Полный текст (858 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ومن الطبقة الأولى الذين انتهى إليهم فقه مالك والتزموا مذهبه ممن لم يره من أهل الأندلس:
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جناهمة بن عباس بن مرداس السلمي
يكنى أبا مروان ونقل من خط الحكم المستنصر بالله أنه عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان السلمي من - أنفسهم - العصار كان يعصر الأدهان ويستخرجها. أصله من طليطلة وانتقل جده سليمان إلى قرطبة وانتقل أبوه أبو حبيب وإخوته في فتنة الربض إلى إلبيرة قيل إنه من مواليهم وقيل من أنفسهم كان بالبيرة.
روى بالأندلس عن صعصعة بن سلام والغازي بن قيس وزياد بن عبد الرحمن ورحل سنة ثمان ومائتين فسمع بن الماجشون ومطرفاً وإبراهيم بن المنذر الحزامي وعبد الرحمن بن رافع الزبيدي وابن أبي أويس وعبد الله بن عبد الحكم وعبد الله بن المبارك وأصبغ بن الفرج وأسد بن موسى وجماعة سواهم وانصرف إلى الأندلس - سنة ست عشرة وقد جمع علماً عظيماً فنزل بلده إلبيرة وقد انتشر سموه في العلم والرواية فنقله
стр. 492
الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة ورتبه في طبقة المفتيين فيها فأقام مع يحيى بن يحيى زعيمها في المشاورة والمناظرة وكان الذي بينهما شين جداً ومات يحيى قلبه فانفرد عبد الملك بعده بالرياسة.
سمع منه ابناه: محمد وعبيد الله وبقي الدين بن مخلد وابن وضاح والمغامي في جماعة وكان المغامي آخرهم موتاً. وكان عبد الملك حافظاً للفقه على مذهب مالك نبيهاً فيه: غير أنه لم يكن له علم بالحديث ولا معرفة بصحيحه من سقيمه.
وقال بن مزين وابن لبابة: عبد الملك عالم الأندلس وسئل بن الماجشون عن أعلم الرجلين: التنوخي القروي أو الأندلسي السلمي؟ فقال: السلمي مقدمه علينا أعلم من التنوخي منصرفه عنا ثم قال للسائل: أفهمت.
قال أحمد بن عبد البر: كان جماعاً للعلم كثير الكتب طويل اللسان فقيه البدن نحوياً عروضياً شاعراً نسابة إخبارياً وكان أكثر من يختلف إليه: الملوك وأبناؤهم وأهل الأدب وقال نحوه بن فحلون قال: وكان يأبى إلا معالي الأمور وكان ذاباً عن مذهب مالك.
ولما رحل قال عيسى: إنه لأفقه ممن يريد أن يأخذ عنه العلم وقال بعضهم: رأيته يخرج من الجامع وخلفه نحو ثلاثمائة بين طالب حديثه وفرائض وفقه وإعراب وقد رتب الدول عنده كل يوم ثلاثين دولة - لا يقرأ
стр. 493
عليه فيها شيء إلا كتبه وموطأ مالك.
وكان صواماً قواماً وكان أكثر فقهاء الأندلس وشعرائهم يعني عبد الملك أخذوا من مجلسه بحظ وقال المغامي: لو رأيت ما كان على باب بن حبيب لازدريت غيره.
ولما نعي إلى سحنون استرجع وقال: مات عالم الأندلس بل والله عالم الدنيا وهذا يرد ما روي عنه من خلاف هذا.
وذكره بن الفرضي في طبقات الأدباء فجعله صدراً فيهم وقال: كان قد جمع إلى إمامته في الفقه التبجح في الأدب والتفنن في ضروب العلم وكان فقيهاً مفتياً: نحوياً لغوياً نسابة إخبارياً عروضياً فائقاً شاعراً محسناً مرسلاً حاذقاً مؤلفاً متقناً.
ذكر بعض المشايخ أنه لما دنا من مصر في رحلته أصاب جماعة من أهلها بارزين لتلقي الرفقة على عادتهم فكلما أطل عليها رجل له هيئة ومنظر رجحوا الظن فيه. وقضوا بفراستهم عليه حتى رأوه وكان ذا منظر جميل فقال قوم: هذا فقيه وقال آخرون: بل شاعر وقال آخرون: طبيب وقال آخرون: خطيب فلما كثر اختلافهم تقدموا نحوه وأخبروه باختلافهم فيه وسألوه عما هو فقال لهم: كلكم قد أصاب وجميع ما قدرتم أحسنه والخبرة تكشف الحيرة والامتحان يجلي الإنسان فلما حط رحله
стр. 494
ولقي الناس شاع خبره فقعد إليه كل ذي علم فسأله عن فنه وهو يجيبه جواب محقق فعجبوا ووثقوا من ثقوب بمعلمه وأخذوا عنه وعطلوا حلق علمائهم.
وأثنى عليه بن المواز بالعلم والفقه وقال العتبي - وذكر الواضحة: رحم الله عبد الملك ما أعلم أحداً ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه ولا لطالب أنفع من كتبه ولا أحسن من اختياره وألف كتباً كثيرة حساناً في الفقه والتاريخ والأدب منها: الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه لم يؤلف مثلها والجامع وكتاب فضائل الصحابة وكتاب غريب الحديث وكتاب تفسير الموطأ وكتاب حروب الإسلام وكتاب المسجدين وكتاب سيرة الإمام - في الملحدين وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين وكتاب مصابيح الهدى.
