Полный текст (858 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
توفي قاسم سنة اثنتين وثلاثمائة.
قاسم بن أحمد بن محمد بن عثمان التجيبي المعروف بابن أرفع رأسه
طليطلي سكن قرطبة سمع من قاسم بن أصبغ وابن أيمن وابن الشاط وغيرهم وشاوره بن أسلم ومنذر وغيرهما. وولي قضاء طليطلة وبطليوس وتصرف في الإمامات وبنى حصون الثغر وكان موثوقاً به مأموناً على ما تولاه تفقه عنده جماعة وسمع منه بن الفرضي وغيره توفي سنة ثلاثة وتسعين وثلاثمائة.
стр. 632
ومن كتاب الوفيات لشمس الدين بن خلكان:
قاسم بن فيرة بن أبي القاسم: خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير المقرئ
يكنى أبا محمد صاحب القصيدة التي سماها: حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتاً ولقد أبدع فيها أكمل الإبداع وهي عمدة قراء أهل هذا الزمان في نقلهم فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها. وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة وما أظنه سبق إلى أسلوبها.
وقد روي عنه أنه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله لأنني نظمتها لله مخلصاً في ذلك. ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علماً بكتاب التمهيد لابن عبد البر. وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيراً وبحديث رسول الله ﷺ مبرزاً فيه وكان إذا قرأ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها.
стр. 633
وكان أوحد أهل زمانه في علم النحو واللغة عارفاً بعلم الرؤيا حسن المقاصد مخلصاً فيما يقول ويفعل. قرأ القرآن العظيم بالروايات على أبي عبد الله: محمد بن علي بن أبي العاص النفزي المقرئ وأبي الحسن: علي بن هذيل الأندلسي وسمع الحديث من أبي عبد الله بن سعادة وأبي عبد الله: محمد بن عبد الرحيم الخزرجي يعرف بابن الفرس وغيرهم وانتفع به خلق كثير.
وكان يجتنب فضول الكلام لا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه الضرورة ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة. وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان يقول - عند دخوله إليها - إنه يحفظ وقر بعير من العلوم. توفي يوم الأحد بعد صلاة العصر الثامن والعشرين من جمادى الأخيرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن بالقرافة الصغرى في تربة القاضي الفاضل.
وفيره بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وتشديد الراء وضمها وهو بلغة الرطانة من أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي الحديد.
والرعيني: نسبة إلى ذي رعين وهو أحد أقيال اليمن ونسب إليه خلق كثير.
والشاطبي: نسبة إلى شاطبة وهي مدينة كبيرة خرج منها جماعة من العلماء استولى عليها الإفرنج في العشر الأواخر من رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة.
وقيل اسم الشيخ المذكور: أبا القاسم وكنيته هي اسمه لكن
стр. 634
وجدت إجازات أشياخه أبو محمد القاسم كما ذكرت أول الترجمة.
ومن مختصر المدارك من الطبقة السادسة من الأندلس:
قاسم الجبيري
بضم الجيم - بن خلف بن عبد الله بن جبير. طرطوشي الأصل ولزم قرطبة وسمع بها من قاسم بن أصبغ وغيره ورحل وجال البلاد وأخذ عن الشيوخ والأعيان وأقام في رحلته ثلاثة عشر عاماً.
كان فقيهاً عالماً حسن النظر صدراً في الشورى يجتمع إليه ويتناظر عنده. وكان من أهل العلم بالحديث والفقه نظاراً مدققاً في المسائل وكان حسن التأليف وله كتاب في الوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف فيه بن القاسم مالكاً. كتاب حسن مفيد. ولي القضاء بطرطوشة وبلنسية وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
стр. 635
قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط
الأنصاري نزيل سبتة يكنى أبا القاسم قال: والشاط: اسم لجدي وكان طوالاً فجرى عليه هذا الاسم. كان رحمه الله تعالى نسيج وحده في أصالة النظر ونفوذ الفكر وجودة القريحة وتسديد الفهم إلى حسن الشمائل وعلو الهمة والعكوف على العلم والاقتصار على الآداب السنية والتحلي بالوقار والسكينة.
أقرأ عمره بمدينة سبتة: الأصول والفرائض مقدماً فيها موصوفاً بالإمامة.
وكان موفور الحظ من الفقه حسن المشاركة في العربية كاتباً مترسلاً رياناً من الأدب له نظر في العقليات.
قرأ على الأستاذ أبي علي الحسن بن الربيع وعلى الحافظ أبي يعقوب المحاسبي وغيرهم وأجازه أبو القاسم بن البراء وأبو محمد بن أبي الدنيا وعلي وأبو العباس بن الغماز وأبو جعفر الطباع وأبو بكر بن فارس وغيرهم.
وأخذ عنه الجلة من أهل الأندلس كالأستاذ أبي زكريا بن هذيل وشيخنا أبي الحسن بن الحباب والقاضي أبي بكر بن شيرين وغيرهم. وله تآليف منها: أنوار البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق
стр. 636
وغنية الرائض في علم الفرائض وتحرير الجواب في توفير الثواب وفهرست حافلة وكان مجلسه مألفاً للصدور من الطلبة والنبلاء من العامة. مولده في عام ثلاثة وأربعين وستمائة بمدينة سبتة وتوفي بها عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة رحمة الله عليه.
