← Тараджим

Тараджим · id 6730

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (858 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شوكتهم وخمدت نارهم وذلك أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست وأربعين وسبعمائة - سعى في عزل قضاتهم فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم والإعراض عن حكامهم فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السنة وعلو أمرهم وكم له من حسنات في تمهيد إعزاز السنة وإخماد البدعة نفعه الله بنيته وتغمده برحمته. وله تآليف عديدة في أنواع شتى منها كتاب الدر المخلص من التقصي الملخص جمع فيه أحاديث الكتابين المذكورين وشرحه بشرح عظيم الفائد في أربع مجلدات سماه: كشف المغطا في شرح مختصر الموطا وشرح مختصر التفريع لابن الجلاب النيلي سماه: كفاية الطلاب في شرح مختصر الجلاب وله: نهاية الغاية في شرح الآية وأسئلة وأجوبة على آيات من القرآن. وله في العربية: العدة في إعراب العمدة عمدة الأحكام في الحديث أعربها إعراباً جامعاً لوجوه الإعراب واللغة والاشتقاقات وسلك فيه مسلكاً غريباً لم يسبق إلى مثله وهو آخر ما ألف وقرئ عليه مراراً وله كتاب التيسير في علمي البناء والتغيير في النحو

стр. 457

وكتاب المسالك الجلية في القواعد العربية وشفاء الفؤاد في إعراب بانت سعاد وله شرح قواعد الإعراب لابن هشام وغير ذلك من التقاييد والتعاليق المفيدة وكتبه كلها في غاية الجودة والإتقان. ولما حج آخر حجاته قال: هذه حجة الوداع فلما أحس بالمرض أمر بحفر قبره في بقعة مخصوصة فظهر مقطع جص لم يدفن فيه أحد قبله وأوصى أن يعتق عند قبره عبيد وأن يتصدق على الفقراء بصدقة واسعة وكتب وصيته بيده وأخرج من ماله وصايا وتبرعات وصدقات وأوقافاً نحو ثلاثين ألفاً ووقف على الفقراء فرناً تصرف غلته عليهم في كل يوم وأعتق في حياته عدة عبيد وإماء وكان له خادم في الحرم تقرب به لخدمة الضريح النبوي وكان مطمئن النفس بلقاء الله مستحضراً لما ينبغي استحضاره ولما دخل في السياق ذكرته: فقال: ما أنا بغافل رحمه الله تعالى ويشبه هذا الجواب ما وقع للشيخ تاج الدين الفاكهاني - لما حضرته

стр. 458

الوفاة - قال صهره الفقيه ميمون: تشهدت بين يديه ففتح الشيخ عينيه وأنشد: وغدا يذكرني عهوداً بالحمى ... ومتى نسيت العهد حتى أذكرا؟ توفي ﵀ يوم الجمعة عاشر ربيع الأخير سنة تسع وستين وسبعمائة. مولده يوم الثلاثاء السادس من جمادى الأخيرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى.

стр. 459

من اسمه عبيد الله من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من أهل مصر: عبيد الله بن عبد الرحمن بن طلحة أبو محمد الفقيه المالكي بن الحباب عبيد الله البرقي هو عبيد الله بن محمد بن عبد الله أبو القاسم يروي عن أبيه وله مختصر على مذهب مالك وبعض الناس يضيف إليه زيادة اختلاف فقهاء الأمصار في مختصر بن عبد الحكم. ومن الرابعة من أهل المدينة: عبيد الله أبو الحسن بن المنتاب بن الفضل بن أيوب البغدادي ويعرف بالكرابيسي أيضاً كذا ذكره جماعة منهم الأبهري وهو الصواب وقيل في اسمه غير هذا قاضي مدينة النبي ﷺ وعداده في البغداديين من أصحاب القاضي إسماعيل وبه تفقه وله كتاب في مسائل الخلاف والحجة لمالك نحو مائتي جزء وقيل إنه ولي قضاء مكة وقيل: تولى

стр. 460

القضاء بالشام أيضاً وهو من شيوخ المالكيين وفهماء أصحاب مالك وحذاقهم ونظارهم وحفاظهم وأئمة مذهبهم روى عنه أبو القاسم الشافعي وأبو إسحاق بن شعبان وأبو الفرج وغيرهم. ومن السابعة من العراق والمشرق: عبيد الله بن الحسن أبو القاسم بن الجلاب ويقال: ابن الحسين بن الحسن تفقه بالأبهري وغيره وله كتاب في مسائل الخلاف وكتاب التفريع في المذهب مشهور وكان أحفظ أصحاب الأبهري وأنبلهم وتفقه به القاضي عبد الوهاب وغيره من الأئمة. وتوفي منصرفه من الحج سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. قال بن رشيق: رأيت في طبقات الشيرازي: أن اسمه عبد الرحمن.

стр. 461

عبيد الله بن الإمام يحيى بن يحيى الليثي فقيه قرطبة ومسند الأندلس يكنى أبا مروان كان ذا حرمة عظيمة وجلالة روى عن والده الموطأ وحمل عنه بشر كثير. توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين رحمه الله تعالى.