قال بعضهم: قسم بن الفرضي هذه الكتب وهذه الأسماء وهي كلها يجمعها كتاب واحد لأن بن حبيب إنما ألف كتابه في عشرة أجزاء: الأول: تفسير الموطأ حاشا الجامع.
الثاني: شرح الجامع.
الثالث والرابع والخامس: في حديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وكتاب مصابيح الهدى جزء منها ذكر فيه من الصحابة والتابعين.
стр. 495
والعاشر: طبقات الفقهاء وليس فيها أكثر من الأول.
وتحامل في هذا الشرح على أبي عبيد والأصمعي وغيره وانتحل كثيراً من كلام أبي عبيد وكثيراً ما يقول فيه: أخطأ شارح العراقيين وأخذ عليه فيه تصحيف قبيح وهو أضعف كتبه. ومن تواليفه: كتاب إعراب القرآن وكتاب الحسبة في الأمراض وكتاب الفرائض وكتاب السخاء واصطناع المعروف وكتاب كراهية الغناء وكتاب في النسب وفي النجوم وكتاب الجامع تأليفه وهو كتاب فيه مناسك النبي ﷺ وكتاب الرغائب وكتاب الورع في العلم وكتاب الورع في المال وغيره ستة أجزاء وكتاب الربا وكتاب الحكم والعمل بالجوارح وغير ذلك.
قال بعضهم: قلت لعبد الملك: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتاباً. وقال عبد الأعلى بن معلى: هل رأيت كتباً تحبب عبادة الله إلى خلقه وتعرفهم به ككتب عبد الملك بن حبيب؟ يريد: كتبه في الرغائب والرهائب. ومنها: كتب المواعظ: سبعة وكتب الفضائل: سبعة فضائل النبي ﷺ وأصحابه وفضائل عمر بن عبد العزيز وفضائل مالك بن أنس وكتاب أخبار قريش وأنسابها خمسة عشر كتاباً وكتاب السلطان
стр. 496
وسيرة الإمام ثمانية كتب وكتاب الباه والنساء: ثمانية كتب. وغير ذلك من كتب سماعه في الحديث والفقه وتواليفه في الطب وتفسير القرآن ستون كتاباً وكتاب القارئ والناسخ والمنسوخ ورغائب القرآن وكتاب الرهون والبدء والمغازي والحدثان: خمسة وتسعون كتاباً وكتاب مغازي رسول الله ﷺ : اثنان وعشرون كتاباً.
ذكر ما تحومل به عليه: قال بعضهم: كان الفقهاء يحسدون عبد الملك لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها وكان أبو عمر بن عبد البر يكذبه وكان بن وضاح لا يرضى عنه وقال: لم يسمع من أسد.
قال القاضي منذر بن سعيد: لو لم يكن من فضل عبد الملك إلا أنك لا تجد أحداً ممن يحكي عنه معارضته والرد لقوله ساواه في شيء وأكثر ما تجد أحدهم يقول: كذب عبد الملك أو أخطأ ثم لا يأتي بدليل على ما ذكره وكان لابن حبيب قارورة قد أذاب فيها اللبان والعسل يشرب منها كل غداة على الريق للحفظ وله شعر حسن فمنه:
صلاح أمري والذي أبتغي ... هين على الرحمن في قدرته
стр. 497
ألف من الصفر واقلل بها ... لعالم أوفى على بغيته
زرياب قد يأخذها قفلة ... وصنعتي أشرف من صنعته
وله قصيدة كتب بها إلى أهله من المشرق - سنة عشر ومائتين:
أحب بلاد الغرب والغرب موطني ... ألا كل غربي إلي حبيب
فيا جسداً أضناه شوق كأنه إذا نضيت عنه الثياب قضيب
ويا كبداً عادت رفاتاً كأنما ... يلدغها بالكاويات طبيب
بليت وأبلاني اغترابي ونأيه ... وطول مقامي بالحجاز أجوب
وأهلي بأقصى مغرب الشمس دارهم ... ومن دونهم بحر أجش مهيب
وهول كريه ليله كنهاره ... وسوق حثيث للركاب دؤوب
فما الداء إلا أن تكون بغربة ... وحسبك داء أن يقال غريب
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بأكناف نهر الثلج حين يصوب
стр. 498
وحولي شيخاني وبنتي وأمها ... ومعشر أهلي والرؤف مجيب
وتوفي بن حبيب في الحجة سنة ثمان وثلاثين وقيل: تسع وثلاثين ومائتين وقبره بمقبرة أم سلمة في قبلة مسجد الضيافة وصلى عليه القاضي أحمد بن زياد وقيل: صلى عليه ابنه محمد رحمه الله تعالى.
ومن الطبقة الخامسة من أهل الأندلس:
عبد الملك بن القاضي بن محمد بن بكر السعدي أبو مروان
قرطبي أصله من طليطلة وقيل: من قلعة رياح نشأ بقرطبة وسمع بها من بن لبابة وأسلم القاضي والحسن بن سعد وأحمد بن خالد.
