Полный текст (858 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقد جمع الرواة عنه غير واحد وبلغ بهم بعضهم - في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم - ألف راو واجتمع من مجموعهم زائد على ألف وثلاثمائة. وتدل كثرة القصد له على كونه أعلم أهل وقته وهو الحال والصفة التي أنذر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ولذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث وعد هذا الخبر من معجزاته ﷺ . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: إنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي ونحن ندعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم قال: " عالم المدينة " أو " إمام دار الهجرة " فالمراد به مالك دون غيره من علمائها كما إذا قيل: قال الكوفي فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة.
стр. 72
قال القاضي أبو الفضل عياض رضى الله عنه: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: تأويل السلف أن المراد به مالك وما كانوا ليقولوا ذلك إلا من تحقيق.
الوجه الثاني: أنك إذا اعتبرت ما أوردناه ونورده من شهادة السلف الصالح له وإجماعهم على تقديمه ظهر أنه المراد بذلك إذ لم تحصل بالأوصاف التي فيه لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه.
الوجه الثالث: هو ما نبه عليه بعض الشيوخ من أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من مشرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك.
فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ... من غير أن يجدوا آثار إحسان
الترجيح الثاني في هذا الفصل النقلي: والمعتمد فيه مجرد تقليد السالف وأئمة المسلمين والاعتراف لمالك بأنه أعلم
стр. 73
أهل وقته وإمامه وتقليدهم إياه وإقتداؤهم به على رسوخ كثير منهم في العلم وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره. وسنورد هنا لمعاً من ذلك تومئ إلى ما وراءها.
قال بن هرمز: شيخه: إنه عالم الناس.
وقال سفيان بن عيينة - لما بلغته وفاته - ما ترك على الأرض مثله.
وقال: مالك إمام ومالك عالم أهل الحجاز ومالك حجة في زمانه ومالك سراج الأمة وما نحن ومالك؟ وإنما كنا نتبع آثار مالك؟.
وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكاً حجة بيني وبين الله وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته.
وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك والليث وسفيان بن عيينة.
وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عال العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين. وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية من مالك.
стр. 74
وقدمه بن حنبل على الأوزاعي والثوري والليث وحماد والحكم في العلم وقال: هو إمام في الحديث والفقه. وسئل عمن يريد أن يكتب الحديث وينظر في الفقه: حديث من يكتب وفي رأي من ينظر؟ فقال: حديث مالك ورأي مالك؟.
وقال بن معين: مالك من حجج الله تعالى على خلقه إمام من أئمة المسلمين مجتمع على فضله. وقال حميد بن الأسود: كان إمام الناس عندنا بعد عمر - رضى الله عنه - زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر رضى الله عنهما.
قال على بن المديني وأخذ على زيد ممن كان يتبع رأيه أحد وعشرون رجلاً ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة بن شهاب وبكير بن عبد الله وأبي الزناد. ثم صار علم هؤلاء كلهم إلى مالك. وقال حميد أيضاً: ما تقلد أهل المدينة بعد زيد بن ثابت وبعد عبد الله بن عمر ﵃ كما تقلدوا قول مالك.
وقد اعترف له بالإمامة يحيى بن سعيد: شيخه والأوزاعي والليث.
стр. 75
وابن المبارك. وجماعة من هذا النمط ومن بعدهم كالبخاري وابن عبد الحكم وأبي زرعة الرازي. ومن لا يعد كثرة.
وقال عتيق بن يعقوب: ما أجتمع على أحد بالمدينة بعد موت النبي ﷺ إلا على أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ومات مالك وما نعلم أحداً من أهل المدينة إلا أجمع عليه.
стр. 76
الفصل الثاني:
في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر
وفي ذلك اعتبارات: الاعتبار الأول: جمعه لدرجات الاجتهاد في علوم الشريعة من كتب السنة. ومسائل الاتفاق والاختلاف. وهذا مما لا ينكره موافق ولا مخالف إلا من طبع على قلبه التعصب.
وأنه القدوة في السنن وأول من ألف فأجاد ورتب الكتب والأبواب وضم الأشكال وأول من تكلم في الغريب من الحديث وشرح في الموطأ كثيراً منه فقد قال الأصمعي: أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك.
