Полный текст (858 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
من فقهائهم صدراً من أدبائهم حافظاً للغة والعربية بصيراً بالغريب والنادر والشاهد والمثل عالماً بالخبر والأثر جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني إلا أنه تركه ورفضه مؤثراً ما هو أولى منه وهو إمام من أئمة الدين تام العناية بالفقه والسنة مع مروءة ظاهرة عالماً بالنحو حافظاً للعربية مقدماً فيها على أهل عصره لا يشق غباره وله في ذلك تصانيف حسنة ككتاب تصاريف الأفعال وكتاب المقصور والممدود وشرح رسالة أدب الكتاب وغير ذلك حافظاً لأخبار الأندلس وسير أمرائها وأحوال رجالها وله تصنيف في تاريخها حسن.
قال بن الفرضي: ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه ولا له أصول يرجع إليها وطال عمره حتى سمع منه طبقة بعد طبقة من الشيوخ والكهول ممن ولي القضاء والشورى والخطط من أبناء الملوك وغيرهم وسمعت منه وكانت فيه غفلة وسلامة وتقشف في ملبسه وورعه. وذكر أنه كان يدلس في حديثه. وتوفي بن القوطية سنة سبع وستين وثلاثمائة.
стр. 702
محمد بن أبان بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن دينار
من جملة فقهاء قرطبة يكنى أبا عبد الله سمع هو وأخوه عبد الله من أبيهما عيسى ووهب بن مسرة وأحمد بن مطرف وندبهما الحكم إلى اختصار الكتب المبسوطة تأليف يحيى بن إسحاق بن يحيى فاختصراها وقرباها واختصر اختصارها بعد هذا شيخنا قاضي الجماعة أبو الوليد بن رشد.
محمد بن حسن بن عبد الله بن مذحج الزبيدي
إشبيلي سكن قرطبة وتوفي بإشبيلية يكنى أبا بكر سمع من قاسم بن أصبغ وسعيد بن فحلون وأحمد بن سعيد وأبي علي البغدادي وأكثر عنه ولازمه. وكان متفنناً فقيهاً أديباً شاعراً وكان مع أدبه من أهل الحفظ للفقه والرواية للحديث تفقه عند اللؤلؤي وابن القوطية وغلب عليه الأدب وعلم لسان العرب فشهر به وصنف فيه واستأدبه الخليفة الحكم لابنه هشام وولاه قضاء إشبيلية وقلده هشام الشرطة.
стр. 703
وكان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة وسمع منه. وقال بن حيان: لم يكن له في هذا الباب نظير في الأندلس مع افتنان في علوم كثيرة من فقه وحديث وفضل واستقامة. قال القاضي أبو عمر بن الحذاء: لم تر عيني مثله في علمه وأدبه وكان بن زرب يفضله ويقدمه ويزوره وحدث عنه ابنه والقاضي بن أبي مسلم من أهل بلدنا وأبو عمر بن الحذاء.
ألف كتاب الواضح في النحو وكتاب الأبنية وكتاب لحن العامة وكتاب مختصر العين وزيادة كتاب العين وكتاب غلط صاحب العين وله رد على بن مسرة وغير ذلك من تآليفه ومن شعره:
أقابل بالرفق عنف العنيف ... وأقنع من صاحبي بالطفيف
ويلزمني بر غير الشريف ... فأنسج ذاك ببر الشريف
وتوفي الزبيدي رحمه الله تعالى بإشبيلية - وهو على قضائها - في جمادى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وولي بعد وفاته القضاء مكانه ابنه أبو القاسم: أحمد وابنه الآخر أبو الوليد.
стр. 704
محمد بن محمد بن وليد الأموي أبو عبد الله
سمع من العتبي وغيرهم ولقي بالقيروان محمد بن سحنون ولقي محمد بن عبد الحكم وغيرهم قال: بن سهل وكان متهماً بوضع الأحاديث. توفي سنة تسع وثلاثمائة.
محمد بن يوسف بن مطروح بن عبد الملك بن بكر بن وائل
قرطبي يكنى أبا عبد الله وكان أعرج وبذلك يعرف. روى بالأندلس عن غازي بن قيس وعيسى بن دينار ويحيى بن يحيى وغيرهم ورحل فسمع بالقيروان من سحنون وبمصر من أصبغ ومطرف وكانت الفتوى دائرة عليه مع أصبغ بن خليل وعبد الأعلى بن وهب وكان فقيهاً سرياً عالماً بالفقه حافظاً فيه صلابة. وشوور مع الشيوخ: يحيى وابن حسان وابن حبيب.
أخذ عنه أحمد بن خالد وابن لبابة ومحمد بن أيمن ونظراؤهم. وكان في خلقه ذعارة.
стр. 705
مسألة: ذكر أن خصياً قال له: أتجوز الضحية بالكبش الأعرج؟ قال: نعم وبالخصي مثلك. قال القاضي عياض: يريد والله أعلم - العرج الخفيف الذي لا يمنعه السير. وقال له رجل: جهنم هل تخرب؟ فقال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين.
محمد بن سعيد الموثق يعرف بابن المواز أبو عبد الله
قرطبي فقيه في مذهب مالك حافظ له. ولم تكن له درجة في الرواية. كان عالماً بالوثائق من أبصر الناس بها له فيها تأليف حسن مشهور. روى عن يحيى بن يحيى وغيره من شيوخ الأندلس.
مسألة: كان يفتي باستتابة الزنديق وبذلك أشار بقي بن مخلد على الأمير عبد الله ووافقه بن المواز هذا وخالفهما قاسم بن محمد وأفتى - على مذهب مالك - بقتله دون استتابة. توفي في صدر أيام الأمير عبد الله.
стр. 706
محمد بن أسباط بن حكم المخزومي
قرطبي يكنى أبا عبد الله سمع من يحيى وسعيد بن حسان ورحل فسمع من الحارث بن مسكين بمصر. كان حافظاً للفقه عالماً بالوثائق من أهل العبادة والورع وكانت له ولأخيه قاسم حلقة بجامع قرطبة يجلسان للفتيا وكانا حافظين للفقه بصيرين بالوثائق. توفي محمد سنة تسع وسبعين ومائتين وتوفي قاسم في أول أيام الأمير عبد الله.