من يعرف بأبي القاسم
من الطبقة التاسعة من إفريقية:
أبو القاسم بن محرز المقري القيرواني
تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران وأبي حفص كان فقيهاً نظاراً نبيلاً وابتلي بالجذام في آخر عمره وله تصانيف حسنة منها تعليق على المدونة سماه التبصرة وكتابه الكبير المسمى بالقصد والإيجاز. توفي في نحو الخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 637
قرعوس بن العباس بن قرعوس بن حميد
ويقال: عبيد بن منصور بن محمد بن يوسف الثقفي من أهل قرطبة يكنى أبا الفضل ويقال له: أبو محمد سمع من مالك ومن الثوري وابن جريج والليث وغيرهم. كان فاضلاً ورعاً عالماً بمذهب مالك وأصحابه لا علم له بالحديث روى عن مالك الموطأ وشيئاً من المسائل. وقال يحيى بن يحيى: هو من أهل العلم كبير المنزلة ثقة روى عنه بن حبيب وأصبغ بن خليل.
فائدة: قال قرعوس هذا: سمعت مالكاً والثوري يقولان: سلطان جائر سبعين سنة خير من أمة سائبة ساعة من نهار. توفي سنة عشرين ومائتين رحمة الله عليه.
стр. 638
حرف الميم
من اسمه محمد
من الطبقة الأولى من أصحاب مالك من أهل المدينة:
محمد بن إبراهيم بن دينار الجهيني
مولاهم أبو عبد الله يروي عن بن أبي ذئب وموسى بن عقبة ويزيد بن أبي عبيد وغيرهم وصحب مالكاً وابن هرمز روى عنه بن وهب وأبو مصعب الزهري ومحمد بن مسلمة وغيرهم.
وكان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز وبعدهما وكان فقيهاً فاضلاً له بالعلم رواية وعناية. قال بن حبيب: كان هو والمغيرة أفقه أهل المدينة وهو ثقة. قال أشهب والشافعي: ما رأينا في أصحاب مالك أفقه من بن دينار ودرس مع مالك على بن هرمز. توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة.
стр. 639
ومن الوسطى من أهل المدينة:
محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل أبو هشام
وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام والذي يذكر عنه ذكر عهدة الرقيق في خطبته روى محمد هذا - عن مالك وتفقه عنده. وكان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم وهو ثقة وله كتب فقه أخذت عنه. وهو ثقة مأمون حجة جمع العلم والورع. وتوفي سنة ست ومائتين.
وممن عداده في المكيين - من أهل الحجاز من الطبقة الوسطى - من أصحاب مالك رحمه الله تعالى:
محمد بن إدريس الشافعي
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن المطلب بن عبد مناف بن قصي.
стр. 640
أمه أزدية ولد بالشام بغزة وقيل باليمن سنة خمسين ومائة وحمل إلى مكة فسكنها وتردد بالحجاز والعراق وغيرهما ثم استوطن مصر وتوفي بها.
روى عن مالك ومسلم بن خالد وابن عيينة وإبراهيم بن سعيد وفضيل بن عياض وعن عمه محمد بن شافع وجماعة غيرهم. وروى عنه بن حنبل والحميدي وأبو الطاهر بن السراج والبويطي والمزني والربيع المؤذن وأبو ثور والزعفراني ومحمد بن عبد الحكيم وجماعة غيرهم. كان حافظاً حفظ الموطأ في تسع ليال وقيل: في ثلاث ليال خرج عن مكة ولزم هذيلاً فتعلم كلامها وكانت أفصح العرب فبقي فيهم مدة راحلاً برحيلهم ونازلاً بنزولهم.
قال: فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب فمر بي رجل من الزبيديين فقال لي: يا أبا عبد الله عز علي أن لا يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك؟ فقلت: ومن بقي يقصد؟ فقال لي: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ؟ فوقع في قلبي وعدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال.
ورحل إلى مالك فأخذ عنه الموطأ وكان مالك يثني على فهمه وحفظه ووصله بهدية جزيلة لما رحل عنه. وكان الشافعي يقول: مالك معلمي وأستاذي ومنه تعلمنا العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
стр. 641
ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل: قال محمد بن عبد الحكم: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ يعني الشافعي فما رأيت أبصر منه بأصول العلم أو قال: بأصول الفقه. وكان صاحب سنة وأثر وفضل مع لسان فصيح طويل وعقل رصين صحيح.
وقال فيه بن عيينة: هذا أفضل فتيان أهل زمانه وكان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا قال: سلوا هذا يعني الشافعي وقال له مسلم بن خالد الزنجي شيخه وهو شاب بن خمس عشرة سنة قد آن لك أن تفتي يا أبا عبد الله. وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو الله في صلاتي للشافعي لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد يحمل محبرة من أصحاب الحديث إلا وللشافعي عليه سنة. وقال: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسته. وقال أيضاً - أحمد بن حنبل: كان الشافعي أفقه الناس في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وكان قليل الطلب للحديث وقال: كان الشافعي للعلم كالشمس للدنيا والعافية للناس فانظر هل من هذا عوض؟.
стр. 642
وقال بن معين لصالح بن أحمد بن حنبل: ما يستحي أبوك رأيته مع الشافعي والشافعي راكب وهو راجل ورأيته وقد أخذ بركابه. وقال صالح نقلت هذا لأبي فقال لي: قل له: إن أردت أن تتفقه فخذ بركابه الآخر.
قال بن هشام: الشافعي حجة في اللغة. وذاكره بن هشام بمصر في أنساب الرجال فقال له الشافعي - بعد ساعة: دع عنك هذا فإنها لا تذهب عنا ولا عنك وخذ في أنساب النساء فلما أخذت في ذلك بقي بن هشام ساكتاً فكان يقول: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا.