وله في تفسير القرآن كلام كثير قد جمع وتفسير مروي: وقد جمع أبو محمد مكي مصنفاً فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه. مع تجويده له. وضبطه حروفه وروايته عن نافع.
قال البهلول بن راشد: ما رأيت أسرع بياناً من كلام مالك بن أنس مع معرفته بالمعمول به من الحديث والمتروك وميزه للرجال. وصحة حفظه. إلى ما يؤثر عنه من الأخذ في سائر العلوم كرسالته إلى بن وهب
стр. 77
في الرد على أهل الأهواء وكقوله جالست بن هرمز ثلاث عشرة سنة. ويروي ست عشرة سنة. في علم لم أبثه لأحد من الناس.
وتأليفه في الأوقات والنجوم وإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها. وغيره ممن ذكرنا لم يجمع هذا الجمع.
أما أبو حنيفة والشافعي فمسلم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه لكن ليس لهما إمامة في الحديث وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة. وهؤلاء أهل الحديث لم يخرجوا عنهما منه حرفاً ولا لهما في أكثر مصنفاته ذكر. وإن كان الشافعي متبعاً للحديث ومفتشاً عن السنن لكن بتقليد غيره. وقد كان يقول لابن مهدي وابن حنبل: أنتما أعلم بالحديث مني فما صح عندكما منه فعرفاني به. ولا سبيل إلى إنكار إمامتهما في الفقه.
وللشافعي في تقرير الأصول. وترتيب الأدلة ما لم يسبقه إليه من قبله. وكان الناس عليه فيه عيالاً من بعده مع التفنن في علم لسان العرب وكل ميسر لما خلق له.
стр. 78
كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه مع أن داود نهج اتباع الظاهر ونفى القياس فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة رضى الله عنهم فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المئتين.
وليس تقصير من قصر منهم في فن بالذي يسقط رتبته عن الآخر ولكل واحد منهم من المناقب والفضائل ما حشيت به الصحف لكن نقص ركن من أكان الاجتهاد يخل به على كل حال.
الاعتبار الثاني:
الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على الجملة في علمهم إذ تخصيصه في آحاد النوازل لا يدرك صوابه إلا المستقل بالعلم. وحسب المبتدئ أن يلوح له بتلويح يفهمه وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم ترتيبها على ما يوجب العقل ويشهد له الشرع: - تقديم كتاب الله على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه. ثم ظواهره. ثم مفهوماته.
стр. 79
- ثم كذلك السنة على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها.
- ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة.
- وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك متواتر السنة وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله.
- ثم الظواهر.
- ثم المفهوم في دخول الاحتمال في معناها.
- ثم أخبار الآحاد - عند عدم الكتاب - والمتواتر منها. وهي مقدمة على القياس لاجماع الصحابة رضى الله عنهم علي الأصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك.
- ثم القياس آخراً عند عدم هذه الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلى مذاهبهم أجمعين.
وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم في الفقه واجتهادهم
стр. 80
في الشرع وجدت مالكاً ﵀ ناهجاً في هذه الأصول مناهجها مرتباً لها مراتبها ومداركها مقدماً كتاب الله على الآثار. ثم مقدماً لها علي القياس والاعتبار. تاركاً منها ما لم يتحمله الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ثم كان من وقوفه في المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالح. وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضين.
стр. 81
[ترجمة مالك]
باب
في نسب مالك
حكى الزبير بن بكار عم إسماعيل بن أبي أويس: أنه الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح.
كذا هو غيمان بالغين المعجمة مفتوحة والياء باثنتين من أسفل ساكنة ذكره غير واحد. وكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا وحكاه عن إسماعيل بن أبي أويس.
وخثيل بالخاء المعجمة مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة وياء باثنتين من أسفل ساكنة. كذا قيده الأمير أبو نصر وحكاه عن محمد بن سعيد عن أبي بكر بن أبي أويس.
وقال أبو الحسن الدارقطني: جثيل بالجيم وحكاه عن الزبير. وأما من قال عثمان بن حسل أو بن حنبل فقد صحف. وأما ذو أصبح فقد اختلف في نسبه اختلافاً كثيراً ولا خلاف أنه من ولد قحطان.
