← Тараджим

Тараджим · id 6723

الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية

طاشكبري زاده

Полный текст (498 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مدرسة قره كوز باشا بقصبة فلبه باربعين ثمَّ مدرسة مناستر بِخَمْسِينَ ثمَّ مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان بقسطنطينية ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ قلد قَضَاء حلب ثمَّ نقل الى مَكَّة وَاسْتقر فِيهَا مُدَّة خمس سِنِين وَقد رَأَيْت اهل الْحرم يشكرونه وَيدعونَ لَهُ بِالْخَيرِ ثمَّ نقل الى قَضَاء بروسه ثمَّ نقل الى قَضَاء ادرنه ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم تسعون درهما بطرِيق التقاعد وَتُوفِّي سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة لَيْلَة الْعِيد من ذِي الْحجَّة وَكَانَ الْمولى المرحوم مشاركا فِي كثير من الْعُلُوم يستوعب اكثر اوقاته مطالعة الْكتب النافعة وعباداته وَقد طالع كتبا كَثِيرَة وَجمع الْمسَائِل وَكتب الْفَوَائِد وحرر الرسائل وَكَانَ ﵀ رجلا صَالحا دينا مشكور السِّيرَة فِي قَضَائِهِ وَالنَّاس يبالغون فِي مدحه وثنائه وَيَكْفِيك مَا جَاءَ فِي الاخبار وَنَقله بعض الاخيار من ان وَاحِدًا من اهل مَكَّة عرض عَلَيْهِ عشْرين الف دِينَار فِي قَضِيَّة لَا تستوجب الغائلة وَالضَّرَر فِي وَقت لَا يطلع عَلَيْهِ فَرد من أَفْرَاد الْبشر فعبس وَبسر وَتَوَلَّى وَأدبر وطرده وَكسر قلبه بل اراد ضربه فَانْظُر الى اهل الرجولية وَلَا شكّ انها من الامداد الرسولية جزاه الله تَعَالَى بمزيد احسانه وَأَسْكَنَهُ فِي ارائك جنانه (ورثاه) ابْنه الاكبر بعد الْمَمَات بقصيدة فلنذكر مِنْهَا بعض الابيات ... فَلِكُل نفس ان تَمُوت وتقبرا ... وَلكُل انف شامخ ان يعفرا وَلكُل سيف لَا محَالة كلة ... وَلكُل رمح الطعْن ان يتكسرا وَلَك روض ان يُغير حسنه ... من بعد ان قد صَار روضا ازهرا وَلكُل امْر غَايَة وَنِهَايَة ... وَلكُل خطب الْعِزّ ان يتعسرا ايْنَ السَّلِيل الطَّاهِر الشَّيْخ النقي ... من كَانَ فِي الْعلم الرئيس الاكبرا قَاضِي قُضَاة الْمُسلمين على الْهدى ... شَيخا ترى فِي الْفضل بحرا اخضرا حسن الفعال كاسمه صِفَاته ... فبمثله متكاملا من ابصرا وَكفى لَهُ كَون ابْن بنت الْمُصْطَفى ... شرفا على جم الفخار ومفخرا لَو بت احصر من مَنَاقِب فَضله ... لعييت اذ تيك المنى لن تحصرا مَا كَانَ تبصر اعين من قبله ... ان يلْحد الْبَحْر الْعَظِيم ويقبرا ...

стр. 387

.. طويت مناشر جوده من بعد أَن ... كَانَت لَهُ اعلام فضل تنشرا فَمضى لدَعْوَة ربه لما دعِي ... متشوقا متشكرا مُسْتَبْشِرًا لَا زَالَ تسقى من غوادي رَحْمَة ... روضاته عطرا وطيبا عنبرا يَا رب روح روحه فِي قَبره ... مَا أقبل الرّيح النسيم وأدبرا وَالله مَا أنسى لذائذ ذكركُمْ ... حَتَّى اموت على الْفراش واحشرا ان كنت عَنَّا فِي التُّرَاب مغيبا ... مَا ذكرك الْمَحْمُود عنام مهجرا انت الَّذِي اسهدتني بِفِرَاقِهِ ... مَا كنت ادري قبله دلج السرى طُوبَى لقبر انت فِيهِ مضاجع ... قد جاور الْبَدْر الزهي الانورا لازلت فِي روض النَّعيم مخلدا ... يَا خير من صلى وَصَامَ وأفطرا وسقاك رَبك من حِيَاض جنانه ... يَوْم الظما مَاء طهُورا كوثرا ... وَمن هَؤُلَاءِ السَّادة الْمولى مصلح الدّين المشتهر بِدَاوُد زَاده قرا ﵀ على افاضل عصره وأماثل دهره مِنْهُم الْمولى محيي الدّين الشهير بقطب الدّين زَاده ثمَّ صَار ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ تولى مدرسة جنديك ببروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة سُلَيْمَان باشا بقصبة يكي شهر بِثَلَاثِينَ ثمَّ بهَا ثَانِيًا باربعين ثمَّ مدرسة قَاسم باشا خَارج قسطنطينية ثمَّ نقل عَنْهَا الى مدرسة خانقاه ثمَّ الى مدرسة الخاصكية ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة سليم خَان ثمَّ قلد قَضَاء الْمَدِينَة المنورة يحْكى انه لما دخل الْحرم اعْتِقْ مماليكه واجتهد فِي اداء مَنَاسِك الْحَج واهتم غَايَة الاهتمام وَبعد قَلِيل انْتقل الى جوَار ربه السَّمِيع وَدفن بِالبَقِيعِ وَكَانَ المرحوم صَاحب ايد فِي الْعُلُوم سهل القياد صَحِيح الِاعْتِقَاد ذَا همة علية وسماحة جلية يُرَاعِي مَعَ الاخوان الخلان الْحُقُوق السَّابِقَة اذا نزلت بائقة وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ ﵀ صَاحب عزم وحزم الا ان فِيهِ خصْلَة ابْن حزم الَّذِي قَالَ فِي شانه بعض ارباب الْبَيَان لِسَان ابْن حزم وَسيف الْحجَّاج شقيقان محا الله سيآتهما وضاعف حسناتهما وَقد علق ﵀ فِي اثناء الدَّرْس حَوَاشِي على بعض الْمَوَاضِع من شرح الْمِفْتَاح للشريف الْجِرْجَانِيّ وَمِمَّنْ القى اليه الدَّهْر قيادة فَتقدم على كثير من الافاضل على خلاف

стр. 388

الْعَادة وتحرك فِي ميادين الْعِزّ كَيفَ يشا الْمولى مَحْمُود معلم الْوَزير الْكَبِير مُحَمَّد باشا ولد بقصبة سراي فَخرج مِنْهَا رَاغِبًا فِي التَّحْصِيل والإستفادة واشتغل على كثير من الافاضل والسادة وقرا على الْمولى عبد الباقي وَالْمولى صَالح وَصَارَ ملازما من الْمولى محيي الدّين الشهير بالمعلول ثمَّ درس فِي مدرسة خَاص كوي بِعشْرين ثمَّ مدرسة خواجه خير الدّين بقسطنطينية بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بهَا ثَانِيًا بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة رسم باشا بقسطنطينية بِأَرْبَعِينَ ثمَّ صَار وَظِيفَة فِيهَا خمسين ثمَّ نقل إِلَى مدرسة ابي ايوب الانصاري ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الَّتِي بناها السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ ولي قَضَاء الْقَاهِرَة فَبعد شَهْرَيْن من الظفر بالمرام وَالدُّخُول الى مصر ذَات الاهرام توفّي فِي رَابِع محرم الْحَرَام سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ المرحوم مشاركا فِي بعض الْعُلُوم صَحِيح العقيدة صَاحب الاخلاق الحميدة لَا يُؤْذِي النَّاس مَعَ كَمَال قدرته وَنِهَايَة مكنته وَقد بَاشر الْقَضَاء بِكَمَال الاسْتقَامَة جزاه الله بمزيد احسانه يَوْم الْقِيَامَة وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْمولى مصلح الدّين الشهير بمعلم السُّلْطَان جهانكير وَقد نشا ﵀ فِي الْقرْيَة الْقَرِيبَة اكردير وشب على تَحْصِيل الْعلم وشمر عَن سَاق الِاجْتِهَاد حَتَّى تميز وانتظم فِي سلك ارباب الاستعداد وسلك فِي الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة حَتَّى وصل الى خدمَة الْمولى المشتهر بجوي زَاده ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى عبد الواسع فنال بِهِ مَا نَالَ وَحصل عِنْده الآمال فَلَمَّا صَار ملازما مِنْهُ قَلّدهُ الْمدرسَة الَّتِي بناها بقصبة ديمو رتوقه بِعشْرين ثمَّ زَاد فِي وظيفته فَصَارَت خَمْسَة وَعشْرين وَلما توفّي الْمولى الْمَزْبُور تقاعد فِي الْمدرسَة وتشبث بذيل القناعة واشتغل بتهديب نَفسه بِقدر الِاسْتِطَاعَة وَلما مضى عَلَيْهِ بُرْهَة من الزَّمَان نصب معلما للسُّلْطَان جهانكير ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان فدام على تَعْلِيمه الى ان اخمدالدهر ناره وَعفى آثاره وَعين لَهُ كل يَوْم خَمْسُونَ درهما على طَرِيق التقاعد ثمَّ زيد عَلَيْهِ عشرُون فدام عَلَيْهِ حَتَّى الم بِهِ ريب الْمنون وَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ عَالما عَاملا وورعا دينا سريع الْفَهم قوي الذِّهْن حسن الاخلاق

стр. 389

طيب الله ثراه وَجعل الْجنَّة مثواه وَمن الْعلمَاء الاخيار الْمولى محيي الدّين الشهير بِابْن النجار نَشأ ﵀ فِي قَصَبَة اسكوب فَخرج مِنْهَا طَالبا للمعارف ومستفيدا من كل عَارِف واتصل بالمولى اسحق فاكثر من التَّحْصِيل والاستفادة حَتَّى صَار ملازما مِنْهُ بطرِيق الاعادة ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الْوُسْطَى بقصبة ثيره بِعشْرين ثمَّ مدرسة الامير حَمْزَة بِمَدِينَة بروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة عبد السَّلَام بجكمجه بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة مُحَمَّد باشا بقصبة صوفية بِأَرْبَعِينَ ثمَّ الْمدرسَة الحلبية بادرنه بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى سلطانية بروسه ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ ولي قَضَاء بَغْدَاد ثمَّ عزل عَنهُ وَعين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما بطرِيق التقاعد توفّي ﵀ سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ عَالما فَاضلا اديبا لبيبا صَاحب طبع سليم وذهن مُسْتَقِيم لذيذ الصُّحْبَة حُلْو المقاربة عَارِيا عَن الْخُيَلَاء وَالْكبر صافيا كصفاء العقيان والتبر وَكَانَ ﵀ ينظم الشّعْر بالتركي والعربي فَمن نظمه ... يَا من خلق الْخلق على احسن ذَات ... ميزت ذَوي النُّطْق باعلى الملكات فِي كل صِفَات من كل جِهَات طُوبَى لنفوس بذلت أنفس شَيْء ... فِي حبك يام معطي أَسبَاب نجاتي طَوْعًا قبولا حِين العقبات مَا كنت على عمري من عمري حينا ... اسرفت مدى الْعُمر لاجل الشَّهَوَات لَكِن مرَارًا من كيس حَياتِي من جَاءَ الى بابك بالتوب الهي ... اذ يسْقط بالاوب كاوراق نَبَات لَا يرجع خلو اجرام عصاة ارجو بك ان تَعْفُو ياغافر ذَنبي ... اذ كنت مقرا بوفور السقطات ... كلا وجميعا وَقت الدَّعْوَات ... وَمِنْهُم الْمولى عبد الرحن المشتهر ببالدار زَاده توفّي ابوه مدرسا بسلطانية بروسه وَلما توجه المرحوم نَحْو تَحْصِيل المعارف

стр. 390

والعلوم صَاحب الاهالي والاعالي حَتَّى صَار ملازما من الْمُفْتِي عَلَاء الدّين عَليّ الجمالي ثمَّ تولى بعض الْمدَارِس وَجعل يزاول الْعُلُوم ويمارس حَتَّى قلد مدرسة اورج باشا بقصبة ديموتوقه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة الْمولى المشتهر بِابْن الْحَاج حسن بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة الْمولى عرب بقصبة ثيره باربعين ثمَّ القلندرية بالوظيفة الاولى ثمَّ الْمدرسَة الحلبية بِخَمْسِينَ ثمَّ مدرسة ابي ايوب الانصاري ثمَّ احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ مدرسة السُّلْطَان يايزيدخان بادرنه ثمَّ قلد قَضَاء الْمَدِينَة على ساكنها أفضل الصَّلَوَات مَا تعاقب النُّور والظلمات ثمَّ عزل ثمَّ قلد قَضَاء حلب ثمَّ عزل وَتُوفِّي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ مَعْرُوفا بِالْعلمِ وَجمع الاماثل فِي زمن تدريسه فصيحا حازما جيد المحاضرة مَقْبُول المناظرة مَحْمُود السِّيرَة فِي قَضَائِهِ وَقد رَأَيْت اهل الْمَدِينَة يبالغون فِي ثنائه رَحمَه الله تَعَالَى وَأحسن اليه يَوْم جَزَائِهِ وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل فَخر الاماجد والافاضل الَّذِي تفتخر بِمثلِهِ الادوار والازمان الْمولى مصلح الدّين المشتهر ببستان ولد رَحمَه الله تَعَالَى سنة ارْبَعْ وَتِسْعمِائَة بقصبة ثيره فَلَمَّا نَشأ وشب وَبلغ ابان الطّلب ترك التواني والتناعس وهجر التقاعد والتقاعس فَخرج من تِلْكَ الْبِلَاد وتشبث بذيل السَّعْي وَالِاجْتِهَاد حَتَّى انتظم فِي سلك ارباب الاستعداد وَاجْتمعَ من الافاضل بِمن يُمكن مَعَه الِاجْتِمَاع كالمولى محيي الدّين الفناري وَالْمولى شُجَاع ثمَّ عطف الزِّمَام نَحْو الِاشْتِغَال على الْمولى الْمُعظم المشتهر بِابْن الْكَمَال فَجعل العكوف على التَّحْصِيل لزاما فَملك من الْعُلُوم عنانا وزماما واحرز عِنْده من الْفَضَائِل مَا احرز سَابق فِي مضمار المعارف فبرز وَجرى فِي ميدانها الى ابعد امد وَبنى بَيت التَّقَدُّم على اثْبتْ عمد وَصَارَ ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ تقلد مدرسة الْمولى يكان بِمَدِينَة بروسه ثمَّ عَن لَهُ بعض الامور واقتضت بعض الحيثيات اخْتِيَاره قَضَاء بعض القصبات ثمَّ رَجَعَ عَنهُ بعد مَا بَاشر الْقَضَاء برايه الرصين وَأخذ مدرسة الْمولى عرب بقصبة ثيره باربعين ثمَّ ساعده الدَّهْر وأعانه الزَّمَان حَيْثُ انتسب الى زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان فاعطته مدرسته المبنية فِي

