
ثم قال:
إنَّ يوم الهباءة أَورثني الذُّلَّ … فأصبحت ظالما مظلوما
كان ظلمي قتل سراة بني بدر … فأصبحت بعدهم مرحوما
فخضبت السَّنان من ثغر القوم … وكانوا للنَّاظرين نجوما
كان ثاري لمالك بن زهير … واحدا كان فيهم معلوما
فقتلت الجميع من حذر الثكل … لقد كنت في الدِّماء نهوما
كان ظلمي، وكان ظلمهم أَمس … عظيما ورأيهم موصوما
لطم القوم داحسا حذر السَّبق … لقد كان داحس مشئوما
ظلمونا بقتلنا وظلمنا … معشرا كان يومهم محتوما
إِنَّ للنمر في إِجارتها الجار … وأَمن الطَّريد حظَّا عظيما
يأمن الجار فيهم وترى وسطهم … ذا خئولة معموما
يملأ الدَّلو قبل دلو أَخي النمر … وما حوض جارهم مهدوما
وصية مجاشع ذكروا أن مجاشع بن شريف، أو مخاسن بن معاوية بن شريف قل في حرب النعمان بن الشُّقيقة: " يا بني تميم، أقلُّ الناس رحمة الملوك، إن الملوك ينككِّلون بالشقيّ السعيد، ومنجاة من ناوأ الملوك الصبر وكتمان السرّ، وأول الظفر الاجتماع، وأول البلاء الفشل، وآفة الكرم جوار اللئام، وقد غلب على الكرم من سبق إليه، احفظوا
стр. 164
ألسنتكم يعمِ عدوكم كيدكم، إنه من كتم سره عمى كيده على عدوه ".
وصية أسيد بن أوس ذكروا أن أُسيد بن أوس انطلق إلى الحارث بن الهبولة الغساني، وكان أسيد أخا معاوية بن شريف لأمه، وأمها ماويّة بنت الرضا البارقي، يستمده في حرب ابن الشقيقة، فلما قدم عليه قال: " إنما يوثق في الشدّة بذي القرابة، وبصفاء الإخوان، وبصدق أهل الوفاء، إن خير السجيّة ما لم يتكلّف، وخير الأعوان على البخل السخاء، والعفو منتهى البرّ، الزم البرَّ يبرُّك بنوك، أَخِّر الغضب وادفع بالإناة، وآخر الدواء الكيّ، وخير الثواب الشكر، وخطل القول غواية، ومنتهى البرّ الهوى، والصدق تمام المروءة، والكذب يفسد الفعال، وتصرّف الأحوال بغيرّ الرجال، وأغنى الخصال عن المادة العفاف، وخير السِّيرة العفو، وترك العقوبة يسلُّ السَّخيمة ".
وصية صيفي بن رياح ذكروا أت صيفي بن رياح أبا أكثم بن صيفي قال: " سلطانك على أخيك على كل حال، فإذا أخذ السيف فلا سلطان لك عليه، وكفى بالمشرفية واعظا، وترك الفخر أبقى للثناء، وأسرع الجرم عقوبة البغى، وشر النَّصرة التعديّ، واَلأم الأخلاق أضيفها، ومن سوء الأدب كثرة العتاب، واقرع الأرض بالعصا ". فذهبت مثلا.
стр. 165
وصية أبي جهم بن حذيفة العدويّ
قال أبو حاتم، وحدثنا الثِّقة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: جاء أبو جهم بن حذيفة العدويّ، وهو يومئذ ابن مائة سنة إلى مجلس اقريش فأوسعوا له عن صدر المجلس " وقائل يقول، بل كان عروة بن الزبير ".
فقال أبو الجهم: يا بني أخي، أنتم خير لكبيركم من مهرة لكبيرهم.