стр. 462

من اسمه عبد الرحمن من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك من أهل البصرة: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري يكنى أبا سعيد مولى الأزد بصري سمع السفيانين والحمادين ومالكاً وشعبة وعبد العزيز وشريكاً وغيرهم. روى عنه بن وهب وابن حنبل ويحيى وابن المديني وابنا أبي شعبة وأبو عبيد وأبو ثور وأخرج عنه البخاري ومسلم ولازم مالكاً فأخذ عنه كثيراً من الفقه والحديث وعلم الرجال وله معه حكايات قال بن المديني: كان بن مهدي يذهب إلى قول مالك وكان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار وكان سليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب ﵁ وعنا به. وكان يجالس الشافعي ويصحبه مع أحمد بن حنبل فكان الشافعي يقول لهما: ما صح عندكما من الحديث فأعلماني به لأتبعه لأنكما أعلم بالحديث مني. ذكر ثناء الناس عليه وذكر فضله: قال علي بن المديني - مرات: أحلف بالله ما بين الركن والمقام إني لم أر أحداً قط أعلم بالحديث من بن مهدي وقال: هو أعلم الناس وقال بن حنبل: بن مهدي من معادن الصدق.

стр. 463

وكان ورعاً منذ كان وقال بن مهدي: كتب عني الحديث بحلقة مالك وقيل لابن مهدي: إن فلاناً صنف كتاباً في الرد على الجهمية؟ فقال عبد الرحمن: رد عليهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ فقالوا: لا بل بالرأي والعقول فقال: أخطأ رد بدعة ببدعة. قال بن المديني: كان بن مهدي يقال له في الحديث: روى فلان كذا فيقول: هو خطأ وينبغي أن يكون من وجه كذا فنفتش عليه فنجده كما قال وقال بن مهدي: من فرض الرياسة تبعته ومن طلبها لم يكن ينالها. وتوفي بن مهدي بالبصرة في جمادى الأخيرة سنة ثمان وتسعين ومائة وهو بن ثلاث وستين سنة ويقال: مولده سنة خمس ويقال: أربع ويقال: ست وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى.

стр. 464

ومن مصر: عبد الرحمن بن القاسم العتقي الإمام المشهور يكنى أبا عبد الله وهو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة ومن قال فيه جبارة فقد أخطأ مولى زيد بن الحارث العتقي قال بن الحارث: هو منسوب إلى العبيد الذين نزلوا من الطائف إلى النبي ﷺ فجعلهم أحراراً. روى عن مالك والليث وعبد العزيز بن الماجشون ومسلم بن خالد الزنجي وغيرهم روى عنه أصبغ وسحنون وعيسى بن دينار والحارث بن مسكين ويحيى بن يحيى الأندلسي وأبو زيد بن الغمر ومحمد بن عبد الحكم وغيرهم وخرج عنه البخاري في صحيحه. وذكر بن القاسم لمالك فقال: عافاه الله مثله كمثل جراب مملوء مسكاً. قال الدارقطني: هو من كبار المصريين وفقهائهم رجل صالح مقل صابر متقن حسن الضبط.

стр. 465

سئل مالك عنه وعن بن وهب فقال: بن وهب عالم وابن القاسم فقيه. وقال النسائي: بن القاسم ثقة رجل صالح سبحان الله ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك ليس يختلف في كلمة ولم يرو - أحد الموطأ عن مالك أثبت من بن القاسم وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله قيل له: فأشهب؟ قال: ولا أشهب ولا غيره وهو عجب من العجب: الفضل والزهد وصحة الرواية وحسن الحديث حديثه يشهد له. وقال بن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن يعني فقه مالك فعليك بابن القاسم فإنه انفرد به وشغلنا بغيره. وبهذا الطريق رجح القاضي أبو محمد: عبد الوهاب مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن بن القاسم وانفرد بن القاسم بمالك وطول صيته له وأنه لم يخلط به غيره - إلا في شيء يسير ثم كون سحنون أيضاً مع بن القاسم بهذا السبيل مع ما كانا عليه من الفضل والعلم. وقال يحيى بن يحيى: كان بن القاسم أعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه. وقال بن حارث: هو أقعد الناس بمذهب مالك وسمعنا الشيوخ يفضلون بن القاسم على جميع أصحابه في علم البيوع وقال له مالك: اتق الله وعليك بنشر هذا العلم وقال الحارث بن مسكين: كان في بن القاسم: العلم

стр. 466

والزهد والسخاء والشجاعة والإجابة وقال أحمد بن خالد: لم يكن عند بن القاسم إلا الموطأ وسماعه من مالك: كان يحفظهما حفظاً إلا أنه كان لا يحسن أن يقرأ وغاب القارئ يوماً فاحتاج إلى أن يقرأ فما أتم صفحة حتى احمر وجهه ولم يقدر على شيء وقال انظروا من يقرأ لكم وسئل أشهب عن بن القاسم وابن وهب فقال: لو قطعت رجل بن القاسم لكانت أفقه من بن وهب وكان ما بين أشهب وابن القاسم متباعداً فلم يمنعه ذلك من قول الحق فيه وكان علم أشهب: الجراح وعلم بن القاسم: البيوع وعلم بن وهب: المناسك وجمع بن القاسم بين الفقه والورع وصحب مالكاً عشرين سنة وتفقه به وبنظرائه. وقال: قيل لي في المنام - إذا عزمت على الطلب: أن أحببت العلم فعليك بعالم الآفاق فقلت: ومن عالم الآفاق؟ فقيل لي: مالك. ولابن القاسم سماع عن مالك: عشرون كتاباً وكتاب المسائل في بيوع الآجال. وكان بن القاسم لا يقبل جوائز السلطان وكان يقول: ليس في قرب الولاة ولا في الدنو منهم خير وكان يقول: إياك ورق الأحرار فسئل