стр. 391

قسطنطينية المحمية فَبعد قَلِيل من الزَّمَان نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ قلد قَضَاء بروسه ثمَّ قَضَاء ادرنه ثمَّ قَضَاء قسطنطينية فَلَمَّا وصلت مُدَّة قَضَائِهِ الى ارْبَعْ سِنِين ولي قَضَاء الْعَسْكَر بِولَايَة اناطولي فَبعد عشرَة ايام توفّي الْمولى الشَّيْخ مُحَمَّد المشتهر بجوى زَاده وَهُوَ قَاض بالعكسر بِولَايَة روم ايلي فَنقل المرحوم الى مَكَانَهُ وَاسْتقر فِيهِ خمس سِنِين ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة وَخَمْسُونَ درهما وَتُوفِّي فِي الْعشْر الاخير من رَمَضَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَدفن لَيْلَة الْقدر بِقرب زَاوِيَة السَّيِّد البُخَارِيّ خَارج قسطنطينية كَانَ ﵀ من أكَابِر الْعلمَاء والفحول الْفُضَلَاء تَنْشَرِح النُّفُوس بروائه وَيضْرب الْمثل بذكائه يغبطه النَّاس على نقاء قريحته وَسُرْعَة بديهته المعيا فطنا لبيبا لوذعيا فَذا اديبا وَكَانَ اذا باحث اقام للاعجاز برهانا وأصمت الْبَاب واذهانا وَكَانَت الْمَشَاهِير من كبار التفاسير مركوزة فِي صحيفَة خاطره كانها مَوْضُوعَة لَدَى ناظره وَأما الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَهُوَ ابْن بجدتها وآخذ بناصيتها وَقد كتب حَاشِيَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ لسورة الانعام وعلق حَوَاشِي على مَوَاضِع اخر الا انه لم يَتَيَسَّر لَهُ التبييض والاتمام بِسَبَب انه سلك مَسْلَك الزّهْد وَالصَّلَاح وانسم بسمة اصحاب الْفَوْز والفلاح وَكَانَ جَامعا بَين الْعلم وَالتَّقوى متمسكا من حبال الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة بِالسَّبَبِ الاقوى وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم وَيخْتم فِي صلواته فِي كل اسبوع مرّة وَقَالَ يَوْمًا اني مُنْذُ خمسين سنة لم يتَّفق لي قَضَاء صَلَاة الصُّبْح فَكيف غَيرهَا وَكَانَ ﵀ يَقُول لَا بُد اني اموت فِي انْقِضَاء رَمَضَان وأدفن لَيْلَة الْقدر وَكَانَ الامر كَمَا قَالَ وَكَانَ مَشَايِخ زَمَانه يَقُولُونَ انه كمل الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة وَكَانَ المرحوم الْوَالِد بالي ابْن مُحَمَّد شَرِيكا لَهُ فِي زمن اشْتِغَاله وَصَارَ ملازما من الْمولى كَمَال باشا زَاده فِي الْقَضِيَّة الْوَاقِعَة بَين الْمولى الْمَزْبُور وَبَين جوي زَاده وخلاصة ذَلِك الْخَبَر انه لما

стр. 392

فتح احدى الْمدَارِس الثمان امتحن الْمولى محيي الدّين الفناري وَالْمولى القادري وَالْمولى جوي زَاده وَالْمولى اسرافيل زَاده وَالْمولى اسحق وَوَقع الامتحان من كتب الْهِدَايَة والتلويح والمواقف فطالعوا فِيهَا وحرروا رسائل وَكَانَ الْمولى كَمَال باشا زَاده يؤمئذ مفتيا بدار السلطنة وَقد كَانَ كتب قبل هَذَا كتابا فِي اصول الْفِقْه وَسَماهُ تَغْيِير التَّنْقِيح فاتفق ان لَهُ فِي مَحل الامتحان من ذَلِك الْكتاب ردا على صَاحب التَّنْقِيح فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ الْمولى جوي زَاده نَقله فِي رسَالَته بِلَفْظ قيل واجاب عَنهُ فَلَمَّا تمّ الامتحان وتقرر رُجْحَان الْمولى جوي زَاده سعى بعض اعدائه الى الْمُفْتِي الْمَزْبُور بانه كتب كلامك فِي رسَالَته بتَخْفِيف وتنقيص فَغَضب الْمُفْتِي وشكا الى السُّلْطَان فامر بحبسه وتسلية الْمُفْتِي فارسل اليه من يتعرف ذَلِك فَقَالَ الْمُفْتِي لَا اتسلى بِدُونِ قَتله فعزم السُّلْطَان على ان يقْتله فِي الْبَحْر الا انه لم يُسَارع فِيهِ لما انه كَانَ يسمع فِي الْمولى جوي زَاده من الْفضل وَالتَّقوى ثمَّ اشار الى بعض الرؤساء بَان يسعوا فِي ازالة غضب الْمُفْتِي واثاره فسعى طَائِفَة من الْعلمَاء وَغَيرهم استشعفوا وَتَضَرَّعُوا اليه وغيروا الرسَالَة وعرضوها عَلَيْهِ وَقَالُوا ان مَا ذكر كذب وافتراء عَلَيْهِ فملا احسوا مِنْهُ الْميل الى الْعَفو اتوا بِهِ اليه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ باس نَعله فَخرج من عِنْده فَعَفَا عَنهُ السُّلْطَان وَذهب الى احدى المدرستين المتجاورتين بادرنه وَحرم من الدُّخُول فِي الْمدَارِس الثمان ثمَّ قصد السُّلْطَان الى الْمُفْتِي بالاحسان تَسْلِيَة للامر السَّابِق وَجَزَاء للعفو الْمَذْكُور فارسل اليه من الْكتب والانية وَغَيرهَا وَطلب مِنْهُ ان يعين عدَّة من طلبته للملازمة فعين ﵀ فَمِمَّنْ عين المرحوم الْوَالِد وَكَانَ عِنْده بمرتبة ثمَّ درس المرحوم بمدرسة خَاص كوي بِعشْرين ثمَّ مدرسة امير الامراء بادرنه بِخَمْسَة عشْرين ثمَّ سَاقه بعض الامور الى اخْتِيَار منصب الْقَضَاء وَتَوَلَّى عدَّة مناصب حَتَّى توفّي بقصبة جورلي وَهُوَ مُسَافر الى قَصَبَة بوردين بعد تَقْلِيد قَضَائِهِ بِمِائَة وَثَلَاثِينَ وَدفن بالقصبة المزبورة وَذَلِكَ فِي شهر رَجَب وَقد ولد ﵀ سنة احدى وَتِسْعمِائَة وَقد قَرَأت عَلَيْهِ الصّرْف والنحو ونبذا من علم الْفُرُوع وَأَنا فِي ذَلِك مكمل لاول الْعُقُول وَكَانَ ﵀ حَدِيد الذِّهْن صَاحب القريحة صَحِيح العقيدة بحاثا بِالْعلمِ مَعْرُوفا بِهِ

стр. 393

بَين الاهالي وقدكتب تَفْسِيرا من الْمُعْتَبرَات بِخَطِّهِ خُصُوصا مؤلفات استاذه الْمولى ابْن كَمَال باشازاده حَيْثُ كتب جَمِيع كتبه ورسائله وعلق حَوَاشِي على بعض الْمَوَاضِع من شَرحه للفرائض وعَلى بعض الْمَوَاضِع من الاصلاح والايضاح وَكَانَ لَهُ ليد الطُّولى فِي الْكَلَام والهيئة والحساب وَكتب على بعض الْمَوَاضِع مِنْهَا كَلِمَات لَطِيفَة وَكَانَ ﵀ مَحْمُود السِّيرَة فِي قَضَائِهِ عَامله الله بِلُطْفِهِ يَوْم جَزَائِهِ وَمن الْعلمَاء الاعيان الْمولى مصلح الدّين الشهير بكوجك بُسْتَان نَشأ ﵀ بقصبة بركي وَطلب الْعلم وَدَار الْبِلَاد واشتغل واستفاد حَتَّى انتظم فِي سلك ارباب الاستعداد وَدخل مجَالِس الفحول مِنْهُم الْمولى محيي الدّين المشتهر بالمعلول وَصَارَ معيدا لدرس الْمولى عبد الرحمن فِي مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الخاتونية بقسطنطينية بِعشْرين ثمَّ صَارَت وظيفته فِيهَا خَمْسَة وشعرين ثمَّ درس بمدرسة مُرَاد باشا فِي الْمَدِينَة المزبورة بِثَلَاثِينَ وَقد قرات عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمدرسَة طرفا من شرح الْمِفْتَاح للشريف الْجِرْجَانِيّ ثمَّ نقل عَنْهَا الى الْمدرسَة الافضلية باربعين ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ القلندرية بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة مغنيسا وفوض اليه الْفَتْوَى بِهَذِهِ النواحي وَعين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما ثمَّ زيد عَلَيْهَا عشرَة ثمَّ عشرُون فَصَارَت وظيفته فِي كل يَوْم مائَة مائَة فاشتغل فِيهَا وَأفَاد وَأفْتى وأجاد حَتَّى أبلاه الدَّهْر وأباد فِي اوائل ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ المرحوم مشاركا فِي أَكثر الْعُلُوم قوالا بِالْحَقِّ متصلبا فِي دينه مشتغلا بِمَا يهمه ويعنيه ومجتهدا فِي احراز الْعُلُوم النافعة غَايَة الِاجْتِهَاد جزاه الله بمزيدا حسانه يَوْم التناد وَمن زمرة هَؤُلَاءِ السَّادة الْمولى عبد الله الشهير بغزالي زَاده كَانَ ﵀ من اولاد الامام ابي حَامِد الْغَزالِيّ قَرَأَ ﵀ على الافاضل واشتغل على الْمولى سعدالله محشي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ ثمَّ صَار ملازما من الْمولى مصلح الدّين المشتهر بطاشكبري زَاده ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الجانبازية بقسطنطينية بِعشْرين ثمَّ تقلد قَضَاء بعض القصبات فاشتهر بِكَمَال السداد والاستقامة فَجمع

стр. 394

قَضَاء سلانيك وسدوقبسي وقلدالمرحوم بثلثمائة دِرْهَم فِي كل يَوْم ثمَّ امْر بتفتيش اوقاف الْقَاهِرَة فاصبحت بِحسن تدابيره عامرة فَلَمَّا عَاد مِنْهَا قلد قَضَاء قَصَبَة ابي ايوب الانصاري مَعَ قَصَبَة غلطه بثلثمائة وَورد الامر من السُّلْطَان بَان يتَّخذ طلبة للتعليم ويباشر للدرس من الْكتب المتداولة الْمَعْهُودَة ويعامل مُعَاملَة قُضَاة الشَّام وحلب المعمورة كل ذَلِك بعناية الْوَزير الْكَبِير رستم باشا فَلَمَّا عزل الْوَزير الْمَزْبُور عزل المرحوم عَن الْقَضَاء وَعين لَهُ كل يَوْم سِتُّونَ درهما ثمَّ زيدعليها عشرُون فَصَارَت وظيفته كل يَوْم ثَمَانِينَ درهما وَتُوفِّي ﵀ فِي اواخر ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ صَاحب ذهن وقاد وطبع نقاد قوي المناظرة جيدالمحاضرة مَحْمُود السِّيرَة حسن السريرة ورعا دينا مُنْقَطِعًا الى الله مشتغلا باوامر مَوْلَاهُ خَالِيا عَن الْكبر وَالْخُيَلَاء طارحا للتكلف متخلقا باخلاق الْمَشَايِخ والصلحاء وَقد تلقن الذّكر من السَّيِّد ولايت وَتزَوج ابْنَته وَيُقَال انه كمل الطَّرِيقَة الزينية وَكَانَ ﵀ صَاحب الْيَد الطُّولى فِي علم الْفِقْه وَأُمُور الْقَضَاء وَقد كتب رَحمَه الله تَعَالَى شرحا للأسماء الْحسنى وَجمع فِيهِ فَوَائِد وفرائد فَلَمَّا بَقِي مِنْهُ الْقَلِيل وَقعت لَهُ وَاقعَة بِأَن اسرع فِي اتمامه فان الْوَقْت قريب فسارع ﵀ فِي اتمامه فَلَمَّا فرغ مِنْهُ وَمضى عَلَيْهِ عدَّة ايام مرض وَتَمَادَى بِهِ الْمَرَض حَتَّى توفّي فِي السّنة المزبورة وَمِنْهُم الْمولى جَعْفَر ابْن عَم الْمُفْتِي ابي السُّعُود نَشأ ﵀ بقصبة اسكليب وَطلب الْعلم وانتظم فِي سلك طلابه بَعْدَمَا افنى عنفوان شبابه وَشرع فِي التَّحْصِيل وبالقراءة وَالسَّمَاع حَتَّى صَار ملازما من الْمولى شُجَاع ثمَّ درس فِي عدَّة مدارس حَتَّى ولي مدرسة آق شهر بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة مرزيفون باربعين ثمَّ مدرسة الْمولى المشتهر بَافضل زَاده بقسطنطينية بالوظيفة الاولى ثمَّ مدرسة عَليّ باشا بِخَمْسَة وَأَرْبَعين ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خمسين ثمَّ نقل الى مدرسة السُّلْطَان بايزيدخان بادرنه ثمَّ قلد قَضَاء دمشق فَبعد مُضِيّ سَبْعَة اشهر ولي قَضَاء الْعَسْكَر بِولَايَة اناطولي فدام عَلَيْهِ سِتّ سِنِين ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة وَخَمْسُونَ درهما (وَتُوفِّي ﵀ سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة)

стр. 395

وَقد اناف عمره على ثَمَانِينَ كَانَ ﵀ رجلا دينا ورعا ذَا حَظّ عَظِيم من الزّهْد وَالصَّلَاح متمسا بسمة ارباب الْفَوْز وافلاح يصرف اكثر اوقاته فِي الْعِبَادَة يتَرَاءَى عَلَيْهِ آثَار الْفَوْز والسعادة وَكَانَ متصلبا فِي دينه قوالا بِالْحَقِّ غير مكترث بمداراة الْخلق وَكَانَت مُدَّة قَضَائِهِ بالعسكر من تواريخ الايام مَذْكُورَة بِالْخَيرِ على السن الْخَواص والعوام ويحكى انه لما قلد قَضَاء دمشق ابى قبُوله فَاجْتمع اليه اصحابه وعدوا عَلَيْهِ دُيُونه وَقَالُوا لَا بُد من قبُوله حَتَّى تقضي هَذِه الدُّيُون فَقبله بعد تردد فِي عدَّة ايام وَكَانَ يَقُول بعده متندما على قبُوله بدلت ديوني الْمَعْلُومَة بالمجهولة وَمَا صنعت شَيْئا غَيره وَلَقَد صدق فِيمَا قَالَ وأتى باحسن الْمقَال وَمِنْهُم الْعَالم الامجد والبارع الاوحد الْمولى شاه مُحَمَّد بن حزم كَانَ ﵀ من اولاد ولي الله الْمولى جلال الدّين القنوي صَاحب المثنوي الْفَارِسِي ولد ﵀ بقصبة قره حِصَار ونشا على تَحْصِيل الْعُلُوم والمعارف فِي هَذِه الديار ثمَّ اتَّصل الى الْمولى محيي الدّين المشتهر بمرحبا فَاسْتَفْتَحَ بِهِ مغالق الْفُنُون وَاسْتَوْسَعَ مضايق السجون وَأخذ مِنْهُ الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة الانواع باتقان وابداع وقطف من رياض الْفَضَائِل أثمارها وأنوارها وَبلغ من لجج المعارف اعماقها وأغوارها ثمَّ وصل الى مجْلِس الْمولى الشَّيْخ مُحَمَّد المشتهر بجوي زَاده فاكثر من التَّحْصِيل والاستفادة حَتَّى صَار ملازما مِنْهُ بطرِيق الاعادة فتميز من اقرانه ففاز بحظ الظُّهُور وَحَازَ قصبات السَّبق من بَين ذَلِك الْجُمْهُور ثمَّ درس بمدرسة الْمولى خسرو ببروسه بِعشْرين ثمَّ الْمدرسَة السِّرَاجِيَّة بِمَدِينَة ادرنه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة الْجَامِع الْعَتِيق بِالْمَدِينَةِ المزبورة ثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة رستم باشا بكوتاهيه باربعين ثمَّ الْمدرسَة المبنية بقسطنطينية المحمية بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى مدرسة بنت السُّلْطَان بقصبة اسكدار وَقد قرات عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمدرسَة جزأ من شرح المواقف للشريف الْجِرْجَانِيّ من اول مبَاحث الْكمّ وَقد عرضت عَلَيْهِ فِي الدَّرْس الاول كلامين فِي حَاشِيَة الْمولى حسن جلبي على ذَلِك فَقَالَ قَرَأت هَذَا الْمقَام على الْمولى جوى زَاده فعرضت عَلَيْهِ هذَيْن الْكَلَامَيْنِ فاستحسنهما ثمَّ قَرَأت عَلَيْهِ جزأ من كتاب الْهِدَايَة ثمَّ نقل عَنْهَا الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة

стр. 396

السُّلْطَان سليم خَان بقسطنطينية وَلما ابتنى السُّلْطَان سُلَيْمَان المدرستين الواقعتين بغرني الْجَامِع الَّذِي بناه بقسطنطينية وَجه احداهما للمرحوم والاخرى للْمولى عَليّ الشهير بحناوي زَاده ثمَّ قلد قَضَاء الْقَاهِرَة ثمَّ نقل الى قَضَاء ادرنه ثمَّ الى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم فَلَمَّا مضى عَلَيْهِ عدَّة شهور بغته اجله وَهُوَ فِي اثناء الْوضُوء لصَلَاة الصُّبْح (وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة) وَكَانَ يَقُول اوان تدريسه لَا بُد ان اكون قَاضِيا بقسطنطينية المحمية وَلَا أرى ان اتجاوز هَذَا المنصب وَسُئِلَ يَوْمًا عَن سَبَب حُصُول ذَلِك الْعلم فَقَالَ اني املقت جدا بعدعزلي عَن السِّرَاجِيَّة وَلم اقدر على اخذ المنصب فَعرض لي غَايَة القلق وَالِاضْطِرَاب حَتَّى تَوَجَّهت الى قُبُور بعض القصبات فاخذني النّوم على هَذَا الْفِكر فَرَأَيْت فِي مَنَامِي استاذي الْمولى جوي زَاده فدعاني فَذَهَبت اليه فَقَالَ دع عَنْك هَذَا الْفِكر فانك تكون قَاضِيا بقسطنطينية وَكَانَ الامر كَمَا قَالَ كَانَ ﵀ من الرِّجَال الفحول فِي كل مَنْقُول ومعقول ذَا رَأْي اصيل وفكر اثيل مهيب المنظر عَجِيب الْمخبر وَقد اوتي بسطة فِي اللِّسَان وجراءة فِي الْجنان وسعة فِي الْبَيَان قوي المناظرة سريع المذاكرة شَدِيد الا يضام جَاره وَلَا يشق غباره وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ مِمَّن تعقد عَلَيْهِ الخناصر اذا تفقد اهل الْفَضَائِل والمآثر الا انه كَانَ متكبرا معجبا بِمَا حواه تَابعا لكل مَا استهواه وَكَانَ اكثر مباحثاته خَالِيَة عَن الانصاف مستبدا على المكابرة والاعتساف عَفا الله تَعَالَى عَن سيآته وضاعف حَسَنَاته وَقد كتب ﵀ حَوَاشِي على كتاب الاصلاح والإيضاح للْمولى المرحوم كَمَال باشا زَاده وَلم تتمّ وحاشية على حَاشِيَة التَّجْرِيد للشريف الْجِرْجَانِيّ وَلم تتمّ ايضا وهما موضوعان بِخَطِّهِ فِي الْكتب الْمَوْقُوفَة بخزانة الْمدَارِس السليمانية وَكتب رِسَالَة تتَعَلَّق بِالْوَقْفِ استحسنها فضلاءعصره غَايَة الِاسْتِحْسَان وَقد عثرت على كَلِمَات كتبهَا فِي هَامِش نُسْخَة من كتاب الجامي فِي بحث الْعدَد الَّذِي مر ذكره فِي تَرْجَمَة الْمولى مصلح الدّين الشهير بمعمار زَاده وَهِي هَذِه حل هَذَا الْمقَام عِنْدِي هُوَ انه كره الْعَرَب ان يَلِي التَّمْيِيز الْمَجْمُوع بالالف وَالتَّاء ثَلَاثًا واخواته حِين مَا قصد التَّعْبِير عَن عقودالمائة بعد مَا تعود مَجِيء تِلْكَ الْعُقُود من مَرَاتِب الاعداد بعد مَا هُوَ فِي

стр. 397

صُورَة الْمَجْمُوع بِالْوَاو وَالنُّون كزهوا التَّعْبِير عَن عقودالمائة بالتمييز الْمَجْمُوع بالالف وَالتَّاء للمباينة بَين الجمعين فَلَا يرد عَلَيْهِ النَّقْض بِثَلَاثَة آلَاف لانها جمع مُشْتَرك بَين الْمُذكر والمؤنث بِخِلَاف ذَيْنك الجمعين هَذَا مَا تيَسّر فِي الْمقَام والسوق للمرام انْتهى كَلَامه وَمِنْهُم الْمولى احْمَد بن عبد الله المشتهر بالفوري كَانَ ﵀ فِي اول امْرَهْ من عبيداسكندر جلبي الدفتري فَلَمَّا تفرس فِيهِ مخايل ارباب السداد وشمائل اصحاب الرشاد لم يزل ساعيا فِي تهذيبه واقرائه حَتَّى انتظم فِي سلك ارباب الاستعداد ثمَّ دخل مجَالِس السَّادة مِنْهُم الْمولى احْمَد المشتهر بطاشكبري زَاده وَقَرَأَ على الْمولى عبد الباقي وَغَيره من الاعيان حَتَّى صَار ملازما من الْمولى مصلح الدّين المشتهر ببستان ثمَّ درس فِي عدَّة مدارس وَجعل يزاول الْعُلُوم ويمارس حَتَّى ولي مدرسة قبلوجه ببروسه باربعين ثمَّ مدرسة عَليّ باشا بقسطنطينية بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان المشتهرة بِالْمَدْرَسَةِ الخاصكية ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة السُّلْطَان بايزيدخان بِمَدِينَة دمشق وفوض اليه الافتاء بِهَذِهِ الديار وَعين لَهُ كل يَوْم ثَمَانُون درهما فَلم يذهب كثير حَتَّى توفّي ﵀ سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَقيل فِي تَارِيخه برفت فوري وَكَانَ ﵀ عَالما فَاضلا ذكي الطَّبْع خَفِيف الرّوح لطيف المباحثة لذيذ الصُّحْبَة وَقد ولع فِي آخر عمره فِي مطالعة الْكتب وتحرير الخواطر وَقد كتب حَوَاشِي على بعض الْمَوَاضِع من تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وبيضها فِي كراريس وعلق حَوَاشِي على الدُّرَر وَالْغرر للْمولى خسرو من اول الْكتاب الى آخِره وَله يَد فِي قَول الشّعْر بالتركي والانشاء وَله بعض رسائل منشآت على لِسَان الْعَرَب وَله رِسَالَة لَطِيفَة فِي علم الْخط وَقد قَالَ فِي اول ديباجتها الْحَمد لمن علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي الامي الاكرم الَّذِي مَا خطّ فِي القط قطّ وَمَا رقم وَقَالَ فِي آخرهَا وجعلتها رِسَالَة مُنْفَرِدَة ومجلة متفردة ليسهل تحريره على اصحاب الْقَلَم ويتيسر نَظِيره لارباب الرقم هَدِيَّة لكل كَاتب طَالب وتحفة لكل رَاقِم رَاغِب راجيا ان تبقى هِيَ بِبَقَاء الزَّمَان وَينْتَفع بهَا فِي بعض الاوقات

стр. 398

والاوان وَتَكون وَسِيلَة لدعائهم لهَذَا العَبْد الْجَانِي بعد انْقِرَاض عمري وَاو ني امتثالا لقَوْل من قَالَ الْخط بَاقِي والعمر فَانِي وَمن الْعلمَاء العاملين والفضلاء الكاملين الْمولى يحيى بن عمر كَانَ ابوه من قَصَبَة اماسيه وَكَانَ قَاضِيا فِي بعض القصبات وَقد وَقع ولادَة المرحوم على رَأس تِسْعمائَة وَنَشَأ ﵀ فِي قَصَبَة طرابوزن وأميرها يَوْمئِذٍ السُّلْطَان سليم خَان ابْن السُّلْطَان بايزيدخان فداخلت ام الْمولى المسفور دَار الامير الْمَزْبُور وَابْنه السُّلْطَان سُلَيْمَان يَوْمئِذٍ صَغِير لم يَنْتَظِم لَهُ الْمَشْي بالاقدام وَلم يبلغ رُتْبَة الافطام فارضعته بُرْهَة من الزَّمَان فصارا رضيعي لبان وَبعد اللتيا وَالَّتِي رغب المرحوم فِي تَحْصِيل المعارف والعلوم وجد فِي الطلاب وقلقل الركاب وتعانى شَدَائِد الاسفار واستفتح مغالق الاسفار الى ان حوى المعارف وحازها وَتحقّق حقائق الْعُلُوم ومجازها وَصَاحب الاماجد والاعالي حَتَّى صَار ملازما من الْمولى عَلَاء الدّين الجمالي وَيُقَال انه فِي اوان طلبه واشتغاله اعتزل النَّاس مُدَّة سبع سِنِين وَاعْتَكف فِي غَار بِقرب طرابوزن مكبا على الِاشْتِغَال فِي الْعُلُوم ثمَّ درس بمدرسة سونسه بِعشْرين ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الجانبازية بقسطنطينية بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بمدرسة الْمولى مُحَمَّد ابْن الحاجي حسن بِثَلَاثِينَ ثمَّ الْمدرسَة الافضلية باربعين ثمَّ مدرسة مصطفى باشا بِخَمْسِينَ كل ذَلِك بِالْمَدِينَةِ المزبورة ثمَّ نقل الى مدرسة بنت السُّلْطَان اسكدار ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان فاتفق انه ارسل مَكْتُوبًا الى رضيعه السُّلْطَان سُلَيْمَان وشنع عَلَيْهِ لبَعض الْمُنْكَرَات وَأَغْلظ فِي الْكَلَام فاشمأز مِنْهُ خاطر السُّلْطَان فَعَزله وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما ثمَّ زَاد عَلَيْهَا عشرَة فَانْقَطع المرحوم عَن التَّرَدُّد الى ابواب الوزراء والامراء فِي حديقته الَّتِي عمرها من قبل فِي مَوضِع من تَوَابِع قسطنطينية يُقَال لَهُ بشك طاش ويحكى فِي سَبَب اخْتِيَاره تِلْكَ الْبقْعَة انه وَقعت لَهُ فِي اثناء الْمَجِيء من طرابوزن وَاقعَة هائلة ملخصها انه اتى اليه فِي مَنَامه شخص وعاتبه على مَجِيئه ودخوله فِي قسطنطينية واشار الى الْخُرُوج مِنْهَا وخوفه فَلَمَّا اصبح وفكر وَتَأمل وتفكر لم يجد بدا من تَركهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَقَامَ من وقته وتتبع نواحي قسطنطينية حَتَّى اشرف على تِلْكَ الْبِقَاع فاذا المجذوب قَاعد عِنْد بِئْر فَلَمَّا

стр. 399

رأى المرحوم ناداه بِأَن هَات درهما وَاحِدًا حَتَّى ابيع لَك هَذِه الديار واشار الى تِلْكَ الخوالي والرياض فَلَمَّا سَمعه دفع اليه مَا طلبه فَقَالَ المجذوب خُذ مبيعك واشار ثَانِيًا الى تِلْكَ الاطراف فتتبع المرحوم اصحاب تِلْكَ الْبِقَاع حَتَّى اشرف على تِلْكَ الْبقْعَة فاشتراها فِي يَوْمه ذَلِك وَبَات بهَا لَيْلَة ثمَّ استوطنها وَعمر اطرافها وَبنى فِيهَا عدَّة مدارس ومسجدا وخانقاه وحماما ومقاما سَمَّاهُ بخضراق بِنَاء على انه يعْتَقد ان ذَلِك هُوَ مجمع الْبَحْرين الَّذِي اجْتمع فِيهِ الْخضر بمُوسَى على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ سَببا لاحياء تِلْكَ النَّاحِيَة وَاعْتَزل عَن النَّاس واشتغل بِنَفسِهِ فَحصل للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَقبُول تَامّ وقصدوه بِالنذرِ والقرابين وَاجْتمعَ فِيهِ من الْفُقَرَاء والمسافرين جمع كثير وجم غفير حَتَّى وصل الى انه انفق عَلَيْهِم كل يَوْم من الْخبز مَا قِيمَته تنيف على مائَة دِرْهَم سوى مَا يصرفهُ فِي سَائِر الْحَوَائِج والاطعمة وَكَانَ يَقع مِنْهُ ذَلِك ووظيفته كل يَوْم سِتُّونَ درهما فَلذَلِك نسبه بَعضهم الى معرفَة علم الْكَاف وَبَعْضهمْ الى علم الدفائن وَكَانَ يتَرَدَّد اليه ارباب الْحَاجَات من كل حدب يطْلبُونَ مِنْهُ الشَّفَاعَة الى الوزراء وَسَائِر الْحُكَّام وَهُوَ لَا يضن بِشَيْء ويبذل مقدوره فِي حوائجهم وَقد استخف بعض الرؤساء بمكتوبه فاعقبه نكبة من الْعَزْل اَوْ الْمَوْت وَذَلِكَ انه ارسل فِي بعض شَأْنه مَكْتُوبًا الى الْوَزير عَليّ باشا من وزارء السُّلْطَان سُلَيْمَان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان فَلم يعبأ بِهِ وَكتب فِي ورقة ترى الْعجب ترى الْعجب بَين جُمَادَى وَرَجَب وأرسلها اليه فَلَمَّا اطلع عَلَيْهَا ازْدَادَ انكارا واستخفافا بشانه مُعْتَمدًا على قُوَّة سُلْطَانه فَلم يذهب هَذَانِ الشهران الا وَقد نزل بِهِ الْخطب الْكَبِير الَّذِي يَسْتَوِي بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالسُّلْطَان والوزير بِأَمْر الله الْعَزِيز الْقَدِير وَلما صَارَت السلطنة الى سلطاننا السُّلْطَان سليم خَان طلبه فِي بعض الايام واستنصح مِنْهُ وارسل اليه من المَال جملَة وَقضى حَوَائِجه كَانَ ذَلِك فِي اواخر عمره وقدتوفي ﵀ فِي الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة بعدالعصر وَصلى عَلَيْهِ الْمُفْتِي ابو السُّعُود بعد صَلَاة غير محددة فِي الاصل وَدفن بِقرب من حديقته فِي مَوضِع عينه قبل مَوته وَقد اجْتمع فِي جنَازَته خلق عَظِيم مَعَ بعده عَن الْبَلَد وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة

стр. 400

كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا مستحضرا من الْعُلُوم نفائسها وَكَانَ مقصد الطّلبَة مَعَ انْقِطَاعه عَن الْجَمَاعَة وَكَانَ صَاحب جذبة عَظِيمَة وَنَفس مبارك وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ ﵀ مَظَنَّة الْولَايَة ومثنة الْكَرَامَة وَكَانَ قَبره مقصدا للنَّاس يزورونه ويتبركون بِهِ وينفقون على من عِنْده من الْفُقَرَاء وَله معارف جزئية كالشعر والانشاء وَمِنْهُم الْمولى احْمَد بن مُحَمَّد بن حسن السامسوني تولى جده الْمولى حسن قَضَاء الْعَسْكَر فِي دولة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَتُوفِّي ابوه قَاضِيا بِمَدِينَة ادرنه وَلَهُمَا تصانيف يتداولها النَّاس قَرَأَ ﵀ على موَالِي عصره وافاضل مصره وجد واجتهد واشتغل واستفاد حَتَّى صَار معيدا لدرس الْمولى قوام المشتهر بقاضي بَغْدَاد ثمَّ تشرف بالتتلمذ والاستفادة من الْمولى عَلَاء الدّين المشتهر بمؤيد زَاده وَلما صَار ملازما مِنْهُ درس بمدرسة مُرَاد باشا بقسطنطينية بِعشْرين ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بمدرسة ابْن الحاجي حسن بِثَلَاثِينَ ثمَّ صَار وظفيته فِيهَا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الحلبية بادرنه بِأَرْبَعِينَ ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خَمْسَة واربعين ثمَّ بمدرسة مصطفى باشا بقسطنطينية بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى مدرسة السُّلْطَان بايزيدخان بادرنه ثمَّ قلد قَضَاء بروسه ثمَّ نقل الى قَضَاء ادرنه ثمَّ نقل الى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ عزل ثمَّ عين للتدريس فِي مدرسة السُّلْطَان بايزيدخان بقسطنطينية وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم ثمَّ نقل بِهَذِهِ الْوَظِيفَة الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ نصب للتفتيش الْعَام فِي ديار الْعَرَب والعجم وَعين لَهُ كل يَوْم ثلثمِائة وَخَمْسُونَ درهما وَاسْتمرّ على ذَلِك سنة ثمَّ صَار وظيفته كل يَوْم اربعمائة دِرْهَم وَاسْتمرّ على ذَلِك سنتَيْن ثمَّ عَاد الى مدرسته بِمِائَة دِرْهَم ثمَّ قلد قَضَاء حلب برغبة مِنْهُ وَطلب بِسَبَب انه احاطه الدُّيُون واستغرقته حُقُوق النَّاس لسخائه الْقَرِيب الى حد الاسراف ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم بطرِيق التقاعد وَتُوفِّي فِي اوائل الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا متدينا مشكور السِّيرَة فِي قَضَائِهِ بِحَيْثُ تعد مدَّته من تواريخ الايام ويشكره وَيَدْعُو لَهُ كل من يعرفهُ من الْخَواص والعوام وَكَانَ ﵀ فِي

