← Тараджим

Тараджим · id 6730

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (858 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عبد الكريم بن عطاء الله هو أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندري كان إماماً في الفقه والأصول والعربية اختصر التهذيب اختصاراً حسناً واختصر المفصل للزمخشري وكان رفيقاً للشيخ أبي عمرو بن الحاجب في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري وتفقها عليه في المذهب وألف البيان والتقريب في شرح التهذيب وهو كتاب كبير جمع فيه علماً جماً وفوائد غزيرة وأقوالاً غريبة نحو سبع مجلدات ولم يكمل رحمة الله عليه. ومن المدارك: من الأسماء المتفرقة من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً من أهل مصر: عبد الغني أبو محمد بن عبد العزيز بن سلام المعروف بالعسال روى عن بن وهب وابن عيينة وكان حافظاً فقيهاً مفتياً مذكوراً في فقهاء المالكية توفي سنة أربع وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى.

стр. 527

ومن السادسة من إفريقية: عبد الوارث أبو الأزهر بن حسن بن أحمد بن معتب بن أبي الأزهر كان بيت معتب بيت علم بالقيروان وكان من الأئمة الراسخين ذا فقه بارع وعلم بالأصول مجوداً للوثائق والأحكام وعلم القضاء منور الوجه جميل الشيبة متواضعاً. قال بن أبي زيد: ما بإفريقية أفقه من أبي الأزهر إنما قطع به قلة دنياه. صحب أبا بكر بن اللباد وأبا عبد الله بن مسرور وكان عيشه من الوثائق قال بن حارث: أبو الأزهر هذا حافظ فقيه موثق. كان ممن يتحلق بجامع القيروان مع بن أبي زيد وابن هشام وغيرهما. توفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين وثلاثمائة.

стр. 528

ومن الأسماء المتفرقة من الطبقة الوسطى من أهل أفريقية: عنبسة أبو خارجة بن خارجة الغافقي من أنفسهم سمع من مالك والثوري وابن عيينة وله سماع مدون من مالك. كان شيخاً صالحاً عالماً باختلاف العلماء وأكثر اعتماده على مالك متفنناً في العلوم من الحديث والفقه والعبارة والعربية وغير ذلك. سمع منه نظراؤه بإفريقية: البهلول بن راشد وغيره وكان سحنون يجله ويعرف حقه وإذا سئل بحضرته أحال عليه وكان أسن من سحنون. وهو ثقة مأمون رجل صالح مستجاب الدعوة ويحكى عنه عجائب من الأخبار والوصف ما لم يكن فيكون ذلك والله أعلم لما كان منطوياً عليه من الصلاح فيجري الله الحق على لسانه فينطق به ومن حكمه: ثلاثة من أعلام الإحسان: كظم الغيظ وحفظ الغيب وستر العيب.

стр. 529

ومن عجائبه أنه بنى مسجداً عظيماً فيه نحو عشرين سارية عظاماً فقالوا له: من يرفع هذه السواري؟ قال: الذي خلقها فأصبحت السواري مرفوعة ورؤوسها عليها. وأصاب الناس بصفاقس قحط: فخرج بهم أبو خارجة واستسقى فما انصرفوا حتى سقوا وتوفي سنة عشر ومائتين رحمه الله تعالى وله ست وثمانون سنة. القاضي عياض هو أبو الفضل: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي الإمام العلامة يكنى أبا الفضل سبتي الدار والميلاد أندلسي الأصل. قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان لا أدري قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس.

стр. 530

كان القاضي أبو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه عالماً بالتفسير وجميع علومه فقيهاً أصولياً عالماً بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم بصيراً بالأحكام عاقداً للشروط حافظاً لمذهب مالك رحمه الله تعالى شاعراً مجيداً رباناً من الأدب خطيباً بليغاً صبوراً حليماً جميل العشرة جواداً سمحاً كثير الصدقة دءوباً على العمل صلباً في الحق. رحل إلى الأندلس - سنة سبع وخمسمائة - طالباً للعلم فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله: محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج وعن أبي محمد بن عتاب وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني وأخذ بالمشرق عن القاضي أبي علي: حسين بن محمد الصدفي وغيره وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم وأخذ عن أبي عبد الله المازري كتب إليه يستجيزه وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشي. ومن شيوخه: القاضي أبو الوليد بن رشد قال صاحب الصلة البشكوالية: وأظنه سمع من ابن رشد وقد اجتمع له من الشيوخ - بين من سمع منه وبين من أجاز له: مائة شيخ. وذكر ولده محمد منهم: أحمد بن بقي وأحمد بن محمد بن مكحول وأبو الطاهر: أحمد بن محمد السلفي والحسن بن محمد بن سكرة والقاضي أبو بكر بن العربي والحسن بن علي بن طريف وخلف بن إبراهيم بن النحاس