قال النسائي: هو أحد العلماء ثقة مأمون. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة صاحب رأي وكلام وليس عنده حديث. وقد ألف الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي كتابه الحجة بالشافعي وأثبته في الصحيح وذكر الأثر المتأول فيه.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " اللهم
стр. 643
اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً اللهم كما أذقتهم عذاباً فأذقهم نوالاً ".
قال الشافعي: القرآن كلام غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر. ومن حكمه: قال الشافعي: من ولي القضاء ولم يفتقر فهو سارق وقال: من حفظ القرآن نبل قدره ومن تفقه عظمت قيمته ومن حفظ الحديث قويت حجته ومن حفظ العربية والشعر رق طبعه ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم.
وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من يطلبه ثمان: الله بالقرآن والنبي ﷺ بالسنة والحفظة بما ينطق والشيطان بالمعاصي والدهر بصروفه والنفس بشهوتها والعيال بالقوت وملك الموت بقبض روحه؟.
وتوفي الشافعي رحمه الله تعالى - بمصر عند عبد الله بن عبد الحكم وإليه أوصى. وتوفي ليلة الخميس وقيل ليلة الجمعة منسلخ رجب سنة أربع ومائتين. ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم وصلى عليه السري أمير مصر.
стр. 644
وكان خفيف العارضين يخضب. قال الربيع: كنا جلوساً - في موضع - في حلقة الشافعي بعد موته بيسير - فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي ﵀ فبكى بكاء شديداً وقال: ﵀ وغفر له كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويسد في خصمه واضح المحجة ويغسل من العار وجوهاً مسودة ويوسع بالرأي أبواباً منسدة ثم انصرف.
ومن أهل البصرة والعراق وما وراءهما من بلاد المشرق:
محمد بن عمر بن واقد الواقدي
مولى بني سهم من أسلم أبو عبد الله مدني عداده في البغداديين سكن بغداد وولي القضاء بها للمأمون وولي القضاء قبل الرشيد. روى عن مالك حديثاً وفقهاً ومسائل وفي حديثه عنه منقطع كثيراً وغرائب وكذلك في مسائله عنه منكرات على مذهبه لا توجد عند غيره تكلم فيها الناس وطرحه أحمد ويحيى وابن نمير والنسائي وغيرهم.
وكان واسع العلم كثير المعرفة أديباً نبيلاً عالماً بالحديث والسير والمغازي والأخبار. قال أحمد بن عبد الله بن صالح: ما رأيت أحداً أحفظ للحديث منه
стр. 645
وقيل فيه: هو كذاب ليس بثقة ولا يكتب حديثه ذكره أبو عمر المقري في طبقات القراء. وقال: روى القراءة عن نافع بن نعيم وعيسى بن وردان سليمان بن مسلم بن جماز.
حدث الواقدي عن محمد بن إسحاق وعن الزهري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للزبير: " يا زبير إن خزائن الرزق مفتحة بإزاء العرش فمن كثر كثر الله عليه ومن قلل قلل الله له ". توفي الواقدي ببغداد ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين وهو بن ثمان وسبعين سنة مولده سنة ثلاثين ومائة.
ومن الطبقة الأولى ممن التزم مذهب مالك ولم يره من أهل المدينة:
محمد أبو ثابت بن عبد الله بن محمد بن زيد بن أبي زيد
مولى عثمان بن عفان ﵁ روى عن بن وهب وابن القاسم وابن نافع وبهم تفقه وروى عن أشهب وحماد بن زيد وإبراهيم بن سعد وغيرهم وروى عنه إسماعيل القاضي وأخوه حماد والبخاري في الصحيح صدوق. قال القاضي إسماعيل: كان الإجماع ونحن بالمدينة: أن ليس بها أفضل من أبي ثابت.
стр. 646
محمد بن خالد بن مرتنيل
مولى عبد الرحمن بن معاوية يعرف بالأشج قرطبي نبيه رحل فسمع من بن القاسم وابن وهب وأشهب وابن نافع ونظرائهم من المدنيين والمصريين. وكان الغالب عليه الفقه ولم يكن له علم بالحديث وهو مذكور في المستخرجة.
ولي الشرطة والصلاة والسوق بقرطبة وكان صليباً في أحكامه ورعاً فاضلاً لا تأخذه في الله لومة لائم محمود السيرة ولم يزل على وتيرة إلى أن توفي سنة عشرين ومائتين. وقيل: سنة أربع وعشرين وله اثنان وسبعون سنة. وبيته في قرطبة بيت نبيه في العلم والسؤدد وصحبة السلطان.
ومن الطبقة الثامنة من أهل مصر:
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله
سمع من أبيه وابن وهب وأشهب وابن القاسم وغيرهم من أصحاب مالك وصحب الشافعي وأخذ عنه وكتب كتبه وكان أبوه ضمه إليه وأمره أن يقرأ عليه وعلى أشهب وكان محمد أقعد الناس بهما. وروى عن
стр. 647
بن أبي فديك وأنس بن عياض وشعيب بن الليث وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه أبو بكر النيسابوري وأبو حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن وأبو جعفر الطبري وجماعة غيرهم.
قال بن حارث: كان من العلماء الفقهاء مبرزاً من أهل النظر والمناظرة والحجة فيما يتكلم فيه ويتقلده من مذهبه وإليه كانت الرحلة من المغرب والأندلس في العلم والفقه. قاله أبو عمر بن عبد البر: كان فقيهاً نبيلاً جميلاً وجيهاً في زمنه وقال فيه بن القاسم: إن قبل محمد لعلماً وإليه انتهت الرياسة بمصر وقال بن أبي دليم: كان فقيه مصر في عصره على مذهب مالك وصحب الشافعي ورسخ في مذهبه وربما تخير قوله عند ظهور الحجة له.
