← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وفى شرح الْكِفَايَة للصيمرى إِن ادّعى الرجل الْغناء ليَأْخُذ من وقف الْأَغْنِيَاء لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة وَإِن كَانَ الْوَقْف على الْفُقَرَاء فَادّعى الْفقر قبل من غير بَيِّنَة وَذكر فى شرح الْكِفَايَة أَنه لَا يَصح بيع الْخَيل لأهل الْحَرْب وَعبارَته لَو بَاعَ سِلَاحا أَو خيلا على أهل الْحَرْب نقضنا البيع إِن قَدرنَا على ذَلِك ٢١٧ - عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبيد الله الْوَاعِظ أَبُو أَحْمد الْمُذكر

стр. 1017

٢١٨ - عبيد مصغر وَغير مُضَاف وَرُبمَا قيل عبيد الله مُضَافا وإياه أورد ابْن باطيش فى الطَّبَقَات هُوَ عبيد بن عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم القيسى البغدادى نزيل قرطبة وَهُوَ الْمَشْهُور بعبيد الْفَقِيه أَخذ عَن الإصطخرى وَسمع من أَبى الْقَاسِم البغوى والطحاوى وَابْن صاعد وَغَيرهم وفى الْقرَاءَات على ابْن مُجَاهِد وَابْن شنبوذ وَكَانَ صَاحب الأندلس الملقب بالمستنصر يجله ويعظمه كثيرا توفى بقرطبة فى ذى الْحجَّة سنة سِتِّينَ وثلاثمائة ٢١٩ - عتبَة بن عبيد الله بن مُوسَى بن عِيسَى بن عبيد الله الهمذانى القاضى أَبُو السَّائِب كَانَ أحد الْعلمَاء الْأَئِمَّة وَأول من ولى قَضَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد من الشَّافِعِيَّة وَكَانَ أَبوهُ تَاجِرًا فاشتغل هُوَ بِالْعلمِ وَغلب عَلَيْهِ فى الِابْتِدَاء التصوف وسافر فلقى

стр. 1018

الْجُنَيْد وَصَحب الْأَئِمَّة وَكتب الحَدِيث ثمَّ ولى قَضَاء مراغة ثمَّ تقلد قَضَاء أذربيجان كلهَا ثمَّ قَضَاء همذان ثمَّ دخل بَغْدَاد وَعظم جاهه وَولى قَضَاء الْقُضَاة حدث عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم الرازى وَغَيره وَقد رَآهُ بَعضهم بعد مَوته فى الْمَنَام فَقَالَ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لى وَأمر بى إِلَى الْجنَّة على مَا كَانَ منى من التَّخْلِيط وَقَالَ آلَيْت أَلا أعذب أَبنَاء الثَّمَانِينَ توفى سنة خمسين وثلاثمائة ٢٢٠ - على بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن البوشنجى الصوفى الزَّاهِد الْوَرع الْعَالم الْمُجَرّد ورد نيسابور فصحب أَبَا عُثْمَان الحيرى الزَّاهِد مُدَّة ثمَّ خرج فلقى شُيُوخ التصوف بالعراقين وَالشَّام ثمَّ فِي آخر عمره اعتزل النَّاس سمع الحَدِيث من أَبى جَعْفَر السامى وَالْحُسَيْن بن إِدْرِيس الأنصارى الهرويين وَغَيرهمَا توفى بنيسابور سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا سعيد بن أَبى بكر بن أَبى عُثْمَان يَقُول ورد أَبُو الْحسن البوشنجى على أَبى عُثْمَان فَسئلَ أَن يقْرَأ فى مَجْلِسه فَقَرَأَ فَبكى أَبُو عُثْمَان حَتَّى غشى عَلَيْهِ

стр. 1019

وَحمل إِلَى منزله فَكَانَ يُقَال قَتله صَوت البوشنجى ثمَّ إِن أَبَا عُثْمَان توفى فى تِلْكَ الْعلَّة وَقَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد يَقُول يَوْم توفى أَبُو الْحسن دخلت عَلَيْهِ عَائِدًا فَقلت لَهُ أَلا توصى بشئ فَقَالَ بلَى أكفن فى هَذِه الخريقات وأحمل إِلَى مَقْبرَة من مَقَابِر الْمُسلمين ويتولى الصَّلَاة على رجل من الْمُسلمين قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن البوشنجى وَدخل على الشَّيْخ أَبى بكر بن إِسْحَاق وَرجل من المتهمين بالإلحاد يقْرَأ عَلَيْهِ فَأخذ أَبُو الْحسن ينظر إِلَيْهِ سَاعَة طَوِيلَة وَلم يكن عرفه فَلَمَّا خرج من عِنْده قَالَ لبَعض أَصْحَابه ذَاك الْقَارئ خشيت عَلَيْهِ أَنه ملحد وروى عَنهُ الْحَاكِم حَدِيثا وَاحِدًا مُسْندًا ثمَّ قَالَ مَا أرى أَن أَبَا الْحسن حدث بِحَدِيث مُسْند غير هَذَا ٢٢١ - على بن أَحْمد بن الْحسن الْفَقِيه أَبُو الْحسن العروضى قَالَ الْحَاكِم كَانَ من أَعْيَان فُقَهَاء الشافعيين من أَصْحَاب أَبى الْحسن البيهقى قَالَ وَكَانَ يدرس بنيسابور سِنِين قَالَ وَسمع بنيسابور أَبَا عَمْرو الحيرى والمؤمل بن الْحسن وأقرانهما وَكتب الْكثير عَن أَبى الْعَبَّاس الدغولى بسرخس وَاعْتَزل فى آخر عمره ورفض الْمجْلس وَحدث توفى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة روى عَنهُ الْحَاكِم حَدِيثا وَاحِدًا فى تَرْجَمته

стр. 1020

٢٢٢ - على بن أَحْمد بن الْمَرْزُبَان بِفَتْح مِيم الْمَرْزُبَان وَضم الزاى بعْدهَا بَاء مُوَحدَة هُوَ أحد أَرْكَان الْمَذْهَب ورفعائه الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْحسن من بَغْدَاد تفقه على أَبى الْحُسَيْن بن الْقطَّان قَالَ الْخَطِيب كَانَ أحد الشُّيُوخ الأفاضل درس عَلَيْهِ أَبُو حَامِد الإسفراينى أول قدومه بَغْدَاد وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ فَقِيها ورعا حكى عَنهُ أَنه قَالَ مَا أعلم لأحد على مظْلمَة قَالَ الشَّيْخ وَقد كَانَ فَقِيها يعلم أَن الْغَيْبَة من الْمَظَالِم توفى فى رَجَب سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة بعد شَيْخه ابْن الْقطَّان بِسبع سِنِين وَمن الْفَوَائِد وغرائب الْفُرُوع عَنهُ قَالَ الدارمى إِذا نوى الْمُتَوَضِّئ إبِْطَال عُضْو مضى لم يبطل وَمَا فى الْحَال يبطل وَمَا يأتى على وَجْهَيْن قَالَه ابْن الْمَرْزُبَان وَقَالَ ابْن الْقطَّان فى جَمِيعه وَجْهَان قلت وَهَذِه غير مَسْأَلَة قطع الْوضُوء

стр. 1021

٢٢٣ - على بن إِسْمَاعِيل بن أَبى بشر واسْمه إِسْحَاق بن سَالم بن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله بن مُوسَى بن بِلَال بن أَبى بردة ابْن صَاحب رَسُول الله ﷺ أَبى مُوسَى عبد الله بن قيس شَيخنَا وقدوتنا إِلَى الله تَعَالَى الشَّيْخ أَبُو الْحسن الأشعرى البصرى شيخ طَريقَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَإِمَام الْمُتَكَلِّمين وناصر سنة سيد الْمُرْسلين والذاب عَن الدّين والساعى فى حفظ عقائد الْمُسلمين سعيا يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين إِمَام حبر وتقى بر حمى جناب الشَّرْع من الحَدِيث المفترى وَقَامَ فى نَصره مِلَّة الْإِسْلَام فنصرها نصرا مؤزرا (بهمة فى الثريا إِثْر أخمصها ... وعزمة لَيْسَ من عاداتها السأم) وَمَا برح يدلج ويسير وينهض بساعد التشمير حَتَّى نقى الصُّدُور من الشّبَه كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وَوقى بأنوار الْيَقِين من الْوُقُوع فى ورطات مَا الْتبس وَقَالَ فَلم يتْرك مقَالا لقَائِل وأزاح الأباطيل وَالْحق يدْفع ترهات الْبَاطِل ولد الشَّيْخ سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَولا قد أَخذ عَن أَبى على الجبائى وَتَبعهُ فى الاعتزال يُقَال أَقَامَ على الاعتزال أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى صَار للمعتزلة إِمَامًا فَلَمَّا أَرَادَهُ الله لنصر دينه وَشرح صَدره لاتباع الْحق غَابَ عَن النَّاس فى بَيته خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ خرج إِلَى الْجَامِع وَصعد الْمِنْبَر وَقَالَ معاشر النَّاس إِنَّمَا تغيبت عَنْكُم هَذِه الْمدَّة لأنى نظرت

стр. 1022

فتكافأت عندى الْأَدِلَّة وَلم يترجع عندى شَيْء على شَيْء فاستهديت الله تَعَالَى فهداني الى اعْتِقَاد مَا أودعته فِي كتبي هَذِه وانخلعت من جَمِيع مَا كنت أعتقده كَمَا انخلعت من ثوبي هَذَا وانخلع من ثوب كَانَ عَلَيْهِ وَرمى بِهِ وَدفع الْكتب الَّتِى ألفها على مَذَاهِب أهل السّنة إِلَى النَّاس ويحكى من مبدأ رُجُوعه أَنه كَانَ نَائِما فى شهر رَمَضَان فَرَأى النبى ﷺ فَقَالَ لَهُ يَا على انصر الْمذَاهب المروية عَنى فَإِنَّهَا الْحق فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ دخل عَلَيْهِ أَمر عَظِيم وَلم يزل مفكرا مهموما من ذَلِك وَكَانَت هَذِه الرُّؤْيَا فى الْعشْر الأول فَمَا كَانَ الْعشْر الْأَوْسَط رأى النبى ﷺ فى الْمَنَام ثَانِيًا فَقَالَ مَا فعلت فِيمَا أَمرتك بِهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله وَمَا عَسى أَن أفعل وَقد خرجت للمذاهب المروية عَنْك محامل صَحِيحَة فَقَالَ لى انصر الْمذَاهب المروية عَنى فَإِنَّهَا الْحق فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ شَدِيد الأسف والحزن وَأجْمع على ترك الْكَلَام وَاتِّبَاع الحَدِيث وملازمة تِلَاوَة الْقُرْآن فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين وَكَانَ من عَادَته سهر تِلْكَ اللَّيْلَة أَخذه من النعاس مَا لم يَتَمَالَك مَعَه السهر فَنَامَ وَهُوَ يتأسف على ترك الْقيام فِيهَا فَرَأى النبى ﷺ ثَالِثا فَقَالَ لَهُ مَا صنعت فِيمَا أَمرتك بِهِ فَقَالَ قد تركت الْكَلَام يَا رَسُول الله ولزمت كتاب الله وسنتك فَقَالَ لَهُ أَنا مَا أَمرتك بترك الْكَلَام إِنَّمَا أَمرتك بنصرة الْمذَاهب المروية عَنى فَإِنَّهَا الْحق