стр. 531

ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبي وعبد الله بن محمد الخشني وعبد الله بن محمد البطليوسي وعبد الرحمن بن بقي بن مخلد وعبد الرحمن بن العجوز وغيرهم ممن يطول ذكرهم. قال صاحب الصلة: وجمع من الحديث كثيراً وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده وهو من أهل التفنن في العلم واليقظة والفهم وبعد عوده من الأندلس أجلسه أهل سبتة للمناظرة عليه في المدونة وهو بن ثلاثين سنة أو ينيف عنها ثم أجلس للشورى ثم ولي قضاء بلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها ثم نقل إلى قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ولم يطل أمره بها ثم ولي قضاء سبتة ثانياً. قال صاحب الصلة: وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه بعض ما عنده. قال بن الخطيب: وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبنى في جبل المينا الراتبة الشهيرة وعظم صيته ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى المسابقة بالدخول في طاعتهم ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا فأجزل صلته وأوجب بره - إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة فتلاشت حاله ولحق بمراكش مشرداً به عن وطنه فكانت بها وفاته. وله التصانيف المفيدة البديعة منها: إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم

стр. 532

ومنها: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ أبدع فيه كل الإبداع وسلم له اكفاؤه كفايته فيه ولم ينازعه أحد من الانفراد به ولا أنكروا مزية السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه وأنصفوا في الاستفادة منه وحمله الناس عنه وطارت نسخه شرقاً وغرباً وكتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال وهو كتاب لو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر لكان قليلاً في حقه وفيه أنشد بعضهم: مشارق أنوار تبدت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب؟ وكتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك وكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام وكتاب الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع وكتاب: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد وكتاب الغنية في شيوخه وكتاب المعجم في شيوخ بن سكرة وكتاب نظم البرهان على حجة جزم الأذان وكتاب مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور. ومما لم يكمله: المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان وكتاب العيون الستة في أخبار سبتة وكتاب غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسل

стр. 533

وكتاب الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة وكتاب أجوبة القرطبيين وكتاب أجوبته عما نزل في أيام قضائه من نوازل الأحكام في سفر وكتاب: سر السراة في أدب القضاة وكتاب خطبه وكان لا يخطب إلا بإنشائه. وله شعر كثير حسن رائق فمنه قوله: يا من تحمل عني غير مكترث ... لكنه للضنا والسقم أوصى بي تركتني مستهام القلب ذا حرق ... أخا جوى وتباريح وأوصاب أراقب النجم في جنح الدجا سحراً ... كأنني راصد للنجم أوصابي وما وجدت لذيذ النوم بعدكم ... إلا جنى حنظل في الطعم أوصاب وله رحمه الله تعالى: الله يعلم أني منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين فلو قدرت ركبت الريح نحوكم ... فإن بعدكم عني جنى حيني وله من أبيات: إن البخيل بلحظه أو لفظه ... أو عطفه أو رفقه لبخيل وله في خامات الزرع بينها شقائق النعمان هبت عليها رياح: انظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح

стр. 534

كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح وله غير ذلك كثير. كان مولد القاضي عياض بسبتة في شهر شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة وتوفي بمراكش في شهر جمادى الأخيرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة وقيل: إنه مات مسموماً سمه يهودي ودفن رحمه الله تعالى بباب إيلان داخل المدينة. وعياض بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحت وبعد الألف ضاد معجمة. واليحصبي بفتح الياء المثناة من تحت وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها ياء موحدة نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير. وسبتة مدينة مشهورة وغرناطة مدينة بالأندلس وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة ثم نون مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء ويقال فيها إغرناطة بألف قبل الغين.

стр. 535

عياض بن محمد بن عياض بن موسى حفيد القاضي أبي الفضل يكنى أبا الفضل كان من جلة الطلبة وذوي المشاركة في فنون من العلوم العقلية وغيرها فصيحاً لسناً شاعراً مفوهاً مقداماً موصوفاً بجزالة امتحن بسببها وكان مع ذلك كثير التواضع فاضل الأخلاق معظماً عند الملوك مشاراً إليه جليل القدر دخل الأندلس أيام قضاء أبيه بغرناطة وأخذ عن أهل قرطبة وإشبيلية واستقر أخيراً بمالقة وتأهل بها أصول أملاك. روى عن أبي عبد الله أةيه وأبي بكر بن الحداد القاضي وأبي القاسم بن بشكوال çاةن! حةيص وابن حميد روى عنه ابنه أبو عبد الله قاضي الجماعة وأبو العباس بن فرتون وغيرهم. مولده سنة إحدى وستين وخمسمائة وتوفي بمالقة سنة ثلاثين وستمائة.

стр. 536

عبد الأعلى أبو مسهر بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي روى عن مالك الموطأ وغيره من المسائل والحديث الكثير وقرأ القرآن على نافع وأيوب بن تميم روى عنه أبو زرعة الدمشقي وأبو عبيد القاسم بن سلام. قال بن مفرج: أبو مسهر سيد أهل الشام وفقيههم وعابدهم هو ثقة ورجعت الإمامة بعد بن ذكوان في القراءات إلى بن مسهر وسئل أبو مسهر عن أحاديث بقية فقال: احذروا أحاديث بقية فإنها غير نقية فكونوا منها على تقية. روى عنه النسائي وأبو داود وهو ثقة قال بن وضاح; كان فاضلاً ثقة وكان يترنم بقول الشاعر: يسر الفتى ما كان قدم من تقى ... إذا نزل الداء الذي هو قاتله

стр. 537

من الطبقة الثامنة ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من الأندلس: عبد الأعلى أبو وهب بن وهب بن عبد الرحمن مولى قريش قرطبي سمع من يحيى بن يحيى ورحل إلى المشرق فسمع من مطرف بن عبد الله بالمدينة ومن أصبغ وعلي بن معبد بمصر ومن سحنون بإفريقية وانصرف إلى الأندلس فشوور بقرطبة مع الشيوخ: يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وعبد الملك بن حبيب وأصبغ بن خليل. وسمع منه بن لبابة وصحبه كثيراً وسمع منه بن وضاح وكان رجلاً حافظاً للرأي مشاركاً في علم النحو واللغة متديهاً زاهداً ولم تكن له معرفة بالحديث وكان يزن بالقدر وطالع كتب المعتزلة وكان يحيى بن يحيى وابن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم يطعنون عليه بذلك أشد الطعن. توفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة.