стр. 401

الطَّبَقَة الْعليا من الْبر والسماحة وَكَانَ مائلا الى الظُّهُور ومحبا للرياسة وَقد حكى بعض الثِّقَات خَبرا غَرِيبا يتَعَلَّق بعزله عَن قَضَاء قسطنطينية وَهُوَ انه كَانَ من حَوَاشِيه رجل صَالح مُعْتَقد يقْعد فِي بعض دكاكين قسطنطينية متجرا وَكَانَ يتَرَدَّد اليه بعض الصلحاء والمجذوبين فاذا بِرَجُل مجذوب اتاه صَبِيحَة يَوْم فَقَالَ للسوقي فِي اثناء كَلَامه الك عِنْدِي حَاجَة فخطر لَهُ كَون الْمولى الْمَزْبُور قَاضِيا بالعسكر فَذكره لَهُ وَالْتمس مِنْهُ التَّوَجُّه فِي ذَلِك فَقَالَ المجذوب ان اردت حُصُول ذَلِك الْمَطْلُوب فَقل للْمولى الْمَزْبُور يفرز لي من مَاله مِائَتي دِينَار ويعين وَاحِدًا من عبيده لِلْعِتْقِ فاذا فعل ذَلِك يحصل المُرَاد ان شَاءَ الله تَعَالَى فَذهب ذَلِك الرجل السوقي الى الْمولى الْمَزْبُور وَعرض عَلَيْهِ الْقِصَّة واخبره بِمَا جرى بَينه وَبَين المجذوب فَلَمَّا سَمعه استخف بِهِ وَضحك وَقَالَ ان اولياء الله المتصرفين فِي عَالم المكلوت متبرؤن من طلب مَال فِي عمل لَهُم واما قَضَاء الْعَسْكَر فطريقي الَّذِي لَا يقوتني وَمَا انت الا رجل ابله فَقَالَ لَهُ السوقي لَعَلَّ فِي ذَلِك حِكْمَة خُفْيَة وباحث مَعَه وَآل الامر الى ان قَالَ الْمولى الْمَزْبُور ان عين ذَلِك الرجل يَوْم النصب نَفْعل مَا ذكره فَافْتَرقَا على ذَلِك فَلَمَّا اصبح السوقي وَفتح حانوته صبحه المجذوب وَسَأَلَهُ عَن الْقَضِيَّة فَلم يجبهُ بِشَيْء واستحيا من المجذوب فَقَالَ المجذوب قد سَمِعت كل مَا جرى بَين بَيْنك وَبَينه فاخذ من الْحَانُوت ورقة وطواها على طولهَا ثمَّ قطعهَا قطعتين وَقَالَ انا افْعَل بِمن طلب التَّعْيِين كَذَلِك وَقد عزلته عَن منصبه ودمرته تدميرا فَلَمَّا سَمعه السوقي تطير مِنْهُ وَقَامَت قِيَامَته فَقبل يَد المجذوب واستعفى وبكا وَقَالَ لَهُ المجذوب لم ادر انعطافك لهَذَا الْقدر فاذا لَا بُد من تدارك الامر فِي الْجُمْلَة فَفعل افعالا غَرِيبَة خَارِجَة عَن طور الْعقل ثمَّ قَالَ واما الْعَزْل فَلَا بُد من الْوُقُوع الْيَوْم الْفُلَانِيّ فراح الى سَبيله وَبَقِي السوقي مغموما منتظرا لذَلِك الْيَوْم فَلَمَّا جَاءَ ذَلِك الْيَوْم وَقع الْعَزْل على مَا أخبر بِهِ المجذوب وَلم يَتَيَسَّر الْقَضَاء بالعسكر وَمَات على الْحَسْرَة والندامة وَمِمَّنْ فَازَ بحظ الظُّهُور وَملك مقاليد الامور واتته الرياسة منقادة وجاءه الْعِزّ والسودد فَوق الْعَادة وَعَن قريب اخلق ديباج عزه الجديدان ومزق جِلْبَاب سودده ايدي الْحدثَان فَعَاد كَأَن لم يكن شيأ مَذْكُورا وَكَانَ ذَلِك فِي الْكتاب

стр. 402

مسطورا الْمولى عَطاء الله معلم السُّلْطَان الاعظم والخاقان الاكرم السُّلْطَان سليم خَان بن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان نَشأ ﵀ بقصبة بركي من ولَايَة ايدين صارفا لرائح عمره فِي احراز الْعُلُوم والمعارف بِحَيْثُ لَا يلويه عَن تَحْصِيلهَا عائق وَلَا صَارف وتشرف بمجالس الافاضل ومحافل الاماثل وقرا على الْعَالم الخطير والسميدع النحرير فَخر الزَّمَان عَلامَة الاوان الْمُفْتِي ابو السُّعُود وَهُوَ مدرس بمدرسة دَاوُد باشا ثمَّ على الامام الْهمام السّري القمقام قدوة المدققين اسوة الْمُحَقِّقين الْمولى سعد الله محشي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَهُوَ قَاض بقسطنطينة حميت عَن البلية ثمَّ صَار ملازما بطرِيق الاعادة من الْمولى المشتهر باسرافيل زَاده ثمَّ درس بلدرم خَان بقصبة مدرني بِعشْرين ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الخاتونية بتوقات بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا ثَلَاثِينَ ثمَّ بمدرسة القَاضِي حسام بقسطنطينية باربعين ثمَّ نقل بِخَمْسِينَ الى مدرسة الْوَزير الْكَبِير رستم باشا بِالْمَدِينَةِ المزبورة وَهُوَ اول مدرس بهَا ثمَّ عين لتعليم السُّلْطَان سليم خَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ امير بلواء مغنيسا وَلما وصلت نوبَة السلطنة الى مخدومه علت كَلمته وَارْتَفَعت مرتبته واستقام امْرَهْ واشتعل جمره حَيْثُ بَالغ فِي أكرامه وافرط فِي اعزازه واعظامه وَكَانَ يُرَاجِعهُ فِي الامور المهمة تَارَة مُكَاتبَة واخرى مشافهة وَكَانَ يَدعُوهُ الى الدَّار العامرة ويجتمع بِهِ فِي كل شهر مرَّتَيْنِ اَوْ مرّة وَلما انتظم لَهُ الْحَال على ذَلِك المنوال وورت بِهِ زِيَادَة وَحصل مُرَاده اشْتغل بايثار حَوَاشِيه وَتَقْدِيم متعلقاته وتلاميذه واوصلهم الى المناصب الجليلة فِي الازمنة القليلة وَقدم الصغار على الْمَشَايِخ الْكِبَار وَقد اشرف روض الْفَضَائِل بذلك الى الذبول وَمَال نجم المعارف الى الافول وصغت شمس الْعلم للغروب وركدت رِيحهَا بعد الهبوب فَضَجَّ النَّاس بالتضرع والابتهال الى جناب حَضْرَة المتعال فعاجله سهم الْمنية قبل حُصُول الامنية وَحل بساحته الْمنون وَسَاءَتْ بِهِ الظنون فاضحى عِبْرَة وعظة للْعَالمين وَكَانَ مثلا وسلفا للآخرين ... من ذَا الَّذِي لَا يذل الدَّهْر صعبته ... وَلَا تلين يَد الايام صعدتته ... وَذَلِكَ فِي اوائل صفر من سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة بعد مَا مضى من

стр. 403

دولته مِقْدَار خمس سِنِين وَحضر جنَازَته فِي بَيته عَامَّة الْعلمَاء والوزراء وَنزل السُّلْطَان الى الْبَاب العالي واخذ باطراف نعشه الْوَزير الْكَبِير مُحَمَّد باشا وَسَائِر الوزراء والامراء الْحَاضِرين واتوا بجنازته الى جَامع السُّلْطَان سُلَيْمَان وَصلى عَلَيْهِ الْمُفْتِي ابو السُّعُود وَدفن بزاوية الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء بِمَدِينَة قسطنطينية وَفِي غَد ذَلِك الْيَوْم ورد الامر بِالزِّيَادَةِ على وظائف ابنائه وَتَعْيِين الْوَظَائِف لعدة من خُدَّامه مَا بَين رق وحر تنيف على خمسين نفسا ويروى انه رأى قبل مَرضه فِي مَنَامه كانه قَاعد فِي صدر مجْلِس حافل بِالنَّاسِ وهم مطرقون حوله وَظهر رجل على زِيّ الصُّوفِيَّة وَبِيَدِهِ عَصا فَلَمَّا قرب من الْمجْلس توجه اليه وخاطبه فَقَالَ قُم من مجلسك يَا سيىء الادب قَالَ فَلم الْتفت اليه فكرر الْخطاب ثَانِيًا فثالثا وكررت عدم الِالْتِفَات فهجم عَليّ وضربني بعصاه الَّتِي بِيَدِهِ ورفعني من مجلسي قهرا فَلَمَّا نجوت من يَده سَأَلت بعض الْحَاضِرين عَنهُ فَقَالُوا انه الشَّيْخ محيي الدّين الاسكليبي ابوه الْمُفْتِي ابو السُّعُود فانتبهت مذعورا فَوجدت فِي يَدي ثقلة وَلم يذهب الا ايام قَلَائِل حَتَّى هجمني هَذَا الْمَرَض وَلَعَلَّ السَّبَب فِي ذَلِك مَا وَقع بَينه وَبَين الْمُفْتِي الْمَزْبُور من المعاداة والمشاجرة بِسَبَب انه ظَهرت مِنْهُ اقوال الى تَخْفيف الْمُفْتِي الْمَزْبُور وازدرائه كَانَ ﵀ فَاضلا ورعا دينا ذكيا قوي الطَّبْع صَحِيح الْفِكر اصيل الرَّأْي آيَة فِي التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف الا ان فِيهِ التعصب الزَّائِد وَقد كتب رِسَالَة تشْتَمل على فنون خَمْسَة الحَدِيث وَالْفِقْه والمعاني وَالْكَلَام وَالْحكمَة وعملت لَهَا خطْبَة سنية تَتَضَمَّن غرر المدائح اولها الْحَمد لله على جميل عطائه وجزيل نعمائه الَّتِي تقاصرت صَحَائِف الايام دون احاطة آلائه وَلما وَقع نظره عَلَيْهَا وَقع فِي حيّز الِاسْتِحْسَان الا انه لم يحصل مِنْهُ طائل وَلم يفد عَنهُ اظهار الْفَضَائِل وَلَعَلَّ ذَلِك الحرمان الصَّرِيح من الاطراء الْوَاقِع فِي المديح وَمِمَّنْ اشْتهر بفضله وعرفانه فاضحى مَقْصُودا لطلبة عصره واوانه الشَّيْخ رَمَضَان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان كَانَ ﵀ من بليدَة يزه من بِلَاد الرّوم فَخرج مِنْهَا فِي طلب المعارف والعلوم فاتصل الى مجَالِس السَّادة وتحرك فِي ميادين الطّلب على الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة

стр. 404

وَقَرَأَ على الْعَالم النحرير الْمولى مُحَمَّد الشهير بمرحبا ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى المسي سعد بن عِيسَى ثمَّ حبب لَهُ الْعُزْلَة والانقطاع فسلك مَسْلَك القناعة والانجماع وَرغب عَن قبُول المنصب وَاخْتَارَ خطابة جَامع احْمَد باشا فِي قَصَبَة جورلي فتقاعد فِي القصبة المزبورة واكب على الِاشْتِغَال والافادة من الْكتب الْمَشْهُورَة فَاجْتمع اليه الطّلبَة واهرعوا من الاماكن وَالْبِقَاع وانتفعوا بِهِ أَي انْتِفَاع وَكتب ﵀ فِي اثناء درسه حَاشِيَة لَطِيفَة على حَوَاشِي الْمولى الخيالي على شرح العقائد للعلامة التَّفْتَازَانِيّ توافقها فِي الدقة والوجازة وَكتب ايضا حَاشِيَة على شرح المسعودية من آدَاب الْبَحْث وعلق حَوَاشِي على بعض الْمَوَاضِع من شرح المتاح للشريف الْجِرْجَانِيّ وَتُوفِّي ﵀ فِي القصبة المزبورة سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ عَالما فَاضلا مدققا يذلل من الْعُلُوم صعابها ويكشف عَن وُجُوه مخدراتها حجابها وَيحل ببنان افكاره الصائبة عقد المشكلات وَيرْفَع بأيدي انظاره الثاقبة عقال المعضلات مواظبا على النّظر والافادة حَتَّى أفناه الدَّهْر واباده وَكَانَ ﵀ ظريف الطَّبْع لذيذ الصُّحْبَة حُلْو المحاضرة ينظم الشّعْر على لِسَان التّرْك بابلغ النظام ويتمشى فِيهِ ببهشتى كَمَا هُوَ دأب شعراء الرّوم والاعجام وَقد عثر على كَلِمَات لَهُ علقها على مَوضِع من شرح كَافِيَة ابْن الْحَاجِب للفاضل الْهِنْدِيّ مِمَّا يمْتَحن بِهِ اذهان الطّلبَة فاثبتها فِي هَذَا الْمقَام وختمت بهَا ذَلِك الْكَلَام قَالَ قَالَ الشَّارِح والاسناد اليه أَي الى الِاسْم فورد ان قَوْله والاسناد اليه عطف على الْمُبْتَدَأ فَيكون حِينَئِذٍ فِي حكمه وَخَبره فِي حكم خَبره فالمآل اسناد الشَّيْء الى الِاسْم من خَواص الِاسْم فَهَذَا لَغْو من الْكَلَام واجاب عَنهُ بقوله وَالْحكم عَلَيْهِ أَي الاسناد اليه بالخصوص أَي بِكَوْنِهِ خَاصَّة الِاسْم بِاعْتِبَار الطبيعة النوعية للاسم المتناول للمسند والمسند اليه دون الصنفية وَهِي قسم الْمسند اليه (المستفادة) وصف للطبيعة الصنفية (وَمن اليه الْمُخْتَص بِهِ) وصف لقَوْله اليه وَضمير بِهِ رَاجع الى الصِّنْف وَالْجَار دَاخل على الْمَقْصُور وَمُلَخَّصه ان المُرَاد اسناد الشَّيْء الى صنف الِاسْم من خَواص نوع الِاسْم فَلَا

