← Тараджим

Тараджим · id 6730

الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (858 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وكان من زينة الزمان وكان حاجب إسماعيل القاضي: أولاً ثم ولي القضاء بعده وولي قضاء القضاء ولم يله أحد من آله قبله إلى أن مات. وفي أيامه قتل الحلاج والقاضي أبو عمر هو الذي أفتى بقتله بعد تقريره على مذهبه وقيام الشهادات عليه بإلحاده فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه ثم طرح جسده وبه رمق من أعلى موضع ضرب فيه إلى الأرض وأحرق بالنار. ونكب القاضي أبو عمر فيمن نكب مع سائر آله وقبض عليه واستصفيت جميع أمواله وجرت عليه محنة عظيمة إلى أن من الله تعالى بالفرج. وتوفي أبو عمر في رمضان لخمس بقين منه سنة عشرين وثلاثمائة وسنه سبع وسبعون سنة مولده بالبصرة أول رجب سنة ثلاث وأربعين ومائتين. ومن غير آل حماد من هذه الطبقة: محمد أبو عبد الله بن أحمد بن سهل البرنكاني ويقال له البركاني. القاضي البصري من كبار هذه الطبقة وأهل الفقه والسنن منها. تفقه بإسماعيل وصحبه وروى الحديث وسمع منه. روى عن أحمد بن عبدة ومحمد بن أبي صفوان وأبي حاتم وأبي زرعة

стр. 667

الرازيين وعبد الله بن شبيب المصري وجماعة وسمع الرياشي اللغوي وعليه تفقه القشيري والتستري ورويا عنه وصحبه القاضي أبو الفرج وولي القضاء بفارس والبصرة. وكان البرنكاني يقول: عرضت مختصر عبد الله بن عبد الحكم على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يعني مسائله فوجدت لها أصلاً إلا اثنتي عشرة مسألة فلم أجد لها أصلاً. قال: وعدد مسائله ثمانية عشر ألف مسألة. وله كتاب قيم سئل عنه القاضي إسماعيل وألف كتاباً كبيراً في فضائل مالك وأخباره. قال وسألت الرياشي عن قوله ﷺ في الحديث: " فيأتي قوم يبسون " ما معناه؟ قال: هو ضرب من السوق. وولد في سنة تسع عشرة ومائتين وتوفي سنة تسع عشر وثلاثمائة.

стр. 668

محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي التميمي أبو بكير هو المشهور في اسمه ونسبه وقيل اسمه: أحمد بن محمد بن بغدادي. تفقه بإسماعيل وكان فقيهاً جدلياً ولي القضاء. يروي عن القاضي إسماعيل وهو من كبار أصحابه الفقهاء روى عنه بن الجهم والقشيري وأبو الفرج وذكره بن مفرج فقال: هو بن بكير بغدادي ثقة يكنى أبا بكر وله كتاب في أحكام القرآن وكتاب الرضاع وكتاب مسائل الخلاف. وتوفي سنة خمس وثلاثمائة وسنه خمسون سنة. محمد أبو بكر بن أحمد بن محمد بن الجهم بن حبيش ويعرف بابن الوراق المروزي هذا الصحيح وأخطأ من قال: اسمه أحمد بن محمد وكان جده وراقاً للمعتضد. صحب أبو بكر إسماعيل القاضي وسمع منه وتفقه معه ومع كبار أصحاب بن بكير وغيره وروى أيضاً عن إبراهيم بن حماد ومحمد بن عبدوس

стр. 669

وعبد الله بن محمد النيسابوري وعبد الله بن أحمد بن حنبل وجعفر بن محمد الفريابي وجماعة غيرهم. أبو بكر هذا مشهور له أنس بالحديث وألف كتباً جليلة على مذهب مالك منها: كتاب الرد على محمد بن الحسن وكتاب بيان السنة: خمسون كتاباً كتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك وشرح مختصر بن عبد الحكم الصغير. وكان صاحب حديث وسماع وفقه. قال الخطيب: له مصنفات حسان محشوة بالآثار يحتج لمذهب مالك ويرد على مخالفيه وكتب حديثاً كثيراً وكتبه تنبئ عن مقدار علمه. روى عنه أبو بكر الأبهري وأبو إسحاق الدينوري. وتوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث وثلاثين.

стр. 670

محمد أبو الطيب بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بن مخلد التميمي الحنظلي من أنفسهم وجده إسحاق الإمام المشهور وأبوه أبو الحسن: محمد بن إسحاق مشهور أيضاً. سمع أباه وابن حجر وابن حنبل وابن المديني وأبا مصعب ويونس وغيرهم من أهل خراسان والعراق والشام ومصر. سمع منه ببغداد: بن مخلد وابن نافع وغيرهما. عالم بالفقه جميل الطريقة مستقيم الحديث. قتله القرامطة منصرفه من الحج سنة أربع وتسعين ومائتين وابنه محمد من أئمة المالكية بالعراق. حدث عنه عبيد الله الشافعي المعروف بعبيد وأبو مروان السعدي القرطبي وكان ثقة عند إسماعيل وهو مشهور في البغداديين ذكره أبو القاسم الشافعي وعده من فقهاء من لقيه من أصحاب مالك وحذاقهم ونظارهم وحفاظهم وأئمة مذهبهم. ولي قضاء الرملة وبها توفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 671

ومن مصر: محمد أبو بكر بن أحمد بن أبي يوسف يعرف بابن الخلال من فقهاء مصر درس بجامعها وأخذ عنه الناس وروى عن محمد بن أصبغ وغيره. روى عنه أبو القاسم: عبد الله بن خيران وألف أربعين جزءاً من منتقى قول مالك وروى عن محمد بن أصبغ عن أبيه عن بن القاسم: كتاب السر لمالك. وتوفي صدر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ومن أهل إفريقية: محمد أبو عبد الله بن بسطام بن رجاء الضبي السوسي ثقة مأمون أصله من البصرة ثبت كثير الرواية والكتب. له رحلة سمع ابني عبدوس وغيرهما من أصحاب سحنون وبمصر من عبد الحكم والربيع الجيزي وأدخل إفريقية كتباً غريبة من كتب المالكيين ككتاب المغيرة بن عبد الرحمن وكتاب بن كنانة وكتاب بن دينار. وكان يغرب بمسائلها وكتب بخطه كثيراً معدود في هذه الطبقة.