стр. 538

من الطبقة الرابعة من الأندلس: عبد الأعلى أبو المعلى بن معلى الخولاني إلبيري أخذ عن بن مزين والمغامي وعثمان بن أيوب وهو أعلى رواة المغامي من أضبط أهل زمانه وهو أعلى الصدر الثاني من رجال عبد الملك من أزهدهم وأورعهم وأرضاهم عند الخاصة والعامة عني بسماع كثير واستولى على الحفظ للمسائل ثم انفرد بعبادة ربه ورحل إلى بجاية في الفقه وكان المغامي يحيل على كتبه لثقته بصحتها وهو فوق محمد بن فطيس في كل شيء وابن فطيس أعلى ممن بعده وأدرك بن حبيب ولم يأخذ عنه رحمه الله تعالى ورضي عنه. من الطبقة الثانية ممن لم ير مالكاً من أهل الأندلس. عبد الودود بن سليمان قرطبي سمع من أصبغ روى العتبي عنه سماعه من أصبغ وأدخله في المستخرجة كان حافظاً للمسائل معدوداً في علماء هذه الطبقة رجلاً صالحاً.

стр. 539

عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي أبو محمد من أهل صقلية تفقه بالشيوخ القرويين كأبي بكر بن عبد الرحمن وأبو عمران الفاسي وعبد الله بن الأجدابي وحج فلقي القاضي عبد الوهاب وأبا ذر الهروي وحج أخرى بعد أن أسن وكبر وبعد صيته فلقي - بمكة إذ ذاك - إمام الحرمين أبا المعالي فباحثه عن أشياء وسأله عن مسائل أجابه عنها أبو المعالي هي مشهورة بأيدي الناس وكان عبد الحق يعرف فضله ويقول: لولا كبر سني ما فارقت عتبة بابه وكان عبد الحق مليح التأليف رحمه الله تعالى ورضي عنه. ألف كتاب النكت والفروق لمسائل المدونة وهو من أول ما ألف وهو كتاب مفيد عند الناشئين من حذاق الطلبة ويقال إنه ندم بعد ذلك على تأليفه ورجع عن كثير من اختياراته وتعليلاته واستدرك كثيراً من كلامه فيه وقال: لو قدرت على جمعه وإخفائه لفعلت. وألف أيضاً كتابه الكبير المسمى بتهذيب الطالب وله استدراك على مختصر البرادعي وله عقيدة رويت عنه وله جزء في بسط ألفاظ المدونة. وتوفي بالإسكندرية سنة ست وستين وأربعمائة.

стр. 540

عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن! به غبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية بن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكرم المحاربي يكنى أبا محمد من ولد زيد بن محارب بن خصفة من قيس عيلان من مضر. ورأيت بخط شيخنا عفيف الدين فيما نقله من تاريخ إلبيرة عن القاضي مطرف بن عيسى خصفة بالخاء المعجمة والصاد المهملة ضبطاً خطياً والذي في الإحاطة: حصفة كما ضبطه بالخط والله تعالى أعلم. نزل جده عطية بن خفاف بقرية قنينلة من زاوية غرناطة فأنسل كثيراً لهم قدر وفيهم فضل. كان القاضي أبو محمد: عبد الحق فقيهاً عالماً بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب مقيداً حسن التقييد له نظم ونثر ولي القضاء بمدينة المرية وكان غاية في الدهاء والذكاء والتهمم بالعلم سري الهمة في اقتناء الكتب ولما ولي توخى الحق وعدل في الحكم وأعز الخطة. روى عن الحافظ أبيه وأبي علي الغساني والصدفي وأبي عبد الله:

стр. 541

محمد بن فرج: مولى الطلاع وأبي المطرف الشعبي وأبي القاسم بن أبي الخصال المقبري وأبي العباس: أحمد بن عثمان بن مكحول وأبي القاسم: الحسن بن عمر الهوزني وأبي بكر عبد الباقي بن محمد الحجازي وابن برال وأبي محمد: عبد الواحد بن عيسى الهمداني وغيرهم من الجلة كثير تركتهم اختصاراً وألف كتابه المسمى بالوجيز في التفسير وأحسن فيه وأبدع وطار بحسن نيته كل مطار وألف برنامجاً ضمنه مروياته وأسماء شيوخه وحرر وأجاد وله شعر حسن. روى عنه أبو بكر بن أبي جمرة وأبو محمد عبيد الله وأبو القاسم بن حبيش وأبو جعفر بن مضاء وغيرهم. مولده سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وتوفي ﵀ في سنة ست وأربعين وخمسمائة - بمدينة لورقة قصد مرسية يتولى قضاءها فصد عن دخولها وصرف منها إلى لورقة اعتداء عليه رحمه الله تعالى. ووالده: أبو بكر: غالب الإمام الحافظ العالم رحل إلى المشرق سنة تسع وستين وأربعمائة فلقي بالمرية أبا محمد: عبد الجبار بن علي بن سليمان بن أبي قحافة وسمع عليه ولقي بمكة أبا عبد الله: الحسين بن علي بن الحسين

