Полный текст (858 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ولم يكن شيء أحب إليه من المذاكرة في العلم قال بن اللباد: ما رأيت أفقه من بن طالب إلا يحيى بن عمر قال أبو العرب: وكان عدلاً في قضائه صارماً في جميع أمره فقيهاً ثقة عالماً بما اختلف فيه وفي الذب عن مذهب مالك ورعاً في حكمه قليل الهيبة في الحق للسلطان وما سمعت العلم قط أحلى ولا أطيب منه من أبي طالب وكان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رقيق القلب كثير الدموع.
وله من التآليف: كتاب في الرد على من خالف مالكاً وثلاثة أجزاء من أماليه وتأليف في الرد على المخالفين من الكوفيين وعلى الشافعي وقال بعضهم: سمعته عند محنته وسجنه يقول وهو مسجون في سجوده ومناجاته ربه اللهم إنك تعلم إني ما حكمت بجور ولا آثرت عليك أحداً من خلقك في حكم من أحكامي ولا خفت فيك لومة لائم وكان يقول: إنما العزيز من كان معه القرآن والعلم هذا هو العزيز وأما من كان معه عز السلطان فليس بعزيز.
وامتحن ﵀ وسجن وسقي سماً وقيل: إن السودان ركضوا بطنه حتى مات وكان يقول في قضائه: اللهم لا تمتني وأنا قاض فمات بعد عزله بنحو شهر.
ولم يكن في زمانه سلطان ولا غيره أسمح منه ربما تصدق بلجام دابته ومصحفه وشوار عياله وثياب ظهره.
стр. 422
وذكر أن غلاماً راعياً ناوله سوطاً وقد سقط منه فوجه إلى مولاه فاشتراه مع الغنم وأعتقه ووهب الغنم له وذكروا من كرمه ما هو أعجب من هذا وأعظم. توفي سنة خمس وسبعين ومائتين وهو بن ثمان وخمسين سنة مولده سنة سبع عشرة ومائتين وقال بعضهم: رأيته في النوم بعد قتله فسألته فقال: ووجه الله لقد دخلت الجنة قلت: كيف كانت منيتك؟ قال: سقاني شربة سقاه الله من صديد أهل النار. رحمه الله تعالى.
ومن الطبقة الخامسة من أهل إفريقية:
عبد الله بن أبي هاشم بن مسرور التجيبي
مولاهم المعروف بابن الحجام مولى بني عبيدة التجيبيين أبو محمد سمع من عيسى ومحمد بن مسكين وسعيد بن إسحاق وعبد الله بن سهل الأندلسي وابن عياش وفرات وحمديس القطان وعمر بن يوسف وابن أبي سليمان ويحيى بن زكريا الأموي والمغامي وغيرهم من شيوخ إفريقية ورحل فسمع في رحلته بمصر وغيرها من جماعة - منهم: إبراهيم بن جميل
стр. 423
ومحمد بن إبراهيم الدبيلي وابن الأعرابي وابن أبي مطر وغيرهم. وغلب عليه الجمع والرواية يقال: أكثر سماعه من بن مسكين إجازة.
كان شيخاً عالماً ورعاً مسمتاً خاشعاً رقيق القلب غزير الدمعة مهيباً في نفسه لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب يشبه في أموره يحيى بن عمر وحمديساً القطان حسن التقييد صحيح الكتاب وكانت كتبه كلها بخطه كان كثير التصنيف في أنواع العلوم وكثير الكتب.
قال القابسي: ترك أبو محمد هذا سبعة قناطير كتب كلها بخطه إلا كتابين فكان لا يحتمل أن يراهما لأجل أنهما ليسا بخطه وألف كتباً كثيرة في أنواع من العلوم منها: كتاب المواقيت ومعرفة النجوم والأزمان سمع منه أبو محمد بن أبي زيد والقابسي ومحمد بن إدريس وأبو عبد الله الصدفي وغيرهم من أهل أفريقية ومصر والأندلس. توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة وسنه سبع وثمانون سنة مولده سنة ثلاث وسبعين ومائتين وكان سبب موته أنه اصطلى فنعس فالتهبت النار في ثيابه فاحترق إلا موضع سجوده.
стр. 424
عبد الله أبو العباس بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التونسي المعروف بالإبياني
بكسر الهمزة وتشديد الباء ويقال: صوابه تخفيفها التميمي تفقه بيحيى بن عمرو وأحمد بن سليمان وحمديس ويحيى بن عبد العزيز وحماس بن مروان وغيرهم وصحب لقمان بن يوسف وذاكر أبا بكر بن اللباد ويروى عنه الأصيلي وأبو الحسن اللواتي وعمرو بن محمد وسعيد بن ميمون وأبو علي الغولي والقابسي وابن أبي زيد وغيرهم.
كان عالم إفريقية غير مدافع من شيوخ أهل العلم وحفاظ مذهب مالك من أهل الخير والوجاهة ويميل إلى مذهب الشافعي صيناً منقبضاً حافظاً ذا كلام في الفقه صالحاً ثقة مأموناً إماماً فقيهاً عاقلاً حليماً نبيلاً فصيحاً عالماً بما في كتبه حسن الضبط حسن الحفظ جيد الاستنباط.