стр. 672

ولم يكن في عصره أكثر كتباً منه في الفقه والآثار. وكان فقيهاً. وكان يأثر أن من قرأ سورة القمر أمن الغرق ومن قرأ " وما قدروا الله حق قدره " الأنعام: ٩١ الآية من غم يجده فرج الله عنه. سكن القيروان ثم انتقل منها إلى سوسة ومات بها سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ومن أهل الأندلس: محمد أبو عبد الله بن عمر بن لبابة مولى آل عبيد بن عثمان القرطبي روى عن عبد الله بن خالد وعبد الأعلى بن وهب وأبان بن عيسى وأبي زيد بن إبراهيم وأصبغ بن خليل ويحيى بن مزين والعتبي وقاسم بن محمد ومالك بن علي القطني وابن مطروح وابن وضاح وغيرهم. وكان إماماً في الفقه مقدماً على أهل زمانه في حفظ الرأي والبصر بالفتيا. درس كتب الرأي: ستين سنة وكان اعتماده على العتبي وابن مزين.

стр. 673

وكان مشاوراً في أيام الأمير عبد الله مع عبيد الله بن يحيى وطبقته ثم انفرد بالفتيا مع صاحبه أبي صالح: أيوب بن سليمان وكانا متواخيين وكان أبو صالح يقدمه على نفسه ثم انفرد بعد موت أبي صالح سنين عدة فلم يشركه أحد في الرياسة والقيام بالفتيا ولم يكن له رحلة. وكان ممن برع في الحفظ للرأي ودارت عليه الأحكام نحواً من ستين سنة وناظر قاسم بن محمد. قال أبو الوليد الباجي: بن لبابة فقيه الأندلس. قال الصدفي: كان محمد بن لبابة من أهل الحفظ للفقه والفهم به أفقه الناس وأعرفهم باختلاف أصحاب مالك وعمر وشاهد القضايا والأحكام مع تمييز وإدراك لم يكن ذلك لأحد ممن رأينا وشاهدنا مع نزاهة نفس وتصاون ومروءة كاملة وديانة وتلاوة للقرآن وحفظ للشعر وفصاحة وأخلاق حسنة وتقشف في ملبسه وتواضع وكان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة وكان يفتي بوجوب اليمين دون غلظة ولا يرى جواز شهادة الشاهد مع أبيه وخولف في ذلك وبجوازها أفتى أكثر الشيوخ. وكان مأموناً ثقة حافظاً لأخبار الأندلس له حظ من النحو والخبر والشعر. قال بن سهل: ولما ذكر بن لبابة ذهاب العلم وأهله ومن صار في الشورى تمثل البيتين:

стр. 674

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزكي بعضهم ... بعضاً ليدفع معور عن معور روى عنه خلق كثير. ولم يكن له علم بالحديث ولا ضبط لروايته يحدث بالمعنى ولا يراعي اللفظ. وتوفي ليلة الاثنين لأربع بقين من شعبان سنة أربع عشرة وثلاثمائة وهو بن ثمان وثمانين سنة. وقيل غرة رجب سنة ست وعشرين وتزاحم الناس على نعشه وكسروه على عادة العامة فقال بعضهم: تزاحموا على عمله لا على نعشه فسمعت منه وكتبت حكمة عنه رحمه الله تعالى. محمد بن فطيس بن واصل الغافقي البيري أبو عبد الله روى عن العتبي وأبان بن عيسى وابن مزين وعبد الله بن خالد وأبي زيد: عبد الرحمن بن إبراهيم وأصبغ بن خليل وبقي بن مخلد وابن مطروح وابن وضاح وعبيد الله بن عبد الملك بن حبيب والمغامي وغيرهم.

стр. 675

ورحل فسمع بإفريقية من شجرة بن عيسى ويحيى بن يحيى بن عون الله والكوفي وغيرهم وبمصر من يونس ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمزني ومحمد بن أصبغ وغيرهم وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز والصايغ وغيرهما. وعدد شيوخه في رحلته مائتا شيخ. كان شيخاً نبيلاً ضابطاً لكتبه ثقة صدوقاً وإليه كانت الرحلة بإلبيرة: كان من حفاظ المذهب المتفقهين فيه الجامعين للكتب إماماً وألف كتاب الورع عن الربا والأموال وتحذير الفتن وكتاب الدعاء والذكر كان أعلم ممن بعده في كل شيء كثير الروايات. وتوفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة وهو بن تسعين سنة. محمد بن سابق بن عبد الله بن سابق الأموي وقيل محمد بن عبد الله بن سابق البيري. سمع من شيوخها كسعيد بن فخر بن تامر وسليمان بن نصر وغيرهما وبقرطبة من بن وضاح ورحل حاجاً فسمع في رحلته وكان فقيهاً حافظاً للمذهب توفي سنة ثمان وثلاثمائة.

стр. 676

ومن الطبقة الخامسة من أهل العراق: محمد أبو عبد الله بن أحمد بن عمر التستري وهو قريب لسهل بن عبد الله التستري العابد ذي الأقاصيص العجيبة. أخذ عن إبراهيم بن حماد ومحمد بن خشنام والبرنكاني وغيرهم من أئمة المالكيين وسمع من أبيه وإبراهيم بن محمد الحلواني وأبي عبد الله الزبير وأبي بكر بن أبي داود ومحمد بن سليمان الباغندي وغيرهم. وكان له اتساع في الرواية والحديث وحظ من العلم بالعربية وكان ملازماً للسنة نافراً عن البدعة حدث عنه ابنه وجعفر بن نصر الجلدي وأدرك سهلاً وسمع منه حكايتين قال: سمعته يقول: من أصبح ولم يعتقد أنه يمسي في القبر لعبت به الشياطين طول يومه. وسمعته يقول: الأكل على ثلاثة أنحاء: فآكل يأكل نوراً وإيماناً من أول طعامه إلى آخره. وآخر يأكل طعاماً وآخر يأكل سرجيناً. فأما الذي يأكل نوراً وإيماناً فالذي يسمي الله عند كل لقمة ويحمده عند إساغتها. وأما الذي يأكل طعاماً فالذي يسمي الله في أوله ويحمده في آخره. وأما الذي يأكل سرجيناً فالذي لا يذكر الله في أول طعامه ولا في آخره.