محمد بن سليمان بن محمد بن تليد المعافري
يكنى أبا عبد الله روى عن العتبي وابن مطروح وابن مزين وعبد الله بن خالد وأبي زيد وسمع بسرقسطة من يحيى وأحمد ابني محمد بن عجلان ومن محمد بن الخشاب ويروي عن يونس وبني عبد الحكم ورحل إلى مكة وسمع بها وقيل إنه دخل العراق. وكان مفتي موضعه وإليه كانت الرحلة في وقته وكان رجلاً صالحاً.
مسألة: وكان يذهب في الأشربة مذهب أهل العراق وكان رأس فقهاء أهل
стр. 707
الثغر المقدم فيهم يقر له بذلك الجميع ويقفون عند أمره ولا يعدلون عن فتياه. ولي قضاء سرقسطة وقضاء وشقة. توفي سنة خمس وتسعين وقيل سنة ست وتسعين ومائتين ولي ابنه أحمد قضاء بلده بعد أربعين وثلاثمائة.
محمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى ثلاثة المعروف بأبي عيسى
منتهى الرياسة والنباهة في العلم سمع من عم أبيه عبد الله ومحمد بن لبابة وأحمد بن خالد وغيرهم ورحل فحج وسمع من بن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي وغيرهم. وسمع بمصر من بن زيان ومحمد الباهلي وبإفريقية من محمد بن اللباد وأحمد بن زياد: وجماعة كثيرة. وكانت رحلته ورحلة محمد بن مسرة وأحمد بن حزم وأحمد بن عبادة الرعيني في وقت واحد.
كان حافظاً للرأي معتنياً بالآثار جامعاً للسنن له رواية واسعة. كان متصرفاً في علم الإعراب واللغة والشعر والأخبار حتى ذكر
стр. 708
في طبقات الشعراء وله الشأو البعيد في الخطابة وولي قضاء الجماعة بقرطبة وكان صارماً في قضائه منفذاً للحقوق مقيماً للحدود كاشفاً عن أحوال الشهود صادعاً بالحق في السر والجهر لم يداهن ذا قدرة ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان لم يطمع شريف في حيفه ولا ييأس وضيع من عدله. ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوباً ولا ألسنة منهم في أيامه مع لطافة بره وكثرة بشره لم تغيره خطته عن حاله في إنصافه لإخوانه. ومعارفه. وله في شاهد أراد أن يشهد عنده بشهادة مدخولة فتناول القاضي ورقة وكتب فيها وألقاها في حجره فلما تصفحها فرق منه ورجع وكان فيها:
أتتني عنك أخبار ... لها في القلب آثار
فدع ما قد أتيت له ... ففيه العار والنار
وتوفي ﵀ في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
محمد بن عبيد الله بن الوليد بن محمد القرشي المعيطي أبو بكر
سمع من وهب وابن الأحمر وابن الخراز القروي وغيرهم.
كان حافظاً للفقه عالماً بمذهب مالك وأصحابه. ولي الشورى بن ثلاثين سنة وكان ورعاً زاهداً متبتلاً معتزلاً عن جميع الناس يصوم النهار ويقوم الليل إلى أن مات.
стр. 709
وهو الذي أكمل كتاب الاستيعاب مع أبي عمر الإشبيلي للحكم أمير المؤمنين وذلك أن هذا الكتاب وصل إلى الحكم وكان قد ابتدأه بعض أصحاب القاضي إسماعيل وبوبه وقدره ديواناً جامعاً لقول مالك خاصة لا يشركه فيه قول أحد من أصحابه في اختلاف الروايات عنه وكتب المؤلف منه خمسة أجزاء وعاجلته المنية عن إكماله فلما رآه أعجبه وحرض على إكماله فذاكره قاضيه بن السليم وسأله هل ثم من يكمله على المرغوب فأشار عليه بالمعيطي وابن عمر فشرطا أن يفتح لهما الخزانة للبحث على أقوال مالك حيث كانت من رواية المدنيين والمصريين والشاميين والعراقيين وأهل إفريقية والأندلس وغيرهم ففعل الحكم ذلك فأخرجا كتب الأسمعة وغيرها وأكملا كتاب الاستيعاب الكبير في مائة جزء فلما رفع إلى الحكم سر به وأمر لهما بألفي دينار لكل واحد وكسوة وقدمهما للشورى. وتوفي المعيطي في ذي القعدة من سنة سبع وستين وثلاثمائة.
стр. 710
محمد بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة
هو أخو المهلب بن أبي صفرة سمع من الأصيلي وكان من كبار أصحابه وله شرح في اختصار ملخص القابسي وسمع من أخيه المهلب. توفي قبل العشرين وأربعمائة.
محمد بن غالب
هو أبو عبد الله بن الصفار روى عن سحنون. توفي سنة ست وتسعين ومائتين.
стр. 711
ومن الطبقة السابعة من أهل العراق:
محمد أبو جعفر
ويعرف بالأبهري الصغير تفقه بأبي بكر الأبهري ورحل إلى مصر فتفقه عليه خلق كثير وسمع من أبي زيد المروزي وسماعه من أصل الأصيلي بخطه.
محمد أبو بكر بن الطيب بن محمد القاضي المعروف بالباقلاني
الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة المتكلم على مذهب أهل السنة وأهل الحديث وطريقة أبي الحسن الأشعري إمام وقته من أهل البصرة وسكن بغداد سمع من القطيعي وابن ماشا وغيرهما وإليه انتهت رياسة المالكيين في وقته.
وكان حسن الفقه عظيم الجدل وكانت له بجامع المنصور - ببغداد - حلقة عظيمة وكان ينزل الكرخ وكان مالكياً وحدث عنه أبو ذر.