стр. 467

فقال: كثرة الإخوان. قال بن خلكان: جنادة: بضم الجيم ونون مفتوحة بعد الألف دال مهملة ثم هاء ساكنة والعتقي: بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وبعدها قاف مكسورة هذه النسبة إلى العتقاء وليسوا من قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى: من حجر حمير ومن سعد العشيرة ومن كنانة مضر قال أبو عبد الله القضاعي: وكانت القبائل التي نزلت الطائف العتقاء وهم جماعة من القبائل كانوا يقطعون الطريق على من أراد الإتيان إلى النبي ﷺ فبعث إليهم النبي ﷺ فأتي بهم أسرى فأعتقهم ﷺ فقيل لهم العتقاء. وعبد الرحمن: مولى زيد بن الحارث العتقي وقبره خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب وهما بالقرب من السور ﵄. قال بن سحنون: توفي بن القاسم بمصر - في صفر سنة إحدى وتسعين ومائة وهو بن ثلاث وستين سنة ومولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل سنة ثمان وعشرين ومائة رحمه الله تعالى.

стр. 468

ومن الطبقة الثالثة ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من الأندلس: عبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن يحيى بن بريد براء مهملة مولى معاوية بن أبي سفيان غلبت عليه كنيته: أبو زيد وهو جد بني أبي زيد بقرطبة - المضاف إليه الدرب بمقبرة جامع قرطبة وكان يعرف - بلسان أهل الأندلس القديم - بابن تارك الفرس. سمع من يحيى بن يحيى ورحل إلى المشرق قديماً فأدرك بن كنانة: وابن الماجشون ومطرف بن عبد الله ونظراءهم من المدنيين ولقي بمكة أبا عبد الرحمن المقري صاحب بن عيينة وبمصر: أصبغ بن الفرج. وروى عنه محمد بن لبابة وابن حميد وسعيد بن عثمان الأعناقي وأبو صالح ومحمد بن سعيد بن الملون ومحمد بن فطيس وغيرهم وله من سؤاله المدنيين ثمانية كتب تعرف بالثمانية مشهورة وكان عنده حديث كثير والأغلب عليه الفقه وكان متقدماً في الشورى في حياة يحيى بن يحيى وهو فتى. كان بن لبابة والأعناقي يصفانه بالعلم والفقه والتفقه ويقال في كنيته أبو يزيد وأراه تصحيفاً لأن بنيه إلى اليوم يعرفون ببني أبي زيد ودربه بقرب الجامع بقرطبة يعرف بدرب أبي زيد. توفي سنة ثمان وخمسين وقيل: في جمادى الأخيرة - سنة تسع وخمسين ومائتين.

стр. 469

ومن الطبقة السادسة من مصر: عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري أبو القاسم فقيه كثيراً الحديث من شيوخ الفسطاط وكبار فقهاء المالكية وشيوخ السنة سمع من بن شعبان ومؤمل بن يحيى وأبي القاسم العثماني والحسن بن رشيق وأحمد بن محمد الإمام وأبي الطاهر القاضي وأبي علي المطرز وعبد الصمد بن محمد النيسابوري وحمزة بن محمد الكناني وغيرهم. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو محمد الأجدابي من القرويين ومن المصريين: ابنه وأبو الحسين بن فهد وأبو العباس بن نفيس المقري وأبو علي الحراني وأبو بكر بن عقال وابن الحذاء وأبو عمر الطلمنكي قال أبو عبد الله بن الحذاء: كان فقيهاً ورعاً منقبضاً خيراً من جلة الفقهاء وكان قد لزم بيته لا يخرج منه قال الباجي: لا بأس به

стр. 470

وألف كتاب: مسند الموطأ وكتاب مسند ما ليس في الموطأ. توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ورضي عنه. ومن الطبقة الوسطى من أصحاب مالك من أهل الأندلس: عبد الرحمن بن موسى الهواري أبو موسى من أهل إستجة استقضي على بلده لقي مالكاً وابن عيينة وغيرهما والأصمعي وأبا زيد وغيرهما من رواة الغريب كان حافظاً للفقه والتفسير والقراءات وله كتاب في تفسير القرآن وكان إذا قدم قرطبة لم يفت عيسى ولا يحيى ولا سعيد بن حسان حتى يرحل عنها توقيراً له وكان فصيحاً ضرباً من الإعراب رحمه الله تعالى. ومن الطبقة الصغرى من أصحاب مالك من مصر: عبد الرحمن بن أبي جعفر الدمياطي روى عن مالك وسمع من كبار أصحابه كابن وهب وابن القاسم وأشهب وله عنهم سماع مختصر مؤلف حسن وهذه الكتب معروفة باسمه تسمى بالدمياطية.

стр. 471

روى عنه يحيى بن عمر والوليد بن معاوية وعبيد بن عبد الرحمن وغيرهم. توفي سنة ست وعشرين ومائتين. ومن الطبقة الأولى ممن لم ير مالكاً من مصر: عبد الرحمن أبو زيد بن عمر بن أبي الغمر مولى بني سهم يروي عن يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني وابن القاسم وأكثر عنه وابن وهب وغيرهم ورأى مالكاً ولم يأخذ عنه شيئاً روى عنه ابناه وأخرج عنه البخاري في صحيحه وأبو زرعة محمد بن المواز وأبو إسحاق البرقي ويحيى بن عمر. وله سماع من بن القاسم - مؤلف. هو شيخ ثقة قال الكندي: كان فقيهاً مفتياً قال بن بان: والذي لا إله إلا هو ما رأيت أفضل من أبي زيد بن أبي الغمر ولا أحاشي أحداً. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين مولده سنة ستين ومائة رحمه الله تعالى.