стр. 82
قال القاضي أبو الفضل: لم يختلف علماء النسب في نسب مالك هذا واتصاله بذي أصبح إلا ما ذكر عن أبي إسحاق وبعضهم من أنه مولى لبني تيم وهو وهم له سبب وذلك لما كان بين سلفه وبينهم من حلف على الأشهر من صهر أو منهما جميعاً.
قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم أن أحداً أنكر أن مالك بن أنس ومن ولده كانوا حلفاء لبني تيم بن مرة ولا خلاف فيه إلا ما ذكر عن بن إسحاق أنه من مواليهم.
قال: وروي عن بن شهاب أنه قال: حدثني نافع بن مالك: مولى التيميين وهذا عندنا لا يصح عن بن شهاب. قال القاضي أبو الفضل: قول بن شهاب هذا في صحيح البخاري أول كتاب الصيام وتصرف المولى في لسان العرب بمعنى الحلف والتناصر معروف فلعله ما أراد بن شهاب وكذلك قال عبد الملك بن صالح: مالك من ذي أصبح مولى لقريش. وقال الزبير بن بكار: عداده في بني تيم بن مرة.
وروي عن مالك أنه لما بلغه قول بن شهاب هذا قال: ليته لم يرو عنه شيئاً.
стр. 83
قال أبو سهيل - عم مالك: نحن قوم من ذي أصبح قدم جدنا المدينة فتزوج في التيميين فكان معهم ونسبنا إليهم.
وقال الربيع بن مالك: أخو أبي سهيل عن أبيه: قال لي عبد الرحمن بن أخي طلحة ونحن بطريق مكة: يا مالك هل لك إلى ما دعانا إليه غيرك فأبيناه؟ أن يكون دمنا دمك وهدمنا هدمك ما بل بحر صوفة؟ فأجبته إلى ذلك.
وقد روي عنه أنه لم يجبه وقال له: لا حاجة لي به والأول أصح وأشهر والآثار في هذه كثيرة متشعبة.
وأما أمه: فقال الزبير هي العالية بنت شريك بن عبد الرحمن بن شريك الأزدية. وقال بن عائشة: إنها طليحة مولاة عبد الله بن معمر. وقد قال بن عمران التميمي القاضي:
ما بيننا وبينه نسب إلا أن أمه مولاة لعمي عثمان بن عبد الله - والله أعلم.
стр. 84
باب
ذكر آله وبنيه
ذكر القاضي بكر بن العلاء القشيري أن أبا عامر بن عمرو: جد أبي مالك ﵀ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: وشهد المغازي كلها مع النبي ﷺ خلا بدراً.
وابنه مالك جد مالك كنيته أبو أنس من كبار التابعين. ذكره غير واحد يروي عن عمر وطلحة وعائشة وأبي هريرة وحسان بن ثابت رضى الله عنهم.
وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان رضى الله عنه ليلاً إلى قبره وغسلوه ودفنوه وكان خدناً لطلحة يروي عنه بنوه أنس وأبو سهل: نافع والربيع. مات سنة اثنتي عشرة ومائة.
وذكر أبو محمد الضراب أن عثمان رضى الله عنه أغزاه أفريقية ففتحها. وروى التستري: محمد بن أحمد القاضي أنه كان ممن يكتب المصاحف حين جمع عثمان رضى الله عنه المصاحف.
стр. 85
وكان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه يستشيره وقد ذكر ذلك مالك في جامع موطئه.
قال أبو إسحاق بن شعبان: روى مالك عن أبيه عن جده عن عمر رضى الله عنه حديث الغسل واللباس.
أولاده: كان لمالك رضى الله عنه ابنان: يحيى ومحمد وابنة اسمها فاطمة: زوج بن أخته وابن عمه: إسماعيل بن أبي أويس.
قال بن شعبان: ويحيى بن مالك يروي عن أبيه نسخة من الموطأ وذكر أنه تروى عنه باليمن روى عنه محمد بن مسلمة.