وكان ورده في كل ليلة عشرين ترويحة ما تركها في حضر ولا سفر وكان إذا قضى ورده جعل الدواة أمامه وكتب خمساً وثلاثين ورقة تصنيفاً
стр. 712
من حفظه وكان الكتب بالمداد أسهل عليه من الكتب بالحبر. وتوفي يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة.
محمد أبو بكر بن خويزمنداد
وهو محمد بن أحمد بن عبد الله ورأيت على كتبه بخطه: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق كنيته أبو عبد الله تفقه على الأبهري وله كتاب كبير في الخلاف وكتاب في أصول الفقه وكتاب في أحكام القرآن وعنده شواذ عن مالك.
وله اختيارات كقوله في أصول الفقه: إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار وإن خبر الواحد يوجب العلم وفي بعض مسائل الفقه حكاية عن مالك في التيمم أنه يرفع الحدث ولم يكن بالجيد النظر ولا قوي الفقه وقد قال فيه الباجي أبو الوليد: لم أسمع له في علماء العراق ذكراً. وكان يجانب الكلام وينافر أهله حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنة ويحكم على الكل منهم بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وتنافرهم ما قال.
стр. 713
ومن أهل الأندلس:
محمد بن يبقى بن زرب
القاضي أبو بكر قرطبي سمع من قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الله بن دليم وطبقتهما وعني بالرأي وتقدم فيه وتفقه عند اللؤلؤي وأبي إبراهيم ونوه به اللؤلؤي وكان بن زرب أحفظ أهل زمانه لمذهب مالك وكان القاضي بن السليم يقول له: لو رآك بن القاسم لعجب منك يا أبا بكر وشوور في أيام القاضي بن السليم فلما مات ولي مكانه قضاء الجماعة سنة سبع وستين وثلاثمائة إلى أن مات.
وإليه كانت الخطبة والصلاة وألف كتاب الخصال في الفقه مشهور على مذهب مالك عارض به كتاب الخصال لابن كابس الحنفي فجاء غاية في الإتقان وله رد على بن مسرة. وكان لا يجلس للقضاء حتى يأكل وكان مأكله طيباً وكان بن أبي عامر يعظمه ويتحرك إليه إذا أتاه ويجلسه على فراشه لم يقبل له بن زرب يداً قط. وتوفي في رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
стр. 714
وفقده الناس وأثنوا عليه ثناء حسناً وأظهر بن أبي عامر لموته غماً شديداً واستدعى ابنه وهو بن ثلاثة أعوام فوصله بثلاثة آلاف دينار وتحف وكتب لورثته كتاباً بالحفظ والإكرام انتفعوا به ورئي في النوم فقيل له: بم انتفعت؟ فقال: ما انتفعت بأكثر من قراءة القرآن. مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن العطار
كان متفنناً في علوم الإسلام عارفاً بالشروط أملى فيها كتاباً عليه عول أهل زماننا اليوم وكان يفضل الفقهاء بمعرفته باللسان والنحو فكان يزري بأصحابه المفتين ويعجب بما عنده إلى أن تمالئوا عليه بالعداوة وحملوا قاضيهم بن زرب على إسقاطه والتسجيل بسخطه بجميع الجراح وأمضاها بن أبي عامر وأمره بالانقباض في داره وقطع شواره فناله مكروه عظيم ثم صرفه بن أبي عامر إلى حاله من الشورى وأفرده في الشورى ما بين العمال والرعية. وتوفي في عقب ذي الحجة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
стр. 715
محمد أبو عبد الله بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين
المري البيري يكنى أبا عبد الله وهو من المفاخر الغرناطية. كان من كبار المحدثين والعلماء والراسخين وأجل أهل وقته قدراً في العلم والرواية والحفظ للرأي والتمييز للحديث والمعرفة باختلاف العلماء متفنناً في العلم والآداب مضطلعاً بالإعراب قارضاً للشعر متصرفاً في حفظ المعاني والأخبار مع النسك والزهد والاستنان بسنن الصالحين أمة في الخير عالماً عاملاً متبتلاً متقشفاً دائم الصلاة والبكاء واعظاً مذكراً بالله فاشي الصدقة معيناً على النائبة مواسياً بجاهه وماله ذا لسان وبيان تصغي إليه الأفئدة ما رئي بعده مثله.
تفقه بقرطبة عند أبي إبراهيم وسمع منه ومن وهب بن مسرة وأحمد بن مطرف وابن الشاط وأبان بن عيسى وغيرهم. وكان من كبار الفقهاء والمحدثين والراسخين في العلم وكان متفنناً في الأدب وله قرض الشعر إلى زهد وورع واقتفاء لآثار السلف.
وكان حسن التأليف مليح التصنيف مفيد الكتب ككتابه في تفسير القرآن والمغرب في المدونة وشرح مشكلها والتفقه في نكت
стр. 716
منها مع تحريه للفظها وضبط لروايتها ليس في مختصراتها مثله باتفاق وكتاب المنتخب في الأحكام الذي ظهرت بركته وطار شرقاً وغرباً ذكره وكتاب المهذب واختصار شرح بن مزين للموطأ وكتاب المشتمل على أصول الوثائق وكتاب مختصر تفسير بن سلام للقرآن وكتاب حياة القلوب في الرقائق والزهد وكتاب أنس المريدين في الزهد وكتاب المواعظ المنظومة في الزهد وكتاب النصائح المنظومة من شعره وكتاب آداب الإسلام وكتاب أصول السنة وكتاب قدوة القارئ وكتاب منتخب الدعاء. وتوفي بإلبيرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
قلت: وزمنين بفتح الزاي المعجمة والميم وكسر النون قاله الذهبي في سير النبلاء وكسر النون ثم ياء ساكنة بعدها نون. والمري: بضم الميم وكسر الراء المهملة المشددة. ووالد محمد بن أبي زمنين من أهل العلم سمع من بن أيمن وابن أبي دليم ونظرائهم. وسمع منه ابنه محمد والقاضي يونس بن مغيث وغيرهم. توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ولمحمد أخ اسمه أبو بكر كان فقيهاً فاضلاً ولي قضاء إلبيرة ولأجله ألف كتاب الأحكام المسمى بالمنتخب.