стр. 472

ومن أهل الأندلس: عبد الرحمن بن دينار قال الرازي: كان فقيهاً عالماً حافظاً يكنى أبا زيد كانت له رحلتان استوطن في إحداهن المدينة وهو الذي أدخل المعروفة بالمدينة إلى المغرب سمعها منه أخوه عيسى ثم خرج بما عيسى فعرضها على بن القاسم فرد فيها أشياء من رأيه. كان عبد الرحمن من الحفاظ المتقدمين وخيار الصالحين وبنو دينار معروفون بالعلم. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى ورضي عنه.

стр. 473

ومن الطبقة السادسة من الأندلس: عبد الرحمن بن عيسى بن محمد يعرف بابن مدارج أبو المطرف أخذ ببلده طليطلة عن عبد الله بن سعيد وبقرطبة عن ابن أيمن وقاسم بن أصبغ وناظر عندهم في الفقه وأكثر من الرواية ورحل إلى المشرق فلقي جماعة من الشيوخ الأعيان كان ممن جمع الحديث والرأي وحفظ وأتقن وكان من أهل العلم والعمل به ورعاً عالماً بمذهب مالك حافظاً له راسخاً في علمه يتكلم في كل علم ويغلب عليه الفقه كان يتفقه عنده ويسمع منه وله أوضاع كثيرة في غير ما فن من فنون العلم وكان يرحل إليه للرواية والتفقه ويذكر عنه استجابة الدعوة وتوفي في جمادى الأخيرة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.

стр. 474

ومن الطبقة الثامنة من الأندلس: عبد الرحمن القاضي بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشير مولى بنى فطيس أبو المطرف المعروف بابن الحصار كان هذا من أجل علماء وقته. صحب بن ذكوان: قاضي الجماعة وكتب له وولي الشورى ثم ولي القضاء ولم يكن في وقته مثله وبه تفقه بن عتاب وكتب بين يديه وكان يفخر بن عتاب بذلك ويثني عليه وكانت مدة قضائه اثنتي عشرة سنة. توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. قال صاحب الصلة: كان بن عتاب يحله من الفقه بمحل كبير ومن علم الشروط والوثائق بمنزلة عالية ومرتبة سامية ويصفه بالعلم البارع والدين والفضل والتفنن في العلوم ويذهب به كل مذهب ويقول: إنه آخر القضاة والجلة من العلماء وصحبه بن عتاب عشرين عاماً قال: سمعت شيخنا أبا محمد بن عتاب ﵀ يقول: سمعت أبي ﵀ يحكي مراراً قال: كنت أرى القاضي بن بشير في المنام - بعد موته - في هيئته التي كنت أعهده فيها فكنت أسلم عليه وكنت أدري أنه ميت وأسأله عن حاله وعما صار إليه فكان يقول: إلى خير ويسر

стр. 475

بعد شدة فكنت أقول له: وما تذكر من فضل العلم؟ فكان يقول لي: ليس هذا العلم يشير إلى علم الرأي ويشير إلى أن الذي انتفع به من ذلك ما كان عنده من علم كتاب الله جل ثناؤه وحديث رسول الله ﷺ . قال ابن حيان: لم يأت بعده مثله في الكمال لمعاني القضاء. كان مولده سنة أربع وستين وثلاثمائة ووفاته كما تقدم في كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى. ومن التاسعة من أهل سبتة: عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن أحمد بن العجوز الكتامي أخو عبد العزيز من أهل الفقه والصلاح شهر ذكره في العلم بسبتة والمغرب - بعد أبيه - وكان حسن الأخلاق ذا علم وفضل ونباهة ولقي أبا إسحق التونسي في منصرفه من الحج وأخذ معه في المسائل وأخذ عنه جماعة من السبتيين.

стр. 476

ومن العاشرة من الأندلس: عبد الرحمن بن المطرف بن سلمة فقيه طليطلة وحافظها ومفتيها كان من أحفظ الناس وأعرفهم بطريق الفتيا ذا فضل وصلاح روى عنه القاضي أبو الأصبغ بن سهل وتفقه عند شيخنا محمد بن أبي جعفر. قال صاحب الصلة: ومن شيوخه أبو عمر الطلمنكي وأبو بكر بن مغيث والمنذر بن المنذر وغيرهم. كان حافظاً للمسائل درياً بالفتوى نوظر عليه في الفقه. وتوفي في عقب صفر من سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. ومن الثانية عشر التي ذكرها محمد بن رشيق من أهل سبتة: عبد الرحمن الفقيه أبو القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن العجوز أخذ عن أبيه وغيره وكان عالماً نبيلاً بصيراً بالأحكام والوثائق عالماً بالاحتجاج حضرت مجلسه في تدريس المدونة فما رأيت أحسن منه احتجاجاً ولا أبين منه توجيهاً ولي قضاء الجزيرة وقضاء سلا ثم قضاء مراكش ﵀.

