Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ذكر كَلَام أَبى الْعَبَّاس قاضى الْعَسْكَر الحنفى
كَانَ أَبُو الْعَبَّاس هَذَا رجلا من أَئِمَّة أَصْحَاب الْحَنَفِيَّة وَمن الْمُتَقَدِّمين فى علم الْكَلَام وَكَانَ يعرف بقاضى الْعَسْكَر
وَقد حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فى كتاب التَّبْيِين جملَة من كَلَامه فَمِنْهُ قَوْله وَقد وجدت لأبى الْحسن الأشعرى كتبا كَثِيرَة فى هَذَا الْفَنّ يعْنى أصُول الدّين وهى قريب من مائتى كتاب والموجز الْكَبِير يأتى على عَامَّة مَا فى كتبه وَقد صنف الأشعرى كتابا كَبِيرا لتصحيح مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُ كَانَ يعْتَقد مَذْهَبهم ثمَّ بَين الله لَهُ ضلالتهم فَبَان عَمَّا اعتقده من مَذْهَبهم وصنف كتابا ناقضا لما صنف للمعتزلة وَقد أَخذ عَامَّة أَصْحَاب الشافعى بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ مَذْهَب أَبى الْحسن الأشعرى وصنف أَصْحَاب الشافعى كتبا كَثِيرَة على وفْق مَا ذهب إِلَيْهِ الأشعرى إِلَّا أَن بعض أَصْحَابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة خطأ أَبَا الْحسن الأشعرى فى بعض الْمسَائِل مثل قَوْله التكوين والمكون وَاحِد وَنَحْوهَا على مَا نبين فى خلال الْمسَائِل إِن شَاءَ الله فَمن وقف على الْمسَائِل الَّتِى أَخطَأ فِيهَا أَبُو الْحسن وَعرف خطأه فَلَا بَأْس لَهُ بِالنّظرِ فى كتبه وَقد أمسك كتبه كثير من أَصْحَابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونظروا فِيهَا انْتهى
ذكر الْبَحْث عَن تَحْقِيق ذَلِك
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام ﵀ يَقُول مَا تضمنته عقيدة الطحاوى هُوَ مَا يَعْتَقِدهُ الأشعرى لَا يُخَالِفهُ إِلَّا فى ثَلَاث مسَائِل
قلت أَنا أعلم أَن الْمَالِكِيَّة كلهم أشاعرة لَا أستثنى أحدا وَالشَّافِعِيَّة غالبهم أشاعرة
стр. 1052
لَا أستثنى إِلَّا من لحق مِنْهُم بتجسيم أَو اعتزال مِمَّن لَا يعبأ الله بِهِ وَالْحَنَفِيَّة أَكْثَرهم أشاعرة أعنى يَعْتَقِدُونَ عقد الأشعرى لَا يخرج مِنْهُم إِلَّا من لحق مِنْهُم بالمعتزلة والحنابلة أَكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج مِنْهُم عَن عقيدة الأشعرى إِلَّا من لحق بِأَهْل التجسيم وهم فى هَذِه الْفرْقَة من الْحَنَابِلَة أَكثر من غَيرهم
وَقد تَأَمَّلت عقيدة أَبى جَعْفَر الطحاوى فَوجدت الْأَمر على مَا قَالَ الشَّيْخ الإِمَام وعقيدة الطحاوى زعم أَنَّهَا الذى عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَلَقَد جود فِيهَا ثمَّ تفحصت كتب الْحَنَفِيَّة فَوجدت جَمِيع الْمسَائِل الَّتِى بَيْننَا وَبَين الْحَنَفِيَّة خلاف فِيهَا ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة مِنْهَا معنوى سِتّ مسَائِل والباقى لفظى وَتلك السِّت المعنوية لَا تقتضى مخالفتهم لنا وَلَا مخالفتنا لَهُم فِيهَا تكفيرا وَلَا تبديعا صرح بذلك الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور البغدادى وَغَيره من أَئِمَّتنَا وأئمتهم وَهُوَ غنى عَن التَّصْرِيح لظُهُوره
وَمن كَلَام الْحَافِظ الْأَصْحَاب مَعَ اخْتلَافهمْ فى بعض الْمسَائِل كلهم أَجْمَعُونَ على ترك تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا مجمعون بِخِلَاف من عداهم من سَائِر الطوائف وَجَمِيع الْفرق فَإِنَّهُم حِين اخْتلفت بهم مستشنعات الْأَهْوَاء والطرق كفر بَعضهم بَعْضًا وَرَأى تبريه مِمَّن خَالفه فرضا
قلت وَهَذَا حق وَمَا مثل هَذِه الْمسَائِل إِلَّا مثل مسَائِل كَثِيرَة اخْتلفت الأشاعرة فِيهَا وَكلهمْ عَن حمى أَبى الْحسن يناضلون وبسيفه يُقَاتلُون أفتراهم يبدع بَعضهم بَعْضًا ثمَّ هَذِه الْمسَائِل لم يثبت جَمِيعهَا عَن الشَّيْخ وَلَا عَن أَبى حنيفَة رضى الله عَنْهُمَا كَمَا سأحكى لَك وَلَكِن الْكَلَام بِتَقْدِير الصِّحَّة
ولى قصيدة نونية جمعت فِيهَا هَذِه الْمسَائِل وضممت إِلَيْهَا مسَائِل اخْتلفت الأشاعرة فِيهَا مَعَ تصويب بَعضهم بَعْضًا فى أصل العقيدة ودعواهم أَنهم أَجْمَعِينَ على السّنة وَقد
стр. 1053
ولع كثير من النَّاس بِحِفْظ هَذِه القصيدة لَا سِيمَا الْحَنَفِيَّة وَشَرحهَا من أصحابى الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة نور الدّين مُحَمَّد بن أَبى الطّيب الشيرازى الشافعى وَهُوَ رجل مُقيم فى بِلَاد كيلان ورد علينا دمشق فى سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وَأقَام يلازم حلقتى نَحْو عَام وَنصف عَام وَلم أر فِيمَن جَاءَ من الْعَجم فى هَذَا الزَّمَان أفضل مِنْهُ وَلَا أدين
وَأَنا أذكر لَك قصيدتى فى هَذَا الْكتاب لتستفيد مِنْهَا مسَائِل الْخلاف وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ
(الْورْد خدك صِيغ من إِنْسَان ... أم فى الخدود شقائق النُّعْمَان)
(وَالسيف لحظك سل من أجفانه ... فسطا كَمثل مهند وَسنَان)
(تالله مَا خلقت لحاظك بَاطِلا ... وسدى تَعَالَى الله عَن بطلَان)
(وكذاك عقلك لم يركب يَا أخى ... عَبَثا ويودع دَاخل الجثمان)
(لَكِن ليسعد أَو ليشقى مُؤمن ... أَو كَافِر فبنو الورى صنفان)
(لَو شَاءَ رَبك لاهتدى كل وَلم ... يحْتَج إِلَى حد وَلَا برهَان)
(فَانْظُر بعقلك واجتهد فالخير مَا ... تؤتاه عقل رَاجِح الْمِيزَان)
(واطلب نجاتك إِن نَفسك والهوى ... بحران فى الدركات يَلْتَقِيَانِ)
(نَار يَرَاهَا ذُو الْجَهَالَة جنَّة ... ويخوض مِنْهَا فى حميم آن)
(ويظل فِيهَا مثل صَاحب بِدعَة ... يتخيل الجنات فى النيرَان)
مِنْهَا
(كذب ابْن فاعلة يَقُول لجهله ... الله جسم لَيْسَ كالجسمان)
стр. 1054
(لَو كَانَ جسما كَانَ كالأجسام يَا ... مَجْنُون فاصغ وعد عَن بهتان)
(وَاتبع صِرَاط الْمُصْطَفى فى كل مَا ... يأتى وخل وساوس الشَّيْطَان)
(وَاعْلَم بِأَن الْحق مَا كَانَت عَلَيْهِ ... صحابة الْمَبْعُوث من عدنان)
(من أكمل الدّين القويم وَبَين الْحجَج ... الَّتِى يهدى بهَا الثَّقَلَان)
(قد نزهوا الرَّحْمَن عَن شبه وَقد ... دانوا بِمَا قد جَاءَ فى الْفرْقَان)
(ومضوا على خير وَمَا عقدوا مجَالِس ... فى صِفَات الْخَالِق الديَّان)
(كلا وَلَا ابتدعوا وَلَا قَالُوا الْبَنَّا ... متشابه فى شكله للبانى)
(وَأَتَتْ على أَعْقَابهم عُلَمَاؤُنَا ... غرسوا ثمارا يجتنيها الجانى)
(كالشافعى وَمَالك وكأحمد ... وأبى حنيفَة وَالرِّضَا سُفْيَان)
(وكمثل إِسْحَاق وَدَاوُد وَمن ... يقفو طرائقهم من الْأَعْيَان)
(وأتى أَبُو الْحسن الإِمَام الأشعرى م ... مُبينًا للحق أى بَيَان
(ومناضلا عَمَّا عَلَيْهِ أُولَئِكَ الأسلاف ... بالتحرير والإتقان)
(مَا إِن يُخَالف مَالِكًا والشافعى م ... وَأحمد بن مُحَمَّد الشيبانى)
(لَكِن يُوَافق قَوْلهم ويزيده ... حسنا بتحقيق وَفضل بَيَان)
(يقفو طرائقهم وَيتبع حارثا ... أعنى محاسب نَفسه بوزان)
(فَلَقَد تلقى حسن منهجه عَن الْأَشْيَاخ ... أهل الدّين والعرفان)
(فلذاك تَلقاهُ لأهل الله ينصر ... قَوْلهم بمهند وَسنَان)
(مثل ابْن أدهم والفضيل وَهَكَذَا ... مَعْرُوف الْمَعْرُوف فى الإخوان)
(ذُو النُّون أَيْضا والسرى وَبشر بن ... الْحَارِث الحافى بِلَا فقدان)
(وَكَذَلِكَ الطائى ثمَّ شَقِيق البلخى ... وطيفور كَذَا الدارانى)
(والتسترى وحاتم وَأَبُو تُرَاب ... عَسْكَر فاعدد بِغَيْر توان)
стр. 1055
(وكذاك مَنْصُور بن عمار كَذَا ... يحيى سليل معَاذ الربانى)
(فَلهُ بهم حسن اعْتِقَاد مثل مَا ... لَهُم بِهِ التأييد يَوْم رهان)
(إِذْ يجمع الخصمان يَوْم جدالهم ... وَلما تحقق يسمع الخصمان)
(لم لَا يُتَابع هَؤُلَاءِ وَشَيْخه الشَّيْخ ... الْجُنَيْد السَّيِّد الصمدانى)
(عَنهُ التصوف قد تلقى فاغتذى ... وَله بِهِ وبعلمه نوران)
(وَرَأى أَبَا عُثْمَان الحيرى والنمورى ... يَا لَهما هما الرّجلَانِ)
(وَرَأى رويما ثمَّ رام طَرِيقه ... وَأَبا الفوارس شاها الكرمانى)
(والمغربى كَذَا ابْن مَسْرُوق كَذَا البسرى ... قوم أَفرس الفرسان)
(وَأَظنهُ لم يلتق الخراز بل ... قيل التقى سمنون فى سمنان)
(وكذاك للجلاء لم ينظر وَلَا أبن ... عطا وَلَا الْخَواص ثمَّ بنان)
(وكذاك ممشاذ مَعَ الدقى مَعَ ... خير وَهَذَا غَالب الحسبان)
(وكذاك أَصْحَاب الطَّرِيقَة بعده ... ضبطوا عقائده بِكُل عنان)
(وتتلمذ الشبلى بَين يَدَيْهِ وَابْن ... خَفِيف والثقفى والكتانى)
(وخلائق كَثُرُوا فَلَا أحصيهم ... وربوا على الْيَاقُوت والمرجان)
(الْكل معتقدون أَن إلهنا ... متوحد فَرد قديم دَان)
(حى عليم قَادر مُتَكَلم ... عَال وَلَا نعنى علو مَكَان)
стр. 1056
(باقى لَهُ سمع وإبصار يُرِيد ... جَمِيع مَا يجرى من الْإِنْسَان)