كان أبو محمد بن أبي زيد إذا نزلت به نازلة مشكلة كتب بها إليه يبينها له. ولما وصل إلى مصر تلقاه نحو من أربعين فقيهاً لم يكن فيهم أفقه منه وقال بن شعبان ما يزال بالمغرب علم مادام فيه أبو العباس
стр. 425
وقال من أراد أن ينظر إلى فقيه فلينظر إليه. وقال لا يزال أهل المغرب بخير ما دام بين أظهرهم وما عدى النيل منذ خمسين سنة أعلم منه. وكان أبو الحسن القابسي يقول: ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس كان يفصل المسائل كما يفصل الجزار الحاذق اللحم وكان يحب المذاكرة في العلم ويقول: دعونا من السماع ألقوا المسائل وكان يدرس كتاب بن حبيب وذكر اللواتي: إنه قرأ على أبي العباس في الواضحة صدراً من كتاب البيوع فقال له: بقي من الكتاب حديث كذا ومسألة كذا؟ فنظرنا فلم نر شيئاً ثم تأملنا فإذا ورقتان قد التصقتا فتجاوزناهما فإذا فيهما كل ما ذكره فتعجبنا من حفظه. وكان قليل الفتوى وقال له بن القوطي: أنت اليوم عندنا فقال له أبو العباس: تعلم أنه لا ضيافة على أهل الحضر؟ فقال أبو إسحاق: قال بن عبد الحكم: عليهم الضيافة وقال أبو العباس لرجل: تحب أن تفلح؟ قال: نعم قال: فلتكن نفسك عندك أهون من الزبل الذي على المزبلة وكان كثير التواضع وإذا قيل له: الفقيه يقول: لقب لقبناه وكانت له فراسة لا تكاد تخطئ يذكر أنه قال لأبي الحسن القابسي
стр. 426
وهو يطلب عليه: والله لتضربن إليك آباط الإبل من أقصى المغرب فكان كما قال وقال:
ماذا تريك حوادث الأزمان ... وصروفها وطوارق الحدثان
وأشد ما ألقى وأنضج للحشا ... عدم الوفاء وجفوة الإخوان
توفي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة وقيل سنة إحدى وستين وهو بن مائة سنة غير أربعة أشهر.
ومن الطبقة السادسة من أهل إفريقية:
عبد الله أبو محمد بن أبي زيد
واسم أبي زيد: عبد الرحمن نفزي النسب سكن القيروان وكان إمام المالكية في وقته وقدوتهم وجامع مذهب مالك وشارح أقواله وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية وكتبه تشهد له بذلك فصيح القلم ذا بيان ومعرفة بما يقوله ذاباً عن مذهب مالك قائماً بالحجة عليه بصيراً بالرد على أهل الأهواء يقول الشعر ويجيده ويجمع إلى ذلك صلاحاً تاماً وورعاً وعفة.
وحاز رئاسة الدين والدنيا وإليه كانت الرحلة من الأقطار ونجب أصحابه وكثر الآخذون عنه وهو الذي لخص المذهب وضم نشره وذب عنه وملأت البلاد تآليفه عارض كثير من الناس أكثرها فلم يبلغوا
стр. 427
مداه مع فضل السبق وصعوبة المبتدأ وعرف قدره الأكابر وكان يعرف بمالك الصغير.
وقال فيه القابسي: هو إمام موثوق به في ديانته وروايته وقال أبو الحسن: علي بن أبي عبد الله القطان: ما قلدت أبا محمد بن أبي زيد حتى رأيت النسائي يقلده واستجازه بن مجاهد البغدادي وغيره من أصحابه البغداديين واجتمع فيه العلم والورع والفضل والعقل شهرته تغني عن ذكره وكان سريع الانقياد والرجوع إلى الحق.
تفقه بفقهاء بلده وسمع من شيوخها وعول علي أبي بكر بن اللباد وأبي الفضل القيسي وأخذ أيضاً عن محمد بن مسرور بن الغسال وعبد الله بن مسرور بن الحجام والقطان والإبياني وزياد بن موسى وسعدون الخولاني وأبي العرب وأحمد بن أبي سعيد وحبيب: مولى بن أبي سليمان في آخرين.
ورحل فحج وسمع من بن الأعرابي وإبراهيم بن محمد بن المنذر وأبي علي بن أبي هلال وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي وسمع أيضاً من الحسن بن بدر ومحمد بن الفتح والحسن بن نصر السوسي ودراس بن إسماعيل وعثمان بن سعيد الغرابلي وغيرهم واستجاز بن شعبان والأبهري
стр. 428
والمروزي وسمع منه خلق كثير.
وتفقه عنه جلة: فمن أصحابه القرويين: أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو القاسم البرادعي واللبيدي وابنا الأجدابي وأبو عبد الله الخواص وأبو محمد مكي المقري. ومن أهل الأندلس: أبو بكر بن موهب المقبري وابن عابد وأبو عبد الله بن الحذاء وأبو مروان القنازعي ومن أهل سبتة: أبو عبد الرحمن بن العجوز وأبو محمد بن غالب وخلف بن ناصر ومن لا يعد كثرة ومن أهل المغرب: أبو علي بن أمد كتوا السجلماسي.
ذكر تآليفه:
له كتاب النوادر والزيادات على المدونة مشهور أزيد من مائة جزء وكتاب مختصر المدونة مشهور أيضاً وعلى كتابيه هذين المعول في التفقه وكتاب تهذيب العتبية وكتاب الإقتداء بأهل المدينة وكتاب الذب عن مذهب مالك وكتاب الرسالة مشهور وكتاب التنبيه على القول في أولاد المرتدين ومسألة الحبس على أولاد الأعيان وكتاب تفسير أوقات الصلوات وكتاب الثقة بالله والتوكل على الله وكتاب المعرفة واليقين وكتاب المضمون من الرزق وكتاب المناسك ورسالة فيمن تؤخذ عنه تلاوة القرآن والذكر حركة
стр. 429
وكتاب رد السائل وكتاب حماية عرض المؤمن وكتاب البيان عن إعجاز القرآن وكتاب الوساوس ورسالة إعطاء القرابة من الزكاة ورسالة النهي عن الجدل ورسالة في الرد على القدرية ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي وكتاب الاستظهار في الرد على الفكرية وكتاب كشف التلبيس في مثله ورسالة الموعظة والنصيحة ورسالة طلب العلم وكتاب فضل قيام رمضان ورسالة الموعظة الحسنة لأهل الصدق ورسالة إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن ورسالة في أصول التوحيد وجملة تآليفه كلها مفيدة بديعة غزيرة العلم.