وابنه محمد قدم مصر وكتب عنه وحدث عنه الحرث بن مسكين.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان لمالك ﵀ أربعة بنين: يحيى ومحمد وحماد وأم البهاء فأما يحيى وأم البهاء فلم يوص بهما إلى أحد وأوصى بالآخرين إلى إبراهيم بن حبيب رجل من أهل المدينة.
قال الزبيري: كانت لمالك ابنة تحفظ علمه يعني الموطأ وكانت تقف خلف الباب فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه.
وكان ابنه محمد يجيء وهو يحدث وعلى يده باشق ونعل كيساني
стр. 86
وقد أرخى سراويله عليه فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول: إنما الأدب أدب الله هذا ابني وهذه ابنتي؟.
قال القروي: كنا نجلس عنده وابنه يحيى يدخل ويخرج ولا يقعد فيقبل علينا ويقول: إن ما يهون علي أن هذا الشأن لا يورث وأن أحداً لم يخلف أباه ومجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم. وكان لمحمد هذا ابن اسمه أحمد سمع من جده مالك ذكره أبو عبد الله بن مفرج القرطبي في رواة مالك وأبو بكر الخوارزمي البرقاني الحافظ في كتابه في الضعفاء الذي اتفق رأيه ورأي أبي منصور بن حكمان مع أبي الحسن الدارقطني على تركهم. وتوفي أحمد هذا سنة ست وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى.
стр. 87
باب
في مولد مالك ومدة عمله
وصفة خلقه ومنشئه وأدبه وعقله وحسن معاشرته ومطعمه ومشربه وملبسه وحليته ومسكنه وغير شيء من شمائله - رحمه الله تعالى ورضي عنه .
اختلف في مولده اختلافاً كثيراً: فالأشهر قول يحيى بن بكير أنه سنة ثلاث وتسعين من الهجرة. وقال بن عبد الحكم: سنة أربع وتسعين وقال إسماعيل بن أبي أويس. وقال غيره: في خلافة الوليد. قال غيرهما: في ربيع الأول منها. وقال أبو مسهر: سنة تسعين وقيل: سنة ست وقيل: سنة سبع.
стр. 88
وقال الشيرازي: سنة خمس وتسعين.
واختلف أيضاً في حمل أمه به فقال بن نافع الصائغ: والواقدي ومعن ومحمد بن الضحاك: حملت به أمه ثلاث سنين وقال نحوه بكار بن عبد الله الزبيدي وقال نضجته والله الرحم. قال بن المنذر: وهو المعروف وروى عن الواقدي أيضاً أنها حملت به سنتين وقاله عطاف بن خالد.
стр. 89
فصل
في صفته
ووصفه غير واحد من أصحابه منهم: مطرف وإسماعيل والشافعي وبعضهم يزيد على بعض قالوا: كان طويلاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية: شديد البياض إلى الصفرة أعين حسن الصورة أصلع أشم عظيم اللحية تامها تبلغ صدره ذات سعة وطول وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه ولا يحفيه ويرى حلقه من المثل وكان يترك له سبلتين طويلتين ويحتج بفتل عمر ﵁ لشاربه إذا أهمه أمر.
ووصفه أبو حنيفة أنه أشقر أزرق. وقال مصعب الزبيري: كان مالك من أحسن الناس وجهاً وأحلاهم عيناً وأنقاهم بياضاً وأتمهم طولاً في جودة بدن. وقال بعضهم: كان ربعة والأول أشهر.
стр. 90
وقال غيره: دخلت على مالك فرأيته في إزار وكان في أذنيه كبر كأنهما كفا إنسان أو دون ذلك. وقال الحكم بن عبد الله: دخلت مسجد المدينة فإذا بمالك وله شعرة قد فرقها.
وقال أحمد بن إبراهيم الموصلي: رأيته مضموم الشعر ولم يكن يخضب ويحتج بعلي ﵁ وهذا هو المشهور عنه.
وروى بن وهب أنه رأى مالكاً يخضب بالحناء. وروى نحوه عبد الرحمن بن واقد ولم يقل بالحناء. قال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة لم يخضب شيبه ولا دخل الحمام وفي رواية: ولا حلق قفاه.