(وَالشَّر من تَقْدِيره لكنه ... عَنهُ نهاك بواضح الْبُرْهَان)
(قد أنزل الْقُرْآن وَهُوَ كَلَامه ... لفظت بِهِ للقارئ الشفتان)
(وإلهنا لَا شئ يُشبههُ وَلَيْسَ ... بمشبه شَيْئا من الْحدثَان)
(قد كَانَ مَا مَعَه قَدِيما قطّ من ... شئ وَلم يبرح بِلَا أعوان)
(خلق الْجِهَات مَعَ الزَّمَان مَعَ الْمَكَان ... الْكل مَخْلُوق على الْإِمْكَان)
(مَا إِن تحل بِهِ الْحَوَادِث لَا وَلَا ... كلا وَلَيْسَ يحل فى الجسمان)
(كذب المجسم والحلولى الكفور ... فذان فى الْبطلَان مفتريان)
(والاتحادى الجهول وَمن يقل ... بالاتحاد فَإِنَّهُ نصرانى)
(وَنَبِينَا خير الْخَلَائق أَحْمد ... ذُو الجاه عِنْد الله ذى السُّلْطَان)
(وَله الشَّفَاعَة والوسيلة والفضيلة ... واللواء وكوثر الظمآن)
(فاسأل إلهك بالنبى مُحَمَّد ... متوسلا تظفر بِكُل أَمَان)
(لَا خلق أفضل مِنْهُ لَا بشر وَلَا ... ملك وَلَا كَون من الأكوان)
(مَا الْعَرْش مَا الكرسى مَا هذى السما ... عِنْد النبى الْمُصْطَفى العدنان)
(وَالرسل بعد مُحَمَّد درجاتهم ... ثمَّ الملائك عابدو الرَّحْمَن)
(ثمَّ الصَّحَابَة مثل مَا قد رتبوا ... فَالْأَفْضَل الصّديق ذُو الْعرْفَان)
(ثمَّ الْعَزِيز السَّيِّد الْفَارُوق ثمَّ م ... اذكر محَاسِن ذى التقى عُثْمَان)
(وعَلى ابْن الْعم وَالْبَاقُونَ أهل ... الْفضل وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان)
(والأولياء لَهُم كرامات فَلَا ... تنكر تقع فى مهمه الخذلان)
стр. 1057
(والمؤمنون يرَوْنَ رَبهم كرؤيتهم ... لبدر لَاحَ نَحْو عيان)
(هَذَا اعْتِقَاد مَشَايِخ الْإِسْلَام وَهُوَ ... الدّين فلتسمع لَهُ الأذنان)
(الأشعرى عَلَيْهِ ينصره وَلَا ... يألوا جزاه الله بِالْإِحْسَانِ)
(وكذاك حَالَته مَعَ النُّعْمَان لم ... ينْقض عَلَيْهِ عقائد الْإِيمَان)
(يَا صَاح إِن عقيدة النُّعْمَان والأشعرى ... حَقِيقَة الإتقان)
(فكلاهما وَالله صَاحب سنة ... بهدى نبى الله مقتديان)
(لاذا يبدع ذَا وَلَا هَذَا وَإِن ... تحسب سواهُ وهمت فى الحسبان)
(من قَالَ إِن أَبَا حنيفَة مبدع ... رَأيا فَذَلِك قَائِل الهذيان)
(أَو ظن أَن الأشعرى مبدع ... فَلَقَد أَسَاءَ وباء بالخسران)
(كل إِمَام مقتد ذُو سنة ... كالسيف مسلولا على الشَّيْطَان)
(وَالْخلف بَينهمَا قَلِيل أمره ... سهل بِلَا بدع وَلَا كفران)
(فِيمَا يقل من الْمسَائِل عده ... ويهون عِنْد تطاعن الأقران)
(وَلَقَد يؤول خلَافهَا إِمَّا إِلَى ... لفظ كالاستثناء فى الْإِيمَان)
الأشعرى يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله
(وكمنعه أَن السعيد يضل أَو ... يشقى ونعمة كَافِر خوان)
الأشعرى يَقُول السعيد من كتب فى بطن أمه سعيدا والشقى من كتب فى بطن أمه شقيا لَا يتبدلان
стр. 1058
وَأَبُو حنيفَة يَقُول قد يكون سعيدا ثمَّ يَنْقَلِب وَالْعِيَاذ بِاللَّه شقيا وَبِالْعَكْسِ
وَقد قَررنَا هَذِه الْ مَسْأَلَة فى كتَابنَا فى شرح عقيدة الْأُسْتَاذ أَبى مَنْصُور وَبينا اخْتِلَاف السّلف فِيهَا كاختلاف الْخلف وَأَن الْخلاف لفظى لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة
والأشعرى يَقُول لَيْسَ على الْكَافِر نعْمَة وكل مَا يتقلب فِيهِ اسْتِدْرَاج وَأَبُو حنيفَة يَقُول عَلَيْهِ نعْمَة وَوَافَقَهُ من الأشاعرة القاضى أَبُو بكر بن الباقلانى فَهُوَ مَعَ الْحَنَفِيَّة فى هَذِه كالماتريدى مِنْهُم مَعنا فى مَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء
(وَكَذَا الرسَالَة بعد موت إِن تكن ... صحت وَإِلَّا أجمع الشَّيْخَانِ)
(وَقد ادّعى ابْن هوَازن أستاذنا ... فِيهَا افتراء من عَدو شان)
(وَهُوَ الْخَبِير الثبت نقلا والإرادة ... لَيْسَ يلْزمهَا رضَا الرَّحْمَن)
(فالكفر لَا يرضى بِهِ لِعِبَادِهِ ... ويريده أَمْرَانِ مفترقان)
(وَأَبُو حنيفَة قَائِل إِن الْإِرَادَة ... وَالرِّضَا أَمْرَانِ متحدان)
(وَعَلِيهِ أكثرنا وَلَكِن لَا يَصح م ... وَقيل مَكْذُوب على النُّعْمَان)
مَسْأَلَة
إِنْكَار الرسَالَة بعد الْمَوْت معزوة إِلَى الأشعرى وهى من الْكَذِب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَكرنَاهَا وَفَاء بِمَا اشترطناه من أَنا ننظم كل مَا عزى إِلَيْهِ وَلكنه صرح بِخِلَافِهَا وَكتبه وَكتب أَصْحَابه قد طبقت طبق الأَرْض وَلَيْسَ فِيهَا شئ من ذَلِك بل فِيهَا خِلَافه
وَمن عقائدنا أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ أَحيَاء فى قُبُورهم فَأَيْنَ الْمَوْت وَقد أنكر الْأُسْتَاذ ابْن هوَازن وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم القشيرى فى كِتَابه شكاية أهل السّنة الذى سنحكيه فى هَذِه التَّرْجَمَة بِتَمَامِهِ هَذِه وَبَين أَنَّهَا مختلقة على الشَّيْخ وَكَذَلِكَ بَين ذَلِك غَيره
стр. 1059
وصنف البيهقى ﵀ جُزْءا سمعناه فى حَيَاة الْأَنْبِيَاء ﵈ فى قُبُورهم واشتذ نَكِير الأشاعرة على من نسب هَذَا القَوْل إِلَى الشَّيْخ وَقَالُوا قد افترى عَلَيْهِ وبهته
وَأما مَسْأَلَة الرِّضَا والإرادة فَاعْلَم أَن الْمَنْقُول عَن أَبى حنيفَة اتحادهما وَعَن الأشعرى افتراقهما
وَقيل إِن أَبَا حنيفَة لم يقل بالاتحاد فيهمَا بل ذَلِك مَكْذُوب عَلَيْهِ فعلى هَذَا انْقَطع النزاع وَإِنَّمَا الْكَلَام بِتَقْدِير صِحَة الِاتِّحَاد عِنْده وَأكْثر الأشاعرة على مَا يعزى إِلَى أَبى حنيفَة من الِافْتِرَاق مِنْهُم إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره آخِرهم الشَّيْخ محيى الدّين النَّوَوِيّ ﵀ قَالَ هما شئ وَاحِد ولكنى أَنا لَا أخْتَار ذَلِك وَالْحق عندى أَنَّهُمَا مفترقان كَمَا هُوَ مَنْصُوص الشَّيْخ أَبى الْحسن
(وكذاك إِيمَان الْمُقَلّد وَهُوَ مِمَّا ... أنكر ابْن هوَازن الربانى)
(وَلَو أَنه مِمَّا يَصح فخلفهم ... فِيهِ للفظ عَاد دون معَان)
ذكرُوا أَن شَيخنَا يَقُول إِن إِيمَان الْمُقَلّد لَا يَصح وَأنكر ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ إِنَّه مَكْذُوب عَلَيْهِ وسنبحث عَن ذَلِك فى ذيل سِيَاق كتاب شكاية أهل السّنة وَالْقَوْل على تَقْدِير الصِّحَّة
(وكذاك كسب الأشعرى وَإنَّهُ ... صَعب وَلَكِن قَامَ بالبرهان)
(من لم يقل بِالْكَسْبِ مَال إِلَى اعتزال ... أَو مقَال الْجَبْر ذى الطغيان)
كسب الأشعرى كَمَا هُوَ مُقَرر فى مَكَانَهُ أَمر يضْطَر إِلَيْهِ من يُنكر خلق الْأَفْعَال وَكَون العَبْد مجبرا وَالْأول اعتزال والثانى جبر فَكل أحد يثبت وَاسِطَة لَكِن يعسر التَّعْبِير عَنْهَا ويمثلونها بِالْفرقِ بَين حَرَكَة المرتعش وَالْمُخْتَار وَقد اضْطربَ الْمُحَقِّقُونَ فى تَحْرِير هَذِه الْوَاسِطَة وَالْحَنَفِيَّة سَموهَا الِاخْتِيَار
стр. 1060
والذى تحرر لنا أَن الِاخْتِيَار وَالْكَسْب عبارتان عَن معِين وَاحِد وَلَكِن الأشعرى آثر لفظ الْكسْب على لفظ الِاخْتِيَار لكَونه مَنْطُوق الْقُرْآن وَالْقَوْم آثروا لفظ الِاخْتِيَار لما فِيهِ من إِشْعَار قدرَة للْعَبد
وللقاضى أَبى بكر مَذْهَب يزِيد على مَذْهَب الأشعرى فَلَعَلَّهُ رأى الْقَوْم
ولإمام الْحَرَمَيْنِ والغزالى مَذْهَب يزِيد على المذهبين جَمِيعًا ويدنوا كل الدنو من الاعتزال وَلَيْسَ هُوَ هُوَ
ولسنا الْآن لتحرير هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة الْخطب وَقد قررناها على وَجه مُخْتَصر فِي شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وعَلى وَجه مَبْسُوط فِيمَا كتبناه من أصُول الديانَات
(أَو للمعانى وَهُوَ سِتّ مسَائِل ... هَانَتْ مداركها بِدُونِ هوان)
(لله تَعْذِيب الْمُطِيع وَلَو جرى ... مَا كَانَ من ظلم وَلَا عدوان)
(متصرف فى ملكه فَلهُ الذى ... يخْتَار لَكِن جاد بِالْإِحْسَانِ)
(فنفى الْعقَاب وَقَالَ سَوف أثيبهم ... فَلهُ بِذَاكَ عَلَيْهِم فضلان)
(هَذَا مقَال الأشعرى إمامنا ... وسواه مأثور عَن النُّعْمَان)
مَا قدمنَا من الْمسَائِل وَمِنْه مَا لم يَصح كَمَا عرفت هُوَ لفظى كُله لَا فَائِدَة للْخلاف فِيهِ
وَمن هُنَا الْمسَائِل المعنوية وهى سِتّ مسَائِل وَقد عرفنَا أَن الشَّيْخ الإِمَام كَانَ يَقُول إِن عقيدة الطحاوى لم تشْتَمل إِلَّا على ثَلَاث وَلَكنَّا نَحن جَمعنَا الثَّلَاث الْأُخَر من كَلَام الْقَوْم
أَولهَا أَن الرب تَعَالَى لَهُ عندنَا أَن يعذب الطائعين ويثيب العاصين كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل لَا حجر عَلَيْهِ فى ملكه وَلَا داعى لَهُ إِلَى فعله وَعِنْدهم يجب تَعْذِيب العاصى وإثابة الْمُطِيع وَيمْتَنع الْعَكْس
стр. 1061
(وَوُجُوب معرفَة الْإِلَه الأشعرى ... يَقُول ذَاك بشرعة الديَّان)
