← Тараджим

Тараджим · id 6723

الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية

طاشكبري زاده

Полный текст (498 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

اباعدهم واقاربهم وَسعوا فِيهِ حَتَّى عزل وافل بدره لَكِن رفع من الْجِهَة الاخرى قدره فعين لَهُ كل يَوْم مِائَتَا دِرْهَم وَكَانَ الْعَادة والقانون فِي وَظِيفَة امثاله مائَة وَخمسين وَتُوفِّي فِي ربيع الاول سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد اناف عمره على سبعين سنة وقدا تفق مَوته على هَيْئَة مرضية وَصفَة رضية تدل على حسن خاتمته وسعادته فِي عاقبته يحْكى انه قَامَ ضحوة يَوْم فَتَوَضَّأ واسبغ الْوضُوء وَلبس الالبسة النظيفة وَصلى رَكْعَات واخذ بِيَدِهِ سبْحَة واضطجع على فرَاشه واشتغل بالتسبيح والتهليل فعاجله سهم الْمنية وَهُوَ على تِلْكَ الفعلة السّنيَّة فانتقل الى جوَار ربه الصَّمد وَلم يشْعر بِمَوْتِهِ من الْحَاضِرين اُحْدُ وَنقل جسده من هَذِه الرباع المانوسة الى حَظِيرَة فِي فنَاء مَسْجده الَّذِي بناه فِي مَدِينَة بروسه وَوَقع فِي هَذَا اتِّفَاق غَرِيب هُوَ اني كنت اكْتُبْ تَرْجَمَة الْمولى محيي الدّين المشتهر بعرب زَاده وَقد انْتَهَيْت الى قولي فِيهَا وارتحل راية عزه منكوسة الى دَار الْملك بروسه اذ جَاءَ وَاحِد من طلبته واخبرني بِمَوْتِهِ وَقَالَ هَذِه سفينته الَّتِي تذْهب الى بروسه كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا محققا كَامِلا مشاركا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مبرزا فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة النقلية لَهُ بالفقه الفة أَي الفة قَادر على الافتاء بِغَيْر كلفة وَكَانَ لين الْجَانِب مجبولا على اللطف وَالْكَرم مطبوعا على احسن الشيم غير ان فِيهِ طَمَعا زَائِدا وحرصا وافرا سامحه الله اولا وآخرا وَمن الْمَشَايِخ الاعيان وافاضل الْعَصْر والاوان الشَّيْخ بالي الخلوتي الْمَعْرُوف بسكران كَانَ ابوه معلما للسُّلْطَان احْمَد ابْن السُّلْطَان بايزيدخان فَلَمَّا غالته الْمنية وَفَاته حُصُول الامنية من السلطنة الْعُظْمَى والمملكة الْكُبْرَى وَسلم زِمَام الزَّمَان وعنان الاوان الى يَد السُّلْطَان سليم استقضاه فِي بعض الْبِلَاد وعينه للْحكم بَين الْعباد وَولد ﵀ ببلدة تيره من لِوَاء ايدين وَنَشَأ فِي طلب الْعلم وَتَحْصِيل الْفَضَائِل وَصَاحب الاكابر والافاضل وجد واجتهد وَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ حَتَّى صَار ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان ثمَّ درس بمدرسة خواجه سِنَان

стр. 422

الْمَعْرُوف بكينكجي فِي مَدِينَة قسطنطينية بِخَمْسَة وَعشْرين فعامل الطّلبَة بالدرس والافادة مَعَ اشْتِغَاله بالزهد وَالْعِبَادَة ثمَّ ترك التدريس وسلك مَسْلَك الصُّوفِيَّة السَّادة وَكَانَ سَبَب فَرَاغه على مَا حُكيَ انه رأى فِي مَنَامه وَهُوَ فِي اوائل طلبه بِمَدِينَة بروسه انه يمشي فِي بعض الطّرق فَسمع اصواتا عالية فقصدها فاذا بِقوم من الصُّوفِيَّة قعدوا يذكرُونَ الله تَعَالَى ويرفعون اصواتهم بِالذكر الْجَمِيل ويزينونها بمفاخر التمجيد والتهليل فتقرب مِنْهُم فاذا بِرَجُل مراقب فِي نَاحيَة مِنْهُم فَلَمَّا وَقع نظره عَلَيْهِ رفع رَأسه وَأَشَارَ بِيَدِهِ ودعا اليه فَلَمَّا حصل عِنْده قَالَ لَهُ لم لم تدخل فِي هَذِه الْحلقَة وَلَا تلتحق بِتِلْكَ الطَّائِفَة فَأجَاب بَان فِي قلبِي مَا يَمْنعنِي عَن ذَلِك ويعوقني عَنهُ وَهُوَ اتمام مراسم الطَّرِيق واحراز مآثر الْعُلُوم الظَّاهِرَة والاجتماع بالمولى الْفُلَانِيّ والاشتغال عَلَيْهِ فاذا حصل الي ذَلِك لَا يبْقى فِي خاطري مَا يشوش عَليّ فالتحق بكم وادخل فِي مذهبكم وَلما انتبه وَمضى عَلَيْهِ السِّتُّونَ وتنقلت بِهِ الاحوال والشؤون وَهُوَ مكب على الطّلب والاشتغال واكتساب الْفضل والكمال الى ان اتى قسطنطينية فَبين هُوَ يسير فِي بعض طرقاتها بزمرة من خلانه وَطَائِفَة من اخوانه فاذا بِأَصْوَات عالية تخرج من زَاوِيَة فقصد المرحوم هَذَا الْمَكَان بِمن عِنْده من الاصحاب والخلان فاذا بِقوم يذكرُونَ الله الْمجِيد ويرفعون اصواتهم بالتمجيد والتوحيد وصفت الْمَلَائِكَة بهم وانزلت السكينَة فِي قُلُوبهم فَقرب مِنْهُم فاذا براجل مراقب يراصد ربه ويراقب فَلَمَّا حضر عِنْده قَالَ الم يَأن للَّذين آمنُوا ان تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَاعْلَم ان الْمولى الْفُلَانِيّ قد مَاتَ وَذهب عرض الِاشْتِغَال عَلَيْهِ وَفَاتَ فَتَأَمّله المرحوم فاذا هُوَ الَّذِي رأى فِي الْمَنَام وَجرى بَينهمَا من الْكَلَام فَلم يُؤَخر فِي الانابة والابتهال وَتَابَ على يَده فِي الْحَال ثمَّ سَأَلَ عَن الرجل فاذا هُوَ الشَّيْخ رَمَضَان والزاوية زَاوِيَة عَليّ باشا وَكَانَ الشَّيْخ رَمَضَان الْمَزْبُور معدودا من الرِّجَال ومعروفا بِالْفَضْلِ والكمال صَاحب الكرامات الجلية والمراتب الْعلية مِنْهَا مَا حَكَاهُ المرحوم وَقَالَ اني كنت فِي بعض الاحيان عندالشيخ اذ دخل عَلَيْهِ شخص وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ ان الْمولى محيي الدّين المشتهر بجوي زَاده يسلم

стр. 423

عَلَيْكُم ويسألكم عَن فصوص الشَّيْخ ابْن الْعَرَبِيّ هَل هُوَ على الْحق اَوْ الْبَاطِل وَكَانَ الْمولى الْمَزْبُور مَعْرُوفا بتبطيله ومشهورا بالتعصب عَلَيْهِ فَلَمَّا سَمعه الشَّيْخ غضب وَقَالَ مَا يطْلب من ارسلك من الشَّيْخ وَهل يُرِيد الِاطِّلَاع على دُرَر مكامن هَذَا الْكتاب وغرر مَا فِي تضاعيفه مَعَ اكله فِي كل يَوْم سبع مَرَّات وشبعه من الْحَرَام وَالشَّيْخ قدس سره مَا كتبه الا بَعْدَمَا ارتاض خمس عشرَة سنة فَعَاد الرَّسُول بِأَسْوَأ وَجه وأقبح صُورَة قَالَ المرحوم فَقلت لَهُ لَو تلطفتم بِهِ وداريتم فِي الْجَواب لَكَانَ اسْلَمْ لكم ولأحبابكم بعد كم فان لَهُ قدرَة على الجفا والاذى فَقَالَ لَا بَأْس بهم غَايَة الامر انهم يعقدون مَجْلِسا ويدعونني اليه فَنَجْعَل هَكَذَا قَالَ المرحوم لما تكلم الشَّيْخ هَذِه الْكَلِمَة جذب جيبه على وَجهه فَغَاب عَن مَوْضِعه الَّذِي هُوَ فِيهِ فَأَخَذَتْنِي الْحيرَة وَالِاضْطِرَاب واحاطت بِي الدهشة الى ان جَاءَ وَحضر بعد سَاعَة وَقَالَ هَكَذَا نَفْعل اذا اضطررنا فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي هَل هُوَ من علم السيمياء قَالَ لَا وَلَكِن يحصل للنفوس الناطقة بِسَبَب المجاهدات الشاقة والرياضات الصادقة اتِّصَال بالمجردات فتقتدر على اعدام بدنهَا وايداعها فِي آن وَكَذَا يحصل لَهَا الْقُدْرَة على مَا يشبههما من الأفاعيل العجيبة والامور الغريبة ولنعد الى مَا كُنَّا فِيهِ وَهُوَ انه لما تَابَ على يَد الشَّيْخ وتلقن الذّكر عَنهُ وَدخل حجرَة من حجرات الزاوية المزبورة لم يرض الشَّيْخ بفراغه عَمَّا فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَجمع بَين الطَّرِيقَيْنِ حَتَّى بلغ رُتْبَة التدريس وَكَانَ يخرج من الْحُجْرَة وَيذْهب الى الْمدرسَة ويدرس فِيهَا وَيعود الى الْحُجْرَة فيشتغل بِالذكر الى ان غلب عَلَيْهِ الْحَال وانكشف الْمَآل وحبب لَهُ الِانْقِطَاع والاعتزال فَترك التدريس والافادة وتمحض للزهد وَالْعِبَادَة الى ان حصل وكمل وَبلغ مَرَاتِب الكمل وفوض اليه المشيخة فِي زَاوِيَة دَاخل قسطنطينية فاشتغل بالارشاد والافادة وتربية ارباب الارادة الى ان توفّي ﵀ فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَصلي عَلَيْهِ فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَاجْتمعَ فِي جنَازَته خلق كثير لَا يُحصونَ عددا وَدفن فِي دَاخل قسطنطينية تجاه زاويته المزبورة وَبني على قَبره كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا عابدا صَالحا معرضًا عَن أَبنَاء الدُّنْيَا غير مكترث بالاغنياء لم يدْخل

стр. 424

قطّ بَاب امير وَلم يطَأ مجْلِس وَزِير لم يعبأ بأرباب الحكم والمناصب وَلم يتَرَدَّد الى بابهم وَلم يتَقَيَّد بِمَا عِنْدهم وَمَا بهم كلما ارادوا صحبته واحبوا رُؤْيَته قابلهم بالاجتناب ودفعهم بِأَحْسَن جَوَاب وَكَانَ ﵀ مَشْهُورا برد صَدَقَاتهمْ وَدفع عطياتهم وَمَعَ ذَلِك ترك من النقدما يقرب ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار وَقوم سَائِر املاكه بِعشْرَة آلَاف دِينَار فتحير النَّاس فِي اقامة السَّبَب وقضوا مِنْهُ الْعجب وَكَانَ ﵀ فِي غَايَة الْحبّ والميل الى خيائر الْخَيل وَكَانَ يكثر من اقتناء الصافنات وَيُرْسل بَعْضهَا الى الامراء الْغُزَاة وَقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد وَلم يتَقَيَّد بِقَيْد الاهل والاولاد وَكَانَ ﵀ صَاحب جذبة عَظِيمَة وَغَايَة قبُول وَله فِي تَعْبِير المنامات مَا يبهر الْعُقُول وَمن عَادَته ﵀ انه يحضر فِي بعض الْجَنَائِز فيلقن الْمَيِّت ويخاطبه على مَا هُوَ الْمَعْرُوف فَيسمع من الْمَيِّت صَوته الَّذِي يسمع مِنْهُ فِي حَيَاته مجيبا عَمَّا يسْأَله وَقد سَمعه غير وَاحِد من الْعلمَاء الاعيان فِي متفرقات الاحيان وَمن ذَلِك طعنه على عُلَمَاء اوانه ومشايخ زَمَانه خُصُوصا الشَّيْخ مصلح الدّين المشتهر بِنور الدّين زَاده فانه حصل بَينهمَا وَحْشَة عَظِيمَة فانه كَانَ يطعن فِيهِ على الْفِعْل الْمَزْبُور وَيَقُول انه بِدعَة ابتدعها وَلم يسْبق اليها اُحْدُ من الْمَشَايِخ الْعِظَام والافاضل الْكِرَام وَهُوَ يُجيب بِأَن ساحة الكرامات متسعة ورتبة الاولياء مُتَفَاوِتَة وَلَا يضرنا عدم السَّبق فِيهِ وَكَانَ يطعن المرحوم فِيهِ بِسَبَب تردده الى بَاب الْأَغْنِيَاء ودخوله مجَالِس الوزراء والامراء ويحتج من منع فِي الْقَلِيل وَالْكثير ببئس الْفَقِير على بَاب الامير وَهُوَ مُجيب عَن سُؤَاله ويخبر عَمَّا فِي باله بِأَن ذَلِك يتَضَمَّن اصلاح بعض الامور الَّتِي تتكفل مصَالح الْجُمْهُور واعانة الاخ الْمُسلم واغاثة الْمَظْلُوم وانجائه من يَد الظَّالِم وَكَانَ النَّاس فِي امرهما فرْقَتَيْن وَفِي تحقيقهما فئتين فَمنهمْ من يرجح ذَاك على هَذَا ويعد مسلكه احسن المسالك وَمِنْهُم من يعكس الامر فَيقدم هَذَا على ذَلِك عَفا عَنْهُمَا الْملك الْقَادِر فانه اعْلَم بِمَا فِي الضمائر

стр. 425

وَمِمَّنْ تشرفت بنظمه هَذِه القلادة الْمولى عَليّ بن عبد العزيز المشتهر بِأم الْوَلَد زَاده كَانَ ابوه قد تولى قَضَاء حلب فِي الدولة العثمانية على مَا هُوَ الْمَذْكُور فِي الشقائق النعمانية نَشأ ﵀ متأنقا فِي رياض المعارف والعلوم ومتدرجا فِي معارج المنثور والمنظوم فاقتطف من ازاهيرها ابهاها واجتنى من ثمارها الذها واحلاها وسقته شآبيب الْعُلُوم زلالها ومدت دوحة المعارف عَلَيْهِ ظلالها وجدد من مباني الْعُلُوم مَا خلق ودرس وشيد قَوَاعِد الْبَيَان وَأسسَ وَلما صَار ملازما من الْمولى محيي الدّين الفناري درس بمدرسة بايزيد باشا فِي مَدِينَة بروسه بِخَمْسَة وَعشْرين ثمَّ بمدرسة وَالِده بقسطنطينية بِثَلَاثِينَ ثمَّ بمدرسة هراز غراد باربعين ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الخنجرية فِي بروسه بِخَمْسَة وَأَرْبَعين ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خمسين ثمَّ انْفَصل وَبَقِي فِي شَدَائِد الْعَزْل عدَّة سِنِين وجرعه الدَّهْر الغشوم بكاسات الغموم والهموم وَألبسهُ ملابس الذل والهوان حَتَّى اضطره الى مضايق الامتحان وَنِعما قيل ... لَا تنكري يَا عز ان ذل الْفَتى ... ذُو الاصل واستعلى لئيم المحتد ان البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج مَعْقُود بِرَأْس الهدهد ... ثمَّ قلد مدرسة ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْبَارِي ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ قلد قَضَاء حلب فباشره بالعفة والامانة والنزاهة والديانة وَقبل ان يقْضِي مِنْهُ الوطر غاض منهل عيشه وتكدر وَمَات بعد عدَّة اشهر وَلم يكمل سنة فِي شهر محرم سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ ﵀ عَالما اديبا وفاضلا لبيبا مبرزا فِي ميدان الْفضل والبراعة حائزا قصبات السَّبق فِي مضمار هَذِه الصِّنَاعَة حمل الوية الْعلم والادب بأيدي الهمة والطلب فَملك تخوم اسرار كَلَام الْعَرَب وقلد جيد الزَّمَان بخرائد بَدَائِع الْبَيَان وَقد اثْبتْ من هَذِه الخرائد مَا يزين بِهِ صُدُور الصُّحُف والجرائد فِي رسَالَته القلمية يسئلونك عَن ذِي القرنين قل سأتلوا عَلَيْكُم مِنْهُ