رحل فسمع بالقيروان من البجلي وأحمد بن زياد وسمع بمصر من عبد الرحمن بن محمد اللواز ومحمد بن زياد ومحمد بن الحيري وغيرهم ودخل الشام فاستخلفه القاضي بن المنتاب على القضاء وسمع بمكة من بن المنذر كثيراً وببغداد من بن صاعد وإبراهيم بن حماد ومحمد بن الجهم وابن المنتاب وأبي الفرج القاضي وأبي يعقوب الرازي وعمر بن أحمد بن شريح وغيرهم وشهد بها مجالس المناظرة وأقام ببغداد ثلاثة أعوام وأقام في رحلته بضعة عشر عاماً وأدخل الأندلس علماً كثيراً وكان حافظاً متفنناً نظاراً
стр. 499
متصرفاً في علوم الرأي حسن النظر فيه مشاوراً في الأحكام ظهر فهمه في حداثة سنه قبل رحلته وشاوره إذ ذاك القاضي أسلم ولما انصرف إلى المشرق وقد مال هناك إلى النظر والحجة رفعه الحكم - وهو ولي عهد الشورى وألف في نصرة مذهب مالك تآليف منها: كتاب الذريعة إلى علم الشريعة وكتاب الدلائل والأعلام على أصول الأحكام وكتاب الاعتماد وكتاب الإبانة عن أصول الديانة وكتاب الرد على من أنكر على مالك ترك العمل بما رواه وتفسير رسالة عمر بن عبد العزيز في الزكاة وكتاب اختصار الأموال لأبي عبيد. وقرع بالفالج فمات يوم السبت لثمان من المحرم سنة ثلاث وثلاثمائة وهو بن أربع وأربعين سنة ونصف. وفيها مات ابن أيمن وابن لبابة الأصغر ﵏.
стр. 500
عبد الملك بن سراج بن عبد الله أبو مروان الحافظ
إمام الأندلس في وقته سمع من أبيه والأفليلي والصفاقسي وطبقتهم حدث عنه أبو علي الجياني والصدفي والقاضي أبو عبد الله بن الحاج وغيرهم كثيراً. وكانت الرحلة إليه من جميع جهات الأندلس وغيرها وكان إمام وقته في علم لسان العرب وضبط لغاتها وأذكرهم لشواذ أشعارهم توفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
стр. 501
ومن كتاب الصلة:
عبد الملك بن أحمد بن محمد بن عبد الملك بن الأصبغ القرشي
من أهل قرطبة يكنى أبا مروان ويعرف بابن المشط روى عنه الخولاني وقال: كان من أهل العلم مقدماً في الفهم قديم الخير والفضل له تأليف حسن في الفقه والسنن وكان كثير الديانة والخير والتواضع والأحوال العجيبة وألف كتاباً في مناسك الحج وكتاباً في أصول العلم تسعة أجزاء وله تآليف في الاعتقادات وغيرها. توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
وممن حدث عنه: بن خزرج وقال: روى عن القاضي بن زرب وابن مفرج كثيراً رحمه الله تعالى.
عبد الملك بن مسرة بن فرج اليحصبي
من أهل قرطبة وأصله من شنتمرية من شرق الأندلس ومن مفاخرها يكنى أبا مروان أخذ عن عبد الله: محمد بن فرج الموطأ سماعاً واختص بالقاضي أبي الوليد بن رشد وتفقه معه وصحب أبا بكر بن مفوز فانتفع به في معرفة الحديث والرجال والضبط وكان ممن جمع الله له الحديث والفقه
стр. 502
مع الأدب البارع والفضل والدين والورع والتواضع والهدي الصالح. وكان على منهاج السلف المتقدم أخذ الناس عنه وكان لذلك أهلاً. توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى.
ومن الطبقة الأولى ممن لم ير مالكاً من أهل الأندلس من قرطبة:
عبد الله ويعرف بزونان
وهو عبد الملك بن الحسين بن محمد بن زريق بن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ يكنى أبا مروان سمع من بن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم.
وكان الأغلب عليه الفقه ولم يكن من أهل الحديث وكان يذهب مذهب الأوزاعي في أول أمره ثم رجع إلى مذهب مالك. كان فقيهاً فاضلاً ورعاً زاهداً ولي قضاء طليطلة كان يحيى بن يحيى يعجب من كلام زونان. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
стр. 503
عبد الملك بن مروان قاضي المدينة ابن محمد بن عبد العزيز بن أحمد المدني
ويعرف بالمرواني ويعرف أيضاً بالمالكي كان من أهل العلم وألف كتاب الأشربة وتحريم السكر وهو كتاب الرد على أبي جعفر الإسكافي وسمع منه الناس كثيراً منهم من أهل الأندلس: أبو محمد الأصيلي والقاضي بن السليم وأبو عبد الله بن مفرج وغيرهم. وأخذ عنه القاضي عبد الوهاب البغدادي رحمه الله تعالى.
عبد الملك بن سابح
أصله من قرى بجاية كان من العلماء الحفاظ عارفاً بالعربية وعبارة الرؤيا.
تفقه عنه فضل بن سلمة واستخرج من الواضحة وكتاب بن المواز ما لم يكن في المدونة ولا في المستخرجة وحج وانصرف إلى الأندلس ثم رجع إلى مصر ومنها إلى الشام ورابط في سواحلها ولم يزل على خير وعبادة إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه.
стр. 504
عبد الملك بن أحمد بن رستم
كان فاضلاً في مذهب مالك وهو من أهل الإسكندرية حمل الفقه عن القاضي أبي محمد: عبد الواحد بن المنير. هو بن أخي القاضي ناصر الدين بن المنير وأخذ العربية عن الشيخ بن حيان الأندلسي وقرأ الأصول والمعاني والبيان على الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي وولي تدريس مدارس عدة بالإسكندرية وناب في القضاء عن قاضي القضاة التنسي سنة ثمان وتسعين وستمائة. وتوفي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة - غريقاً في بحر النيل - وحمل إلى الإسكندرية ودفن بها رحمه الله تعالى.