стр. 717
وتوفي وهو قاض بإلبيرة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. ذكره بن الزبير.
محمد أبو بكر التجيبي الحصار المعروف بالمقبري
قرطبي مشهور هو جد القاضي أبي الوليد الباجي لأمه كان من العلماء الزهاد والفضلاء أخذ ببلده ورحل إلى المشرق فصحب أبا محمد بن أبي زيد واختص به. وكان القاضي بن ذكوان يقدمه على فقهاء وقته وكان الأصيلي يعرف حقه ويثني عليه وله تآليف في الفقه مفيدة وله شرح رسالة أبي محمد شيخه وخرج من الأندلس لأمور جرت له مع فقهائها ومحدثيها إلى العدوة واحتل بسبتة فأخذ عنه بها حمزة بن إسماعيل السيفي وغيره أخذ عنه كتبه وكتب الشيخ أبي محمد ثم عاد إلى الأندلس مستخفياً فورد قرطبة مستتراً فعفا عنه بن أبي عامر ولزم قرطبة ممسكاً لسانه بقية دولتهم. وتوفي بها سنة ست وأربعمائة.
стр. 718
ومن الطبقة الثامنة من أهل إفريقية:
محمد بن سفيان الهواري المقري قيرواني يكنى أبا عبد الله
أخذ عن القابسي ورحل إلى بن غلبون. وكان الغالب عليه علم القرآن قال أبو عمرو الداني: كان ذا فهم وحفظ وعفاف وله في القراءات كتاب الهادي وغيره. روى عنه حاتم والدلائي. توفي بمدينة النبي ﷺ بعد أن حج أول صفر سنة خمس عشرة وأربعمائة.
ومن أهل الأندلس:
محمد أبو عبد الله بن عمر بن يوسف بن بشكوال يعرف بابن الفخار
قرطبي أحفظ الناس وأحضرهم علماً وأسرعهم جواباً وأفقههم على اختلاف العلماء وترجيح المذاهب حافظاً للحديث والأثر مائلاً إلى الحجة والنظر. وكان - أولاً - يميل إلى مذهب الشافعي ثم تركه.
стр. 719
وكان بن الفخار يفضل داود القابسي ويقول - في بعض الأشياء - بقوله ورحل فحج واتسع في الرواية وسكن مدينة النبي ﷺ فشوور بها وكان يفتخر بذلك وكان يحفظ المدونة وينصها من حفظه وكان يحفظ النوادر لابن أبي زيد ويوردها من صدره وهو آخر الفقهاء الحفاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنة بالأندلس. وكان مجاب الدعوة. ذكر ذلك صاحب الصلة.
وله اختصار في نوادر أبي محمد ورد عليه في بعض ذلك من مسائله واختصاره المبسوط لا بأس به ورد على أبي محمد في رسالته رداً تعسف عليه فبه في كتاب سماه التبصرة ورد على بن العطار في وثائقه.
وكانت له مذاهب أخذ بها في خاصة نفسه خالف فيها أهل قطره فكان يصلي الأشفاع خمساً ويعجل صلاة العصر شديداً ولا يرى غسل الذكر كله من المذي وكانت له دعوات مستجابة وأعمال من البر صالحة ومر على قرطبة عند دخول البربر فيها إذ كانوا قد نذروا دمه إذ كان أحد المشردين عنهم وتردد بجهة الثغر وألقى عصاه ببلنسية فأقام بها مطاعاً إلى أن مات بها لتسع خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربعمائة.
стр. 720
محمد أبو عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحذاء التميمي
هكذا نسبهم الحذاء بالذال المعجمة وكانوا يأبون ذلك ويقولون بالدال المهملة وكان جدهم أمير يوم مرج راهط فكان صدراً في موالي بني أمية وهو الداخل إلى الأندلس من الشام وكان بنوه ذوي رفاهية في أعمال السلطان بالأندلس وكان أبو عبد الله هذا حافظاً للرأي متفنناً في الأدب مميزاً للحديث ورجاله مرسلاً بليغاً عارفاً بالوثائق وكان خطيباً ومعبراً وغلب عليه الحديث.
لقي جماعة من الشيوخ: بن زرب وابن بطال وابن السليم والأنطاكي وابن عون الله والقلعي وغيرهم ثم رحل فلقي بن أبي زيد بالقيروان وتفقه معه جماعة وحمل عنه تآليفه ولقي بمصر النعالي والجوهري وعبد الغني وغيرهم ثم رجع إلى الأندلس فلازم الأصيلي وارتفعت درجته معه وولاه السلطان خطة الوثائق والشورى والقضاء بجهات بلنسية وغيرها ولحقته فتنة البرابر فخرج إلى ثغر الأندلس فولي القضاء بتطيلة ثم استوطن سرقسطة حتى مات بها.
له شرح في الموطأ سماه كتاب الاستنباط لمعاني السنن والأحكام من أحاديث الموطأ ثمانون جزءاً وكتاب التعريف برجال الموطأ أربعة أسفار وكتاب البشرى في عبارة الرؤيا عشرة أسفار وشرح كتاب
стр. 721
الكرماني خمسة عشر جزءاً وكتاب الإنباء على أسماء الله تعالى. وكتاب الخطب والخطباء في سفرين. توفي سنة عشر وأربعمائة مولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
ومن الطبقة التاسعة من أهل المشرق:
محمد أبو الفضل بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس البزاز
بغدادي إمام فاضل درس على القاضي أبي الحسن بن القصار والقاضي بن نصر وكان من حفاظ القرآن ومدرسيه وإليه انتهت الفتيا في الفقه على مذهب مالك في زمانه ببغداد وكان القاضي الدامغاني يجيز شهادته.