стр. 405

لَغْو كَمَا اذا قيل سَواد الحبشي خَاصَّة لنَوْع الانسان فَيُفِيد الْخَبَر معنى غير منفهم من المبتدا فاعرف هَذَا وَمن الَّذين ارْتَقَوْا مدارج الْعِزَّة والسيادة بير احْمَد المشتهر بليس زَاده توفّي ابوه مُنْفَصِلا عَن قَضَاء الْقَاهِرَة وَقَرَأَ المرحوم على الْمولى محيي الدّين المشتهر بعرب زَاده وَصَارَ ملازما من الْمولى بُسْتَان وَاتفقَ لَهُ عطفة من الزَّمَان حَيْثُ تزوج ابْنة الْمولى عَطاء الله معلم السُّلْطَان سليم خَان فطلعت نُجُوم سعادته وشرقت شموس سيادته حَيْثُ وصل فِي الازمنة القليلة الى المناصب الجليلة وقلد اولا مدرسة ابْن الحاجي حسن بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة إِبْرَاهِيم باشا بقسطنطينية بِأَرْبَعِينَ ثمَّ جعل وظيفته فِيهَا خمسين ثمَّ نقل بالوظيفة المزبورة الى مدرسة رستم باشا بقسطنطينية ثمَّ الى مدرسة اسكدار ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان توفّي وَهُوَ مدرس بهَا فِي مُدَّة قريبَة من موت الْمولى عَطاء الله صهره وَكَانَ ﵀ حسن الشكل لطيف الطَّبْع محبا للْعلم وساعيا فِي اقتناء الْكتب النفيسة وَقد جمع مِنْهَا النفائس واللطائف والنوادر والظرائف الى ان بدد الدَّهْر شملها واقفر ربعهَا ومنزلها وَمن الْعلمَاء الاعيان الْمولى سِنَان كَانَ ﵀ من قَصَبَة آق حِصَار من لِوَاء صارخان وَقد انتظم المرحوم فِي سلك الطلاب بَعْدَمَا وصل الى سنّ الشَّبَاب وَلما حصل الطّرف الصَّالح من الْعرْفَان صَار ملازما من الْمولى المشتهر بِابْن يكان ثمَّ درس بمدرسة جاي بِعشْرين ثمَّ مدرسة طه قلي بورلي بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة بركي بالوظيفة المزبورة ثمَّ بمدرسة بالي كسْرَى بِثَلَاثِينَ ثمَّ الْمدرسَة الخاتونية بتوقات باربعين ثمَّ مدرسة الْمولى يكان بِمَدِينَة بروسه بالوظيفة المزبورة ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الحلبية بادرنه بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل عَنْهَا الى مدرسة بنت السُّلْطَان سُلَيْمَان باسكدار ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان الى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان فاشتغل فِيهَا وافاد وتحرك على الْوَجْه الْمُعْتَاد حَتَّى فرق الدَّهْر شَمله وأباد وَكَانَ ذَلِك فِي اوائل شعْبَان المنخرط فِي سلك شهور سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ﵀ عَالما

стр. 406

صَالحا ذكي الطَّبْع جيد القريحة صَحِيح التودد للمشايخ الصُّوفِيَّة مترددا اليهم ومستمدا من انفاسهم الطّيبَة وَكَانَ ﵀ شَدِيد الْقيام فِي مصَالح من يلوذ بِهِ شَدِيد النَّفْع لمن يتَرَدَّد اليه وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ ﵀ حَسَنَة من حَسَنَات الايام وَبَقِيَّة من السّلف الْكِرَام وَقد رُؤِيَ بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ هَل غفر الله لَك فَقَالَ نعم ولكثير من الَّذين جاؤا بعدِي قَالَ الرَّائِي وَقلت لَهُ وَكَيف وجدت الدَّار الاخرة بِالنِّسْبَةِ الى الاولى قَالَ لَا شكّ ان الدَّار الاخرة خير للَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَفِي الدُّنْيَا ايضا خير ثمَّ سَأَلت عَن بعض الاشخاص الَّذين مَاتُوا قبل مَوته فاخبر بالاجتماع بِالْبَعْضِ دون الاخر وَمِمَّنْ صبغ يَده بالوان الْعُلُوم واظهر الْيَد الْبَيْضَاء فِي كل منثور ومنظوم وشنف آذان الدَّهْر بغرر كَلِمَاته وقلد جيد الزَّمَان بدرر مصنوعاته واعترف بفضله الْكثير من الافاضل السَّادة الْمولى عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد المشتهر بحناوي زَاده ولد ﵀ سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة فِي قَصَبَة اسباسه من لِوَاء حميد وَكَانَ ابوه من قُضَاة بعض القصبات قَرَأَ ﵀ على الْمولى محيي الدّين المشتهر بالمعلول وَالْمولى سِنَان الدّين محشي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَالْمولى محيي الدّين المشتهر بمرحبا ثمَّ صَار معيدا لدرس الْمولى صَالح الاسود وَلما توفّي الْمولى الْمَزْبُور رغب فِيهِ الْمولى الشَّيْخ مُحَمَّد المشتهر بجوي زَاده فَارْتَبَطَ بِهِ وَكَانَ اول درس قَرَأَ عَلَيْهِ من شرح الْعَضُد وَقد كتب ﵀ على هَذَا الْموضع من شرح الْعَضُد رِسَالَة لَطِيفَة وعرضها على الْمولى الْمَزْبُور فاستحسنها غَايَة الِاسْتِحْسَان وَكَانَ الْمولى محيي الدّين الْمَزْبُور يَقُول حِين مَا سُئِلَ عَنهُ وَعَن الْمولى شاه مُحَمَّد السَّابِق ذكره انهما مني بِمَنْزِلَة عَيْني لَا افضل احدهما على الاخر وَلما صَار ملازما من الْمولى محيي الدّين الْمَزْبُور كتب رِسَالَة يُحَقّق فِيهَا بحث نفس الامر وعرضها على الْمولى ابي السُّعُود وَهُوَ قَاض بالعساكر المنصورة يَوْمئِذٍ فقلده الْمدرسَة الجامية بادرنه بِعشْرين ثمَّ قلد مدرسة الامير حَمْزَة فِي بروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة ابْن ولي الدّين

стр. 407

فِي الْبَلدة المزبورة بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة رستم باشا بكوتاهيه باربعين ثمَّ مدرسته الَّتِي ابتناها بقسطنطينية ثمَّ الى احدى الْمدَارِس الثمان وَلما ابتنى السُّلْطَان سُلَيْمَان المدرستين الواقعتين فِي الْجَانِب الغربي من الْجَامِع قلدا حداهما للْمولى الْمَزْبُور والاخرى للْمولى شاه مُحَمَّد السَّابِق ذكره لمزيد اشتهارهما بالفضيلة الباهرة ثمَّ قلد قَضَاء دمشق ثمَّ نقل الى قَضَاء بروسه ثمَّ الى قَضَاء ادرنه ثمَّ الى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ صَار قَاضِيا بالعساكر المنصورة فِي ولَايَة اناطولي وَبعد عدَّة اشهر اتّفق سفر السُّلْطَان الى مَدِينَة أدرنه وَكَانَ مبتلى بعلة عرق النسا فاشتدت بالحركة وَشدَّة الْبرد وعالجه بعض المتطببة ودهنه بدهن فِيهِ بعض السمُوم ثمَّ اعقبه بالطلاء بدهن النقط فنفذ السم الى بَاطِنه فَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته فانه مَاتَ ﵀ عقيب الطلاء الْمَزْبُور وَذَلِكَ فِي الْيَوْم السَّابِع من شهر رَمَضَان من شهور سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحضر جنَازَته عَامَّة الوزراء وَالْعُلَمَاء وَصلي عَلَيْهِ فِي الْجَامِع الْعَتِيق وَدفن بِظَاهِر بَاب ادرنه فِي الْمَقَابِر الْمَشْهُورَة بمقابر النَّاظر الْوَاقِعَة على طَرِيق الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَانَ ﵀ اُحْدُ اماجد القروم فِي كل مَنْطُوق وَمَفْهُوم ذَا نفس علية وسجية سنية ذلل من الْعُلُوم صعابها وَرفع عَن مخدرات الْفُنُون قناعها وحجابها فأمست عرائس النكات اليه مزفوفة واصبحت عوائص الْفَوَائِد المبهمات لَدَيْهِ مجلوة مكشوفة خَاضَ فِي غمار الْعُلُوم فجَاء بِكُل فريدة يتنافس فِيهَا آذان الايام وَقصد ميادين الفهوم فَأتى بِكُل رهينة يتسابق عَلَيْهَا كمت الشُّهُور والاعوام وَكَانَ ﵀ وَاسع الْمعرفَة كثير الافتنان جَارِيا فِي ميدان المعارف بِغَيْر عنان وَقد اخترع الْكثير من الْمعَانِي وَولد وقلد جيد الزَّمَان بخرائد منثورة ومنظومة مَا قلدوكان شيخ الْعَرَبيَّة وحامل لوائه وشمس بروجه وكواكب سمائه كلما انطق البراعة اعجز وَكلما وعد الانجاز وفى ذَلِك الْوَعْد وانجز وَقد اثْبتْ لَهُ فِي هَذِه الْمجلة مَا تستعذبه وتسطيبه وتحكم بِهِ انه على الْحَقِيقَة امام هَذَا الشان وخطيبه قَالَ ﵀ وَفِيه تورية لطيفه ... ارى من صدغك المعوج دَالا ... وَلَكِن نقطت من مسك خَالك فاصبح دَالَّة بالنقط ذالا ... فها انا هَالك من اجل ذَلِك ...

стр. 408

وَله ايضا فِي هَذَا الْبَاب مِمَّا يستعذب جدا ويستطاب ... لهيب نَار الْهوى من ايْنَ جَاءَ الى ... احشاك حَتَّى رَأينَا الْقلب وهاجا وَمَا دروا انه من سحر مقلته ... الفى سَبِيلا الى قلبِي ومنهاجا ... وَله فِي معرض النَّصِيحَة هَذِه الْكَلِمَات الفصيحة ... انفق فان الله كافل عَبده ... فالرزق فِي الْيَوْم الْجَدِيد جَدِيد المَال يكثر كلما انفقته ... كالبئر ينْزح مَاؤُهُ فيزيد ... وَله ايضا من هَذَا الْبَاب فِي الْحَث على الثِّقَة بمسبب الاسباب ... توكل على الرَّحْمَن فِي كل حَاجَة ... تُرِيدُ فان الله اكرم كافل وَلَا تتوغل فِي المآثم غافلا ... عَن الله ان الله لَيْسَ بغافل ... وَله فِي صُورَة الْمُنَاجَاة وقرع بَاب الْحَاجَات ... يَا من يقيل عثار العَبْد بِالْكَرمِ ... اذا اتاه من الذلات فِي نَدم ارشد بِنور الْهدى نَفسِي فقد بقيت ... من الْمَظَالِم فِي داج من الظُّلم ... وَله ايضا فِي هَذَا الْبَاب من التضرع الى جناب رب الارباب ... يَا باصرا بدبيب رجل نميلَة ... جنح الظلام بصخرة صماء يَا سَامِعًا لنعيق اضعف ضفدع ... دنف جريح تَحت لج المَاء ... اُمْنُنْ بقطرة رَحْمَة تمحو بهَا ... آثَار ذَنْب جلّ عَن احصاء ... وَقد جرى بَينه وَبَين شَيخنَا ومولانا قطب الدّين مفتي الْحَنَفِيَّة بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى مراسلة فَكتب اليه قصيدة بائية تشْتَمل على أَبْيَات لَطِيفَة ونكات شريفة مِنْهَا قَوْله ... سَلام حكى بِالْمِيم عينا مُعينَة ... يروي رياض الْحبّ بالسلسل العذب على ماجد ماعد مقول قَائِل ... ثناه وان اربى على الصارم العضب يَدُور عَلَيْهِ الْمَدْح من كل فَاضل ... كمنطقة الافلاك دارت على القطب عَسى دَعْوَة من عِنْده مستجابة ... تبدل بعدِي من حجاز الى الْقرب مُقيم لكم مَا طَاف فِي الْبَيْت طائف ... على علا الاخلاص والصدق وَالْحب ...

стр. 409

وَأجَاب الشَّيْخ قطب الدّين الْمَزْبُور بقصيدة يمدحه وَيَدْعُو لَهُ بِهَذِهِ الابيات ... وَمن عجب نظم من الرّوم قد أُتِي ... بلاغته اعيت جهابذة الْعَرَب وناظمه مَا مر يَوْمًا بِذِي طوى ... وَلَا المنحنى والاخشبين وَلَا الهضب وَلكنه من نظم من فاق عصره ... ذكاء وفضلا بالغريزة وَالْكَسْب فصيح بليغ لوذعي مفوه اذا قَالَ لم يتْرك مقَالا لذِي لب قصدتم بِهَذَا العَبْد حوز ولائه ... فكاتبتموه وَهُوَ رق لكم مسبي سلبتم فُؤَادِي واصطباري وسلوتي ... كأنكم الاعراب فِي سنة النهب واني على عهد الْمحبَّة ثَابت فَهَل مُمكن غير الثَّبَات على القطب ... وَقد عمل رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة رِسَالَة قلمية ابدع فِيهَا كل الابداع بِحسن التَّرْتِيب ولطف الاختراع وَقد اثْبتْ لَهُ مَا يستجاد وَيحكم النَّاظر فِيهِ انه احسن واجاد مد بَاعه فِي الْعُلُوم ومده فِيهِ شبر حبر ماهر اذا رَأَيْت آثاره تَقول مَا احسن هَذَا الحبر قَادر على تَحْرِير الْعلم وتحبيره يتَكَلَّم ويذر على الكافور عبيره فياحسن تَعْبِيره اذا شكل رفع الاشكال واذا قيد أطلق الْعُقُول من العقال طورا يجلس فِي الدست مثل الْكِرَام الصَّيْد وطورا يبيت على كَهْف المحبرة باسطا ذِرَاعَيْهِ بالوصيد كَأَنَّهُ يتنزه فِي مراتع الطَّرب يسْتَمر فِي بلابل الْقصب اذا شط دَاره شط عَنهُ مزاره فَهَوِيَ يبكي كالغمامة وينوح كالحمامة يذكر لداته واترابه ويحن الى اول ارْض مس جلده ترابه على الانامل خطيب مصقع الف ترَاهُ تَارَة فِي الدواة واخرى على الاصبع يقوم فِي خدمَة النَّاس واذا قلت لَهُ اجْرِ يَقُول على الراس يتعيش بكسب يَمِينه ويقتات من عرق جَبينه لَفَظُوا باسمه فصيحا وَهُوَ محرف ارادوا ان يصحفوه فَلم يتصحف ميزاب عين الْحِكْمَة عَنهُ نابع مقياس بِمصْر اصابع أخرس وَلَكِن لِسَانه قَارِئ يتَكَلَّم بَعْدَمَا قطع رَأسه وَهُوَ حِكْمَة الْبَارِي مداح لكنه لَا يُفَارِقهُ الهجا يستر طرة صبح تَحت اذيال الدجى وَله رِسَالَة سيفية اجاد فهيا كل الاجادة على مَا اعْترف بِهِ الْجُمْهُور من الافاضل السَّادة وقداثبت مِنْهَا مَا شهد بتقدمه ويريك مُنْتَهى قدمه يطلّ اذا انْسَلَّ من مقَامه بَقِي مشهروا ذكر اذا قارف اولد ويلا وثبورا نجم فِي ليَالِي الخطوب سَاطِع

стр. 410

نَص فِي مسَائِل الحروب قَاطع قَاطع الاكتاف والاعناق يجْرِي على الرَّأْس اذا قَامَت الْحَرْب على سَاق صَاحب الندى والباس فِيهِ باسر شَدِيد وَمَنَافع للنَّاس غَنِي صَاحب النّصاب سُلْطَان ملك الرّقاب رومي النصل دمشقي الاصل لاي يَوْم اجل ليَوْم الْفَصْل باسه شَدِيد وطبعه حَدِيد ذُو علائق لَكِن اذا كَانَ مُجَردا يكون من اصحاب الْيَمين وَقد يعْتَكف فِي خلْوَة القراب وَهُوَ من المقربين يرتعد كالمحموم وَهُوَ مسلول شَقِيق ومدقوق فَلذَلِك اعتراه نحول يدب النَّمْل عَلَيْهِ ويفر الاسد من بَين يَدَيْهِ جدول مَاء هَب عَلَيْهِ نسيم النَّصْر شعلة نَار ترمي بشرر كالقصر عَالم لَا ينظر الى متن الا ويشرحه حَاكم لَا يحضرهُ شَاهد الا ويجرحه عَالم بِالضَّرْبِ والتفريق ماهر فِي القطيعة على التَّحْقِيق شروق غربه يسفر من فجر يَوْم الْحَرْب تقوم الْقِيَامَة اذا طلعت الشَّمْس من ذَلِك الغرب اذا ضرب فِي الارض يجمع ضروبا من الضرائب لَا يخلق مِنْهُ الانسان وان كَانَ مَاء دافقا يخرج من بَين الصلب والترائب جدول مَاء جرى فِي ساحة روض فَظهر مِنْهُ رُؤُوس نابته فبدت عَلَيْهَا سُورَة زراته عَامل للمقاطعة مُلْتَزم حَاكم بِهِ مواد الْخِصَام تحسم كانه سيف الامدي فِي الدَّلَائِل الكلامية واقائعه فِي مسَائِل الحروب تدعى الْوَاقِعَات الحسامية ينسل من النبل لَهُ كالخدم تقوم الرماح فِي خدمته على الْقدَم ذكر لَهُ حَيْضَة طَائِر يَقع على الْبَيْضَة وَله اشعار فارسية لَطِيفَة اذكر نبذا مِنْهَا غزل ... جد شدكه ازدرما باردنمي آيد ... مُرَاد خاطر عشاق برنمي آيد جه كَونه ازدل وازجان مرابا خير شدّ ... دوماه شدكه ازان سه خبر نمي آيد كمرمبند بخونم كه خون ديده مرا ... شبي ترفت كه ثادر كرنمي آيد دلم نما ندوز دلبر خبر نمي شنوم ... سرم برفت وشب غم بسرنمي آيد ...