стр. 677

أو كما قال فإني كتبته من حفظي. وتوفي سهل وهو صغير بن عشر سنين فمولده سنة ثلاث وسبعين ومائتين ووفاة سهل سنة ثلاث وثمانين ومائتين. وكان أبو عبد الله - هذا عالماً بمذهب مالك شديد التعصب له ووضع في مناقبه نحواً من عشرين جزءاً. وله كتاب في فضائل المدينة والحجة بها وتقلد قضاء البصرة بلده سنين ثم صرف عن القضاء ومات رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وسنه اثنان وسبعون سنة. وتقدم مولده. ومن أهل مصر: محمد أبو إسحاق بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن أيوب بن الصيقل بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر صاحب رسول الله ﷺ كذا حكى عنه أبو القاسم بن سهل الحافظ وذكر أنه نسب له نفسه. كذا يقال أن عماراً من عنس بنون وعنس بن مذحج ويعرف بابن القرطبي. كان أرأس فقهاء المالكية بمصر في وقته وأحفظهم لمذهب مالك مع التفنن في سائر العلوم من الخبر والتاريخ والأدب إلى التدوين والورع. وكان يلحن ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه.

стр. 678

وكان واسع الرواية كثير الحديث مليح التأليف شيخ الفتوى حافظ البلد وإليه انتهت رئاسة المالكيين بمصر. ووافق موته دخول بني عبيد الله الروافض وكان شديد الذم لهم وكان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر فكان ذلك. وكان أبو الحسن القابسي يقول فيه: إنه لين الفقه. وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته ليست مما رواه ثقات أصحابه واستقر من مذهبه. وألف كتاب الزاهي الشعباني المشهور في الفقه وكتاباً في أحكام القرآن وكتاب مختصر ما ليس في المختصر وكتاباً في مناقب مالك وكتاب الرواة عن مالك وكتاب جماع النسوان وكتاب مواعظ ذي النون الإخميمي وكتاب النوادر وكتاب الأشراط وكتاب المناسك وكتاب السنن قبل الوضوء. وتوفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ودفن يوم الأحد وقد جاوز سنه ثمانين سنة وصلى عليه الفقيه أبو علي الصيرفي وخلق عظيم.

стр. 679

ومن أهل إفريقية: محمد أبو بكر بن اللباد بن محمد بن وشاح مولى الأقرع مولى موسى بن مصير اللخمي وكان وشاح حائكاً من أصحاب يحيى بن عمر وبه تفقه وأخذ عن أخيه: محمد بن عمرو بن طالب وحمديس القطان وأحمد بن يزيد والمغامي وأحمد بن سليمان وغيرهم. وسمع من جميع الشيوخ الذين كانوا في وقته كأبي بكر بن عبد العزيز الأندلسي المعروف بابن الخراز وحبيب بن نصر وأحمد بن يزيد وأبي الطاهر محمد بن المنذر الزبيدي وزيدان وغيرهم. وسمع منه جماعة من الناس وتفقه به أبو محمد بن أبي زيد وابن حارث وغيرهما. ممن روى عنه: زياد بن عبد الرحمن القروي ومحمد بن الناظور ودراس بن إسماعيل. ولم تكن له رحلة ولا حج كان عنده حفظ كثير وجمع للكتب وحظ وافر من الفقه شغله إسماع الكتب عن التكلم في الفقه وكانت مذاكرته تعسر لضيق في خلقه وكان آخر شيوخ وقته.

стр. 680

قال أبو العرب: كان فقيهاً جليل القدر عالماً باختلاف أهل المدينة واجتماعهم مهيباً مطاعاً ديناً ورعاً زاهداً من الحفاظ المعدودين والفقهاء المبرزين. وقال الإبياني: إنما انتفعت بصحبة بن اللباد ودرست معه عشرين سنة. وقال محمد بن إدريس: صحبت العلماء بالمشرق والمغرب ما رأيت مثل ثلاثة: أبي بكر بن اللباد وأبي الفضل الممسي وأبي إسحاق بن شعبان. وذكر بعض ثقات أصحابه: أنه نظر إلى رجليه بعد أن فلج وقد تغيرتا وانتفختا فبكى ثم قال: اللهم ثبتهما على الصراط يوم تزل الأقدام فأنت العالم بهما والشاهد عليهما: أنهما ما مشتا في معصية. وألف أبو بكر بن اللباد: كتاب الطهارة وكتاب عصمة النبيين وهو كتاب إثبات الحجة في بيان العصمة وكتاب فضائل مالك بن أنس وكتاب الآثار والفوائد: عشرة أجزاء. وكان يقول: أزهد الناس في العلم قرابته وجيرانه. وقال: ما قرب الخير من قوم قط إلا زهدوا فيه. وامتحن وسجن وضرب ثلاث عصي. وتوفي في منتصف صفر يوم السبت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكان فلج آخر عمره رحمه الله تعالى.

стр. 681

محمد أبو العرب بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي كان جده تمام بن تميم من أمراء إفريقية وكان أبوه أحمد ممن سمع من شجرة وسليمان بن عمران وبكر بن حماد. وسمع أبو العرب من جماعة من أصحاب سحنون وأكثر رجال إفريقية كيحيى بن عمر وأبي داود العطار وعيسى ومحمد بن مسكين وابن طالب وعبد الجبار وابن عياش وسهل القبرياني وحماس وحبيب بن نصر وجبلة وابن أبي سليمان وسعيد بن إسحاق وجماعة. وكان رجلاً صالحاً ثقة عالماً بالسنن والرجال من أبصر أهل وقته بها كثير الكتب حسن التقييد كريم النفس والخلق كتب بخطه كثيراً في الحديث والفقه يقال إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة وشيوخه نيف وعشرون ومائة شيخ سمع منه محمد بن أبي زيد والحسن بن مسعود وابناه وزياد السروي والناس. كان حافظاً للمذهب مفتياً وغلب عليه الحديث والرجال وتصنيف