стр. 505
من اسمه عبد الخالق
من أهل القيروان
عبد الخالق أبو القاسم بن شبلون
هو عبد الخالق بن أبي سعيد: خلف. تفقه بابن أخي هشام وكان الاعتماد عليه - في القيروان - في الفتوى والتدريس بعد أبي محمد بن أبي زيد سمع من بن مسرور الحجام وألف كتاب المقصد أربعين جزءاً. وكان يفتي في الأيمان اللازمة بطلقة واحدة. توفي سنة إحدى وتسعين وقيل: سنة تسعين وثلاثمائة.
عبد الخالق أبو القاسم السيوري
من أهل إفريقية هو أبو القاسم: عبد الخالق بن عبد الوارث خاتمة علماء إفريقية وآخر شيوخ القيروان ذو البيان البديع في الحفظ والقيام على المذهب والمعرفة بخلاف العلماء وكان فاضلاً نظاراً زاهداً أديباً وله تعاليق على المدونة. أخذ عنه أصحابه وعليه تفقه عبد الحميد واللخمي وبعدهم حسان بن البربري وطال عمره فكانت وفاته سنة ستين وأربعمائة بالقيروان.
стр. 506
من اسمه عبد العزيز
من الطبقة الأولى من أهل المدينة:
عبد العزيز بن أبي حازم
واسم أبي حازم: مسلمة بن دينار الفقيه الأعرج كنيته: أبو تمام تفقه مع مالك علي بن هرمز وسمع أباه وزيد بن أسلم ومالكاً. وكان من جملة أصحاب مالك روى عنه بن وهب وابن مهدي وجماعة وكان صدوقاً ثقة إماماً في العلم وكان إمام الناس بعد مالك وشوور معه وقال مالك فيه: إنه لفقيه. توفي بالمدينة فجأة في سجدة يوم الجمعة في الروضة بمسجد النبي ﷺ سنة أربع وقيل: خمس وقيل: ست وثمانين ومائة. مولده سنة سبع ومائة رحمه الله تعالى.
стр. 507
عبد العزيز بن عبد الرحمن
يعرف بالغراب يكنى أبا الأصبغ روى عن أبي بكر القرشي وأحمد بن سعيد بن حزم وغيرهما روى عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو عبد الله الخولاني وقال: كان من أهل الحرص على جمع الروايات ومن أهل الفهم والمعرفة بالأخبار للقائه الجلة من الناس. توفي سنة ثلاث وأربعمائة.
عبد العزيز بن أبي القاسم بن حسن الربعي التونسي
المعروف بالدروال - بكسر الدال المهملة وسكون الراء المهملة. العلامة الفقيه الأصولي الصوفي كان فاضلاً متفنناً في العلوم مسناً. أخذ العلوم عن بن زيتون وببجاية عن الإمام أبي علي ناصر الدين: المشد إلى قدم القاهرة فأقام بها ولم يحج وبه تفقه وتفنن الفقيهان الأخوان الفاضلان: برهان الدين إبراهيم وشمس الدين: محمد ابنا محمد بن إبراهيم الأصفاقسيان المالكيان. توفي ركن الدين الدروال بالقاهرة في حدود سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وله تآليف لم أقف على تعيينها رحمه الله تعالى.
стр. 508
من اسمه عبد الحميد
عبد الحميد بن محمد الهروي
المعروف بابن الصائغ يكنى أبا محمد قيرواني سكن سوسة أدرك أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا عمران الفاسي وتفقه بالعطار وبابن محرز وأبي إسحاق.
وكان فاضلاً فقيهاً نبيلاً وله تعليق على المدونة أكمل به الكتب التي بقيت على التونسي وبه تفقه المازري المهدوي وأبو علي بن البربري وأصحابه يفضلونه على أبي الحسن اللخمي - قرينه - تفضيلاً كثيراً. توفي سنة ست وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
عبد الحميد بن أبي البركات بن عمران بن الحسين بن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي أبو محمد
فقيه مالكي تفقه ببلده على بن الصابوني ورحل إلى المشرق مرتين: الأولى: سنة أربع وعشرين وستمائة والثانية: سنة ثلاث وثلاثين وستمائة فأخذ بالإسكندرية عن الإمام العلامة عبد الكريم بن عطاء الله الجذامي وشيخ القراء عبد الحميد الصفراوي وقاضي الجماعة بالإسكندرية: جمال الدين أبي عبد الله بن قائد
стр. 509
الربعي وقلد قضاء الجماعة بتونس وله مصنفات جليلة. توفي سنة أربع وثمانين وستمائة رحمه الله تعالى.
من اسمه عبد الوهاب
عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي
القاضي أبو محمد أحد أئمة المذهب سمع أبا عبد الله العسكري وأبا حفص بن شاهين وكان حسن النظر جيد العبارة نظاراً ناصراً للمذهب ثقة حجة نسيج وحده وفريد عصره سمع من الأبهري وحدث عنه وأجازه.
قال القاضي عياض في المدارك: ومن قال: إنه لم يسمع من الأبهري لم يعتد بقوله وتفقه على كبار أصحاب الأبهري: بن القصار وابن الجلاب وقيل له: مع من تفقهت؟ قال: صبحت الأبهري وتفقهت مع أبي الحسن بن القصار وأبي القاسم بن الجلاب والذي أفتح أفواهنا وجعلنا نتكلم: القاضي أبو بكر بن الطيب.