قالوا: وما شن مهرة وكبيرهم؟ قال: كان الرجل منهم إذا أسنّ وضعف أتاه ابنه أو ولُّه فعقله بعقال، ثم قال: قم. فإن استتَّم قائما، وإلاّ حمله إلى مجلس لهم يجري على أحدهم فيه رزقه حتى يموت، فجاء شابّ منهم إلى أبيه، ففعل ذلك به، فلم يستتم قائما، فحمله، فقال: يا بنيَّ، أين تذهب بي؟ فقال: إلى سنَّة آباك. فقال: يا بني، لا تفعل، فوالله لقد كنت تمشي خلفي فما أخلِّفُك، وأُماشيك فما أَبذُّك " أي أسبقك "، وأسقيك الدُّواية " يعني اللبن " قائما.
وكانت العرب إذا أُسقى الغلام اللبن قائما كان أسرع لشبابه.
فقال: لا جرم، لا أذهب بك.
فاتخذته مهرة سنَّة.
وصية أبي الأسود الدؤلي وأوصى أبو الأسود الدؤلي ابنته ليلة البناء بها فقال: " يا بنية، كان النساء أحق بأدبك مني، ولكن لا بد لي منه، يا بنية، إن أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الحسن الدُّهن، وأحلى الحلاوة الكُحل، يا بنية، لا تكثري مباشرة زوجك فيملَّك، ولا تباعدي عنه فيجفوك، ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمّك:
стр. 166
خذي العفو كمُّي تستديمي موَّدتي ولا تنطقي في سورتي حين أَغضب
فإنِّي رأَيت الحبَّ في الصَّدر والأذى … إذا اجتمعتا لم يلبث الحبُّ يذهب
وصية أبي بكر الصديق ﵁ قالوا: أوصى أبو بكر عمر بن الخطاب، ﵄، فقال: " أن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، إنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة، فإنه إنما ثقلت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم الحقَّ، وثقله عليهم؛ ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة اتّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم، ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا؛ إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئهم، فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وتجاوز عن حسنهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقى بيديه إلى التهلكة، فإن حفظت وصيتي فلا يكوننّ غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجِزِه.
قالوا: وقال ابن داب، قالت أسماء بنت عميس: دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ في اليوم الذي قُبض فيه.
فقال: يا عمر، صحبت رسول الله ﷺ فرأيت أُثرته إيّانا على أهله، ووالله إن كنا لنرسل إليهم من فضله ما يأتينا منه، وصحبتي ورأيتي، والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فشبِّه لي، وإني لعلى بصرة من رأى.
стр. 167
يا عمر، إن أول ما أحذرك به نفسك، فإن لكل نفس شهوة، فإذا أجابتها إليها دعتها إلى ما هو أعظم منها، وأحذِّرك هؤلاء الرهط من المهاجرين، فإني قد رأيتهم طمحت أبصارهم، ونفخت أجوافهم، وتمنى كل امرئ منهم لنفسه، فاحملهم على الطريق الواضح يكفوك أنفسهم، واعلم أنهم لن يزالوا لك هايبين ما هِبتَ الله ، فَرِقين منك ما فرقت منه.
هذه وصيتي إياك، وأَقرأ عليك السلام.
وصية عمر بن الخطاب، ﵁ وذكروا عن قطر بن خليفة وغيره أن عمر بن الخطاب دعا عبد الله بن عمر، ﵄، فقال: " أي بُنيّ، إذا قام الخليفة بعدي فائته، فقل له، إن عمر بن الخطاب ﵁ يقرئك السلام، ويوصيك بتقوى الله وحده لا شريك له، ويوصيك بالمهاجرين والأنصار، أن تقبل من محسنهم، وتتجاوز عن مسيئتهم، ويوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم غيظ العدوّ وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم، ويوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن تأخذ من حواشي أموالهم فيردَّ غلى فقرائهم، ويوصيك بأهل الذمّة خيرا، أن تقاتل من ورائهم ولا يكلَّفوا فوق طاقتهم.
وصية علي بن أبي طالب، ﵁
قال أبو حاتم، وحدوثونا عن أبي مخنف قال، حدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال، دخلت على بن أبي طالب، ﵁، أسأل به لّما ضربه ابن ملجم، فقمت قائما، ولم أجلس لمكان ابنته، دخلت وهي مستترة، فدعا علي الحسن والحسين، رضوان الله عليهم، فقال:
стр. 168
" أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء منها زوى عنكما، قولا الحق، وارحما اليتيم، وأَعينا الضائع، وأَضيفا الجائع، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ولا تأخذكما في الله لومة لائم.