стр. 542

الطبري الشافعي نزيل مكة وقرأ عليه وسمع كثيراً ثم حج سنة سبعين ورجع سنة إحدى وسبعين إلى الأندلس فروى عن أبي علي الجياني الغساني الحافظ ومولد أبي بكر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وتوفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ذكر ذلك ولده القاضي أبو محمد: عبد الحق بن عطية رحمه الله تعالى. عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد الأزدي أبو محمد الإشبيلي ويعرف بابن الخراط روى عن أبي الحسن: شريح وابن برجان وأبي حفص: عمر بن أيوب وأبي بكر بن مدير وأبي الحسن: طارق وطاهر بن عطية وكتب إليه محدث الشام: أبو القاسم بن عساكر وغيره. نزل بجاية عند الفتنة الواقعة بالأندلس عند انقراض الدولة اللمتونية فنشر بها علمه وصنف وولي الخطبة والصلاة بجامعها وكان فقيهاً حافظاً عالماً بالحديث وعلله عارفاً بالرجال موصوفاً بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا مشاركاً في الأدب وقول الشعر وصنف في الأحكام نسختين: كبرى وصغرى سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن

стр. 543

أبي مروان الشهير بلبلة فحظي هو دون أبي العباس وله: الجمع بين الصحيحين وكتاب في الجمع بين المصنفات الستة وكتاب في المعتل من الحديث وكتاب في الرقائق ومصنفات أخر وله في اللغة كتاب حافل ضاهى به كتاب الغريبين للهروي أبي عبيد. ولد سنة عشر وخمسمائة وتوفي ببجاية - بعد محنة نالته من قبل الولاة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وله رحمه الله تعالى: إن في الموت والمعاد لشغلاً ... وادكاراً لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا ... صحة الجسم يا أخي والفراغا انتهى من كلام الحافظ أبي عبد الله: محمد بن أبي عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي الكاتب الأبار. ومن جملة تآليفه: ما نقله محمد بن حسن بن عبد الله بن خلف بن يوسف الأنصاري عن المؤلف - إملاء منه عليه - قال - بعد أن ذكر ما تقدم ذكره: وكتاب المرشد تضمن حديث مسلم كله: وما زاد البخاري على مسلم وأضاف إلى ذلك أحاديث حساناً وصحاحاً من كتاب أبي داود وكتاب النسائي وكتاب الترمذي وغير ذلك وما وقع في الموطأ مما ليس في مسلم والبخاري وهو أكبر من صحيح مسلم وكتاب الجامع الكبير في الحديث ومقصوده فيه: الكتب الستة وأضاف إليه كثيراً من مسند

стр. 544

البزار وغيره منه صحيح ومعتل تكلم على علله ونهب منه في دخلة البلد في الفتنة وكتاب بيان الحديث المعتل وهو قدر صحيح مسلم وقد تقدم ذكره وذكر جامع الكتب الستة نهب منه أيضاً في الدخلة المذكورة وكتاب التوبة في سفرين ومعجزات الرسول ﷺ في سفر ومقالة الفقر والغنى وكتاب الصلاة والتهجد في سفر وكتاب العاقبة وتضمن ذكر الموت وما بعده وكتاب تلقين الوليد في الحديث سفر صغير وكتاب المنير وتقدم اسمه وكتاب الرقائق والأنيس في الأمثال والمواعظ والحكم والآداب من كلام النبي ﷺ والصالحين ومختصر كتاب الرشاطي في الأنساب من القبائل والبلاد وهو في سفرين ومختصر كتاب الكفاية في علم الرواية وكتاب فضل الحج والزيارة وكتاب الواعي في اللغة. وتقدم ذكره وهو نحو خمسة وعشرين سفراً. تغمده الله تعالى برحمته.

стр. 545

عبد الواحد أبو محمد بن شرف الدين بن المنير هو بن أخي القاضي ناصر الدين بن المنير. كان هذا الرجل شيخ ثغر الإسكندرية يلقب بعز القضاة وكان فقيهاً فاضلاً أديباً وعمر وانتفع الناس به أخذ الفقه عن عميه: ناصر الدين وزين الدين وجمع تفسيراً حسناً في عشرة مجلدات وهو يقرأ في المواعيد إلى الآن وله ديوان مدح في النبي ﷺ . وأنشد عز القضاة لنفسه: ألا فاسألوا في الفضل من كان بارعاً ... وفي العلم أفنى عمره باشتغاله عن المرء يوصي قاصداً وجه ربه ... لزيد بما سماه من ثلث ماله فإن يكن الموصى له متمولاً ... دفعنا له الموصى به بكماله وإن يك ذا قل وفقر وفاقة ... حرمناه ذاك المال فارث لحاله؟ أيحرم ذو فقر ويعطاه ذو غنى ... لعمرك ما رزق الفتى باحتياله؟ فلا تعتمد إلا على الله وحده ... ولا تستند إلا لعز جلاله توفي سنة ست وثلاثين وسبعمائة مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة. ذكر ذلك شهاب الدين: أحمد بن هلال صاحبنا رحمه الله تعالى ورضي عنه.