стр. 510
وولي قضاء الدينور وبادرايا وباكسايا من أعمال العراق وولي قضاء أسعرد وولي قضاء المالكية بمصر آخر عمره وبها مات قاضياً.
قال بن بسام في كتاب الذخيرة: وكان القاضي عبد الوهاب بقية الناس ولسان أصحاب القياس ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها وعلى حكم الأيام في محسني أهلها فخلع أهلها وودع ماءها وظلها وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف كثيرة وأنه قال: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع سادتها وكبراءها وتناهت إليه الغرائب وانثالت في يده الرغائب فمات لأول ما دخلها وولي قضاءها وزعموا أنه قال - في مرض موته - لا إله إلا الله: لما عشنا متنا.
وألف في المذهب والخلاف والأصول تآليف كثيرة مفيدة منها كتاب النصرة لمذهب إمام دار الهجرة والمعونة لمذهب عالم المدينة وكتاب الأدلة في مسائل الخلاف.
стр. 511
وشرح بن أبي زيد والممهد في شرح مختصر الشيخ أبي محمد صنع فيه نحو نصفه وشرح المدونة وكتاب التلقين وشرحه لم يتم والإفادة في أصول الفقه والتلخيص في أصول الفقه وعيون المسائل في الفقه وكتاب أوائل الأدلة في مسائل الخلاف والإشراف على مسائل الخلاف وكتاب الفروق في مسائل الفقه وغير ذلك وله شعر حسن من ذلك قوله:
طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقراً
ونلت من الزمان ونال مني ... فكان مناله حلواً ومراً
أطعت مطامعي فاستبعدتني ... فلو أني قنعت لكنت حراً
وله أيضاً رحمة الله عليه:
متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا؟
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا؟
وإن ترفع الوضعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى البلايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
وله أيضاً - غفر الله لنا وله:
بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيهم مضاعاً بين أظهرهم ... كأنني مصحف في بيت زنديق
стр. 512
توفي بمصر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وقبره قريب من قبر بن القاسم وأشهب. مولده سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وكان أخوه محمد أبو الحسن فاضلاً أديباً صنف كتاب المفاوضة للملك العزيز أبي منصور: طاهر بن بويه. توفي سنة ثلاثين وأربعمائة.
стр. 513
من اسمه عبد السلام
من الطبقة الأولى ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من أهل إفريقية:
عبد السلام أبو سعيد: سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي
صليبة من العرب أصله شامي من حمص وقدم أبوه سعيد في جند حمص قال محمد ابنه: قلت له: أنحن صليبة من تنوخ؟ فقال لي: وما تحتاج إلى ذلك فلم أزل به حتى قال لي: نعم وما يغني عنك ذلك من الله شيئاً إن لم تتقه.
وسحنون: لقب له واسمه: عبد السلام وسمى سحنون باسم طائر حديد: لحدته في المسائل وقد جمع الناس أخبار سحنون مفردة ومضافة وممن ألف فيها تأليفاً مفرداً: أبو العرب التميمي ومحمد بن حارث القروي.
стр. 514
ذكر طلبه ورحلته: أخذ سحنون العلم بالقيروان من مشايخها: أبي خارجة وبهلول وعلي بن زياد وابن أبي حسان وابن غانم وابن أشرس وابن أبي كريمة وأخيه: حبيب ومعاوية الصمادحي وأبي زياد الرعيني ورحل في طلب العلم في حياة مالك وهو بن ثمانية عشر عاماً أو تسعة عشر وكانت رحلته إلى بن زياد بتونس وقت رحلة بن بكير إلى مالك.
قال سحنون: كنت عند بن القاسم وجواباته ترد عليه فقيل له: فما منعك من السماع منه؟ قال: قلة الدارهم وقال مرة أخرى: لحا الله الفقر فلولاه لأدركت مالكاً فإن صح هذا فله رحلتان. وسمع من بن القاسم وابن وهب وأشهب وطليب بن كامل وعبد الله بن عبد الحكم وسفيان بن عيينة ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي وحفص بن غياث وأبي داود الطيالسي ويزيد بن هارون والوليد بن مسلم وابن نافع الصائغ ومعن بن عيسى وابن الماجشون ومطرف وغيرهم. وانصرف إلى إفريقية سنة إحدى وتسعين ومائة.
قال سحنون: سمع مني أهل أجدابية سنة إحدى وتسعين وفيها مات بن القاسم قال: وخرجت إلى بن القاسم وأنا بن خمس وعشرين وقدمت إلى إفريقية بن ثلاثين سنة وأول من قرأ علي عبد الملك بن زونان.
стр. 515
قال أبو العرب: كان سحنون ثقة حافظاً للعلم فقيه البدن اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع والورع الصادق والصرامة في الحق والزهادة في الدنيا والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة.
وكان لا يقبل من السلطان شيئاً وربما وصل أصحابه بالثلاثين ديناراً أو نحوها. ومناقبه كثيرة وكان مع هذا رقيق القلب غزير الدمعة ظاهر الخشوع متواضعاً قليل التصنع كريم الأخلاق حسن الأدب سالم الصدر شديداً على أهل البدع لا يخاف في الله لومة لائم وسلم له الإمامة أهل عصره واجتمعوا على فضله وتقديمه.