стр. 682

الكتب والرواية والإسماع وألف طبقات علماء إفريقية وكتاب عباد إفريقية ومسند حديث مالك وكتاب التاريخ سبعة أجزاء وكتاب مناقب بني تميم وجزءين في الموت وكتاب المحن وكتاب فضائل مالك وكتاب فضائل سحنون وكتاب الوضوء والطهارة وكتاب الجنائز وذكر الموت وعذاب القبر وكتاب عوالي حديثه وكتاب في الصلاة وغير ذلك. وامتحن مع الشيعي حبسه وقيده مع ابنه مدة بسبب بني الأغلب وكان أبو العرب شاعراً مجيداً فمن شعره: إذا ولى الصديق بغير عذر ... فزاد الله خلته انقطاعا إلى يوم التناد بلا رجوع ... فإن رام الرجوع فلا استطاعا إذا ولى أخوك قفاه عنك ... فول قفاك عنه وزده باعا وناد وراءه: يا رب تمم ... ولا تجعل لفرقته اجتماعا وله رحمه الله تعالى: ضعفت حيلتي وقل اصطباري ... وإلى الله أشتكي كل ما بي ومن العظم بعد ما كان صلباً ... وفقدت الشباب أي شباب توفي يوم الأحد لثمان بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة وقيل لسبع بقين لرجب منها.

стр. 683

ومن أهل الأندلس: محمد بن يحيى بن لبابة أبو عبد الله يلقب بالبرجون ابن أخي الشيخ بن لبابة جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة وسمع غيره ورحل فسمع بالقيروان من حماس بن مروان. وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب عالماً بعقد الشروط بصيراً بعللها وله اختيارات في الفتوى والفقه خارجة عن المذهب. وله تآليف في الفقه منها: المنتخب وكتاب في الوثائق. وقال بن حازم الفارسي: كتابه المنتخب ليس لأصحابنا مثله وهو على مقاصد الشرح لمسائل المدونة ولم يكن له علم بالحديث. ولي قضاء إلبيرة والشورى بقرطبة ثم عزل عن إلبيرة وعزل بعدها عن الشورى لأشياء نقمت عليه. وكان القاضي الحبيب بن زياد قد سجل بسخطه ورفع إلى الناصر لدين الله عنه أشياء قبيحة فأمر بإسقاط منزلته من الشورى والعدالة وألزمه بيته ومنعه أن يفتي أحداً وأقام على ذلك ثم ولاه أمير المؤمنين خطة الوثائق والشورى من هذا الوقت إلى أن مات ومنزلته من السلطان لطيفة ومات عن حال معتدلة وتوبة نصوح ثم حج ولقي العلماء وانصرف وقد اعتدلت حالته فأقيلت عثراته. اللهم أقل عثراتنا يا أكرم الأكرمين. توفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 684

محمد بن أحمد ويقال أحمد بن عبد الله الأموي المعروف باللؤلؤي صناعة أبيه قرطبي سمع من أبي صالح وطاهر بن عبد العزيز. أفقه أهل زمانه بعد موت بن أيمن وله بصر باللغة والشعر والوثائق برع في علم السنن وتقدم في الفتيا وأخذ من جميع العلوم الإسلامية بنصيب وافر وكان من أهل الحدس الصادق والقياس العجيب والرأي المصيب كان إماماً في الفقه على مذهب مالك مقدماً في الفتيا على أصحابه لم يزل مشاوراً من أيام أحمد بن بقي إلى أن توفي قال إسماعيل بن إسحاق كان اللؤلؤي من أحفظ أهل زمانه بمذهب مالك ولم تكن له رحلة كان صدر المفتين وأدربهم وأفقههم في تلك المعاني وكان مقدماً في الشورى أفقه أهل عصره وأبصرهم بالفتيا وعليه مدار طلاب العلم في زمانه وعليه تفقه محمد بن زرب القاضي وكان أخفش العينين ضعيف البصر وأفرط عليه في آخر عمره حتى كان لا يستبين الكتاب في أيام المناظرة فكان بن زرب يكفي عنه ويمسك الكتاب وقال بن عبد الرؤوف الكاتب: كان فقيهاً حافظاً متفنناً غزير العلم كثير الرواية جيد القياس صحيح الفطنة عالماً بالاختلاف حافظاً للغة بصيراً بالغريب والعربية شاعراً حسن القريض متصرفاً في أساليبه راوية له مميزاً به رغب عن الشعر وتنكب عنه إلى التبحر في الفقه والسنة وأكثر شعره في الوعظ والزهد والمكاتبات وذكره في طبقات شعراء الأندلس وسئل خالد بن سعيد يوماً عن مسألة عويصة

стр. 685

فقال للسائل عليك بأبي بكر اللؤلؤي: فإليه تأتي هذه الأحمال الكبار وأنا إنما تأتيني المخلاة وتبسم. وكانت فيه دعابة يستعملها حتى إن شواطر النساء كن يكتبن له بمسائل من المجون ويتعرضن له بها فيجيبهن ويتخلص وأتته امرأة بسؤال: ما تقول رحمك الله في امرأة وعدت ثم أخلفت ما يجب عليها؟ فكتب أسفل كتابها: أساءت حين وعدت وأحسنت حين أخلفت وله: إني وإن كنت القريض أقوله ... يوماً فليس على القريض معولي علمي الكتاب وسنة مأثورة ... وتفنني في أضرب وتحولي فإذا ذكرت ذوي العلوم وجدتني ... في السبق قدام الرعيل الأول أشفي العمى ببيان قول فاضل ... يجلو ويكشف كل أمر مشكل والجمع يعلم أنني لما أقل ... إن أنصفوا في ذاك ما لم أفعل وتوفي اللؤلؤي سنة خمسين وثلاثمائة وقيل سنة إحدى وخمسين رحمة الله تعالى عليه. محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم أبو عبد الله أخو عبد الله سمع من رجال أخيه كلهم وكان عالماً فقيهاً زاهداً ورعاً عفيفاً جلداً ضابطاً متقناً ثقة مأموناً قال بعضهم: كل أصحابنا كانت له صبوة ما خلاه فإني عرفته صغيراً زاهداً وقال الباجي من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة إن شاء الله فلينظر إلى بن دليم.