стр. 91
فصل
في لباسه
قال بن وهب: رأيت على مالك ريطة عدنية مصبوغة بمشق خفيف وقال لنا: هو صبغ أحبه ولكن أهلي أكثروا زعفرانها فتركته. وقال لنا ما أدركت أحداً يلبس هذه الثياب الرقاق وإنما كانوا يلبسون الصفاق - إلا ربيعة فإنه كان يلبس مثل هذا وأشار إلى قميص عليه عدني رقيق. قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد والخراسانية والمصرية المرتفعة البيض ويتطيب بطيب جيد ويقول: ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا أن يرى أثر نعمته عليه. وكان يقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب.
وقال محمد بن الضحاك: كان مالك جميل الوجه نقي الثوب رقيقه يكره اختلاف اللبوس.
стр. 92
وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلساناً طرازياً وقلنسوة متركه وثياباً مروية جياداً وفي بيته وسائد وأصحابه عليها قعود فقلت له يا أبا عبد الله أشيء أحدثته أم وجدت الناس عليه: قال رأيت الناس عليه.
قال الوليد بن مسلم: كان مالك لا يلبس الخز ولا يرى لبسه ويلبس البياض.
قال بشر بن الحارث: دخلت على مالك فرأيت عليه طيلساناً يساوي خمسمائة قد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك.
قال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه وأسدل طرفها بين كتفيه. قال بن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبراً قط.
قال أشهب: كان مالك إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته وكان يكرهه إلا لعلة.
стр. 93
وقال بن نافع الأكبر ومطرف وإسماعيل: كان خاتم مالك الذي مات وهو في يده فضة فصه حجر أسود نقشه سطران فيهما " حسبي الله ونعم الوكيل " بكتاب جليل وكان يحبسه في يساره وكان إذا توضأ حوله في يمينه. وسأله مطرف عن اختياره لما نقش فيه فقال: سمعت الله يقول: " وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " آل عمران ١٧٣ إلى آخر الآية. قال مطرف: فحولت خاتمي وصيرته كذلك.
قال أحمد بن صالح كان مالك قليل المشي يظهر التجمل ضيق الأمر ولم يكن له منزل كان يسكن بكراء إلى أن مات - رحمة الله عليه -.
قال غيره: وكان على بابه مكتوب ما شاء الله فسئل عن ذلك فقال: قال الله تعالى: " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً " الكهف: ٣٩ والجنة الدار.
وكانت داره التي ينزلها بالمدينة دار عبد الله بن مسعود وكان مكانه من المسجد مكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو المكان الذي يوضع فيه فراش رسول الله ﷺ إذا اعتكف. كذا قال الأوسي. وقال مصعب: كان يجلس عند نافع مولى بن عمر في الروضة حياة نافع وبعد موته.
стр. 94
وقال إسماعيل بن أبي أويس كان لمالك كل يوم في لحمه درهمان وكان يأمر خبازه: سلمة في كل يوم جمعة أن يعمل له ولعياله طعاماً كثيراً. قال مطرف: لو لم يجد كل يوم درهمين يبتاع بهما لحماً إلا أن يبيع في ذلك بعض متاعه لفعل.
وقال بن أبي حازم: قلت لمالك ما شرابك يا أبا عبد الله؟ قال: في الصيف السكر وفي الشتاء العسل. وقال ابنه محمد: كانت عمتي معه في منزله تهيئ له فطره: خبزاً وزيتاً. وكان في ابتداء أمره ضيق الحال ثم انقلب حاله. وما كان يأتي من اختلاف أحواله إنما كان لاختلاف الأوقات.
قال بن القاسم: كان لمالك أربعمائة دينار يتجر له بها فمنها كان قوام عيشه. وكان ربيعة إذا جاء مالك يقول: جاء العاقل. واتفقوا أنه كان أعقل أهل زمانه. وقال أحمد بن حنبل قال مالك:
стр. 95
ما جالست سفيهاً قط. وهذا أمر لم يسلم منه غيره ولا في فضائل العلماء أجل من هذا. وذكر يوماً شيئاً فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: إنا لم نجالس السفهاء.