стр. 426

ذكرا انه فَتى مكن لَهُ فِي الارض واوتي من كل شَيْء سَببا قد سعى فِي الاقاليم والولايات الى ان بلغ سَعْيه الظُّلُمَات حَكِيم ظَهرت ينابيع الْحِكْمَة من قلبه على لِسَان اديب حَاز قصبات البلاغة ببديع بَيَانه نَبِي صَاحب كتاب وآيات قد اتى بالمعجرات والبينات حدث عَن مغيبات الانباء واجرى من اصبعه المَاء كَأَنَّهُ ذُو النُّون التقمه نون ونبذه بالعراء اَوْ يَعْقُوب يَدُوم على الانين والبكاء كَعْب الاحبار يحدث بأساطير الاولين ويخبر عَمَّا جرى على الْقُرُون الاقدمين مسود مَتى مَا بعد اهل المآثر تَنْعَقِد عَلَيْهِ الخناصر عَامل يرفع وَينصب للجر وَلَا يعْمل جزما اذا لحقه الْكسر هندي السَّاق دَقِيق اعجمي لكنه مُعرب ملاق حَتَّى اذا تحدث اطرق ويرشح الْحيَاء جَبينه بالعرق مثقب الحكم والعرفان تجْرِي مِنْهُ عينان نضاحتان فتق اللِّسَان لَا يقي عَن النَّاس فَاه وَلِهَذَا لَا يخلص عَن التَّفْرِيع قَفاهُ سبط البنان فِي الْكَرم شَدِيد بأسه وَلَا يَجِيء مِنْهُ بر الا ان تقطع رَأسه حسيب يتبلج السؤدد من جَبينه من اصحاب الْيمن قد اوتي كِتَابه بِيَمِينِهِ صَاحب لَبِيب وَكَاتب اديب مَا من علم الا وَله فِيهِ قدم راسخ وَمَا من رقْعَة من رقاع الاوهام الا وَهُوَ بمحققات توقيعاته لَهَا نَاسخ نقاش الا وان يصور النقوش الصينية على بسط الرّوم مدرس الزَّمَان قد صبغ يَده فِي جَمِيع الْعُلُوم اذا أنشأ وشى اذا عبر حبر ظلوم خرق استار الاسرار وسرق من خَزَائِن الافكار فَقبض واخذ بِالْيَمِينِ وتل للجبين وجزمت اطرافه وَقطع مِنْهُ الوتين اصم وَهُوَ يسمع الدُّعَاء ينْطق ويتحدث وَالْعجب ان رَأسه فِي المَاء ابكم قارىء معيد جَار صَامت وَلكنه كليم مكب على وَجهه مَعَ انه يمشي سويا على صِرَاط مُسْتَقِيم وَمن كَلِمَاته اللطاف فِي وصف الصوارم والاسياف ملك فِي قَبضته الامور كَأَنَّهُ سفاح اَوْ تيمور وَهُوَ لسلم الْمُسلمين برهَان بساطع ولتبار الْكَافرين نَص قَاطع شُجَاع يقتحم العقبات جواد يفك الرقبات يهز عطفه فِي المهالك وَلَا يصرف وَجهه قطعا فِي المعارك بأسه شَدِيد لِسَانه حَدِيد آخذ الايدي معطي الايادي اقعس وائط لَا يُؤمن مِنْهُ الهلك والشطط امير يملك رِقَاب الْعباد شَدِيد الصولة

стр. 427

لكنه سهل القياد نَار فِي فعله مَاء فِي شكله غيم يخرج امطار الدِّمَاء من خلاله جعل الله الْجنَّة تَحت ظلاله سَام تسْجد لَهُ الرؤوس ويخضع لَهُ الاعناق حام يحمي بَيْضَة الدّين فِي الْآفَاق ذكر بِلَا ارتياب الا انه شعار ارباب الْحجاب يحيض ويتدهن ويتحلى من اساور من فضَّة ويتزين صوفي تجرد وَقطع العلائق وتصفى عَن كدورات الْعَوَائِق يجلس فِي الزوايا ويجلي عَن اصداء الرزايا من آل حَرْب اجل مشاجع وَكَفاهُ قَوْله تَعَالَى وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد وَمَنَافع وَمن كَلَام ذَلِك النحرير فِي وصف الشمع الْمُنِير جميل كحيل الْعين بَين الْمحيا مخروط الهامة بَادِي الْبشرَة ضحاك بالطبع مُسْتَقِيم الْقَامَة كَوْكَب دري باهر النُّور والسناء يهدي الله لنوره من يَشَاء يَقْصِدهُ الاوباش من الْفراش روما لإطفائه وثبوره يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره نديم يحسن ائتناسه بَين جلاسه وَالْعجب انه تزداد حَيَاته بعد قطع رَأسه اسكندر يَخُوض فِي الظلام الحالك مبارز يقري الرَّأْس فِي المهالك زاهد يحيى اللَّيَالِي وَيُقِيم اصبعه لتوحيد الرب المتعالي يشْهد بوحدانية الرَّحْمَن ويداوم ذكر آيَات النُّور وَالدُّخَان هيفاء تلهي عُيُون الباصرين فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين عليل مني بالحرقة فاسود لِسَانه وذاب جِسْمه وَاحْتَرَقَ جنانه اَوْ صب قد افناه الْهوى واحرق كبده حر النَّوَى فُؤَاده يَحْتَرِق وَجَسَده تَحت رق شيخ فان قد اشتعل مِنْهُ الرَّأْس شيبا وسابت العبرات من جفونه سيبا وَله رسائل اخرى جزيلة وآثار من المنثور جليلة ولنكتف بِهَذَا الْقدر الْيَسِير فان الْقَلِيل يدل على الْكثير وَله من المنظوم دُرَر الْفَوَائِد وغرر القصائد وَمن كَلِمَاته المستأهلة للورود قصيدته الميمية الَّتِي عَارض بهَا ميمية الْمُفْتِي ابي السُّعُود ولنورد فِيهَا الابيات الخليقة للاثبات ... ابالصد تحلو عشرَة وندام ... وَفِي الْقلب من نَار الغرام ضرام شربت بِذكر العامرية قهوة ... فسكري الى يَوْم الْقيام مدام تكدر وردي بعد بعد مزارها ... وَلم يبْق عَيْش فِي صفا ومنام ...

стр. 428

.. وسد عَليّ الدَّهْر ابواب سلوتي ... فيا فرحة الدُّنْيَا عَلَيْك سَلام وَطَالَ نواحي بالنواحي بِزَفْرَةٍ ... وَاعد مني برح النَّوَى وغرام الا بلغا عني الى من بذا الْحمى ... تَحِيَّة صب قد عراه هيام وقولا لَهَا عني لقد شفني الضنا ... وَاد نحيبي بعْدهَا وسقام سلبت لذيذ النّوم مذ حل بِي الْهوى ... وَذَلِكَ شَيْء فِي الوداد حرَام رماني زماني بالبعاد وملني ... لذكرك دمعي كالعيون سجام اتحسب ان الْحبّ سهل قياده ... وَهل هُوَ الا للشجون مقَام فسقيا لحب قد سقاني بدره ... الى حِين حِين لَيْسَ مِنْهُ فطام وَبَين فُؤَادِي والسلو تبَاين ... وَبَين سهادي والجفون لزام يهيجن شوقي للحمى واجارع ... اذا مَا تغنت فِي الغصون حمام اليها ولوعي لَا الى الرّبع والحمى ... وَلَوْلَا هَواهَا مَا الْحمى وخيام ... وفيهَا يَقُول ... اما تَسْتَحي يَا نفس مَاذَا التسوف ... الى كم بحب الغانيات نضام اما آن آن الِانْقِضَاء من الْهوى ... لكل اوان آخر وَتَمام اتحسب ان الدَّهْر بَاقٍ بِحَالهِ ... وحاشا لَهُ من ان يكون دوَام تقلب تارات تدوم على الورى ... هوان وَعز سلوة وهيام وكل حبور ان نظرت بعبرة ... يبور وان البور مِنْهُ ختام هَب الدَّهْر قد القى اليك قيادة ... وفزت بمجد لم ينله همام وعشت حميدا الف عَام بسؤدد ... لَك الْخلق طرا خَادِم وَغُلَام السِّت قصارى الامر ان لَك مصرع ... مهول حوته وَحْشَة وظلام اما تعْتَبر مِمَّن مضوا لسبيلهم ... وهم تَحت طاقات الرغام نيام فَرب نعيم شاه وَجه نعيمه ... وَرب حمام قد محاه حمام وَكم من مُلُوك فِي اللوافارقوا اللوا ... وَلم تغن عَنْهُم حشمة وعرام وَرب عِظَام من ذَوي الْقدر والعلا ... فها هم رفات فِي الرموس عِظَام ...

стр. 429

.. وَأَيْنَ جِيَاد فِي الورى كَانَ دِرْهَم ... على النَّاس عَاما فِي الْجُود كرام طوتهم بأيدي النائبات دهورهم ... فَلم يبْق مِنْهُم مخبر ووسام فسبحان من لَا يَنْقَضِي عز ملكه ... وَلَيْسَ يدانيه الفناء مدام ... وَقد قَالَ ﵀ قَرِيبا من رمسه فَكَأَنَّهُ نعي الى نَفسه ... ديباج عمري ابلاه الجديدان ... وصرصر الشيب امت هدم بنياني طلائع الضعْف استولت على بدني ... فَصَارَ معترك الاوجاع جثماني آن الرحيل وَلَكِن مَا ادخرت لَهُ ... وكل حاوي الردى للْمَوْت ماراني لَا زَالَ موتِي يأتيني على عجل ... فيكفت الذيل فِي تخريب اركاني لهفي على زمن ولى بِمَعْصِيَة ... ثمَّ انْقَضى الْعُمر فِي غي وخسران ... وَهِي من قصيدة طَوِيلَة ابياتها قريبَة المآكل منسوجة على هَذَا المنوال وَلما عرضت عَلَيْهِ قصيدته النونية استحسنها وعارضها بقصيدة سنية ولنأت بِبَعْض الابيات من القصيديتين وَحذف الابيات الاخر من الْبَين ... غنى الطُّيُور بأطيب الالحان ... فِي شَجَرَة بمنابر الافنان فاهتز مِنْهَا كل شَيْء فِي الرِّبَا ... اوما رَأَيْت تمايل الاغصان فَكَأَنَّهَا تبْكي الرّبيع وَحسنه ... لما الم الشَّمْس بالميزان واصفر وَجه الرَّوْض وجنة عاشق بَانَتْ حبيبته مَعَ الاظعان من بعد مَا ابتسمت بِهِ ازهاره ... كحبيبة مَالَتْ الى الاحسان فَبكى الْغَمَام من الغموم على الرِّبَا ... وصبا النسيم كعاشق ولهان سقيا لروض قد قصدت نسيمه ... فاستقبلت بِالروحِ وَالريحَان واذا أتيت بسحرة فبهاره ... نظرت الى بمقلتي وَسنَان لله أَيَّام مَضَت فِي رَوْضَة ... جلت لطائفها عَن الحسبان انفقت نقد الْعُمر فِي لذاتها ... بِعْت الثمين بأرخص الاثمان ... يَا صَاح ناول قهوة وردية ... تنسي النديم شقائق النمان فِي اللَّمْس مَاء فِي الحشى كالنار قد ... يحمر من ذَا وجنة النشوان

стр. 430

تالله لَو رَأَتْ الْمَجُوس لهيبها ... فِي كوزها سجدوا الى الكيزان لَا تَطْلُبُوا الْمِصْبَاح ان ليل دجا ... فالكأس متقد كخد قيان عاطيتها خمصانة تسبي النهى ... من دونهَا بجمالها الفتان وَرَأَيْت فِي الاقداح عكس روائها ... فعجبت من حوراء فِي النيرَان ... وَقد وَقَالَ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى ... وَرْقَاء قد غنت على العيدان ... سحرًا تسجع اطيب الالحان فَكَأَنَّهَا رَأَتْ الرّبيع فأنشدت ... فِي حسنه الاشعار للندمان مَالَتْ اليها الْغُصْن تسمع سجعها ... قد صَارَت الاوراق كالاذان واطيب الحان بَدَت من شجوها ... شقّ الْقَمِيص شقائق النُّعْمَان وَرَأَيْت فَيْء الرَّوْض مِنْهَا راقصا ... مذ صفق الامواج فِي الغدران وافى النسيم على الحدائق فِي السرى ... فشقائق الاغصان كالخلان وتكللت تيجان ازهار الرِّبَا ... من لُؤْلُؤ الانداء فِي القيعان فالجو لابس حلَّة مائية ... فَبَدَا بِوَجْه مشرق اللمعان والورد قد ورد الرياض بشوكه ... واتى بِكُل حديقة كجنان والبان نقش غصنه اذنابه ... والكم قد بسمت كثغر قيان ... والراح فِي رَاح الحبيب تديرها ... سقيا لَهَا من رَاحَة الابدان وعتيقة فِي عصرها اعْجَبْ بهَا ... توفّي الشُّيُوخ شمائل الفتيان لَو شاهدت عباد شمس جامها ... لبريقها خروا على الاذقان لهفي على ايام انس قد مَضَت ... هِيَ غرَّة فِي جبهة الازمان كم لَيْلَة نادمت فِيهَا غادة ... تسبي النَّهْي بصوارم الاجفان ... وَله قصيدة فِي قافية اللَّام يعْذر موردها بعد مَا اطال الْكَلَام لغاية لطافتها عَن العذل والملام ... مَاذَا نواؤك والركائب تحمل ... ايْنَ التفجح والدموع الهطل الْغَيْر هَذَا الْيَوْم كنت تصونها ام عَن تسابلها المدامع تبخل تالله حق ان تريق بهَا دَمًا ... يَوْم النَّوَى لَا ادمعا تتسلسل ...