وذكر أنه دخل يوماً على أبي سعيد بن أخي هشام يزوره فوجد مجلسه محتفلاً فقال له: بلغني: أنك ألفت كتباً؟ فقال له: نعم أصلحك الله فإن أصبت أخبرتنا وإن أخطأت علمتنا؟ فسكت أبو سعيد ولم يعاوده. وتوفي ﵀ سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
стр. 430
عبد الله أبو محمد بن إسحاق المعروف بابن التبان
الفقيه الإمام كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك وكان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه والكلام على أصول التوحيد مع فصاحة اللسان وكان مستجاب الدعوة رقيق القلب غزير الدمعة وكان من الحفاظ وكان يميل إلى الرقة وحكايات الصالحين عالماً باللغة والنحو والحساب والنجوم.
وذكره القابسي بعد موته فقال: رحمك الله يا أبا محمد فقد كنت تغار على المذهب وتذب عن الشريعة وكان من أشد الناس عداوة لبنى عبيد كريم الأخلاق حلو المنظر بعيداً من الدنيا والتصنع من أرق أهل زمانه طبعاً وأحلاهم إشارة وألطفهم عبارة سمع منه أبو القاسم المنستيري ومحمد بن إدريس بن الناظور وأبو محمد بن يوسف الحبي وأبو عبد الله الخراط وابن اللبيدي.
стр. 431
فائدة قال أبو محمد لبعض من يتعلم منه: خذ من النحو ودع وخذ من الشعر وأقل وخذ من العلم وأكثر فما أكثر أحد من النحو إلا حمقه ولا من الشعر إلا أرذله ولا من العلم إلا شرفه وقال يوماً: لا شيء أفضل من العلم قال الجبنياني: العمل به أفضل؟ فقال: صدق العلم إذا لم يعمل به صاحبه فهو وبال عليه وإذا عمل به كان حجة له ونوراً يوم القيامة.
وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من جمادى الأخيرة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وصلى عليه القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم وخرج الناس لجنازته من ثلث الليل حتى ضاقت بهم الشوارع وفاضوا في الصحراء غدوة الثلاثاء مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
стр. 432
ومن الأندلس:
عبد الله أبو محمد الأصيلي
هو عبد الله بن إبراهيم أصله من كورة شذونة ورحل به أبوه إلى أصيلا من بلاد العدوة فسكنها ونشأ أبو محمد بها وطلب العلم بالآفاق وتفقه بقرطبة منذ صباه بشيخيها: اللؤلؤي وأبي إبراهيم وسمع من بن المشاط والقاضي أبي سليم وأبان بن عيسى ونظرائهم وأخذ عن وهب بن مسرة بوادي الحجارة وعن بن مخلوف وغيرهم.
ورحل إلى المشرق فلقي شيوخ إفريقية كأبي العباس الإبياني وأبي العرب وعلي بن مسرور وعبد الله بن أبي زيد وكتب عنه بن أبي زيد عن شيوخه الأندلسيين ولقي بمصر القاضي أبا الطاهر البغدادي وابن شعبان والنيسابوري وغيرهم وحج فلقي بمكة سنة ثلاث وخمسين أبا زيد المروزي وسمع منه البخاري وأبا بكر الآجري وبالمدينة قاضيها أبا مروان المالكي وسار إلى العراق فلقي بها الأبهري رئيس المالكية وأخذ عنه الأبهري أيضاً وحدث عن الدارقطني واضطرب في المشرق نحو ثلاثة عشر عاماً وسمع ببغداد عرضته الثانية في البخاري من أبي زيد وسمعه - أيضاً - من أبي أحمد الجرجاني وهما شيخاه في البخاري وعليهما يعتمد فيه ثم انصرف إلى الأندلس بأثر موت الحكم فبقي بها إلى أن مات وابن أبي عامر على غاية التعظيم له وإليه انتهت الرئاسة بالأندلس في المالكية وألف كتاباً على الموطأ سماه بالدليل ذكر فيه خلاف
стр. 433
مالك والشافعي وأبي حنيفة وكان متفنناً نبيلاً عارفاً بالحديث والسنة.
قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أر مثله وقال غيره: كان من حفاظ مذهب مالك والتكلم على الأصول وترك التقليد من أعلم الناس بالحديث وأبصرهم بعلله ورجاله وله نوادر حديث: خمسة أجزاء.
وولي قضاء سرقسطة وقام بالشورى بقرطبة حتى كان نظير بن أبي زيد بالقيروان على هديه - إلا أنه كان فيه ضجر شديد يخرجه أوقات الغيظ إلى غير صفته توفي ﵀ يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة. وكان جمعه مشهوداً وأوصى أن يكفن في خمسة أثواب وكان آخر ما سمع منه حين احتضر: اللهم إنك قد وعدت الجزاء على المصيبة ولا مصيبة علي أعظم من نفسي فأحسن جزائي فيها يا أرحم الراحمين.
وكان كثيراً ما يذكر الأربعمائة وما يكون فيها من الفتن ويدعو الله أن يقبضه قبلها فأجاب الله دعاءه.