سئل أشهب عمن قدم إليكم من أهل المغرب؟ قال: سحنون قيل له: فأسد؟ قال: سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة. وقال أيضاً: ما قدم إلينا من المغرب مثله وقال بن القاسم: ما قدم إلينا من إفريقية مثل سحنون قال أبو زيد بن أبي الغمر: لم يقدم علينا أفقه من سحنون إلا أنه قدم علينا من هو أطول لساناً منه يعني بن حبيب. وقال يونس بن عبد الأعلى: هو سيد أهل المغرب فقال له حمديس: أو لم يكن سيد أهل المغرب والمشرق؟.
стр. 516
أخذ سحنون من بن وهب مغازيه إجازة وكان العلم في صدر سحنون كسورة من القرآن من حفظه وقال سحنون: إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن وقال بن القاسم: إن أسعد أحد - بهذه الكتب - لسحنون. وقال بن وضاح: كان سحنون يروي تسعة وعشرين سماعاً وما رأيت في الفقه مثل سحنون بالمشرق.
وقال بن حارث: قدم سحنون بمذهب مالك واجتمع له مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض فبارك الله فيه للمسلمين فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ قد انمحى ما قبله فكان أصحابه سرج أهل القيروان وأنبه علمائها وأكثرهم تأليفاً وابن عبدوس فقيهها وابن غافق عاقلها. وابن عمر حافظها وجبلة زاهدها وحمديس أصلبهم في السنة وأعداهم للبدعة وسعيد بن الحداد لسانها وفصيحها وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث وأشدهم وقاراً وتصاوناً كل هذه الصفات مقصورة على وقتهم.
قال محمد بن سحنون قال أبي: إذا أردت الحج فاقدم طرابلس
стр. 517
وكان فيها رجال مدنيون ثم مصر وفيها الرواة ثم المدينة - وفيها مالك ثم مكة واجتهد جهدك فإن قدمت علي بلفظ خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك أصلها فاعلم أن شيخك كان مفرطاً.
وقال سليمان بن سالم: دخلت مصر فرأيت بها العلماء متوافرين: عبد الحكم والحارث بن مسكين وأبا الطاهر وأبا إسحاق والبرقي وغيرهم ودخلت المدينة وبها أبو المصعب والفروي ودخلت مكة وبها ثلاثة عشر محدثاً ودخلت غيرها من البلدان ولقيت علماءها ومحدثيها فما رأيت مثل سحنون وابنه بعده.
وقال عيسى بن مسكين: سحنون زاهد هذه الأمة ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون وقال بعضهم: ما رأيت أحداً أهيب من سحنون وقال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب وعلى قوله المعول بالمغرب وصنف المدونة وعليها يعتمد أهل القيروان وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك وعنه انتشر علم مالك بالمغرب.
قال أبو علي بن البصير: سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وعالم وقته
стр. 518
قال بن حارث: كان سحنون أفضل الناس صاحباً وأعقل الناس صاحباً وأفقه الناس صاحباً وكانت هذه الصفات صفات سحنون فخلق بها أصحابه رحمهم الله تعالى.
ذكر ولايته القضاء وسيرته: ولي سحنون قضاء إفريقية سنة أربع وثمانين ومائتين - وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة فلم يزل قاضياً إلى أن مات ولما ولي القضاء دخل على ابنته خديجة وكانت من خيار النساء فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين فعلم الناس قبوله القضاء.
وقال: حدثني بن وهب ورفع سحنون سنده إلى النبي ﷺ قال: " نعم المطية الدنيا فارتحلوها فإنها تبلغكم الآخرة ". وكان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان في قضائه كله ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب وقال للأمير: حبست أرزاق أعواني وهم أجراؤك وقد وفوك عملك ولا يحل ذلك لك وقد قال رسول الله ﷺ : " أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ".
стр. 519
وكان يضرب الخصوم إذا أذى بعضهم بعضاً بكلام أو تعرضوا للشهود ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح أو يقول: سل لي عن البينة إنهم كذا حتى يسئله عن تجريحه ويقول للخصم: أنا أغنى بذلك منك وهو علي دونك.
وكان إذا دخل عليه الشاهد - ورعب منه - أعرض عنه حتى يستأنس وتذهب روعته فإن طال ذلك به هون عليه وقال له: ليس معي سوط ولا عصاً ولا عليك بأس أد ما علمت ودع ما لم تعلم.
وكان يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق حتى لا يحلفوا بغير الله . وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ممن نظر في العلم فأقامهما وأبى أن يسمع منهما وقال: استرا عني ما ستر الله عليكما. وكان يؤدب على الغش وينفي من الأسواق من يستحق ذلك وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذا رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما في دعواهما وسائر الناس عنه بمعزل لا يراهم ولا يسمع كلامهم ولا يشغل باله أمرهم.
وكان الناس يكتبون أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه ويدعوهم
стр. 520
واحداً واحداً إلا أن يأتي مضطر أو ملهوف. وكان كثيراً ما يؤدب بلطم القفا ولم يل قضاء إفريقية مثله. وقال سحنون: ليس من السنة أن أدعوك إلى طعام غيري ولو كان لي لفعلت وقال: قال ﵇: " إذا أحب الله عبداً سلط عليه من يؤذيه ".
قال بن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله ﷺ ما بورك لسحنون في أصحابه إنهم كانوا بكل بلد أئمة.
قال بن حارث: سمعتهم يقولون: كان سحنون من أيمن عالم دخل المغرب كأن أصحابه مصابيح في كل بلد وعد له نحو سبعمائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسته.