стр. 431

.. هَل وَقْفَة بجنوب قاع فِي النقى ... يَوْمًا وَهل عِنْد الابيرق منزل لله در الْحبّ يستنقى بِهِ ... وضر البصائر والغرائز تنبل ودعتها وَالْعين ترفل فِي الدما ... والكبد حرى والفؤاد مُعَلل يَا صَاح ان السَّيْل قد بلغ الزبى ... ايه بذكراها بهَا اتعلل مَا لوعتي وتحنني الا لَهَا ... لَوْلَا هَواهَا مَا الدُّخُول فحومل تبدو نوازع عَن صبابتها اذا ... ازرت برياها الصِّبَا وَالشمَال انى يواري الصب غلواء الْهوى ... والدمع جَار والجوانح نحل لم أنس ايام الْوِصَال بِذِي غضى ... اذ رَاح واشينا وَدَار السلسل مَا زَالَ تنقص صبأتي وتصبري ... فِي كل حِين والتحنق يكمل وَحَدِيث وجدي فِي الْهوى متواتر ... لَكِن دمعي مُرْسل ومسلسل يَا حسنها وجمالها ودلالها ... شمس الظهيرة من سناها تأفل ذاب الْفُؤَاد من الجوى ومرامه ... ريم برامة فِي الاباطح يرفل ان طرفك الفتاك يجْحَد قتلتي ... فلجحدك الفاني دَلِيل فيصل يَا عاذلي لوذقت من برح النَّوَى ... وغرامها مَا ذقت لم تَكُ تعذل ... وَمِمَّنْ تعانى الْعلم وَالْعَمَل وَحصل وكمل فالتحق فِي شبابه بالمشايخ الكمل الشَّيْخ محيي الدّين الشهير بيركيلو كَانَ ﵀ من قَصَبَة بالي كسْرَى وَكَانَ ابوه رجلا عَالما من أَصْحَاب الزوايا وَلَا غرو فِيهِ فان فِي الزوايا خبايا وَنَشَأ المرحوم فِي طلب المعارف والعلوم وَوصل الى مجْلِس الْعِظَام وَدخل محافل الْكِرَام وَعَكَفَ على التَّحْصِيل والافادة من الافاضل السَّادة مِنْهُم الْمولى محيي الدّين المشتهر بأخي زَاده وَصَارَ ملازما من الْمولى عبد الرَّحْمَن اُحْدُ قُضَاة الْعَسْكَر فِي عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ غلب عَلَيْهِ الزّهْد وَالصَّلَاح ولاح فِي جَبينه آيَات الْفَوْز والفلاح فتحول عَن مضايق الشكوك الى مسارح السلوك واتصل بِخِدْمَة المرشد السَّامِي الشَّيْخ عبد الله القرماني البيرامي فخدمه مُدَّة بِحسن الارادة واستفرغ مجهوده فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة ثمَّ امْرَهْ شَيْخه بالعهود والاشتغال بمدارسة الْعُلُوم ومذاكرة الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم والتصدي لِلْأَمْرِ

стр. 432

بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرَات والوعظ بالزواجر الزاجرات وَحصل بَينه وَبَين الْمولى عَطاء الله محبَّة اكيدة ومودة شَدِيدَة فَأقبل بِحسن الِالْتِفَات عَلَيْهِ وَبنى مدرسة فِي قَصَبَة بركى وفوض تدريسها اليه وَعين لَهُ كل يَوْم سِتِّينَ درهما فَكَانَ ﵀ يدرس تَارَة ويعظ اخرى بِمَا هُوَ اليق واحرى قَصده النَّاس من كل فج عميق وَأَوَى اليه الطّلبَة من مَكَان سحيق وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الطلاب وَاشْتَغلُوا عَلَيْهِ من كل فصل وَبَاب واكب هُوَ على الِاشْتِغَال بيومه وأمسه وانتفع النَّاس بوعظه ودرسه فكم من أَسِير فِي غيابة الْجَهَالَة مُقَيّد بسلاسل الشؤون والبطالة نَالَ بِسَبَبِهِ من شرف الْعلم وعزه مَا ناله وَكم من تائه بمهامه هَوَاهُ عَاد الى السَّبِيل بهداه كَانَ ﵀ فِي طرف عَال من الْفضل والكمال وتتبع الْكتب والرسائل وَجمع الْقَوَاعِد والمسائل وَجمع الْعلم وتبحر فِيهِ وحوى من الْفضل والمعرفة مَا يَكْفِيهِ شرح مُخْتَصر الْبَيْضَاوِيّ فِي النَّحْو وَكتب متْنا لطيفا فِي علم الْفَرَائِض وَله فِي الحَدِيث وَتَفْسِير الْقُرْآن وَالْفِقْه تعاليق ورسائل اخترمته دونهَا الْمنية ففاته حُصُول الامنية وَكَانَ ﵀ آيَة فِي الزّهْد والصيانة وَنِهَايَة فِي الْوَرع والديانة رَأْسا فِي التجنب والقوى متمسكا بِمَا هُوَ أتم وَأقوى قَائِما على الْحق فِي كل مَكَان يرد على من خَالف الشَّرِيعَة كَائِنا من كَانَ لَا يهاب احدا لعلو رتبته وسمو مَنْزِلَته جَاءَ فِي آخر عمره الى قسطنطينية وَدخل مجْلِس الْوَزير مُحَمَّد باشا وَكَلمه فِي قمع الظلمَة وَدفع الْمَظَالِم بِكَلِمَات اُحْدُ من السيوف الصوارم وملأ بفرائد المواعظ ذَلِك النادي وَلَكِن لَا حَيَاة لمن يُنَادي وَكَانَ المرحوم لَا يرى الِاسْتِئْجَار على التِّلَاوَة وَتَعْلِيم الْعُلُوم ويباحث فِيهِ مَعَ الفحول بالمنقول والمعقول وَتُوفِّي ﵀ فِي شهر جُمَادَى الاولى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ مكب على الزّهْد وَالْعِبَادَة كتب الله لَهُ الْحسنى وَزِيَادَة وَمن الْعلمَاء الاعيان الَّذين اصابتهم عين الْعَصْر وَالزَّمَان بعدتسليم الْمجد الاثيل قياده الْمولى محيي الدّين المشتهر بنكساري زَاده كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى نخبة أَوْلَاد الْمولى مصلح الدّين النكساري السَّابِق ذكره فِي هَذَا الْكتاب فَلَا نعيد فِي ذَلِك الْخطاب والمرحوم مذ تخلص من ربقة صباه

стр. 433

ضم صبحه الى مساه وجد فِي الطّلب وَاحْتمل انحاء النصب واستفرغ مجهوده فِي تَحْصِيل الْفَضَائِل وتكميل الخصائل وَدخل مجْلِس القرم الْهمام السميدع القمقام الْمُفْتِي ابي السُّعُود وتميز فِي خدمته حَتَّى زوجه بابنته وشرفه بخلع التَّعْلِيم والافادة الى ان صَار ملازما مِنْهُ بطرِيق الاعادة درس اولا بمدرسة مُرَاد باشا بقسطنطينية بِثَلَاثِينَ وَهُوَ اول مدرس من ابناء الْقُضَاة بالوظيفة المزبورة اولا ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ القلندرية بالبلدة المسفورة بِأَرْبَعِينَ ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خمسين ثمَّ نقل الى مدرسة السيدة المعظمة اسْما خَان بنت السُّلْطَان سليم خَان المبنية فِي جوَار ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان وَتُوفِّي ﵀ مطعونا وَهُوَ مدرس بهَا فِي اواسط جُمَادَى الاخرة سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَمَا بلغ عمره اربعين سنة وَلَعَلَّ ذَلِك مِمَّا فِيهِ من الْعجب الزَّائِد وازدراء النَّاس والوقوع فِي اعراضهم كثيرا وَقد وَقع لي وَاقعَة غَرِيبَة بعد مَوته ارجو الْخَيْر فِيهَا واستبشر بذكرها وَهِي انه لما رَأَيْته فِي الْمَنَام سَأَلته عَمَّا بدا لَهُ بعد مَوته فَأخْبر عَن نَفسه وَقَالَ لما انْتَقَلت من هَذِه الدَّار ادخلت مجْلِس النَّبِي ﷺ وَهُوَ غاص بالأكابر وقدا جتمع حوله من ختم لَهُم بالايمان فغلبني هَيْبَة ذَلِك الْمجْلس وأخذني دهشة وحيرة فاذا بقائل يَقُول كَيفَ كَانَ اعتقادك فِي الدُّنْيَا وعَلى أَي شَيْء ختمت فَمَا قدرت على الْجَواب مِمَّا عرض لي من الْحيرَة فاستملت من الاطراق فوصل يَدي الى صُورَة فَتْوَى كتبهَا ابي تَتَضَمَّن اعْتِقَاد اهل السّنة من التَّوْحِيد وَغَيره فأخذتها وناولتها السَّائِل وَقلت اني ختمت على مَا فِي طي هَذَا الْكتاب وانه هُوَ الَّذِي وَقع عَلَيْهِ اعتقادي وَكَانَ بِهِ اعتمادي فَاكْتفى عني بِهَذَا الْقدر وليعلم انه وان كَانَ يحصل للداخل فِي هَذَا الْجمع الْعَظِيم كَمَال الْحيرَة والدهشة الا ان فِيهِ من التوسيع وَالْعَفو مَا يزِيد على المأمول ويربو على المسؤول فانه جَاءَ بعدِي كثير من ارباب الملاهي وضعفاء النَّاس وَغفر لجميعهم وعفي عَنْهُم خُصُوصا الْخُلَفَاء الاربعة فان بشفاعتهم يُعْفَى عَن خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَلَا يحْتَملُونَ عدَّة اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مظَاهر الطافك الْكَامِلَة ورأفتك الوافرة الشاملة كَانَ ﵀ من الَّذين برزوا

стр. 434

فِي ميدان الْفضل وَالْبَيَان واحرزوا التَّحْصِيل عِنْد سَابق الفرسان تضلع من الْعلم وَبلغ الى نصابه وَلم ينض عَنهُ ثوب شبابه ولج فِي بيُوت المعارف من كل بَاب والتحق بالشيوخ وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب وَكَانَ من جملَة من تدرع الصيانة وبرز فِي العفاف والديانة وَقد الْحق نَفسه بزمرة الصُّوفِيَّة واسترشد بِبَعْض الْمَشَايِخ الخلوتية وَكَانَ فِي قَول الْحق من السيوف الصوارم لَا يخَاف فِي الله لومة لائم لَا يثني عنان عزيمته الْمجَالِس وَلَا يصرف زِمَام صريمته طغية المنافس شَدِيد الْعَزْم والباس يخافه النَّاس قَلما تَلد مثله النِّسَاء عَلَيْهِ رَحْمَة الله تَعَالَى مَا تعاقب الصُّبْح والمساء وَمن المخاديم الاعيان وخلص ابناء الْعَصْر والأوان عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد ابْن ابي السُّعُود نَشأ ﵀ فِي رَوْضَة الْمجد والافضال ودوحة الْعِزّ والاقبال الى ان مني وَالِده بشدائد الْفَوْت والانتقال فتكفل امْرَهْ جده الْمولى ابو السُّعُود وأسبل عَلَيْهِ اذيال ملابس الْفضل والجود وتربى فِي كنف حمايته عدَّة سِنِين الى ان صَار ملازما مِنْهُ وقلد أَولا بمدرسة مَحْمُود باشا بِخَمْسِينَ وَكَانَ ذَلِك لَهُ تَعْظِيمًا لجده على خلاف الْعَادة فتصدى مُدَّة للدرس والافادة ثمَّ نقل الى مدرسة ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْبَارِي ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ الى احدى مدارس السُّلْطَان سُلَيْمَان وَقد اسرع فِي النَّقْل والحركات حَتَّى مضى بَين نَصبه هَذَا وقراءته المختصرات قدر ثَمَان اَوْ تسع سنوات وَتُوفِّي ﵀ مدرسا بِهَذِهِ الْمدرسَة وَمَا بلغ عمره ثَلَاثِينَ سنة وَذَلِكَ سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ ﵀ مخدوما مؤدبا ذَا وجاهة فِيهِ من الْكَرم والحزم والنباهة مَشْهُورا بِحسن الْخط وَالْكِتَابَة من بَين من حل بِهَذِهِ المثابة مستحسنا فِي الزي واللباس متلطفا مُعَاملَة النَّاس وَقد داوم على الِاشْتِغَال والدرس حَتَّى افضت بِهِ الْمنية الى الرمس وَمِمَّنْ قرع لعوالي صيته مسامع الاكوان وافتخر بدرة وجوده صدف الْعَصْر والاوان والقى اليه الشّرف الْوَاضِح مقاليده وَملك من الْعِزّ الشامخ طريفه وتليده وَاسْتولى على عمائر البراعة ببيض الطروس وَسمر اليراعة وبرز فِي هَذِه لأقطار وساد وَبنى بَيت التَّقَدُّم على ارْفَعْ الاعماد الْمولى الْمُعظم والمفتي المفخم

стр. 435

ابو السُّعُود بن مُحَمَّد ابْن مصطفى الْعِمَاد كَانَ ابوه من جملَة من خلص نَفسه السّريَّة عَن الكدرات البشرية وَجمع بَين الشَّرِيعَة والطريقة مَعَ التضلع من الْعُلُوم الرسمية بِالْحَقِيقَةِ وَقد وَقع نبذة من بخار سَمَاء مآثره وقطرة من مواطر سحائب مفاخره فِي الشقائق النعمانية وَسَيَأْتِي فِي هَذِه العجالة الْيَسِيرَة بعض مناقبه الجمة الْكَثِيرَة ولد ﵀ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة بقرية قريبَة من قسطنطينية المحمية من خَواص اوقاف الزاوية الَّتِي بناها السُّلْطَان بايزيدخان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان للشَّيْخ محيي الدّين المسفور وَالِد الْمولى الْمَزْبُور وَقد مهد لَهُ فِي مهده الصَّوَاب وسخر لَهُ ابيات الْخطاب وتربى فِي حجر الْعلم حَتَّى رباه وارتضع ثدي الْفضل الى ان ترعرع وحبا وَلَا زَالَ يخْدم الْعُلُوم الشَّرِيفَة حَتَّى رحب بَاعه واستد ساعده وَاشْتَدَّ اتساعه وَقد اسْتَفَادَ من الاجلة الْكِرَام والاعزة الفخام على مَا ذكره نَفسه فِي صُورَة الاجازة للشَّيْخ عبد الرحمن المشتهر بشيخ زادة فَلَا نطيل الْكَلَام بالتكرار والاعادة وَقد نقل عَنهُ ﵀ انه قَالَ مرّة قَرَأت على وَالِدي الشَّيْخ محيي الدّين حَاشِيَة التَّجْرِيد للشريف الْجِرْجَانِيّ من اول الْكتاب الى آخِره مَعَ جَمِيع الْحَوَاشِي المنقولة عَنهُ وَقد قرات عَلَيْهِ شرح الْمِفْتَاح للعلامة المسفور مرَّتَيْنِ وَشرح المواقف لَهُ ايضا بالتمام والكمال وَلما صَار ملازما من الْمولى سَيِّدي جلبي قلد التدريس فِي مدرسة كنقري بِخَمْسَة وَعشْرين فتردد فِي الْقبُول فَنقل فِي اثنائه الى مدرسة اسحق باشا ببلدة اينه كول بِثَلَاثِينَ وَلما انْفَصل عَنْهَا قلد بعد عدَّة اشهر مدرسة دَاوُد باشا بِمَدِينَة قسطنطينية بِأَرْبَعِينَ ثمَّ نقل عَنْهَا الى مدرسة عَليّ باشا بِالْمَدِينَةِ المزبورة بِخَمْسِينَ وَلما بنى الْوَزير مصطفى باشا مدرسته الَّتِي بقصبة ككيويزه نقل اليها ثمَّ نقل الى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد بِمَدِينَة بروسه ثمَّ نقل الى احدى الْمدَارِس الثمان وَقد انشد ﵀ لنَفسِهِ عِنْد قفوله عَنْهَا هَذِه الابيات ... دنا النأي عَن نجد فَأَصْبَحت قَائِلا ... وداعا لمن قد حل هذي المنازلا فيا حبذا تيك المعالم والربا ... بهَا كل من تهوى وَمَا كنت آملا نسيم الصِّبَا عرج عَلَيْهَا ونادها ... سقاك الغوادي وابلا ثمَّ وابلا ...