وكان أعظم الخلق مروءة وأكثرهم سمتاً كثير الصمت قليل الكلام متحفظاً بلسانه من أشد الناس مداراة للناس واستعمالاً للإنصاف وكان يقول في الإنصاف: لم أجد في الناس أقل منه فأردت المداومة عليه.
وكان إذا أصبح لبس ثيابه وتعمم ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلا كذلك وما أكل قط ولا شرب حيث يراه الناس ولا يضحك ولا يتكلم فيما لا يعنيه.
وكان من أحسن الناس خلقاً مع أهله وولده ويقول: في ذلك مرضاة لربك ومثراة في مالك ومنسأة في أجلك وقد بلغني ذلك عن بعض أصحاب النبي ﷺ .
وقال عبد الله بن عبد الحكم: هيأ مالك دعوة للطلبة وكنت فيهم فمضينا إلى داره فلما دخلنا قال: هذا المستراح وهذا الماء ثم دخلنا البيت فلم يدخل معنا ودخل بعد ذلك فأتينا بالطعام ولم يؤت بالماء قبله لغسل أيدينا ثم أتى بعده فلما خرج الناس سألته فقال: أما إعلامي بالمستراح والماء فإنما دعوتكم لأبركم ولعل أحدكم يصيبه بول أو غيره فلا يدري أين يذهب.
стр. 96
وأما تركي الدخول معكم للبيت فلعلي أقول ههنا أبا فلان وههنا أبا فلان وقد أنسى بعضكم فيظن أني تركته بغضاً فيه فتركتكم حتى أخذتم مجالسكم ودخلت عليكم. وأما تركي الماء قبل الطعام فإن الوضوء قبله من سنة الأعاجم وأما بعده فقد جاء في ذلك حديث.
قال الشافعي: سئل مالك عن الصورة في البيت فقال: لا ينبغي. فقال له رجل عراقي: هو ذا في بيتك صورة؟ فقال: أنا ساكن فيه منذ كذا ما رأيتها قم فحكها فأخذ قناة فلف عليها خرقة ثم حكها.
стр. 97
باب في ابتداء طلبه للعلم وصبره عليه وتحريه فيمن يأخذ عنه وشهادة أهل العلم والصلاح له بالإمامه في العلم بالكتاب والسنة وتحرية في العلم والفتيا والحديث وروعة وصفة مجلسه ونشره العلم وتوقيره حديث النبي ﷺ
قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم فألبستني ثياب مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
وقال بن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد.
قال مالك: كان لي أخ في سن بن شهاب فألقى أبي يوماً علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى
стр. 98
ابن هرمز سبع سنين وفي رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره وكنت أجعل في كمي تمراً وأناوله صبيانه وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا: مشغول.
وكان قد اتخذ تباناً محشواً للجلوس على باب بن هرمز يتقي به برد حجر هناك وقيل بل برد صحن المسجد وفيه كان يجلس بن هرمز.
قال مالك: إن كان الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه فكنا نظن أنه يريد نفسه مع بن هرمز وكان بن هرمز استحلفه أن لا يذكر اسمه في حديث.
وقال: كنت آتى نافعاً نصف النهار وما تظلني الشجرة من الشمس: أتحين خروجه فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه حتى إذا دخل البلاط أقول له: كيف قال بن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني ثم أحبس عنه وكان فيه حدة وكنت آتي بن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.
وقال الزبيري: رأيت مالكاً في حلقة ربيعة وفي أذنه شنف وهذا يدل على ملازمته الطلب من صغره.
стр. 99
وكان يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث.
وروي عنه أنه قال: حدثني بن شهاب بأربعين حديثاً ونيف - منها حديث السقيفة فحفظت ثم قلت: أعدها علي فإني أنسيت النيف على الأربعين فأبى فقلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك قال بلى فأعاد فإذا هو كما حفظت.
وفي رواية بن شهاب قال له ما استفهمت عالماً قط ثم استرجع. وقال ساء حفظ الناس لقد كنت آتي سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وأبا سلمة وحميداً وسالماً وعد جماعة فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثاً إلى المائة ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا. وفي رواية أخرى: لقد ذهب حفظ الناس ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته.