стр. 477

ومن الصلة لابن بشكوال: عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس واسم هذا: سليمان وفطيس: لقب له يكنى أبا المطرف قاضي الجماعة بقرطبة روى عن أبي الحسن الأنطاكي المقري وأبي محمد القلعي وأبي محمد الباجي وأبي محمد الأصيلي وخلق يكثر إيرادهم من أهل المشرق والعراق. وكان ﵀ من كبار المحدثين وصدور العلماء المسندين حافظاً للحديث متقناً لعلومه وله مشاركة في سائر العلوم وجمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس وكان له ستة وراقين ينسخون له دائماً وكان وقد رتب لهم على ذلك راتباً معلوماً وكان لا يسمع بكتاب حسن إلا اشتراه أو استنسخه ولما توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه فأقاموا في بيعها مدة عام كامل في المسجد وكان ذلك في وقت الغلاء والفتنة فاجتمع فيها من الثمن أربعون ألف دينار قاسمية يبلغ صرفها ثمانمائة ألف درهم وتقلد رحمه الله تعالى قضاء قرطبة مقروناً بولاية صلاة الجمعة والخطبة مضافاً إلى ذلك الخطة العليا من الوزارة وكان ذا صلابة في الحق ونصرة للمظلوم وقمع للظالم. حدث عنه أبو عمر بن عبد البر وغيره من الكبار كأبي عمر الطلمنكي وابن الحذاء والخولاني وغيرهم.

стр. 478

وله تآليف كثيرة مفيدة يطول إيرادها. توفي سنة اثنتين وأربعمائة. عبد الرحمن بن محمد بن عتاب يكنى أبا محمد هو آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس - في علو الإسناد وسعة الرواية روى عن أبيه وأكثر عنه وأجاز له من الشيوخ خلق كثير وكان عالماً بالقراءات السبع وكثير من التفسير وغريبه ومعانيه مع حظ وافر من اللغة وتفقه عند أبيه وشوور في الأحكام بقية عمره وكان صدراً فيما يستفتى فيه وكانت الرحلة في وقته إليه ومدار أصحاب الحديث عليه وله تآليف حسنة مفيدة وسمع منه الآباء والأبناء وكثر انتفاع الناس به. توفي سنة عشرين وخمسمائة.

стр. 479

ومن الوفيات لابن خلكان: عبد الرحمن السهيلي أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد بن عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن: أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب: الروض الأنف في شرح سيرة سيدنا رسول الله ﷺ وله كتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام وله كتاب نتائج الفكر وكتاب شرح آية الوصية في الفرائض كتاب بديع ومسألة رؤية النبي ﷺ في المنام ومسألة السر في عور الدجال - إلى غير ذلك من تآليفه المفيدة وأوضاعه الغريبة وكان له حظ وافر من العلم والأدب. أخذ الناس عنه وانتفعوا به ومن شعره قال بن دحية: أنشدني وقال إنه ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي: يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن ملكه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع

стр. 480

مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع مالي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟ حاشا لمجدك أن تقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع ثم الصلاة على النبي وآله ... خير الأنام ومن به يستشفع وله أشعار كثيرة وكان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نما خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه وأقبل بوجهه كل الإقبال عليه وأقام بها نحو ثلاثة أعوام. وذكره الذهبي فقال: أبو زيد وأبو القاسم وأبو الحسن: عبد الرحمن العلامة الأندلسي المالقي الضرير النحوي الحافظ العلم صاحب التصانيف أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى وجماعة وروى عن بن العربي القاضي أبي بكر وغيره من الكبار وبرع في العربية واللغة والأخبار والأثر وتصدر للإفادة وذكر الآثار. وحكي عنه أنه قال: أخبرنا أبو بكر بن العربي - في مشيخته عن أبي المعالي أنه سأله في مجلسه رجل من العوام فقال: أيها الفقيه الإمام: أريد أن تذكر لي دليلاً شرعياً على أن الله تعالى لا يوصف بالجهة ولا يحدد بها؟ فقال: نعم قول رسول الله ﷺ :

стр. 481

" لا تفضلوني على يونس بن متى ". فقال الرجل: إني لا أعرف وجه الدليل من هذا الدليل؟ وقال كل من حضر المجلس مثل قول الرجل فقال أبو المعالي: أضافني الليلة ضيف له علي ألف دينار وقد شغلت بالي فلو قضيت عني قلتها. فقام رجلان من التجار فقالا هي في ذمتنا فقال أبو المعالي لو كان رجلاً واحداً يضمنها كان أحب إلي فقال أحد الرجلين - أو غيرهما: هي في ذمتي فقال أبو المعالي: نعم إن الله تعالى أسرى بعبده إلى فوق سبع سموات حتى سمع صرير الأقلام والتقم يونس الحوت فهوى به إلى جهة التحت من الظلمات ما شاء الله فلم يكن سيدنا محمد ﷺ في علو مكانه بأقرب إلى الله تعالى من يونس - في بعد مكانه فالله تعالى لا يتقرب إليه بالأجرام والأجسام وإنما يتقرب إليه بصالح الأعمال ومن شعره: إذا قلت يوماً: سلام عليكم ... ففيها شفاء وفيها السقام شفاء إذا قلتها مقبلاً ... وإن أنت أدبرت فيها الحمام قال صاحب الوفيات: والسهيلي بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون

стр. 482

الياء المثناة من تحت وبعدها لام ثم ياء هذه النسبة إلى سهيل وهي قرية بالقرب من مالقة سميت باسم الكوكب لأنه لا يرى في جميع الأندلس إلا من جبل مطل عليها ومالقة بفتح اللام والقاف وهي مدينة بالأندلس. وقال السمعاني: بكسر اللام وهو غلط. وتوفي بمراكش سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وكان ﵀ مكفوفاً وعاش اثنتين وسبعين سنة. وفي كتاب العبر للذهبي: عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين البغدادي المالكي مدرس المدرسة المستنصرية كان فقيهاً عالماً زاهداً سالكاً طريق الزهد والصلاح والعبادة وله في ذلك تأليف حسن وله التصانيف الحسنة المفيدة منها: كتاب المعتمد في الفقه غزير العلم وذكر فيه مشهور الأقوال غالباً وكتاب العمدة