ثم نظر إلى ابن الحنفية، فقال: - هل فهمت ما أوصيت به أَخويك؟ قال: نعم.
قال: أوصيك بمثله، وأَوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطع أمرا دونهما.
وقال لها: أوصيكما به، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبّه، فأحبّاه.
وذكر آخرون عن إبراهيم بن أيوب الأسدي قال: حدثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفيّ عن محمد بن عليّ قال: أوصى عليّ الحسن بن هلي ﵃، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إل الله، وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمرت، وأنا أول المسلمين.
وإني أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه هذا بتقوى الله ربَّكم، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: صلاح ذات البين أفضل من عام الصيام والصلاة، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهونّ عليكم الحساب، والله الله في الأيتام، فلا تغيّرنّ أفواههم بحضرتكم، والله، الله في الضَّعيفَّين، فإن آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: أوصيكم بالضعيفين خيرا.
والله، الله في القرآن فلا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله، الله
стр. 169
في الصلاة، فإنها عمود دينكم، والله، الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم عنكم، والله الله في صيام رمضان فإن في صيامه جنَّة لكم من النار، والله، الله في الحج فإن بيت الله إذا خلا لم تناظروا، والله، الله في الفقراء والمساكين، فشاركوهم في معايشكم وأموالكم.
عليكم يا بنيّ بالبر والتواصل والتَّبارّ، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق، وتعاونوا على البّر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيَّكم، ﷺ .
حدثنا أبو حاتم قال: وأخبرونا أن ابن ملجم خطب امرأة، وكان عليّ بن أبي طالب ﵁ ذكروا أنه قتل أخاها، فقالت: - أتزوجك على ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب.
فقال: لك الثلاثة آلاف، والعبد، والقينة.
فأبى أن يقتل لها عليّا.
فقالت: والله، لا أُنكحك نفسي.
ثم جاد لها بعد بقتله.
فخرج، فضربه بسيفه في رأسه، فقتله، فقُتل.
ثم أتى به دار المرأة، فأشرفت وهم يحرقونه. فقالت:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وقتل عليّ بالحسام المصمَّم
فلا مهرَ أَغلى من عليّ وإن غلا … ولا فتك إِلاَّ دون فتك ابن مُلجم
стр. 170
قال: فلما غيَّبه الحسن بن علي، ﵄، صعد المنبر، فجعل يريد الكلام، فتخنقه العبرة.
"قال رجل: فرأيته كذلك وأنا في أصل المنبر أنظر إليه، وكنت من أَنزر الناس دمعه، ما أقدر أن أبكي من شيء، فلما رأيت الحسن يريد الكلام، وتحنقه العبرة " صرت بعد من أغزر الناس دمعة، ما أشاء أن أبكي من شيء إلا بكيت.
قال: ثم إن الحسن انطلق، فقال، الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب عند الله مصابنا بأبينا رسول الله ﷺ ، فإنا لن نصاب بمثله أبدا، ونحتسب عند الله مصابنا بخير الآباء بعد رسول الله ﷺ ، ألا إنِّي لا أقول فيه الغداة إلا حقا، لقد أصيبت به البلاد والعباد والشجر والدواب، فرحم الله وجهه، وعذب قاتله.
ثم نزل، فقال: عليَّ بابن مُلجم.
فأتى به.
فإذا رجل واضح الجبين والثَّنايا، له شعر وارد " يعني طويلا " يخطر به حتى وقف، فلم يسلِّم.
فقال: يا عدوّ الله، قتلت أمير المؤمنين، وخير الناس بعد رسول الله ﷺ .
فقال: يا حسن، دعني من كلامك هذا، هل لك في أَمر أَعرضه عليك، لا بأس لك به إن قبلته.
قال: وما هو؟ قال: أسير إلى معاوية بالشام، عدوّ أبيك فأَروم قتله، فإن قتلته كنت قد قتلت أَعدى الناس لكم، وإن لم أقتله قُتلت فأنا مقتول في كلتا الحالتين.
