Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
مُعَاوِيَة بن صَالح عَن سعيد بن سُوَيْد عَن عبد الْأَعْلَى بن هِلَال السلمى عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إنى لخاتم النَّبِيين وَإِن آدم منجدل فى طينته)
وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد حَدثنَا أَحْمد بن عبد حَدثنَا مُحَمَّد بن غَالب حَدَّثَنى مُحَمَّد بن سِنَان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن بديل بن ميسرَة وَعَن عبد الله بن شَقِيق عَن ميسرَة الْفجْر قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ (وآدَم بَين الرّوح والجسد)
فَإِن قيل فَمن أَيْن وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة إِن لم يكن لَهَا أصل قيل إِن بعض الكرامية مَلأ الله قَبره نَارا وظنى أَن الله قد فعل ألزم بعض أَصْحَابنَا وَقَالَ إِذا كَانَ عنْدكُمْ الْمَيِّت فى حَال مَوته لَا يحس وَلَا يعلم فَيجب أَن يكون النبى ﷺ فى قَبره غير مُؤمن لِأَن الْإِيمَان عنْدكُمْ الْمعرفَة والتصديق وَالْمَوْت ينافى ذَلِك فَإِذا لم يكن لَهُ علم وتصديق لَا يكون لَهُ إِيمَان وَمن لَا يكون مُؤمنا لَا يكون نَبيا وَلِأَن عِنْدهم الْإِيمَان الْإِقْرَار الْفَرد وَذَلِكَ قَوْلهم لما قَالَ الله لَهُم ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَزَعَمُوا أَن قَوْلهم ﴿بلَى﴾ بَاقٍ وَالْإِيمَان ذَلِك وفى حَال الْمَوْت عِنْدهم الْمَيِّت يحس وَيعلم وَقَوله ﴿بلَى﴾ بَاقٍ عينه
وَهَذِه الْمذَاهب لَهُم مَعَ ركاكتها وفسادها غير ملزمة لنا مَا ألزمونا لِأَن عندنَا رَسُول الله ﷺ حى يحس وَيعلم وَتعرض عَلَيْهِ أَعمال الْأمة ويبلغ الصَّلَاة وَالسَّلَام على مَا بَينا ثمَّ الأشعرى لَا يخْتَص بقوله إِن الْمَيِّت لَا يحس وَلَا يعلم فَإِن أحدا من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الْمُتَكَلِّمين سوى الكرامية لم يقل إِن الْمَيِّت يحس وَيعلم وَغير الكرامية لم يقل أحد إِن الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار الْمُجَرّد وَهُوَ قَوْلهم ﴿بلَى﴾ وَلم يقل أحد سواهُم إِن ذَلِك الْإِقْرَار الذى هُوَ ﴿بلَى﴾ مَوْجُود وَإِن قَالَ كثير من النَّاس بِبَقَاء بعض
стр. 1087
الْأَعْرَاض وَجَوَاب الأشعرى كجواب جَمِيع النَّاس عَن هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ ركاكتها وَفَسَاد قواعدها
وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن مَا يلْزمه الْخصم بِدَعْوَاهُ فَيَقُول هَذَا على أصلكم وَمُقْتَضى علتكم يلزمكم فَلَا يجوز أَن ينْسب ذَلِك إِلَى صَاحب الْمَذْهَب فَيُقَال هَذَا مَذْهَب فلَان وَمَا عرُوض هَذَا إِلَّا عرُوض من قَالَ إِن مَذْهَب الحنفى أَن الْوضُوء بِالْخمرِ جَائِز فى السّفر لِأَنَّهُ إِذا جوز التوضى بالنبيذ على وصف يلْزمه أَن يجوز فى الْخمر لاشْتِرَاكهمَا فى الْعلَّة وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسكر فَمثل هَذَا الْإِلْزَام لَا يَصح أَن ينْسب بِهِ الحنفى أَن يَقُول يجوز التوضى فى السّفر بِالْخمرِ عِنْد عدم المَاء
كَذَلِك إِذا قَالُوا إِن مَذْهَب الأشعرى أَن النبى ﷺ لَيْسَ بِنَبِي فى قَبره لِأَنَّهُ يلْزمه حِين قَالَ إِن الْمَيِّت لَا يحس وَلَا يعلم أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ بعالم وَلَا نبى وَمن قَالَ هَذَا كَانَ كَاذِبًا وَكَانَ قَوْله بهتانا فَليعلم ذَلِك يزل الْإِيهَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما مَا قَالُوهُ إِن مذْهبه أَنه يَقُول إِن الله لَا يجازى المطيعين على إِيمَانهم وطاعاتهم وَلَا يعذب الْكفَّار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم فَذَلِك أَيْضا بهتان وَتقول وَكَيف يَصح من قَول أحد يقر بِالْقُرْآنِ وَالله تَعَالَى يَقُول فى مُحكم كِتَابه ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَيَقُول ﴿ذَلِك جزيناهم بِمَا كفرُوا﴾ وَيَقُول ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ وَيَقُول ﴿كَذَلِك نجزي من شكر﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَلَيْسَ الْخلاف فى ذَلِك وَإِنَّمَا الْخلاف فى أَن الْمُعْتَزلَة وَمن سلك سبيلهم فى التَّعْدِيل والتجوير زَعَمُوا أَنه يجب على الله تَعَالَى أَن يثيب المطيعين وَيجب عَلَيْهِ أَن يعذب العاصين