стр. 434
قال محمد بن رشيق: وممن استدركناه من أهل سبتة من الطبقة التاسعة:
عبد الله أبو محمد بن غالب بن تمام بن محمد الهمذاني
الشيخ صالح المرى الذي يأتي ذكره مع الفقيه عبد الرحمن بن العجوز من بيت علم وجلالة أصلهم من تكور وسكنوا سبتة وأبوه غالب من أهل العلم صاحب وثائق وتفقه وحساب وفرائض وله في ذلك تآليف كان ابنه أبو محمد هذا واحد عصره علماً وتقى وجلالة وديناً وفضلاً حمل عن أشياخ سبتة ورحل إلى الأندلس فسمع من الأصيلي وأبي بكر الزبيدي ورحل نحو الثمانين فدخل القيروان وسمع من أبي محمد بن أبي زيد كتبه وسمع بمصر من بن المهندس والوشا وقيل إنه دخل العراق.
وكان متفنناً في علوم جمة قائماً بمذهب المالكية نظاراً حافظاً بليغاً أديباً شاعراً مجيداً وشاوره بن زوبع في حياته ثم اعتمدت الشورى عليه إلى أن مات قيل إن رجلاً من أهل سبتة رفع مسألة إلى القيروان فقيل له: أليس بن غالب حياً؟ قال: نعم قال: ما ينبغي لبلد فيه مثله أن يرفع منه سؤال وله أشعار كثيرة وسمع عليه جماعة من أهل سبتة: ابنه القاضي أبو عبد الله
стр. 435
وإسماعيل بن حمزة وأبو محمد المسيلي والقاضي بن حجاج وغيرهم وتوفي في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
عبد الله بن حنين بن عبد الله بن عبد الملك الكلابي
مولاهم كنيته أبو محمد قرطبي يعرف بابن أخي ربيع الصباغ سمع من الأعناقي وأسلم وأبي صالح أيوب بن سليمان وابن لبابة وأحمد بن خالد وابن أيمن وغيرهم وأدرك بن وضاح ولم يسمع منه وحج آخر عمره فسمع بمصر من محمد بن زيان والباهلي وسمع منه بها أبو سعيد بن يونس وأبو عمر الكندي وغيرهما.
كان معتنياً بالحديث إماماً فيه بصيراً بعلله حسن التأليف فيه وله تآليف في معرفة الرجال وعلل الحديث واختصر مسند بقي الدين بن مخلد وكتاب التفسير له وهو المبتدئ بتأليف كتاب الاستيعاب لأقوال مالك - مجردة - دون أقوال أصحابه الذي تممه أبو عمر بن المكوى وأبو بكر المعيطي.
وثقه أبو محمد الباجي وأثنى عليه وقال أحمد بن سعيد: كان من أهل العلم والتفنن والمروءة مع هدي حسن وسمت عجيب لم أر مثله وقاراً وحلماً وسعة في الحديث ومعانيه. وكتب الناس عنه بالمشرق توفي سنة ثمان عشرة وقيل: تسع عشرة وثلاثمائة.
стр. 436
عبد الله أبو محمد بن الشقاق بن سعيد بن محمد القرطبي
شيخ المفتين في وقته وأحد أكابر أصحاب أبي عمر المكوى المختصين به تفقه به قال أبو مروان: كان بن الشقاق أحد علماء الأندلس المبرزين في العلم والفتيا.
مسألة وكان هو وصاحبه بن دحون يرخصان في السماع. توفي في شهر رمضان في سنة ست وعشرين وأربعمائة.
стр. 437
عبد الله أبو محمد بن يحيى بن دحون
أحد الشيوخ الجلة المفتين بقرطبة وأحد كبار أصحاب بن المكوى قال بن حيان: لم يكن في أصحاب بن المكوى أفقه منه ولا أغوص على الفتيا ولا أضبط للرواية مع نصيب وافر من الأدب في الخير. توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
عبد الله الشنتجالي أبو محمد بن سعيد الشنتجالي
الشيخ الصالح العالم رحل إلى المشرق وجاور بمكة بضعاً وثلاثين سنة واشتهر هناك وانتفع به وحصل على منزلة رفيعة في النسك والخير سمع من أبي بكر المطوعي وأبي ذر الهروي وأبي عبد الله الوشا وانصرف إلى الأندلس سنة ثلاث وثلاثين راغباً في الجهاد فلم يزل مثابراً عليه في الثغور والناس يأخذون عنه خلال ذلك حدث عنه خلق كثير وآخر من حدث عنه بالإجازة أبو محمد بن عتاب وله مختصر في الفقه مشهور. توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
стр. 438
عبد الله بن مالك أبو مروان
وقيل اسمه عبيد الله بن محمد بن عبد الله قرطبي كان أبوه محمد يتفقه على ضعف معرفة ثم توفي وابنه هذا قد علق بصناعة الحرير فتعلق إذ ذاك بالطلب وانقطع إلى فقهاء طليطلة ثم عاد إلى وطنه وجد في طلبه وأخذ عن أبي الأصبغ وغيره ورسخ في مذهب مالك واستظهر كتاب المدونة وله فيه مختصر حسن وله بصر بالحساب والفرائض واللسان والكلام وله في عقيدة أهل السنة والكلام عليها كتاب حسن وبأبي عبد الله بن عتاب تفقه القرطبيون: ابن سهل وغيره.