كان فقيهاً أصولياً وله تعليق حسن مشهور في الخلاف ودرس عليه القاضي أبو الوليد الباجي ببغداد وحدث عنه هو وأبو بكر الخطيب. توفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
стр. 722
ومن الطبقة العاشرة من أهل إفريقية:
محمد أبو عبد الله بن سعدون بن علي
قروي تفقه بالقيروان وسمع من شيوخها كابن الأجدابي وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي علي الزيات والبوني واللبيدي وغيرهم ثم حج فسمع بمكة من المطوعي وسمع بمصر من بن أبي ربيعة وأبي الطبال.
وكان فقيهاً حافظاً للمسائل نظاراً على مذهب القرويين كمل التعليق للتونسي على المدونة واشتغل بالتجارة فطاف بلاد المغرب والأندلس ولم تكن له أصول. سمع منه الناس كثيراً فمنهم أبو علي الجبائي وأبو بحر وابنا مفوز وسمع منه أهل سبتة: القاضي أبو عبد الله بن عيسى التميمي وأبو علي النحوي وغيرهما وله تآليف في ذم بني عبيد الله وأفعالهم القبيحة بالقيروان وغيرها.
стр. 723
محمد القاضي أبو عبد الله بن خلف بن سعيد المعروف بابن المرابط المري
فقيه بلده ومفتيه ولي قضاء مندة كان من أهل الفقه والفضل والتفنن سمع أبا القاسم المهلب وأجازه أبو عمر الطلمنكي وله في شرح البخاري كتاب كبير حسن ورحل إليه الناس وسمعوا منه فمنهم القاضي أبو عبد الله التميمي والقاضي أبو علي الحافظ والفقيه أبو محمد بن أبي جعفر. توفي بالمدينة بعد الثمانين وأربعمائة.
محمد أبو بكر بن عبد الله بن يونس
تميمي صقلي كان فقيهاً إماماً فرضياً أخذ عن أبي الحسن الحصائري القاضي وعتيق بن الفرضي وابن أبي العباس وكان ملازماً للجهاد موصوفاً بالنجدة وألف كتاباً في الفرائض وكتاباً جامعاً للمدونة أضاف إليها غيرها من الأمهات وعليه اعتماد طلبة العلم للمذاكرة.
стр. 724
وأول من أدخله سبتة: الشيخ أبو عبد الله: محمد بن خطاب فانتسخه منه القاضي أبو عبد الله: محمد بن عيسى التميمي وكان يعرف به في مجلسه حتى كثر عند الناس وتوفي في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وقيل في أول العشر الأواخر من ربيع الآخر من السنة المذكورة.
ومن أهل الأندلس:
محمد أبو عبد الله بن عتاب
قرطبي شيخ المفتين بها في هذه الطبقة تفقه بابن الفخار وابن الأصبغ القرشي والقاضي بن بشير: صحبه أزيد من اثني عشر عاماً وكتب له في مدة قضائه وروى عن القنازعي وابن حوبيل وابن الحداد وأبي محمد بن بنوش وسعيد بن رشيق وسعيد بن سلمة والشنتجالي والطلمنكي وأبي محمد: مكي والقاضي يونس وخلف بن يحيى الطليطلي والخطيب بن الحديدي وأحمد بن ثابت الواسطي ومحمد بن عمر بن عبد الوارث وأجازه أبو ذر ولم تكن له رحلة من الأندلس. تفقه به الأندلسيون وسمعوا منه.
قال أبو علي الجياني: كان أبو عبد الله من جلة الفقهاء وأحد العلماء الأثبات وممن عني بسماع الحديث دهره فقيده وأثبته وتقدم في المعرفة بالأحكام وعقد الشروط وعللها.
стр. 725
وكان على سنن أهل الفضل جزل الرأي حصيف العقل على منهاج السلف المتقدم وكان متواضعاً يتصرف راجلاً ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه ويتولى شراء حوائجه بنفسه فإذا لقيه أحد ممن يكرمه من طلبته وغيرهم وسأله أن يكفيه حملها يقول: لا الذي يأكلها يحملها.
وطلب لقضاء أمصار فامتنع ورامه بن جهور على قضاء قرطبة فأبى وحلف. توفي في ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وأربعمائة وقد نيف على الثمانين.
ومن الطبقة الحادية عشرة من أهل الأندلس:
محمد أبو عبد الله بن فرج
مولى بن الطلاع شيخ الفقهاء في عصره وأسن من بقي في وقته. سمع من يونس بن مغيث ومكي المقري وابن عابد وابن جهور
стр. 726
والطرابلسي وتفقه عند بن القطان وابن جوح.
وكان شيخاً فاضلاً فصيحاً وكان قوالاً بالحق شديداً على أهل البدع غير هيوب للأمراء شوور عند موت بن القطان ونفذ قوله إلى أن دخل قرطبة المرابطون فأسقط عن الفتيا لتعصبه عليهم مع العبادة فلم يستفت إلى أن مات.
سمع منه عالم عظيم ورحل إليه الناس من كل قطر لسماع الموطأ والمدونة لعلوه في ذلك سمع منه من شيوخ قرطبة: الفقيه أبو الوليد: هشام بن أحمد وحدث عنه القاضي أبو عبد الله بن عيسى واستجازه القاضي أبو علي الصدفي وألف كتاب أحكام النبي ﷺ وكتاب الشروط وأخرج زوائد أبي محمد في المختصر وألف مختصر أبي محمد على الولاء. توفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
محمد أبو عبد الله بن سليمان بن خليفة
ولي قضاء بلده وكان من أهل العلم والنظر وألف كتابه في شرح الموطأ سماه كتاب المحلى عرض على الفقيه أبي المطرف الشعبي فأمر أن يجعل
стр. 727
على الحا نقطة من فوق ولم ينفق هذا الكتاب عند الناس ولا وقع منهم باستحسان. روى عنه أبو إسحاق. وكان من أهل العلم وولي الشورى بإشبيلية ثم أسقط عنها. وتوفي أبو عبد الله سنة خمسمائة.