стр. 411

.. قدم بخلوت مانه كه بِي فروغ رخت ... شب فِرَاق على راسحر نمي ايد ... وَله ايضا ... خطش اشوب جهانست ويرآمدجه كنم ... جَان من ازئر بيمار برامد جده كنم كفته بودم كه تنوشم مي ان شوخ جهان ... جَام وردست زدرمست ورآمدجه كنم عهدان بودكه باكس نكشايم رازش ... لبك ان اشك روان ابرده درآمدجه كنم زاهدم وَنَدم وسرمست بروخرده مكير ... روزي من زقضا ايْنَ قدر آمدجه كنم جون ببالين من آمدز فَرح مردوم يبش ... أَي على عمر عَزِيز م بسرآمد جه كنم ... وَله ايضا ... جون روز وصل زود كذشت وشب فِرَاق ... غمكين جزاشو يم كه ايْنَ نيزبكذرد ... وَله ايضا ... برسينة شرحهاي فروان كه تيغ هجران كرد ... مجالتست تن من كه شرح نوان كرد ... وَله ايضا ... كفتم خبري كوي مراكفت دهن نيست ... ابرام نكردم جه كنم جاي سخن نيست ... وَله ايضا ... زَمَانه بادل توعهد بِي وفايي نيست ... اكرجه عهد ووفا نيست ررزمانه تو ...

стр. 412

.. بانه ازبي خونر بزماجه ميحو بِي ... بست قَاتل مَا حسن بِي بهانه تو ... وَله اشعار تركية اضربنا عَن ذكرهَا بِنَاء على مُقْتَضى عادتنا وَله من التآليف حَاشِيَة التَّجْرِيد للشريف الْجِرْجَانِيّ وحاشية شرح الكافية للْمولى عبد الرحمن الجامي وحاشيه الدُّرَر وَالْغرر للْمولى خسرو وَلم يتم وَله الاسعاف فِي علم الاوقاف وَله حشاية على كتاب الْكَرَاهِيَة من الْهِدَايَة وَله رسالتان متعلقتان بِالْوَقْفِ كتبهما فِي الْحَادِثَة الَّتِي وَقعت بَينه وَبَين الْمولى شاه مُحَمَّد وَهِي مَعْرُوفَة وَقد علق ﵀ حَوَاشِي على الْمولى حسن جلبي لشرح المواقف للشريف الْجِرْجَانِيّ من اول الْكتاب الى آخِره وَله كتاب الْمُنْشَآت على لِسَان التركي وَكتاب الاخلاق وَله رِسَالَة ضخمة تتَعَلَّق بالتفسير كتبهَا بعد مَا جرت المناظرة بَينه وَبَين الشَّيْخ بدر الغزى وَمن الْمَشَايِخ الْعِظَام والسادات الْكِرَام الشَّيْخ يَعْقُوب الْكرْمَانِي ولد ﵀ ببلدة شيخلو وَكَانَ ابوه من الاجناد العثمانية والعساكر السُّلْطَانِيَّة وَقد رغب المرحوم فِي تَحْصِيل المعارف الْمَعْلُوم فدار الْبِلَاد واشتغل واستفاد حَتَّى انتظم فِي سلك ارباب الاستعداد بَينا هُوَ فِي اشْتِغَاله وَتَحْصِيل مجده وكماله اذ رأى صُورَة الْحَشْر فِي الْمَنَام وَشَاهد فِيهَا شَدَائِد السَّاعَة واهوال الْقِيَامَة فَوَقع فِي حسرة واضطراب واراد التشبث بالاسباب فَاطلع عل فِئَة فِي فَيْء شَجَرَة لم يرهقهم ذلة وَلَا قترة وهم عَن شَدَائِد ذَلِك الْيَوْم سَالِمُونَ من الَّذين لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ واذا بمناد يُنَادي ويملأ بِصَوْتِهِ ذَلِك النادي ان اردت سَبِيل الْخَلَاص ورمت طَرِيق المناص فلتجتهد فِي اللحوق والانضمام الى هَذِه الاقوام فان لَهُم الزلفى عِنْد رَبهم فِي دَار السَّلَام فرامهم المرحوم وَقصد وجد واجتهد حَتَّى لحق بهم وانضم اليهم فَلَمَّا انتبه من الْمَنَام حصل لَهُ تيقظ عَظِيم وتنبه تَامّ وَترك الرسوم الْمُعْتَادَة ورام الدُّخُول فِي مَسْلَك الصُّوفِيَّة السَّادة وَصَحب مِنْهُم الْكثير وَلم يقنع باليسير حَتَّى وصل الى قطب العارفين وَبَقِيَّة السّلف الصَّالِحين الشَّيْخ سِنَان الدّين المشتهر بسنبل فَدخل فِي زمرة اصحابه وَبَالغ فِي التأدب بآدابه

стр. 413

وأتى من الزّهْد وَالْعِبَادَة بِمَا هُوَ فَوق الْعَادة واجتهد بِالْقيامِ وَالصِّيَام حَتَّى كَانَ يفْطر مرّة فِي ثَلَاثَة ايام واجتنب المَاء سِتَّة اشهر وَلم يشرب وَنِعما ذَلِك المشرب وَلما وصل الشَّيْخ المسفور الى رَحْمَة ربه الغفور وانتصب مَكَانَهُ الشَّيْخ مصلح الدّين المشتهر بمركز انف المرحوم من مبايعته وَتَأَخر عَن مُتَابَعَته الى ان راى فِي مَنَامه مَجْلِسا عَظِيما حضر فِيهِ الرَّسُول الاكرم ﷺ وَالشَّيْخ مصلح الدّين الْمَزْبُور قَامَ على كرْسِي يُفَسر سُورَة طه بتحقيق تَامّ فِي حَضْرَة الرَّسُول ﵊ وعَلى رَأس الشَّيْخ عِمَامَة ترى تَارَة خضراء وَتارَة سَوْدَاء فَسئلَ المرحوم من بعض الْحَاضِرين فاجاب ان خضرتها تُشِير الى تَمام شَرِيعَته وسوادها الى كَمَال جِهَة طَرِيقَته فَترك التأنف بعد ذَلِك وعد صحبته من احسن المسالك ودام لَدَيْهِ على الِاجْتِهَاد الى ان كمل الطَّرِيقَة الخلوتية واذن لَهُ فِيهَا بالارشاد ثمَّ انْتَقَلت بِهِ الاحوال الى ان فوض اليه المشيخة فِي زَاوِيَة مصطفى باشا بقسطنطينية المحمية فسلك مَسْلَك الْمَشَايِخ السَّادة فِي تربية ارباب الارادة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الطلاب ودخلوا عَلَيْهِ من كل بَاب وَكَانَ يعظ فِي الْجَامِع الشريف باحسن وَجه واوضح طَرِيق ويفسر الْقُرْآن الْكَرِيم فِي انبائه باتقان وَتَحْقِيق وَينْتَفع النَّاس بمجالسه الشَّرِيفَة ونصائحه اللطيفة الى ان توفّي ﵀ فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة ضاعف الله حَسَنَاته وافاض علينا من سِجَال بركاته وَمن عُلَمَاء الْعَصْر والزمن الْمولى مُحَمَّد بن خضر شاه بن محمدالمشتهر بِابْن الحاجي حسن كَانَ ابوه من قُضَاة بعض الْبلدَانِ وجده المسفور توفّي قَاضِيا بالعسكر فِي أَيَّام السُّلْطَان بايزيدخان وَقَرَأَ المرحوم على افاضل عصره وَصَارَ ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان ثمَّ تقلد الْمدرسَة القزازية بِمَدِينَة بروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ مدرسة عبد السلام بجكمجه بِثَلَاثِينَ ثمَّ مدرسة رستم باشا بكوتاهية باربعين ثمَّ مدرسة خانقاه بقسطنطينية بِخَمْسِينَ وَهُوَ مدرس بهَا بَعْدَمَا جعلت مدرسة فانه لما ابتنتها السَّيِّد ة حرم زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان جَعلتهَا خانقاها للصوفية ثمَّ بدلتها مدرسة لاقْتِضَاء بعض الامور وشرطت لمن يدرس

стр. 414

فِيهَا النَّقْل الى الْمدرسَة الَّتِي بنتهَا قبل ذَلِك فِي الْمَدِينَة المزبورة فَنقل المرحوم عَنْهَا الى هَذِه الْمدرسَة بالوظيفة الْمَذْكُورَة ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة ايا صوفيه بستين ثمَّ الى احدى الْمدَارِس السليمانية ثمَّ قلد قَضَاء الْمَدِينَة المنورة ثمَّ نقل الى قَضَاء مَكَّة المشرفة وَلم يتَّفق لَاحَدَّ من عُلَمَاء الرّوم فِي سالف العصور تَوْلِيَة الْقَضَاء فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين غير الْمولى الْمَزْبُور ولاختصاصه بِهَذِهِ الْفَضِيلَة من الْبَين لقبه اهل هَذِه الديار بقاضي الْحَرَمَيْنِ وانتقل ﵀ بِمَكَّة المشرفة فِي اوائل ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَقد وَقع وُصُول مَاء عَرَفَات بِمَكَّة فِي هَذِه السّنة وَكَانَ يعْمل لَهُ فِي سنة سبعين بهمة السيدة مهروماه بنت السُّلْطَان سُلَيْمَان فانها لما وصلت اليها قلَّة الْمِيَاه بِمَكَّة ومضايقة اهل الْحرم الشريف فِيهَا واخبرت بامكان مَجِيء مَاء عَرَفَات الى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى قصدت اليه واعتنت بعمارته وافنت فِيهِ اموالا جزيلة الى ان تيسرت لَهَا هَذِه المثوبة الْعُظْمَى فِي السّنة المزبورة فاتفق دُخُولهَا بِمَوْت الْمولى الْمَزْبُور وَكَذَلِكَ مَجِيء الْحَاج فِي السّنة المزبورة فاتفق ان اجْتمع فِي جنَازَته خلق كثير وجم غفير من الْعلمَاء والصلحاء وشهدوا لَهُ بِالْخَيرِ وَحسن الخاتمة ودعوا لَهُ بالمغفرة الدائمة وَكَانَ المرحوم من اعيان افاضل الرّوم معدودا من الرِّجَال مَذْكُورا فِي عداد ارباب الْفضل والكمال نظيفا وجيها عَظِيم التؤدة وَالْوَقار بِحَيْثُ نسبه النَّاس الى الْغرُور والاستكبار غفر لَهُ الْملك الْغفار وَمن الْعلمَاء الاعلام وفضلاء الاعجام الْمولى مصلح الدّين اللاري ولد ﵀ فِي اللار وَهِي بالراء الْمُهْملَة مملكة بَين الْهِنْد والشيراز اشْتغل ﵀ على مير غياث بن مير صدر الدّين المستغني بشهرته التَّامَّة عَن التوصيف والتبيين وقرا ايضا على ميركمال الدّين حُسَيْن تلميذ الْمولى الْمَعْرُوف لَدَى القاصي والداني جلال الْملَّة وَالدّين مُحَمَّد الدواني ثمَّ ذهب الى بِلَاد الْهِنْد واقتحم شَدَائِد الاسفار واتصل بالامير همايون من اعاظم مُلُوك هَذِه الديار وَحل عِنْده محلا رفيعا ومنزلا منيعا وتلمذ مِنْهُ ولقبه بالاستاذ وعامله باللطف والرأفة الى ان افناه الدَّهْر واباد وَقَامَت الْفِتَن والحوادث من بعده فِي تِلْكَ الْبِلَاد فَخرج المرحوم عَنْهَا

стр. 415

قَاصِدا الى زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام واقامة شَعَائِر شرائع الاسلام فَلَمَّا تيَسّر لَهُ الْحَج وَحصل لَهُ الرّوم رام الدُّخُول فِي بلادالروم فانتقل من بلد الى بلد وَمن مَدِينَة الى مَدِينَة حَتَّى وصل الى قسطنطينية فَاجْتمع بِمن فِيهَا من الافاضل الفحول وباحث مَعَهم فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَلما اجْتمع بالمولى ابي السُّعُود اضمحل عِنْده وَلم يظْهر لَهُ وجود وَعين لَهُ كل يَوْم خَمْسُونَ درهما من بَيت المَال فَلم يجد فِيهَا مَا يرضيه من التَّوَجُّه والاقبال فَلم يخْتَر الاقامة فِي هَذِه الْبَلدة البديعة وَخرج الى ديار بكر وَرَبِيعَة فَلَمَّا وصل الى آمد وشاع لَهُ المحاسن والمحامدا ستدعاه اميره اسكندر باشا وَصَاحبه فَاسْتَحْسَنَهُ واعجبه وَبَالغ فِي ثنائه وعطائه وعينه معلما لنَفسِهِ وابنائه وَزَاد على وظيفته وأبرم عَلَيْهِ الاقامة فِي الْبَلدة المسفورة ثمَّ قلدالمدرسة الَّتِي بناها خسرو باشا فِي الْبَلدة المزبورة وارسل اليه المنشور من جَانب السُّلْطَان بَان يلْتَحق بزمرة الموَالِي فَتعين كل نوبَة ثَلَاثَة من طلبته لملازمة الْبَاب العالى فدام على الدَّرْس والافادة حَتَّى درسه الدَّهْر واباده وَذَلِكَ فِي شهر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَقد اناف عمره على سِتِّينَ سنة كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا محققا كَامِلا عُزَيْر الْفَهم كثير الاحاطة وَاسع الْمعرفَة مشاركا فِي الْعُلُوم النقلية صَاحب الْيَد الطُّولى فِي الْفُنُون الْعَقْلِيَّة شرح تَهْذِيب الْمنطق والتذكرة من علم الْهَيْئَة ورسالة الْمولى فِي الْفَنّ الْمَزْبُور وَكتب فِيهِ متْنا لطيفا وعلق حَاشِيَة على شرح الْهِدَايَة الْحكمِيَّة للْقَاضِي مير حُسَيْن وحاشية على شرح الطوالع للاصفهاني وحاشية على شرح الْمولى جلال للتهذيب وحاشية على بعض الْمَوَاضِع من شرح المواقف للشريف الْجِرْجَانِيّ وحاشية على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ الى آخر الزهراوين وَشرح شمائل النَّبِي ﷺ بالعربي والفارسي وَجمع تَارِيخا كَبِيرا على لِسَان فَارس من بَدْء الْعَالم الى زَمَانه وَكتب على مَوَاضِع من الْهِدَايَة ورسائل عديدة يطول ذكرهَا وَقصد مُعَارضَة الْمُفْتِي ابي السُّعُود فِي قصيدته الميمية وكلف نَفسه مَا لَيْسَ فِي وَسعه فَكَانَ فِي الآخر مصداق مَا قَالَه الشَّاعِر ... اذا لم تستطع امرا فَدَعْهُ ... وجاوزه الى مَا تَسْتَطِيع ...