стр. 1023

قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله كَيفَ أدع مذهبا تصورت مسَائِله وَعرفت دلائله مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة لرؤيا قَالَ فَقَالَ لى لَوْلَا أَنى أعلم أَن الله يمدك بمدد من عِنْده لما قُمْت عَنْك حَتَّى أبين لَك وجوهها فجد فِيهِ فَإِن الله سيمدك بمدد من عِنْده فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ مَا بعد الْحق إِلَّا الضلال وَأخذ فى نصْرَة الْأَحَادِيث فى الرُّؤْيَة والشفاعة وَالنَّظَر وَغير ذَلِك وَكَانَ يفتح عَلَيْهِ من المباحث والبراهين بِمَا لم يسمعهُ من شيخ قطّ وَلَا اعْتَرَضَهُ بِهِ خصم وَلَا رَآهُ فى كتاب قَالَ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد العسكرى كَانَ الأشعرى تلميذا للجبائى وَكَانَ صَاحب نظر وَذَا إقدام على الْخُصُوم وَكَانَ الجبائى صَاحب تصنيف وقلم إِلَّا أَنه لم يكن قَوِيا فى المناظرة فَكَانَ إِذا عرضت مناظرة قَالَ للأشعرى نب عَنى وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصعلوكى حَضَرنَا مَعَ الشَّيْخ أَبى الْحسن مجْلِس علوى بِالْبَصْرَةِ فناظر الْمُعْتَزلَة خذلهم الله وَكَانُوا يعْنى كثيرا فَأتى على الْكل وَهَزَمَهُمْ كلما انْقَطع وَاحِد تنَاول الآخر حَتَّى انْقَطَعُوا عَن آخِرهم فعدنا فى الْمجْلس الثانى فَمَا عَاد مِنْهُم أحد فَقَالَ بَين يدى العلوى يَا غُلَام اكْتُبْ على الْبَاب فروا وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر الصيرفى كَانَت الْمُعْتَزلَة قد رفعوا رُءُوسهم حَتَّى أظهر الله الأشعرى فحجزهم فى أقماع السمسم وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عبد الله بن خَفِيف دخلت الْبَصْرَة أَيَّام شبابى لأرى أَبَا الْحسن الأشعرى لما بلغنى خَبره فَرَأَيْت شَيخا بهى المنظر فَقلت أَيْن منزل أَبى الْحسن الأشعرى فَقَالَ وَمَا الذى تُرِيدُ مِنْهُ فَقلت أحب أَن أَلْقَاهُ فَقَالَ ابتكر غَدا إِلَى هَذَا الْموضع قَالَ فابتكرت فَلَمَّا رَأَيْته تَبعته فَدخل دَار بعض وُجُوه الْبَلَد فَلَمَّا أبصروه

стр. 1024

أكْرمُوا مَحَله وَكَانَ هُنَاكَ جمع من الْعلمَاء ومجلس نظر فأقعدوه فى الصَّدْر ثمَّ سُئِلَ بضعهم مَسْأَلَة فَلَمَّا شرع فى الْجَواب دخل الشَّيْخ فَأخذ يرد عَلَيْهِ ويناظره حَتَّى أَفْحَمَهُ فَقضيت الْعجب من علمه وفصاحته فَقلت لبَعض من كَانَ عندى من هَذَا الشَّيْخ فَقَالَ أَبُو الْحسن الأشعرى فَلَمَّا قَامُوا تَبعته فَقَالَ لى يَا فَتى كَيفَ رَأَيْت الأشعرى فخدمته وَقلت يَا سيدى كَمَا هُوَ فى مَحَله وَلَكِن لم لَا تسْأَل أَنْت ابْتِدَاء فَقَالَ أَنا لَا أكلم هَؤُلَاءِ ابْتِدَاء وَلَكِن إِذا خَاضُوا فى ذكر مَا لَا يجوز فى دين الله رددنا عَلَيْهِم بِحكم مَا فرض الله علينا من الرَّد على مخالفى الْحق وَرويت هَذِه الْحِكَايَة عَن ابْن خَفِيف على وَجه آخر يشْتَرك مَعهَا بعد الدّلَالَة على عَظمَة الشَّيْخ وَمحله فى الْعلم فى أَنه كَانَ لَا يتَكَلَّم فِي علم الْكَلَام إِلَّا حَيْثُ يجب عَلَيْهِ نصرا للدّين ودفعا للمبطلين وَقد قدمنَا الْحِكَايَة على وَجه كيس من كَلَام وَالِد الإِمَام فَخر الدّين فِيمَا أَحسب أَو من كَلَام ابْن خَفِيف نَفسه فى تَرْجَمَة ابْن خَفِيف قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَانَ الشَّيْخ صَاحب فراسة وَنظر بِنور الله وَكَانَ ابْن خَفِيف كَمَا عرف حَاله من أَرْبَاب الْأَحْوَال وسَادَة الْمَشَايِخ فَلَمَّا أبصره الشَّيْخ وَفهم عَنهُ مَا يُرِيد أحب أَلا يرَاهُ إِلَّا على أكمل أَحْوَاله من الْعلم وَهُوَ وَقت المناظرة فَإِن أول نظر يثبت فى الْقلب ويرسخ فَأَرَادَ الشَّيْخ تربية ابْن خَفِيف فَإِنَّهُ إِذا نظره فى أكمل أَحْوَاله امْتَلَأَ قلبه بعظمته فانقاد لما يَأْتِيهِ من قبله

стр. 1025

قَالُوا وَكَانَ الشَّيْخ رضى الله عَنهُ سيدا فى التصوف وَاعْتِبَار الْقُلُوب كَمَا هُوَ سيد فى علم الْكَلَام وأصناف الْعُلُوم وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفراينى كنت فى جنب الشَّيْخ أَبى الْحسن الباهلى كقطرة فى جنب الْبَحْر وَسمعت الباهلى يَقُول كنت فى جنب الأشعرى كقطرة فى جنب الْبَحْر وَقَالَ لِسَان الْأمة القاضى أَبُو بكر أفضل أحوالى أَن أفهم كَلَام أَبى الْحسن قَالَ أَبُو الْفضل السهلكى حكى لنا الْفَقِيه الثِّقَة أَبُو عمر الرزجاهى قَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبَا سهل الصعلوكى أَو الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر الإسماعيلى وَالشَّكّ منى يَقُول أعَاد الله تَعَالَى هَذَا الدّين بعد مَا ذهب يعْنى أَكْثَره بِأَحْمَد ابْن حَنْبَل وأبى الْحسن الأشعرى وأبى نعيم الإستراباذى وَأما اجْتِهَاد الشَّيْخ فى الْعِبَادَة والتأله فَأمر غَرِيب ذكر من صَحبه أَنه مكث عشْرين سنة يصلى الصُّبْح بِوضُوء الْعَتَمَة وَكَانَ يَأْكُل من غلَّة قَرْيَة وَقفهَا جده بِلَال بن أَبى بردة بن أَبى مُوسَى الأشعرى على نَسْله قَالَ وَكَانَت نَفَقَته فى كل سنة سَبْعَة عشر درهما كل شهر دِرْهَم وشىء يسير وَاعْلَم أَنا لَو أردنَا اسْتِيعَاب مَنَاقِب الشَّيْخ لضاقت بِنَا الأوراق وكلت الأقلام وَمن أَرَادَ معرفَة قدره وَأَن يمتلىء قلبه من حبه فَعَلَيهِ بِكِتَاب تَبْيِين كذب المفترى فِيمَا نسب إِلَى الإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى الذى صنفه الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وَهُوَ من أجل الْكتب وَأَعْظَمهَا فَائِدَة وأحسنها فَيُقَال كل سنى لَا يكون عِنْده كتاب التَّبْيِين لِابْنِ عَسَاكِر فَلَيْسَ من أَمر نَفسه على بَصِيرَة

стр. 1026

وَيُقَال لَا يكون الْفَقِيه شافعيا على الْحَقِيقَة حَتَّى يحصل كتاب التَّبْيِين لِابْنِ عَسَاكِر وَكَانَ مشيختنا يأمرون الطّلبَة بِالنّظرِ فِيهِ وَقد زعم بعض النَّاس أَن الشَّيْخ كَانَ مالكى الْمَذْهَب وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح إِنَّمَا كَانَ شافعيا تفقه على أَبى إِسْحَاق المروزى نَص على ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو بكر ابْن فورك فى طَبَقَات الْمُتَكَلِّمين والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفراينى فِيمَا نَقله عَنهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الجوينى فى شرح الرسَالَة والمالكى هُوَ القاضى أَبُو بكر بن الباقلانى شيخ الأشاعرة وَالصَّحِيح أَن وَفَاة الشَّيْخ بَين الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ بعد الثلاثمائة وَالْأَقْرَب أَنَّهَا سنة أَربع وَعشْرين وَهُوَ مَا صَححهُ ابْن عَسَاكِر وَذكره أَبُو بكر بن فورك وَيُقَال سنة نَيف وَثَلَاثِينَ وَأَنت إِذا نظرت تَرْجَمَة هَذَا الشَّيْخ الذى هُوَ شيخ السّنة وَإِمَام الطَّائِفَة فى تَارِيخ شَيخنَا الذهبى وَرَأَيْت كَيفَ مزقها وحار كَيفَ يصنع فى قدره وَلم يُمكنهُ البوح بالغض مِنْهُ خوفًا من سيف أهل الْحق وَلَا الصَّبْر عَن السُّكُوت لما جبلت عَلَيْهِ طويته من بغضه بِحَيْثُ اختصر مَا شَاءَ الله أَن يختصر فى مدحه ثمَّ قَالَ فى آخر التَّرْجَمَة من أَرَادَ أَن يتبحر فى معرفَة الأشعرى فَعَلَيهِ بِكِتَاب تَبْيِين كذب المفترى لأبى الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر اللَّهُمَّ توفنا على السّنة وأدخلنا الْجنَّة وَاجعَل أَنْفُسنَا مطمئنة نحب فِيك أولياءك ونبغض فِيك أعدائك ونستغفر للعصاة من عِبَادك ونعمل بمحكم كتابك ونؤمن بمتشابهه ونصفك بِمَا وصفت بِهِ نَفسك انْتهى فَعِنْدَ ذَلِك تقتضى الْعجب من هَذَا الذهبى وَتعلم إِلَى مَاذَا يُشِير الْمِسْكِين فويحه ثمَّ ويحه