стр. 686

وكان يأبى من الإسماع إلى أن توفي أصحابه فجلس للناس قبل وفاته بثلاثة أعوام فسمع منه عالم كثير. وكان ضرورة لا يطأ النساء ولم يتداو قط ولا احتجم وكان من علماء الناس وخيارهم من أهل العلم الواسع والفضل البارع معدوداً في النساك والصالحين. وكان لا يرى أن يسمى طالب العلم فقيهاً حتى يكتهل ويكمل سنه ويقوى نظره ويبرع في حفظ الرأي ورواية الحديث ويتميز فيه ويعرف طبقات رجاله ويحكم عقد الوثائق ويعرف عللها ويطالع الاختلاف ويعرف مذاهب العلماء والتفسير ومعاني القرآن فحينئذ يستحق أن يسمى فقيهاً وإلا فاسم الطالب أليق به إلى أن يلحق بهذه الدرجة ودعاء الداعي له باسم الفقيه: سخرية. وكان ناحل الجسم قاصح الجلد لا يتألم من عض البراغيث ويعجب ممن يقلق منها. وكان كثير الصلاة والصيام عابداً مجتهداً وعمر. مولده سنة ثمان وثمانين ومائتين وتوفي سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة.

стр. 687

محمد بن عبد الله بن عيشون أبو عبد الله طليطلي فقيه حافظ للمسائل سمع بطليطلة من وسيم بن سعدون ووهب بن عيسى وبقرطبة من بن خالد وابن أيمن وقاسم بن أصبغ وغيرهم. ورحل ولقي جماعة من المحدثين ورأس بالعلم وشهر به وحمل روى عنه أبو محمد بن ذنين الطليطلي ومحمد بن إبراهيم وعبدوس الطليطلي وتكلم فيه أبو عمران الفاسي ومسلمة بن قاسم. حدث عن بن الأعرابي بتاريخ بن معين ولم يسمعه. كان بن عيشون فقيه عصره من الحفاظ وله مختصر مشهور وألف أحاديث مسند مالك. كان عالماً متقدماً فقيهاً حافظاً لمذهب مالك عالماً بالفتوى من أهل الصلاح والخير متقللاً من الدنيا وألف مسندات الحديث كتاب الإملاء واختصر المدونة إلا الكتب المختلطة منها وكان يقول الشعر وأسر وافتدي. توفي بطليطلة في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.

стр. 688

ومن أهل طليطلة: محمد بن عمر بن سعد بن عيشون روى عنه ابنه وقاسم بن أصبغ وغيره من القرطبيين وسمع من شيوخ بلده وبمكة ومصر والشام والقيروان من بن الأعرابي وأبي الحسن الجلا والخزاعي والقشيري وأبي مروان المالكي وغيرهم. وحدث بكثير روى عنه أبو الأصبغ الحزم بن أبي درهم وابن الفرضي وغيرهما. فقيه حافظ للمسائل ولي قضاء بلده. ومحمد هذا ربما اشتبه مع محمد بن عبد الله بن عيشون إلا على من يحققهما. محمد بن رباح بن صاعد الأموي أبو عبد الله طليطلي سمع وهب بن عيسى وغيره وكان موصوفاً بصلاح وفضل وعناية بالعلم والرواية له والحفظ لمذهب مالك. استفتي ببلده وله في المدونة اختصاراً كان مشهوراً بطليطلة يدرسه أهلها وكان جماهر بن محمد يثني عليه ويفضله.

стр. 689

ومن الطبقة [السادسة] (*) من أهل العراق: محمد أبو بكر الأبهري هو محمد بن عبد الله بن صالح يخرج إلى زيد مناة بن تميم سكن بغداد وحدث بها عن جماعة منهم: أبو عروبة الحراني وابن أبي داود ومحمد بن محمد الباغندي وأبو بكر بن الجهم الوراق وابن داسة والبغوي وأبو زيد المروزي وله التصانيف في شرح مذهب مالك والاحتجاج له والرد على من خالفه. وكان إمام أصحابه في وقته. حدث عنه جماعة منهم البرقاني وإبراهيم بن مخلد وابنه إسحاق بن إبراهيم والقاضي أبو القاسم التنوخي وغيرهم وأبو الحسن الدارقطني والباقلاني القاضي وابن فارس المقري وأبو محمد بن نصر القاضي. ومن أهل الأندلس أبو عبيد الجبيري والأصيلي وأبو القاسم الوهراني واستجازه أبو محمد بن أبي زيد. وكان ثقة أميناً مشهوراً وانتهت إليه الرياسة في مذهب مالك. تفقه ببغداد على القاضي أبي عمر وابنه أبي الحسين وأخذ عن القاضي أبي الفرج وأبي بكر بن الجهم وابن المنتاب وابن بكير وجمع بين القراءات وعلو الإسناد والفقه الجيد وشرح المختصرين: الكبير والصغير

стр. 690

لابن عبد الحكم وانتشر عنه مذهب مالك في البلاد وكان القيم: برأي مالك في العراق في وقته معظماً عند سائر علماء وقته لا يشهد محضراً إلا كان المقدم فيه وإذا جلس قاضي القضاة الهاشمي المعروف بابن أم شيبان أقعده عن يمينه والخلق كلهم دونه من القضاة والشهود والفقهاء وغيرهم دونه. وأملى أبو القاسم الوهراني في أخباره جزءاً فقال: كان رجلاً صالحاً خيراً ورعاً عاقلاً نبيلاً فقيهاً عالماً ما كان ببغداد أجل منه. ولم يعط أحد من العلم والرياسة فيه ما أعطي الأبهري في عصره من الموافقين والمخالفين ولقد رأيت أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إذا اختلفوا في أقوال أئمتهم يسئلونه فيرجعون إلى قوله. وسمعته يقول: كتبت بخطي: المبسوط والأحكام لإسماعيل وأسمعة بن القاسم وأشهب وابن وهب وموطأ مالك وموطأ بن وهب ومن كتب الفقه والحديث نحو ثلاثة آلاف جزء بخطي. ولم يكن له قط شغل إلا العلم ولي في جامع المنصور - ببغداد - ستون سنة أدرس الناس وأفتيهم وأعلمهم سنة نبيهم ﷺ . وقال: قرأت مختصر بن عبد الحكم خمسمائة مرة والأسدية خمساً وسبعين مرة والموطأ كذلك والمبسوط ثلاثين مرة ومختصر بن البرقي سبعين مرة.