قال بن أبي أويس: سمعت مالكاً يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين وأشار إلى المسجد فما أخذت عنهم شيئاً وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
стр. 100
قال بن عيينة: ما رأيت أحداً أجود أخذاً للعلم من مالك وما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء. وقال مالك: رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه فلما رأيت ذلك كتبت عنه. وقال سفيان بن عيينة: دارت مسألة في مجلس ربيعة فتكلم فيها ربيعة فقال مالك: ما تقول يا أبا عثمان؟ فقال ربيعة: أقول فلا تقول وأقول إذ لا تقول وأقول فلا تفقه ما أقول؟ ومالك ساكت فلم يجب بشيء وانصرف فلما راح إلى الظهر جلس وحده وجلس إليه قوم فلما صلى المغرب اجتمع إلى مالك خمسون أو أكثر فلما كان من الغد اجتمع إليه خلق كثير قال: فجلس للناس وهو بن سبع عشرة سنة وعرفت له الإمامة وبالناس حياة إذ ذاك.
قال بن عبد الحكم: أفتى مالك مع يحيى بن سعيد. قال أيوب وربيعة ونافع
стр. 101
وقال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من حلقة نافع.
وقال مالك بعث إلي الأمير في الحداثة أن أحضر المجلس فتأخرت حتى راح ربيعة فأعلمته وقلت: لم أحضر حتى أستشيرك؟ فقال لي ربيعة: نعم قيل له: فلو لم يقل لك: أحضر لم تحضر؟ قال: لم أحضر ثم قال يا أبا محمد إنه لا خير فيمن يرى نفسه بحالة لا يراه الناس لها أهلاً.
قال مالك: وليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد فإن رأوه أهلاً لذلك جلس وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك.
وسأله رجل عن مسألة فبادره بن القاسم فأفتاه فأقبل عليه مالك كالمغضب وقال له: جسرت على أن تفتي يا أبا عبد الرحمن؟ يكررها عليه ما أفتيت حتى سألت أنا هل للفتيا موضع. فلما سكن غضبه قيل له: من سألت قال: الزهري وربيعة الرأي.
قال بن القاسم: قال مالك: كنا نجلس إلى ربيعة أربعين معتماً سوى من لا يعتم ما ندري منهم إلا أربعة.
стр. 102
أما أحدهم فغلبت عليه الملوك يعني بن الماجشون وفي رواية: شغل بالأغاليط أو نحو هذا. وأما الآخر فمات يعني كثير بن فرقد. وأما الثالث فغرب نفسه يعني عبد الرحمن بن عطاء. وسكت عن الرابع فعلمنا أنه يعني نفسه.
стр. 103
فصل
في توقيره حديث رسول الله
ﷺ :
قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله ﷺ فلدغته عقرب بست عشرة مرة ومالك يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ . فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت: يا أبا عبد الله لقد رأيت اليوم منك عجباً؟ فقال: نعم إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ .
قال مصعب الزبيري: كان حبيب يقرأ لنا كل عشية من ورقتين إلى ورقتين ونصف لا يبلغ ثلاثاً.
стр. 104
وقال يحيى بن عبد الله لأبي زرعة في حديث مالك: ليس هذا زعزعة عن زوبعة إنما ترفع الستر وتنظر إلى رسول الله ﷺ وأصحابه: مالك عن نافع عن بن عمر رضى الله عنهم.
وقال أبو داود: أصح حديث رسول الله ﷺ مالك عن نافع عن بن عمر رضى الله عنهما ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه. ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ لم يذكر شيئاً عن غير مالك. وقال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن مراسيل الحسن ومالك أصح الناس مرسلاً. وقال سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد قوي. وقال مطروح بن ساكن: جلس بن شهاب وربيعة ومالك فألقى بن شهاب مسألة فأجاب فيها ربيعة وسكت مالك فقال بن شهاب: لم لا تجيب قال: قد أجاب الأستاذ أو نحوه فقال بن شهاب: ما نفترق حتى تجيب فأجاب بخلاف جواب ربيعة قال بن شهاب: ارجعوا بنا إلى قول مالك.
قال القاضي عياض: قال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن رضي الله عنهما
стр. 105
أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكاً رضى الله عنهما فقال: قلت على الإنصاف قال: نعم قال: قلت فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال الشافعي ﵁ فلم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء نقيس؟.