стр. 1027

وَأَنا قد قلت غير مرّة إِن الذهبى أستاذى وَبِه تخرجت فى علم الحَدِيث إِلَّا أَن الْحق أَحَق أَن يتبع وَيجب على تَبْيِين الْحق فَأَقُول أما حوالتك على تَبْيِين كذب المفترى وتقصيرك فى مدح الشَّيْخ فَكيف يسعك ذَلِك مَعَ كونك لم تترجم مجسما يشبه الله بخلقه إِلَّا واستوفيت تَرْجَمته حَتَّى إِن كتابك مُشْتَمل على ذكر جمَاعَة من أصاغر الْمُتَأَخِّرين من الْحَنَابِلَة الَّذين لَا يؤبه إِلَيْهِم قد ترجمت كل وَاحِد مِنْهُم بأوراق عديدة فَهَل عجزت أَن تُعْطى تَرْجَمَة هَذَا الشَّيْخ حَقّهَا وتترجمه كَمَا ترجمت من هُوَ دونه بِأَلف ألف طبقَة فأى غَرَض وَهوى نفس أبلغ من هَذَا وَأقسم بِاللَّه يَمِينا برة مَا بك إِلَّا أَنَّك لَا تحب شياع اسْمه بِالْخَيرِ وَلَا تقدر فى بِلَاد الْمُسلمين على أَن تفصح فِيهِ بِمَا عنْدك من أمره وَمَا تضمره من الغض مِنْهُ فَإنَّك لَو أظهرت ذَلِك لتناولتك سيوف الله وَأما دعاؤك بِمَا دَعَوْت بِهِ فَهَل هَذَا مَكَانَهُ يامسكين وَأما إشارتك بِقَوْلِك ونبغض أعداءك إِلَى أَن الشَّيْخ من أَعدَاء الله وَأَنَّك تبْغضهُ فَسَوف تقف مَعَه بَين يدى الله تَعَالَى يَوْم يأتى وَبَين يَدَيْهِ طوائف الْعلمَاء من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالصَّالِحِينَ من الصُّوفِيَّة والجهابذة الْحفاظ من الْمُحدثين وتأتى أَنْت تتكسع فى ظلم التجسيم الذى تدعى أَنَّك برِئ مِنْهُ وَأَنت من أعظم الدعاة إِلَيْهِ وتزعم أَنَّك تعرف هَذَا الْفَنّ وَأَنت لَا تفهم فِيهِ نقيرا وَلَا قطميرا وليت شعرى من الذى يصف الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه من شبهه بخلقه أم من قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَالْأولَى بى على الْخُصُوص إمْسَاك عنان الْكَلَام فى هَذَا الْمقَام فقد أبلغت ثمَّ أحفظ لشَيْخِنَا حَقه وَأمْسك

стр. 1028

وَقد عرفناك أَن الأوراق لَا تنهض بترجمة الشَّيْخ وأحلناك على كتاب التَّبْيِين لَا كإحالة الذهبى إِذْ نَحن نحيل إِحَالَة طَالب محرض على الازدياد من عَظمته وَذَاكَ يحِيل إِحَالَة مجهل قد سئم وتبرم بِذكر محامد من لَا يُحِبهُ وَنحن منبهون فى هَذِه التَّرْجَمَة على مهمات لَا نرى إخلاء الْكتاب عَنْهَا لاشتمالها على نصْرَة دين الله وَجمع كلمة الْمُوَحِّدين ونذكرها بعد اسْتِيفَاء مَا يخْتَص بترجمة الشَّيْخ ذكر شىء من الرِّوَايَة عَن الشَّيْخ وَالدّلَالَة على مَحَله من الحَدِيث وَالْفِقْه أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ غفر الله لَهُ بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا الشَّيْخَانِ محيى الدّين ابْن الحرستانى وتاج الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن أَبى عصرون ح وَأخْبرنَا شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج المزى إجَازَة قَالَ أخبرنَا تَاج الدّين سَمَاعا قَالَا أجازتنا أم الْمُؤَيد زَيْنَب بنت عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الشعرى قَالَت أجازنا الشَّيْخ أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل بن عبد الغافر الفارسى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو إِبْرَاهِيم أسعد بن مَسْعُود العتبى أخبرنَا الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور القاهر بن طَاهِر البغدادى ولى عَنهُ إجَازَة حَدثنَا القاضى أبومحمد ابْن عمر المالكى قاضى أصطخر قدم علينا رَسُولا فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة حَدثنَا الإِمَام أَبُو الْحسن على بن إِسْمَاعِيل الأشعرى بِبَغْدَاد فى مجْلِس أَبى إِسْحَاق المروزى حَدثنَا زَكَرِيَّا بن يحيى الساجى حَدثنَا بنْدَار وَابْن الْمثنى قَالَا حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا ابْن أَبى ذيب عَن سعيد المقبرى عَن أَبى هُرَيْرَة أَن النبى ﷺ قَالَ (السَّبع المثانى فَاتِحَة الْكتاب)

стр. 1029

وَبِه إِلَى زَكَرِيَّا حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَبى الشَّوَارِب حَدثنَا خَالِد بن عبد الله الواسطى حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (فَاتِحَة الْكتاب السَّبع المثانى الَّتِى أعطيتهَا) وَبِه إِلَى العتبى أخبرنَا الإِمَام أَبُو مَنْصُور البغدادى سَمِعت عبد الله بن مَحْمُود بن طَاهِر الصوفى يَقُول رَأَيْت أَبَا الْحسن الأشعرى فى مَسْجِد الْبَصْرَة وَقد أبهت الْمُعْتَزلَة فى المناظرة فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين قد عرفنَا تبحرك فى علم الْكَلَام وإنى سَائِلك عَن مَسْأَلَة ظَاهِرَة فى الْفِقْه فَقَالَ سل عَمَّا شِئْت فَقَالَ لَهُ مَا تَقول فى الصَّلَاة بِغَيْر فَاتِحَة الْكتاب فَقَالَ حَدثنَا زَكَرِيَّا بن يحيى الساجى حَدثنَا عبد الْجَبَّار حَدثنَا سُفْيَان حَدَّثَنى الزهرى عَن مَحْمُود ابْن الرّبيع عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النبى ﷺ قَالَ (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب) وَحدثنَا زَكَرِيَّا حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن جَعْفَر بن مَيْمُون حَدَّثَنى أَبُو عُثْمَان عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ أمرنى رَسُول الله ﷺ أَن أنادى بِالْمَدِينَةِ أَنه لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب قَالَ فَسكت السَّائِل وَلم يقل شَيْئا قد رَأَيْت رِوَايَة الشَّيْخ هُنَا عَن زَكَرِيَّا الساجى وروى أَيْضا عَن أَبى خَليفَة الجمحى وَسَهل بن نوح وَمُحَمّد بن يَعْقُوب المقبرى وَعبد الرَّحْمَن بن خلف الضبى الْبَصرِيين وَأكْثر عَنْهُم فى تَفْسِيره وَتَفْسِيره كتاب حافل جَامع قَالَ شَيخنَا الذهبى إِنَّه لما صنفه كَانَ على الاعتزال

стр. 1030

قلت وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فقد وقفت على الْجُزْء الأول مِنْهُ وَكله رد على الْمُعْتَزلَة وتبيين لفساد تأويلاتهم وَكَثْرَة تحريفهم وفى مُقَدّمَة تَفْسِيره من ذَلِك مَا يقْضى ناظره الْعجب مِنْهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق مناظرة بَين الشَّيْخ أَبى الْحسن وأبى على الجبائى فى الْأَصْلَح وَالتَّعْلِيل سَأَلَ الشَّيْخ رضى الله عَنهُ أَبَا على فَقَالَ أَيهَا الشَّيْخ مَا قَوْلك فى ثَلَاثَة مُؤمن وَكَافِر وصبى فَقَالَ الْمُؤمن من أهل الدَّرَجَات وَالْكَافِر من أهل الهلكات والصبى من أهل النجَاة فَقَالَ الشَّيْخ فَإِن أَرَادَ الصبى أَن يرقى إِلَى أهل الدَّرَجَات هَل يُمكن قَالَ الجبائى لَا يُقَال لَهُ إِن الْمُؤمن إِنَّمَا نَالَ هَذِه الدرجَة بِالطَّاعَةِ وَلَيْسَ لَك مثلهَا قَالَ الشَّيْخ فَإِن قَالَ التَّقْصِير لَيْسَ منى فَلَو أحييتنى كنت عملت من الطَّاعَات كعمل الْمُؤمن قَالَ الجبائى يَقُول لَهُ الله كنت أعلم أَنَّك لَو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك وَأمتك قبل أَن تنتهى إِلَى سنّ التَّكْلِيف قَالَ الشَّيْخ فَلَو قَالَ الْكَافِر يَا رب علمت حَاله كَمَا علمت حالى فَهَلا راعيت مصلحتى مثله فَانْقَطع الجبائى قلت هَذِه مناظرة شهيرة وَقد حَكَاهَا شَيخنَا الذهبى وهى دامغة لأصل من يقلده لِأَن الذى يقلده يَقُول إِن الله لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بحكمة باعثة لَهُ على فعله ومصلحة وَاقعَة وَهُوَ من الْمُعْتَزلَة فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَو يدرى شَيخنَا هَذَا لأضرب عَن ذكر هَذِه المناظرة صفحا