стр. 691

قال أبو القاسم الوهراني: وسمعت الشيوخ يقولون: إن في مختصر بن عبد الحكم الكبير ثمان عشرة ألف مسألة وفي المدونة ست وثلاثون ألف مسألة ومائتين منها أربع ممحوة وفي المختصر الأوسط أربعة آلاف مسألة وفي الصغير ألفاً ومائتين. وسمعت أبا محمد بن أبي زيد يقول: من حفظ المدونة والمستخرجة لم تبق عليه مسألة قال: وما رأيت من الشيوخ أسخى منه ولا أكثر مواساة لطالب العلم. ومن يرد عليه من الغرباء يعطيهم الدراهم ويكسوهم. وكان لا يخلي جيبه من كيس فيه مال فكل من يرد عليه من الفقهاء يغرف له غرفة بلا وزن. لقد سألته عن سبب عيشه فقال لي: كان رؤساء بغداد لا يموت أحد منهم إلا أوصى لي بجزء من ماله. وكان الأبهري أحد أئمة القرآن المتصدرين لذلك والعارفين بوجوه القراءة وتجويد التلاوة. وذكره أبو عمرو الداني في طبقات المقرئين. وتفقه على الأبهري عدد عظيم وخرج له جماعة من الأئمة بأقطار الأرض من العراق وخراسان والجبل وبمصر وإفريقية كأبي جعفر الأبهري وأبي سعيد القزويني وأبي القاسم بن الجلاب وأبي الحسن بن القصار وأبي عمر بن سعد الأندلسي نزل المهدية وأبي العباس البغدادي

стр. 692

وابن تمام وابن خوير منداد وأبي محمد الأصيلي وأبي عبيد الجبيري وأبي محمد القلعي وغيرهم. ولم ينجب أحد بالعراق - من الأصحاب بعد إسماعيل القاضي - ما أنجب أبو بكر الأبهري كما أنهما لا قرين لهما في المذهب بقطر من الأقطار إلا سحنون بن سعيد في طبقتهما بل هو أكثر الجميع أصحاباً وأفضلهم أتباعاً. وأنجبهم طلاباً ثم أبو محمد بن أبي زيد في هذه الطبقة أيضاً غفر الله لجميعهم ونفع بعلومهم. ولأبي بكر من التآليف سوى شرحي المختصرين كتاب الرد على المزني وكتاب الأصول وكتاب إجماع أهل المدينة ومسألة إثبات حكم القافة وكتاب فضل المدينة على مكة ومسألة الجواب والدلائل والعلل. ومن حديثه: كتاب العوالي وكتاب الأمالي علق عنه نحو خمسة عشر ألف مسألة وعرض عليه قضاء بغداد فامتنع وبعد موت الأبهري وكبار أصحابه لتلاحقهم به وخروج القضاء عنهم إلى غيرهم من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ضعف مذهب مالك بالعراق وقل طالبه: لاتباع الناس أهل الرياسة والظهور. ووجد بخط الأبهري: الدين عز والعلم كنز والحلم حرز والتوكل قوة. قال الوهراني: سألت الأبهري عن سنه فقال لي: قال مالك: إخبار الشيوخ عن أسنانهم من السفه. وحبس كتبه على أصحابه.

стр. 693

وتوفي ببغداد ليلة السبت لسبع خلون من شوال سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وصلي عليه بجامع المنصور مولده قبل التسعين ومائتين وسنه ثمانون سنة أو نحوها. محمد بن مجاهد هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد الله المتكلم الطائي صاحب أبي الحسن الأشعري من أهل البصرة وسكن بغداد وعليه درس القاضي أبو بكر الباقلاني الكلام وله كتب حسان في الأصول وكان حسن الدين جميل الطريقة وكان البرقاني يثني عليه ثناء حسناً وأدركه فيما أحسب. وكان بن مجاهد - هذا - مالكي المذهب إماماً فيه غلب عليه علم الكلام والأصول أخذ عن القاضي التستري وله كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك ورسالته المشهورة في الاعتقادات على مذهب أهل السنة التي كتب بها إلى أهل الباب والأبواب وكتاب هداية المستبصر ومعونة المستنصر وتآليف أخر غير هذا. وسمع صحيح البخاري من أبي زيد المروزي وسماعه في كتاب الأصيلي بخطه واستجاز الشيخ أبا محمد بن أبي زيد في كتاب المختصر والنوادر. وكان بن مجاهد ينشد لبعضهم:

стр. 694

أيها المغتدي ليطلب علماً ... كل علم عبد لعلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكماً ... ثم أغفلت منزل الأحكام حدث عنه القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو بكر بن عودة وغيرهما وذكره الخطيب في تاريخه. ومن أهل مصر: محمد أبو بكر النعالي هو محمد بن سليمان وقيل محمد بن إسماعيل وقيل محمد بن بكر بن الفضل نسب إلى عمل النعال ويعرف أيضاً بالصراري نسب إلى النعال الصرارية أخذ عن أبي إسحاق بن شعبان وأبي بكر بن رمضان وبكر بن العلاء القشيري ومحمد بن زيان ومأمون وغيرهم. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن القروي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو بكر بن عقال الصقلي وأبو عبد الله بن الحذاء الأندلسي والناس. وإليه كانت الرحلة والإمامة بمصر وجالسه القابسي وأثنى عليه وعظم شأنه. قال بن الحذاء: ما رأيت رجلاً أتم مروءة منه ولا أعف ولا أكمل ولا أعقل.