стр. 546

عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السداد الشهير بالمالقي كان فقيهاً نحوياً أصولياً حسن التعليم نافعاً منجبا منقطع القرين في الدين المتين والصلاح والتواضع وحسن الخلق. سمع من أبي عمر وعبد الرحمن بن حوط الله وغيره من المشايخ وله تآليف في القراءات والفقه وشرح التيسير وله شعر. توفي في عام خمسة وسبعمائة.

стр. 547

من اسمه عيسى من الطبقة الأولى ممن لم ير مالكاً والتزم مذهبه من الأندلس: عيسى بن دينار أخو عبد الرحمن ويكنى أبا محمد رحل فسمع من بن القاسم وصحبه وعول عليه وانصرف إلى الأندلس وكانت الفتيا تدور عليه لا يتقدمه في وقته أحد في قرطبة وكانت له فيها رياسة بعد انصرافه من المشرق وكان بن القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع وكان لا يعد في الأندلس أفقه منه في نظرائه. قال الرازي: كان عيسى عالماً زاهداً متفنناً حج حجات وولي قضاء طليطلة: للحكم والشورى بقرطبة. وقال بن أيمن: هو الذي علم لأهل مصرنا المسائل وكان أفقه من يحيى بن يحيى - على جلالة يحيى وعظم قدره. وقال بن مزين وابن لبابة: فقيه الأندلس: عيسى. وقال أبو عمر الصدفي: هو من أهل النظر والفقه التام والورع. قال بن حارث: كان عيسى فقيهاً بارعاً غير مدافع ومن متقدمي العلماء

стр. 548

بالأندلس خيراً فاضلاً عابداً ناسكاً ورعاً: من أهل العلم والعمل والخشية مجاب الدعوة صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة. وشيعه بن القاسم عند انصرافه عنه ثلاث فراسخ فعوتب في ذلك فقال: تلوموني أن شيعت رجلاً لم يخلف بعده أفقه منه ولا أورع؟. وقال بن القاسم: أتانا عيسى فسألنا سؤال عالم. وكان ينتجع بلده طليطلة وبها توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين وقبره هناك مشهور وقيل: توفي منصرفه عن طليطلة. وبه وبيحيى: انتشر عام مالك بالأندلس ورجعت الفتيا بها إلى رأيه وأدرك عيسى بن القاسم وابن وهب وأشهب فسمع من بن القاسم واقتصر عليه فاعتلت في الفقه طبقته. وكان من أهل الزهد البائس والدين الكامل وأحواله في العلم البارع والفضل الكامل مشهورة مع قوته في التفقه لمالك وأصحابه. وكان بن وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه.

стр. 549

ولعيسى سماع من بن القاسم: عشرون كتاباً وله تأليف في الفقه يسمى: كتاب الهدية كتب به إلى بعض الأمراء: عشرة أجزاء. وكان عيسى ذا هيئة حسنة وعقل رصين ومذهب جميل وكتب إلى بن القاسم في رجوعه عما رجع عنه من كتاب أسد فيما بلغه ويسأله إعلامه بذلك فكتب إليه بن القاسم: اعرضه على عقلك فما رأيته حسناً فأمضه وما أنكرته فدعه. وهذا يدل على ثقة بن القاسم بتفقهه. وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين. ومن الطبقة الثانية من إفريقية: عيسى بن مسكين بن منظور الإفريقي أصله من العجم ويتولى قريشاً من أهل الساحل سمع من سحنون وابنه جميع كتبه ومن غيرهما وسمع بالشام من أبي جعفر الأيلي وبمصر من الحارث بن مسكين وأبي الطاهر والربيع ومحمد بن المواز ومحمد بن عبد الرحيم البرقي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن سنجر ويونس الصدفي ومن علي بن عبد العزيز وغيرهم. سمع منه الناس: أحمد بن محمد بن تميم وأبو الحسن الكانشي وابن

стр. 550

مسرور الحجام وعلي بن حمود وغيرهم. كان فقيهاً عالماً فصيحاً ورعاً مهيباً وقوراً ثقة مأموناً صالحاً ذا سمت وخشوع فاضلاً طويل الصمت دائم الحمد رقيق القلب غزير الدمعة كثير الإشفاق متفنناً في كل العلوم: الحديث والفقه واللغة وأسماء الرجال وكناهم وقوتهم وضعفهم فصيحاً جيد الشعر كثير الكتب في الفقه والآثار صحيحاً يشبه سحنوناً في هيئته وسمته واعتماده على سحنون وبه كان يقتدي في كل أموره من شمائله وزهده ومباينته لأهل البدع حسن الأدب بين المروءة. قال أبو علي البصري: لو أفردنا كتاب في ذكر مناقبه ومحاسنه وزهده وورعه وعدله ما انتهينا إلى وصفه. كان عالماً باللغة قائلاً للشعر من أهل الفضل البارع والورع الصحيح والصمت الطويل مستجاب الدعوة. قال الكانشي: أدخلني عيسى بن مسكين إلى بيت مملوء بالكتب ثم قال لي: كلها رواية وما فيها كلمة غريبة إلا وأنا أحفظ لها شاهداً من كلام العرب؟.