وكان أفقه أهل زمانه وناظره بن ملول صاحب سحنون وقال لربيعة: صاحبكم أعلم من سحنون ثقة فاضل عالم متواضع صدوق. قال محمد بن فطيس: لقيت في رحلتي نحو مائتي شيخ ما رأيت فيهم مثل محمد بن عبد الحكم.
وله تآليف كثيرة في فنون العلم والرد على المخالفين كلها حسان ككتاب أحكام القرآن كبير وكتاب الوثائق والشروط وكتاب مجالسه أربعة أجزاء وكتاب الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة وكتاب الرد على أهل العراق وكتابه الذي زاد فيه على مختصر أبيه وكتاب
стр. 648
آداب القضاة وكتاب الدعوى والبينات وكتاب السبق والرمي وكتاب اختصار كتب أشهب وكتاب الرد على بشر المريسي وكتاب النجوم وكتاب الكفالة وكتاب الرجوع عن الشهادة وكتاب المولدات.
قال بن حارث: وأراها مؤلفة عليه لأنها مسائل منشورة لم تضم لثقات كالأسمعة. وكان محمد يقول: التوفر في النزهة مثل التبذل في الحفلة.
وذكر أنه ضرب في المحنة بالقرآن وكان يفتي في المشي إلى مكة بكفارة يمين وحكى ذلك عن بن القاسم أنه أفتى به ابنه وذكر عنه أن قوماً استشاروه في الحج والجلوس للسماع فأشار على بعضهم بالجلوس فسئل عن ذلك فقال: رأيت عند الذين أمرتهم بالجلوس فهماً ورأيت عند الآخرين بخلافهم ولهذا الأمر فرسان.
وسئل كيف يعزى الرجل في أمه النصرانية؟ فقال: يقال له: الحمد لله على ما قضى قد كنا نحب أن تموت على الإسلام ويسرك الله لذلك. وسئل أيضاً عن القريب النصراني يموت للمسلم كيف يعزى؟ فقال: يقول إن الله كتب الموت على خلقه والموت حتم على الخلق كلهم. توفي ﵀ في ذي القعدة منتصفه سنة ثمان وستين ومائتين وقيل سنة تسع. مولده منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائة.
стр. 649
محمد بن إبراهيم الإسكندري بن زياد
المعروف بابن المواز تفقه بابن الماجشون وابن عبد الحكم واعتمد على أصبغ وروى محمد أيضاً عن ابن بكير وأبي زيد بن أبي الغمر والحارث بن مسكين ونعيم بن حماد وروى عن بن القاسم صغيراً - كما ذكر في محمد بن عبد الحكم والله أعلم - والمعدل بمصر على قوله. وكان راسخاً في الفقه والفتيا عالماً في ذلك وله كتابه المشهور الكبير وهو أجل كتاب ألفه المالكيون وأصحه مسائل وأبسطه كلاماً وأوعبه وقد رجحه القابسي على سائر الأمهات وقال: إن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه. وغيره إنما قصد جمع الروايات ونقل نصوص السماعات. ومنهم من ينقل عنه الاختيارات في شروحات أفردها وجوابات لمسائل سئل عنها. ومنهم من كان قصده الذب عن المذهب فيما فيه الخلاف إلا بن حبيب فإنه قصد إلى بناء المذهب على معان تأدت إليه وربما قنع ببعض الروايات على ما فيها.
وفي هذا الكتاب جزء تكلم فيه على الشافعي وعلى أهل العراق بمسائل من أحسن كلام وأجله وهو من رواية بن ميسر وابن أبي مطر
стр. 650
عنه. وفي بعض النسخ زيادة كتب على غيرها ونقص من أصول الديوان كتب منها الطهارة والصلاة إلا أن له في الصلاة كتاباً فيه من أبواب السهو وقضاء الصلاة إذا نسيت وصلاة السفر وله كتاب الوقوف ذكر أنها ذهبت في الغارة وإن الكتاب رواه بكماله قوم من أهل مكة. وتوفي بدمشق لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين وقيل: سنة إحدى وثمانين. ومولده في رجب سنة ثمانين ومائة.
محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البرقي
مولى بني زهرة كان من أصحاب الحديث والفهم والرواية أغلب عليه وبيته بمصر بيت علم وله تأليف في مختصر بن عبد الحكم الصغير - زاد فيه اختلاف فقهاء الأمصار. وكتاب في التاريخ وفي الطبقات وفي رجال الموطأ وفي غريبه. يروي عن عبد الله بن عبد الحكم ولم يلق بن وهب ويروي عن أشهب وابن بكير وعبد الله بن صالح وحبيب كاتب مالك ونعيم بن حماد وأصبغ بن الفرج وأسد بن موسى ويحيى بن معين ومحمد بن يوسف الفريابي وسعيد بن منصور وغيرهم.
стр. 651
وروى عنه أبو حاتم الرازي وابن وضاح والخشني ومطرف بن عبد الرحمن بن قيس وعبيد الله بن يحيى بن يحيى وقاسم بن محمد وقاسم بن أصبغ وغيرهم. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
محمد أبو بكر بن أبي يحيى زكريا الوقار
كان حافظاً للمذهب وألف كتاب السنة ورسالته في السنة ومختصرين في الفقه: الكبير منهما في سبعة عشر جزءاً وأهل القيروان يفضلون مختصر أبي بكر بن الوقار على مختصر بن عبد الحكم. تفقه بأبيه وابن عبد الحكم وأصبغ روى عنه إسحاق بن إبراهيم بن نصير ومحمد بن مسلم بن بكار الفيومي وأبو الطاهر: محمد بن سليمان وأبو الطاهر: محمد بن جعفر البرسيمي وتوفي في رجب سنة تسع وستين ومائتين وقيل: ثلاث وقيل أربع. والوقار بتخفيف القاف. كذا تلقيناه من الشيوخ.