стр. 1031

وَوَقع فى زمَان شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام استفتاء فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَكتب عَلَيْهِ الشَّيْخ عز الدّين وَالشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب وَطَائِفَة وَمن كَلَام الشَّيْخ عز الدّين فى الْجَواب مَا أَجْهَل من يزْعم أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يجوز أَن يخلق شَيْئا إِلَّا أَن يكون فِيهِ جلب نفع أَو دفع ضَرَر تالله لقد تيمموا شاسعا وَلَقَد تحجروا وَاسِعًا وَمن جَوَاب ابْن الْحَاجِب أى صَلَاح فى خلق مَا هُوَ السَّبَب الْمُؤَدى إِلَى الْكفْر وكأنى أحكى الجوابين إِن شَاءَ الله فى بعض تراجم الطَّبَقَة السَّابِعَة وَهَذِه مَسْأَلَة مفروغ مِنْهَا فَمن أصلنَا أَنه يُقَال لَا يجب عَلَيْهِ شئ وَلَا يفعل شَيْئا لشئ ابتعثه عَلَيْهِ بل هُوَ مَالك الْملك وَرب الأرباب لَا حجر عَلَيْهِ لَهُ نقل عباده من الْخَيْر إِلَى الشَّرّ وَمن النَّفْع إِلَى الضّر ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَاعْلَم أَن جَوَاب شَيخنَا أَبى الْحسن مَأْخُوذ من قَول إمامنا الشافعى رضى الله عَنهُ الْقَدَرِيَّة إِذا سلمُوا الْعلم خصموا أى إِذا سلمُوا علم الله بالعواقب مناظرة بَينهمَا فى أَن أَسمَاء الله هَل هى توقيفية دخل رجل على الجبائى فَقَالَ هَل يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى عَاقِلا فَقَالَ الجبائى لَا لِأَن الْعقل مُشْتَقّ من العقال وَهُوَ الْمَانِع وَالْمَنْع فى حق الله محَال فَامْتنعَ الْإِطْلَاق قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن فَقلت لَهُ فعلى قياسك لَا يُسمى الله سُبْحَانَهُ حكيما لِأَن هَذَا الِاسْم مُشْتَقّ من حِكْمَة اللجام وهى الحديدة الْمَانِعَة للدابة عَن الْخُرُوج وَيشْهد لذَلِك قَول حسان بن ثَابت رضى الله عَنهُ

стр. 1032

(فنحكم بالقوافى من هجانا ... ونضرب حِين تختلط الدِّمَاء) وَقَول الآخر (أبنى حنيفَة حكمُوا سفهاءكم ... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا) أى نمْنَع بالقوافى من هجانا وامنعوا سفهاءكم فَإِذا كَانَ اللَّفْظ مشتقا من الْمَنْع وَالْمَنْع على الله محَال لزمك أَن تمنع إِطْلَاق حَكِيم عَلَيْهِ قَالَ فَلم يحر جَوَابا إِلَّا أَنه قَالَ لى فَلم منعت أَنْت أَن يُسمى الله سُبْحَانَهُ عَاقِلا وأجزت أَن يُسمى حكيما قَالَ فَقلت لَهُ لِأَن طريقى فى مَأْخَذ أَسمَاء الله الْإِذْن الشرعى دون الْقيَاس اللغوى فأطلقت حكيما لِأَن الشَّرْع أطلقهُ ومنعت عَاقِلا لَان الشَّرْع مَنعه وَلَو أطلقهُ الشَّرْع لأطلقته قلت كَذَا وَقع فى هَذِه المناظرة فى إنشاد الْبَيْت حكمُوا بِالْكَاف وَهُوَ الْمَشْهُور فى رِوَايَته وَكنت أجوز أَن يكون حلموا بِاللَّامِ لمقابلته بالسفهاء ثمَّ رَأَيْت فى كتاب الْكَامِل للمبرد رَحمَه الله تَعَالَى (أبنى حنيفَة نهنهوا سفهاءكم ... إنى أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا) (أبنى حنيفَة إننى إِن أهجكم ... أدع الْيَمَامَة لَا توارى أرنبا) وهما لجرير

стр. 1033

وَمن الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة عَن الشَّيْخ قَالَ الإِمَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فى بَاب اجْتِمَاع الْوُلَاة من النِّهَايَة فى الْمَرْأَة تدعى غيبَة وَليهَا وتطلب من السُّلْطَان أَن يُزَوّجهَا وتلح فى ذَلِك اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فى ذَلِك فَذهب قدوتنا فى الْأُصُول إِلَى أَنَّهَا تجاب وأقصى مَا يُمكن السُّلْطَان أَن يستمهلها فَإِن أَبَت أجابها وَذهب القاضى أَبُو بكر بن الباقلانى إِلَى أَن القاضى لَا يجيبها إِن رأى التَّأْخِير رَأيا وَيَقُول لَا تجب على إجابتك مَا لم أحتط انْتهى وَقد نقل الرافعى الْمَسْأَلَة عَن الإِمَام وَقَالَ فِيهَا وَجْهَان رَوَاهُمَا الإِمَام عَن أهل الْأُصُول وَأَنت ترى عبارَة الإِمَام لم يفصح بِذكر وَجْهَيْن وَإِنَّمَا حكى اخْتِلَاف الْأُصُولِيِّينَ وَأَرَادَ بقدوتنا فى الْأُصُول الأشعرى قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ الذى ينبغى أَن يُقَال إِن اجْتِهَاد القاضى إِن أَدَّاهُ إِلَى أَن مصلحَة الْمَرْأَة تفوت بِالتَّأْخِيرِ وَجَبت الْمُبَادرَة أَو أَن الْمصلحَة التَّأْخِير تعين وَإِن أشكل الْحَال أَو اسْتَوَى أَو كَانَ فى مهلة النّظر فَهَذَا مَوضِع التَّرَدُّد وينبغى أَلا يُبَادر ذكر تصانيف الشَّيْخ رضى الله عَنهُ ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حزم أَنَّهَا بلغت خمْسا وَخمسين مصنفا ورد ابْن عَسَاكِر هَذَا القَوْل وَقَالَ قد ترك من عدد مصنفاته أَكثر من النّصْف وَذكر أَبُو بكر بن فورك مسميات تزيد على الضعْف انْتهى قلت ابْن حزم على مِقْدَار مَا وقف عَلَيْهِ فى بِلَاد الغرب

стр. 1034

وَقد ذكر ابْن عَسَاكِر بعد ذَلِك عَن أَبى المعالى بن عبد الْملك القاضى أَنه سمع من يَثِق بِهِ يذكر أَنه رأى تراجم مصنفاته تزيد على مِائَتَيْنِ وثلاثمائة مُصَنف وعد ابْن عَسَاكِر من مصنفاته مِمَّا ذكره الشَّيْخ فِي كِتَابه الْعمد فى الرُّؤْيَة وَغَيره الْفُصُول فى الرَّد على الْمُلْحِدِينَ الموجز إِمَامَة الصّديق خلق الْأَعْمَال الِاسْتِطَاعَة الصِّفَات الرُّؤْيَة الْأَسْمَاء وَالْأَحْكَام الرَّد على المجسمة الْإِيضَاح اللمع الصَّغِير اللمع الْكَبِير الشَّرْح وَالتَّفْصِيل

стр. 1035

الْمُقدمَة النَّقْض على الجبائى النَّقْض على البلخى مقالات الْمُسلمين مقالات الْمُلْحِدِينَ الجوابات فى الصِّفَات على الاعتزال قَالَ ثمَّ نقضناه وأبطلناه الرَّد على ابْن الراوندى ذكر دَلِيل استنبطه عُلَمَاؤُنَا من الحَدِيث الصَّحِيح دَال على أَن أَبَا الْحسن وفئته على السّنة وَأَن سبيلهم سَبِيل الْجنَّة زعم طوائف من أَئِمَّتنَا أَن سيدنَا ومولانا وحبيبنا مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ بشر بالشيخ أَبى الْحسن وَأَشَارَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فى حَدِيث الْأَشْعَرِيين حَيْثُ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1036

(الْإِيمَان يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية أَتَاكُم أهل الْيمن هم أرق أَفْئِدَة وألين قلوبا) أخرجه البخارى وَمُسلم وفى حَدِيث أَنه ﷺ قَالَ (يقدم قوم هم أرق أَفْئِدَة مِنْكُم) فَقدم الأشعريون فيهم أَبُو مُوسَى ... الحَدِيث وفى حَدِيث لما نزلت ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ رَسُول الله ﷺ (هم قوم هَذَا) وَضرب بِيَدِهِ على ظهر أَبى مُوسَى الأشعرى وَقد استوعب الْحَافِظ فى كتاب التَّبْيِين الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فى هَذَا الْبَاب وَهَذَا ملخصها قَالَ عُلَمَاؤُنَا بشر ﷺ بأبى الْحسن فِيهَا إِشَارَة وتلويحا كَمَا بشر بأبى عبد الله الشافعى رضى الله عَنهُ فى حَدِيث (عَالم قُرَيْش يمْلَأ طباق الأَرْض علما) وَمَالك رضى الله عَنهُ فى حَدِيث يُوشك أَن يضْرب النَّاس آباط الْإِبِل فَلَا يَجدونَ عَالما أعلم من عَالم الْمَدِينَة وَمِمَّنْ وَافق على هَذَا التَّأْوِيل وَأخذ بِهِ من حفاظ الْمُحدثين وأئمتهم الْحَافِظ الْجَلِيل أَبُو بكر البيهقى فِيمَا أخبرنَا بِهِ يحيى بن فضل الله الْعُمْرَى فى كِتَابه عَن مكى ابْن عَلان أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الدمشقى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الْفضل الفراوى أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن على البيهقى الْحَافِظ قَالَ