стр. 695

وكان أسخى الناس لم يجتمع عنده مال يزكى عليه وكان مبايناً لبني عبيد. قال القابسي: كانت حلقته في الجامع تدور على سبعة عشر عموداً لكثرة من يحضرها. وتوفي في الثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. ومن أهل إفريقية: محمد بن حارث بن أسد الخشني أبو عبد الله تفقه بالقيروان على أحمد بن نصر وأحمد بن زياد وأحمد بن يوسف وابن اللباد والممسي وسمع من غير واحد من شيوخ إفريقية وقدم الأندلس حدثاً سنة ثنتي عشرة فسمع من بن أيمن وقاسم بن أصبغ وأحمد بن عبادة ومحمد بن يحيى بن لبابة وأحمد بن زياد والحسن بن سعد وغيرهم من القرطبيين. واستوطن بعد هذا قرطبة وقد دخل سبتة قبل العشرين وثلاثمائة فحبسه أهلها عندهم وتفقه عليه قوم منهم وقيل إنه حقق قبلة جامعهم إذ ذاك فوجد فيها تغريباً فامتثلوا رأيه وشرقوها ثم دخل الأندلس وتردد في كور الثغور واستقر آخراً بقرطبة. كان حافظاً للفقه متقدماً فيه نبيهاً ذكياً فقيهاً فطناً متفنناً عالماً

стр. 696

بالفتيا حسن القياس في المسائل وولاه الحكم المواريث ببجاية وولي الشورى بقرطبة وتمكن من ولي عهدها الحكم وألف له تآليف حسنة منها: كتابه في الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك وكتابه في المحاضر وكتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه وكتاب الفتيا وكتاب في تاريخ علماء الأندلس وتاريخ قضاة الأندلس وتاريخ الإفريقيين وكتاب التعريف وكتاب المولد والوفاة وكتاب النسب وكتاب الرواة عن مالك وكتاب طبقات فقهاء المالكية وكتاب مناقب سحنون وكتاب الاقتباس وغير ذلك. ألف له مائة ديوان وكان عالماً بالأخبار وأسماء الرجال وكان حكيماً يعلم الأدهان ويتصرف في الأعمال اللطيفة شاعراً بليغاً إلا أنه يلحن وآلت به الحال بعد موت الحكم وتقصير بن أبي عامر بصنائع الحكم إلى الجلوس في حانوت لبيع الأدهان. حدث عنه أبو بكر بن حرمل وغيره. قال أحمد بن عبادة: رأينا بن حارث في مجلس أحمد بن نصر - يعني وقت طلبه وهو شعلة يتوقد في المناظرة. وتوفي بقرطبة في صفر سنة إحدى وستين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وستين.

стр. 697

ومن أهل الأندلس: محمد أبو بكر بن إسحاق بن منذر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن السليم بن أبي عكرمة واسمه جعفر وهو الداخل إلى الأندلس وهو جعفر بن يزيد بن عبد الله مولى سليمان بن عبد الملك. قيل عبد الله جده رومي وقيل إنه لخمي من أشراف عرب شذونة يؤل سلفه لبني أمية وإليهم تنسب المدينة المعروفة ببني السليم من كورة شذونة نزلوها عند فتحهم الأندلس وهو قرطبي سمع بها من أحمد بن خالد صغيراً ومن محمد بن أيمن ومحمد بن قاسم وعبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ وابن عمر بن دحيم وسعيد بن جابر وغيرهم. ورحل سنة اثنتين وثلاثين فسمع بمكة من بن الأعرابي وبالمدينة من المرواني القاضي وبمصر من الزبيري وعبد الله بن جعفر البغدادي وأبي جعفر بن النحاس وأبي بهزاذ وابن أبي مطر وأبي العباس السكري ومحمد بن أيوب الرقي وجماعة وانصرف إلى الأندلس وأقبل على الزهد والعبادة ودراسة العلم. كان حافظاً للفقه بصيراً بالاختلاف عالماً بالحديث ضابطاً لما رواه

стр. 698

متصرفاً في علم النحو واللغة حسن الخطاب والبلاغة لين الكلمة متواضعاً حدث وسمع منه كثير. وذكره الحكم أمير المؤمنين فقال: هو فقيه بمذهب مالك حافظ مقدم من أهل المعرفة بالحديث والرجال وله حظ من الأدب لم يل القضاء بقرطبة أفقه منه ولا أعلم إلا منذر بن سعيد لكنه أرسخ في علم أهل المدينة من منذر. وقال بن مفرج: كان بن السليم راسخاً في العلم مجتهداً في طلبه عالماً بالحديث والفقه. قال غيره: جمع إلى الرواية الواسعة: جودة استنباط الفقه والفتيا والحذق بالفرائض والحساب والتصرف في البلاغة والشعر والتفنن في العلوم حسن العشرة كريم النفس. وكان جماعة من كبراء العلماء بالأندلس ممن أدركوه قاضياً كابن زرب وغيره يقطعون على أنه لم يكن في قضاة الأندلس منذ دخلها الإسلام إلى وقته قاض أعلم منه. قال أبو محمد الباجي: ما رأيت في المحدثين مثله. وله كتاب التوصل لما ليس في الموطأ واختصار كتاب المروزي في الاختلاف وكتاب المخمس في الحديث. وكان مع علمه من أهل الزهد والتقشف والبر.

стр. 699

وطال هربه من السلطان إلى أن أنشبته الأقدار فنال رئاسة الدين والدنيا بالأندلس فما استحال عن هديه ولا غرته الدنيا بوجه. وكان قد بلغ به التقشف وطلب الحلال إلى أن كان يصيد السمك بنهر قرطبة ويبيع صيده فيأخذ من ثمنه ما يقتات به ويتصدق بفضله. ونوه الحكم باسمه وقدمه للشورى ثم إلى المظالم الشرطة إلى أن توفي منذر فولاه مكانه قضاء الجماعة وذلك سنة ست وخمسين وجمع له معها الخطبة والصلاة سنة ثمان وخمسين فحمد الناس سيرته. وتوفي يوم الاثنين لخمس أو ست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وستين وثلاثمائة مستوراً لم يمسه سوء وسنه خمس وستون سنة. مولده سنة ثنتين وثلاثمائة فلما نعي إلى بن أبي عامر قال: هل سمعتم الذي عاش ما شاء ومات حين شاء فقد رأيناه وهو هذا.