стр. 652
ومن أهل إفريقية:
محمد بن شبيب أبو يوسف التونسي
مذكور في المالكية وله سنن عالية وسماع من أسد وعلي بن زياد. ولي قضاء تونس. توفي سنة ست وسبعين ومائتين.
محمد بن سحنون
تفقه بأبيه وسمع من بن أبي حسان وموسى بن معاوية وعبد العزيز بن يحيى المدني وغيرهم ورحل إلى المشرق فلقي بالمدينة أبا مصعب الزهري وابن كاسب وسمع من سلمة بن شبيب. كان إماماً في الفقه ثقة عالماً بالذب عن مذاهب أهل المدينة عالماً بالآثار صحيح الكتاب لم يكن في عصره أحذق بفنون العلم منه وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة وكان يحسن الحجة والذب عن أهل السنة والمذهب. كان عالماً فقيهاً مبرزاً متصرفاً في الفقه والنظر ومعرفة اختلاف الناس والرد على أهل الأهواء. وكان قد فتح له باب التأليف وجلس مجلس أبيه بعد موته. وكان من أكثر الناس حجة وألقنهم بها.
стр. 653
وكان يناظر أباه. وقال سحنون: ما أشبهه إلا بأشهب. وقال: ما غبنت في ابني محمد إلا أني أخاف أن يكون عمره قصيراً.
وكان يقول لمؤدبه: لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب واتركه على بختي فإني أرجو أن يكون نسيج وحده وفريد أهل زمانه.
قيل لعيسى بن مسكين: من خير من رأيت في العلم؟ فقال: محمد بن سحنون وقال أيضاً: ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه محمد. وقال فيه إسماعيل القاضي بن إسحاق: هو الإمام بن الإمام.
وذكر له مرة ما ألفه العراقيون من الكتب فقال إسماعيل: عندنا من ألف في مسائل الجهاد عشرين جزءاً وهو محمد بن سحنون. يفخر بذلك على أهل العراق.
قال بن حارث: كان من الحفاظ المتقدمين المناظرين المتصرفين وكان كثير الكتب غزير التأليف له نحو من مائتي كتاب في فنون العلم. ولما تصفح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم كتابه وكتاب بن عبدوس قال في كتاب بن عبدوس: هذا كتاب رجل أتى بمذهب مالك على وجهه.
стр. 654
وفي كتاب بن سحنون: هذا كتاب رجل سبح في العلم سبحاً. وكان بن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب جامعاً لخلال قل ما اجتمعت في غيره: من الفقه البارع والعلم بالأثر والجدل والحديث والذب عن مذهب أهل الحجاز كريماً في معاشرته نفاعاً للناس مطاعاً جواداً بماله وجاهه وجيهاً عند الملوك والعامة جيد النظر في الملمات.
ذكر تآليفه:
ألف بن سحنون كتابه المسند في الحديث وهو كبير وكتابه الكبير المشهور: الجامع جمع فيه فنون العلم والفقه فيه عدة كتب نحو الستين وكتاباً آخر في فنون العلم منها كتاب السير: عشرون كتاباً وكتابه في المعلمين ورسالته في السنة وكتاب في تحريم المسكر ورسالة فيمن سب النبي ﷺ ورسالة في آداب المتناظرين جزآن وكتاب الحجة على القدرية وكتاب الحجة على النصارى وكتاب الإمامة وكتاب الرد على البكرية وكتاب الورع وكتاب الإيمان والرد على أهل الشرك وكتاب الرد على أهل البدع ثلاثة كتب وكتاب في الرد على الشافعي وعلى أهل العراق وهو كتاب الجوابات خمسة كتب وكتاب التاريخ ستة أجزاء.
стр. 655
قال بعضهم: ألف بن سحنون كتابه الكبير مائة جزء: عشرون في السير وخمسة وعشرون في الأمثال وعشرة في آداب القضاة وخمسة في الفرائض وأربعة في الإقرار وأربعة في التاريخ في الطبقات والباقي في فنون العلم. قال غيره: وألف في أحكام القرآن.
ذكر بقية أخباره وفضائله: قال: دخل علي أبي وأنا أؤلف كتاب تحريم النبيذ فقال: يا بني إنك ترد على أهل العراق ولهم لطافة أذهان وألسنة حداد فإياك أن يسبقك قلمك لما يعتذر منه. ورأى عبد العزيز الزاهد في منامه قائلاً يقول له: مالك لم تقبل على بن سحنون وهو ممن يخشى الله؟. وفي رواية: وهو ممن يحب الله ورسوله؟ فبلغت بن سحنون فبكى بكاء شديداً ثم قال: لعله بذبي عن سنة رسول الله ﷺ .
قال عيسى بن مسكين: قلت لابن سحنون: كيف الرش؟ يعني النضح قال: تبسط الثوب ثم ترش عليه ثم تقلبه ثم ترش عليه ثم تجففه قيل لعيسى: الطاق الواحد من الناحيتين؟ قال: نعم. قال القاضي عياض يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا فيما يشك في نجاسته من الناحيتين أو من إحداهما ولم يتيقن أو شك في النجاسة داخله.
стр. 656
قال القابسي في صفة النضح: يرش الموضع المتهوم بيده رشة واحدة وإن لم يعمه لأنه ليس عليه غسل فيحتاج أن يعمه قال: وإن رشه بفيه أجزأه. قال عياض: لعله بعد غسل فيه من البصاق وتنظيفه وإلا فإنه يضيف الماء وقد يغلب عليه.