стр. 436

.. وَسلم على قطانها باستكانة ... وَبلغ دعائي هَؤُلَاءِ الاماثلا ونبئهم انبا اشتياقي وَقل لَهُم ... فُؤَادِي بمغناهم وان كنت راحلا وَيَا شاهقا خلف الْحمى ثمَّ دونه ... عَلَيْك سَلام بكرَة واصائلا لبست الثِّيَاب الْبيض بعدِي فانني ... على مأتم مذ سقت عَنْك الرواحلا وَلم ار امرا سرني مُنْذُ ... صروف النَّوَى بيني وَبَيْنك حَائِلا نأت عَنْك دَاري لَا قلى وسآمة ... بلَى فعل التَّقْدِير مَا كَانَ فَاعِلا وَلنْ تَبْرَح الاشواق تزداد فِي الحشى ... الى ان ارى امرا من الدَّهْر هائلا بلَى ان احكام الطبيعة كلهَا ... خيال سيغدو عِنْد ذَلِك بَاطِلا ... وَقد شرحت هَذِه الابيات فِي نصف يَوْم من الاوقات لَو كتبه كَاتب فِي الْيَوْم الْوَاحِد لعده من اكبر المحامد ثمَّ قلد ﵀ قَضَاء بروسه ثمَّ نقل الى قَضَاء قسطنطينية المحروسة ثمَّ نقل الى قَضَاء الْعَسْكَر فِي ولَايَة روم ايلي ودام عَلَيْهِ مُدَّة ثَمَانِي سِنِين وَقد رَبِّي بزلال احسانه دوحة الْعُلُوم والفضائل وقلد جيد الزَّمَان بخرائد افضاله وَهُوَ عاطل فَعَادَت رَوْضَة المعارف الى بهائها ودوحة الاداب الى مَائِهَا ونمائها وَلما انْتقل الْمولى المرحوم عُمْدَة افاضل الرّوم حَسَنَة الْعَصْر والاوان الْمولى سعد بن عِيسَى بن امير خَان اضْطربَ امْر الْفَتْوَى وانتقل من يَد الى يَد وَلم يثبت سقف بَيته على عمد الى ان سلم زمامه اليه والقيت مقاليده لَدَيْهِ فنظم مَصَالِحه نظم اللال واشتغل بتشييد مبانيه احسن الِاشْتِغَال وسيقت اليه الركائب من كل قطر وجانب وازدحم على بَابه الوفودمن أَصْحَاب الْمجد والجدود وشملت شمائله الْعَامَّة الْخَاصَّة والعامة وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة ودام على هَذِه الفعلة الْحَسَنَة نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة وَكتب الْجَواب مرَارًا فِي يَوْم وَاحِد على الف رقْعَة مَعَ حسن المقاطع والمقاصد وَقد سَارَتْ اجوبته فِي جَمِيع الْعُلُوم فِي الافاق مسير النُّجُوم وَجعلت رشحات اقلامه تَمِيمَة نحر لكَونهَا يتيمة بَحر فيا لَهُ من بَحر وَكَانَ يكْتب الْجَواب على منوال مَا يَكْتُبهُ السَّائِل من الْخطاب وَاقعا على لِسَان الْعَرَب والعجم وَالروم من المنثور والمنظوم وَقد اثْبتْ مِنْهَا مَا يستعذبه النَّاظر ويستحسنه ارباب البصائر

стр. 437

صُورَة السُّؤَال مَا قَول مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا وقدوتنا وموضح مشكلاتنا وفاتق رتق معضلاتنا كعبة الْمجد والكمال قامع الزيغ والضلال نقاب الْعلمَاء الاعلام وَشَيخ مَشَايِخ الاسلام لَا زَالَت دعائم الشَّرْع شارعة بيمن وجوده واسعادالدين كاثرا بكتائب سعوده فِي قوم اتَّخذُوا قَول لَا اله الا الله مَوْضُوعا لتحريف النغمات ورعاية لصناعة الاصوات فطورا يزِيدُونَ وطورا ينقصُونَ على حسب مَا يلائم الصناعات الباطلات والاراء الفاسدات لَا يرجون فِي ذَلِك لله تَعَالَى وقارا بل اتَّخذُوا ذَلِك لبدعتهم شعارا صُورَة الْجَواب مَا ذكر امْر مخترع مَكْرُوه ومكر مُبْتَدع بئْسَمَا مَكْرُوه فتردوا فِي مهاوي الردى ومصارعه والتحقوا بالذين يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فيجعلون تِلَاوَة المثاني كترنمات الاغاني فوالذي انزلها بِالْحَقِّ الْمُبين وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة الى يَوْم الدّين لَئِن لم ينْتَهوا عَمَّا هم فِيهِ من الْمَكْر الكريه وَلم يرجِعوا كلمة التَّوْحِيد الى نهجها السديد ليمسنهم عَذَاب شَدِيد وانما الَّذِي ندب اليه وحرض الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ تَزْيِين الاصوات بِالْقُرْآنِ الْجَلِيل من غير تَغْيِير فِيهِ وَلَا تَبْدِيل وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل وَهِي حسبي وَنعم الْوَكِيل صُورَة السُّؤَال خوجه دين وداور دنيا مفتىء عصر وقدوه علما خواجه دين وداور اسلام جه توبسد جَوَاب ايْنَ فَتْوَى زيد درحالت كَمَال بُلُوغ كويدازروى اهتمام تَمام تابد سَأَلَ هرزني خواهم بِطَلَاق ثَلَاث باد حرَام فسخ بَاء انحلال ايْنَ سوكندهيج مُمكن بود يَقُول امام هركه كويد جَوَاب اجرش رابدهد ذُو الْجلَال والاكرام صُورَة الْجَواب كرخصوص عبارَة حَالف آنجنين شدّ بِوَقْت سوق كَلَام بِطَلَب من شوديمين منحل بعد عقد ميرسد بِتمَام نى تردد بِمذهب ذكران نى توقف بِغَيْر رأى

стр. 438

امام حجت حق وببشواى خلق مقتد أَي مَشَايِخ اسلام كفت ابْن رأ ابو السُّعُود حقير كمترين عباد رب انام وَلم يزل يفتح اقفال المشكلات ويسهل طرق المعضلات ويبث كنوز الرموز ويلقى مكامن بحار اللطائف على سواحل الظُّهُور والبروز وَيجب عَن الاسئلة السداد بأجوبة حسان الى ان دعِي من جنان ربه الى رياض الْجنان وَكَانَ ذَلِك فِي اوائل جُمَادَى الاولى من شهور سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد حضر جنَازَته الْعلمَاء والوزراء وَسَائِر ارباب الدِّيوَان وَخلق لَا يُحصونَ كَثْرَة وشهدوا لَهُ بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَصلى عَلَيْهِ الْمولى سِنَان محشي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وذهبوا بِهِ الى جوَار ابي ايوب الانصاري وهم يبالغون فِي ثنائه ودفنوه فِي حَظِيرَة اعدها لنَفسِهِ وابنائه ... سُبْحَانَ من لم يزل عليا ... لَيْسَ لَهُ فِي الْعُلُوّ ثَانِي قضى على خلقه المنايا ... فَكل حَيّ سواهُ فَانِي ... وَلما تقلص ظله وَكَانَ ظليلا لم يتْرك بعده مثيلا وعديدا وَترك الافتاء وَقد اضْطربَ بحره وعري من غرر الفرائد نَحره وتعطلت اسواقه النافقة وسكنت راياته الخافقة وَلم يجد من يَأْخُذهُ بِحقِّهِ ويتحمل بشقه وَنِعما قيل حريا بِالْقبُولِ لَا يعلم قدر الْبَدْر الا بعد الافول كَانَ ﵀ من الَّذين قعدوامن الْفَضَائِل والمعارف على سنامها وغاربها وَضربت لَهُ نوبَة الامتياز فِي مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا تفرد فِي ميدان فَضله فَلم يجاره اُحْدُ وَضَاقَتْ عَن احاطته صُدُور الْحصْر وَالْحَد مَا صارع احدا الا صرعه وَمَا صمم شيأ الا قطعه انْقَطع عَن القرين وَلم يبْق من يُعَارضهُ ويكايده وَقد وصل تلاميذه الى المناصب السمية والمراتب السّنيَّة فَكَانَ لايضيع مِنْهُ كَلَام وَلَا يفوت لَهُ مرام وَلَو تكلم فِي نقل الْجبَال الراسيات والاطواد الشامخات لأبر كَلَامه وَلَو قصد الى رَاحِلَة الدَّهْر لالقت لَدَيْهِ زمامه وَحصل لَهُ من الْمجد والاقبال والشرف والافضال مَالا يُمكن شَرحه بالمقال وَقد عاقه الدَّرْس وَالْفَتْوَى والاشتغال بِمَا هُوَ اهم واقوى عَن التفرغ للتصنيف سوى انه

стр. 439

اختلس فرصا وصرفها الى التَّفْسِير الشريف وَقد اتى فِيهِ بِمَا لم تسمح بِهِ الاذهان وَلم تقرع بِهِ الاذان فَصدق الْمثل السائر كم ترك الاول للاخر وَسَماهُ بارشاد الْعقل السَّلِيم الى مزايا الْكتاب الْكَرِيم وَلما وصل مِنْهُ الى آخر سُورَة ص ورد التقاضي من طرف السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان وَظهر كَمَال الرَّغْبَة والانتظار فَلم يُمكن التَّوَقُّف والفرار فبيض الْمَوْجُود وارسله الى الْبَاب العالي جَامع اشتات المحاسن والمعالي لصهره الْمولى مُحَمَّد المشتهر بِابْن الْمَعْلُول فقابله السُّلْطَان بِحسن الْقبُول وانعم عَلَيْهِ بِمَا انْعمْ وَزَاد فِي وظيفته كل يَوْم خَمْسمِائَة دِرْهَم وَقَالَ فِي تَارِيخه مُحَمَّد المشتهر بالمنشي ... ان سُلْطَان سَرِير اللسن ... حفه الله بِسَعْد راكز ابرز الْيَوْم لنا تَفْسِيره ... باسه كل اريب رائز بَحر علم زاخر امواجه ... قد علت كل لَبِيب فائز كَيفَ يطرى وجلاياه لقد ... سحرت كل اديب راجز اذ وعى ذَاك امام الامة ... قد حباه بحباء ناجز هام للْملك عمادا يعتني ... شاطبا كل غوى ناخز المنشيء قل تَارِيخه ... باح تَفْسِير كَلَام معجز ... وَبعد ذَلِك تيَسّر لَهُ الختام ورتبة بالكمال والتمام وَقد ارسله الى السُّلْطَان ثَانِيًا بعد اتمامه فقابله السُّلْطَان بمزيد لطفه وانعامه وَزَاد فِي وظيفته مائَة اخرى سوى مَا قدر لَهُ وأجرى وَلما ارْتبط بِهِ الْمولى حسن بك وَهُوَ من خدام الْوَزير الاعظم رستم باشا قَرَأَ عَلَيْهِ دروسا من الْكَشَّاف من اول سُورَة الْفَتْح فَكتب ﵀ حَوَاشِي على الْكتاب الْمَزْبُور مَعَ قلَّة الاسفار وَكَثْرَة الاسفار حَيْثُ كَانَ المرحوم يَوْمئِذٍ قَاضِيا بالعسكر فَخرج مَعَ السُّلْطَان فِيمَن حضر السّفر فتقبلوا فِي الْبِلَاد ونازلا قلعة بلغراد وَلما وَقع الْخلاف بَينه وَبَين الْمولى مُحَمَّد المشتهر بجوي زَاده فِي جَوَاز وقف النُّقُود الَّذِي شاع فِي هَذِه الديار وَجرى عَلَيْهِ التَّعَامُل فِي تِلْكَ الأقطار كتب ﵀ رِسَالَة يُحَقّق فِيهَا جَوَازه وَأكْثر من

стр. 440

الدَّلَائِل والنقول الدَّالَّة مُطلقًا على جَوَاز وقف الْمَنْقُول اذ جرى عَلَيْهِ التَّعَامُل سِيمَا من الفحول وَله ﵀ حَاشِيَة على الْعِنَايَة من اول كتاب البيع من الْهِدَايَة تسعها عدَّة من الكراريس والاوراق وَقد منع الزِّيَادَة كَثْرَة الْقُيُود وتواتر الْفَتْوَى من الافاق وَكَانَ ﵀ طَوِيل الْقد خَفِيف العارضين غير متكلف فِي الطَّعَام واللباس غير ان فِيهِ نوع مداهنة واكتراث بمداراة النَّاس وَفِيه الْميل الزَّائِد والنعومة الى أَرْبَاب الرياسة والحكومة وَكَانَ ﵀ ذَا مهابة عَظِيمَة وتؤدة جسيمة قَلما يَقع فِي مجالسه للعظام الْمُبَادرَة بِالْخِطَابِ وَالْكَلَام وَكَانَ وَاسع التَّقْرِير سَائِغ التَّحْرِير يلتقط الدّرّ من كَلمه ويتناثر الْجَوْهَر من حكمه اذا نثر ترَاهُ بحرا زاخرا واذا نظم قلد جيدالبيان درا فاخرا وَكتب ﵀ صورا تتَعَلَّق باوقاف الْمُلُوك والوزراء وَقد اربى فِيهِ على من تقدم واتى بِمَا يدل على غَايَة رسوخ الْقدَم (وَمن زواهر) دُرَر عبابه مَا كتبه فِي رِسَالَة ارسلها الى أحبابه قَالَ ﵀ وَأما حَال البعاد من آلام النأي والبعاد وَمَا دهمه من تباريح الشوق والغرام واعتراه من لواعج الوجد والاوام مذ غَابَ طلعتكم عَن الْعين ونعب بَيْننَا غراب الْبَين وزمت الركاب للرحال وانبت من بَيْننَا حَبل الِاتِّصَال فَلَا يُحِيط بهَا نطاق النحرير وَلَا يعلمهَا الا الْعَلِيم الْخَبِير وَله فِيهَا ... يَا بَائِنا وَمحله بفؤادي ... كَيفَ البعاد وأينما تفتاز زمت ركابك للرحيل بدولة ... الله جَارك حَيْثُمَا تجتاز وجدي واشواقي اليك حَقِيقَة ... والشوق مِنْهُ حَقِيقَة ومجاز ... وَله من المنظوم مَا يستميل الاذواق السليمة بلذائذ حثاه الْكَرِيمَة وَمِنْهَا قصيدته الميمية الَّتِي شهدالاساطين برصانة بنيانها واعتنى الافاضل بشرحها وبيانها وَقد عَارض فِي ميمية الْفَاضِل السّري امام هَذَا الشَّأْن ابي الْعَلَاء المعري وقدا تيت مِنْهَا بعض ابياته ليَكُون من آيَاته ... ابعد سليمى مطلب ومرام ... وَغير هَواهَا لوعة وغرام ...