стр. 521
حكم من كلامه رحمه الله تعالى: قال سحنون لابنه محمد: يا بني سلم على الناس فإن ذلك يزرع المودة وسلم على عدوك وداره فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس.
وكان يقول: من لم يعمل بعلمه لم ينفعه العلم بل يضره وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب فإذا عمل به نور قلبه وإن لم يعمل به وأحب الدنيا أعمى حب الدنيا قلبه ولم ينوره العلم.
وكان يقول: ترك الحلال أفضل من جميع عبادات الله تعالى وترك لحلال الله أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله تعالى.
وقال: ترك دانق مما حرم الله أفضل من سبعين ألف حجة تتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل الله بزادها وسلاحها ومن سبعين ألف بدنة تهديها إلى بيت الله العتيق وأفضل من عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل.
فبلغ كلامه هذا عبد الجبار بن خالد فقال: نعم وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهباً وفضة كسبت وأنفقت في سبيل الله لا يراد بها إلا وجه الله .
وكان يقول: انظر أبداً: الأمرين يكون فيهما الثواب فأثقلهما عليك هو أفضل.
стр. 522
وقال: إذا تردد الرجل على القاضي ثلاث مرات بلا حاجة فلا تجوز شهادته.
ووجه ذلك أن التردد إلى القاضي من غير حاجة يكسب الرجل مكانة عند الناس ومنزلة يكرمونه ويهادونه لأجلها لما يتوهمون من منزلته عند القاضي بسبب تردده إليه فيصير تردده سبباً لأكل المال بالباطل.
ورأى الناس يقبلون يد بن الأغلب فقال له: لم تعطيهم يدك؟ لو كان هذا لأجل قربك من الجنة ما سبقونا إليه. وتوفي في رجب سنة أربعين ومائتين ودفن من يومه وصلى عليه الأمير محمد بن الأغلب ووجه إليه بكفن وحنوط فاحتال ابنه محمد حتى كفنه في غيره وتصدق بذلك.
وكان سنه يوم مات ثمانين سنة ومولده سنة ستين ومائة ويقال: إحدى وستين وقال له رجل: الناس يقولون: إنك دعوت الله أن لا يبلغك سنة أربعين ومائتين؟ فقال: ما فعلت ولكن الناس يقولونه ما أرى أجلي إلا فيها.
ولما مات سحنون رجت القيروان لموته وحزن الناس وقال سليمان بن سالم: لقد رأيت يوم مات سحنون مشايخ من الأندلس يبكون ويضربون خدودهم كالنساء ويقولون: يا أبا سعيد ليتنا تزودنا منك بنظرة نرجع بها إلى بلدنا.
стр. 523
وقال رجل: رأيت في نومي رجلاً صعد إلى السماء الدنيا ثم من سماء إلى سماء حتى صار تحت العرش فقيل: ينبغي أن يكون هذا سحنوناً فقال الرائي: هو ذاك وفي أولها رأيت باباً فتح في السماء ونودي بسحنون فأتي به فصعد.
وقال آخر: رأيت النبي ﷺ مقبوراً والناس يجعلون على قبره التراب وسحنون ينبشه فقال: قل لسحنون: هم يدفنون سنة رسول الله ﷺ وأنت تحييها.
وقال عبد الملك بن الخشاب الأندلسي - وكان ثقة: رأيت في المنام النبي ﷺ يمشيب في طريق وأبو بكر ﵁ خلفه وعمر ﵁ خلف أبي بكر ﵁ ومالك خلف عمر ﵁ وسحنون خلف مالك رحمهما الله تعالى. قال بن حارث: أقام سؤدد العلم في دار سحنون نحو مائة عام وثلاثين عاماً من ابتداء طلب سحنون وأخيه إلى موت ابن ابنه: محمد بن محمد بن سحنون. وقال بعضهم: رأيت في شأن سحنون قبل موته رؤيا قصصتها على معبر يقال له بن عياض فقال له: هذا الرجل يموت على السنة رحمهما الله تعالى.
стр. 524
من اسمه عبد الحكم
من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من أهل مصر:
عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم
أبو عثمان أكبر بني عبد الله بن عبد الحكم وهم: عبد الحكم هذا وعبد الرحمن وسعد ومحمد ولم يكن فيهم أفقه من عبد الحكم ولا أجود خطاً. وكان خيراً فاضلاً له سماع كثير من أبيه وابن وهب وغيرهما من رواة مالك وكان من أكابر أصحاب بن وهب ولم يكن في أصحاب بن وهب أتقن منه ولا أجود خطاً.
حدث عنه الرمادي وتوفي بمصر في سجن يزيد التركي وعذابه سنة تسع وثلاثين ومائتين وقيل: إن موت عبد الحكم إنما كان بسبب المحنة في القرآن وأنه دخن عليه بالكبريت حتى مات وأنه لم يرجع فضرب نحو ثلاثين سوطاً في غلالة رحمه الله تعالى ورضي عنه.
стр. 525
من الأفراد
من اسمه عبد الحكيم
عبد الحكيم بن أبي الحسن بن عبد الملك بن يحيى
أصله من قطر مراكش كان من أهل المعرفة بالفقه وأصوله على طريقة المتأخرين وكان كتابه المعالم لابن الخطيب وثبت اسمه في عائد الصلة لابن الخطيب الأندلسي بما نصه: الشيخ الأستاذ القاضي يكنى أبا محمد كان ﵀ من أهل العلم بالفقه والقيام على الأصلين صحيح الباطن سليم الصدر من أهل الدين والأصالة. بث في الأندلس علم أصول الفقه وانتفع به وتصرف في القضاء في جهات.