قال بن اللباد: حج محمد بن سحنون في سنة خمس وثلاثين فغلطوا في يوم عرفة فرأى محمد أن ذلك يجزئ من حجهم. واختلف فيها قول أبيه وحكى بعضهم إجماع مالك وأبي حنيفة والشافعي على إجزاء المسألة.
كان بن سحنون من أطوع الناس كريماً في نفسه يصل من قصد بالعشرات من الدنانير ويكتب لمن يعنى به إلى الملوك فيعطي الأموال الجسيمة نهاضاً بالأثقال واسع الحيلة جيد النظر.
توفي بالساحل سنة ست وخمسين ومائتين. بعد موت أبيه بست عشر سنة وجيء به من الساحل إلى القيروان فدفن بها وسنه أربع وخمسون سنة. ومولده سنة اثنتين ومائتين وقيل: على رأس المائتين. ورئي في النوم فسئل فقال: زوجني ربي خمسين حوراء لما علم من حبي للنساء.
стр. 657
محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير
أصله من العجم وهو من موالي قريش من كبار أصحاب سحنون وأئمة وقته. وكان محمد بن عبدوس ثقة إماماً في الفقه صالحاً زاهداً ظاهر الخشوع ذا ورع وتواضع بذ الهيئة من أشبه الناس بأخلاق سحنون: في فهمه وزهادته في ملبسه ومطعمه. وكان صحيح الكتاب حسن التقييد عالماً بما اختلف فيه من أهل المدينة وما أجمعوا عليه.
قال حماس القاضي: ما رأيت مثل بن عبدوس في الزهاد والفقه.
وقال أحمد بن زياد: ما أظن كان في التابعين مثله يعني في الفضل والزهد وهذا غلو.
وقال بن حارث: كان حافظاً لمذهب مالك والرواة من أصحابه إماماً مبرزاً فقيهاً في ذلك خاصة عزيز الاستنباط جيد القريحة ناسكاً عابداً متواضعاً مستجاب الدعوة.
стр. 658
وكان نظيراً لمحمد بن المواز وألف كتاباً شريفاً سماه: المجموعة على مذهب مالك وأصحابه أعجلته المنية قبل تمامه. وله أيضاً كتاب التفاسير وهي كتب فسر فيها أصولاً من العلم كتفسير كتاب المرابحة والمواضعة وكتاب الشفعة وله أربعة أجزاء في شرح مسائل من كتب المدونة ذكرناها وكتاب الورع وفضائل أصحاب مالك ومجالس مالك أربعة أجزاء وقد يضاف بعض هذه الكتب إلى المجموعة.
وأقام سبع سنين يدرس لا يخرج من داره إلا إلى الجمعة وصلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة خمس عشرة سنة في دراسة وخمس عشرة سنة في عبادة. ولم يكن في أصحاب سحنون أفقه من ابنه وابن عبدوس. وتوفي بن عبدوس سنة ستين ومائتين. وقيل: إحدى وستين وصلى عليه أخوه. مولده سنة اثنتين ومائتين مع بن سحنون في سنة واحدة. وقيل: بعده بسنة.
стр. 659
محمد العتبي بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن جميل بن عتبة بن أبي سفيان
قيل: هو مولى لآل عتبة بن أبي سفيان وهو أصح. قرطبي يكنى أبا عبد الله. قال بن لبابة: العتبي ليس يتصل نسبه بعتبة إنما كان له جد يسمى عتبة ونسب إليه سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وغيرهما ورحل فسمع من سحنون وأصبغ. كان حافظاً للمسائل جامعاً لها عالماً بالنوازل. كان بن لبابة يقول: لم يكن هنا أحد يتكلم مع العتبي في الفقه ولا كان بعده أحد يفهم إلا من تعلم عنده.
روى محمد بن لبابة عنه وأبو صالح وسعيد بن معاذ والأعناقي وطبقتهم. وقال الصدفي: كان من أهل الخير والجهاد والمذاهب الحسنة وكان لا يزول بعد صلاة الصبح من مصلاه إلى طلوع الشمس ويصلي الضحى ولا يقدم أحداً في الأخذ على من أتى قبله.
стр. 660
قال بن لبابة هو الذي جمع المستخرجة وكثر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الشاذة وكان يؤتى بالمسألة الغريبة فإذا أعجبته قال: أدخلوها في المستخرجة. وقال بن وضاح: في المستخرجة خطأ كثير.
وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت جلها مكذوباً ومسائل لا أصول لها.
قال أحمد بن خالد: قلت لابن لبابة: أنت تقرأ هذه المستخرجة للناس وأنت تعلم من باطنها ما تعلم؟ قال: إنما أقرؤها لمن أعرف أنه يعرف خطأها من صوابها. وكان أحمد ينكر على بن لبابة قراءتها للناس شديداً.
وذكر أبو محمد بن حزم الظاهري المستخرجة فقال: لها عند أهل العلم بإفريقيا المقدر العالي والطيران الحثيث. وتوفي العتبي في نصف ربيع الأول وقيل الآخر سنة خمس وقيل أربع وخمسين ومائتين.
стр. 661
محمد بن عجلان الأزدي
سرقسطي سمع قديماً من سحنون وغيره عالم فاضل مشهور بالفضل والخير يبصر الفرائض والحساب بصراً جيداً ووضع فيه كتاباً حسناً كافياً ولي قضاء بلده.
قال بن وضاح: قلت لسحنون: قال بن عجلان: يحلف اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد لأني رأيتهم يرهبون ذلك. فقال لي: من أين اخترته؟ قلت: من قول مالك رحمه الله تعالى: إنهم يحلفون حيث يعظمون؟ فسكت. قال بن وضاح: كأنه أعجبه.