وكان كثير الجهاد والرباط ولم تكن له كتب إلا فقه معاني النحاس ومختصره للمدونة وأشياء من الكتب قليلة وكان إذا ذكر عنده المكثرون من الكتب وجمع الدواوين يقول: والله لأموتن وأنا أجهل كثير مما في كتبي هذه فماذا أصنع بالإكثار منها؟ وكان بينه وبين بن عتاب مباينة ومخالفة في الفتوى وتوفي بقرطبة في جمادى الأولى من سنة ستين وأربعمائة.
стр. 439
عبد الله بن محمد بن خالد بن مرتنيل
أبو محمد قرطبي نبيه من أهل العلم سمع من أبيه وعيسى بن دينار ويحيى بن يحيى ورحل فسمع من سحنون الأسدية قبل أن يدونها وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج وعبد الملك بن هشام ولم يكن له علم بالحديث سمع منه بن لبابة ونظراؤه كان صلباً متديناً ورعاً مهيباً منقبضاً عن السلطان معظماً للعلم كان الناس في مجلسه كأنما على رؤسهم الطير إجلالاً له وكان حافظاً للفقه مقدماً على أصحابه وبيته بيت علم وجلالة وابنه أحمد من أهل العلم والجلالة يكنى أبا عمرو. وتوفي عبد الله سنة ست وخمسين ومائتين وقال بن حارث في سنة إحدى وستين.
стр. 440
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم
أبو محمد قرطبي يروي عن أسلم وابن أبي تمام وابن خالد وابن أيمن وعثمان بن عبد الرحمن ومحمد بن قاسم وعبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ والخشني وكان عالماً بالحديث ضابطاً لما رواه بصيراً بالإعراب فقيهاً مشاوراً له تآليف. توفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن السيد النحوي
من أهل بطليوس يكنى أبا محمد روى عن أخيه علي بن محمد وأبي بكر بن عاصم بن أيوب الأديب وعن أبي سعيد الوراق وغيرهم كان عالماً بالآداب واللغات مستبحراً فيهما مقدماً في معرفتهما وإتقانهما.
وكان حسن التعليم جيد التلقين ثقة ضابطاً أخذ الناس عنه وانتفعوا به وألف كتباً حساناً منها كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وكتاب شرح فيه الموطأ وكتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة إلى غير ذلك من تآليفه. توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
стр. 441
عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع بن سليمان
من أهل إشبيلية سكن قرطبة يكنى أبا محمد روى ببلده عن أبي عبد الله: محمد بن أحمد بن منظور وعن أبي محمد بن خزرج وأبي القاسم: حاتم بن سراج وكان حافظاً للحديث وعلله عارفاً بأسماء رجاله ضابطاً لما كتبه ثقة فيما رواه.
وصحب أبا علي الغساني وانتفع به وكان أبو علي يصفه بالمعرفة ويفضله وألف كتباً حساناً منها كتاب الإقليد في بيان الأسانيد وكتاب تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ وكتاب لسان البيان عما في كتاب أبي نصر الكلاباذي من الإغفال والنقصان وكتاب المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج إلى غير ذلك. توفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
стр. 442
قلت: ومن كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان:
عبد الله بن نجم بن شاس
بن نزار بن عشاير بن عبد الله بن محمد بن شاس الجذامي السعدي فقيه مالكي كنيته أبو محمد الملقب بالخلال كان فقيهاً فاضلاً في مذهبه عارفاً بقواعده رأيت بمصر جمعاً كثيراً من أصحابه يذكرون فضائله وصنف في مذهب الإمام مالك ﵁ كتاباً نفيساً سماه الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وصنفه على ترتيب الوجيز لأبي حامد الغزالي وفيه دلالة على غزارة فضائله والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده وكان مدرساً بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق وتوجه إلى ثغر دمياط لما أخذه العدو المخذول بنية الجهاد فتوفي هناك في جمادى الآخرة أو في رجب سنة عشر وستمائة. وشاس بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف قلت: وذكر وفاته الحافظ زكي الدين المنذري ثم قال: وحدث وسمعت منه وصنف غير الجواهر ومال إلى النظر في السنة النبوية والاشتغال بها
стр. 443
وكان على غاية من الورع وبعد عوده من الحج امتنع من الفتيا إلى حين وفاته قلت: وهو من بيت إمارة وكان شاس أمير مائة ألف مقدم ولم أحقق هل هو شاس: جده أو شاس: الذي هو سادس جد له؟ والله تعالى أعلم.
عبد الله بن أيوب الأنصاري
يكنى أبا محمد ويعرف بابن حروج من أهل قلعة أيوب فقيه حافظ لمذهب مالك استوطن غرناطة وسكنها وألف في الفقه كتاباً مفيداً سماه المبسوطة على مذهب مالك بن أنس في ثمانية أسفار أتقن فيه كل الإتقان. توفي بها سنة ثنتين وستين وخمسمائة وقد قارب المائة.
عبد الله بن أحمد بن محمد بن منخل بن زيد الغافقي
من أهل غرناطة وأعيانها يكنى أبا محمد كان رجلاً صحيح المذهب سليم الصدر قديم التعين والأصالة ولي القضاء طول عمره بمواضع كثيرة أخذ عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وعن الحافظ شرف الدين
стр. 444
أبي محمد: عبد المؤمن الدمياطي وعز الدين بن عبد السلام ألف كتاباً سماه بالمنهاج في ترتيب مسائل أبي عبد الله بن الحاج. توفي في غرناطة في عام إحدى وثلاثين وسبعمائة مولده في حدود ستين وستمائة.