стр. 551

وكان محمد بن سحنون إذا استفتي قال: أفت يا أبا موسى. وكان إذا تفاخر أهل المدينة وأهل العراق برجالهم قيل لأهل العراق: عندكم مثل عيسى بن مسكين؟ فيفخمونه ويقولون: ذلك أفضلكم وأفضلنا. وولي القضاء بعد أن قال له الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب: ما تقول في رجل قد جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء وألم به شعث هذه الأمة فامتنع؟ قال: يلزمه أن يلي قال: تمنع؟ قال: تجبره على ذلك بجلد. قال: قم فأنت هو؟ قال: ما أنا بالذي وصفت وتمنع. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه وقرب السيف من نحره فتقدم بعد أمر عظيم وولاه بعد إجماع الناس عليه على اختلاف مذاهبهم وامتناعه.

стр. 552

قال بعضهم: رافقت عيسى في طريق الحج فخرجت ليلة من الرفقة لقضاء حاجة الإنسان ثم عدت إلى الرفقة فإذا عليها سور منعني من الوصول إليها حتى أصبح وضرب الطبل فذكرت ذلك لعيسى فقال: ما أبيت ليلة حتى أدور على الرفقة وأقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بكنفك الذي لا يرام اللهم إني أستودعك ديني ونفسي وأهلي وولدي ومالي إنه لا تخيب ودائعك يا أرحم الراحمين. ويحكى عنه أنه كان يجتمع بالخضر ﵇ وحكى عنه عبد الله العارف أنه قال: اجتمعت مع الخضر مرتين ودخل على في بيتي فقال لي: أبشر بفرجك مما أنت فيه. ومن حكمه: أشرف الغنى ترك المنى من قاس الأمور علم المستور من حصن شهوته صان قدره من أطلق طرفه كثر أسفه من تقلب الأحوال علم جواهر الرجال بحسن التأني تسهل المطالب الحسن النية يصحبه التوفيق المعاش مذل لأهل العلم كفاك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم خلوا لهم دنياهم يخلوا بينكم وبين آخرتكم. ومن شعره قوله: لما كبرت أتتني كل داهية ... وكل ما كان مني زائداً نقصا

стр. 553

أصافح الأرض أن رمت القيام وإن ... مشيت تصحبني ذات اليمين عصا وله: لعمرك لو وجدتك يا شبابي ... بما ملكت يميني لارتجعتك ولو جعلت لي الدنيا ثواباً ... وما فيها عليك لما وهبتك؟ فقدتك فافتقدت لذيذ نومي ... وطيب معيشتي لما فقدتك؟ ونحتك وانتحيت عليك دهراً ... فلم تغن النياحة حين نحتك؟ مولده سنة أربع عشرة ومائتين ومات رحمه الله تعالى سنة خمس وتسعين ومائتين. وكانت ولايته ثمان سنين وأحد عشر شهراً رحمة الله تعالى عليه. ومن الطبقة الحادية عشرة: من أهل الأندلس: عيسى أبو الأصبغ بن سهل بن عبد الله الأسدي أصله من جيان من البراجلة سكن قرطبة وتفقه بها سمع من حاتم الطرابلسي وتفقه بابن عتاب ولازمه واختص به وأخذ أيضاً عن بن القطان وروى عن مكي بن أبي طالب وابن شماخ وابن عامر الحافظ وسمع بجيان من الفقيه: هشام بن سوار وبغرناطة من يحيى بن زكريا القليعي الفقيه وبطليطلة من القاضي أسد وابن رافع رأسه وأجازه أبو عمر بن عبد البر.

стр. 554

كان جيد الفقه مقدماً في الأحكام وله في الأحكام كتاب حسن سماه الإعلام بنوازل الأحكام وذكر في أول هذا الكتاب عن نفسه: أنه كان يحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن وولي بقرطبة الشورى وأنابه حاكمها ودخل سبتة فنوه بمكانه صاحبها البرغواطي فرأس فيها وأخذ عنه جماعة من فقهائها منهم قاضي الجماعة أبو محمد بن منصور والقاضي أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد البصري والفقيه أبو إسحاق بن جعفر ولازمه وسمع منه القاضي أبو عبد الله بن عيس التميمي ثم ترك الرواية عنه. قال صاحب الصلة: كان من جلة الفقهاء وكبار العلماء حافظاً للرأي ذاكراً للمسائل عارفاً بالنوازل بصيراً بالأحكام عول الحكام على كتابه فيها قال عياض: وسمع منه خالاي أبو محمد وأخوه ابنا الجوزي وولي قضاء طنجة ومكناسة ثم رجع إلى الأندلس فولي قضاء غرناطة - إلى أن دخلها المرابطون فبقي يسيراً ثم عوفي منها وبقي بغرناطة إلى أن توفي. وذكره بن الخطيب في الإحاطة في تاريخ غرناطة فقال: كان من جلة الفقهاء وأكابر العلماء حافظاً للرأي ذاكراً للمسائل عارفاً بالنوازل بصيراً بالأحكام متقدماً في معرفتها ولي الشورى مدة ثم ولي القضاء بغرناطة وغيرها. وذكره الإمام أبو الحسن بن الباذش فقال: كان من أهل الخصال الباهرة والمعرفة التامة يشارك في فنون من العلم.