ومن الطبقة الثالثة من أهل مصر:
محمد بن أصبغ بن الفرج
كان بمصر مقيماً مفتياً روى عنه محمد بن فطيس وأبو بكر بن الخلال.
توفي بمصر سنة خمس وسبعين ومائتين.
стр. 662
محمد بن وضاح
من الأندلس وهو محمد بن وضاح بن بزيع مولى عبد الرحمن بن معاوية قرطبي يكنى أبا عبد الله وبديع جده مولى عبد الرحمن بن معاوية روى بالأندلس عن محمد بن عيسى الأعشى ومحمد بن خالد الأشج ويحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وزونان وابن حبيب وعبد الأعلى بن وهب ورحل إلى المشرق رحلتين: إحداهما سنة ثمان عشرة ومائتين. قال بن مخلد: لقي بها سعيد بن منصور وآدم بن إياس وابن حنبل وابن معين وابن المديني وعبد الله بن ذكوان وأبا خيثمة وابن مصفى وكاتب الليث وغيرهم. ولم يكن مذهبه في رحلته في هذه طلب الحديث وإنما كان شأنه الزهد ولقاء العباد فلو سمع في رحلته لكان أرفع أهل وقته إسناداً.
ورحل رحلة ثانية سمع فيها من إسماعيل بن أبي أويس وأبي مصعب ويعقوب بن كاسب وإبراهيم بن المنذر وأبي بكر بن أبي شيبة وإبراهيم بن محمد الفريابي وهارون بن سعيد الأيلي وابن المبارك الصوري وحرملة وابن أبي مريم وأبي الطاهر والحارث بن مسكين وأصبغ بن الفرج وزهير بن عباد وسحنون بن سعيد وعون بن يوسف والصمادحي ومحمد بن مسعود: في خلق كثير من البغداديين والمكيين والشاميين والمصريين والقرويين.
стр. 663
وعدة الرجال الذين سمع منهم مائة وخمسة وستون رجلاً. وبه وببقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث.
روى القراءة عن عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم عن ورش ومن وقته اعتمد أهل الأندلس على رواية ورش وكانوا يعتمدون قبل على قراءة الغازي بن قيس عن نافع. وأخذ عن بن وضاح: أحمد بن خالد ومحمد بن لبابة ومحمد بن غالب وأبو صالح وابن الخراز وابن الزناد وابن أيمن وقاسم بن أصبغ وابن مسرور وخالد بن وهب الأعناقي وطاهر بن عبد العزيز وابن الأعشى ووهب بن مسرة في آخرين لا يحصون كثرة.
وأكثر من رأس وشرف بالأندلس فهم تلاميذه. وألف بن مفرج في مناقبه ورجاله كتاباً. وكان إماماً ثبتاً عالماً بالحديث بصيراً به متكلماً على علله كثير الحكايات عن العباد ورعاً فقيراً زاهداً متعففاً صابراً على الإسماع محتسباً في نشر علمه. سمع الناس منه كثيراً ونفع الله به أهل الأندلس. قال أحمد بن سعيد: لم يختلف علينا أحد من شيوخنا أن بن وضاح كان معلم أهل الأندلس العلم والزهد.
стр. 664
وكان أحمد بن خالد لا يقدم عليه أحداً ممن أدرك بالأندلس ويعظمه جداً ويصف فضله وعقله وورعه غير أنه كان ينكر عليه كثرة رده في كثير من الأحاديث كان كثيراً ما يقول: ليس هذا من كلام النبي ﷺ في شيء. هو ثابت عنه من كلامه ﷺ وكان له حظ محفوظ ولم يكن له علم بالعربية ولا بالفقه وكان المجاوب عنه أحمد بن خالد. وتوفي بن وضاح في المحرم سنة سبع وقيل في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائتين وولد سنة تسع وتسعين ومائة وقيل سنة مائتين.
ومن الطبقة الرابعة من أهل العراق ثم من آل حماد بن زيد قاضي القضاة:
محمد أبو عمر بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد
أصله من البصرة وسكن بغداد وسمع من جده يعقوب بن إسماعيل وأحمد بن منصور والرمادي وعمر بن مرزوق ومحمد بن إسحاق الصاغاني وأبي عثمان المقدمي ومحمد بن الوليد التستري والحسن بن أبي الربيع وزيد بن أخرم وعثمان بن هشام بن دلهم وغيرهم.
стр. 665
وتفقه بإسماعيل بن إسحاق القاضي. روى عنه أبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الأبهري وأبو القاسم بن حبابة ويوسف بن عمر القواس وجعفر بن محمد البهلول وأبو علي المؤذن المالكي وعليه تفقه أبو بكر الأبهري وغيره وكان يناظر بين يديه أئمة المذاهب.
كان ثقة فاضلاً وحمل الناس عنه علماً واسعاً من الحديث وكتب الفقه التي صنفها إسماعيل وقطعة من التفسير وعمل مسنداً كبيراً قرأ أكثره على الناس ولم ير الناس ببغداد أحسن من مجلسه لما حدث. كان العلماء وأصحاب الحديث يتجملون بحضور مجلسه.
قال أبو عبد الله بن عرفة: نفطويه في تاريخه: أبو عمر لا نظير له في الحكام: عقلاً وحلماً وتمكناً واستيفاء للمعاني الكبيرة باللفظ اليسير مع معرفة بأقدار الناس ومواضعهم.