عبد الله بن غالب بن طلحة بن أحمد بن عبد الله بن غالب المحاربي
غرناطي يكنى أبا بكر كان محدثاً صدوقاً ثقة علي الرواية انفرد في وقته بالرواية عن ابن عم أبيه من بيت علم وجلالة فقيهاً حافظاً عارفاً بالمسائل ذاكراً لفروع المذهب بصيراً بالفتيا صدراً في أهلها مع الصلاح التام وكثرة الصدقة.
روى عن أبيه وابن عم أبيه: عبد الحق بن أبي بكر بن غالب بن عطية وأبي الحسن بن الباذش وأبي الفضل: عياض وأخذ عن أبي عبد الله بن الحاج وابن العربي وأبي بحر الأسدي وأبي الحسن شريح وأبي عبد الله بن أبي الخصال وأبي القاسم بن بقي ومحمد بن هشام بن أبي حمزة وأبي محمد بن عتاب وغيرهم من الجلة مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة
стр. 445
توفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن أبي زمنين المري
يكنى أبا خالد كان فقيهاً جليلاً وولي القضاء ببعض جهات غرناطة أخذ الفقه عن أبي جعفر بن عبد الله خولا وأبي محمد بن سماك القاضي والعربية من الخضر بن رضوانا والحديث عن الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية والإمام أبي الحسن: علي بن محمد والقاضي أبي الفضل: عياض بن موسى أيام قضائه بغرناطة. توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
стр. 446
عبد الله بن سليمان بن داود بن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي
يكنى أبا محمد كان فقيهاً جليلاً أصولياً نحوياً كاتباً أديباً شاعراً متفنناً في العلوم ورعاً ديناً حافظاً ثبتاً فاضلاً وكان يدرس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد ويميل إلى الاجتهاد في نظره ويغلب طريقة الظاهرية وولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة فتظاهر بالعدل.
وكان من العلماء العاملين سنياً مجانباً لأهل البدع والأهواء وسمع على بن بشكوال وقرأ أكثر من ستين تأليفاً من كبار وصغار وأكثر عن بن حبيش والسهيلي وابن الفخار وغيرهم واستيفاء مشيخته يطول. توفي سنة ثنتي عشرة وستمائة.
стр. 447
عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد
المغربي الأصل الشارمساحي المولد الإسكندري المنشأ والدار كان إماماً عالماً على مذهب مالك بحر علم لا تكدره الدلاء ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بأهله وولده وصحبه جماعة من الفقهاء فتلقاه الخليفة المستنصر بالله بالترحيب والإقبال وبلوغ الآمال.
وكان دخوله إلى بغداد سابع عشر المحرم فلما كان في عاشر صفر استدعي إلى دار الوزارة وأخلع عليه خلعة خليفية سوداء وعمامة وطرفة وأعطي بغلة بمركب جميل وولي تدريس المدرسة المستنصرية وكذلك فعل بالمدرسين بالمدرسة المذكورة من الخلع والمراكب.
وكان أول من أنشأها الخليفة وأمر الخليفة أن
стр. 448
يحضر عنده جميع المدرسين بجميع المدارس ببغداد وجميع أرباب الدولة وحجاب الدواوين فحضروا وخطب خطبة بليغة فصيحة بصدر منشرح وأمل منفسح وذكر اثني عشر درساً وألقى عليه بعض العلماء مسألة بيوع الآجال فقال: أذكر فيها ثمانين ألف وجه فاستغرب فقهاء بغداد من ذلك فشرع يسردها عليهم إلى أن انتهى إلى مائتين وجهاً فاستطالوها وأضربوا عن سماعها واعترفوا بفضل الشيخ وسعة علمه.
وله كتاب نظم الدرر في اختصار المدونة اختصرها على وجه غريب وأسلوب عجيب من النظم والترتيب ولذلك سماه نظم الدرر وهي تسمية طابقت مسماها وشرحه بشرحين وله كتاب الفوائد في الفقه وكتاب التعليق في علم الخلاف وكتاب شرح آداب النظر وكتاب شرح الجلاب وغير ذلك مولده سنة تسع وثمانين وخمسمائة وتوفي سنة تسع وستين وستمائة
стр. 449
وشارمساح اسم بلد بمصر وهي بشين معجمة بعدها ألف وراء مهملة وميم ساكنة وسين مهملة وألف وحاء مهملة.
عبد الله بن محمد المسيلي
جمال الدين أبو محمد الإمام العلامة الأوحد البارع المتفنن صاحب المصنفات البديعة والعلوم الرفيعة كان حاله عجيباً ومنزعه غريباً وتصانيفه في غاية الجودة والإفادة والتنقيح وانتفع به القاضي فخر الدين بن شكر المالكي. توفي سنة أربع وأربعين وسبعمائة بالقاهرة.
عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق الشيبي
العبدري المالكي الصاحب الوزير صفي الدين تفقه في مذهب مالك على الفقيه أبي بكر: عتيق البجائي وبه تخرج ودخل الإسكندرية وتفقه بها على أبي القاسم: مخلوف بن علي المعروف بابن جارة وسمع عليه وعلى الإمام أبي الطاهر: إسماعيل بن مكي بن عوف وأبي الطيب: عبد المنعم بن يحيى الحميري وسمع من الحافظ السلفي وله:
стр. 450
مهما تهاون في أمري امرؤ وغدا ... مبالغاً لا أرى إلا مبجله
وإن أساء مسيء فوق طاقته ... أحسنت مجتهداً حتى أخجله
وأجاز له أبو محمد: القاسم بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر وأبو محمد: عبد الله بن بري وأبو القاسم: هبة بن علي البوصيري وغيرهم من الكبار وذكره الحافظ زكي الدين أبو محمد المنذري في معجمه وكتب عنه وقال: كان مؤثراً للعلماء والصالحين كثير البر لهم والتفقد لأحوالهم لا يشغله ما هو فيه من كثرة الاشتغال عن مجالستهم.