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد فيجتمع إليه أصحابه ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد
стр. 106
الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحداً يعزيه ولا يقضي له حقاً واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره.
وقال جعفر الفريابي: لا أعلم أحداً روى عنه الأئمة والجلة ممن مات قبله بدهر طويل إلا مالكاً فيحيى بن سعيد مات قبله بخمس وثلاثين سنة وابن جريج بثلاثين والأوزاعي بعشرين والثوري بثمان عشرة وشعبة بسبع عشرة قال غيره: وأبو حنيفة بثلاثين وهشام بأكثر من ذلك. وقال أبو الحسن الدارقطني: لا أعلم أحداً تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع لمالك وذلك أنه روى عنه رجلان حديثاً واحداً بين وفاتيهما نحو من مائة وثلاثين سنة: محمد بن شهاب الزهري شيخه: توفي سنة خمس وعشرين ومائة وأبو حذافة السهمي: توفي بعد الخمسين والمائتين رويا عنه حديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة.
стр. 107
باب
صفة مجلسه ونشره للعلم وتوقيره حديث النبي ﷺ
وتحريمه في العلم والفتيا والحديث .
قال الواقدي وغيره: كان مجلسه مجلس وقار وحلم وكان رجلاً مهيباً نبيلاً ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له: من أين رأيت هذا؟.
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفئة بعد الفئة وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه. وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة له وإجلالاً. وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك رحمه الله تعالى وكان ذلك قليلاً ولم يكن يقرأ كتبه على أحد.
وكان كالسلطان: له حاجب يأذن عليه فإذا اجتمع الناس ببابه أمر آذنه
стр. 108
فدعاهم فحضر أولاً أصحابه فإذا فرغ من يحضر أذن للعامة. وهذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك أنهم كانوا يقرءون عليه إلا يحيى بن بكير ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربع عشرة مرة وزعم أن أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه. وعوتب مالك في تقديمه أصحابه فقال: أصحابي جيران رسول الله ﷺ . قال بن حبيب: وكان إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم.
وقال مطرف: كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل: خرج إليهم وأفتاهم وإن قالوا الحديث قال لهم: اجلسوا ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً وتعمم ووضع على رأسه طويلة وتلقى له المنصة فيخرج إليهم وعليه الخشوع ويوضع عود فلا يزال يتبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ .
وكان لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدعه يجلس حيث انتهى به المجلس يقول إذا جلس للحديث: ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى.
стр. 109
باب
شهادة أهل العلم والصلاح له بالإمامة في العلم
بالكتاب والسنة والتقدم في الفقه والصدق والثبات في الأمر والقول في مراسيله وتوثيقه وإجماع الناس عليه واقتداء الأكابر به.
قال بن هرمز لجاريته يوماً: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكاً فذكرت ذلك له فقال: ادعيه فإنه عالم الناس.
وقال بعضهم: سمعت بقية بن الوليد في جماعة ممن يطلب الحديث ومشيخة من أهل المدينة يقولون ما بقي على ظهرها يعني الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية منك يا مالك.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا انفرد مالك بقول لم يقله غيره فقوله حجة توجب الاختلاف لأنه إمام. فقيل له: فالشافعي؟ فقال لا.
وقال بن مهدي ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك.
стр. 110
فصل
في تحريه في الفتيا
قال بن القاسم سمعت مالكاً يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن. وكان يقول ربما وردت علي المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي.
وقال بن عبد الحكم: كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل انصرف حتى أنظر فينصرف ويتردد فيها فقلنا له في ذلك فبكي وقال إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم؟.
وقال بن وهب سمعته عندما يكثر عليه بالسؤال يكف ويقول: حسبكم من أكثر أخطأ وكأن يعيب كثرة ذلك وكان يقول: من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب.
وقال: ما شيء أشد علي من أن أسئل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله ولقد أدركنا أهل العلم ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن المسألة كأن الموت أشرف عليه. وقال موسى بن داود: ما رأيت أحداً من العلماء أكثر أن يقول: لا أحسن من مالك.
следующие страницы →