قال: لا والله يا عدوّ الله حتى أنفذ فيك ما أمرني به أمير المؤمنين.
стр. 171
قال: وما الذي أمرك به أبوك؟ قال: جمعنا، فقال، يا بنيّ، إياكم أن تخوضوا في دماء المسلمين، وأن تقولوا، قُتل أمير المؤمنين، أَلا لا يقتلنَّ فيّ إلا قاتلي، وضربة بضربة، فإياك يا حسن والمثلة، فإن رسول الله ﷺ نهى عنها، ولو بالكلب العقور.
قال، يقول عبد الرحمن بن ملجم، والله إن كان أبوك ما علمنا لعدلا في الرضى والغضب إلا ما كان منه يوم صقين، حين حكم في دين الله، أَفشكَّ أبوك، أَي بُنيّ، في دينه؟ فضربه ضربة، تلقاه بخنصره، فقطعها. ثم ضربه أخرى في الموضع الذي ضرب فيه أباه، فقتله.
وحدثونا، أن معاوية ﵀ عليه فخر يوما والحسن جالس.
فقال معاوية: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أَغزرها جودا، وأكرمها جُدودا، أنا ابن من ساد قريشا فضلا، ناشيا وكهلا.
فقال الحسن ﵁، أَعليَّ تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن عروق الثَّرى، أنا ابن مأوى التُّقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد الدنيا بالفضل السابق والجود الرائق والحيب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تتباهى به، أو قديم كقديمي تساميني به؟ قل، نعم؛ أو، لا.
قال: بلى أقول، لا، وهي لك تصديق.
فقال الحسن:
الحق أَبلجُ ما يخيل سبيله … والقُّ ذوو الأَلباب
стр. 172
قال، وحدثونا عن أبي نعيم عن اسماعيل بن ابراهيم بن المهاجر قال: سمعت عبد الملك بن عمير قال، حدثني رجل من ثقيف قال: استعملني عليّ بن أبي طالب، ﵁ على عكبرا، ولم يكن السواد يسكنه المصلون فقال لي بين أيديهم، استوف خراجهم منهم، فلا يجدوا فيك ضعفا ولا رخصة، ثم قال لي، رُح إليّ عند الظهر. فرحنا إليه، فلم أجد عليه حاجبا، يحجبني دونه، ووجدته جالسا وعنده قدح، وكوز ماء.
فدعا بظبيه " يعني جرابا صغيرا ".
فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إليّ جوهرا، فإذا عليها خاتم.
فكسر الخاتم، فإذا فيها، سويق.
فصبه في القدح، فشرب نته، وسقاني، فلم أصبر.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أتصنع هذا بالعراق؟ طعام العراق أكثر من ذلك.
فقال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيضع فيه غيره، فإني لم أختم عليه بُخلا عليه، وإنما حفظي لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبا، وإني قلت لك بين أيديهم الذي قلت لك لأنهم قوم خدع، وأنا آمرك الآن بما تأخذهم به إن أنت فعلت، وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك.
لا تبيعنّ لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربنّ رجلا منهم سوطا في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها؛ إنا أُمرنا أن نأخذ منهم العفو.
قال: إذن أجيئك كما ذهبت.
قال: وإن فعلت.
стр. 173
قال: فذهبت، فتتبعت ما أمرني به، فرجعت، ووالله ما بقى درهم واحد إلا وفّيته.
وصية معاوية ﵀ عليه قالوا: وأخبروني أن معاوية لما حضرته الوفاة قال لابنه يزيد: " إني كفيتك الحلِّ والتِّرحال، أو قال الرَّحل والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعزاء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك ما جمع واحد، فانظر أهل الحجاز، فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهد من غاب عنك منهم، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحبُّ إليك من أن يشهر عليك مائة ألف سيف؛ وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، وإذا أصبت بهم عدوّك فارددهم إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.