وصنف كتاب البصائر في الفقه على مذهب الإمام مالك وأنشأ مدرسة ورباطاً بالقرب من داره وأوقف لهما مرتبات وداره بمكان يسمى سويقة الصاحب وتوفي يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنين وعشرين وستمائة بالقاهرة وصلى عليه بمدرسته التي أنشأها ودفن برباطه الذي بقرب داره رحمه الله تعالى.
стр. 451
عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي أبو الوليد القرطبي الحافظ
مؤلف تاريخ الأندلس كان فقيهاً عالماً بجميع فنون العلم وقال أبو مروان بن حيان: وممن قتل يوم فتح قرطبة: الفقيه العالم الأديب الفصيح بن الفرضي قتله البربر في داره وواروه من غير غسل ولا كفن ولا صلاة ولم ير مثله في سعة الرواية بقرطبة كان حافظاً للحديث متقناً لعلومه أديباً بارعاً ولي قضاء بلنسية وكان حسن البلاغة والخط. وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة عن اثنين وخمسين سنة.
عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم أبو محمد
أحد الأعلام الزهاد كانوا يشبهونه بسفيان الثوري رحل إلى الشام والعراق وسمع أبا القاسم بن أبي العقب وغيره من الكبار
стр. 452
قال بن الفرضي: كان جليلاً زاهداً عالماً شجاعاً مجاهداً ولاه المستنصر القضاء فاستعفاه فأعفاه وكان فقيهاً صلباً ورعاً قال بن الفرضي: سمعت عليه علماً كثيراً. توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة عن ثلاث وستين سنة.
عبد الله بن إسحاق بن التيان أبو محمد القيرواني
قال القاضي عياض: ضربت إليه آباط الإبل من الأمصار وكان حافظاً بعيداً من التصنع والرياء فصيحاً. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن هارون
بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي يكنى أبا محمد كان إماماً عالماً ديناً فاضلاً كاتباً مسنداً وعمر أخذ الناس عنه كثيراً وأخذ عنه شيخنا أبو عبد الله الوادآشي ونظراؤه من مشايخ العلم والحديث
стр. 453
مولده سنة ثلاث وستمائة وتوفي سنة اثنتين وسبعمائة ودفن بالزلاج بتونس.
عبد الله بن محمد بن أبي القاسم
فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي الأصل المدني المولد والمنشأ كنيته أبو محمد قرأ القرآن على الشيخ أبي عبد الله القصري المقري وروى عنه وسمع الحديث بالمدينة على والده وعلى أبي عبد الله: محمد بن حريث البلنسي ثم السبتي خطيب سبتة وفقيهها وعلى الشيخ عز الدين: يوسف الزرندي والشيخ جمال الدين: محمد بن أحمد المقري والشيخ شرف الدين: الزبير الأسواني وسراج الدين الدمنهوري والشيخ أبي عبد الله: محمد بن جابر الوادآشي وقطب الدين بن مكرم المصري وزين الدين الطبري وسمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري وغير هؤلاء وخرج له الفقيه المحدث شرف الدين بن بكر المصري نزيل مكة المشرفة - مشيخة كثيرة حفيلة مشتملة على ذكر شيوخه ومروياته.
أخذ علم الفقه والعربية عن والده كان من أكابر الأئمة الأعلام ومصابيح الظلام عالماً بالفقه والتفسير
стр. 454
وفقه الحديث ومعانيه وسمعته يقول: لازمت تفسير بن عطية حتى كدت أحفظه وكان بارعاً في علم العربية وتآليفه فيها شاهدة له بذلك ولما لقيه الشيخ أثير الدين أبو حيان شيخ عصره وإمام وقته في العربية - ووقف على كلامه في إعراب بانت سعاد فقال: ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثل هذا الرجل واستعظم علمه وأثنى عليه وسمعته يقول: اشتغلت في علم العربية وأنا بن ثمان عشرة سنة وتخرج عليه فيها جماعة فضلاء.
وكانت مشاركته في أصول الدين مشاركة حسنة وحدث ودرس وأفاد وإليه انتهت الرياسة بالمدينة النبوية أقام مدرساً للطائفة المالكية ومتصدراً للاشتغال بالحرم النبوي أكثر من خمسين سنة وانفرد في آخر عمره بعلو الإسناد فلم يكن في المدينة أعلى سناً وسنداً منه وكان صبوراً على السماع والأشغال وكان كهفاً لأهل السنة يذب عنهم ويناضل الأمراء والأشراف وانتهى به ذلك إلى أن امتحن ورصد في السجن في طريق الحرم فطعن طعنة عظيمة أريد بها قتله فصرف الله عنه شرها وعافاه منها.
وكان عليه مدار أمور الناس بالمدينة النبوية وناب في القضاء نحو أربعة
стр. 455
وعشرين سنة وأم في المحراب النبوي في بعض الصلوات ودعي إلى أن يقوم بالخطابة والإمامة نائباً فامتنع إعظاماً للمقام النبوي وكان كثير التلاوة ليلاً ونهاراً خصوصاً في آخر عمره حتى إني شاهدته في أيام الموسم والناس في أشد ما هم فيه من الاشتغال وهو مشغول بورده في التلاوة لا يقطعه عنه شيء وكان يحيي غالباً الثلث الأخير من الليل بالصلاة والتلاوة من حداثة سنه إلى أن ثقل بمرض الموت ﵀.