стр. 1037

أما بعد فَإِن بعض أَئِمَّة الْأَشْعَرِيين رضى الله عَنْهُم ذاكرني بمتن الحَدِيث الذى أنبأناه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق حَدثنَا وهب بن جرير وَأَبُو عَامر العقدى قَالَا حَدثنَا شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن عِيَاض الأشعرى قَالَ لما نزلت ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أَوْمَأ النبى ﷺ إِلَى أَبى مُوسَى فَقَالَ (هم قوم هَذَا) قَالَ البيهقى وَذَلِكَ لما وجد من الْفَضِيلَة الجليلة والمرتبة الشَّرِيفَة فى هَذَا الحَدِيث للْإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى رضى الله عَنهُ فَهُوَ من قوم أَبى مُوسَى وَأَوْلَاده الَّذين أُوتُوا الْعلم ورزقوا الْفَهم مَخْصُوصًا من بَينهم بتقوية السّنة وقمع الْبِدْعَة بِإِظْهَار الْحجَّة ورد الشُّبْهَة وَالْأَشْبَه أَن يكون رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا جعل قوم أَبى مُوسَى من قوم يُحِبهُمْ الله وَيُحِبُّونَهُ لما علم من صِحَة دينهم وَعرف من قُوَّة يقينهم فَمن نحا فى علم الْأُصُول نحوهم وَتبع فى نفى التَّشْبِيه مَعَ مُلَازمَة الْكتاب وَالسّنة قَوْلهم جعل من جُمْلَتهمْ هَذَا كَلَام البيهقى وَنحن نقُول وَلَا نقطع على رَسُول الله ﷺ يشبه أَن يكون نبى الله ﷺ إِنَّمَا ضرب على ظهر أَبى مُوسَى رضى الله عَنهُ فى الحَدِيث الذى قدمْنَاهُ للْإِشَارَة والبشارة بِمَا يخرج من ذَلِك الظّهْر فى تَاسِع بطن وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن فقد كَانَت للنبى ﷺ إشارات لَا يفهمها إِلَّا الموفقون المؤيدون بِنور من الله الراسخون فى الْعلم ذَوُو البصائر المشرقة ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾

стр. 1038

وَقد عقد ابْن عَسَاكِر فى كتاب التَّبْيِين بَابا فِيمَا روى عَن النبى ﷺ من بشارته بأبى مُوسَى حِين قدومه من الْيمن وإشارته إِلَى مَا يظْهر من علم أَبى الْحسن وَابْن عَسَاكِر من أخيار هَذِه الْأمة علما ودينا وحفظا لم يجِئ بعد الدارقطنى أحفظ مِنْهُ اتّفق على هَذَا الْمُوَافق والمخالف وَعَن مُجَاهِد فى قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ قوم من سبأ قَالَ ابْن عَسَاكِر والأشعريون قوم من سبأ قلت وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن النبى ﷺ لم يحدث فى أصُول الدّين أحدا بِحَدِيث حَدثهُ للأشعريين وَأَنَّهُمْ الَّذين اختصوا بسؤاله عَن ذَلِك وإجابته لَهُم ففى صَحِيح البخارى وَغَيره عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ إنى لجالس عِنْد النبى ﷺ إِذْ جَاءَهُ قوم من بنى تَمِيم فَقَالَ (اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بنى تَمِيم) فَقَالُوا قد بشرتنا فَأَعْطِنَا يَا رَسُول الله قَالَ فَدخل عَلَيْهِ نَاس من أهل الْيمن فَقَالَ (اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أهل الْيمن إِذْ لم يقبلهَا بَنو تَمِيم) قَالُوا قبلنَا يَا رَسُول الله جِئْنَا لنتفقه فى الدّين ونسألك عَن أول هَذَا الْأَمر مَا كَانَ كَذَا فى لفظ وفى لفظ البخارى جئْنَاك نَسْأَلك عَن هَذَا الْأَمر قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شئ غَيره وفى رِوَايَة وَلم يكن شئ قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكتب فى الذّكر كل شئ قَالَ وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا عمرَان بن حُصَيْن راحلتك أدْرك نَاقَتك

стр. 1039

فقد ذهبت فَانْطَلَقت فى طلبَهَا وَإِذا السراب يَنْقَطِع دونهَا وأيم الله لَوَدِدْت أَنَّهَا ذهبت وأنى لم أقِم وَقد سَاق ابْن عَسَاكِر هَذَا الحَدِيث من طرق عدَّة ذكر أَتْبَاعه الآخذين عَنهُ والآخذين عَن من أَخذ عَنهُ وهلم جرا اعْلَم أَن أَبَا الْحسن لم يبدع رَأيا وَلم ينش مذهبا وَإِنَّمَا هُوَ مُقَرر لمذاهب السّلف مناضل عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ صحابة رَسُول الله ﷺ فالانتساب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار أَنه عقد على طَرِيق السّلف نطاقا وَتمسك بِهِ وَأقَام الْحجَج والبراهين عَلَيْهِ فَصَارَ المقتدى بِهِ فى ذَلِك السالك سَبيله فى الدَّلَائِل يُسمى أشعريا وَلَقَد قلت مرّة للشَّيْخ الإِمَام ﵀ أَنا أعجب من الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فى عدَّة طوائف من أَتبَاع الشَّيْخ وَلم يذكر إِلَّا نزرا يَسِيرا وعددا قَلِيلا وَلَو وفى الِاسْتِيعَاب حَقه لاستوعب غَالب عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُم برأى أَبى الْحسن يدينون الله تَعَالَى فَقَالَ إِنَّمَا ذكر من اشْتهر بالمناضلة عَن أَبى الْحسن وَإِلَّا فَالْأَمْر على مَا ذكرت من أَن غَالب عُلَمَاء الْمذَاهب مَعَه وَقد ذكر الشَّيْخ شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام أَن عقيدته اجْتمع عَلَيْهَا الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة وفضلاء الْحَنَابِلَة وَوَافَقَهُ على ذَلِك من أهل عصره شيخ الْمَالِكِيَّة فى زَمَانه أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب وَشَيخ الْحَنَفِيَّة جمال الدّين الحصيرى قلت وسنعقد لهَذَا الْفَصْل فصلا يَخُصُّهُ فِيمَا بعد قَالَ الشَّيْخ الإِمَام فِيمَا يحكيه لنا وَلَقَد وقفت لبَعض الْمُعْتَزلَة على كتاب سَمَّاهُ طَبَقَات الْمُعْتَزلَة وافتتح بِذكر عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ ظنا مِنْهُ أَنه برأه الله مِنْهُم

стр. 1040

على عقيدتهم قَالَ وَهَذَا نِهَايَة فى التعصب فَإِنَّمَا ينْسب إِلَى الْمَرْء من مَشى على منواله قلت أَنا للشَّيْخ الإِمَام وَلَو تمّ هَذَا لَهُم لَكَانَ للأشاعرة أَن يعدوا أَبَا بكر وَعمر رضى الله عَنْهُمَا فى جُمْلَتهمْ لأَنهم عَن عقيدتهما وعقيدة غَيرهمَا من الصَّحَابَة فِيمَا يدعونَ يناضلون وَإِيَّاهَا ينْصرُونَ وعَلى حماها يحومون فَتَبَسَّمَ وَقَالَ أَتبَاع الْمَرْء من دَان بمذهبه وَقَالَ بقوله على سَبِيل الْمُتَابَعَة والاقتفاء الذى هُوَ أخص من الْمُوَافقَة فَبين الْمُتَابَعَة والموافقة بون عَظِيم قلت وَقد بَينا البون فى شرح الْمُخْتَصر فى مَسْأَلَة الناسى وَنقل الْحَافِظ كَلَام الشَّيْخ أَبى عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى بن عمار الكلاعى المآيرقى وَهُوَ من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة فى هَذَا الْفَصْل فاستوعبه مِنْهُ أهل السّنة من الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَأكْثر الْحَنَفِيَّة بِلِسَان أَبى الْحسن الأشعرى يَتَكَلَّمُونَ وبحجته يحتجون ثمَّ أَخذ المايرقى يُقرر أَن أَبَا الْحسن كَانَ مالكى الْمَذْهَب فى الْفُرُوع وَحكى أَنه سمع الإِمَام رَافعا الْحمال يَقُول وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك قطعا كَمَا أسلفناه وَقد وَقع لى أَن سَبَب الْوَهم فِيهِ أَن القاضى أَبَا بكر كَانَ يُقَال لَهُ الأشعرى لشدَّة قِيَامه فى نصْرَة مَذْهَب الشَّيْخ وَكَانَ مالكيا على الصَّحِيح الذى صرح بِهِ أَبُو المظفر بن السمعانى فى القواطع وَغَيره من النقلَة الْأَثْبَات خلافًا لمن زَعمه شافعيا وَرَافِع الْحمال قَرَأَ على من قَرَأَ على القاضى فأظن المآيرقى سمع رَافعا يَقُول الأشعرى مالكى فتوهمه يعْنى الشَّيْخ وَإِنَّمَا يعْنى رَافع القاضى أَبَا بكر هَذَا مَا وَقع لى وَلَا أَشك فِيهِ والمآيرقى رجل مغربى بعيد الديار عَن بِلَاد الْعرَاق مُتَأَخّر عَن زمَان أَصْحَاب الشَّيْخ

стр. 1041

وَأَصْحَاب أَصْحَابه فيبعد عَلَيْهِ تَحْقِيق حَاله وَقد قدمنَا كَلَام الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى عَن الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق وَكفى بِهِ فَإِنَّهُ أعرف من رَافع وَلَا أحد فى عصر الْأُسْتَاذ أخبر مِنْهُ بِحَال الشَّيْخ إِلَّا أَن يكون القاضى ابْن الباقلانى وَقد ذكر غير وَاحِد من الْأَثْبَات أَن الشَّيْخ كَانَ يَأْخُذ مَذْهَب الشافعى عَن أَبى إِسْحَاق المروزى وَأَبُو إِسْحَاق المروزى يَأْخُذ عَنهُ علم الْكَلَام وَلذَلِك كَانَ يجلس فى حلقته وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا عَقدنَا لَهُ هَذَا الْفَصْل فلنعد إِلَى غرضنا فَنَقُول قَالَ المآيرقى وَلم يكن أَبُو الْحسن أول مُتَكَلم بِلِسَان أهل السّنة إِنَّمَا جرى على سنَن غَيره وعَلى نصْرَة مَذْهَب مَعْرُوف فَزَاد الْمَذْهَب حجَّة وبيانا وَلم يبتدع مقَالَة اخترعها وَلَا مذهبا انْفَرد بِهِ أَلا ترى أَن مَذْهَب أهل الْمَدِينَة نسب إِلَى مَالك وَمن كَانَ على مَذْهَب أهل الْمَدِينَة يُقَال لَهُ مالكى وَمَالك إِنَّمَا جرى على سنَن من كَانَ قبله وَكَانَ كثير الِاتِّبَاع لَهُم إِلَّا أَنه لما زَاد الْمَذْهَب بَيَانا وبسطا عزى إِلَيْهِ كَذَلِك أَبُو الْحسن الأشعرى لَا فرق لَيْسَ لَهُ فى مَذْهَب السّلف أَكثر من بَسطه وَشَرحه وتواليفه فى نصرته وَأطَال المآيرقى فى ذَلِك ثمَّ عدد خلقا من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة كَانُوا يناضلون عَن مَذْهَب الأشعرى ويبدعون من خَالفه وَلَا حَاجَة إِلَى شرح ذَلِك فَإِن الْمَالِكِيَّة أخص النَّاس بالأشعرى إِذْ لَا نَحْفَظ مالكيا غير أشعرى ونحفظ من غَيرهم طوائف جنحوا إِمَّا إِلَى اعتزال أَو إِلَى تَشْبِيه وَإِن كَانَ من جنح إِلَى هذَيْن من رعاع الْفرق ثمَّ ذكر المآيرقى رِسَالَة الشَّيْخ أَبى الْحسن القابسى المالكى الَّتِى يَقُول فِيهَا وَاعْلَمُوا أَن أَبَا الْحسن الأشعرى لم يَأْتِ من علم الْكَلَام إِلَّا مَا أَرَادَ بِهِ إِيضَاح السّنَن والتثبت عَلَيْهَا إِلَى أَن يَقُول القابسى وَمَا أَبُو الْحسن إِلَّا وَاحِد من جملَة القائمين فى نصْرَة الْحق مَا سمعنَا من أهل الْإِنْصَاف من يُؤَخِّرهُ عَن رُتْبَة ذَلِك وَلَا من يُؤثر عَلَيْهِ فى عصره غَيره وَمن بعده من أهل الْحق سلكوا سَبيله إِلَى أَن قَالَ لقد مَاتَ الأشعرى يَوْم مَاتَ وَأهل السّنة باكون عَلَيْهِ وَأهل الْبدع مستريحون مِنْهُ