(وَالْعقل لَيْسَ بحاكم لَكِن لَهُ الْإِدْرَاك ... لَا حكم على الْحَيَوَان)
(وقضوا بِأَن الْعقل يُوجِبهَا وفى ... كتب الْفُرُوع لصحبنا وَجْهَان)
(وَبِأَن أَوْصَاف الفعال قديمَة ... لَيست بحادثة على الْحدثَان)
(وَبِأَن مَكْتُوب الْمَصَاحِف منزل ... عين الْكَلَام الْمنزل الْقُرْآن)
(وَالْبَعْض أنكر ذَا فَإِن يصدق فقد ... ذهبت من التعداد مَسْأَلَتَانِ)
(هذى وَمَسْأَلَة الْإِرَادَة قبلهَا ... أَمْرَانِ فِيمَا قيل مكذوبان)
(وكما انْتَفَى هَذَانِ عَنْهُم هَكَذَا ... عَنَّا انْتَفَى مِمَّا يُقَال اثْنَان)
(قَالُوا وَلَيْسَ بجائز تَكْلِيف مَا ... لَا يُسْتَطَاع فَتى من الفتيان)
(وَعَلِيهِ من أَصْحَابنَا شيخ العراقى ... وَحجَّة الْإِسْلَام ذُو الإتقان)
(وَرَوَاهُ مُجْتَهد الزَّمَان مُحَمَّد بن ... دَقِيق عيد وَاضح السبلان)
منعُوا تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَوَافَقَهُمْ من أَصْحَابنَا الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفراينى شيخ الْعِرَاقِيّين وَحجَّة الْإِسْلَام الغزالى وَشَيخ الْإِسْلَام تقى الدّين مُحَمَّد ابْن على بن دَقِيق الْعِيد القوصى رَحِمهم الله تَعَالَى أَجْمَعِينَ
(قَالُوا وتمتنع الصَّغَائِر من نبى ... للإله وَعِنْدنَا قَولَانِ)
(وَالْمَنْع مروى عَن الْأُسْتَاذ والقاضى ... عِيَاض وَهُوَ ذُو رُجْحَان)
(وَبِه أَقُول وَكَانَ مَذْهَب والدى ... دفعا لرتبتهم عَن النُّقْصَان)
(والأشعرى إمامنا لكننا ... فى ذَا نخالفه بِكُل لِسَان)
(ونقول نَحن على طَرِيقَته وَلَكِن ... صَحبه فى ذَاك طَائِفَتَانِ)
(بل قَالَ بعض الأشعرية إِنَّهُم ... بُرَآء معصومون من نِسْيَان)
стр. 1062
(وَالْكل معدودون من أَتْبَاعه ... لَا يخرجُون بذا عَن الإذعان)
(وَأَبُو حنيفَة هَكَذَا مَعَ شَيخنَا ... لَا شئ بَينهمَا من النكران)
(متناصران وَذَا اخْتِلَاف هَين ... عَار عَن التبديع والخذلان)
(هَذَا الإِمَام وَقَبله القَاضِي يَقُولَانِ ... البقا لحقيقة الرَّحْمَن)
(وهما كَبِيرا الأشعرية وَهُوَ قَالَ ... بزائد فى الذَّات للإمكان)
(وَالشَّيْخ والأستاذ متفقان فى ... عقد وفى أَشْيَاء مُخْتَلِفَانِ)
(وَكَذَا ابْن فورك الشَّهِيد وَحجَّة الْإِسْلَام ... خصما الْإِفْك والبهتان)
(وَابْن الْخَطِيب وَقَوله إِن الْوُجُود ... يزِيد وَهُوَ الأشعرى الثانى)
(وَالِاخْتِلَاف فى الِاسْم هَل هُوَ والمسمى ... وَاحِد لَا اثْنَان أَو غيران)
(والأشعرية بَينهم خلف إِذا ... عدت مسَائِله على الْإِنْسَان)
(بلغت مئين وَكلهمْ ذُو سنة ... أخذت عَن الْمَبْعُوث من عدنان)
(وَغدا يُنَادى كلنا من جملَة الأتباع ... للأسلاف بِالْإِحْسَانِ)
(والأشعرى إمامنا وَالسّنة الغراء ... سنتنا مدى الْأَزْمَان)
(وكذاك أهل الرَّأْي مَعَ أهل الحَدِيث ... فى الِاعْتِقَاد الْحق متفقان)
(مَا إِن يكفر بَعضهم بَعْضًا وَلَا ... أزرى عَلَيْهِ وسامه بهوان)
(إِلَّا الَّذين تمعزلوا مِنْهُم فهم ... فِيهِ تنحت عَنْهُم الفئتان)
(هَذَا الصَّوَاب فَلَا تَظنن غَيره ... واعقد عَلَيْهِ بخنصر وبنان)
(وَرَأَيْت مِمَّن قَالَه حبر لَهُ ... نبأ عَظِيم سَار فى الْبلدَانِ)
(أعنى أَبَا مَنْصُور الْأُسْتَاذ عبد ... القاهر الْمَشْهُور فى الأكوان)
стр. 1063
(هَذَا صِرَاط الله فَاتبعهُ تَجِد ... فى الْقلب برد حلاوة الْإِيمَان)
(وتراه يَوْم الْحَشْر أَبيض وَاضحا ... يهدى إِلَيْك رسائل الغفران)
(وَعَلِيهِ كَانَ السَّابِقُونَ عَلَيْهِم ... حلل الثَّنَاء وملبس الرضْوَان)
(والشافعى وَمَالك وَأَبُو حنيفَة ... وَابْن حَنْبَل الْكَبِير الشان)
(درجوا عَلَيْهِ وخلفونا إثرهم ... إِن نتبعهم نَجْتَمِع بجنان)
(أَو نبتدع فلسوف نصلى النَّار مذمومين ... مدحورين بالعصيان)
(وَالْكفْر منفى فلست مكفرا ... ذَا بِدعَة شنعاء فى النيرَان)
(بل كل أهل الْقبْلَة الْإِيمَان يجمعهُمْ ... ويفترقون كالوحدان)
(فأجارنا الرَّحْمَن بالهادى النبى م ... مُحَمَّد من ناره بِأَمَان)
ﷺ مَا وضح الضُّحَى ... وبدا بديجور الدجى النسران)
(والآل والصحب الْكِرَام وَمِنْهُم الصّديق ... والفاروق مَعَ عُثْمَان)
(وعَلى ابْن الْعم وَالْبَاقُونَ إِنَّهُم م ... النُّجُوم لمقتد حيران)
شرح حَال الْفِتْنَة الَّتِى وَقعت بِمَدِينَة نيسابور قَاعِدَة بِلَاد خُرَاسَان إِذْ ذَاك فى الْعلم وَكَيف آلت إِلَى خُرُوج إِمَام الْحَرَمَيْنِ والحافظ البيهقى والأستاذ أَبى الْقَاسِم القشيرى من نيسابور ثمَّ كَيفَ كَانَت الدائرة على من رام مَذْهَب الأشعرى بِسوء وَكَيف قصمه الله
كَانَ سُلْطَان الْوَقْت إِذْ ذَاك السُّلْطَان طغرلبك السلجوقى وَكَانَ رجلا حنفيا سنيا خيرا عادلا محببا إِلَى أهل الْعلم من كبار الْمُلُوك وعظمائهم وَهُوَ أول مُلُوك السلجوقية وَكَانَ يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَهُوَ الذى أرسل الشريف نَاصِر بن إِسْمَاعِيل
стр. 1064
رَسُولا إِلَى ملكة الرّوم فاستأذنها بِالصَّلَاةِ فى جَامع الْقُسْطَنْطِينِيَّة جمَاعَة يَوْم الْجُمُعَة فصلى وخطب للْإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله وتمهدت الْبِلَاد لطغرلبك وسمت نَفسه بِحَيْثُ وصل أمره إِلَى أَن سير إِلَى الْخَلِيفَة الْقَائِم يخْطب ابْنَته وَذَلِكَ فى ذَلِك الزَّمَان مقَام مهول فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة واستعفى ثمَّ لم يجد بدا من ذَلِك لِعَظَمَة طغرلبك وَكَونه ملكا قاهرا لَا يُطَاق فَزَوجهُ بهَا وَقدم بَغْدَاد فى سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَأرْسل يطْلبهَا وَحمل مائَة ألف دِينَار برسم نقل جهازها فَعمل الْعرس فى صفر بدار المملكة وأجلست على سَرِير ملبس بِالذَّهَب وَدخل السُّلْطَان وَقبل الأَرْض بَين يَديهَا وَلم يكْشف البرقع عَن وَجههَا إِذْ ذَاك وَقدم لَهَا تحفا وخدم وَانْصَرف مَسْرُورا وَكَانَ لهَذَا السُّلْطَان وَزِير سوء وَهُوَ وزيره أَبُو نصر مَنْصُور بن مُحَمَّد الكندرى كَانَ معتزليا رَافِضِيًّا خَبِيث العقيدة لم يبلغنَا أَن أحدا جمع لَهُ من خبث العقيدة مَا اجْتمع لَهُ فَإِنَّهُ على مَا ذكر كَانَ يَقُول بِخلق الْأَفْعَال وَغَيره من قبائح الْقَدَرِيَّة وَسَب الشَّيْخَيْنِ وَسَائِر الصَّحَابَة وَغير ذَلِك من قبائح شَرّ الروافض وتشبيهه الله بخلقه وَغير ذَلِك من قبائح الكرامية والمجسمة وَكَانَ لَهُ مَعَ ذَلِك تعصب عَظِيم وانضم إِلَى كل هَذَا أَن رَئِيس الْبَلَد الْأُسْتَاذ أَبَا سهل بن الْمُوفق الذى سنذكر إِن شَاءَ الله تَرْجَمته فى الطَّبَقَة الرَّابِعَة كَانَ ممدحا جوادا ذَا أَمْوَال جزيلة وصدقات دارة وهبات هائلة رُبمَا وهب الْألف دِينَار لسائل وَكَانَ مرفوقا بالوزارة وداره مُجْتَمع الْعلمَاء ملتقى الْأَئِمَّة من الْفَرِيقَيْنِ الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة فى دَاره يتناظرون وعَلى سماطه يتلقمون وَكَانَ عَارِفًا بأصول الدّين على مَذْهَب الأشعرى قَائِما فى ذَلِك مناضلا فى الذب عَنهُ فَعظم ذَلِك على الكندرى بِمَا فى نَفسه من الْمَذْهَب وَمن بغض ابْن الْمُوفق
стр. 1065
بِخُصُوصِهِ وخشيته مِنْهُ أَن يثب على الوزارة فَحسن للسُّلْطَان لعن المبتدعة على المنابر فَعِنْدَ ذَلِك أَمر السُّلْطَان بِأَن تلعن المبتدعة على المنابر فَاتخذ الكندرى ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى ذكر الأشعرية وَصَارَ يقصدهم بالإهانة والأذى وَالْمَنْع عَن الْوَعْظ والتدريس وعزلهم عَن خطابة الْجَامِع واستعان بطَائفَة من الْمُعْتَزلَة الَّذين زَعَمُوا أَنهم يقلدون مَذْهَب أَبى حنيفَة أشربوا فى قُلُوبهم فضائح الْقَدَرِيَّة وَاتَّخذُوا التمذهب بِالْمذهبِ الحنفى سياجا عَلَيْهِم فحببوا إِلَى السُّلْطَان الإزراء بِمذهب الشافعى عُمُوما وبالأشعرية خُصُوصا
وَهَذِه هى الْفِتْنَة الَّتِى طَار شررها فَمَلَأ الْآفَاق وَطَالَ ضررها فَشَمَلَ خُرَاسَان وَالشَّام والحجاز وَالْعراق وَعظم خطبهَا وبلاؤها وَقَامَ فِي سبّ أهل السّنة خطيبها وسفهاؤها إِذْ أدّى هَذَا الْأَمر إِلَى التَّصْرِيح بلعن أهل السّنة فى الْجمع وتوظيف سبهم على المنابر وَصَارَ لأبى الْحسن كرم الله وَجهه بهَا أُسْوَة لعلى بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه فى زمن بعض بنى أُميَّة حَيْثُ استولت النواصب على المناصب واستعلى أُولَئِكَ السُّفَهَاء فى المجامع والمراتب