ومن الطبقة الثالثة عشرة من أهل الأندلس:
محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري المعروف بالطرطوشي ومنها أصله
يكنى أبا بكر ويعرف بابن أبي رندقة براء مهملة مضمومة ونون ساكنة ودال مهملة وقاف مفتوحتين. نشأ بالأندلس ببلده طرطوشة ثم تحول لغيرها من بلاد الأندلس وصحب القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وكان يميل إليها وتفقه عليه وسمع منه وأجاز له ثم رحل إلى المشرق وحج فدخل بغداد والبصرة وتفقه عند أبي بكر الشاشي وابن المعيد المتولي
стр. 728
وأبي سعيد الجرجاني وغيرهم من أئمة الشافعية وسمع بالبصرة من أبي علي التستري وسكن الشام مدة ودرس بها ولازم الانقباض والقناعة وبعد صيته هناك وأخذ عنه الناس هناك علماً كثيراً وكان إماماً عالماً زاهداً ورعاً ديناً متواضعاً متقشفاً متقللاً من الدنيا راضياً باليسير منها.
وتقدم في الفقه مذهباً وخلافاً وكان بعض الجلة من الصالحين هناك يقول: الذي عند أبي بكر من العلم هو الذي عند الناس والذي عنده مما ليس مثله عند غيره دينه.
وكانت له - رحمه الله تعالى - نفس أبية قيل إنه كان ببيت المقدس يطبخ في شقفة وكان مجانباً للسلطان معرضاً عنه وعن أصحابه شديداً عليهم مع مبالغتهم في بره وامتحن في دولة العبيديين بالإخراج من الإسكندرية والتزم الفسطاط ومنع الناس من الأخذ عنه.
ثم شرح وألف تآليف حساناً منها: تعليقه في مسائل الخلاف وفي أصول الفقه وكتابه في البدع والمحدثات وفي بر الوالدين وغير ذلك وممن أخذ عنه بالإجازة: القاضي أبو الفضل: عياض كتب إليه يجيزه بجميع رواياته ومصنفاته. وحكي عنه أنه تزوج بالإسكندرية امرأة موسرة حسنت حاله بها ووهبت له دار لها سرية وصير موضع سكناه معها علوها وأباح قاعتها
стр. 729
وسفلها للطلبة فجعلها مدرسة ولازم التدريس. وتفقه عنده جماعة من الإسكندرانيين.
ومن الوفيات أن الشيخ أبا بكر لما طلب إلى مصر أنزله الأفضل وزير العبيدي في مسجد بالقرب من الرصد وكان الشيخ يكرهه فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه: إلى متى نصبر؟ اجمع لي المباح من الأرض فجمع له فأكله ثلاثة أيام فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً وصنف له كتاب سراج الملوك وهو حسن في بابه.
قلت: ومن مشيخته أبو عبد الله: محمد بن عبد الرحمن بن علي التجيبي بن ظافر بن عطية بن مولاهم بن فائد اللخمي الإسكندراني أحد شيوخ أبي عبد الله التجيبي.
كان تلميذاً للإمام أبي بكر الطرطوشي وخديماً له متصرفاً له في حوائجه ملازماً خدمة داره وذكر أن الطرطوشي كان صاحب نزهة مع طلبته في أكثر الأوقات يخرج معهم إلى البستان فيقيمون الأيام المتوالية في فرجة ومذاكرة ومداعبة مما لا يقدح في حق الطلبة بل يدل على فضلهم وسلامة صدورهم.
قال: وخرجنا معه في بعض النزه فكنا ثلاثمائة وستين رجلاً لكثرة الآخذين عنه المحبين في صحبته وخدمته وهذا من جملة ما رفعه عنه القاضي بن حديد إلى العبيدي ووشى به إليه في أمور غيرها.
стр. 730
وكان الطرطوشي يذكر بني حديد ذكراً قبيحاً لما كانوا عليه من أخذ المكوسات والمعونة على المظالم.
وكان يفتي بتحريم الجبن الذي يأتي به النصارى ويفتي بقطع محرمات كثيرة فخاطب بذلك بنو حديد وذكروه للسلطان فأرسل إليه الأفضل وزير خليفة مصر وهو من العبيدية فقال له الرسول: يسر حوائجك فإنك تمشي يوم كذا. فقال له: وأي حوائج؟ معي ريشي رياشي وطعامي في حوصلتي؟.
ثم مشى إلى الأفضل فلما اجتمع به أكرمه وصرفه صرفاً حسناً وجعل له عشرة دنانير في كل شهر يأخذها من جزية اليهود - بعد الرغبة إليه في ذلك.
وذكر أبو الطاهر بن عون الزهري: أن الطرطوشي كان نزوله بالإسكندرية ثم باشر قتل الأمير بها علماءها فوجد البلد عاطلاً عن العلم فأقام بها وبث علماً جماً وكان يقول: إن سألني الله تعالى عن المقام بالإسكندرية - لما كانت عليه في أيام الشيعة العبيدية من ترك إقامة الجمعة ومن غير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم - أقول له: وجدت قوماً ضلالاً فكنت سبب هدايتهم. قال أبو الطاهر: وأنشدني أبو بكر الطرطوشي لنفسه:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بإنجازها مغرم
فأرسل بأكمه خلابة ... به صمم أغطش أبكم
ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم
стр. 731
قال بن خلكان: الطرطوشي بضم الطاءين المهملتين بينهما راء مهملة ساكنة وبعد الطاء الثانية واو ساكنة وشين معجمة.
هذه النسبة: لطرطوشة وهي مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر وهي في شرق الأندلس ورندقة تقدم ضبطها وهي لفظة فرنجية سألت بعض الإفرنج عنها فقال: معناها رد تعال. توفي رحمه الله تعالى بالإسكندرية في شهر شعبان سنة عشرين وخمسمائة قال الذهبي في كتاب العبر في ذكر من غبر: عاش أبو بكر سبعين سنة وتوفي في جمادى الأولى والله أعلم بالصواب.
محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المالكي يكنى أبا الوليد
قرطبي زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ومقدمهم المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه. وكان إليه المفزع في المشكلات بصيراً بالأصول والفروع والفرائض والتفنن في العلوم. وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية كثير التصانيف مطبوعها.