стр. 1042

وَذكر قَول الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد عبد الله بن أَبى زيد فى جَوَابه لمن لَامة فى حب الأشعرى مَا الأشعرى إِلَّا رجل مَشْهُور بِالرَّدِّ على أهل الْبدع وعَلى الْقَدَرِيَّة الْجَهْمِية متمسك بالسنن وَأطَال المايرقى وَغَيره من الْمَالِكِيَّة فى تقريظ الشَّيْخ أَبى الْحسن وَإِذا عرفت ذَلِك فَمن الآخذين عَن الشَّيْخ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصعلوكى والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفراينى وَالشَّيْخ أَبُو بكر الْقفال وَالشَّيْخ أَبُو زيد المروزى والأستاذ أَبُو عبد الله بن خَفِيف وزاهر بن أَحْمد السرخسى والحافظ أَبُو بكر الجرجانى الإسماعيلى وَالشَّيْخ أَبُو بكر الأودنى وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الطبرى العراقى وَأَبُو الْحسن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الطبرى الْمَعْرُوف بالدمل وَأَبُو جَعْفَر السلمى النقاش وَأَبُو عبد الله الأصبهانى الشافعى وَأَبُو مُحَمَّد القرشى الزهرى وَأَبُو مَنْصُور بن حمشاد وَرُبمَا كَانَ فى هَؤُلَاءِ من لم يثبت عندنَا أَنه جَالس الشَّيْخ وَلَكِن كلهم عاصروه وتمذهبوا بمذهبه وقرؤوا كتبه وَأَكْثَرهم جالسه وَأخذ عَنهُ شفاها وَالشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن بن سمعون الْوَاعِظ وَأَبُو عبد الرَّحْمَن الشروطى الجرجانى وأخصهم بالشيخ أَرْبَعَة ابْن مُجَاهِد وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن يَعْقُوب بن مُجَاهِد الطائى شيخ القاضى أَبى بكر الباقلانى وَكَانَ مالكى الْمَذْهَب ذكره القَاضِي عِيَاض فى الْمدْرك وَأَبُو الْحسن الباهلى العَبْد الصَّالح شيخ الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق والأستاذ أَبى بكر ابْن فورك وَشَيخ القاضى أَبى بكر أَيْضا إِلَّا أَن القاضى أَبَا بكر أخص بِابْن مُجَاهِد والأستاذان أخص بالباهلى

стр. 1043

قَالَ القاضى أَبُو بكر كنت أَنا وَأَبُو إِسْحَاق الإسفراينى وَابْن فورك مَعًا فى درس الشَّيْخ الباهلى وَكَانَ يدرس لنا فى كل جُمُعَة مرّة وَاحِدَة وَكَانَ منا فى حجاب يرخى السّتْر بَيْننَا وَبَينه كى لَا نرَاهُ وَكَانَ من شدَّة اشْتِغَاله بِاللَّه مثل واله أَو مَجْنُون لم يكن يعرف مبلغ درسنا حَتَّى نذكرهُ ذَلِك وَقَالَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن على السهلكى كَانَ الباهلى يسْأَل عَن سَبَب النقاب وإرساله الْحجاب بَينه وَبَين هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كاحتجابه عَن الْكل فَإِنَّهُ كَانَ يحتجب عَن كل وَاحِد فَأجَاب إِنَّهُم يرَوْنَ السوقة وهم أهل الْغَفْلَة فيروني بِالْعينِ الَّتِى يرَوْنَ أُولَئِكَ بهَا قَالَ وَكَانَت لَهُ أَيْضا جَارِيَة تخدمه فَكَانَ حَالهَا أَيْضا مَعَه كَحال غَيرهَا من الْحجاب وإرخاء السّتْر بَينه وَبَينهَا وَالثَّالِث بنْدَار خادمه وَقد تقدّمت تَرْجَمته وَالرَّابِع أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن مهدى الطبرى وَمن الطَّبَقَة الثَّانِيَة أَبُو سعد الإسماعيلى وَأَخُوهُ أَبُو نصر وَأَبُو الطّيب الصعلوكى وَأَبُو الْحسن بن دَاوُد الْمُقْرِئ الدارانى وَسيف السّنة القاضى أَبُو بكر بن الباقلانى والأستاذ أَبُو إِسْحَاق والأستاذ أَبُو بكر بن فورك والأستاذ أَبُو على الدقاق وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَالشَّيْخ أَبُو سعد الخركوشى والقاضى أَبُو عمر البسطامى وَأَبُو الْقَاسِم البجلى وَأَبُو الْحسن ابْن ماشاذه والشريف أَبُو طَالب المهتدى وَأَبُو معمر بن أَبى سعد

стр. 1044

الإسماعيلى وَأَبُو حَازِم العبدوى الْحَافِظ الْأَعْرَج وَأَبُو على ابْن شَاذان والحافظ أَبُو نعيم الأصبهانى وَأَبُو حَامِد بن دلوية وَمن الثَّالِثَة أَبُو الْحسن السكرى وَأَبُو مَنْصُور الأيوبي النيسابورى والقاضى عبد الْوَهَّاب المالكى وَأَبُو الْحسن النعيمى وَأَبُو طَاهِر بن خراشة والأستاذ أَبُو مَنْصُور البغدادى والحافظ أَبُو ذَر الهروى وَأَبُو بكر ابْن الجرمى الزَّاهِد وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الجوينى وَأَبُو الْقَاسِم ابْن أَبى عُثْمَان الهمذانى البغدادى وَأَبُو جَعْفَر السمنانى الحنفى قاضى الْموصل وَأَبُو حَاتِم القزوينى ورشأ بن نظيف الْمُقْرِئ وَأَبُو مُحَمَّد الأصبهانى بن اللبان وسليم الرازى وَأَبُو عبد الله الخبازى وَأَبُو الْفضل بن عمروس المالكى والأستاذ أَبُو الْقَاسِم عبد الْجَبَّار بن على الإسفراينى والحافظ أَبُو بكر البيهقى

стр. 1045

وَمن الرَّابِعَة الْخَطِيب البغدادى الْحَافِظ والأستاذ أَبُو الْقَاسِم القشيرى وَأَبُو على بن أَبى حريصة الهمذاني وَأَبُو المظفر الإسفراينى وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَنصر المقدسى وَأَبُو عبد الله الطبرى وَمن الْخَامِسَة أَبُو المظفر الخوافى وإلكيا والغزالى وفخر الْإِسْلَام الشاشى وَأَبُو نصر القشيرى وَالشَّيْخ أَبُو سعيد الميهنى والشريف أَبُو عبد الله الديباجى والقاضى أَبُو الْعَبَّاس بن الرطبى وَأَبُو عبد الله الفراوى وَأَبُو سعد بن أَبى صَالح الْمُؤَذّن وَأَبُو الْحسن السلمى وَأَبُو مَنْصُور بن ماشاذه الأصبهانى وَأَبُو الْفتُوح الإسفراينى وَنصر الله المصيصى فَهَذَا جملَة من ذكر الْحَافِظ فى كتاب التَّبْيِين وَقَالَ لَوْلَا خوفى من الإملال فى الإسهاب لتتبعت ذكر جَمِيع الْأَصْحَاب وكما لَا يمكننى إحصاء نُجُوم السَّمَاء كَذَلِك لَا أتمكن من استقصاء جَمِيع الْعلمَاء مَعَ انتشارهم فى الأقطار والآفاق من الْمغرب وَالشَّام وخراسان وَالْعراق

стр. 1046

قلت وَلَقَد أهمل على سَعَة حفظه من الْأَعْيَان كثيرا وَترك ذكر أَقوام كَانَ ينبغى حَيْثُ ذكر هَؤُلَاءِ أَن يشمر عَن ساعد الِاجْتِهَاد فى ذكرهم تشميرا لكنه استوعب الأولى أَو كَاد واستغرق فَلم يفته إِلَّا بعض الْآحَاد وَمن الثَّانِيَة أَبُو الْحسن البليانى المالكى وَأَبُو الْفضل الممسى المالكى الْمَقْتُول ظلما وَأَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الْمُؤمن المكى المالكى تلميذ ابْن مُجَاهِد وَأَبُو بكر الأبهرى وَأَبُو مُحَمَّد بن أَبى زيد وَأَبُو مُحَمَّد بن التبَّان وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الله القلانسى وَمن الثَّالِثَة من الْمَالِكِيَّة أَبُو عمرَان الفاسى وَمن الرَّابِعَة أَبُو إِسْحَاق التونسى المالكى وَأَبُو الْوَفَاء ابْن عقيل الحنبلى وقاضى الْقُضَاة الدامغانى الحنفى وقاضى الْقُضَاة أَبُو بكر الناصح الحنفى وَمن الْخَامِسَة أَبُو الْوَلِيد الباجى وَأَبُو عمر بن عبد الْبر الْحَافِظ وَأَبُو الْحسن القابسى والحافظ الْكَبِير أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر والحافظ أَبُو الْحسن المرادى والحافظ أَبُو سعد بن السمعانى والحافظ أَبُو طَاهِر السلفى وَالْقَاضِي عِيَاض بن مُحَمَّد اليحصبى وَالْإِمَام أَبُو الْفَتْح الشهرستانى وَمن السَّادِسَة الإِمَام فَخر الدّين الرازى وَسيف الدّين الآمدى وَشَيخ الْإِسْلَام عز الدّين ابْن عبد السَّلَام وَالشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الْحَاجِب المالكى وَالشَّيْخ جمال الدّين