стр. 441

.. وَفَوق حماها ملْجأ ومثابة ... وَدون ذراها موقف ومقام وهيهات ان يثنى الى غير بَابهَا ... عنان المطايا اَوْ يشد حزَام هِيَ الْغَايَة القصوى فان فَاتَ نيلها ... فَكل مني الدُّنْيَا عَليّ حرَام سلا النَّفس عَنْهَا واطمأنت بنأيها ... سلو رَضِيع قد عراه فطام وصب سقَاهُ الدَّهْر سلوان رشده ... فامسى وَمَا للقلب مِنْهُ هيام صَحا عَن سلاف الغي بعد انهماكه ... عَلَيْهِ فَبَان الكأس عَنهُ وجام محوت نقوش الجاه عَن لوح خاطري ... فأضحى كَأَن لم يجر فِيهِ ملام ئسيت اساطير الفخار كَأَنَّهَا ... حَدِيث لَيَال قد محاه نيام انست بلأواء الزَّمَان وذله ... فياعزة الدُّنْيَا عَلَيْك سَلام الى كم اعاني تيهها ودلالها ... الم يَأن عَنْهَا سلوة وسآم على حِين شيب قد ألم بمفرق ... وَعَاد دهام الشّعْر وَهُوَ ثغام طلائع ضعف قد اغارت على القوى ... وثار بميدان المزاج قتام فَلَا هِيَ فِي برج الْجمال مُقِيمَة ... وَلَا انا فِي عهد المحول مدام وعادت قلُوص الْعَزْم عَنْهَا كليلة ... وَقد جب مِنْهَا غارب وسنام ... وَله ... فكم عشرَة مَا اورثت غير عسرة ... وَرب كَلَام فِي الْقُلُوب كَلَام لقد تمّ ازمان المسرات وَانْقَضَت ... لكل زمَان غَايَة وَتَمام فسرعان مَا مرت وَوَلَّتْ وليتها ... تدوم وَلَكِن مَا لَهُنَّ دوَام دهور تقضت بالمسرة سَاعَة ... وآن تولى بالمساءة عَام فَللَّه در الْغم حَيْثُ امدني ... بطول حَيَاة والغموم سمام ارى عمر نوح كل عَام يمر بِي ... وَمَا حام حام حول ذَاك وسام فَمَا عِشْت لَا انسى حُقُوق صَنِيعَة ... وهيهات ان ينسى لدي ذمام كَمَا اعْتَادَ ابناء الزَّمَان واجمعت ... عَلَيْهِ فِئَام اثر فِئَام تبدلت الاطوار وانحل عقدهَا ... وبدد من جيد الزَّمَان نظام خبت نَار اعلام المعارف وَالْهدى ... وشب لنيران الضلال ضرام ...

стр. 442

.. وَكَانَ سَرِير الْعلم صرحا ممردا ... يناغي القباب السَّبع وَهِي عِظَام متينا رفيعا لَا يطار غرابه ... غزيزا منيعا لَا يكَاد يرام لَهُ شرف قد جلّ عَن ان يَنَالهُ ... غوائل ايدي الحادثات قُدَّام فجرت عَلَيْهِ الرامسات ذيولها ... فخرت عروش مِنْهُ ثمَّ دعام محا الذاريات الهوج آيَات حسنه ... فَلم يبْق مِنْهَا آيَة ووسام وسيق الى دَار المهانة اهله ... مساق اسير لَا يزَال يضام فَمَا كل قيل قيل علم وَحِكْمَة ... وَمَا كل افراد الْحَدِيد حسام فللدهر تارات تمر على الورى ... نعيم وبؤس صِحَة وسقام تشكل فِيهَا كل شَيْء بشكل مَا ... يعانده وَالنَّاس عَنهُ نيام فعز بهون والهوان بعزة ... تنبه فهاتيك الْحَيَاة مَنَام وجانب عَن اللَّذَّات واهجر زلالها ... وايقن بِأَن الرّيّ مِنْهُ اوام يرى النَّقْص فِي زِيّ الْكَمَال كَأَنَّهَا ... على رَأس ربات الحجال عمام فدعها وَمَا فِيهَا هَنِيئًا لاهلها ... وَلَا يَك فِيهَا رَغْبَة وسوام هَب ان مقاليد الامور ملكتها ... ودانت لَك الدُّنْيَا وانت همام جبيت خراج الْخَافِقين بسطوة ... وفزت بِمَا لم تستطعه انام ومتعت باللذات دهرا بغبطة ... الْيَسْ بحتم بعد ذَاك حمام فَبين البرايا وَالْخُلُود تبَاين ... وَبَين المنايا والنفوس لزام سل الارض عَن حَال الْمُلُوك الَّتِي خلت ... لَهُم فَوق فرق الفرقدين مقَام لديهم الوف من خَمِيس عَرَمْرَم ... لَهُم شَوْكَة تسبي النهى وعرام فَهَل هم على مَا هم عَلَيْهِ وحولهم ... من الْعِزّ جند محضرون لهام وَمَا بَال ذِي الاوتاد مَا خطب قومه ... وَمَا صنعت عَاد وَأَيْنَ ارام وَمَا شَأْن شَدَّاد وَهل هُوَ خَالِد ... بجنته والعيش مِنْهُ مدام الم بهم ريب الْمنون فغالهم ... فهم تَحت اطباق الرغام رغام وامسوا احاديثا واصبح ملكهم ... هباء وباد التَّاج ثمَّ وهام فسبحان رب الْعَرْش لَيْسَ لملكه ... تناه وحد مبدأ وختام ...

стр. 443

وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة تنيف على تسعين بَيْتا وَله مُشِيرا الى تعلق النَّفس الانساني بِالْعلمِ الجسماني ... طَال الثواء بدارة الهجران ... مثوى الكروب قرارة الاشجان معمورة اللأواء معترك الردى ... مأوى الخطوب غيابة الاحزان يَا حيرة لغريب القاه النَّوَى ... فِي مهمه ناء عَن الْعمرَان شط المزار عَن الأخلة وانقضى ... زمن اتِّصَال الاهل والاوطان قد كَانَ من مَلأ علت اقدارهم ... ومكانهم قد فاق كل مَكَان مَا ان يحد جهاتهم بمحدد ... كلا وَلَا اوقاتهم بِزَمَان تبدو ضمائرهم بِغَيْر مترجم ... يجْرِي تحاورهم بِغَيْر لِسَان بَينا يسير على بلهنية من ال ... عَيْش الرغيد بروضة الرضْوَان يختال فِي حلل الْكَرَامَة زاهيا ... مستنزها فِي ساحة السيجان اذ ناله مَا لم يمر بِبَالِهِ ... وبد اله مَا لَيْسَ فِي الحسبان فَجرى عَلَيْهِ يراعة التَّقْدِير بَال ... أَمر الْمُقدر ايما جَرَيَان فهوى بمهواة العناصر بَغْتَة ... فَكَأَنَّمَا يرْمى بِهِ الرجوان نأت الديار عَن الاهالي والذرا ... وتجاورت باسافل وأداني طورا يفارقهم وَلَيْسَ مفارقا ... حينا يدانيهم وَلَيْسَ بداني يَوْمًا يعاديهم بِمُوجب طبعه ... وقتا يؤانسهم بِحكم قرَان فاعتادهم بعد اللتيا وَالَّتِي ... وسرى اليه خَلِيقَة الْجِيرَان قد خولطت انواره بغايهب ... واسود شعلة ناره بِدُخَان تبدو شوارقها لَدَيْهِ تلألؤا ... ايماض برق فاتر اللمعان يَا حائرا فِي امْرَهْ مَالِي مَتى ... تجثو بدار مذلة وهوان حتام ترتع فِي مراتع غَفلَة ... والام تسلك مَسْلَك الخسران فَكَأَن قَلْبك فِي جناحي طَائِر ... بَادِي التقلب دَائِم الخفقان مَا زلت تبغي مطلبا عَن مطلب ... وَتحل فِي مغنى عقيب مغاني اَوْ مَا كفى مَا قد بلغت من المنى ... قدكان مَا فِي كَانَ

стр. 444

القى الزَّمَان اليك حَبل قياده ... مَعَ مَا بِهِ من شدَّة وحران ورقيت فِي صهوات عز شامخ ... وَالنَّاس بَين معزز ومهان وَبَلغت من زلفاه اقصى مبلغ ... هَل بعد ذَلِك من منى وأماني لَو انت تملك كل مَا قد رمته ... فَاعْلَم بَان جَمِيع ذَلِك فَانِي قوض خيامك وارتحل من سوحهم ... ودع التواني لات حِين تواني سر فِي فضاء الْعَالم الْعلوِي كم ... هَذَا الجثوم بعالم الجثمان انسيت اياما مضين بِأَهْلِهَا ... ونقضت عهد اولئك الاعيان والدهر قد جربت من اطواره ... مَا لايحيط بِهِ نطاق بَيَان حَرْب غَدا وَعدا على ابنائه ... قد سل سيف الْبَغي والعدوان مَاض عَلَيْهِم حكمه واذا جنى ... ذهبت جِنَايَته بِغَيْر ضَمَان من ذَا الَّذِي لم تلقه ايدي الردى ... من ذَا الَّذِي ينجو من الْحدثَان قد آن من شمس الْحَيَاة طُلُوعهَا ... من حَضْرَة الاشباح والابدان فتنح من دَار الْغرُور وفر من ... سامي الرواق وشامخ الاركان صلى الاله على مشرفه مدى ال ... ايام والاحقاب والازمان ... وَله رَحمَه الله تَعَالَى ... مقَالَة غر اعز قَائِلهَا ... مَذْكُورَة فِي النهى دلائلها قويمة لَا ترى بهَا عوجا ... لَا قدس الله من يجادلها آياتها سطرت على صحف ال ... عَالم ممتازة فواصلها كانما ذَاك عندمعتبر ... رِسَالَة صدرت مسائلها لَيْسَ بِهِ ذرة وان صغرت ... الا وَفِي ضمنهَا مخايلها كانها علم على حدب ... اوقد فِي رَأسهَا مشاعلها تخبر عَن كل نُكْتَة سُئِلت ... بِغَيْر خلف فاين سائلها ان رمت تَحْقِيق مَا سَمِعت فسر ... فِي الارض بارزة مراحلها طف بالبلاد الَّتِي تبوأها ... صدر الْمُلُوك وقف تسائلها ايْنَ الَّذِي اختطها ومصرها ... واين معمورها وعاطلها ...

стр. 445

.. من شقّ انهارها وعمرها ... وَمن لَهُ حفرت جداولها قل للمصانع ايْنَ صانعها ... وللافاعيل ايْنَ فاعلها وسل قصورا عفت مراسمها ... وظلت ايدي البلى تزاولها وقدتصدى لنسخ آيتها ... حكم الزبُور وَمَا يقابلها تجبك فِيمَا سَأَلت معربة ... عَن الشؤون الَّتِي تحاولها تروي احاديث أمة سلفت ... رِوَايَة لَا يرد قَائِلهَا عبارَة عبقرية عريت ... عَن الْحُرُوف وَمَا يشاكلها على طراز يكَاد تفهمه ال ... امة مجنونها وعاقلها قائلة وَهِي فِي مقالتها ... محقة لَا يظنّ باطلها كم من مُلُوك علت ارائكها ... بعزة لَا يذل نائلها ودولة لَا ترام شامخة ... وحشمة لَا يضام واصلها دَانَتْ لَهُم كل امة وغدت ... ترهب من بأسها قبائلها يخَاف بطشتها مرازبها ... يهاب سطوتها اماثلها لم يبْق فِي الْملك من يعارضها ... وَلَا على الارض من يعادلها تشرفت باسمهم منابرها ... وازينت مِنْهُم محافلها امْتَلَأَ الارض من كتائبهم ... فَلم يسع بحرها وساحلها الى خزائنهم وسدتهم ... تجبى عوائدها وحاصلها فَبَيْنَمَا هم على بلهينة ... ونعمة لَا يخيب آملها اصابهم مَا أَصَابَهُم فَغَدوْا ... فِي هوة لَا يريم نازلها نابتهم النائبات فانقلبوا ... الى ديار خلت منازلها مفازة لَا يفوز سالكها ... طَريقَة لَا يؤوب سابلها لم ادر هَل صدهم صوارفها ... عَن ذَاك ام غالهم غوائلها بلَى اناخت بهم نوائبها ... ثمَّ احلت بهم كلاكلها فَمَا لَهُم نَاصِر يخلصهم ... وَلَا لَهُم عَسْكَر يقابلها لَا تحسب الارض بعد بَاقِيَة ... يَد العجاريف لَا تداخلها ...

стр. 446

.. وَلَا قباب السَّمَاء سامية ... متينة كَامِلا هياكلها سَوف تكون النُّجُوم كاسفة ... حيران طالعها وآفلها فيا لَهَا من ملمة نزلت ... ان الدنا جمة نوازلها والدهر صَعب الخطوب منكرها ... ومشكل النائبات هائلها ان كل مَا فِي الْوُجُود من نعم ... الا تزولك اَوْ تزايلها فَلَا يَغُرنكُمْ زخارفها ... فَلَا يصدنكم شواغلها سلطنة الدَّهْر هَكَذَا دوَل ... تعز سُلْطَان من يداولها وَهَذِه قصيدة تنيف على سِتِّينَ بَيْتا (وَقَالَ ﵀ لمن الديار تضعضعت اركانها ... وانقض فَوق عروشها جدرانها اضحت مثابة كل يَوْم صادح ... وَتَفَرَّقَتْ ايدي سبا سكانها وَلَقَد علاها وَحْشَة وَكَأَنَّهَا ... صحف الْكتاب قد انمحى عنوانها اَوْ بقْعَة الدُّنْيَا تناهى امرها ... قَامَت قيامتها وآن اوانها اذ لَيست الدُّنْيَا تدوم بِحَالَة ... سيان عِنْدِي عزها وهوانها اَوْ غادة خلقت ثِيَاب جمَالهَا ... وتمزقت بيدالردى اردانها ... ومحا محاسنها الصروف كانها ... مثل الْقُلُوب تراكمت احزانها لحقت بحزب الغابرين لداتها ... وغدت الى دَار البلى اقرانها وتنكرت فِي ذَاتهَا وصفاتها ارأيت مَا صنعت بهَا ازمانها اَوْ محفل بِجَمَاعَة السمار قد ... نفرت فصد الزافيات ارانها اَوْ بَيت شعر ظلّ مَنْسُوخا كَمَا ... نسخت ظلال فَاسْتَنَارَ مَكَانهَا اذ قَامَ فِي ناديالبراعة منشد ... ركن البلاغة قسها سحبانها ينشي بَدَائِع يَسْتَحِيل منالها ... يروي قصائد عبقريا شانها غرر تعاطى نظمها نقادها ... حكم تولى درسها لقمانها يُبْدِي لالي صانهن نحورها ... يَحْكِي جَوَاهِر زانها اوزانها الفاظها اصداف اشْتَمَلت على ... دُرَر فرائد قد غلت اثمانها لقد اضمحل بنظمها نظم الورى ... كحبال سحر اذ بدا ثعبانها ...