ألف كتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل وهو كتاب عظيم نيف على عشرين مجلداً وكتاب المقدمات لأوائل كتب
стр. 732
المدونة واختصاراً لكتب المبسوطة من تأليف يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى وتهذيبه لكتب الطحاوي في مشكل الآثار وأجزاء كثيرة في فنون من العلم مختلفة.
وكان مطبوعاً في هذا الباب حسن العلم والرواية كثير الدين كثير الحياء قليل الكلام مسمتاً نزهاً مقدماً عند أمير المسلمين عظيم المنزلة معتمداً في العظائم أيام حياته.
ولي قضاء الجماعة بقرطبة سنة إحدى عشرة وخمسمائة ثم استعفى منها سنة خمس عشرة أثر الهيج الكائن بها من العامة وأعفي وزاد جلالة ومنزلة. وكان صاحب الصلاة أيضاً في المسجد الجامع وإليه كانت الرحلة للتفقه من أقطار الأندلس مدة حياته. كان قد تفقه بأبي جعفر بن رزق وعليه اعتماده وبنظرائه من فقهاء بلده وسمع الجياني وأبا عبد الله بن فرج وأبا مروان بن سراج وابن أبي العافية الجوهري وأجاز له العذري.
وممن أخذ عن القاضي أبي الوليد المذكور ﵁: القاضي الجليل أبو الفضل: عياض رحمه الله تعالى. قال في الغنية - له - جالسته كثيراً وسألته واستفدت منه. وكان القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى يصوم يوم الجمعة دائماً في الحضر والسفر.
стр. 733
توفي ﵀ ليلة الأحد ودفن عشية الحادي عشر لذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة ودفن بمقبرة العباس وصلى عليه ابنه القاسم وشهده جمع عظيم من الناس وكان الثناء عليه حسناً جميلاً. ومولده في شوال سنة خمس وأربعمائة.
ومن الطبقة الأخرى من أهل إفريقية:
محمد بن علي بن عمر التميمي المازري يكنى أبا عبد الله ويعرف بالإمام
نزل المهدية من بلاد إفريقية. أصله من مازر: مدينة في جزيرة صقلية على ساحل البحر وإليها نسب جماعة منهم: أبو عبد الله. هو إمام أهل إفريقية وما وراءها من المغرب وصار الإمام لقباً له رضي الله تعالى عنه فلا يعرف بغير الإمام المازري. ويحكى عنه أنه رأى في ذلك رؤيا: رأى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله أحق ما يدعونني برأيهم يدعونني بالإمام؟ فقال: أوسع الله صدرك للفتيا.
стр. 734
وكان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر.
أخذ عن اللخمي وأبي محمد: عبد الحميد السوسي وغيرهما من شيوخ إفريقية ودرس أصول الفقه والدين وتقدم في ذلك فجاء سابقاً لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض في وقته أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم وسمع الحديث وطالع معانيه واطلع على علوم كثيرة من الطب والحساب والأدب وغير ذلك فكان أحد رجال الكمال في وقته في العلم وإليه كان يفزع في الفتوى في الطلب في بلده كما يفزع إليه في الفتيا في الفقه.
يحكى أن سبب قراءته للطب ونظره فيه: أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له اليهودي يوماً يا سيدي مثلى بطب مثلكم؟ وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين؟ فمن حينئذ نظر في الطب. وكان رحمه الله تعالى حسن الخلق مليح المجلس أنيسه كثير الحكايات وإنشاد قطع الشعر وكان قلمه في العلم أبلغ من لسانه.
وألف في الفقه والأصول وشرح كتاب مسلم وكتاب التلقين للقاضي أبي محمد: عبد الوهاب وليس للمالكية كتاب مثله ولم يبلغنا أنه أكمله وشرح البرهان لأبي المعالي الجويني وسماه: إيضاح المحصول من برهان الأصول.
وذكر الشيخ الحافظ النحوي أبو العباس: أحمد بن الفهري اللبلي في مشيخة شيخه التجيبي: أن من شيوخه أبا عبد الله المازري وأن من تآليفه
стр. 735
عقيدته التي سماها: نظم الفرائد في علم العقائد وألف غير ذلك.
وممن أخذ عنه بالإجازة: القاضي أبو الفضل: عياض رحمه الله تعالى كتب له من المهدية يجيز له كتابه المسمى بالعلم في شرح مسلم وغيره من تآليفه وتوفي الإمام رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وخمسمائة وقد نيف على الثمانين.
قال الذهبي: توفي في ربيع الأول وله ثلاث وثمانون سنة. ومازر بفتح الزاي وكسرها: بليدة بجزيرة صقلية وليس هذا الإمام المذكور بشارح الإرشاد المسمى بالمعاد إذ ذاك رجل آخر نزيل الإسكندرية يعرف أيضاً بالمازري والله موفقنا ونعم الوكيل.
ومن أهل الأندلس:
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري
من أهل إشبيلية يكنى أبا بكر الإمام العلامة الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها وأبوه أبو محمد من فقهاء بلده إشبيلية ورؤسائها. سمع ببلده من أبي عبد الله بن منظور وأبي محمد بن خزرج وبقرطبة من أبي عبد الله: محمد بن عتاب وأبي مروان بن سراج وحصلت له عند
стр. 736
العبادية أصحاب إشبيلية رياسة ومكانة فلما انقضت دولتهم خرج إلى الحج مع ابنه القاضي أبي بكر يوم الأحد مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وسن القاضي أبو بكر إذ ذاك نحو سبعة عشر عاماً وكان القاضي قد تأدب ببلده وقرأ القراءات فلقي بمصر أبا الحسن الخلعي وأبا الحسن بن مشرف ومهدياً الوراق وأبا الحسن بن داود الفارسي ولقي بالشام أبا نصر المقدسي وأبا سعيد الزنجاني وأبا حامد الغزالي وأبا سعيد الرهاوي وأبا القاسم بن أبي الحسن المقدسي والإمام أبا بكر الطرطوشي وأبا محمد: هبة الله بن أحمد الأكفاني وأبا الفضل بن الفرات الدمشقي ودخل بغداد وسمع بها من أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي المعروف بابن الطيوري ومن أبي الحسن: علي بن أيوب البزازي بزايين معجمتين ومن أبي بكر بن طرخان ومن النقيب الشريف أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي وجعفر بن أحمد السراج وأبي الحسن بن عبد القادر وأبي زكريا التبريزي وأبي المعالي: ثابت بن بندار الحمامي - بتخفيف الميم في آخرين.