стр. 1047

الحصيرى الحنفى وَصَاحب التَّحْصِيل وَالْحَاصِل والخسر وشاهى وَمن السَّابِعَة شيخ الْإِسْلَام تقى الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين الباجى وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد وَالشَّيْخ صفى الدّين الهندى وَالشَّيْخ صدر الدّين ابْن المرحل وَابْن أَخِيه الشَّيْخ زين الدّين وَالشَّيْخ صدر الدّين سُلَيْمَان بن عبد الحكم المالكى وَالشَّيْخ شمس الدّين الحريرى الْخَطِيب وَالشَّيْخ جمال الدّين الزملكانى والقاضى جمال الدّين ابْن جملَة وَالشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن جميل وقاضى الْقُضَاة شمس الدّين السروجى الحنفى والقاضى شمس الدّين بن الحريرى الحنفى والقاضى عضد الدّين الإيجى الشيرازى ذكر بَيَان أَن طَريقَة الشَّيْخ هى الَّتِى عَلَيْهَا المعتبرون من عُلَمَاء الْإِسْلَام والمتميزون من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فى معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام والقائمون بنصرة دين سيدنَا مُحَمَّد ﷺ قد قدمنَا فى تضاعيف الْكَلَام مَا يدل على ذَلِك وحكينا لَك مقَالَة الشَّيْخ ابْن عبد السَّلَام وَمن سبقه إِلَى مثلهَا وتلاه على قَوْلهَا حَيْثُ ذكرُوا أَن الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة وفضلاء الْحَنَابِلَة أشعريون هَذِه عبارَة ابْن عبد السَّلَام شيخ الشَّافِعِيَّة وَابْن الْحَاجِب شيخ الْمَالِكِيَّة والحصيرى شيخ الْحَنَفِيَّة وَمن كَلَام ابْن عَسَاكِر حَافظ هَذِه الْأمة الثِّقَة الثبت هَل من الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة إِلَّا مُوَافق الأشعرى

стр. 1048

ومنتسب إِلَيْهِ وراض بحميد سَعْيه فى دين الله ومثن بِكَثْرَة الْعلم عَلَيْهِ غير شرذمة قَليلَة تضمر التَّشْبِيه وتعادى كل موحد يعْتَقد التَّنْزِيه أَو تضاهى قَول الْمُعْتَزلَة فى ذمه وتباهى بِإِظْهَار جهرها بقدرة سَعَة علمه وَنحن نحكى لَك هُنَا مقالات أخر لجَماعَة من معتبرى القَوْل من الْفُقَهَاء ثمَّ ننعطف إِلَى مَا نحققه ذكر استفتاء وَقع فى زمَان الْأُسْتَاذ أَبى الْقَاسِم القشيرى بخراسان عِنْد وُقُوع الْفِتْنَة الَّتِى سنحكيها فِيمَا بعد) كتب استفتاء فِيمَا يتَعَلَّق بِحَال الشَّيْخ فَكَانَ جَوَاب القشيرى مَا نَصه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم اتّفق أَصْحَاب الحَدِيث أَن أَبَا الْحسن على بن إِسْمَاعِيل الأشعرى كَانَ إِمَامًا من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث ومذهبه مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث تكلم فى أصُول الديانَات على طَريقَة أهل السّنة ورد على الْمُخَالفين من أهل الزيغ والبدعة وَكَانَ على الْمُعْتَزلَة وَالرَّوَافِض والمبتدعين من أهل الْقبْلَة والخارجين من الْملَّة سَيْفا مسلولا وَمن طعن فِيهِ أَو قدح أَو لَعنه أَو سبه فقد بسط لِسَان السوء فى جَمِيع أهل السّنة بذلنا خطوطنا طائعين بذلك فى هَذَا الدرج فى ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَالْأَمر على هَذِه الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فى هَذَا الذّكر وَكتبه عبد الْكَرِيم بن هوَازن القشيرى وَكتب تَحْتَهُ الخبازى كَذَلِك يعرفهُ مُحَمَّد بن على الخبازى وَهَذَا خطه وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الجوينى الْأَمر على هَذِه الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وَكتبه عبد الله ابْن يُوسُف وبخط أَبى الْفَتْح الشاشى وعَلى بن أَحْمد الجوينى وناصر الْعُمْرَى وَأحمد بن مُحَمَّد

стр. 1049

الأيوبى وأخيه على وأبى عُثْمَان الصابونى وَابْنه أَبى نصر بن أَبى عُثْمَان والشريف البكرى وَمُحَمّد بن الْحسن وأبى الْحسن الملقاباذى وَقد حكى خطوطهم ابْن عَسَاكِر وَكتب عبد الْجَبَّار الإسفراينى بِالْفَارِسِيَّةِ ابْن أَبُو الْحسن الأشعرى ان امام است كخداوند ابْن ايت درشان وى فرشتاد ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ومصطفى ﷺ درآن رتت بحدوى إشارات كرد بو مُوسَى أشعرى فَقَالَ (هم قوم هَذَا) كتبه عبد الْجَبَّار بن على بن مُحَمَّد الإسفراينى بِخَطِّهِ تَفْسِيره هَذَا أَبُو الْحسن كَانَ إِمَامًا وَلما أنزل الله قَوْله فَسَوف يأتى الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَشَارَ الْمُصْطَفى ﷺ إِلَى أَبى مُوسَى فَقَالَ (هم قوم هَذَا) استفتاء آخر بِبَغْدَاد مَا قَول السَّادة الْأَئِمَّة الجلة فِي قوم اجْتَمعُوا على لعن فرقة الأشعرى وتكفيرهم مَا الذى يجب عَلَيْهِم فَأجَاب قاضى الْقُضَاة أَبُو عبد الله الدامغانى الحنفى قد ابتدع وارتكب مَا لَا يجوز وعَلى النَّاظر فى الْأُمُور أعز الله أنصاره الْإِنْكَار عَلَيْهِ وتأديبه بِمَا يرتدع بِهِ هُوَ وَأَمْثَاله عَن ارْتِكَاب مثله وَكتب مُحَمَّد بن على الدامغانى وَبعده كتب الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى ﵀ الأشعرية أَعْيَان أهل السّنة ونصار الشَّرِيعَة انتصبوا للرَّدّ على المبتدعة من الْقَدَرِيَّة والرافضة وَغَيرهم فَمن طعن فيهم

стр. 1050

فقد طعن على أهل السّنة وَإِذا رفع أَمر من يفعل ذَلِك إِلَى النَّاظر فى أَمر الْمُسلمين وَجب عَلَيْهِ تأديبه بِمَا يرتدع بِهِ كل أحد وَكتب إِبْرَاهِيم بن على الفيروزابادى وَبعده جوابى مثله وَكتب مُحَمَّد بن أَحْمد الشاشى وَهُوَ فَخر الْإِسْلَام أَبُو بكر تلميذ الشَّيْخ أَبى إِسْحَاق استفتاء آخر فى وَاقعَة أَبى نصر القشيرى بِبَغْدَاد سنحكى إِن شَاءَ الله هَذَا الاستفتاء والأجوبة عِنْد انتهائنا إِلَى تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ أَبى نصر ابْن الْأُسْتَاذ أَبى الْقَاسِم فى الطَّبَقَة الْخَامِسَة وَإِن من جملَة خطّ الشَّيْخ أَبى إِسْحَاق الشيرازى فِيهِ مَا نَصه وَأَبُو الْحسن الأشعرى إِمَام أهل السّنة وَعَامة أَصْحَاب الشافعى على مذْهبه ومذهبه مَذْهَب أهل الْحق وَكتب إِبْرَاهِيم بن على الفيروزابادى وَكَذَلِكَ تَحت خطّ جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة والحنابلة مِنْهُم أَبُو الْخطاب بن الحلوبى وَأَبُو عبد الله القيروانى وأسعد الميهنى وَأَبُو الْوَفَاء بن عقيل الحنبلى وَأَبُو مَنْصُور الرزاز وَأَبُو الْفرج الإسفراينى وَأَبُو الْحسن بن الْخلّ وَأَبُو الْحسن على ابْن الْحُسَيْن الغزنوى الحنفى وَأَبُو الْخَيْر القزوينى وَعمر بن أَحْمد الخطيبى الزنجانى وبقى هَذَا الاستفتاء هَكَذَا زَمَانا بعد زمَان كلما جَاءَت أمة من الْعلمَاء كتبت بالموافقة أعصرا كَثِيرَة

стр. 1051

ذكر كَلَام أَبى الْعَبَّاس قاضى الْعَسْكَر الحنفى كَانَ أَبُو الْعَبَّاس هَذَا رجلا من أَئِمَّة أَصْحَاب الْحَنَفِيَّة وَمن الْمُتَقَدِّمين فى علم الْكَلَام وَكَانَ يعرف بقاضى الْعَسْكَر وَقد حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فى كتاب التَّبْيِين جملَة من كَلَامه فَمِنْهُ قَوْله وَقد وجدت لأبى الْحسن الأشعرى كتبا كَثِيرَة فى هَذَا الْفَنّ يعْنى أصُول الدّين وهى قريب من مائتى كتاب والموجز الْكَبِير يأتى على عَامَّة مَا فى كتبه وَقد صنف الأشعرى كتابا كَبِيرا لتصحيح مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُ كَانَ يعْتَقد مَذْهَبهم ثمَّ بَين الله لَهُ ضلالتهم فَبَان عَمَّا اعتقده من مَذْهَبهم وصنف كتابا ناقضا لما صنف للمعتزلة وَقد أَخذ عَامَّة أَصْحَاب الشافعى بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ مَذْهَب أَبى الْحسن الأشعرى وصنف أَصْحَاب الشافعى كتبا كَثِيرَة على وفْق مَا ذهب إِلَيْهِ الأشعرى إِلَّا أَن بعض أَصْحَابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة خطأ أَبَا الْحسن الأشعرى فى بعض الْمسَائِل مثل قَوْله التكوين والمكون وَاحِد وَنَحْوهَا على مَا نبين فى خلال الْمسَائِل إِن شَاءَ الله فَمن وقف على الْمسَائِل الَّتِى أَخطَأ فِيهَا أَبُو الْحسن وَعرف خطأه فَلَا بَأْس لَهُ بِالنّظرِ فى كتبه وَقد أمسك كتبه كثير من أَصْحَابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونظروا فِيهَا انْتهى ذكر الْبَحْث عَن تَحْقِيق ذَلِك سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام ﵀ يَقُول مَا تضمنته عقيدة الطحاوى هُوَ مَا يَعْتَقِدهُ الأشعرى لَا يُخَالِفهُ إِلَّا فى ثَلَاث مسَائِل قلت أَنا أعلم أَن الْمَالِكِيَّة كلهم أشاعرة لَا أستثنى أحدا وَالشَّافِعِيَّة غالبهم أشاعرة