стр. 483

في الفقه وكتاب الإرشاد في الفقه أبدع فيه كل الإبداع جعله مختصراً وحشاه بمسائل وفروع لم تحوها المطولات مع إيجاز بليغ وله في الحديث وغيره تآليف مشهورة. كان مشاركاً في علوم جمة وكتبه تدل على فضيلته. توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ومن مختصر المدارك من الطبقة الثانية من إفريقية: عبد الرحمن أبو القاسم بن محمد الحضرمي المعروف باللبيدي ولبيدة من قرى الساحل من مشاهير علماء إفريقية ومؤلفيها وعبادها تفقه بأبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وسمع من شيوخ إفريقية وعباد أهل الرباط وسمع الشيخ الفاضل أبا إسحق الجبنياني وانتفع به. روى عنه بن سعدون وغيره وألف كتاباً بليغاً في المذهب كبيراً أزيد من مائتي جزء كبار في مسائل المدونة وبسطها والتفريع عليها. وزيادات الأمهات ونوادر الروايات وألف أخبار أبي إسحاق الجبنياني وفضائله وكتاباً في اختصار المدونة سماه الملخص وكان ينظم الشعر ويحسن القول فمما أنشد لنفسه قوله: أنت العلي وأنت الخالق الباري ... أنت العليم بما تخفيه أسراري أنت العليم بما في الخلق مقدرة ... في وسع عيش وفي بؤس وإقتار عسى المليك يذود النفس عن عطب ... يجلو العماء بتوفيق وأنوار

стр. 484

توفي بالقيروان سنة أربعين وأربعمائة. ومن الأندلس: عبد الرحمن أبو المطرف بن مروان بن عبد الرحمن القنازعي قرطبي فقيه زاهد ورع متقشف مجاب الدعوة تفقه بالأصيلي وأبي عمر بن المكوى وغيرهما وسمع الحديث من أبي عيسى والقلعي وابن عون الله وغيرهم ثم رحل وحج وسمع بمصر وامتحن في الفتنة بالبربر - أيام ظهورهم على قرطبة - محنة أودت بحاله وقدحت في خاطره فعراه طيف خيال يغشاه ولا يؤذيه. وكان أقرأ من بقي وله تفسير في الموطأ مشهور مفيد حسن التأليف واختصار كتاب بن سلام في تفسير القرآن واختصار وثائق بن الهندي روى عنه بن عتاب وابن عبد البر وابن الطبني وغيرهم. وكان يلبس قميصاً أبيض على فروة وربما لبس الفروة دونه. توفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة في رجب.

стр. 485

عبد الرحمن بن الإمام أبي زيد شيخ المالكية بتلمسان الإمام العلامة الأوحد وهو أكبر الأخوين المشهورين بأولاد الإمام التنسي البرشكي التلمساني واسم أخيه: أبو موسى عيسى وهذان الأخوان مما فاضلا المغرب في وقتهما وكانا خصيصين بالسلطان أبي الحسن المريني وتخرج بهما كثير من الفضلاء لهما التصانيف المفيدة والعلوم النفيسة. توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. عبد الرحمن بن أحمد بن محمد ويعرف بابن القصير غرناطي كان فقيهاً مشاوراً رفيع القدر جليلاً بارع الأدب عارفاً بالوثيقة نقاداً لها صاحب رواية ودراية وولي القضاء وأخذ عن أبي الوليد بن رشد وأبي محمد: عبد الحق بن عطية وأبي الفضل: عياض بن موسى وابن الباذش وأبي إسحق بن رشيق وأبي بكر بن العربي وأبي عبد الله بن أبي الخصال وأبي الحسن بن مغيث وغيرهم من العلماء الجلة. وله تآليف وخطب ورسائل ومقامات وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره واختصر كتاب الجمل لابن خاقان الأصبهاني وغيره وألف برنامجاً بضم رواياته. توفي سنة ست وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى.

стр. 486

من اسمه عبد الرحيم من الطبقة الأولى من أصحاب مالك من أهل إفريقية عبد الرحيم بن أشرس وقيل: اسمه العباس وقيل عبد الرحمن هو أنصاري من العرب ثقة فاضل: سمع من مالك روى عنه بن القاسم وفي رجال بن وهب: أبو الأشرس: عبد الرحمن بن أشرس المغربي التونسي ولعله أخ لأبي مسعود وكان يكنى أبا مسعود وقد بين هذا بن شعبان فقال عنه: أبو مسعود: عبد الرحمن بن الأشرس ويقال: عبد الرحيم كان حافظاً. روى عن مالك وعبد الله العمري روى عنه بن وهب وجماعة.

стр. 487

عبد الرحيم بن أحمد الكتامي أبو عبد الرحمن المعروف بابن العجوز سبتي من كبار قومه كتامة من فخذ يسمى أجان وكانت له ولأبيه فيهم وفي المغرب رياسة بالعلم وإليه كانت الرحلة في المغرب في وقته وعليه كانت تدور الفتيا. وله عقب نجباء في العلم بلغوا إلى خمسة أئمة إمام بن إمام فضلاء في عصرهم. ورحل عبد الرحيم إلى الأندلس وإفريقية ولازم الفقيه أبا محمد بن أبي زيد واختص به وسمع منه كتبه النوادر والمختصر وجاء بهما وبغيرهما إلى سبتة. وسمع من دراس بن إسماعيل الفاسي وأبي محمد الأصيلي ووهب بن مسرة الحجازي وكانت رحلته ورحلة الرجل الصالح أبي محمد بن غالب إلى القيروان من سبتة في نحو الثمانين وثلاثمائة قرب وفاة أبي محمد. أخذ عنه الناس بسبتة علماً كثيراً وتفقهوا عليه وسمعوا منه كان من حفاظ المذهب القائمين به.