وحج في موسم سنة تسع وثمانين وسمع بمكة من أبي علي: الحسين بن علي الطبري وغيره ثم عاد إلى بغداد ثانية وصحب أبا بكر الشاشي وأبا حامد الطوسي وأبا بكر الطرطوشي وغيرهم من العلماء والأدباء فدرس عندهم الفقه والأصول وقيد الحديث واتسع في الرواية وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن من هؤلاء وغيرهم ثم صدر عن بغداد إلى الأندلس فأقام بالإسكندرية عند أبي بكر الطرطوشي فمات أبوه بها أول سنة ثلاث وتسعين.
стр. 737
ثم انصرف هو إلى الأندلس سنة خمس وتسعين وقدم بلده إشبيلية: بعلم كثير لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق.
وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع له متقدماً في المعارف كلها متكلماً في أنواعها نافذاً في جميعها حريصاً على أدائها ونشرها ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود: فسكن بلده وشوور فيه وسمع ودرس الفقه والأصول وجلس للوعظ والتفسير ورحل إليه للسماع وصنف في غير فن تصانيف مليحة كثيرة حسنة مفيدة منها: أحكام القرآن كتاب حسن وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك وكتاب القبس على موطأ مالك بن أنس وعارضة الأحوذي على كتاب الترمذي والقواصم والعواصم والمحصول في أصول الفقه وسراج المريدين وسراج المهتدين وكتاب المتوسط وكتاب المتكلمين.
وله تأليف في حديث أم زرع وكتاب الناسخ والمنسوخ وتخليص التلخيص وكتاب القانون في تفسير القرآن العزيز وله غير ذلك من التآليف. وقال في كتاب القبس: إنه ألف كتابه المسمى: أنوار الفجر في تفسير القرآن في عشرين سنة ثمانين ألف ورقة وتفرقت بأيدي الناس.
قلت: وأخبرني الشيخ الصالح أبو الربيع: سليمان بن عبد الرحمن البورغواطي في سنة إحدى وستين وسبعمائة بالمدينة النبوية قال: أخبرني
стр. 738
الشيخ الصالح يوسف الحزام المغربي بالإسكندرية في سنة ستين وسبعمائة قال: رأيت تأليف القاضي أبي بكر بن العربي في تفسير القرآن المسمى أنوار الفجر كاملاً في خزانة السلطان الملك العادل أمير المسلمين أبي عنان: فارس بن السلطان أمير المسلمين أبي الحسن: علي بن السلطان أمير المسلمين أبي سعيد: عثمان بن يوسف بن عبد الحق.
وكان السلطان أبو عنان إذ ذاك بمدينة مراكش وكانت له خزانة كتب يحملها معه في الأسفار وكنت أخدمه مع جماعة في حزم الكتب ورفعها فعددت أسفار هذا الكتاب فبلغت عدتها ثمانين مجلداً. ولم ينقص من الكتاب المذكور شيء.
قال أبو الربيع: وهذا المخبر يعني يوسف: ثقة صدوق رجل صالح كان يأكل من كده.
قلت: قال بن خلكان في كتاب الوفيات في معنى عارضة الأحوذي العارضة: القدرة على الكلام والأحوذي: الخفيف في الشيء لحذقه.
وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه شيء منها.
والأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وفي آخره ياء مشددة.
قال القاضي عياض: واستقضي ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة وتؤثر عنه
стр. 739
في قضائه أحكام غريبة ثم صرف من القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه. وذكر أنه ولي قضاء حلب.
وكان رحمه الله تعالى فصيحاً أديباً شاعراً كثير الخبر مليح المجلس وممن أخذ عنه في اجتيازه لسبتة القاضي أبو الفضل: عياض ولقيه أيضاً بإشبيلية وبقرطبة فناوله وكتب عنه واستفاد منه. وتوفي رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة منصرفه من مراكش وحمل ميتاً إلى مدينة فاس ودفن بها بباب الجيسة والصحيح خارج باب المحروقي من فاس. ومولده ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة.
ومن كتاب الصلة تصنيف الشيخ الفقيه المحدث الثقة أبي القاسم بن بشكوال:
محمد بن أحمد بن بدر الصدفي من أهل طليطلة يكنى أبا عبد الله
روى عن أبي إسحاق: إبراهيم بن محمد بن حسين وأبي جعفر بن ميمون وعبد الله بن ذنين وأبي محمد بن عباس والتبريزي والمنذر بن المنذر وغيرهم.
стр. 740
وكان مقدماً في فقهاء طليطلة وحافظاً للمسائل جامعاً للعلم كثير العناية به وقوراً عالماً عاقلاً متواضعاً وكان يتخير للقراءة على الشيوخ لفصاحته ونهضته وقد قرأ الموطأ على المنذر بن المنذر في يوم واحد. وكان أكثر كتبه بخطه وتوفي في رجب سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
ومن كتاب التكملة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالأبار:
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد الشهير بالحفيد
من أهل قرطبة وقاضي الجماعة بها يكنى أبا الوليد روى عن أبيه أبي القاسم استظهر عليه الموطأ حفظاً وأخذ الفقه عن أبي القاسم بن بشكوال وأبي مروان بن مسرة وأبي بكر بن سمحون وأبي جعفر بن عبد العزيز وأبي عبد الله المازري. وأخذ علم الطب عن أبي مروان بن جزيول البلنسي وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية ودرس الفقه الأصول وعلم الكلام ولم ينشأ بالأندلس مثله: كمالاً وعلماً وفضلاً.
следующие страницы →