قرأ على أبي علي ناصر الدين المشذالي وغيره من العلماء وألف: المعاني المبتكرة الفكرية في ترتيب المعالم الفقهية والإيجاز في دلالة المجاز ونصرة الحق ورد الباغي في مسألة الصدقة ببعض الأضحية والكراس المرسوم بالمباحث البديعة في مقتضى الأمر من الشريعة. توفي في عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة.
стр. 526
عبد الكريم بن عطاء الله
هو أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري كان إماماً في الفقه والأصول والعربية اختصر التهذيب اختصاراً حسناً واختصر المفصل للزمخشري وكان رفيقاً للشيخ أبي عمرو بن الحاجب في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري وتفقها عليه في المذهب وألف البيان والتقريب في شرح التهذيب وهو كتاب كبير جمع فيه علماً جماً وفوائد غزيرة وأقوالاً غريبة نحو سبع مجلدات ولم يكمل رحمة الله عليه.
ومن المدارك: من الأسماء المتفرقة من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً من أهل مصر:
عبد الغني أبو محمد بن عبد العزيز بن سلام المعروف بالعسال
روى عن بن وهب وابن عيينة وكان حافظاً فقيهاً مفتياً مذكوراً في فقهاء المالكية توفي سنة أربع وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى.
стр. 527
ومن السادسة من إفريقية:
عبد الوارث أبو الأزهر بن حسن بن أحمد بن معتب بن أبي الأزهر
كان بيت معتب بيت علم بالقيروان وكان من الأئمة الراسخين ذا فقه بارع وعلم بالأصول مجوداً للوثائق والأحكام وعلم القضاء منور الوجه جميل الشيبة متواضعاً.
قال بن أبي زيد: ما بإفريقية أفقه من أبي الأزهر إنما قطع به قلة دنياه.
صحب أبا بكر بن اللباد وأبا عبد الله بن مسرور وكان عيشه من الوثائق قال بن حارث: أبو الأزهر هذا حافظ فقيه موثق. كان ممن يتحلق بجامع القيروان مع بن أبي زيد وابن هشام وغيرهما. توفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
стр. 528
ومن الأسماء المتفرقة من الطبقة الوسطى من أهل أفريقية:
عنبسة أبو خارجة بن خارجة الغافقي
من أنفسهم سمع من مالك والثوري وابن عيينة وله سماع مدون من مالك.
كان شيخاً صالحاً عالماً باختلاف العلماء وأكثر اعتماده على مالك متفنناً في العلوم من الحديث والفقه والعبارة والعربية وغير ذلك.
سمع منه نظراؤه بإفريقية: البهلول بن راشد وغيره وكان سحنون يجله ويعرف حقه وإذا سئل بحضرته أحال عليه وكان أسن من سحنون.
وهو ثقة مأمون رجل صالح مستجاب الدعوة ويحكى عنه عجائب من الأخبار والوصف ما لم يكن فيكون ذلك والله أعلم لما كان منطوياً عليه من الصلاح فيجري الله الحق على لسانه فينطق به ومن حكمه: ثلاثة من أعلام الإحسان: كظم الغيظ وحفظ الغيب وستر العيب.
стр. 529
ومن عجائبه أنه بنى مسجداً عظيماً فيه نحو عشرين سارية عظاماً فقالوا له: من يرفع هذه السواري؟ قال: الذي خلقها فأصبحت السواري مرفوعة ورؤوسها عليها. وأصاب الناس بصفاقس قحط: فخرج بهم أبو خارجة واستسقى فما انصرفوا حتى سقوا وتوفي سنة عشر ومائتين رحمه الله تعالى وله ست وثمانون سنة.
القاضي عياض
هو أبو الفضل: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي الإمام العلامة يكنى أبا الفضل سبتي الدار والميلاد أندلسي الأصل.
قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان لا أدري قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس.
стр. 530
كان القاضي أبو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه عالماً بالتفسير وجميع علومه فقيهاً أصولياً عالماً بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم بصيراً بالأحكام عاقداً للشروط حافظاً لمذهب مالك رحمه الله تعالى شاعراً مجيداً رباناً من الأدب خطيباً بليغاً صبوراً حليماً جميل العشرة جواداً سمحاً كثير الصدقة دءوباً على العمل صلباً في الحق.
رحل إلى الأندلس - سنة سبع وخمسمائة - طالباً للعلم فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله: محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج وعن أبي محمد بن عتاب وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني وأخذ بالمشرق عن القاضي أبي علي: حسين بن محمد الصدفي وغيره وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم وأخذ عن أبي عبد الله المازري كتب إليه يستجيزه وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشي.
ومن شيوخه: القاضي أبو الوليد بن رشد قال صاحب الصلة البشكوالية: وأظنه سمع من ابن رشد وقد اجتمع له من الشيوخ - بين من سمع منه وبين من أجاز له: مائة شيخ.
وذكر ولده محمد منهم: أحمد بن بقي وأحمد بن محمد بن مكحول وأبو الطاهر: أحمد بن محمد السلفي والحسن بن محمد بن سكرة والقاضي أبو بكر بن العربي والحسن بن علي بن طريف وخلف بن إبراهيم بن النحاس
следующие страницы →