فَقَامَ أَبُو سهل فى عصبَة الْحق وشمر عَن ساعد الْجد بِحَقِيقَة الصدْق وَتردد إِلَى الْعَسْكَر فى دفع ذَلِك وَمَا أَفَادَ شئ من التَّدْبِير إِذْ كَانَ الْخصم الْحَاكِم وَالسُّلْطَان محجبا إِلَّا بوساطة ذَلِك الْوَزير ثمَّ جَاءَ الْأَمر من قبل السُّلْطَان طغرلبك بِالْقَبْضِ على الرئيس الفراتى والأستاذ أَبى الْقَاسِم القشيرى وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وأبى سهل بن الْمُوفق ونفيهم ومنعهم عَن المحافل وَكَانَ أَبُو سهل غَائِبا إِلَى بعض النواحى وَلما قرئَ الْكتاب
стр. 1066
بنفيهم أغرى بهم الغاغة والأوباش فَأخذُوا بالأستاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما وحبسا بالقهندر
وَأما إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ أحس بِالْأَمر واختفى وَخرج على طَرِيق كرمان الى الْحجاز وَمن ثمَّ جاور وَسمي إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَبَقِي الْقشيرِي والفراتي معترقين مسجونين أَكثر من شهر فتهيأ أَبُو سهل بن الْمُوفق من نَاحيَة باخرز وَجمع من أعوانه رجَالًا عارفين بِالْحَرْبِ وأتى بَاب الْبَلَد وَطلب إِخْرَاج الفراتى والقشيرى فَمَا أُجِيب بل هدد بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى مَا تقدم من مرسوم السُّلْطَان فَلم يلْتَفت وعزم على دُخُول الْبَلَد لَيْلًا وإخراجهما مجاهرة وَكَانَ متولى الْبَلَد قد تهَيَّأ للحرب فزحف أَبُو سهل لَيْلًا إِلَى قَرْيَة لَهُ على بَاب الْبَلَد وَدخل مغافصة إِلَى دَاره وَصَاح من مَعَه بالنعرات الْعَالِيَة فَلَمَّا أَصْبحُوا ترددت الرُّسُل والنصحاء فى الصُّلْح وأشاروا على الْأَمِير بِإِطْلَاق الْأُسْتَاذ والرئيس فَأبى وبرز بِرِجَالِهِ وَقصد محلّة أَبى سهل فَقَامَ وَاحِد من أعوان أَبى سهل إِلَّا أَنه بعداد ألف وضرغام إِلَّا أَنه فى زى إِنْسَان واستدعى مِنْهُ كِفَايَة تِلْكَ الثائرة وَأَتَاهُ وَأَصْحَابه وادنوا لَهُم فَالْتَقوا فى السُّوق وَثَبت هَؤُلَاءِ حَتَّى فرغ نشاب أُولَئِكَ وتأنى الْحق حَتَّى انْقَضتْ ترهات الْبَاطِل ثمَّ حمل أَصْحَاب ابْن الْمُوفق على أُولَئِكَ حَملَة رجل وَاحِد فهزموهم بِإِذن الله وجرحوا أَمِير الْبَلَد وهمو بأسره ثمَّ توَسط النَّاس ودخلوا على أَبى سهل فى تسكين الْفِتْنَة وإطفاء الثائرة وَأتوا بالأستاذ والرئيس إِلَى دَاره وَقَالُوا قد حصل الْقَصْد وَأخرج هَذَانِ من الْحَبْس
стр. 1067
فَلَمَّا انتصر أَبُو سهل وَتمّ لَهُ مَا ابْتغى تشَاور هُوَ وَأَصْحَابه فِيمَا بَينهم وَعَلمُوا أَن مُخَالفَة السُّلْطَان لَهَا تبعة وَأَن الْخُصُوم لَا ينامون فاتفقوا على مهاجرة الْبَلَد إِلَى نَاحيَة أستواء ثمَّ يذهبون إِلَى الْملك وبقى بعض الْأَصْحَاب بالنواحى مفرقين وَذهب أَبُو سهل إِلَى المعسكر وَكَانَ على مَدِينَة الرى وَخرج خَصمه من الْجَانِب الآخر فتوافيا بالرى وانْتهى إِلَى السُّلْطَان مَا جرى وسعى بأصحاب الشافعى وبالإمام أَبى سهل خُصُوصا فَقبض على أَبى سهل وَحبس فى بعض القلاع وَأخذت أَمْوَاله وبيعت ضيَاعه ثمَّ فرج عَنهُ وَخرج وَحج
فَهَذَا مَا كَانَ من الْفِتْنَة وَكَانَ هَذَا السُّلْطَان مَعَ دينه وخيره مِمَّن لم يمهله الله بعد إِذْنه بالسب وبحبس القشيرى وَلم يمْكث بعد هَذِه الْوَاقِعَة الشنيعة واتفاق هَذِه الفضيحة الفظيعة إِلَّا زَمنا يَسِيرا وَتوفى وتسلطن بعده وَلَده السُّلْطَان الْأَعْظَم عضد الدولة أَبُو شُجَاع ألب أرسلان
وَلم يلبث الكندري إِلَّا يَسِيرا وَقتل شَرّ قتلة وَجعل كل جُزْء من أَعْضَائِهِ فى نَاحيَة وَلذَلِك شرح يطول لسنا لَهُ الْآن
وأسفر صباح الزَّمَان عَن طلعة الْوَزير نظام الْملك فَقَامَ فى نصْرَة الدّين قيَاما مؤزرا وَعَاد الْحق معززا موقرا وَأمر بِإِسْقَاط ذكر السب وتأديب من فعله
ذكر أُمُور اتّفقت فى هَذِه الْفِتْنَة وَكَيف كَانَ حَال عُلَمَاء الْمُسلمين واغتمامهم بهَا
أما أهل خُرَاسَان من نيسابور ونواحيها ومرو وَمَا والاها فَإِنَّهُم أخرجُوا فَمنهمْ من جَاءَ إِلَى الْعرَاق وَمِنْهُم من جَاءَ إِلَى الْحجاز
стр. 1068
فَمِمَّنْ حج الْحَافِظ أَبُو بكر البيهقى والأستاذ أَبُو الْقَاسِم القشيرى وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو المعالى الجوينى وخلائق يُقَال جمعت تِلْكَ السّنة أَرْبَعمِائَة قَاض من قُضَاة الْمُسلمين من الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة هجروا بِلَادهمْ بِسَبَب هَذِه الْوَاقِعَة وتشتت فكرهم يَوْم رُجُوع الْحَاج فَمن عازم على الْمُجَاورَة وَمن محير فى أمره لَا يدرى أَيْن يذهب فاتفقت كلمتهم على أَن الْأُسْتَاذ أَبَا الْقَاسِم يَعْلُو الْمِنْبَر وَيتَكَلَّم عَلَيْهِم قيل فَصَعدَ وشخص فى السَّمَاء زَمَانا وأطرق زَمَانا ثمَّ قبض على لحيته وَقَالَ يَا أهل خُرَاسَان بِلَادكُمْ بِلَادكُمْ إِن الكندرى غريمكم قطع إربا إربا وَفرقت أعضاؤه وَهَا أَنا أشاهده السَّاعَة وَأنْشد
(عميد الْملك ساعدك الليالى ... على مَا شِئْت من دَرك المعالى)
(فَلم يَك مِنْك شئ غير أَمر ... بلعن الْمُسلمين على التوالى)
(فقابلك الْبلَاء بِمَا تلاقى ... فذق مَا تسْتَحقّ من الوبال)
فضبط التَّارِيخ فَكَانَ فى ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه وَتلك السَّاعَة بِعَينهَا قد أَمر السُّلْطَان بِأَن يقطع إربا إربا وَأَن يُوصل إِلَى كل مَكَان مِنْهُ عُضْو يدْفن فِيهِ فَفعل بِهِ ذَلِك
ذكر استفتاء كتب فى ذَلِك وَأرْسل إِلَى الْعرَاق
قد كَانَ الْحَال لَو وفْق الله ولى الْأَمر وَمن يطْلب الْحق غَنِيا عَن ذَلِك إِذْ فى وجود مثل إِمَام الْحَرَمَيْنِ على ظهر الأَرْض غنية عَن استفتاء غَيره من الْفُقَهَاء وَإنَّهُ ليقبح بِأَهْل إقليم فيهم إِمَام الْحَرَمَيْنِ بل بِأَهْل عصر أَن تقع لَهُم نازلة فَلَا يصغون إِلَى فتياه ويكتبون إِلَى النواحى يستفتون كَيفَ وَقد كَانَ مَعَه البيهقى مُحدث زَمَانه
стр. 1069
والقشيرى سيد وقته وخلائق يطول تعدادهم من عُلَمَاء الْأمة وَبِالْجُمْلَةِ كتبُوا استفتاء وأرسلوه إِلَى بَغْدَاد فَلم يبْق حنفى وَلَا شافعى إِلَّا وَبَالغ فى الْكتاب وعظمت عَلَيْهِ هَذِه الرزية وَقد قدمنَا ذكر بعض فتاويهم وَلَا نطيل بالباقى ففى الْقَلِيل غنية عَن الْكثير
ذكر كتاب البيهقى إِلَى عميد الْملك
قد سَاق ابْن عَسَاكِر جَمِيعه وَنحن نأتى على أَكْثَره
كَانَ البيهقى بِمَدِينَة بيهق فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْخَبَر شقّ عَلَيْهِ وَكَانَ مُحدث زَمَانه وَشَيخ السّنة فى وقته فَكتب إِلَى عميد الْملك مَا أخبرتنا بِهِ أَسمَاء بنت صصرى فى كتابها عَن مكى بن عَلان أَن الْحَافِظ أَبَا الْقَاسِم أنبأه قَالَ أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن حبيب العامرى الْحَافِظ قَالَ أخبرنَا شيخ الْقُضَاة أَبُو على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْحُسَيْن البيهقى أخبرنَا والدى الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن قَالَ
سَلام الله وَرَحمته وَبَرَكَاته على الشَّيْخ العميد وإنى أَحْمد إِلَيْهِ الله الذى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ وأصلى على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله أما بعد فَإِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ بفضله وجوده يُؤْتى من يَشَاء من عباده ملك مَا يُرِيد من بِلَاده ثمَّ يهدى من يَشَاء مِنْهُم إِلَى صراطه ويوفقه للسعى فى مرضاته وَيجْعَل لَهُ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ وَزِير صدق يومى إِلَيْهِ بِالْخَيرِ ويحض عَلَيْهِ ومعين حق يُشِير إِلَيْهِ بِالْبرِّ ويعين عَلَيْهِ ليفوز الْأَمِير والوزير مَعًا بِفضل الله فوزا عَظِيما وينالا من نعْمَته حظا جسيما وَكَانَ الْأَمِير أدام الله دولته مِمَّن آتَاهُ الله الْملك وَالْحكمَة وَالشَّيْخ العميد أدام الله سيادته مِمَّن جعل الله لَهُ وَزِير صدق إِن نسى ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ كَمَا أخبر سيدنَا الْمُصْطَفى ﷺ عَن كل أَمِير
стр. 1070
أَرَادَ الله بِهِ خيرا فَعَادَت بجميل نظر الْأَمِير أدام الله أَيَّامه وَحسن رعايته وسياسته بِلَاد خُرَاسَان إِلَى الصّلاح بعد الْفساد وطرقها إِلَى الْأَمْن بعد الْخَوْف حَتَّى انْتَشَر ذكره بالجميل فى الْآفَاق وأشرقت الأَرْض بِنور عدله كل الْإِشْرَاق وَلذَلِك قَالَ سيدنَا الْمُصْطَفى ﷺ فِيمَا روى عَنهُ (السُّلْطَان ظلّ الله وَرمحه فى الأَرْض) وَقَالَ ﵇ فِيمَا روى عَنهُ (يَوْم من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة) وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك
(لَوْلَا الْأَئِمَّة لم تأمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لأقوانا)