وكان مواظباً على الصلوات في الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة وما يفتح باب الحرم في السحر إلا وهو على الباب وحج نحو خمسة وخمسين حجة ولم يخرج من المدينة إلا إلى مكة المشرفة للحج إلى أن مات بالمدينة.
وكان ممن جمع الله تعالى له العلم والعمل والدنيا والدين فكان أعظم أهل المدينة يساراً وأكثرهم عقاراً وأوسعهم جاهاً وأنفذهم كلمة وأعظمهم حرمة وألينهم عريكة وأحسنهم بشاشة صبوراً على الأذى يجزي بالحسنة السيئة ويسع الناس بخلقه ويواسي الفقراء بمعروفه ويصل أعداءه ببره ويحفظ من مات منهم في ذريته وبهمته وسياسته أزال الله تعالى أحكام الطائفة الإمامية من المدينة فعزلت قضاتهم وانكسرت
стр. 456
شوكتهم وخمدت نارهم وذلك أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست وأربعين وسبعمائة - سعى في عزل قضاتهم فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم والإعراض عن حكامهم فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السنة وعلو أمرهم وكم له من حسنات في تمهيد إعزاز السنة وإخماد البدعة نفعه الله بنيته وتغمده برحمته.
وله تآليف عديدة في أنواع شتى منها كتاب الدر المخلص من التقصي الملخص جمع فيه أحاديث الكتابين المذكورين وشرحه بشرح عظيم الفائد في أربع مجلدات سماه: كشف المغطا في شرح مختصر الموطا وشرح مختصر التفريع لابن الجلاب النيلي سماه: كفاية الطلاب في شرح مختصر الجلاب وله: نهاية الغاية في شرح الآية وأسئلة وأجوبة على آيات من القرآن. وله في العربية: العدة في إعراب العمدة عمدة الأحكام في الحديث أعربها إعراباً جامعاً لوجوه الإعراب واللغة والاشتقاقات وسلك فيه مسلكاً غريباً لم يسبق إلى مثله وهو آخر ما ألف وقرئ عليه مراراً وله كتاب التيسير في علمي البناء والتغيير في النحو
стр. 457
وكتاب المسالك الجلية في القواعد العربية وشفاء الفؤاد في إعراب بانت سعاد وله شرح قواعد الإعراب لابن هشام وغير ذلك من التقاييد والتعاليق المفيدة وكتبه كلها في غاية الجودة والإتقان.
ولما حج آخر حجاته قال: هذه حجة الوداع فلما أحس بالمرض أمر بحفر قبره في بقعة مخصوصة فظهر مقطع جص لم يدفن فيه أحد قبله وأوصى أن يعتق عند قبره عبيد وأن يتصدق على الفقراء بصدقة واسعة وكتب وصيته بيده وأخرج من ماله وصايا وتبرعات وصدقات وأوقافاً نحو ثلاثين ألفاً ووقف على الفقراء فرناً تصرف غلته عليهم في كل يوم وأعتق في حياته عدة عبيد وإماء وكان له خادم في الحرم تقرب به لخدمة الضريح النبوي وكان مطمئن النفس بلقاء الله مستحضراً لما ينبغي استحضاره ولما دخل في السياق ذكرته: فقال: ما أنا بغافل رحمه الله تعالى ويشبه هذا الجواب ما وقع للشيخ تاج الدين الفاكهاني - لما حضرته
стр. 458
الوفاة - قال صهره الفقيه ميمون: تشهدت بين يديه ففتح الشيخ عينيه وأنشد:
وغدا يذكرني عهوداً بالحمى ... ومتى نسيت العهد حتى أذكرا؟
توفي ﵀ يوم الجمعة عاشر ربيع الأخير سنة تسع وستين وسبعمائة. مولده يوم الثلاثاء السادس من جمادى الأخيرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى.
стр. 459
من اسمه عبيد الله
من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من أهل مصر:
عبيد الله بن عبد الرحمن بن طلحة أبو محمد الفقيه المالكي بن الحباب
عبيد الله البرقي
هو عبيد الله بن محمد بن عبد الله أبو القاسم يروي عن أبيه وله مختصر على مذهب مالك وبعض الناس يضيف إليه زيادة اختلاف فقهاء الأمصار في مختصر بن عبد الحكم.
ومن الرابعة من أهل المدينة:
عبيد الله أبو الحسن بن المنتاب بن الفضل بن أيوب البغدادي
ويعرف بالكرابيسي أيضاً كذا ذكره جماعة منهم الأبهري وهو الصواب وقيل في اسمه غير هذا قاضي مدينة النبي ﷺ وعداده في البغداديين من أصحاب القاضي إسماعيل وبه تفقه وله كتاب في مسائل الخلاف والحجة لمالك نحو مائتي جزء وقيل إنه ولي قضاء مكة وقيل: تولى
стр. 460
القضاء بالشام أيضاً وهو من شيوخ المالكيين وفهماء أصحاب مالك وحذاقهم ونظارهم وحفاظهم وأئمة مذهبهم روى عنه أبو القاسم الشافعي وأبو إسحاق بن شعبان وأبو الفرج وغيرهم.
ومن السابعة من العراق والمشرق:
عبيد الله بن الحسن أبو القاسم بن الجلاب
ويقال: ابن الحسين بن الحسن تفقه بالأبهري وغيره وله كتاب في مسائل الخلاف وكتاب التفريع في المذهب مشهور وكان أحفظ أصحاب الأبهري وأنبلهم وتفقه به القاضي عبد الوهاب وغيره من الأئمة. وتوفي منصرفه من الحج سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. قال بن رشيق: رأيت في طبقات الشيرازي: أن اسمه عبد الرحمن.
следующие страницы →