وإني لست أخاف عليك من قريش إلا الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ﵃؛ فأما الحسين، فإن له رحما وحقا عظيما، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أُتي به عفوت عنه؛ وأما ابن عمر، فيُقيدُّه إيمانه؛ وأما ابن الزبير فخب، ضب، يجثم لك جثوم الأسد، ويروغ روغان الثعلب، فإن أمكنته الفرصة وثب، فإن فعل فقدرت عليه أن تقطّعه إِربا فافعل ".
قال، وحدثونا عن ابن عياش المنتوف قال، لما حضر معاوية الموت، ويزيد ابنه غائب بيت المقدس، وقال آخرون، بل في الصيد، دعا معاوية مسلم ابن عقبة المرّيّ، والضَّحَّاك بن قيس الفهريّ، فقال: " أبلغا يزيد عنّي قولا، قولا له، انظر أهل العراق فإن سألوا عزل عامل
стр. 174
في كل يوم فاعزل عنهم، فإن عزل عامل أهون من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، ثم لا تدري على ما أنت منهم، وانظر أهل الشام فاجعلهم الشعار والدِّثار، فإن رابك من عدوّك ريب فارمهم بهم، فإن أظفرك الله بهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في بلاد غيرهم، فيتأدّبوا بغير أدبهم.
إني لست أخاف عليك غير عبد الله بن عمر، وحسين بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه الورع، ولا والله، لا تؤتى من قبله، وأما حسين بن عليّ فأرجوا أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه، وأما ابن الزبير فإنه خب ضبّ، فإذا طلع فأثبت له، فقلّما مارست رجلا مثله، فوالله لو قذفته في بئر مملوء زفتا لخرج منه متملِّسا " قال، فمات معاوية.
فقام الحاك بن قيس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن معاوية كان حدّ العرب، وفخر العرب، وهذه أكفانه، نحن مُدرجوه فيها، ومخّلون بينه وبين ربّه، فمن أراد حضوره فليحضر بعد الظهر ".
فصلّى عليه الضحاك بن قيس.
وقال ابن خريم الأَسدي:
أَتى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار صمدن له صمودا
فردَّ شعورهنَّ السُّود بيضا … وردَّ وجوههنَّ البيض سودا
وقال ابن الكلبي عن أبى عبد الرحمن المدني قال، لما حضر معاوية الموت جعل يقول:
إِن تناقش يكُن نقاشك يا ربِّ … عذابا لا طوق لي بالعذاب
أَو تجاوز فأَنت ربٌ رحيم … عن مُسيْ، ذوبه كالتُّراب
стр. 175
وأما ابن داب فقال، لما ثقل معاوية بعث إلى يزيد ابنه، وهو في بعض ضياعه، فأتاه غلام له، يقال له " عجلان " فأخبر بثقله، فأقبل، وقال في ذلك شعرا:
جاءَ البريد بقرطاس يخبُّ به … فأَوجس القلب من قرطاسة جزعا
قالوا، لك الويل، ما في كتابكم … قالوا، الخليفة أَمسى مدنفا وجعا
فمادت الأرض أَو كادت تميد بنا … كأَنَّ أَغبر من أَركانها انصدعا
من لا تزل نفسه توفى على شرف … توشك مقادير تلك النَّفس أَن تقعا
لمَّا انتهينا وباب الدار منصفق … لصوت رملة ريع القلب فانصدعا
فلما دخل على معاوية خلا به، وأخرج عنه أهل بيته.
فقال: يا بنيَّ، قد جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي، فما أنت صانع بهذه الأمة من بعدي؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك.
قال يزيد: آخذهم بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
فقال: أو لا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردّة، ومضى والأمة عنه راضون؟ قال: لا، إلا بكتاب الله وسنّة نبيّه، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي مصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، وفرض العطيّة، وجبي الفيء، وقاتل العدوّ، ومضى والأمة عنه راضون.
قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة رسوله، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
قال: أولا تأخذ بسيرة عثمان عمك الذي أكل في حياته، وورّث في مماته، واستعمل أقاربه؟ قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه.
قال: أولا تسير بسيرة أبيك الذي أكل في حياته وورث بعد وفاته، واحتمل الوزر على ظهره؟
стр. 176
قال: لا إلا بكتاب الله وسنّة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه.