زَاده الله تأييدا وتسديدا وَزَاد من يؤازره فى الْخَيْر ويحثه عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتسديدا ثمَّ إِنَّه أعز الله نَصره صرف همته الْعَالِيَة إِلَى نصر دين الله وقمع أَعدَاء الله بعد مَا تقرر للكافة حسن اعْتِقَاده بتقرير خطباء أهل مَمْلَكَته على لعن من اسْتوْجبَ اللَّعْن من أهل الْبدع ببدعته وأيس أهل الزيغ عَن زيغه عَن الْحق وميله عَن الْقَصْد فَألْقوا فى سَمعه مَا فِيهِ مساءة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَافَّة ومصيبتهم عَامَّة من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين لَا يذهبون فى التعطيل مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة وَلَا يسلكون فى التَّشْبِيه طرق المجسمة فى مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ليتسلوا بالأسوة مَعَهم فى هَذِه المساءة عَمَّا يسوؤهم من اللَّعْن والقمع فى هَذِه الدولة المنصورة ثبتها الله وَنحن نرجو عثوره عَن قريب على مَا قصدُوا ووقوفه على مَا أَرَادوا فيستدرك بِتَوْفِيق الله مَا بدر مِنْهُ فِيمَا ألْقى إِلَيْهِ وَيَأْمُر بتعزيز من زور عَلَيْهِ وقبح صُورَة الْأَئِمَّة بَين يَدَيْهِ وَكَأَنَّهُ خفى عَلَيْهِ أدام الله عزه حَال شَيخنَا أَبى الْحسن الأشعرى رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه وَمَا يرجع إِلَيْهِ
стр. 1071
من شرف الأَصْل وَكبر الْمحل فى الْعلم وَالْفضل وَكَثْرَة الْأَصْحَاب من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين رَغِبُوا فى علم الْأُصُول وأحبوا معرفَة دَلَائِل الْعُقُول وَالشَّيْخ العميد أدام الله توفيقه أولى أوليائه وأحراهم بتعريفه حَاله وإعلامه فَضله لما يرجع إِلَيْهِ من الْهِدَايَة والدراية والشهامة والكفاية مَعَ صِحَة العقيدة وَحسن الطَّرِيقَة
وفضائل الشَّيْخ أَبى الْحسن ومناقبه أَكثر من أَن يُمكن ذكرهَا فى هَذِه الرسَالَة لما فى الإطالة من خشيَة الملالة لكنى أذكر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى من شرفه بآبائه وأجداده وفضله بِعِلْمِهِ وَحسن اعْتِقَاده وَكبر مَحَله بِكَثْرَة أَصْحَابه مَا يحملهُ على الذب عَنهُ وَعَن أَتْبَاعه
ثمَّ أَخذ البيهقى فى ذكر تَرْجَمَة الشَّيْخ وَذكر نسبه ثمَّ قَالَ إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَى شَيخنَا أَبى الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ فَلم يحدث فى دين الله حَدثا وَلم يَأْتِ فِيهِ ببدعة بل أَخذ أقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة فى أصُول الدّين فنصرها بِزِيَادَة شرح وتبيين وَأَن مَا قَالُوا وَجَاء بِهِ الشَّرْع فى الْأُصُول صَحِيح فى الْعُقُول بِخِلَاف مَا زعم أهل الْأَهْوَاء من أَن بعضه لَا يَسْتَقِيم فى الآراء فَكَانَ فى بَيَانه وثبوته مَا لم يدل عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونصرة أقاويل من مضى من الْأَئِمَّة كأبى حنيفَة وسُفْيَان الثورى من أهل الْكُوفَة والأوزاعى وَغَيره من أهل الشَّام
وَمَالك والشافعى من أهل الْحَرَمَيْنِ وَمن نحا نَحْوهمَا من أهل الْحجاز وَغَيرهَا من سَائِر الْبِلَاد وكأحمد بن حَنْبَل وَغَيره من أهل الحَدِيث وَاللَّيْث بن سعد وَغَيره وأبى عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى وأبى الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النيسابورى إمامى أهل الْآثَار وحفاظ السّنَن الَّتِى عَلَيْهَا مدَار الشَّرْع إِلَى أَن قَالَ
стр. 1072
وَصَارَ رَأْسا فى الْعلم من أهل السّنة فى قديم الدَّهْر وَحَدِيثه وَبِذَلِك وعد سيدنَا الْمُصْطَفى ﷺ أمته فِيمَا روى عَنهُ أَبُو هُرَيْرَة أَنه قَالَ (يبْعَث الله لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا) ثمَّ سَاق حَدِيث الْأَشْعَرِيين وَإِشَارَة النبى ﷺ إِلَى أَبى مُوسَى وَقد قدمنَا ذَلِك إِلَى أَن قَالَ
وَحين كثرت المبتدعة فى هَذِه الْأمة وَتركُوا ظَاهر الْكتاب وَالسّنة وأنكروا مَا ورد أَنه من صِفَات الله تَعَالَى نَحْو الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وَالْعلم والمشيئة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والبقاء وجحدوا مادلا عَلَيْهِ من الْمِعْرَاج وَعَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان وَأَن أهل الْإِيمَان يخرجُون من النيرَان وَمَا لنبينا ﷺ من الْحَوْض والشفاعة وَمَا لأهل الحنة من الرُّؤْيَة وَأَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة كَانُوا محقين فِيمَا قَامُوا بِهِ من الْولَايَة وَزَعَمُوا أَن شَيْئا من ذَلِك لَا يَسْتَقِيم على الْعقل وَلَا يَصح على الرأى أخرج الله من نسل أَبى مُوسَى الأشعرى رضى الله عَنهُ إِمَامًا قَامَ بنصرة دين الله وجاهد بِلِسَانِهِ وَبَيَانه من صد عَن سَبِيل الله وَزَاد فى التَّبْيِين لأهل الْيَقِين أَن مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة مُسْتَقِيم على الْعُقُول الصَّحِيحَة
إِلَى أَن قَالَ بعد ذكر حَدِيث عمرَان بن الْحصين الذى قدمْنَاهُ فَمن تَأمل هَذِه الْأَحَادِيث وَعرف مَذْهَب شَيخنَا أَبى الْحسن فى علم الْأُصُول وَعرف تبحره فِيهِ أبْصر صنع الله عزت قدرته فى تَقْدِيم هَذَا الأَصْل الشريف لما ذخر لِعِبَادِهِ من هَذَا الْفَرْع المنيف الذى أَحْيَا بِهِ السّنة وأمات بِهِ الْبِدْعَة وَجعله خلف حق لسلف صدق
стр. 1073
ثمَّ انْدفع فى بَقِيَّة الرسَالَة وختمها بسؤاله العميد فى إطفاء الثائرة وَترك السب وتأديب من يَفْعَله
وَقد سَاق الْحَافِظ الْكتاب بمجموعة كَمَا عرفناك فَإِن أردْت الْوُقُوف عَلَيْهِ كُله فَعَلَيْك بِكِتَاب التَّبْيِين وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مِنْهُ مقنع وبلاغ
وَقد تضمن هَذَا الْكتاب وقائله من علمت من الْحِفْظ وَالدّين والورع والاطلاع والمعرفة والثقة وَالْأَمَانَة والتثبت أَن الصَّحَابَة وَمن تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان من عُلَمَاء الْأمة فقهائها ومحدثيها على عقيدة الأشعرى بل الأشعرى على عقيدتهم قَامَ وناضل عَنْهَا وَحمى حوزتها من أَن تنالها أيدى المبطلين وتحريف الغالين وَقد سمى من الْفُقَهَاء والمحدثين من سَمِعت
ذكر رِسَالَة القشيرى إِلَى الْبِلَاد الْمُسَمَّاة شكاية أهل السّنة بحكاية مَا نالهم من المحنة
وَقد جالت هَذِه الرسَالَة فى الْبِلَاد وانزعجت نفوس أهل الْعلم مِنْهَا وَقَامَ كل مِنْهُم بِحَسب قوته وَدخلت بيهق فَوقف عَلَيْهَا الْحَافِظ البيهقى ولبى دعوتها وَكتب الرسَالَة إِلَى العميد الَّتِى انفصلنا الْآن عَنْهَا ثمَّ دخلت بَغْدَاد فَكتب الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى من الشَّافِعِيَّة والقاضى الدامغانى من الْحَنَفِيَّة وَغَيرهمَا من الْفَرِيقَيْنِ مَا أدَّت الْقُدْرَة إِلَيْهِ
وَقد أورد الْحَافِظ بعض هَذِه الرسَالَة فى كِتَابه وَنحن نرى أَن نوردها كلهَا فَإِنَّهُ يخْشَى على مثلهَا الضّيَاع إِذا تَمَادى الزَّمَان فَإِن هَذَا شَأْن المصنفات اللطاف لَا سِيمَا مَا يغِيظ أهل الْبَاطِل فَإِنَّهُم يبادرون إِلَى إِعْمَال الْحِيلَة فى إعدامه
стр. 1074
لقد كَانَ عِنْد الشَّيْخ الإِمَام نُسْخَة من كتاب تَبْيِين كذب المفترى لَا يحسن الرائى أَن يقْرَأ مِنْهَا حرفا لما هُوَ مَكْتُوب فى حواشيها وَبَين أسطرها من أُمُور لَا تتَعَلَّق بِالْكتاب بِخَط بعض فضلاء الْحَنَابِلَة الَّذين يَلْمِزُونَ بِبَعْض الأشاعرة فَسَأَلت الشَّيْخ الإِمَام فَقَالَ هَذِه النُّسْخَة شريتها من تَرِكَة الْحَافِظ سعد الدّين الحارثى وَكَأَنَّهُم كَانُوا يُرِيدُونَ إعدامها وَلَكِن كتاب التَّبْيِين كثير الْعدَد ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ أهل السّنة بحكاية مَا نالهم من المحنة تخبر عَن بثة مكروب ونفثة مغلوب وَشرح ملم مؤلم
стр. 1075
وذكرمهم موهم وَبَيَان خطب قَادِح وَشر سانح للقلوب جارح رَفعهَا عبد الْكَرِيم ابْن هوَازن القشيرى ﵀ إِلَى الْعلمَاء الْأَعْلَام لجَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام
أما بعد
فَإِن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أمرا قدره فَمن ذَا الذى أمسك مَا سيره أَو قدم مَا أَخّرهُ أَو عَارض حكمه فَغَيره أَو غَلبه على أَمر فقهره كلا بل هُوَ الله الْوَاحِد القهار الْمَاجِد الْجَبَّار
وَمِمَّا ظهر بِبِلَاد نيسابور من قضايا التَّقْدِير فى مفتتح سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة من الْهِجْرَة مَا دَعَا أهل الدّين إِلَى شقّ صُدُور صبرهم وكشف قناع ضيرهم بل ظلت الْملَّة الحنيفية تَشْكُو غليلها وتبدى عويلها وتنصب عزالى رَحْمَة الله على من يستمع شكوها وتصغى مَلَائِكَة السَّمَاء حَتَّى تندب شجوها