стр. 1052

لَا أستثنى إِلَّا من لحق مِنْهُم بتجسيم أَو اعتزال مِمَّن لَا يعبأ الله بِهِ وَالْحَنَفِيَّة أَكْثَرهم أشاعرة أعنى يَعْتَقِدُونَ عقد الأشعرى لَا يخرج مِنْهُم إِلَّا من لحق مِنْهُم بالمعتزلة والحنابلة أَكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج مِنْهُم عَن عقيدة الأشعرى إِلَّا من لحق بِأَهْل التجسيم وهم فى هَذِه الْفرْقَة من الْحَنَابِلَة أَكثر من غَيرهم وَقد تَأَمَّلت عقيدة أَبى جَعْفَر الطحاوى فَوجدت الْأَمر على مَا قَالَ الشَّيْخ الإِمَام وعقيدة الطحاوى زعم أَنَّهَا الذى عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَلَقَد جود فِيهَا ثمَّ تفحصت كتب الْحَنَفِيَّة فَوجدت جَمِيع الْمسَائِل الَّتِى بَيْننَا وَبَين الْحَنَفِيَّة خلاف فِيهَا ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة مِنْهَا معنوى سِتّ مسَائِل والباقى لفظى وَتلك السِّت المعنوية لَا تقتضى مخالفتهم لنا وَلَا مخالفتنا لَهُم فِيهَا تكفيرا وَلَا تبديعا صرح بذلك الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور البغدادى وَغَيره من أَئِمَّتنَا وأئمتهم وَهُوَ غنى عَن التَّصْرِيح لظُهُوره وَمن كَلَام الْحَافِظ الْأَصْحَاب مَعَ اخْتلَافهمْ فى بعض الْمسَائِل كلهم أَجْمَعُونَ على ترك تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا مجمعون بِخِلَاف من عداهم من سَائِر الطوائف وَجَمِيع الْفرق فَإِنَّهُم حِين اخْتلفت بهم مستشنعات الْأَهْوَاء والطرق كفر بَعضهم بَعْضًا وَرَأى تبريه مِمَّن خَالفه فرضا قلت وَهَذَا حق وَمَا مثل هَذِه الْمسَائِل إِلَّا مثل مسَائِل كَثِيرَة اخْتلفت الأشاعرة فِيهَا وَكلهمْ عَن حمى أَبى الْحسن يناضلون وبسيفه يُقَاتلُون أفتراهم يبدع بَعضهم بَعْضًا ثمَّ هَذِه الْمسَائِل لم يثبت جَمِيعهَا عَن الشَّيْخ وَلَا عَن أَبى حنيفَة رضى الله عَنْهُمَا كَمَا سأحكى لَك وَلَكِن الْكَلَام بِتَقْدِير الصِّحَّة ولى قصيدة نونية جمعت فِيهَا هَذِه الْمسَائِل وضممت إِلَيْهَا مسَائِل اخْتلفت الأشاعرة فِيهَا مَعَ تصويب بَعضهم بَعْضًا فى أصل العقيدة ودعواهم أَنهم أَجْمَعِينَ على السّنة وَقد

стр. 1053

ولع كثير من النَّاس بِحِفْظ هَذِه القصيدة لَا سِيمَا الْحَنَفِيَّة وَشَرحهَا من أصحابى الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة نور الدّين مُحَمَّد بن أَبى الطّيب الشيرازى الشافعى وَهُوَ رجل مُقيم فى بِلَاد كيلان ورد علينا دمشق فى سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وَأقَام يلازم حلقتى نَحْو عَام وَنصف عَام وَلم أر فِيمَن جَاءَ من الْعَجم فى هَذَا الزَّمَان أفضل مِنْهُ وَلَا أدين وَأَنا أذكر لَك قصيدتى فى هَذَا الْكتاب لتستفيد مِنْهَا مسَائِل الْخلاف وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ (الْورْد خدك صِيغ من إِنْسَان ... أم فى الخدود شقائق النُّعْمَان) (وَالسيف لحظك سل من أجفانه ... فسطا كَمثل مهند وَسنَان) (تالله مَا خلقت لحاظك بَاطِلا ... وسدى تَعَالَى الله عَن بطلَان) (وكذاك عقلك لم يركب يَا أخى ... عَبَثا ويودع دَاخل الجثمان) (لَكِن ليسعد أَو ليشقى مُؤمن ... أَو كَافِر فبنو الورى صنفان) (لَو شَاءَ رَبك لاهتدى كل وَلم ... يحْتَج إِلَى حد وَلَا برهَان) (فَانْظُر بعقلك واجتهد فالخير مَا ... تؤتاه عقل رَاجِح الْمِيزَان) (واطلب نجاتك إِن نَفسك والهوى ... بحران فى الدركات يَلْتَقِيَانِ) (نَار يَرَاهَا ذُو الْجَهَالَة جنَّة ... ويخوض مِنْهَا فى حميم آن) (ويظل فِيهَا مثل صَاحب بِدعَة ... يتخيل الجنات فى النيرَان) مِنْهَا (كذب ابْن فاعلة يَقُول لجهله ... الله جسم لَيْسَ كالجسمان)

стр. 1054

(لَو كَانَ جسما كَانَ كالأجسام يَا ... مَجْنُون فاصغ وعد عَن بهتان) (وَاتبع صِرَاط الْمُصْطَفى فى كل مَا ... يأتى وخل وساوس الشَّيْطَان) (وَاعْلَم بِأَن الْحق مَا كَانَت عَلَيْهِ ... صحابة الْمَبْعُوث من عدنان) (من أكمل الدّين القويم وَبَين الْحجَج ... الَّتِى يهدى بهَا الثَّقَلَان) (قد نزهوا الرَّحْمَن عَن شبه وَقد ... دانوا بِمَا قد جَاءَ فى الْفرْقَان) (ومضوا على خير وَمَا عقدوا مجَالِس ... فى صِفَات الْخَالِق الديَّان) (كلا وَلَا ابتدعوا وَلَا قَالُوا الْبَنَّا ... متشابه فى شكله للبانى) (وَأَتَتْ على أَعْقَابهم عُلَمَاؤُنَا ... غرسوا ثمارا يجتنيها الجانى) (كالشافعى وَمَالك وكأحمد ... وأبى حنيفَة وَالرِّضَا سُفْيَان) (وكمثل إِسْحَاق وَدَاوُد وَمن ... يقفو طرائقهم من الْأَعْيَان) (وأتى أَبُو الْحسن الإِمَام الأشعرى م ... مُبينًا للحق أى بَيَان (ومناضلا عَمَّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ الأسلاف ... بالتحرير والإتقان) (مَا إِن يُخَالف مَالِكًا والشافعى م ... وَأحمد بن مُحَمَّد الشيبانى) (لَكِن يُوَافق قَوْلهم ويزيده ... حسنا بتحقيق وَفضل بَيَان) (يقفو طرائقهم وَيتبع حارثا ... أعنى محاسب نَفسه بوزان) (فَلَقَد تلقى حسن منهجه عَن الْأَشْيَاخ ... أهل الدّين والعرفان) (فلذاك تَلقاهُ لأهل الله ينصر ... قَوْلهم بمهند وَسنَان) (مثل ابْن أدهم والفضيل وَهَكَذَا ... مَعْرُوف الْمَعْرُوف فى الإخوان) (ذُو النُّون أَيْضا والسرى وَبشر بن ... الْحَارِث الحافى بِلَا فقدان) (وَكَذَلِكَ الطائى ثمَّ شَقِيق البلخى ... وطيفور كَذَا الدارانى) (والتسترى وحاتم وَأَبُو تُرَاب ... عَسْكَر فاعدد بِغَيْر توان)

стр. 1055

(وكذاك مَنْصُور بن عمار كَذَا ... يحيى سليل معَاذ الربانى) (فَلهُ بهم حسن اعْتِقَاد مثل مَا ... لَهُم بِهِ التأييد يَوْم رهان) (إِذْ يجمع الخصمان يَوْم جدالهم ... وَلما تحقق يسمع الخصمان) (لم لَا يُتَابع هَؤُلَاءِ وَشَيْخه الشَّيْخ ... الْجُنَيْد السَّيِّد الصمدانى) (عَنهُ التصوف قد تلقى فاغتذى ... وَله بِهِ وبعلمه نوران) (وَرَأى أَبَا عُثْمَان الحيرى والنمورى ... يَا لَهما هما الرّجلَانِ) (وَرَأى رويما ثمَّ رام طَرِيقه ... وَأَبا الفوارس شاها الكرمانى) (والمغربى كَذَا ابْن مَسْرُوق كَذَا البسرى ... قوم أَفرس الفرسان) (وَأَظنهُ لم يلتق الخراز بل ... قيل التقى سمنون فى سمنان) (وكذاك للجلاء لم ينظر وَلَا أبن ... عطا وَلَا الْخَواص ثمَّ بنان) (وكذاك ممشاذ مَعَ الدقى مَعَ ... خير وَهَذَا غَالب الحسبان) (وكذاك أَصْحَاب الطَّرِيقَة بعده ... ضبطوا عقائده بِكُل عنان) (وتتلمذ الشبلى بَين يَدَيْهِ وَابْن ... خَفِيف والثقفى والكتانى) (وخلائق كَثُرُوا فَلَا أحصيهم ... وربوا على الْيَاقُوت والمرجان) (الْكل معتقدون أَن إلهنا ... متوحد فَرد قديم دَان) (حى عليم قَادر مُتَكَلم ... عَال وَلَا نعنى علو مَكَان)
следующие страницы →