قال: يا يزيد، انقطع منك الرجاء، أظنك ستخالف هؤلاء، جميعا، فتقتل خيار قومك، وتغزو حرم ربك بأوباش الناس، فتطعمهم لحومهم بغير الحق فتدركك مرّته فجأة، فلا دنيا أصبت ولا آخرة أدركت.
يا يزيد، إذا لم تصب الرشد وتطلع ذا الحق فإني قد أوطأت لك المنابر، وأذللت لك أهل العز، وأخضعت لك رقاب العرب، وكفيتك الرحلة والترحال، وجمعت لك ما لم يجمع واحد، وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا ثلاثة نفر، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير.
فأما ابن عمر فرجل وقذته العبادة، وتخّلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن، ولا أظنه يقاتل إلا أن يأتيه الأمر عفوا، وأما الذي يجثم جثوم الأسد، ويروغ روغان الثعلب، وإن أمكنته فرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعل فاستمكنت منه فقطِّعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك تقبل قلوبهم إليك، وأما الحسين بن علي فإن له رحما وحقا وولادة من رسول الله ﷺ ، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو كنت صاحبه لعفوت عنه.
وحدثونا، أنه كان عند معاوية خمسة رهط حين حضرته الوفاة، الضحاك ابن قيس الفهريّ، ومسلم بن عقبة المرّي، وثور بن معن السلميّ، وزياد بن عمرو ابن معاوية العقيلي، والنعمان بن بشير الأنصاري، فقال: " بلّغوا يزيد عني السلام، وقولوا له، انظر أهل الحجاز فإنهم قومك وعشرتك، فأكرم من قدم عليك منهم، وصل من غاب، وانظر أهل الشام فإنهم جندك، فأكرمهم، وإذا هاجك هيج فارمه بهم، فإن فتح عليك فارددهم إلى بلادهم، فإنهم إن يسكنوا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.
стр. 177
وزعموا أنه كان يحوَّل في مرضه الذي مات فيه، وهو يقول: إنكم لتحوّلون جسدا حولا قلَّبا إن ينج من النار غدا فهو الرجل كل الرجل، وله يوم من ابن الأدبر طويل " يعني حجرا وأصحابه ".
ثم أنشد:
لقد جمعت لكم من جمع ذي حسب … وقد كفيتكم الترِّحال والنَّصبا
وابن الأدبر حجر بن يويد الكندي.
فلما مات معاوية، فدفن، دخل زياد بن عمرو العقيلي على يزيد، فقال: - يا أمير المؤمنين، مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه، وخلِّفت، فانظر بعده كيف تصنع، أقمنا على المنهاج، واركب محجّة السداد، فأنت المرتجي والمفزع.
فقال يزيد: لا حول ولا قوة إلا بالله، إيّاه أستعين، وعليه توكلت، ونعم الوكيل.
وصية الربيع بن خُثيم: وحدثونا عن إسرائيل قال، أوصى الربيع بن خُثيم، وأشهد الله عليه، وكفى بالله شهيدا وجازيا لعباده الصالحين ومشيبا، أني رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيّا، وبالقرآن إماما، وأني أرضى لنفسي ولمن أطاعني أن يعبد الله في العابدين، ويحمد الله في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين.
وقال هرم بن حيان لما حضرته الوفاة، وقيل له، أوصِ.
فقال: لا أدري ما أوضي، ولكن بيعوا درعي، فاقضوا ديني، فإن لم يف فبيعوا فرسي، فإن لم يتمّ فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل، ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى … لهو خير الصابرين.
стр. 178
فقال قتادة: أوصي والله بجماع الأمر، ومن أوصى بما أوصى الله به فقد أبلغ.
وصية عبد الملك بن مروان قالوا: لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه، فأوصاهم، فقال: " يا بني، أوصيكم بتقوى الله، فإنها أحصن كهف، وأزين حلية، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حقّ الكبير، وإياكم والاختلاف والفرقة، فإن بها هلك الأولون قبلكم، وذلّ ذوو العدد والكثرة، انظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه جنتَّكم الذي به تستجنون، ونائبكم الذي عنه تفترُّون، أكرموا الحجّاج فإنه وطَّأ لكم المنابر، وكونوا عند القتال أحرارا، وعند المعروف منارا، وكونوا بني أمّ بررة، إحلولوا في مرارة، ولنوا في شدّة ".