ذَلِك مِمَّا أحدث من لعن إِمَام الدّين وسراج ذوى الْيَقِين محيى السّنة وقامع الْبِدْعَة وناصر الْحق وناصح الْخلق الزكى الرضى أَبى الْحسن الأشعرى قدس الله روحه وَسَقَى بِالرَّحْمَةِ ضريحه وَهُوَ الذى ذب عَن الدّين بأوضح حجج وسلك فى قمع الْمُعْتَزلَة وَسَائِر أَنْوَاع المبتدعة أبين مَنْهَج واستنفد عمره فى النَّضْح عَن الْحق فأورث الْمُسلمين بعد وَفَاته كتبه الشاهدة بِالصّدقِ
стр. 1076
وَلَقَد سَمِعت الْأُسْتَاذ الشَّهِيد أَبَا على الْحسن بن على الدقاق رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول سَمِعت أَبَا على زَاهِر بن أَحْمد الْفَقِيه رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول مَاتَ أَبُو الْحسن الأشعرى ﵀ وَرَأسه فى حجرى وَكَانَ يَقُول متْنا فى حَال نَزعه من دَاخل حلقه فأدنيت إِلَيْهِ رأسى وأصغيت إِلَى مَا كَانَ يقرع سمعى وَكَانَ يَقُول لعن الله الْمُعْتَزلَة موهوا ومخرقوا
وَإِنَّمَا كَانَ أَبُو الْحسن الأشعرى ﵀ يتَكَلَّم فى أصُول الدّين على جِهَة الرَّد على أهل الزيغ والبدع تأديا بِمَا أوجب الله سُبْحَانَهُ على الْعلمَاء من النَّضْح عَن الدّين وكشف تمويه الْمُلْحِدِينَ والمبتدعين بِمَا زَالُوا عَن النهج الْمُسْتَقيم
وَلَقَد سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عبيد الله الشيرازى الصوفى ﵀ يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَاب أَبى عبد الله بن خَفِيف الشيرازى رَحْمَة الله عَلَيْهِم يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله بن خَفِيف ﵀ يَقُول دخلت الْبَصْرَة فى أَيَّام شبابى لأرى أَبَا الْحسن الأشعرى رَحْمَة الله عَلَيْهِ لما بلغنى خَبره فَرَأَيْت شَيخا بهى المنظر فَقلت لَهُ أَيْن منزل أَبى الْحسن الأشعرى فَقَالَ وَمَا الذى تُرِيدُ مِنْهُ فَقلت أحب أَن أَلْقَاهُ فَقَالَ ابتكر غَدا إِلَى هَذَا الْموضع قَالَ فابتكرت فَلَمَّا رَأَيْته تَبعته فَدخل دَار بعض وُجُوه الْبَلَد فَلَمَّا أبصروه أكْرمُوا مَحَله وَكَانَ هُنَاكَ جمع من الْعلمَاء ومجلس نظر فأقعدوه فى الصَّدْر فَلَمَّا شرع فى الْكَلَام دخل هَذَا الشَّيْخ فَأخذ يرد عَلَيْهِ ويناظره حَتَّى أَفْحَمَهُ فَقضيت الْعجب من علمه وفصاحته فَقلت لبَعض من كَانَ عندى من هَذَا الشَّيْخ فَقَالَ أَبُو الْحسن الأشعرى فَلَمَّا قَامُوا تَبعته فَالْتَفت إِلَى وَقَالَ يَا فَتى كَيفَ رَأَيْت الأشعرى فخدمته وَقلت يَا سيدى كَمَا هُوَ فى مَحَله
стр. 1077
وَلَكِن مَسْأَلَة قَالَ قل يَا بنى فَقلت مثلك فى فضلك وعلو منزلتك كَيفَ لم تسال وَيسْأل غَيْرك فَقَالَ أَنا لَا أَتكَلّم مَعَ هَؤُلَاءِ ابْتِدَاء وَلَكِن إِذا خَاضُوا فى ذكر مَا لَا يجوز فى دين الله رددنا عَلَيْهِم بِحكم مَا فرض الله علينا من الرَّد على مخالفى الْحق وعَلى هَذِه الْجُمْلَة سيرة السّلف أَصْحَاب الحَدِيث الْمُتَكَلِّمين مِنْهُم فى الرَّد على الْمُخَالفين وَأهل الشّبَه والزيغ
وَلما من الله الْكَرِيم على أهل الْإِسْلَام ببركات السُّلْطَان الْمُعظم الْمُحكم بِالْقُوَّةِ السماوية فى رِقَاب الْأُمَم الْملك الْأَجَل شاهنشاه يَمِين خَليفَة الله وغياث عباد الله طغرلبك أَبى طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل أَطَالَ الله عمره موفقا مَعْصُوما بقاه وأدام بالتسديد نعماه وَقَامَ بإحياء السّنة والمناضلة عَن الْملَّة حَتَّى لم يبْق من أَصْنَاف المبتدعة حزبا إِلَّا سل لاستئصالهم سَيْفا عضبا وأذاقهم ذلا وخسفا وعقب لآثارهم نسفا حرجت صُدُور أهل الزيغ عَن تحمل هَذِه النقم وضاق صدرهم عَن مقاساة هَذَا الْأَلَم ومنوا بلعن أنفسهم على رُءُوس الأشهاد بألسنتهم وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ بانفرادهم بالوقوع فى مهواة محنتهم فسولت لَهُم أنفسهم أمرا وظنوا أَنهم بِنَوْع تلبيس وَضرب تَدْلِيس يَجدونَ لعسرهم يسرا فسعوا إِلَى عالى مجْلِس السُّلْطَان الْمُعظم أعز الله نَصره بِنَوْع نميمة ونسبوا الأشعرى إِلَى مَذَاهِب ذميمة وحكوا عَنهُ مقالات لَا يُوجد فى كتبه مِنْهَا حرف وَلم ير فى المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وَقت الْأَوَائِل إِلَى زَمَاننَا هَذَا لشئ مِنْهَا حِكَايَة وَلَا وصف
стр. 1078
بل كل ذَلِك تَصْوِير بتزوير وبهتان بِغَيْر تَقْرِير وَإِن مِمَّا أدْرك النَّاس من كَلَام النُّبُوَّة إِذا لم تستحى فَاصْنَعْ مَا شِئْت
وَلما رفعنَا إِلَى الْمجْلس العالى زَاده الله إشراقا هَذِه الظلامة وكشفنا قناع هَذِه الخطة وَذكرنَا أَن هَذِه المقالات لم تسمع من أَلْسِنَة هَذِه الزمرة وَلم يُوجد شئ فى كتبهمْ من هَذِه الْجُمْلَة وَلَا حكى فى الْكتب المصنفة فى مقالات الْمُتَكَلِّمين حرف من هَذِه الْأَقَاوِيل بل كَانَ الْجَواب إِنَّا إِنَّمَا نوعز بلعن الأشعرى الذى قَالَ هَذِه المقالات على هَذِه الصّفة فَإِن لم يبينوا بهَا وَلم يقل الأشعرى شَيْئا مِنْهَا فَلَا عَلَيْك مَا نقُول وَلَا يلحقكم ضَرَر مِمَّا نصْنَع فَقُلْنَا الأشعرى الذى هُوَ مَا حكيتم وَكَانَ بِمَا ذكرْتُمْ لم يخلقه الله بعد وَمَا مَحل هَذَا إِلَّا مَحل من حكى عَن أَئِمَّة السّلف أَنهم دانوا بالبدع ونسبهم إِلَى الضلال وَالْخَطَأ فَإِذا قيل لَهُ فى ذَلِك يَقُول إِنَّمَا أَقُول لفُلَان الذى قَالَ مَا نسبته إِلَيْهِ ودان بِهَذَا الذى قلت وَمَات عَلَيْهِ الْكيس لَا يرضى مِنْهُ بذلك وَلَا يغضى على ذَلِك
ثمَّ أَخذنَا فى سَبِيل الاستعطاف جَريا فى دفع السَّيئَة بالتى هى أحسن فَلم تسمع لنا حجَّة وَلم تقض لنا حَاجَة وَلَا حِيلَة لنا فى التَّوَسُّط بَيْننَا على من بعده فى مَذْهَب وَاحِد عصره فأغضينا على قذى الِاحْتِمَال واستنمنا إِلَى مَعْهُود الْمُوَافقَة
стр. 1079
فى أصُول الدّين بَين الْفَرِيقَيْنِ فحضرنا مَجْلِسه وَلم نشك أَنا لَا ننصرف إِلَّا وَشَمل الدّين مُنْتَظم وَشعب الْوِفَاق فى الْأُصُول ملتئم وَأَن كلنا على قمع الْمُعْتَزلَة وقهر المبتدعة يَد وَاحِدَة وَأَن لَيْسَ بَين الْفَرِيقَيْنِ فى الْأُصُول خلاف فَأول مَا سألناه بِأَن قُلْنَا هَل صَحَّ عِنْده عَن الأشعرى هَذِه المقالات الَّتِى تحكى فَقَالَ لَا غير أَنى لَا أستجيز الْخَوْض فى هَذِه الْمسَائِل الكلامية وَأَمْنَع النَّاس عَنْهَا وأنهى وَلَا يجوز اللَّعْن عندى على أهل الْقبْلَة لشئ مِنْهَا وَصرح بِأَنَّهُ لَيْسَ يعلم أَنه قَالَ هَذِه الْمسَائِل الَّتِى تحكى عَنهُ أم لَا ثمَّ قَالَ فى خلال كَلَامه إِن الأشعرى عندى مُبْتَدع وَأَنه فى الْبِدْعَة يزِيد على الْمُعْتَزلَة فحين سمعنَا ذَلِك تحيرنا ونفينا وَسَمعنَا غير مَا ظننا وشاهدنا مَا لَو أخبرنَا بِهِ مَا صدقنا ورأينا بالعيان مَا لَو رَأَيْنَاهُ فى الْمَنَام لقلنا أضغاث أَحْلَام فسبحان الله كَيفَ صرح بِأَنَّهُ لَا يعرف مَذْهَب رجل على الْحَقِيقَة وَصَحَّ عِنْده مقَالَته ثمَّ يبدعه من غير تحقق بمقالته ثمَّ انصرفنا
وَمَا نقموا من الأشعرى إِلَّا أَنه قَالَ بِإِثْبَات الْقدر لله خَيره وشره ونفعه وضره وَإِثْبَات صِفَات الْجلَال لله من قدرته وَعلمه وإرادته وحياته وبقائه وسَمعه وبصره وَكَلَامه وَوَجهه وَيَده وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَأَنه تَعَالَى مَوْجُود تجوز رُؤْيَته وَأَن إِرَادَته نَافِذَة فى مراداته وَمَا لَا يخفى من مسَائِل الْأُصُول الَّتِى تخَالف طَرِيقه طَرِيق الْمُعْتَزلَة والمجسمة فِيهَا وَإِذا لم يكن فى مَسْأَلَة لأهل الْقبْلَة غير قَول الْمُعْتَزلَة وَقَول الأشعرى قَول زَائِد فَإِذا بَطل قَول الأشعرى فَهَل يتَعَيَّن بِالصِّحَّةِ أَقْوَال الْمُعْتَزلَة وَإِذا بَطل الْقَوْلَانِ فَهَل هَذَا إِلَّا تَصْرِيح بِأَن الْحق مَعَ غير أهل الْقبْلَة وَإِذا لعن الْمُعْتَزلَة
стр. 1080
والأشعرى فى مَسْأَلَة لَا يخرج قَول الْأمة عَن قوليهما فَهَل هَذَا إِلَّا لعن جَمِيع أهل الْقبْلَة
معاشر الْمُسلمين الغياث الغياث سعوا فى إبِْطَال الدّين وَرَأَوا هدم قَوَاعِد الْمُسلمين وهيهات هَيْهَات ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره﴾ وَقد وعد الله للحق نَصره وظهوره وللباطل محقه وثبوره إِلَّا أَن كتب الأشعرى فى الْآفَاق مبثوثة ومذاهبه عِنْد أهل السّنة من الْفَرِيقَيْنِ مَعْرُوفَة مَشْهُورَة فَمن وَصفه بالبدعة علم أَنه غير محق فى دَعْوَاهُ وَجَمِيع أهل السّنة خَصمه فِيمَا افتراه