стр. 700

محمد أبو بكر بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز يعرف بابن القوطية من الموالي البربر ينسب بيتهم إلى أم جد أبيه إبراهيم وهي ابنة ولد ابنة ملك الأندلس قبل دخول الإسلام وفدت بعد دخول الإسلام على هشام بن عبد الملك بالشام متظلمة فتزوجها هنالك عيسى بن مزاحم وقدم بها الأندلس فنسبت بنوها إليها وهم من أهل إشبيلية وسكن أبو بكر قرطبة وقد ولي أبوه قضاء إشبيلية للناصر. وكان أبو بكر ممن طلب الفقه والحديث والأدب فسمع بإشبيلية من بن الفوق وحسن الزبيدي وابن جابر وعلي بن أبي شيبة وسيد أبيه الزاهد وبقرطبة من طاهر بن الوليد ومحمد بن مغيث وابن لبابة وابن أبي تمام وأسلم القاضي وابن أيمن: وابن الأغبش وابن يونس وقاسم بن أصبغ ونظرائهم. قال بن عفيف: كان جليلاً من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية حافظاً للفقه والحديث والخبر والنوادر والشعر وله في الحديث قدم ثابت ورواية واسعة وهو على ذلك من أهل النسك والعبادة. قال بن عبد الرؤوف في طبقاته: كان أبو بكر من علماء الأندلس فقيهاً

стр. 701

من فقهائهم صدراً من أدبائهم حافظاً للغة والعربية بصيراً بالغريب والنادر والشاهد والمثل عالماً بالخبر والأثر جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني إلا أنه تركه ورفضه مؤثراً ما هو أولى منه وهو إمام من أئمة الدين تام العناية بالفقه والسنة مع مروءة ظاهرة عالماً بالنحو حافظاً للعربية مقدماً فيها على أهل عصره لا يشق غباره وله في ذلك تصانيف حسنة ككتاب تصاريف الأفعال وكتاب المقصور والممدود وشرح رسالة أدب الكتاب وغير ذلك حافظاً لأخبار الأندلس وسير أمرائها وأحوال رجالها وله تصنيف في تاريخها حسن. قال بن الفرضي: ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه ولا له أصول يرجع إليها وطال عمره حتى سمع منه طبقة بعد طبقة من الشيوخ والكهول ممن ولي القضاء والشورى والخطط من أبناء الملوك وغيرهم وسمعت منه وكانت فيه غفلة وسلامة وتقشف في ملبسه وورعه. وذكر أنه كان يدلس في حديثه. وتوفي بن القوطية سنة سبع وستين وثلاثمائة.

стр. 702

محمد بن أبان بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن دينار من جملة فقهاء قرطبة يكنى أبا عبد الله سمع هو وأخوه عبد الله من أبيهما عيسى ووهب بن مسرة وأحمد بن مطرف وندبهما الحكم إلى اختصار الكتب المبسوطة تأليف يحيى بن إسحاق بن يحيى فاختصراها وقرباها واختصر اختصارها بعد هذا شيخنا قاضي الجماعة أبو الوليد بن رشد. محمد بن حسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي إشبيلي سكن قرطبة وتوفي بإشبيلية يكنى أبا بكر سمع من قاسم بن أصبغ وسعيد بن فحلون وأحمد بن سعيد وأبي علي البغدادي وأكثر عنه ولازمه. وكان متفنناً فقيهاً أديباً شاعراً وكان مع أدبه من أهل الحفظ للفقه والرواية للحديث تفقه عند اللؤلؤي وابن القوطية وغلب عليه الأدب وعلم لسان العرب فشهر به وصنف فيه واستأدبه الخليفة الحكم لابنه هشام وولاه قضاء إشبيلية وقلده هشام الشرطة.

стр. 703

وكان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة وسمع منه. وقال بن حيان: لم يكن له في هذا الباب نظير في الأندلس مع افتنان في علوم كثيرة من فقه وحديث وفضل واستقامة. قال القاضي أبو عمر بن الحذاء: لم تر عيني مثله في علمه وأدبه وكان بن زرب يفضله ويقدمه ويزوره وحدث عنه ابنه والقاضي بن أبي مسلم من أهل بلدنا وأبو عمر بن الحذاء. ألف كتاب الواضح في النحو وكتاب الأبنية وكتاب لحن العامة وكتاب مختصر العين وزيادة كتاب العين وكتاب غلط صاحب العين وله رد على بن مسرة وغير ذلك من تآليفه ومن شعره: أقابل بالرفق عنف العنيف ... وأقنع من صاحبي بالطفيف ويلزمني بر غير الشريف ... فأنسج ذاك ببر الشريف وتوفي الزبيدي رحمه الله تعالى بإشبيلية - وهو على قضائها - في جمادى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وولي بعد وفاته القضاء مكانه ابنه أبو القاسم: أحمد وابنه الآخر أبو الوليد.

стр. 704

محمد بن محمد بن وليد الأموي أبو عبد الله سمع من العتبي وغيرهم ولقي بالقيروان محمد بن سحنون ولقي محمد بن عبد الحكم وغيرهم قال: بن سهل وكان متهماً بوضع الأحاديث. توفي سنة تسع وثلاثمائة. محمد بن يوسف بن مطروح بن عبد الملك بن بكر بن وائل قرطبي يكنى أبا عبد الله وكان أعرج وبذلك يعرف. روى بالأندلس عن غازي بن قيس وعيسى بن دينار ويحيى بن يحيى وغيرهم ورحل فسمع بالقيروان من سحنون وبمصر من أصبغ ومطرف وكانت الفتوى دائرة عليه مع أصبغ بن خليل وعبد الأعلى بن وهب وكان فقيهاً سرياً عالماً بالفقه حافظاً فيه صلابة. وشوور مع الشيوخ: يحيى وابن حسان وابن حبيب. أخذ عنه أحمد بن خالد وابن لبابة ومحمد بن أيمن ونظراؤهم. وكان في خلقه ذعارة.

стр. 705

مسألة: ذكر أن خصياً قال له: أتجوز الضحية بالكبش الأعرج؟ قال: نعم وبالخصي مثلك. قال القاضي عياض: يريد والله أعلم - العرج الخفيف الذي لا يمنعه السير. وقال له رجل: جهنم هل تخرب؟ فقال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين. محمد بن سعيد الموثق يعرف بابن المواز أبو عبد الله قرطبي فقيه في مذهب مالك حافظ له. ولم تكن له درجة في الرواية. كان عالماً بالوثائق من أبصر الناس بها له فيها تأليف حسن مشهور. روى عن يحيى بن يحيى وغيره من شيوخ الأندلس. مسألة: كان يفتي باستتابة الزنديق وبذلك أشار بقي بن مخلد على الأمير عبد الله ووافقه بن المواز هذا وخالفهما قاسم بن محمد وأفتى - على مذهب مالك - بقتله دون استتابة. توفي في صدر أيام الأمير عبد الله.
следующие страницы →