стр. 488

روى عنه جماعة من فقهاء سبتة: أبو محمد: قاسم بن المأموني ومحمد بن عبد الرحمن بن سليمان وابن خلف الله وإبراهيم بن يعقوب الكتامي وأبو عمران بن أبي سوار من قلعة حماد وجماعة من أهل سبتة وفاس. وتوفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وكان له إخوة لم ينتهوا إلى منزلته في العلم: عبد الحميد وعبد الملك وكان له بنون نجباء: عبد العزيز وعبد الرحمن فأما عبد العزيز وعبد الرحمن فحازا الرياسة بعد أبيهما وأما عبد الكريم فطلب العلم وكان أكثر إقامته بكتامة وخالط السلطان وطالت حياته بعد إخوته ومات مقتولاً ﵀.

стр. 489

من اسمه عبد الملك من الطبقة الوسطى من أهل المدينة من أصحاب مالك عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كنيته أبو مروان واسم أبي سلمة: ميمون ويقال: دينار مولى بني تميم من قريش ثم لآل المنكدر والماجشون هو أبو سلمة والماجشون: المورد بالفارسية سمي بذلك لحمرة في وجهه وقيل: إنهم من أهل أصبهان انتقلوا إلى المدينة فكان أحدهم يلقى الآخر فيقول: شوني شوني يريد: كيف أنت؟ فلقبوا بذلك. وحكي أن ماجش: موضع بخراسان نسبوا إليه. كان عبد الملك فقيهاً فصيحاً دارت عليه الفتوى في أيامه إلى أن مات وعلى أبيه قبله فهو فقيه بن فقيه وكان مفتي أهل المدينة في زمانه وكان ضرير البصر ويقال إنه عمي آخر عمره وبيته بيت علم وحديث بالمدينة تفقه بأبيه ومالك وغيرهما. وكان إذا ذاكره الشافعي لم يعرف الناس كثيراً ما يقولان لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية وعبد الملك تأدب

стр. 490

في خئولته من كلب بالبادية. وقال يحيى بن أكثم القاضي: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء وأثنى عليه سحنون وفضله وقال: هممت أن أرحل إليه وأعرض عليه هذه الكتب فما أجاز منها أجزت وما ورد رددت وأثنى عليه بن حبيب كثيراً وكان يرفعه في الفهم على أكثر أصحاب مالك. وتفقه به خلق كثير وأئمة جلة كأحمد بن المعذل وابن حبيب وسحنون وقال إسماعيل القاضي: ما أجزل كلامه وأعجب تفصيلاته وأقل فضوله وكان يجيد تفسير الرؤيا. ومن وفيات الأعيان لابن خلكان: قال أحمد بن المعذل: كلما تذكرت أن التراب يأكل لسان عبد الملك صغرت الدنيا في عيني وسئل أحمد بن المعذل فقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟ فقال: كان لسان عبد الملك إذا تعايا أحيا من لساني إذا تحايا. وماجشون: بكسر الجيم وبعدها شين معجمة مضمومة وهو المورد ويقال الأبيض الأحمر وهو لقب أبي يوسف: يعقوب بن أبي سلمة عم والد عبد الملك ولقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وجرى هذا اللقب على أهل بيته من بنيه وبني أخيه. هذا مختصر من بعض ترجمته. توفي سنة اثنتي عشرة وقيل: ثلاث عشرة وقيل: أربع عشرة ومائتين وهو بن بضع وستين سنة.

стр. 491

ومن الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك والتزموا مذهبه ممن لم يره من أهل الأندلس: عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جناهمة بن عباس بن مرداس السلمي يكنى أبا مروان ونقل من خط الحكم المستنصر بالله أنه عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان السلمي من - أنفسهم - العصار كان يعصر الأدهان ويستخرجها. أصله من طليطلة وانتقل جده سليمان إلى قرطبة وانتقل أبوه أبو حبيب وإخوته في فتنة الربض إلى إلبيرة قيل إنه من مواليهم وقيل من أنفسهم كان بالبيرة. روى بالأندلس عن صعصعة بن سلام والغازي بن قيس وزياد بن عبد الرحمن ورحل سنة ثمان ومائتين فسمع بن الماجشون ومطرفاً وإبراهيم بن المنذر الحزامي وعبد الرحمن بن رافع الزبيدي وابن أبي أويس وعبد الله بن عبد الحكم وعبد الله بن المبارك وأصبغ بن الفرج وأسد بن موسى وجماعة سواهم وانصرف إلى الأندلس - سنة ست عشرة وقد جمع علماً عظيماً فنزل بلده إلبيرة وقد انتشر سموه في العلم والرواية فنقله