стр. 447

.. لله در اديب اِدَّرَكَ فَضلهَا ... بل سادة جات بهَا اذهانها هم سادة ملكوا زِمَام تقدم ... فِي حلبة للفضل هم فرسانها نشأوا بارض بوركت وتقدست ارجاؤها فسهولها ومتانها ارْض بهَا نزلت على خير الورى ... آيَات وَحي باهر برهانها يَا رفْعَة فازت بهَا ومكانة ... يَا عزة قد حازها قطانها طُوبَى لعين عَايَنت آثارها ... وتكحلت بغبارها اجفانها ... وَله بطرِيق التَّنْبِيه والنصيحة هَذِه الْكَلِمَات الفصيحة ... الا من بنى فليبن ركنا مشيدا ... ويرقى منيع الْمسك صرحا ممردا عجيبا غَرِيب الصنع تسبي لَهُ النهى ... بديع المراقي عبقريا منجدا على طرزابيات فَللَّه در من ... تصدى لمبناها فأنشا وأنشدا على حسن تنظيم ولطف صناعَة ... تباهي بِهِ عقدالثريا المنضدا صنائع لَا تبلي الجديدان رسمها ... وَيبقى على مر العصور مخلدا وماذا بِنَاء يبتنى من حِجَارَة ... وطين سيغدو عَن قريب مبددا وَله بطرِيق التَّحِيَّة وَالسَّلَام على بعض الاحبة الْكِرَام ... سلالة الاكابر الْعِظَام ... نتيجة الاماجد الفخام لطف الاله الْملك العلام ... عَلَيْك مني افضل السَّلَام يَا لَك من سميدع همام ... كَهْف الانام مفضل منعام كم لَك من مفاخر جسام فقت بهَا طوائف الانام لَا زلت فِي عز وَفِي اكرام ... مدى اللَّيَالِي ومدى الايام مَا احتجب السَّمَاء بالغمام ... وَاخْتَلَطَ الضياء بالظلام ... وَلما ورد عَلَيْهِ من شرِيف مَكَّة كتاب ابدع فِي الْجَواب وَكتب فِيهِ هَذَا الشّعْر المستطاب ... وخريدة برزت لنا من خدرها ... كالبدر يَبْدُو من خلال غمام عَرَبِيَّة فَتَنَكَّرت وازينت ... بملابس الاعجام والاروام ...

стр. 448

.. عرضت على كل الانام جمَالهَا ... كي تستميل قُلُوبهم بِتمَام تسبى من الْعَرَب الْعُقُول باسرها ... وَتَطير لب الرّوم والاعجام وتقودهم اسراء نَحْو دِيَارهمْ ... بسلاسلا من لوعة وغرام طُوبَى لمن رزق الْوُقُوف ببابها ... فَهُوَ المرام وَأي أَي مرام بَاب اليه تشوقي وتوجهي ... حرم اليه تحيتي وسلامي يَا لَيْت شعري هَل افوز بزورة ... يَوْمًا وَقد ضربت هُنَاكَ خيامي ... وَله على نمط الضراعة بِبَاب من تجب لَهُ الطَّاعَة ... لَا هم يَا مُقَلِّب الْقلب ... وَكَاشف الغموم الكروب وعالم الاسرار والغيوب ... هون عَليّ جملَة الخطوب وَلما انْتقل الى رَحْمَة الله تَعَالَى رثاه من اصحابه المخدوم المبجل نادرة الزَّمن السَّيِّد مصطفى بن السَّيِّد حسن بقصيدة جَيِّدَة النظام ولنختم بِبَعْض ابياتها هَذَا الْكَلَام ... يَا جَامع الاموال والاسباب ... يَا مَالِكًا لِلْخلقِ بالارهاب لَا تلهك الدُّنْيَا بِحسن مثالها ... كل يصير الى فَنًّا وَذَهَاب ايْنَ الَّذين تَرفعُوا بحصونهم ... وتمنعوا بِالْملكِ والانساب الدَّهْر بدد بالمنية شملهم ... وَرَمَاهُمْ مِنْهَا بِسَهْم مصاب يَا طالما ركبُوا الْجِيَاد وطالما ... سَارَتْ لديهم قادة الركاب يَا من تُسنم بالقصور بعيشه ... اذكر هوانك فِي الثرى وتراب كم واثق بالدهر يأمل رَاحَة ... وَالْمَوْت مستتر لَهُ بِالْبَابِ كم عمر قصرا ليخلد عيشه ... امسى قَتِيلا واليا بخراب ايْنَ الَّذِي يسبي النهى بِكَلَامِهِ ... وَقد ١ انْتهى فِي الْحسن والاعراب شمس الْبِلَاد وصدرها ورئيسها ... مفتي الانام وَوَاحِد الاقطاب اعني بِذَاكَ ابا السُّعُود الفاضلا ... وَرَئِيس اهل الْعلم والالباب امسى رهينا فِي الْقُبُور الى القيا ... م وَمَاله من عودة واياب ...

стр. 449

.. قد خَاضَ فِي بَحر الْبَقَاء وشب ني ... ران الجوى فِي مهجة الاحباب نبذ الْجَمِيع وَرَاءه فَكَأَنَّهُ ... شمس تَوَارَتْ فِي الضُّحَى بسحاب بَكت الصخور مبوته فلأجله ... جرت الْعُيُون من الفلا وشعاب ولفقده شهب السَّمَاء تلهبت ... نَارا ودمع السحب فِي تسكاب والرعد مُضْطَرب الحشا متلهف ... والبرق من ذَا فِي لظى ولهاب وَاللَّيْل قد لبس السوَاد ونجمه ... فقد الهجوع مسْهر الاهداب قد كنت بحرا للشريعة لم تزل ... تلقى لنادر الْكَلَام عُجاب مَا الْعلم الا مَا حويت حَقِيقَة ... وعلوم غَيْرك فِي الفلا كسراب ذَا مَا جد قدرا جلالة قدره ... لَا يُسْتَطَاع بَيَانهَا بِكِتَاب هَذَا هُوَ الشَّمْس الْمُنِير بنوره ... خسف البدور وَزَالَ كل شهَاب كم قد أرانا من سَمَاء كَلَامه ... نجم الْهدى فِي اوج افق صَوَاب اني الأقسم لَو تضوع لَفظه ... انفت صُدُور الغانيات اناب يَا من بفقد حَيَاته ووجوده ... امست قُصُور الْفضل شَرّ يباب امسيت جارا للكريم وجاره ... فِي جنَّة وَمَكَارِم وشراب لَا جَار من افضوا الى سبل الْهوى ... وتشبثوا فِي غيهب بصعاب هَيْهَات للافلاك ياتي مثله ... وَلَو انها دارت مدى الاحقاب يُرْجَى لَهُ عِنْد الاله بطول مَا ... خدم الورى زلفى وَحسن مآب يَا رب روح روحه بسعادة ... وكرامة فِي جنَّة وثواب ... هَذَا آخر مَا وَقع من وفيات اولئك الاعيان فِي دولة السُّلْطَان سليم خَان ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان وقدانقضت ايام دولته الباهرة واعوام غرته الزاهرة فِي اوائل رَمَضَان من شهور سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد وَقع جُلُوسه على سَرِير الْملك فِي اوائل ربيع الاول سنة ارْبَعْ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَفِي ايامه انْقَطَعت الْحَرْب والفتن بَين الْعَرَب وَالروم فِي بِلَاد الْيمن وَسلم زمامها اليه والقيت مقاليدها لَدَيْهِ ودانت الاقيال بسطوته وخضعت الاشراف عِنْد سرادقات هيبته على مَا انبأ عَلَيْهِ مفصلا فِي كِتَابه الْمُسَمّى بنادرة الزَّمن فِي تَارِيخ الْيمن وَقد رام فتح

стр. 450

جَزِيرَة قبرس فأنفذ اليه جَيْشًا وامر عَلَيْهِم وزيره الرَّابِع مصطفى باشا فقرن الْمُسلمُونَ بميامن التأييد والنصر وانخذل الْكفَّار فوقعوا فِي شرك الْقَتْل واسر وملئت هَذِه الدَّار بالنهب والغارة وزينت اكنافها بشعائر الاسلام من الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَقد ارسل بحريّة وبرية للحرب الى اقصى ممالك الغرب فشحنت السفن بِرِجَال لباسهم حَدِيد وَقُلُوبهمْ جلاميد فنزلوا كالقضاء المبرم على رُؤُوس الْكَفَرَة اللئام ونازلوا مَدِينَة تونس وفتحوها عنْوَة فِي عدَّة ايام واستخلصوها من يَد الْكفَّار واستأصلوا من بهَا من الفجرة الشرار واستولوا على القلعة الموسومة بحلق الوادالتي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد وَكَانَت من احصن معاقل الْكفَّار واحسن مَا بني من القلاع المتان فِي هَذِه الديار عذراء مَا خطبهَا اُحْدُ من الْمُلُوك ذَوي الجدود الاوقابلته بالردود والصدود فأسهرها الْمُسلمُونَ كل سيف مسلول حَتَّى تيَسّر لَهُم بحول الله تَعَالَى الوصلة وَالدُّخُول فَلَمَّا ظفروا بهَا اولدوها اليباب والخراب وجعلوها مثابة للبوم والغراب وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى حَاله من المفاخر والمآثر مصداق مَا قَالَه الشَّاعِر ... هُوَ الْمُقِيم وَقد سَارَتْ مآثره ... كَأَن علياه من دُنْيَاهُ تنتظم ... حَيْثُ لم يُبَاشر الحروب بِنَفسِهِ حَتَّى اوصلته الْمنية الى رمسه وَيُقَال انه ﵀ مَاتَ بِالْعِلَّةِ الْمَعْرُوفَة بليث عب وَقد جَهله رَئِيس الاطباء ابْن غرس الدّين فَظَنهُ برساما فعالجه بعلاجه فازداد الْمَرَض وَاسْتقر بِهِ الْعرض فَلم يَنْفَعهُ الطَّبِيب والحكيم ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَكَانَ منهمكا على لذاته فِي الْمسَاء والصباح ويكب على اللّعب وَاللَّهْو ويرجح السكر على الصحو مبتلى بِشرب الراح ومبتهجا بالكؤوس والاقداح فَكَأَنَّهُ عمل بِمَا قيل وَجعل عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد والتعويل ... اشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الضحياء من قهوة تنسي الهموم وتبعث الش ... وق الَّذِي قد ظلّ فِي الاحشاء ... وَقد من الله تَعَالَى عَلَيْهِ قبل مَوته بالتيقظ الْعَظِيم والتنبه التَّام فاعرض عَن الملاهي وَرغب فِي صُحْبَة الْمَشَايِخ الْكِرَام وَقعد عَن كل خلق ردي وَتَابَ على يَد

стр. 451

الشَّيْخ سُلَيْمَان الخلوتي الامدي وَكسر الات اللَّهْو وأواني الشّرْب وَانْقطع مُدَّة عَن الندمان والاصحاب وَبدل ترنمات الاغاني بِتِلَاوَة السَّبع المثاني ودام على هَذِه الصِّفَات السّنيَّة حَتَّى غالته اغوال الْمنية وانتقل من هَذِه الدُّنْيَا الدنية ذكر مَا وَقع من وفياتهم فِي دولة السُّلْطَان مُرَاد خَان ابْن السُّلْطَان سليم خَان ايد الله تَعَالَى خيام دولته على عماد الخلود والدوام وَزَاد فِي عزه وسعوده على اجداده الْكِرَام وَمِمَّنْ طلب الْعلم وخاض فِي عبابه بَعْدَمَا افنى فِي هوساته عنفوان شبابه وتسنم بِاجْتِهَادِهِ ذرا الاماني الطَّبِيب الياس القراماني ولد ﵀ بلواء قرمان وشب على التعطل والهوان الى ان من الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالرغبة والطلب فِي تَحْصِيل الْعلم والادب فَخرج من بِلَاده بَعْدَمَا جَاوز سنّ الْبلُوغ وَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ وانتقل من مَكَان الى مَكَان حَتَّى وصل الى خدمَة الْحَكِيم اسحق وَحصل عِنْده بعض الْعُلُوم سِيمَا الطِّبّ وَفتح حانوتا فِي بعض الاسواق وتكسب مُدَّة بالطبابة وَبيع المعاجن والاشربة الى ان قلد الْمولى المشتهر باخي زَاده مدرسة بيري باشا بقصبة سلوري وَفِي المرحوم طلب المعارف والعلوم فَبَاعَ مَا فِي حانوته وَترك عِيَاله فِي بَيته وَهَاجَر الى الْمولى الْمَزْبُور وَدخل احدى حجرات الْمدرسَة وابتدأ من الْمُخْتَصر الموسوم بِالْمَقْصُودِ واشتغل عَلَيْهِ فِيهَا بُرْهَة من الزَّمَان ثمَّ عَاد الى بَيته وتفقد علياله ثمَّ عَاد الى الْمدرسَة المزبورة وَكَانَ مَا كَانَ الى ان حصل من الْعُلُوم الالية الْقدر الصَّالح مَعَ الِاشْتِغَال بمصالح بَيته كل ذَلِك بعد مَا ظهر الْبيَاض فِي لحيته ثمَّ ترقى الى الْمَقَاصِد والمسائل وتتبع الْكتب والرسائل وطالع الاحاديث والتفاسير وفاز بالحظ الاوفى فِي الزَّمَان الْيَسِير وحرر عدَّة من الرسائل فحقق فِيهَا كَلَام بعض الاماثل وحقق مَا قَالَه النَّبِي الامجد من طلب شيأ وجد وجد وَاسْتشْهدَ ﵀ فِي شهر ذِي الْقعدَة من شهور سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ ﵀ من الْعلمَاء العاملين مَعَ كَمَال الْوَرع والتصلب فِي الدّين آيَة فِي الزّهْد وَالتَّقوى متمسكا من الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة بِمَا هُوَ

стр. 452

احكم واقوى مشاركا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة متبحرا فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة النقلية مهتما بِالنّظرِ فِي كتب ارباب الِاجْتِهَاد وَمن دونهم مِمَّن جمع لَهُم التَّقْلِيد والرشاد وَكَانَ يُفَسر الْقُرْآن الْكَرِيم وَينْتَفع بمجلسه خلق عَظِيم وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي اول امْرَهْ معرضًا عَن ابناء الدُّنْيَا قانعا بِكَسْبِهِ من جِهَة طبابته فاتفق انه ابتلى بعض الامراء بالامراض الهائلة فراجع المرحوم فِي ذَلِك فعالجه وانتفع بِهِ فاستشفع لَهُ وسعى فِي حَقه حَتَّى عين لَهُ وَظِيفَة من بَيت المَال فاستجداه طبعه واستلذه نَفسه من حَيْثُ لم يدر ان السم فِي الدسم فخالط الامراء وتقرب لَهُم بالطب واتصل بالوزير الْكَبِير مُحَمَّد باشا وَأمره بترجمة ابي يُوسُف فاتمها ورفعها اليه وَفِي اثناء ذَلِك جلس السُّلْطَان الافخم مرادخان الْمُعظم على سَرِير السلطنة فقوي بِهِ امْر فرهاد باشا وَكَانَ معزولا عَن الوزارة فشاع عوده اليها على خلاف مُرَاد الْوَزير الْكَبِير مُحَمَّد باشا بشفاعة السَّيِّد ة صَفِيَّة حظية السُّلْطَان وام اولاده الْكِرَام بِسَبَب انها كَانَت فِي اول امرها من جواري السيدة بنت السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان سُلَيْمَان لزوجة فرهاد باشا الْمَزْبُور وَكَانَ فرهاد باشا المسفور مبتلى بِحَبْس الْبَوْل يُرَاجع فِي ذَلِك الطَّبِيب الياس الْمَذْكُور وَينْتَفع بآرائه فاتفق انه أَمر فرهاد باشا فِي اثناء مَا ذكر باكل المعجون الْمَعْرُوف بمثرود يطوس فَأَكله وَمَات بعد أَيَّام قَلَائِل بعلة الزحير فاتهم الطَّبِيب الْمَزْبُور وَقيل انه سمه فِي ذَلِك المعجون باشارة الْوَزير مُحَمَّد باشا فَدخلت زَوجته الى السُّلْطَان وَطلبت الثار وهمت بقتل الطَّبِيب المسفور فَأخذ وَحبس اياما ثمَّ اخْرُج وفتش فَلم يثبت عَلَيْهِ شَيْء واستشفع فِي خلاصه الْمُفْتِي وَبَعض الْعلمَاء والصلحاء فاطلق فَاجْتمع عدَّة من خدام فرهاد باشا وترصدوا لَهُ يَوْمًا فِي بَاب دَاره وَلما خرج ﵀ صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم الى صَلَاة الصُّبْح هجموا عَلَيْهِ وضربوه بسكاكين وجرحوه عدَّة جراحات وبقروا بَطْنه فَمَاتَ ﵀ من وقته وهربت القتلة وَلما وقف السُّلْطَان على ذَلِك غضب على جَمِيع خدام فرهاد باشا فَأخذ مِنْهُم سِتُّونَ نَفرا وصلب مِنْهُم عشرَة اشخاص مِنْهُم الزعيم ابْن اخي فرهاد باشا وَنفي الْبَاقُونَ عَن الْبَلَد فسبحان من جعل لكل شَيْء حدا