стр. 416

ولنذكر مِنْهَا مَا قدمه حَتَّى نريك ايْنَ يضع قدمه ... كَفاك ابتئاسا فِي هَوَاك ملام ... وَقلت لمن شَاءَ السَّلَام سَلام اسار اسير الْعِشْق صوب سَلامَة ... اكان مَكَان العاشقين سَلام وَمَا كنت وحدي بالمحبة هائما ... فَذَاك كثير فِي الزَّمَان قُدَّام لكم زمرة تاهت بتيه محبَّة فكم هام فِي هَذَا الهيام هيام وَمن قَالَ من ليلاي حرفا اسرني ... وكل كَلَام غير ذَاك كَلَام حمامة مني بلغيها تَحِيَّة ... وان جَاءَنِي بعد البعاد حمام رماني زماني فِي مقاحم هجره ... وَمن عين عَيْني الدُّمُوع سجام وأقرح اجفاني واحرق مهجتي ... بِمَا صب عَيْني واستفاد غرام فَلَا عبراتي بالعيون لتنتهي ... وَلَا زفراتي بالفراق تضام فياليت شعري ارى روح وَصله ... ويرتاح قلب قد حواه ضرام ايبدو لالام الْفِرَاق مفرق ... ويرجى لأسباب الْوِصَال ضمام طويت طوامير الْوَفَاء مغاضبا ... اليست عهود بَيْننَا وذمام فآها لأزمان الْفِرَاق وطولها ... فساعة يَوْم من فراقك عَام فَلَو فِي الفلا اشكو فَلَا شكّ انه ... ليبكي على حَالي الفلا واكام وَكَانَ اشتهاري باصطباري لمحنة ... وَلَكِن صبرا فِي نواك حرَام لقدك قد قَامَت حُدُود رشاقة ... وخدك حد الْحسن فِيهِ تَمام وَصَاحب مِصْبَاح الصباحة مصبحا ... فانت وشمس سيد وَغُلَام ... وَقَالَ بعد ابيات ... وَفَارَقت ابناء الزَّمَان جَمِيعهم ... وَمَا للبيب باللئام لؤام وَلَا لطف فِي خل من الْخَيْر قد خلا ... وَلَا نفع فِي سحب لَهُنَّ جهام لَهُم فِي اداء المنجيات تكاسل ... لَهُم فِي لُزُوم المهلكات لزام وَلَيْسَ لاقبال الزَّمَان ادامة ... وَلَيْسَ لادبار الدهور مدام ...

стр. 417

.. فَكل نَهَار يحدث اللَّيْل بعده ... وَلَا ليل الا من قَفاهُ عيام فَلَا تَكُ مَسْرُورا وَلَا متحزنا ... اتاك نَهَار اَوْ عرَاك ظلام كبو قلمون فِي التلون دَهْرنَا ... وَلَيْسَ لما ابدى الزَّمَان دوَام تعاقيب حالات الانام كَمَا ترى ... دَلِيل على هَذَا الْكَلَام تَمام سرُور واحزان شباب وَشَيْبَة ... غنى واحتياج صِحَة وسقام حَيَاة وَمَوْت لَذَّة وتألم ... وعسر وَيسر محنة وحمام الا انما الدُّنْيَا كأحلام نَائِم ... فَعَن ذَاك ايقاظ الانام نيام وطوفان نوح قد نجا مِنْهُ فرقة ... وَلَكِن طوفان الْمنية عَام فَمَا قاومت موتا صلابة رستم ... وَقد زَالَ حام بالزوال وسام وَأَيْنَ مُلُوك قد بنوا فِي بِلَادهمْ ... كَانَ لديهم مَا يكَاد يرام بِسَاحَتِهِمْ للنَّاس كَانَ تزاحم ... وفيهَا صُدُور ركع وَقيام صناجقهم طاحت وبادت جنودهم ... مناجقهم قد بددت وسهام وَأَيْنَ بَنو مَرْوَان ايْنَ بِلَادهمْ ... واين وليد وَأَيْنَ رَاح هِشَام مضى آل عَبَّاس وَلم يبْق بأسهم ... وَلم يبْق مِنْهُم عدَّة وعرام فيا راسخا فِي غمرة الْجَهْل والهوى ... سيلقاك فِي هَذَا الرسوخ ندام عَلَيْك بهرب ثمَّ رهب من الْهوى ... هوى وهوي فِي الْجَحِيم تؤأم عجبت لمن اضحى من الزادخاليا ... الْيَسْ لَهُ نَحْو الْمعَاد رغام فتب خَالِصا من كل اثم فانه ... يصير مصير الآثمين آثام ... وَمن الْعلمَاء والفضلاء والمشايخ ابو سعيد ابْن الشَّيْخ صنع الله كَانَ الشَّيْخ صنع الله الْمَذْكُور من قَرْيَة لوزه كنان من اعمال تبريز وَقد اشْتغل هُوَ وَالْمولى عبد الرَّحْمَن الجامي على الشَّيْخ عبيد الله النقشبندي قدس سره الْعَزِيز فَحصل عِنْده مَا حصل من الشرافة ودام فِي خدمته حَتَّى شرفه بالاذن والخلافة وَلما رَجَعَ من خُرَاسَان الى بِلَاده واشتغل بالارشاد والافادة اجْتمع عَلَيْهِ

стр. 418

الْكثير من ارباب الطّلب والارادة الى ان نبت فِي تِلْكَ النواحي بذور الالحاد وفاش وَظَهَرت الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بقزلباش فطغوا فِي الْبِلَاد فاكثروا فِيهَا الْفساد فَخرج المرحوم الى ديار الاكراد وَأقَام مُدَّة فِي يدليز ثمَّ اعاده حب الوطن الى تبريز وَلما وقف على رُجُوعه ذَلِك الرجل الرذيل رَئِيس تِلْكَ الطَّائِفَة الطاغية اسمعيل عزم على قَتله وزجره فَطَلَبه من فوره وَلما دخل عَلَيْهِ لم يسْجد لَهُ على مَا هُوَ الْعَادة لمن دخل عَلَيْهِ وَمثل بَين يَدَيْهِ وخاطبه بِغَيْر الْخَوْف والخشية والوحشة فَوَقع على اسمعيل مِنْهُ هَيْبَة عَظِيمَة ودهشة وَبعد ذَلِك تكلم فِي خلاصه صَدره مير جمال الدّين الاصفهاني فَلم يقدم على قَتله ورده سالما الى منزله وَولد فِي تبريز الشَّيْخ ابو سعيد الْمَزْبُور وَقَالَ فِي تَارِيخ وِلَادَته جمال الدّين المسفور (شعر فَارسي) هشتم دي قعده نهصد وبيست ... متولد بساعة خير سِتّ بوسعيدي ماكه داد خدا ... ثَانِي بو سعيد بو الْخَيْر سِتّ ... فَلَمَّا شب ودب وَبلغ ابان الطّلب قرا على الْعلمَاء الاعلام وفضلاء الاعجام مِنْهُم الْفَاضِل الْمَشْهُور مير غياث الدّين الْمَنْصُور الى ان بلغ مبلغ الرِّجَال وَشهد لَهُ اساتذته بِالْفَضْلِ والكمال وبالغوا فِي مدحه وثنائه وفرط ذكائه وَلما خرج منلا احْمَد الْقزْوِينِي الى بِلَاد الرّوم فِي صُورَة الْحَاج اراد الشَّيْخ ابو سعيدالخروج مَعَه فِي هَذِه الصُّورَة فحبسه طهماسب شاه وجبهه مَعَ عَم لَهُ وصادرهما بِعشْرَة آلَاف دِينَار ووكل بهما من يقبض مِنْهُمَا الْمبلغ المرقوم فوضعوا ايديهم على املاكه ورباعه وباعوها بارخص الاثمان وَسعوا فِي اتلافها بِقدر الامكان فَلم يبلغُوا الْمبلغ الْمَزْبُور فعرضوا الْقِصَّة على طهماسب فَأمر بتعذيبما بانواع الْعَذَاب وَلم يقصروا حَتَّى قطعُوا لحومهما بالكلاب وأطعموها قدر سنة للكلاب فرحمهما بعض من وكل بهما فسامح فِي الْحِفْظ والمراقبة فهرب الشَّيْخ ابو سعيد وَوصل الى اردبيل وخلص نَفسه من الْعَذَاب الوبيل فانه من دخل بهَا ينجو من اذاهم وان كَانَ من اكبر عداهم وَكَانَ عَمه شَيخا كَبِيرا فَلم يُمكنهُ الْهَرَب فَبَقيَ فِي ايديهم اسيرا وكسيرا وَقَرَأَ المرحوم فِيهَا ملى منلا حُسَيْن واشتغل عِنْده قدر

стр. 419

سنتَيْن وَلما قصد السُّلْطَان الاعظم سُلَيْمَان خَان الْمُعظم الى فتوح ديار الْعَجم وَسَار حَتَّى وطىء بخيله وَرجله هَذِه الْبِلَاد ليستأصل مَا فِيهَا من ارباب الزيغ وَالْفساد وانقض صقور الاروام على عصافير الاعجام فَتَفَرَّقُوا من سطوتهم تفرق الاغنام عِنْدَمَا حمل عَلَيْهَا اسودالاجام ففرح مِنْهُ الشَّيْخ الْمَزْبُور وزاح غمه وتخلص من ايدي الظلمَة عَمه وصمما الْخُرُوج الى ديار الرّوم وعزما على السّفر فالتحقا بالعسكر المظفر فسارا بهم وعادا مَعَهم الى الرّوم فِي ايابهم وَلما وصلوا الى آمد توفّي عَمه فازداد بالوحدة همه وغمه وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما وصل الى حلب عين لَهُ من جَانب السُّلْطَان كل يَوْم عشره انصاف فاستقلها الشَّيْخ الْمَزْبُور فاستجاز لِلْحَجِّ وَكَانَ فِي قلبه الذّهاب الى الْهِنْد لما بَينه وسلطانه من معارفة قديمَة ومحبة اكيدة فَوقف عَلَيْهِ الْوَزير الْكَبِير رستم باشا فاستماله وَطيب قلبه واستصحبه الى قسطنطينية وَعين لَهُ خَمْسَة عشر درهما ثمَّ زَاد فِي وظيفته فَصَارَت خَمْسَة وَثَلَاثِينَ وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عندالخواص والعوام وترادفت عَلَيْهِ العطيات وتكررت الترقيات حَتَّى بلغت وظيفته فِي وزارة عَليّ باشا الى مائَة وَكَانَ ذَلِك سنة احدى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَحج ﵀ سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بقسطنطينية فِي اوائل جمادي الاولى سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بحظيرة الشَّيْخ وفا وَقَالَ فِيهِ بعض احبائه شعر فَارسي ... جون شيخ ابو سعيدمرحوم ... زين دَار فَنًّا بآبروشد ازبس كه وفانمودبا خلق ... ميدان وفا ازان اوشد ... كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا مدققا محققا جَامعا بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول حاويا للفروع والاصول مَعَ كَمَال الْوَرع والديانة والزهد والصيانة وَكَانَ من غَايَة نزاهته وَكَمَال طَهَارَته لَا يلبس لباسا من الثقال والخفاف الا بعدغسله حَتَّى الفرو والخفاف وَكَانَ لَا يجلس احدا على بساطه وان لم يقصر فِي ملاطفته وانبساطه وَلَا يصافحه الا وَيغسل يَده بعده وَكَانَ ﵀ من الاسخياء الامجاد والكرماء الاجواد يبْذل مَا يقدر عَلَيْهِ وَيفرق على النَّاس مَا يجْتَمع لَدَيْهِ غير متكلف فِي

стр. 420

اللبَاس غير مكترث بمداراة النَّاس يَقُول الْحق وَيعْمل بِهِ راجيا للثَّواب من ربه وَقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد وَلم يُقيد نَفسه بقيودالاهل والاولاد وَكَانَ ﵀ نَافِذ الْكَلَام صَاحب الْقبُول التَّام موقرا عِنْد الْمُلُوك والوزراء مَقْبُولًا لَدَى الْحُكَّام والامراء بِحَيْثُ لَا يرد لَهُ كَلَام وَلَا يفوتهُ مرام وَلَا يعوزه مَطْلُوب سُبْحَانَ من سخر لَهُ الْقُلُوب وَمِنْهُم الْمولى شمس الدّين احْمَد ابْن الشَّيْخ مصلح الدّين المشتهر بمعلم زَاده كَانَ الشَّيْخ مصلح الدّين الْمَزْبُور من الْمَشَايِخ المقبولة فِي الدولة العثمانية على مَا ذكر مفصلا فِي الشقائق النعمانية يَنْتَهِي نسبه الى قطب العارفين وقدوة الواصلين الْعُمْدَة المفخم الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن ادهم قَرَأَ ﵀ فِي اوان طلبه على الْمولى سعد بن عِيسَى بن امير خَان ثمَّ صَار معيدا لدرس الْمولى محيي الدّين المشتهر بِدَابَّة وَهُوَ مدرس باحدى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ لَهُ عِنْده رُتْبَة جليلة ومنزلة جزيلة يحْكى انه مرض وَهُوَ يسكن فِي بعض الحجرات فعاده الْمولى المرحوم فِيهَا ثَلَاث مَرَّات وَلما صَار ملازما مِنْهُ درس اولا بمدرسة بايزيد باشا بِمَدِينَة بروسه بِعشْرين ثمَّ بمدرسة وَاجِد باشا بكوتاهيه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بمدرسة القَاضِي الاسود بتره بِثَلَاثِينَ ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الخنجرية فِي بروسه باربعين ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الْمَشْهُورَة بمناستر فِي الْمَدِينَة المسفورة بِخَمْسِينَ ثمَّ نقل الى مدرسة رودس بالوظيفة المزبورة ثمَّ عَاد الى مغنيسا بسبعين ثمَّ قلد قَضَاء حلب ثمَّ نقل الى قَضَاء بروسه ثمَّ صَار قَاضِيا بالعسكر فِي ولَايَة اناطولي وَبَقِي فِيهِ عدَّة اشهر فَنقل الى قَضَاء الْعَسْكَر فِي ولَايَة روم ايلي ودام فِيهِ خمس سِنِين كَانَ بَينه وَبَين عَطاء الله معلم السُّلْطَان مصاهرة واتصال فَحصل لَهُ بِسَبَبِهِ شَوْكَة العظمة والاقبال فنال مَا نَالَ من الامتعة والاموال وَلم يقدر اُحْدُ على الْمُعَارضَة وَالسُّؤَال الى ان اشرف الْمولى عَطاء الله جلبي على الْمَوْت والانتقال فَتحَرك عداهُ واغتنموا الفرصة على اذاه ودب عقاربهم وَقَامَ