فَأَما مَا حكى عَنهُ وَعَن أَصْحَابه أَنهم يَقُولُونَ إِن مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بنبى فى قَبره وَلَا رَسُول بعد مَوته فبهتان عَظِيم وَكذب مَحْض لم ينْطق مِنْهُم أحد وَلَا سمع فى مجْلِس مناظرة ذَلِك عَنْهُم وَلَا وجد ذَلِك فى كتاب لَهُم وَكَيف يَصح ذَلِك وَعِنْدهم مُحَمَّد ﷺ حى فى قَبره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ بِأَن الشُّهَدَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم والأنبياء أولى بذلك لتقاصر رُتْبَة الشَّهِيد عَن دَرَجَة النُّبُوَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ فرتبة الشُّهَدَاء ثَالِث دَرَجَة النُّبُوَّة
وَلَقَد وَردت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة والْآثَار المروية بِمَا تدل الشَّهَادَة على هَذِه الْجُمْلَة
فَمن ذَلِك مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله الأديب حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن حَاتِم حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن الصَّباح الصاغانى حَدثنَا ابْن جعْشم عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن السَّائِب عَن زَاذَان عَن ابْن مَسْعُود
стр. 1081
عَن النبى ﷺ قَالَ (إِن لله تَعَالَى مَلَائِكَة سياحين فى الأَرْض تبلغنى عَن أمتى السَّلَام) وَلَا يبلغ السَّلَام إِلَّا وَيكون حَيا
وَأخْبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَقِيه أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد النسوى حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس الْحسن بن سُفْيَان الشيبانى النسوى حَدثنَا هِشَام ابْن خَالِد حَدثنَا الْحسن بن يحيى حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن يزِيد بن أَبى مَالك عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من نبى يَمُوت فيقيم فى قَبره إِلَّا أَرْبَعِينَ صباحا حَتَّى ترد إِلَيْهِ روحه)
وَأخْبرنَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الثقفى أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن هَارُون بن مُحَمَّد بن هَارُون الْعَطَّار حَدثنَا أَبُو على الْحسن بن على بن عِيسَى المقبرى أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ حَدثنَا حَيْوَة بن شُرَيْح عَن أَبى صَخْر المدنى عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط عَن أَبى هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَا من أحد يسلم على إِلَّا رد الله على روحى حَتَّى أرد ﵇
دلّ الْخَبَر على أَن الْمَيِّت لَا يعلم حَتَّى ترد إِلَيْهِ الرّوح وَدلّ على أَن النبى ﷺ حى فى قَبره
وَأخْبرنَا أَبُو الْحُسَيْن على بن مُحَمَّد بن عبد الله بن بَشرَان بِبَغْدَاد أخبرنَا أَبُو جَعْفَر
стр. 1082
مُحَمَّد بن عَمْرو البخترى حَدثنَا عِيسَى بن عبد الله الطيالسى حَدثنَا الْعَلَاء ابْن عَمْرو الحنفى حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن عَن الْأَعْمَش عَن أَبى صَالح عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النبى ﷺ قَالَ (من صلى على عِنْد قبرى سمعته وَمن صلى على نَائِيا أبلغته)
وَأخْبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَقِيه أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد النسوي أخبرنَا الْحسن بن سُفْيَان حَدثنَا شَيبَان بن فروخ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا أَبُو الْمُعْتَمِر وثابت البنانى عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أتيت على مُوسَى لَيْلَة أسرى بى عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر وَهُوَ قَائِم يصلى فى قَبره)
وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْكَاتِب حَدثنَا أَحْمد بن عبد الصفار حَدثنَا تمْتَام مُحَمَّد بن غَالب حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أتيت وَأَنا فى أهلى فَانْطَلقُوا بى إِلَى زَمْزَم وَشرح صدرى ثمَّ غسل بِمَاء زَمْزَم ثمَّ أتيت بطست من ذهب ممتلئة إِيمَانًا وَحكما فحشى بِهِ صدرى) قَالَ أنس وَرَسُول الله ﷺ يرينا أَثَره (فعرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ الْملك قَالَ من ذَا قَالَ جِبْرِيل
قَالَ وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم
стр. 1083
قَالَ فَفتح فَإِذا آدم ﵇ قَالَ مرْحَبًا بك من ولد ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَاسْتَفْتَحَ الْملك فَقَالَ من ذَا قَالَ جِبْرِيل
قَالَ وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم قَالَ فَفتح فَإِذا عِيسَى وَيحيى ﵉ فَقَالَا مرْحَبًا بك من أَخ ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَاسْتَفْتَحَ الْملك فَقَالَ من ذَا
قَالَ جِبْرِيل
قَالَ وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم
قَالَ فَفتح فَإِذا يُوسُف ﵇ قَالَ مرْحَبًا بك من أَخ ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ الْملك فَقَالَ من ذَا
قَالَ جِبْرِيل قَالَ وَمن مَعَك
قَالَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1084
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم
قَالَ فَفتح فَإِذا أدريس ﵇ قَالَ مرْحَبًا بك من أَخ ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء الْخَامِسَة فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ من ذَا
قَالَ جِبْرِيل قَالَ وَمن مَعَك
قَالَ مُحَمَّد ﷺ قَالَ وَقد بعث
قَالَ نعم قَالَ فَفتح فَإِذا هَارُون ﵇ فَقَالَ مرْحَبًا بك من أَخ ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَاسْتَفْتَحَ الْملك فَقَالَ من ذَا
قَالَ جِبْرِيل
قَالَ وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم
قَالَ فَفتح فَإِذا مُوسَى ﵇ فَقَالَ مرْحَبًا بك من أَخ ومرحبا بك من رَسُول
ثمَّ عرج بى الْملك إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ الْملك قَالَ من ذَا قَالَ جِبْرِيل
قَالَ وَمن مَعَك
стр. 1085
قَالَ مُحَمَّد ﷺ
قَالَ وَقد بعث قَالَ نعم قَالَ فَفتح فَإِذا إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَالَ مرْحَبًا بك من رَسُول الْخَبَر بِطُولِهِ
فَدلَّ هَذَا الْخَبَر على أَنهم ﵈ أَحيَاء
وَلَقَد روى الْحسن بن قُتَيْبَة المدائنى وعد ذَلِك فى أَفْرَاده عَن الْمُسلم بن سعيد الثقفى عَن الْحجَّاج بن الْأسود عَن ثَابت البنانى عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فى قُبُورهم يصلونَ)
فَإِذا ثَبت أَن نَبينَا ﷺ حى فالحى لابد من أَن يكون إِمَّا عَالما أَو جَاهِلا وَلَا يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ جَاهِلا قَالَ تَعَالَى فى صفته ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ وَقَالَ ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه﴾
فَثَبت أَنه مُؤمن ورتبة النُّبُوَّة رُتْبَة الشّرف وعلو الْمنزلَة وَهُوَ ﷺ يزْدَاد كل يَوْم شرفا ورتبة إِلَى الْأَبَد فَكيف لَا يكون عَارِفًا وَلَا نَبيا
وَالرَّسُول فعول بِمَعْنى الْمُرْسل وَلَا نَظِير لَهُ فى اللُّغَة والإرسال كَلَام الله وَكَلَامه قديم وَهُوَ قبل أَن خلق كَانَ رَسُولا بإرسال الله وفى حَالَة الْيَوْم وَإِلَى الْأَبَد رَسُول لبَقَاء كَلَامه وَقدم قَوْله واستحالة الْبطلَان على إرْسَاله الذى هُوَ كَلَامه وَلَقَد سُئِلَ رَسُول الله ﷺ فَقيل لَهُ مَتى كنت نَبيا فَقَالَ (وآدَم منجدل فى طينته)
وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد الْكَاتِب حَدثنَا أَحْمد بن عبد الصفار حَدثنَا يَعْقُوب بن غيلَان حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهدى حَدثنَا
стр. 1086
مُعَاوِيَة بن صَالح عَن سعيد بن سُوَيْد عَن عبد الْأَعْلَى بن هِلَال السلمى عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إنى لخاتم النَّبِيين وَإِن آدم منجدل فى طينته)
وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد حَدثنَا أَحْمد بن عبد حَدثنَا مُحَمَّد بن غَالب حَدَّثَنى مُحَمَّد بن سِنَان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن بديل بن ميسرَة وَعَن عبد الله بن شَقِيق عَن ميسرَة الْفجْر قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ (وآدَم بَين الرّوح والجسد)