стр. 453

وَمِمَّنْ خَاضَ غمار المجاهدات واقتحم اخطار مشاق الْعِبَادَات وتسنم فِي طَرِيق الْحق على تلاله ووهاده وجاهد فِي الله حق جهاده وافنى عمره فِي زَاوِيَة الزّهْد وَالْعِبَادَة شَيخنَا الشَّيْخ مصلح الدّين ابْن الشَّيْخ عَلَاء الدّين المشتهر بجراح زَاده ولد الشَّيْخ ﵀ بِمَدِينَة ادرنه فِي شهر صفر سنة احدى وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ طَالبا للْعلم والمعارف وساعيا فِي اقتناء شوارد اللطائف وقرا ﵀ مُدَّة كتاب الْمِفْتَاح باتقان وَتَحْقِيق على الْمولى لطف الله ابْن الْمولى شُجَاع وَهُوَ مدرس فِي مدرسة الْجَامِع الْعَتِيق ثمَّ افاض الله تَعَالَى عَلَيْهِ مجَال رَحمته من شآبيب لطفه ورأفته فَهبت عَلَيْهِ نسائم الزّهْد وَالصَّلَاح وناداه مُنَادِي الْفَوْز وَالصَّلَاح فَأَجَابَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَتحمل مشاق الْعِبَادَات بِقدر الِاسْتِطَاعَة وتبتل الى الله سُبْحَانَهُ وجد واجتهد حَتَّى علا اقرانه وَقد سَأَلته ﵀ عَن سَبَب سلوكه ودخوله فِي طَرِيق الصُّوفِيَّة فَقَالَ ﵀ كنت فِي اوائل حَالي واوان طلبي فِي غَايَة الاعراض عَن طَرِيق الصُّوفِيَّة وَاتفقَ اني اجْتمعت فِي بعض اللَّيَالِي مَعَ الاخوان والخلان وتجارينا فِي شجون الْكَلَام وقضينا الوطر عَمَّا يكون وَكَانَ فَنَامَ كل من فِي الْمجْلس فاذا بصيحة عَظِيمَة واصوات مزعجة من طرف السَّمَاء فَرفعت راسي فَرَأَيْت حجرا عَظِيم الْقدر نزل على الْبَيْت الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَكسر السّقف وَنزل الى ساحة الْبَيْت وَغَابَ فِي الارض فَاسْتَيْقَظَ من هَذِه الصَّيْحَة الْعَظِيمَة كل نَائِم من اهل الْمجْلس واخذوا يتساءلون عَنْهَا وَلم يطلعوا على شَيْء وعادوا الى النّوم وَحصل لي من ذَلِك دهشة عَظِيمَة وكادت ان تذْهب بلبي فَقُمْت الى الْمجْلس مرتاعا وازداد تأثري فِي كل وَقت وَحين الى ان يفتر عَقْلِي وَلم يبْق لي من الروية الا الْقَلِيل فَنزلت الطَّرِيق وبعت جَمِيع ملابسي الفاخرة وَأَنا على هَذِه الْحَالة من الاعراض عَن طَرِيق الصُّوفِيَّة وَفِي اثناء ذَلِك دَعَاني ابي اليها وكلمني فِي الدُّخُول فِيهَا وقابلته بالانكار والاعراض قَالَ وَلم اذكر حَتَّى رفع الغطاء عَن بَصرِي وانكشف لي احوال الْقُبُور فَكنت الازم الْمَقَابِر وابيت عِنْدهَا وَكَانَ اصحابي واقاربي فِي العذل والملامة وانا فِي عدم

стр. 454

الِالْتِفَات اليهم والاعراض عَن كَلَامهم فَسَأَلته ﵀ عَن كَيْفيَّة رُؤْيَته واطلاعه على اهل الْقُبُور فَقَالَ ﵀ رَأَيْتهمْ قَاعِدين فِي قُبُورهم كالاحياء فِي بُيُوتهم فَمنهمْ من اتَّسع قَبره فَبَقيَ فِي السعَة والحبور والرفاهية وَالسُّرُور وَمِنْهُم من لَا يقدر على الْقيام لضيق الْمقَام وَمِنْهُم من امْتَلَأَ قَبره بالدخان وَمِنْهُم من احمي قَبره بالنيران وَرَأَيْت بَعضهم فِي غَايَة الضعْف وَالِاضْطِرَاب ويتألم ويضطرب كالسحاب والسراب وَأَنا اتكلم مَعَهم واستخبر حَالهم واستفسر اسباب مَوْتهمْ فيجيبون ويسالونني الدُّعَاء وانا اجد نَفسِي فِي اثناء ذَلِك تَارَة فِي قسطنطينية وَتارَة فِي بروسه وَتارَة فِي غَيرهمَا من الامكنة الَّتِي مَا رَأَيْتهَا قطّ وانا فِي جَمِيع ذَلِك كالهائم الولهان الَّذِي مَسّه الجان وَكنت فِي غَايَة الْعَجز عَن اكل الطَّعَام لظُهُور نَجَاسَته وانكشاف عدم طَهَارَته ودامت هَذِه الْحَالة لي مُدَّة سَبْعَة اشهر فَبينا انا مُقيم بدار وَالِدي وَقد انْتَشَر سَواد اللَّيْل فِي الافاق ونام كل من فِي الْبَيْت من الصَّغِير وَالْكَبِير اذ جَاءَ رجل فاخذ بيَدي وَذهب فَذَهَبت مَعَه فمررنا بمواضع غَرِيبَة وأمكنة عَجِيبَة مَا رَأَيْتهَا وَلَا سَمعتهَا من قبل حَتَّى وصلنا الى سفح جبل وَرَأَيْت فِيهِ شخصا قَاعِدا فَتقدم الرجل فِيهِ وَقَالَ جِئْت بطلبك وقدمني اليه فَجَلَست بحذائه فاخذ ذَلِك الشَّخْص بيَدي الْيُمْنَى فَوضع فِيهَا عَلامَة فاذا جِيءَ بشخص آخر فعل بِهِ مَا فعل بِي ثمَّ امرنا بِالْقيامِ وَالدُّخُول الى حَظِيرَة هُنَاكَ فَلَمَّا ذَهَبْنَا اليه فتح لنا بَاب الحظيرة فَنَظَرْنَا الى داخلها فرأيناها مَمْلُوءَة من النيرَان الصافية لَيْسَ فبها دُخان وَلَا سَواد فامتنعنا عَن الدُّخُول فاجبرنا عَلَيْهِ وأغلق الْبَاب من وَرَائِنَا فَعمِلت النَّار فِينَا مَا تعْمل فِي امثالنا واحترقنا بهَا بِحَيْثُ لم يبْق منا مَوضِع لَا فِي ظَاهر الْجَسَد وَلَا فِي بَاطِنه الا وَقد مسته النَّار ثمَّ فتح الْبَاب وأمرنا بِالْخرُوجِ وَجَاء الرجل وَأخذ بيَدي واوصلني الى مَكَاني الَّذِي اخذني مِنْهُ فَلَمَّا اصبحت وَقَامَ وَالِدي الى الصَّلَاة جَاءَ الي ورآني متنكرا مضطربا مِمَّا وَقع لي من شَدَائِد هَذِه اللَّيْلَة فَسَأَلَنِي عَن هَذِه الْحَالة فقصصت لَهُ الْوَاقِعَة فَقَالَ ان هَذِه النَّار جذبة من نيران الْمحبَّة والهيام ولمعة من حرارة الْعِشْق والغرام وان هَذِه الْوَاقِعَة تدل على انك ستصير طَالبا للحق ومحبا للتصوف واربابه قَالَ ﵀ فَمن هَذِه

стр. 455

اللَّيْلَة اخذ ولهي فِي الانتقاص وجنوني فِي الِارْتفَاع وَزَالَ عني بالتدريج مَا حصل لي من الْكَشْف والحركات الْمُخَالفَة للْعَادَة وَعَن لي الْميل الى التصوف وَاشْتَدَّ الانجذاب الى جناب رب الارباب وَدخلت فِي ربقة التَّسْلِيم وَالْعِبَادَة وَظهر فِي امري مَا شَاءَ الله واراده وتبت على يَد وَالِدي واخذت فِي المجاهدة والاشتغال وترقيت عِنْده من منزل الى منزل وَمن حَال الى حَال ثمَّ ارسلني الى قدوة ارباب الطَّرِيق ولي الله تَعَالَى على التَّحْقِيق صَاحب الكرامات الْمَشْهُورَة والاخبار المأثورة الشَّيْخ عبد الرحيم المؤيدي المشتهر بحاجي جلبي فخدمته مُدَّة وحصلت من فنون التصوف عدَّة وَكَانَ مني مَا كَانَ فَظهر مَا فِي حيّز الامكان ودمت على المصابرة وَالِاجْتِهَاد اثْنَتَيْ عشرَة سنة واجيز لي بالارشاد وَقد سَأَلته عَن آخر الْحَالَات الَّتِي وَقعت لَهُ عِنْد شَيْخه فَقَالَ ﵀ كنت مُقيما فِي بعض الخلوات عندالشيخ عبد الرحيم المؤيدي وانا مداوم على الذّكر ومشتغل بِالتَّوْحِيدِ فاذا بشخص عَظِيم الهيبة دخل عَليّ وَقصد الي ومزق جَسَدِي بيدَيْهِ كل ممزق وَتَرَكَنِي فَعَاد جَسَدِي الى حَالَته الاولى فَعَاد فِي التمزيق وتكرر ذَلِك من الطَّرفَيْنِ وَاسْتمرّ سَاعَات وَعرض لي من ذَلِك انزعاج كلي واضطراب عَظِيم وَحصل لي من الفناء والسكون مَالا يُمكن تَعْبِيره فعرضت ذَلِك على الشَّيْخ ففرح بِهِ وبشرني بِحُصُول الْمَطْلُوب واجاز لي بعد ذَلِك بالارشاد وارسلني الى وَالِدي قلت وَلما انْتقل وَالِده ﵀ قَامَ هُوَ مقَامه فِي زَاوِيَة الشَّيْخ شُجَاع واكب على الِاشْتِغَال ولازم التَّوَجُّه والاقبال الى جناب حَضْرَة المتعال وعامل الله فِي سره وجهره حَتَّى صَار فريد عصره ووحيد دهره وَفتح بَاب التربية والارشاد على ارباب السَّعْي وَالِاجْتِهَاد فَرب ساع قطع بصارم تَرْبِيَته صريمة الامل وَحصل بهمته الشَّرِيفَة طرفا صَالحا وكمل ثمَّ نقل الى زَاوِيَة الشَّيْخ محيي الدّين بقسطنطينية المحمية فشرفها بمقدمه الشريف ونورها بروائه اللَّطِيف وَأقَام بهَا مُدَّة سبع سِنِين وَقد اتَّصَلت بِهِ فِي اقامة ذَلِك وتبركت بمجالسته الشَّرِيفَة وانفاسه اللطيفة وَكلما يمر ذَلِك بالخاطر يذكرنِي قَول الشَّاعِر

стр. 456

.. وَكَانَت بالعراق لنا لَيَال ... سرقناهن من ايدي الزَّمَان جعلناهن تَارِيخ اللَّيَالِي ... وعنوان المسرة والاماني ... واكرر كثيرا مَا فِي البال مَا انشده بَعضهم وَقَالَ ... ليَالِي اللَّذَّات سقيا لَك ... مَا كنت الا فَرحا كلك عودي كَمَا كنت لنا اولا ... نَحن ان عدت عبيد لَك ... ثمَّ عَاد ﵀ الى مَدِينَة ادرنه وانتقل بهَا الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَدفن بِقرب زَاوِيَة الشَّيْخ شُجَاع وَكَانَ ذَلِك فِي شهر محرم من شهور سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ ﵀ بحرا من بحار الْحَقِيقَة وكهفا منيعا لارباب الطَّرِيقَة متخليا عَن العلائق الناسوتية متحليا فِي مفاخر الْحلَل اللاهوتية مهبطا للانوار السبحانية ومخزنا للاسرار الالهامية منجمعا عَن النَّاس معرضًا عَن تكلفاتهم وراغبا عَن بدعهم ومزخرفاتهم لَا يطوف بابواب الامراء وَلَا يطْرق مجَالِس الاغنياء مشتغلا بِنَفسِهِ فِي يَوْمه وامسه وَله كشوفات عَجِيبَة واشرافات على الخواطر غَرِيبَة وظني بِهِ كَونه محيطا بِجَمِيعِ احوال من استرشد بِهِ وتشبث بِسَبَبِهِ وَله الْيَد الطولي فِي تصريف قبُول المريدين وتربية المسترشدين وَلَوْلَا تَزْكِيَة النَّفس وَاحْتِمَال التبجح والرياء لذكرت مَا ظهر لي عِنْد اقامتي فِي زاويته الشَّرِيفَة فِي بعض الاوقات المنيفة بانفاسه الطّيبَة وهممه الصيبة وَحكى بعض من اثق بِهِ من الاشراف انه قَالَ كنت معتكفا عِنْده فِي بعض الايام وَلما صليت الصُّبْح جَلَست فِي الْمَسْجِد مشتغلا بِالذكر وَالشَّيْخ ﵀ فِي الْجَانِب الاخر من الْمَسْجِد مُتَوَجها الى الْقبْلَة مراقبا وَكَانَ يلاحظني بنظره الشريف احيانا ويلتفت الي مرَارًا فَبينا انا على هَذِه الْحَالة اذ عرض لي انجذاب عَظِيم وَتوجه تَامّ وَغلب عَليّ الوجد وَالْحَال وَظهر لي امور غَرِيبَة وآثار عَجِيبَة كَادَت ان تذْهب بلبي وَمن الله تَعَالَى فِي اثناء ذَلِك بمنح لَا يَلِيق ذكرهَا وَاسْتمرّ ذَلِك لي مَا دَامَ الشَّيْخ جَالِسا فِي مَكَانَهُ دَائِما على الْوَصْف السَّابِق وَله ﵀ كرامات عَظِيمَة وافعال غَرِيبَة اتبرك مِنْهَا بِذكر نبذ