стр. 555

وقال بن الصيرفي: كان في أهل العلم والفهم والتفنن في العلم مع الخير والورع وصحة الدين وكثرة الجود بارع الخط فصيح الكتابة حاضر الذهن له قريض جزل ولم يزل يتردد في القضاء. وفي أيام أبي يعقوب تاشفين رفع إليه شدته في القضاء فصرفه. توفي بغرناطة سنة ست وثمانين وأربعمائة. عيسى أبو الروح بن مسعود بن المنصور بن يحيى بن يونس بن يوينو بن عبد الله بن أبي حاج المنكلاتي الحميري الزواوي المالكي كان فقيهاً عالماً متفنناً في العلوم تفقه ببجاية على أبي يوسف: يعقوب الزواوي وقدم الإسكندرية وتفقه بها ثم رحل إلى قابس فأقام بها مدة وولي القضاء بها ثم رحل إلى ثغر الإسكندرية فأقام بها مدة يسيرة ثم رحل إلى القاهرة فأقام بها يشغل الناس في العلوم بالجامع الأزهر وسمع كتب الحديث الستة - قديماً وحدث عن شرف الدين الدمياطي وولي نيابة القضاء بدمشق نحو سنتين ثم رجع إلى الديار المصرية فولي نيابة القضاء بها عن قاضي القضاة زين الدين بن مخلوف المالكي ثم من بعده عن قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي ثم ولي تدريس المالكية بمصر بزاوية المالكية وترك ولاية الحكم وأقبل على الاشتغال والتصنيف فشرح صحيح مسلم

стр. 556

في اثني عشر مجلداً وسماه: إكمال الإكمال جمع فيه أقوال المازري والقاضي عياض والنووي وأتى فيه بفوائد جليلة من كلام بن عبد البر والباجي وغيرهما وشرح مختصر أبي عمرو بن الحاجب في الفقه. فوصل فيه إلى كتاب الصيد في سبع مجلدات واختصر جامع بن يونس شرح المدونة وصنف في الوثائق والمناسك وفي علم المساحة ورد على تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وألف مناقب مالك رحمه الله تعالى وألف تاريخاً في نحو عشر مجلدات بيض منه نصفه ذكر فيه من أول بدء الدنيا وقصص الأنبياء وأخبار الأمم من آدم إلى زمانه. وكانت له اليد الطولى في علم الفقه والأصول والعربية والفرائض. وكان يحكى أنه حفظ مختصر بن الحاجب في الفروع في مدة ثلاثة أشهر ونصف ثم عرضه وحفظ موطأ مالك بن أنس وعرضه. وكان إماماً في الفقه وإليه انتهت رياسة الفتوى في مذهب مالك بالديار المصرية والشامية. وكان مولده سنة أربع وستين وستمائة وتوفي في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بالقاهرة.

стр. 557

وأبو الروح: براء مهملة مضمومة وواو ساكنة وحاء مهملة. ويوينو: بياء مثناة من تحت مضمومة وواو ساكنة وياء مثناة من تحت مفتوحة ونون مشددة مضمومة وواو ساكنة. والمنكلاتي: بميم مفتوحة ونون ساكنة وكاف مفتوحة ولام وألف مشددة وتاء مثناة من فوق وياء ساكنة: قبيلة من العرب. عيسى بن مخلوف بن عيسى المغيلي كان من فضلاء المالكية وأعيانهم بالديار المصرية وولي قضاء المالكية بها فحمدت سيرته. توفي سنة ست وأربعين وسبعمائة.

стр. 558

من اسمه عمر من الطبقة الخامسة من العراق ثم من آل حماد بن زيد قاضي القضاة أبي الحسن عمر بن قاضي القضاة أبي عمر: محمد بن القاضي يوسف بن القاضي يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد كذا اسمه ووهم من سماه أحمد وكان من أحذق من رأيناه من أحداث المالكيين. كان ذكياً فطناً حاذقاً بالمذهب أخذ من كل علم بنصيب كان نظير أبيه في الفضل وتاليه في العقل السالك مسلك سلفه والجاري على مذاهب أوله الحامل لعلوم قلما اجتمعت في مثله من أهله زمانه ولا يعرف قاض في سنه ولا أعلى منه يشتغل بالعلوم التي يشتغل بها الناس من حفظ الحديث وعلم به واستبحار في الفقه واحتجاج له وتقدم في النحو واللغة وحظ جزيل من البلاغة: نظمها ونثرها. قرأ من كتب اللغة والأخبار ما يقارب عشرة آلاف ورقة وبلغ مبلغاً عظيماً

стр. 559

وله كتاب في الرد على من أنكر إجماع أهل المدينة وهو نقض كتاب الصيرفي وله كتاب سماه: الفرج بعد الشدة ولم يدرك عمهم إسماعيل بن إسحاق وإنما تفقه عند أبيه وكبار أصحاب إسماعيل وعنه وعن أبيه عمر أخذ أبو بكر الأبهري وغيره وعندهما تفقه وكان يخلف أباه في قضائه وهو صغير السن. ثم ولي قضاء مدينة المنصور - سنة عشرين وثلاثمائة فلما توفي أبوه في رمضان من هذه السنة قلد أبو الحسن جميع ما كان يتقلده أبوه. وفي أيامه قتل بن أبي العزافيري وكان يذهب إلى مذهب الحلاج ويقول بالحلول والتأله فشهد على قوله وأفتى أبو الحسن بقتله. وفي أيام أبيه أبي عمر قتل الحسين بن منصور الحلاج بفتواه وفتوى أبي الفرج المالكي ومن وافقهما من المالكية. وتوفي أبو الحسن ببغداد وهو متولي قضاء القضاة ليلة الخميس لثلات عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة واخترمته المنية قبل استيفاء أمد أقرانه وطبقته. وسنه - يوم مات - تسع وثلاثون سنة ولم يتخلف عن جنازته