قال: ثم رفه رأسه إلى الوليد، فقال: يا وليد، لا أعرفّنك إذا وضعتني في حفرتي تمسح عينيك وتعصرهما فعل الأمة، ولكن إذا وضعتني في حفرتي فشمِّر واتَّزر، والبس جلد النَّمر، ثم اصعد المنبر، فادع الناس إلى البيعة، فمن قال كذا، فقل كذا.
وأومأ إليه، من قال: لا، فاقتله.
ثم بعث إلى خالد وعبد الله ابني يزيد بن معاوية فقال: - أتعلان لم بعثت إليكما؟ - قالا: نعم، يا أمير المؤمنين، لترينا عافية الله إياك.
- قال: لا ولكن لأسلكما، هل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء، فأقيلكما.
- قالا: معاذ الله يا أمير المؤمنين.
- قال: والله. لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما.
فقاما، فخرجا.
стр. 179
فقال لبنيه، احفظوا هذه الأبيات عني:
اِنفوا الضَّغائن عنكم وعليكم … عند المغيب وفي حضور المشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم … إن مدَّ في عمري وإن لم يمدد
ولمثل ريب الدَّهر ألِّف بينكم … بتراحم، وتواصل، وتودُّد
حتى تلين قلوبكم وجلودكم … لمسزَّد منكم وغير مسوَّد
إنَّ القداح إذا جمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش أيِّد
عزَّت فلم تكسر وإن هي بدِّدت … فالوهن والتَّكسير للمتندِّد
فلما توفى عبد الملك سجَّاه الوليد بثوبه، ثم سعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " لم أر مثلها مصيبة، فقد الخليفة ونيل الخلافة، فإنّا لله وإنا إليه راجعون على أعظم المصيبة، والحمد لله رب العالمين على أعظم النعمة ".
ثم دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ولم يختلف عليه أحد.
وصية الحجاج بن يوسف وحدثونا عن أبي عبد الرحمن التميمي عن سيف عن شيخ ثقيف قال في وصية الحجاج: هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف: " أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا، وإليك المصير، لا نفرِّق بين أحد من خلفاء الله، ولا نتّهم الله في قضائه فيهم، هم لي أولياء، وأنا لهم وليٌّ في الدنيا والآخرة، من اتّهم الله على قضائه فيهم أو نكث عهده أو عصاه، أو خلع عطاء الله
стр. 180
الذي ولاّهم فأنا لذلك عدوّ في الدنيا والآخرة، على هذا أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث، وبه أخاصم، وإن صلاة الحجاج ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا أوّل المسلمين ".
وصيّة رجل من أهل الشام قال أبو حاتم، وحدثونا عن أبي يعقوب عن ابن عمير - يعني عبد الملك - أن رجلا من أهل الشام أوصى ابنه عند موته، وذكر أنه بلغه أن معاذ بن جبل قال: " يا بنيّ، أظهروا اليأس مما عند الناس فإنه غني، وإياكم وطلب الحاجات فإنه فقر حاضر، وإياكم وما يعتذر منه من القول والفعل، وإذا صلّيت يا بنيّ فاسبغ الوضوء، وصلِّ صلاة مودّع يرى أنه لن يئُوب إلى أهله، فإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل ".
وصية أبي عبيدة بن الجراح قال أبو حاتم، وحدثونا عن لوط بن يحيى عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن سعيد بن أبي سعيد قال، لما طعن أبو عبيدة بالأردن - وبها قبره - دعا من حضره من المسلمين، فقال: " إني أوصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير وبعدها تهلكوا، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصلوا، وانصحوا لأمرائكم، ولا تبغضوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرؤا لو عمرِّ ألف حول ما كان له بدّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون، إن الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون وأكيسهم أطوعهم لربّه، وأعلمهم ليوم معاده، والسلام عليكم ".
следующие страницы →