стр. 457

مِنْهَا مَا ذكره الْمولى الْمَعْرُوف بِالْفَضْلِ والاجادة محيي الدّين المشتهر باخي زَاده قَالَ كنت مدرسا بمدرسة الْجَامِع الْعَتِيق بِمَدِينَة أدرنه فَدخل عَليّ وَاحِد من الصُّوفِيَّة وَقَالَ جئْتُك مبشرا لَك وراجيا مِنْك شيأ استعين بِهِ على كفاف عيالي فَسَأَلته عَمَّا يبشر بِهِ فَقَالَ أَنَّك تكون مدرسا بمدرسة الْوَزير الْكَبِير رستم باشا الَّتِي بناها بقصبة خَيره بولِي فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ ويأتيك الْخَبَر فِي السَّاعَة الْفُلَانِيَّة قَالَ سلمه الله فَعرض لي انكار عَظِيم وازدراء بشانه حَيْثُ اخبرني عَن الَّاتِي وَطلب عَلَيْهِ الاجر فقصدت الى ان لَا اتصدق عَلَيْهِ بِشَيْء وارده محروما ثمَّ بدا لي ان اساله عَن كَيْفيَّة حُصُول ذَلِك الْخَبَر فَسَأَلته فَقَالَ أَنِّي رجل من احياء الشَّيْخ مصلح الدّين الْمَعْرُوف بجراح زَاده ذُو عِيَال كَثِيرَة وَقد غلبني الْفقر وركبني الدُّيُون فشكوت اليه من ذَلِك وشرحت حَالي فَقَالَ لي اجْتمعت فِي هَذِه اللَّيْلَة مَعَ رَسُول الله ﷺ فاخبرني بَان الْمولى محيي الدّين الْمدرس بمدرسة الْجَامِع الْعَتِيق سيوجه اليه مدرسة رستم باشا ويصل الْخَبَر اليه فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ فِي السَّاعَة الْفُلَانِيَّة وانا مَا رَأَيْت ذَلِك الْمدرسَة قطّ وَلَا اعرفه بِشَيْء فَاذْهَبْ اليه وبشره بذلك الْخَبَر فَلَعَلَّهُ يستأثرك بِشَيْء تستعين بِهِ على فقرك وتسد بِهِ بعض جوعتك فاعتمدت عَلَيْهِ وَجئْت اليك لذَلِك الْغَرَض قَالَ سلمه الله فَذهب عني بعض مَا عرض لي من الانكار والانتقاص لما سمعته قبل ذَلِك من محَاسِن الشَّيْخ الْمَزْبُور ومعارفه فاعطيته شيأ وَقلت لَهُ اذا كَانَ الامر كَمَا قلت وَحصل مَا بشرتني بِهِ زِدْت على ذَلِك واتكفل بِبَعْض مهماتك فَذهب الصُّوفِي وَبقيت فِي الامنية والرجاء الى ان وصلت الْبشَارَة فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي عينه الصُّوفِي وَكَانَ الامر كَمَا قَالَ وَقَالَ ايضا سلمه الله خرجنَا ذَات يَوْم من الْبَلدة المزبورة قَاصِدين الى بعض الْبِقَاع وَكَانَ الْيَوْم شَدِيد الْحر وفقدنا الطَّرِيق فبقينا فِي الْمضيق وغلبتنا الْحَرَارَة وركبنا الْعَطش وَلم يُوجد فِي الرحل مَاء وَلَا من يدلنا عَلَيْهِ فغلبنا الضعْف والحيرة وكدنا ان نموت من الْعَطش والحرارة قَالَ سلمه الله فَنزلت عَن دَابَّتي وَقَعَدت متفكرا فِي امري فاذا بسواد ظهر من بعيد فامعنت النّظر فِيهِ سَاعَة فتيقنت انه انسان يقْصد الينا فَاسْتَقْبلهُ وَاحِد منا وَجَاء بِهِ الينا فَلَمَّا وصل الينا انْزِلْ عَن ظَهره

стр. 458

غرارة واخرج مِنْهَا عدَّة بطاطيخ ووضعها بَين يَدي وَقَالَ ان الشَّيْخ مصلح الدّين المشتهر بجراح زَاده يسلم عَلَيْكُم وَيَقُول لتأكلوا من هَذِه ولتسيروا الى الطَّرِيق الْفُلَانِيّ وَلَا تخْرجُوا بعد ذَلِك الى السّفر بِغَيْر زَاد وعدة فَسَأَلته عَن مَكَانَهُ وَعَن سَبَب مَجِيئه فَقَالَ ان وَرَاء هَذَا الْجَبَل قَرْيَة للشَّيْخ فِيهِ ضَيْعَة وَكَانَ مُقيما فِيهَا اذ خرج من بَيته وَقَالَ ان الْمولى محيي الدّين مدرس الْمدرسَة الْفُلَانِيَّة فقد الطَّرِيق وجهده الْعَطش وَوَقع فِي امْر عَظِيم فَليقمْ مِنْكُم اُحْدُ وليأخذ من هَذِه البطاطيخ مَا يتَحَمَّل وليسارع اليه وليدله على الطَّرِيق فانه مُقيم فِي الْموضع الْفُلَانِيّ فاجبت وقصدت نحوكم فَكَانَ الامر كَمَا رَأَيْتُمْ وَقد حكى وَاحِد من مريديه يُسمى عُثْمَان الرُّومِي قَالَ اوقدت شمعة فِي بعض اللَّيَالِي وادخلتها حُجْرَتي ووضعتها على اسطوانة واخذت فِي شغلي فاخذني النّوم فَلم اتنبه الا وقدا حترقت الاسطوانة وكادت الْحُجْرَة ان تحترق مِنْهَا فَدفعت النَّار وشكرت الله تَعَالَى فِي دَفعهَا وَلم يطلع على ذَلِك اُحْدُ وَمَا اخبرت بذلك احدا فَلَمَّا اصبحت وَحَضَرت مجْلِس الشَّيْخ عَاتَبَنِي وَقَالَ كدت ان تحترق بِالْبَيْتِ لَا تعد الى مثل ذَلِك وَكن على بَصِيرَة وَتحفظ فِي امرك وَلما وصلنا من التَّحْرِير والتسطير الى هَذَا الْمقَام عرض لنا ان نذْكر نبذا من مَنَاقِب الاجلة الْكِرَام الَّذين مر ذكرهم فِي عرض هَذَا الْكَلَام مستمدا من ارواحهم الطّيبَة ومستدرا من سحائب بركاتهم الصيبة وَقد ارْتكب مافي التَّطْوِيل من الكلفة والزحمة مُعْتَمدًا على مَا قيل عِنْد ذكر الصَّالِحين تنزل الرَّحْمَة فاولهم بِحَسب سلسلة الطَّرِيقَة واقدمهم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن بِحَسب الْحَقِيقَة شهرة الديار والافاق ولي الله تَعَالَى بالِاتِّفَاقِ الشَّيْخ محيي الدّين وَقد ولد ذَلِك الْفَحْل النجيب بقصبة تسمى اسكليب وَنَشَأ طَالبا للمعارف والعلوم فدار فِي بِلَاد الْعَجم وَالْعرب وَالروم وَاجْتمعَ مَعَ كثير من الافاضل السَّادة وفاز مِنْهُم بالتتلمذ والاستفادة وبرز فِي الْفُنُون وَمهر وتضلع من الْعُلُوم وتبحر ثمَّ صرف عنان الْعَزِيمَة عَن الْعُلُوم الرسمية الى المعارف الالهية السمية واتصل بالمرشد السّري الشَّيْخ إِبْرَاهِيم القيصري وَهُوَ من نخب خلفاء الشَّيْخ الْمَعْرُوف بآق شمس الدّين بَين الانام وَهُوَ من

стр. 459

خلص خلفاء الشَّيْخ حَاج بيرام وَالشَّيْخ محيي الدّين الْمَزْبُور وان كَانَ بفضله الْمَشْهُور وكماله الباهر وتقدمه الظَّاهِر مصداق مَا قلت ... حَاز الْفَضَائِل والمآثر جمة ... لم تحص لَو ذكرت بِكُل لِسَان ... الا اني اتبرك بابداء نبذ من بحار مآثره وقطرة من سَحَاب سَمَاء مفاخره واثبت فِي آخر هَذِه التراجم الْمُبَارَكَة رِسَالَة من نتائج طبعه الشريف هَدِيَّة لكل طَالب جالب وماهر عريف مِنْهَا مَا حَكَاهُ الشَّيْخ مصطفى رَحمَه الله تَعَالَى اني ابْتليت بالحمى وانا فِي سِتّ اَوْ سبع من الْعُمر وَقد اشتدت بِي حَتَّى اشرفت على الْمَوْت فاتفق ان الشَّيْخ محيي الدّين الْمَزْبُور جَاءَ الى مَدِينَة ادرنه فَأخذ الدي بيَدي وَجَاء بِي الى مَجْلِسه الشريف فَقبلت يَده وَقمت بَين يَدَيْهِ فَسَالَ وَالِدي فَقَالَ انه ابْني مصطفى وَقد ابْتُلِيَ بالحمى الشَّدِيدَة فايسنا من حَيَاته فنرجو فِي ذَلِك همتكم الْعَالِيَة فَقَالَ الشَّيْخ اذْهَبْ بِهِ الى السُّوق واشتر لَهُ ثوبا من شعر الشَّاء والبسه فانها تتركه ان شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ﵀ فَذهب بِي وَالِدي الى السُّوق وَفعل مَا وصاه بِهِ الشَّيْخ فتركتني الْحمى من الْيَوْم وَلم تعد الي مَا دمت البس هَذَا الثَّوْب وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْمولى الْعَلامَة محيي الدّين المشتهر باخي زَاده قَالَ اجْتمعت يَوْمًا بالشيخ الْعَارِف بِاللَّه محيي الدّين المشتهر بِحَكِيم جلبي فتحادثنا زَمَانا وانجر الْكَلَام الى ذكر الْمَشَايِخ فَقَالَ المرحوم كَيفَ اعتقادكم فِي الشَّيْخ محيي الدّين الاسكليبي فَقلت اني وان كنت حسن الظَّن وَجَمِيل الِاعْتِقَاد فِيهِ الا اني لم اطلع على شَيْء من مآثره فَقَالَ المرحوم فَاعْلَم انه كَانَ ﵀ من الرِّجَال الكاملين مملوأ بالمعارف الالهية من فرقه الى قدمه وروحه المطهرة متصرفة الان فِي هَذِه الاقطار وان أَرْبَاب السلوك وطلبة المعارف الالهية مستفيدون من معارفه الجليلة وانا اخبركم بِمَا وَقع لي بَيْنَمَا انا قَاعد فِي الْمِحْرَاب بعد صَلَاة الصُّبْح والمريدون مشتغلون بالاوراد وَفِي الْمَسْجِد ايضا اناس غَيرهم فاذا بالشيخ محيي الدّين الْمَزْبُور دخل من بَاب الْمَسْجِد وَفِي يَده ثوب مَخْصُوص للشيوخ البيرامية فَلَمَّا رَأَيْته قُمْت اجلالا فجَاء الي وَسلم عَليّ فَرددت سَلَامه فَقَالَ ان هَذَا الثَّوْب الَّذِي فِي يَدي ارسله اليك سيدنَا وَسيد الانام مُحَمَّد ﵊ لألبسكم اياه فتهيات فَلَمَّا تهيأت البسني هَذَا الثَّوْب فَلَمَّا

стр. 460

لبسته حصل لي من الْفتُوح والكشوف مَالا يحْتَملهُ الْبَيَان ثمَّ قَالَ بَارك الله لَك فِي بلوغك هَذِه الْمرتبَة السّنيَّة فانه كمل طريقك وانْتهى امرك ثمَّ خرج من الْمَسْجِد وَغَابَ من فوره وَبَقِي عَليّ الثَّوْب وَكن ظَنَنْت ان جَمِيع الْحَاضِرين اطلعوا على هَذِه الاحوال فاذا هم غافلون عَن جَمِيع مَا جرى بَيْننَا وَلم يطلعوا على مَجِيء الشَّيْخ وَلم يرَوا قيامي لَهُ قَالَ ﵀ وَقد لبست هَذَا الثَّوْب مُدَّة حَتَّى تخرق عَليّ وخلفته فِي الْبَيْت (قلت) وَهَذَا غير مستبعد من امثال اولئك الفحول وَقد وَقع نَظَائِره لافرادالناس مِنْهَا مَا حَكَاهُ الشَّيْخ محيي الدّين احْمَد بن إِبْرَاهِيم النّحاس الدِّمَشْقِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بمشارع الاشواق قَالَ تَوَجَّهت الى الاسكندرية فِي سنة احدى وَثَمَانمِائَة فمررت برشيد فرافقني جمَاعَة من اعيانها فمررنا بتل يعرف بتل بوري وَقد كَانَ حصل فِيهِ معركة بَين الْمُسلمين والفرنج وَاسْتشْهدَ بِهِ جمَاعَة فحكوا عَن رجل من اهل رشيد واثنوا عَلَيْهِ خيرا انه مر لَيْلَة بِهَذَا التل فَوجدَ بِهِ عسكرا وخياما ونيرانا فَظن انه السِّرّ كرّ جَاءَ من الْقَاهِرَة وَنزل هُنَالك قَالُوا فَدخل بَينهم فَسَأَلُوهُ الى ايْنَ تتَوَجَّه فاخبرهم انه مُتَوَجّه الى الْقَاهِرَة فَقَالَ لَهُ بَعضهم اني مُرْسل مَعَك كتابا الى أَهلِي فاوصله اليهم ثمَّ كتب الْكتاب وَدفعه اليه وعرفه امارة بَينه وَبَين اهله فَلَمَّا وصلت الى الْقَاهِرَة سَأَلت عَن الْبَيْت فارشدت اليه فَلَمَّا طرقت الْبَاب قَالُوا مَا تُرِيدُ قلت معي كتاب من فلَان فَقَالُوا انت مَجْنُون ان فلَانا قتل فِي الْوَقْعَة برشيد مُنْذُ سِنِين فَلَمَّا ذكرت لَهُم الامارة عرفُوا صدقي وَدفعت اليهم الْكتاب فتعجبوا لذَلِك غَايَة التَّعَجُّب انْتهى كَلَامه وَله فِي هَذَا الْبَاب نَظَائِر كَثِيرَة اضربنا عَن ذكرهَا وَمن كرامته قدس سره مَا حَكَاهُ الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْمَذْكُور وَهُوَ سَبَب دُخُوله فِي سلك التصوف فَإِنَّهُ كَانَ ﵀ فِي اوائل امْرَهْ من افراد السُّلْطَان بايزيد خَان فاتفق انه غزا مرّة بعض بِلَاد الْكفَّار فسافر هُوَ مَعَهم وَلما قَفَلُوا من هَذِه الْغَزْوَة اخذهم فِي اثناء الطَّرِيق برد شَدِيد وامطار كَثِيرَة وسحائب هاطلة وسيول هائلة فَمر المرحوم قبل الْمغرب بقرية ليضيف اهلها فابوا ان يضيفوه فَذهب عَنْهَا وَقد اقبل بسواده اللَّيْل وأمطر السَّمَاء وَكثر السَّيْل وَأمسى كل وَاد كالبحر
следующие страницы →