стр. 560

جليل وصلى عليه ابنه أبو نصر ووجد عليه الرضي أمير المؤمنين وجداً شديداً حتى كاد يبكي بحضرتنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعاً حتى أراه فيوسعه علي برأيه رحمه الله تعالى. ومن الطبقة العاشرة من إفريقية: عمر أبو حفص بن عبد النور يعرف بابن الحكار صقلي فاضل عالم نظار محقق حسن الكلام والتأليف أديب شاعر حسن القول وله في المدونة شرح كبير نحو ثلاثمائة جزء وانتقد على التونسي ألف مسألة واختصر كتاب التمامات. قال عبد الله بن خطاب: حضرت مجلسه وهو يناظر بالبراذعي ويتكلم عليه كلاماً عظيماً فما سمعت بأدق من كلامه. ومن كتاب العبر في ذكر من غبر أبو علي الشلوبين:

стр. 561

عمر بن محمد بن عبد الله الأزدي المعروف بالشلوبين النحوي سمع من أبي بكر بن الجد وأبي عبد الله بن زرقون والكبار وأجاز له السلفي وكان أسند من بقي بالمغرب وكان في العربية بحراً لا يجارى وحبراً لا يبارى. تصدر لإقراء النحو نحواً من ستين عاماً. أخذ عن أبي إسحاق بن ملكون وغيره.

стр. 562

قال شمس الدين بن خلكان: ولقد رأيت جماعة من أصحابه وكلهم فضلاء وكل منهم يقول: لا يتقاصر الشيخ أبو علي عن طبقة الشيخ أبي علي الفارسي ويغالون فيه كثيراً. وظهر له في الوجود أعيان كأبي الحسن بن عصفور والشيخ جمال الدين بن مالك والشيخ أبي المكارم بن مسدي وغيره من الأعيان كثيراً. وشرح المقدمة الجزولية شرحين: كبيراً وصغيراً وله كتاب في النحو سماه: التوطئة وكتاب سماه: القوانين. وبالجملة فإنه على ما يقال: كان خاتمة أئمة النحو وكانت ولادته بإشبيلية في سنة اثنين وستين وخمسمائة وتوفي سنة خمس وأربعين وستمائة بإشبيلية.

стр. 563

والشلوبين بفتح الشين المثلثة واللام وسكون الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها نون - هذه النسبة إلى الشلوبين وهو بلغة أهل الأندلس: الأبيض الأشقر رحمه الله تعالى. عمر بن أبي اليمن علي بن سالم بن صدقة اللخمي المالكي الشهير بتاج الدين الفاكهاني يكنى أبا حفص الإسكندري قرأ القرآن بالقراءات على أبي عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المازوني حافى رأسه وسمع منه وسمع من أبي عبد الله: محمد بن طرخان وأبي الحسن: علي بن أحمد القرافي وسمع من غيرهما. وكان فقيهاً فاضلاً متفنناً في الحديث والفقه والأصول والعربية والأدب وكان على حظ وافر من الدين المتين والصلاح العظيم واتباع السلف الصالح حسن الأخلاق.

стр. 564

صحب جماعة من الأولياء وتخلق بأخلاقهم وتأدب بآدابهم وحج غير مرة وحدث ببعض مصنفاته. وله شرح العمدة في الحديث لم يسبق إلى مثله لكثرة فائدته وشرح الأربعين للنووي وسماه المنهج المبين في شرح الأربعين وله الإشارات في العربية وشرحها والتحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة وكتاب الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير. ضمت مكارم تأتي منك ظاهرة ... إلى مكارم أبقاها أبوك لكا فإن تقدم أبناء الكرام بهم ... فقد تقدم آباء الكرام بكا وأخبرني جمال الدين: عبد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري المحدث: أحد الصوفية بخانقاه سعيد السعيداء في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق فقصد زيارة نعل سيدنا رسول الله ﷺ التي بدار الحديث الأشرفية بدمشق وكنت معه فلما رأى النعل المكرمة حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل وأنشد: فلو قيل للمجنون: ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها؟ لقال: غبار من تراب نعالها ... أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها؟

стр. 565

ولما حضرته الوفاة جعل بعض أقاربه يتشهد بين يديه ليذكره ففتح عينيه وأنشد: وغداً يذكرني عهوداً بالحمى ... ومتى نسيت العهد حتى أذكرا؟ ثم تشهد وقضى نحبه. توفي - رحمه الله تعالى - بالإسكندرية في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ودفن ظاهر باب البحر. ومولده بها سنة أربع وخمسين وستمائة وقيل سنة ست وخمسين. عمر بن علي بن قداح الهواري التونسي كان إماماً عالماً بمذهب مالك عليه مدار الفتيا مع القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع ونظرائه وكان جليل القدر مشهور الذكر له مسائل قيدت عنه مشهورة وولي قضاء الجماعة بعد القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع. توفي سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
следующие страницы →