وحسن التأني في الأحكام والحفظ لما يجري على يديه حتى إذا بالغ الإنسان في وصف رجل قال: كأنه أبو عمر القاضي وإذا امتلأ غيظاً قال: لو أني القاضي أبو عمر ما صبرت سوى ما انضاف إلى ذلك من الجلالة والرياسة والصبر على المكاره واصطناع المعروف عند الداني والقاصي ومداراته للنظير والتبيع. لم يزل على ذلك يزداد طول الزمان جلالة ونبلاً.
стр. 666
وكان من زينة الزمان وكان حاجب إسماعيل القاضي: أولاً ثم ولي القضاء بعده وولي قضاء القضاء ولم يله أحد من آله قبله إلى أن مات.
وفي أيامه قتل الحلاج والقاضي أبو عمر هو الذي أفتى بقتله بعد تقريره على مذهبه وقيام الشهادات عليه بإلحاده فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه ثم طرح جسده وبه رمق من أعلى موضع ضرب فيه إلى الأرض وأحرق بالنار. ونكب القاضي أبو عمر فيمن نكب مع سائر آله وقبض عليه واستصفيت جميع أمواله وجرت عليه محنة عظيمة إلى أن من الله تعالى بالفرج. وتوفي أبو عمر في رمضان لخمس بقين منه سنة عشرين وثلاثمائة وسنه سبع وسبعون سنة مولده بالبصرة أول رجب سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
ومن غير آل حماد من هذه الطبقة:
محمد أبو عبد الله بن أحمد بن سهل البرنكاني
ويقال له البركاني. القاضي البصري من كبار هذه الطبقة وأهل الفقه والسنن منها. تفقه بإسماعيل وصحبه وروى الحديث وسمع منه. روى عن أحمد بن عبدة ومحمد بن أبي صفوان وأبي حاتم وأبي زرعة
стр. 667
الرازيين وعبد الله بن شبيب المصري وجماعة وسمع الرياشي اللغوي وعليه تفقه القشيري والتستري ورويا عنه وصحبه القاضي أبو الفرج وولي القضاء بفارس والبصرة.
وكان البرنكاني يقول: عرضت مختصر عبد الله بن عبد الحكم على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يعني مسائله فوجدت لها أصلاً إلا اثنتي عشرة مسألة فلم أجد لها أصلاً.
قال: وعدد مسائله ثمانية عشر ألف مسألة. وله كتاب قيم سئل عنه القاضي إسماعيل وألف كتاباً كبيراً في فضائل مالك وأخباره. قال وسألت الرياشي عن قوله ﷺ في الحديث: " فيأتي قوم يبسون " ما معناه؟ قال: هو ضرب من السوق. وولد في سنة تسع عشرة ومائتين وتوفي سنة تسع عشر وثلاثمائة.
стр. 668
محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي
التميمي أبو بكير هو المشهور في اسمه ونسبه وقيل اسمه: أحمد بن محمد بن بغدادي. تفقه بإسماعيل وكان فقيهاً جدلياً ولي القضاء. يروي عن القاضي إسماعيل وهو من كبار أصحابه الفقهاء روى عنه بن الجهم والقشيري وأبو الفرج وذكره بن مفرج فقال: هو بن بكير بغدادي ثقة يكنى أبا بكر وله كتاب في أحكام القرآن وكتاب الرضاع وكتاب مسائل الخلاف. وتوفي سنة خمس وثلاثمائة وسنه خمسون سنة.
محمد أبو بكر
بن أحمد بن محمد بن الجهم بن حبيش ويعرف بابن الوراق المروزي هذا الصحيح وأخطأ من قال: اسمه أحمد بن محمد وكان جده وراقاً للمعتضد. صحب أبو بكر إسماعيل القاضي وسمع منه وتفقه معه ومع كبار أصحاب بن بكير وغيره وروى أيضاً عن إبراهيم بن حماد ومحمد بن عبدوس
стр. 669
وعبد الله بن محمد النيسابوري وعبد الله بن أحمد بن حنبل وجعفر بن محمد الفريابي وجماعة غيرهم.
أبو بكر هذا مشهور له أنس بالحديث وألف كتباً جليلة على مذهب مالك منها: كتاب الرد على محمد بن الحسن وكتاب بيان السنة: خمسون كتاباً كتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك وشرح مختصر بن عبد الحكم الصغير. وكان صاحب حديث وسماع وفقه.
قال الخطيب: له مصنفات حسان محشوة بالآثار يحتج لمذهب مالك ويرد على مخالفيه وكتب حديثاً كثيراً وكتبه تنبئ عن مقدار علمه. روى عنه أبو بكر الأبهري وأبو إسحاق الدينوري. وتوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث وثلاثين.
стр. 670
محمد أبو الطيب بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بن مخلد التميمي
الحنظلي من أنفسهم وجده إسحاق الإمام المشهور وأبوه أبو الحسن: محمد بن إسحاق مشهور أيضاً. سمع أباه وابن حجر وابن حنبل وابن المديني وأبا مصعب ويونس وغيرهم من أهل خراسان والعراق والشام ومصر. سمع منه ببغداد: بن مخلد وابن نافع وغيرهما.
عالم بالفقه جميل الطريقة مستقيم الحديث. قتله القرامطة منصرفه من الحج سنة أربع وتسعين ومائتين وابنه محمد من أئمة المالكية بالعراق.
حدث عنه عبيد الله الشافعي المعروف بعبيد وأبو مروان السعدي القرطبي وكان ثقة عند إسماعيل وهو مشهور في البغداديين ذكره أبو القاسم الشافعي وعده من فقهاء من لقيه من أصحاب مالك وحذاقهم ونظارهم وحفاظهم وأئمة مذهبهم. ولي قضاء الرملة وبها توفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
следующие страницы →