стр. 492

الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة ورتبه في طبقة المفتيين فيها فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة وكان الذي بينهما شين جداً ومات يحيى قلبه فانفرد عبد الملك بعده بالرياسة. سمع منه ابناه: محمد وعبيد الله وبقي الدين بن مخلد وابن وضاح والمغامي في جماعة وكان المغامي آخرهم موتاً. وكان عبد الملك حافظاً للفقه على مذهب مالك نبيهاً فيه: غير أنه لم يكن له علم بالحديث ولا معرفة بصحيحه من سقيمه. وقال بن مزين وابن لبابة: عبد الملك عالم الأندلس وسئل بن الماجشون عن أعلم الرجلين: التنوخي القروي أو الأندلسي السلمي؟ فقال: السلمي مقدمه علينا أعلم من التنوخي منصرفه عنا ثم قال للسائل: أفهمت. قال أحمد بن عبد البر: كان جماعاً للعلم كثير الكتب طويل اللسان فقيه البدن نحوياً عروضياً شاعراً نسابة إخبارياً وكان أكثر من يختلف إليه: الملوك وأبناؤهم وأهل الأدب وقال نحوه بن فحلون قال: وكان يأبى إلا معالي الأمور وكان ذاباً عن مذهب مالك. ولما رحل قال عيسى: إنه لأفقه ممن يريد أن يأخذ عنه العلم وقال بعضهم: رأيته يخرج من الجامع وخلفه نحو ثلاثمائة بين طالب حديثه وفرائض وفقه وإعراب وقد رتب الدول عنده كل يوم ثلاثين دولة - لا يقرأ

стр. 493

عليه فيها شيء إلا كتبه وموطأ مالك. وكان صواماً قواماً وكان أكثر فقهاء الأندلس وشعرائهم يعني عبد الملك أخذوا من مجلسه بحظ وقال المغامي: لو رأيت ما كان على باب بن حبيب لازدريت غيره. ولما نعي إلى سحنون استرجع وقال: مات عالم الأندلس بل والله عالم الدنيا وهذا يرد ما روي عنه من خلاف هذا. وذكره بن الفرضي في طبقات الأدباء فجعله صدراً فيهم وقال: كان قد جمع إلى إمامته في الفقه التبجح في الأدب والتفنن في ضروب العلم وكان فقيهاً مفتياً: نحوياً لغوياً نسابة إخبارياً عروضياً فائقاً شاعراً محسناً مرسلاً حاذقاً مؤلفاً متقناً. ذكر بعض المشايخ أنه لما دنا من مصر في رحلته أصاب جماعة من أهلها بارزين لتلقي الرفقة على عادتهم فكلما أطل عليها رجل له هيئة ومنظر رجحوا الظن فيه. وقضوا بفراستهم عليه حتى رأوه وكان ذا منظر جميل فقال قوم: هذا فقيه وقال آخرون: بل شاعر وقال آخرون: طبيب وقال آخرون: خطيب فلما كثر اختلافهم تقدموا نحوه وأخبروه باختلافهم فيه وسألوه عما هو فقال لهم: كلكم قد أصاب وجميع ما قدرتم أحسنه والخبرة تكشف الحيرة والامتحان يجلي الإنسان فلما حط رحله

стр. 494

ولقي الناس شاع خبره فقعد إليه كل ذي علم فسأله عن فنه وهو يجيبه جواب محقق فعجبوا ووثقوا من ثقوب بمعلمه وأخذوا عنه وعطلوا حلق علمائهم. وأثنى عليه بن المواز بالعلم والفقه وقال العتبي - وذكر الواضحة: رحم الله عبد الملك ما أعلم أحداً ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه ولا لطالب أنفع من كتبه ولا أحسن من اختياره وألف كتباً كثيرة حساناً في الفقه والتاريخ والأدب منها: الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه لم يؤلف مثلها والجامع وكتاب فضائل الصحابة وكتاب غريب الحديث وكتاب تفسير الموطأ وكتاب حروب الإسلام وكتاب المسجدين وكتاب سيرة الإمام - في الملحدين وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين وكتاب مصابيح الهدى. قال بعضهم: قسم بن الفرضي هذه الكتب وهذه الأسماء وهي كلها يجمعها كتاب واحد لأن بن حبيب إنما ألف كتابه في عشرة أجزاء: الأول: تفسير الموطأ حاشا الجامع. الثاني: شرح الجامع. الثالث والرابع والخامس: في حديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وكتاب مصابيح الهدى جزء منها ذكر فيه من الصحابة والتابعين.

стр. 495

والعاشر: طبقات الفقهاء وليس فيها أكثر من الأول. وتحامل في هذا الشرح على أبي عبيد والأصمعي وغيره وانتحل كثيراً من كلام أبي عبيد وكثيراً ما يقول فيه: أخطأ شارح العراقيين وأخذ عليه فيه تصحيف قبيح وهو أضعف كتبه. ومن تواليفه: كتاب إعراب القرآن وكتاب الحسبة في الأمراض وكتاب الفرائض وكتاب السخاء واصطناع المعروف وكتاب كراهية الغناء وكتاب في النسب وفي النجوم وكتاب الجامع تأليفه وهو كتاب فيه مناسك النبي ﷺ وكتاب الرغائب وكتاب الورع في العلم وكتاب الورع في المال وغيره ستة أجزاء وكتاب الربا وكتاب الحكم والعمل بالجوارح وغير ذلك. قال بعضهم: قلت لعبد الملك: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتاباً. وقال عبد الأعلى بن معلى: هل رأيت كتباً تحبب عبادة الله إلى خلقه وتعرفهم به ككتب عبد الملك بن حبيب؟ يريد: كتبه في الرغائب والرهائب. ومنها: كتب المواعظ: سبعة وكتب الفضائل: سبعة فضائل النبي ﷺ وأصحابه وفضائل عمر بن عبد العزيز وفضائل مالك بن أنس وكتاب أخبار قريش وأنسابها خمسة عشر كتاباً وكتاب السلطان
следующие страницы →