فَإِن قيل فَمن أَيْن وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة إِن لم يكن لَهَا أصل قيل إِن بعض الكرامية مَلأ الله قَبره نَارا وظنى أَن الله قد فعل ألزم بعض أَصْحَابنَا وَقَالَ إِذا كَانَ عنْدكُمْ الْمَيِّت فى حَال مَوته لَا يحس وَلَا يعلم فَيجب أَن يكون النبى ﷺ فى قَبره غير مُؤمن لِأَن الْإِيمَان عنْدكُمْ الْمعرفَة والتصديق وَالْمَوْت ينافى ذَلِك فَإِذا لم يكن لَهُ علم وتصديق لَا يكون لَهُ إِيمَان وَمن لَا يكون مُؤمنا لَا يكون نَبيا وَلِأَن عِنْدهم الْإِيمَان الْإِقْرَار الْفَرد وَذَلِكَ قَوْلهم لما قَالَ الله لَهُم ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَزَعَمُوا أَن قَوْلهم ﴿بلَى﴾ بَاقٍ وَالْإِيمَان ذَلِك وفى حَال الْمَوْت عِنْدهم الْمَيِّت يحس وَيعلم وَقَوله ﴿بلَى﴾ بَاقٍ عينه
وَهَذِه الْمذَاهب لَهُم مَعَ ركاكتها وفسادها غير ملزمة لنا مَا ألزمونا لِأَن عندنَا رَسُول الله ﷺ حى يحس وَيعلم وَتعرض عَلَيْهِ أَعمال الْأمة ويبلغ الصَّلَاة وَالسَّلَام على مَا بَينا ثمَّ الأشعرى لَا يخْتَص بقوله إِن الْمَيِّت لَا يحس وَلَا يعلم فَإِن أحدا من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الْمُتَكَلِّمين سوى الكرامية لم يقل إِن الْمَيِّت يحس وَيعلم وَغير الكرامية لم يقل أحد إِن الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار الْمُجَرّد وَهُوَ قَوْلهم ﴿بلَى﴾ وَلم يقل أحد سواهُم إِن ذَلِك الْإِقْرَار الذى هُوَ ﴿بلَى﴾ مَوْجُود وَإِن قَالَ كثير من النَّاس بِبَقَاء بعض
стр. 1087
الْأَعْرَاض وَجَوَاب الأشعرى كجواب جَمِيع النَّاس عَن هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ ركاكتها وَفَسَاد قواعدها
وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن مَا يلْزمه الْخصم بِدَعْوَاهُ فَيَقُول هَذَا على أصلكم وَمُقْتَضى علتكم يلزمكم فَلَا يجوز أَن ينْسب ذَلِك إِلَى صَاحب الْمَذْهَب فَيُقَال هَذَا مَذْهَب فلَان وَمَا عرُوض هَذَا إِلَّا عرُوض من قَالَ إِن مَذْهَب الحنفى أَن الْوضُوء بِالْخمرِ جَائِز فى السّفر لِأَنَّهُ إِذا جوز التوضى بالنبيذ على وصف يلْزمه أَن يجوز فى الْخمر لاشْتِرَاكهمَا فى الْعلَّة وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسكر فَمثل هَذَا الْإِلْزَام لَا يَصح أَن ينْسب بِهِ الحنفى أَن يَقُول يجوز التوضى فى السّفر بِالْخمرِ عِنْد عدم المَاء
كَذَلِك إِذا قَالُوا إِن مَذْهَب الأشعرى أَن النبى ﷺ لَيْسَ بِنَبِي فى قَبره لِأَنَّهُ يلْزمه حِين قَالَ إِن الْمَيِّت لَا يحس وَلَا يعلم أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ بعالم وَلَا نبى وَمن قَالَ هَذَا كَانَ كَاذِبًا وَكَانَ قَوْله بهتانا فَليعلم ذَلِك يزل الْإِيهَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما مَا قَالُوهُ إِن مذْهبه أَنه يَقُول إِن الله لَا يجازى المطيعين على إِيمَانهم وطاعاتهم وَلَا يعذب الْكفَّار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم فَذَلِك أَيْضا بهتان وَتقول وَكَيف يَصح من قَول أحد يقر بِالْقُرْآنِ وَالله تَعَالَى يَقُول فى مُحكم كِتَابه ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَيَقُول ﴿ذَلِك جزيناهم بِمَا كفرُوا﴾ وَيَقُول ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ وَيَقُول ﴿كَذَلِك نجزي من شكر﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَلَيْسَ الْخلاف فى ذَلِك وَإِنَّمَا الْخلاف فى أَن الْمُعْتَزلَة وَمن سلك سبيلهم فى التَّعْدِيل والتجوير زَعَمُوا أَنه يجب على الله تَعَالَى أَن يثيب المطيعين وَيجب عَلَيْهِ أَن يعذب العاصين
стр. 1088
فطاعة المطيعين عِلّة فى استحقاقهم ثَوَابه وزلات العاصين عِلّة فى استحقاقهم عِقَابه
وَقَالَ أهل السّنة من الأشعرية وَمن جَمِيع من خَالف الْمُعْتَزلَة إِن الله سُبْحَانَهُ لَا يجب عَلَيْهِ شئ وَقَالُوا إِن الْخلق خلقه وَالْملك ملكه وَالْحكم حكمه فَلهُ أَن يتَصَرَّف فى الْعباد بِمَا يَشَاء وَله أَن يُوصل الْأَلَم إِلَى من يَشَاء ويوصل اللَّذَّة إِلَى من يَشَاء وَأَنه يثيب الْمُؤمنِينَ ووعد لَهُم الْجنَّة وَقَوله صدق فَلَا محَالة أَنه يجازيهم ويثيبهم وَلَو لم يعدهم عَن طاعاتهم الثَّوَاب لم يكن يجب للْعَبد عَلَيْهِ شئ فَإِنَّهُ توعد العصاة بالعقوبة على معاصيهم على ذَلِك لِأَن وعيده حق وَلَو لم يعذبهم وَلم يتوعدهم لَكَانَ ذَلِك جَائِزا إِلَّا أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فى صفة نَفسه ﴿فعال لما يُرِيد﴾ فالمطيعون لَا محَالة لَهُم جَزَاء الطَّاعَات وَلَكِن بِفضل الله عَلَيْهِم لَا باستحقاقهم والعاصون لَا محَالة لَهُم على معاصيهم مَا توعدهم بِهِ من الْعقَاب لَكِن لحكمة لَا باستحقاقهم فالطاعات والمعاصى عَلَامَات للثَّواب وَالْعِقَاب لَا علل وَلَا مُوجبَات وَمن صرح فى مُخَالفَة هَذَا فقد أقرّ بالإعتزال وَالْقدر وَلَقَد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن أهل الْجنَّة أَنهم يَقُولُونَ ﴿الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾
أخبرنَا أَبُو نعيم عبد الْملك بن الْحسن بن مُحَمَّد الإسفراينى أخبرنَا أَبُو عوَانَة يَعْقُوب
стр. 1089
ابْن إِسْحَاق حَدثنَا سعيد بن مَسْعُود المروزى السلمى أخبرنَا النَّضر عَن شهيل أخبرنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا إِن يتغمدنى الله مِنْهُ برحمة ومغفرة)
أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَن عبد الله ابْن جَعْفَر أخْبرهُم حَدثنَا يُونُس بن حبيب حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطيالسى حَدثنَا ابْن أَبى ذِئْب عَن سعيد عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا مِنْكُم أحد ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا إِن يتغمدنى الله مِنْهُ برحمة)
وَهَذِه الْمَسْأَلَة من شعب مَسْأَلَة الْقدر وَأهل الْحق لَا يَقُولُونَ بِوُجُوب شئ على الله وَيَقُولُونَ لله أَن يحكم على عباده بِمَا يرد وَيخْتَص من يَشَاء بِالرَّحْمَةِ ويخص من يَشَاء بالألم والشدة وَلَو لم يعد أهل الطَّاعَات بالثواب لم يتَوَجَّه لأحد عَلَيْهِ حق وَلَو ابْتَدَأَ الْخلق بِالْعَذَابِ لم يلْحقهُ فِيهِ لوم
وَلَقَد روى ابْن الديلمى ﵀ قَالَ أتيت أَبى بن كَعْب رضى الله عَنهُ فَقلت إِنَّه وَقع فى نفسى شئ من الْقدر فحدثنى بشئ لَعَلَّ الله أَن يذهب من قلبى فَقَالَ لَو أَن الله عذب أهل سماواته وَأهل أرضه عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم كَانَت رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم وَلَو أنفقت مثل أحد ذَهَبا مَا قبله الله مِنْك حَتَّى تؤمن بِالْقدرِ وَتعلم أَن مَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَمَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَلَو مت على غير هَذَا دخلت النَّار
стр. 1090
ثمَّ لقِيت عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ مثل ذَلِك
ثمَّ لقِيت حُذَيْفَة بن الْيَمَان فَقَالَ مثل ذَلِك
ثمَّ لقِيت زيد بن ثَابت فحدثنى عَن النبى ﷺ بِمثل ذَلِك
وَلَقَد أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد الأهوازى أخبرنَا أَحْمد بن عبد الصفار حَدثنَا بشر بن مُوسَى حَدثنَا حجاج حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الحمصى حَدثنَا عمر بن عبيد الله مولى غفرة عَن رجل من الْأَنْصَار عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يكون قوم يَقُولُونَ لَا قدر أُولَئِكَ مجوس هَذِه الْأمة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم فَإِنَّهُم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بِهِ)
وَأخْبرنَا على بن أَحْمد أخبرنَا أَحْمد بن عبد حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف بن هِشَام حَدثنَا مُحرز بن عون عَن حسان بن إِبْرَاهِيم الكرمانى عَن نصر عَن قَتَادَة عَن أَبى حسان الْأَعْرَج عَن نَاجِية بن كَعْب عَن عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (خلق الله يحيى فى بطن أمه مُؤمنا وَخلق الله فِرْعَوْن فى بطن أمه كَافِرًا)
فَالْحَمْد لله الذى أوضح سَبِيل الدّين بحججه وَهدى للحق سالكى نهجه وخذل أهل الْبدع حَتَّى فضحوا أنفسهم بنصرة الْبَاطِل وَظهر لجَمِيع أهل السّنة مَا كَانَ ملتبسا عَلَيْهِم من أَحْوَالهم الخافية
وَأما مَا يَقُولُونَ عَن الأشعرى أَن مذْهبه أَن مُوسَى ﵇ لم يسمع كَلَام الله فسبحان الله كَيفَ لَا يستحيى من يأتى بِمثل هَذَا الْبُهْتَان الذى يشْهد بتكذيبه كل مُخَالف وموافق إِن حد مَا يجوز أَن يسمع عِنْد الأشعرى هُوَ الْمَوْجُود وَكَلَام الله عِنْده قديم فَكيف يَقُول لَا يجوز أَن يسمع كَلَام الله وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ
следующие страницы →