стр. 421

اباعدهم واقاربهم وَسعوا فِيهِ حَتَّى عزل وافل بدره لَكِن رفع من الْجِهَة الاخرى قدره فعين لَهُ كل يَوْم مِائَتَا دِرْهَم وَكَانَ الْعَادة والقانون فِي وَظِيفَة امثاله مائَة وَخمسين وَتُوفِّي فِي ربيع الاول سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد اناف عمره على سبعين سنة وقدا تفق مَوته على هَيْئَة مرضية وَصفَة رضية تدل على حسن خاتمته وسعادته فِي عاقبته يحْكى انه قَامَ ضحوة يَوْم فَتَوَضَّأ واسبغ الْوضُوء وَلبس الالبسة النظيفة وَصلى رَكْعَات واخذ بِيَدِهِ سبْحَة واضطجع على فرَاشه واشتغل بالتسبيح والتهليل فعاجله سهم الْمنية وَهُوَ على تِلْكَ الفعلة السّنيَّة فانتقل الى جوَار ربه الصَّمد وَلم يشْعر بِمَوْتِهِ من الْحَاضِرين اُحْدُ وَنقل جسده من هَذِه الرباع المانوسة الى حَظِيرَة فِي فنَاء مَسْجده الَّذِي بناه فِي مَدِينَة بروسه وَوَقع فِي هَذَا اتِّفَاق غَرِيب هُوَ اني كنت اكْتُبْ تَرْجَمَة الْمولى محيي الدّين المشتهر بعرب زَاده وَقد انْتَهَيْت الى قولي فِيهَا وارتحل راية عزه منكوسة الى دَار الْملك بروسه اذ جَاءَ وَاحِد من طلبته واخبرني بِمَوْتِهِ وَقَالَ هَذِه سفينته الَّتِي تذْهب الى بروسه كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا محققا كَامِلا مشاركا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مبرزا فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة النقلية لَهُ بالفقه الفة أَي الفة قَادر على الافتاء بِغَيْر كلفة وَكَانَ لين الْجَانِب مجبولا على اللطف وَالْكَرم مطبوعا على احسن الشيم غير ان فِيهِ طَمَعا زَائِدا وحرصا وافرا سامحه الله اولا وآخرا وَمن الْمَشَايِخ الاعيان وافاضل الْعَصْر والاوان الشَّيْخ بالي الخلوتي الْمَعْرُوف بسكران كَانَ ابوه معلما للسُّلْطَان احْمَد ابْن السُّلْطَان بايزيدخان فَلَمَّا غالته الْمنية وَفَاته حُصُول الامنية من السلطنة الْعُظْمَى والمملكة الْكُبْرَى وَسلم زِمَام الزَّمَان وعنان الاوان الى يَد السُّلْطَان سليم استقضاه فِي بعض الْبِلَاد وعينه للْحكم بَين الْعباد وَولد ﵀ ببلدة تيره من لِوَاء ايدين وَنَشَأ فِي طلب الْعلم وَتَحْصِيل الْفَضَائِل وَصَاحب الاكابر والافاضل وجد واجتهد وَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ حَتَّى صَار ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان ثمَّ درس بمدرسة خواجه سِنَان

стр. 422

الْمَعْرُوف بكينكجي فِي مَدِينَة قسطنطينية بِخَمْسَة وَعشْرين فعامل الطّلبَة بالدرس والافادة مَعَ اشْتِغَاله بالزهد وَالْعِبَادَة ثمَّ ترك التدريس وسلك مَسْلَك الصُّوفِيَّة السَّادة وَكَانَ سَبَب فَرَاغه على مَا حُكيَ انه رأى فِي مَنَامه وَهُوَ فِي اوائل طلبه بِمَدِينَة بروسه انه يمشي فِي بعض الطّرق فَسمع اصواتا عالية فقصدها فاذا بِقوم من الصُّوفِيَّة قعدوا يذكرُونَ الله تَعَالَى ويرفعون اصواتهم بِالذكر الْجَمِيل ويزينونها بمفاخر التمجيد والتهليل فتقرب مِنْهُم فاذا بِرَجُل مراقب فِي نَاحيَة مِنْهُم فَلَمَّا وَقع نظره عَلَيْهِ رفع رَأسه وَأَشَارَ بِيَدِهِ ودعا اليه فَلَمَّا حصل عِنْده قَالَ لَهُ لم لم تدخل فِي هَذِه الْحلقَة وَلَا تلتحق بِتِلْكَ الطَّائِفَة فَأجَاب بَان فِي قلبِي مَا يَمْنعنِي عَن ذَلِك ويعوقني عَنهُ وَهُوَ اتمام مراسم الطَّرِيق واحراز مآثر الْعُلُوم الظَّاهِرَة والاجتماع بالمولى الْفُلَانِيّ والاشتغال عَلَيْهِ فاذا حصل الي ذَلِك لَا يبْقى فِي خاطري مَا يشوش عَليّ فالتحق بكم وادخل فِي مذهبكم وَلما انتبه وَمضى عَلَيْهِ السِّتُّونَ وتنقلت بِهِ الاحوال والشؤون وَهُوَ مكب على الطّلب والاشتغال واكتساب الْفضل والكمال الى ان اتى قسطنطينية فَبين هُوَ يسير فِي بعض طرقاتها بزمرة من خلانه وَطَائِفَة من اخوانه فاذا بِأَصْوَات عالية تخرج من زَاوِيَة فقصد المرحوم هَذَا الْمَكَان بِمن عِنْده من الاصحاب والخلان فاذا بِقوم يذكرُونَ الله الْمجِيد ويرفعون اصواتهم بالتمجيد والتوحيد وصفت الْمَلَائِكَة بهم وانزلت السكينَة فِي قُلُوبهم فَقرب مِنْهُم فاذا براجل مراقب يراصد ربه ويراقب فَلَمَّا حضر عِنْده قَالَ الم يَأن للَّذين آمنُوا ان تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَاعْلَم ان الْمولى الْفُلَانِيّ قد مَاتَ وَذهب عرض الِاشْتِغَال عَلَيْهِ وَفَاتَ فَتَأَمّله المرحوم فاذا هُوَ الَّذِي رأى فِي الْمَنَام وَجرى بَينهمَا من الْكَلَام فَلم يُؤَخر فِي الانابة والابتهال وَتَابَ على يَده فِي الْحَال ثمَّ سَأَلَ عَن الرجل فاذا هُوَ الشَّيْخ رَمَضَان والزاوية زَاوِيَة عَليّ باشا وَكَانَ الشَّيْخ رَمَضَان الْمَزْبُور معدودا من الرِّجَال ومعروفا بِالْفَضْلِ والكمال صَاحب الكرامات الجلية والمراتب الْعلية مِنْهَا مَا حَكَاهُ المرحوم وَقَالَ اني كنت فِي بعض الاحيان عندالشيخ اذ دخل عَلَيْهِ شخص وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ ان الْمولى محيي الدّين المشتهر بجوي زَاده يسلم

стр. 423

عَلَيْكُم ويسألكم عَن فصوص الشَّيْخ ابْن الْعَرَبِيّ هَل هُوَ على الْحق اَوْ الْبَاطِل وَكَانَ الْمولى الْمَزْبُور مَعْرُوفا بتبطيله ومشهورا بالتعصب عَلَيْهِ فَلَمَّا سَمعه الشَّيْخ غضب وَقَالَ مَا يطْلب من ارسلك من الشَّيْخ وَهل يُرِيد الِاطِّلَاع على دُرَر مكامن هَذَا الْكتاب وغرر مَا فِي تضاعيفه مَعَ اكله فِي كل يَوْم سبع مَرَّات وشبعه من الْحَرَام وَالشَّيْخ قدس سره مَا كتبه الا بَعْدَمَا ارتاض خمس عشرَة سنة فَعَاد الرَّسُول بِأَسْوَأ وَجه وأقبح صُورَة قَالَ المرحوم فَقلت لَهُ لَو تلطفتم بِهِ وداريتم فِي الْجَواب لَكَانَ اسْلَمْ لكم ولأحبابكم بعد كم فان لَهُ قدرَة على الجفا والاذى فَقَالَ لَا بَأْس بهم غَايَة الامر انهم يعقدون مَجْلِسا ويدعونني اليه فَنَجْعَل هَكَذَا قَالَ المرحوم لما تكلم الشَّيْخ هَذِه الْكَلِمَة جذب جيبه على وَجهه فَغَاب عَن مَوْضِعه الَّذِي هُوَ فِيهِ فَأَخَذَتْنِي الْحيرَة وَالِاضْطِرَاب واحاطت بِي الدهشة الى ان جَاءَ وَحضر بعد سَاعَة وَقَالَ هَكَذَا نَفْعل اذا اضطررنا فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي هَل هُوَ من علم السيمياء قَالَ لَا وَلَكِن يحصل للنفوس الناطقة بِسَبَب المجاهدات الشاقة والرياضات الصادقة اتِّصَال بالمجردات فتقتدر على اعدام بدنهَا وايداعها فِي آن وَكَذَا يحصل لَهَا الْقُدْرَة على مَا يشبههما من الأفاعيل العجيبة والامور الغريبة ولنعد الى مَا كُنَّا فِيهِ وَهُوَ انه لما تَابَ على يَد الشَّيْخ وتلقن الذّكر عَنهُ وَدخل حجرَة من حجرات الزاوية المزبورة لم يرض الشَّيْخ بفراغه عَمَّا فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَجمع بَين الطَّرِيقَيْنِ حَتَّى بلغ رُتْبَة التدريس وَكَانَ يخرج من الْحُجْرَة وَيذْهب الى الْمدرسَة ويدرس فِيهَا وَيعود الى الْحُجْرَة فيشتغل بِالذكر الى ان غلب عَلَيْهِ الْحَال وانكشف الْمَآل وحبب لَهُ الِانْقِطَاع والاعتزال فَترك التدريس والافادة وتمحض للزهد وَالْعِبَادَة الى ان حصل وكمل وَبلغ مَرَاتِب الكمل وفوض اليه المشيخة فِي زَاوِيَة دَاخل قسطنطينية فاشتغل بالارشاد والافادة وتربية ارباب الارادة الى ان توفّي ﵀ فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَصلي عَلَيْهِ فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَاجْتمعَ فِي جنَازَته خلق كثير لَا يُحصونَ عددا وَدفن فِي دَاخل قسطنطينية تجاه زاويته المزبورة وَبني على قَبره كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا عابدا صَالحا معرضًا عَن أَبنَاء الدُّنْيَا غير مكترث بالاغنياء لم يدْخل

стр. 424

قطّ بَاب امير وَلم يطَأ مجْلِس وَزِير لم يعبأ بأرباب الحكم والمناصب وَلم يتَرَدَّد الى بابهم وَلم يتَقَيَّد بِمَا عِنْدهم وَمَا بهم كلما ارادوا صحبته واحبوا رُؤْيَته قابلهم بالاجتناب ودفعهم بِأَحْسَن جَوَاب وَكَانَ ﵀ مَشْهُورا برد صَدَقَاتهمْ وَدفع عطياتهم وَمَعَ ذَلِك ترك من النقدما يقرب ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار وَقوم سَائِر املاكه بِعشْرَة آلَاف دِينَار فتحير النَّاس فِي اقامة السَّبَب وقضوا مِنْهُ الْعجب وَكَانَ ﵀ فِي غَايَة الْحبّ والميل الى خيائر الْخَيل وَكَانَ يكثر من اقتناء الصافنات وَيُرْسل بَعْضهَا الى الامراء الْغُزَاة وَقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد وَلم يتَقَيَّد بِقَيْد الاهل والاولاد وَكَانَ ﵀ صَاحب جذبة عَظِيمَة وَغَايَة قبُول وَله فِي تَعْبِير المنامات مَا يبهر الْعُقُول وَمن عَادَته ﵀ انه يحضر فِي بعض الْجَنَائِز فيلقن الْمَيِّت ويخاطبه على مَا هُوَ الْمَعْرُوف فَيسمع من الْمَيِّت صَوته الَّذِي يسمع مِنْهُ فِي حَيَاته مجيبا عَمَّا يسْأَله وَقد سَمعه غير وَاحِد من الْعلمَاء الاعيان فِي متفرقات الاحيان وَمن ذَلِك طعنه على عُلَمَاء اوانه ومشايخ زَمَانه خُصُوصا الشَّيْخ مصلح الدّين المشتهر بِنور الدّين زَاده فانه حصل بَينهمَا وَحْشَة عَظِيمَة فانه كَانَ يطعن فِيهِ على الْفِعْل الْمَزْبُور وَيَقُول انه بِدعَة ابتدعها وَلم يسْبق اليها اُحْدُ من الْمَشَايِخ الْعِظَام والافاضل الْكِرَام وَهُوَ يُجيب بِأَن ساحة الكرامات متسعة ورتبة الاولياء مُتَفَاوِتَة وَلَا يضرنا عدم السَّبق فِيهِ وَكَانَ يطعن المرحوم فِيهِ بِسَبَب تردده الى بَاب الْأَغْنِيَاء ودخوله مجَالِس الوزراء والامراء ويحتج من منع فِي الْقَلِيل وَالْكثير ببئس الْفَقِير على بَاب الامير وَهُوَ مُجيب عَن سُؤَاله ويخبر عَمَّا فِي باله بِأَن ذَلِك يتَضَمَّن اصلاح بعض الامور الَّتِي تتكفل مصَالح الْجُمْهُور واعانة الاخ الْمُسلم واغاثة الْمَظْلُوم وانجائه من يَد الظَّالِم وَكَانَ النَّاس فِي امرهما فرْقَتَيْن وَفِي تحقيقهما فئتين فَمنهمْ من يرجح ذَاك على هَذَا ويعد مسلكه احسن المسالك وَمِنْهُم من يعكس الامر فَيقدم هَذَا على ذَلِك عَفا عَنْهُمَا الْملك الْقَادِر فانه اعْلَم بِمَا فِي الضمائر

стр. 425

وَمِمَّنْ تشرفت بنظمه هَذِه القلادة الْمولى عَليّ بن عبد العزيز المشتهر بِأم الْوَلَد زَاده كَانَ ابوه قد تولى قَضَاء حلب فِي الدولة العثمانية على مَا هُوَ الْمَذْكُور فِي الشقائق النعمانية نَشأ ﵀ متأنقا فِي رياض المعارف والعلوم ومتدرجا فِي معارج المنثور والمنظوم فاقتطف من ازاهيرها ابهاها واجتنى من ثمارها الذها واحلاها وسقته شآبيب الْعُلُوم زلالها ومدت دوحة المعارف عَلَيْهِ ظلالها وجدد من مباني الْعُلُوم مَا خلق ودرس وشيد قَوَاعِد الْبَيَان وَأسسَ وَلما صَار ملازما من الْمولى محيي الدّين الفناري درس بمدرسة بايزيد باشا فِي مَدِينَة بروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بمدرسة وَالِده بقسطنطينية بِثَلَاثِينَ ثمَّ بمدرسة هراز غراد باربعين ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الخنجرية فِي بروسه بِخَمْسَة وَأَرْبَعين ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خمسين ثمَّ انْفَصل وَبَقِي فِي شَدَائِد الْعَزْل عدَّة سِنِين وجرعه الدَّهْر الغشوم بكاسات الغموم والهموم وَألبسهُ ملابس الذل والهوان حَتَّى اضطره الى مضايق الامتحان وَنِعما قيل ... لَا تنكري يَا عز ان ذل الْفَتى ... ذُو الاصل واستعلى لئيم المحتد ان البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج مَعْقُود بِرَأْس الهدهد ... ثمَّ قلد مدرسة ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْبَارِي ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ قلد قَضَاء حلب فباشره بالعفة والامانة والنزاهة والديانة وَقبل ان يقْضِي مِنْهُ الوطر غاض منهل عيشه وتكدر وَمَات بعد عدَّة اشهر وَلم يكمل سنة فِي شهر محرم سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ ﵀ عَالما اديبا وفاضلا لبيبا مبرزا فِي ميدان الْفضل والبراعة حائزا قصبات السَّبق فِي مضمار هَذِه الصِّنَاعَة حمل الوية الْعلم والادب بأيدي الهمة والطلب فَملك تخوم اسرار كَلَام الْعَرَب وقلد جيد الزَّمَان بخرائد بَدَائِع الْبَيَان وَقد اثْبتْ من هَذِه الخرائد مَا يزين بِهِ صُدُور الصُّحُف والجرائد فِي رسَالَته القلمية يسئلونك عَن ذِي القرنين قل سأتلوا عَلَيْكُم مِنْهُ
следующие страницы →