стр. 1088
فطاعة المطيعين عِلّة فى استحقاقهم ثَوَابه وزلات العاصين عِلّة فى استحقاقهم عِقَابه
وَقَالَ أهل السّنة من الأشعرية وَمن جَمِيع من خَالف الْمُعْتَزلَة إِن الله سُبْحَانَهُ لَا يجب عَلَيْهِ شئ وَقَالُوا إِن الْخلق خلقه وَالْملك ملكه وَالْحكم حكمه فَلهُ أَن يتَصَرَّف فى الْعباد بِمَا يَشَاء وَله أَن يُوصل الْأَلَم إِلَى من يَشَاء ويوصل اللَّذَّة إِلَى من يَشَاء وَأَنه يثيب الْمُؤمنِينَ ووعد لَهُم الْجنَّة وَقَوله صدق فَلَا محَالة أَنه يجازيهم ويثيبهم وَلَو لم يعدهم عَن طاعاتهم الثَّوَاب لم يكن يجب للْعَبد عَلَيْهِ شئ فَإِنَّهُ توعد العصاة بالعقوبة على معاصيهم على ذَلِك لِأَن وعيده حق وَلَو لم يعذبهم وَلم يتوعدهم لَكَانَ ذَلِك جَائِزا إِلَّا أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فى صفة نَفسه ﴿فعال لما يُرِيد﴾ فالمطيعون لَا محَالة لَهُم جَزَاء الطَّاعَات وَلَكِن بِفضل الله عَلَيْهِم لَا باستحقاقهم والعاصون لَا محَالة لَهُم على معاصيهم مَا توعدهم بِهِ من الْعقَاب لَكِن لحكمة لَا باستحقاقهم فالطاعات والمعاصى عَلَامَات للثَّواب وَالْعِقَاب لَا علل وَلَا مُوجبَات وَمن صرح فى مُخَالفَة هَذَا فقد أقرّ بالإعتزال وَالْقدر وَلَقَد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن أهل الْجنَّة أَنهم يَقُولُونَ ﴿الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾
أخبرنَا أَبُو نعيم عبد الْملك بن الْحسن بن مُحَمَّد الإسفراينى أخبرنَا أَبُو عوَانَة يَعْقُوب
стр. 1089
ابْن إِسْحَاق حَدثنَا سعيد بن مَسْعُود المروزى السلمى أخبرنَا النَّضر عَن شهيل أخبرنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا إِن يتغمدنى الله مِنْهُ برحمة ومغفرة)
أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَن عبد الله ابْن جَعْفَر أخْبرهُم حَدثنَا يُونُس بن حبيب حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطيالسى حَدثنَا ابْن أَبى ذِئْب عَن سعيد عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا مِنْكُم أحد ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا إِن يتغمدنى الله مِنْهُ برحمة)
وَهَذِه الْمَسْأَلَة من شعب مَسْأَلَة الْقدر وَأهل الْحق لَا يَقُولُونَ بِوُجُوب شئ على الله وَيَقُولُونَ لله أَن يحكم على عباده بِمَا يرد وَيخْتَص من يَشَاء بِالرَّحْمَةِ ويخص من يَشَاء بالألم والشدة وَلَو لم يعد أهل الطَّاعَات بالثواب لم يتَوَجَّه لأحد عَلَيْهِ حق وَلَو ابْتَدَأَ الْخلق بِالْعَذَابِ لم يلْحقهُ فِيهِ لوم
وَلَقَد روى ابْن الديلمى ﵀ قَالَ أتيت أَبى بن كَعْب رضى الله عَنهُ فَقلت إِنَّه وَقع فى نفسى شئ من الْقدر فحدثنى بشئ لَعَلَّ الله أَن يذهب من قلبى فَقَالَ لَو أَن الله عذب أهل سماواته وَأهل أرضه عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم كَانَت رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم وَلَو أنفقت مثل أحد ذَهَبا مَا قبله الله مِنْك حَتَّى تؤمن بِالْقدرِ وَتعلم أَن مَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَمَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَلَو مت على غير هَذَا دخلت النَّار
стр. 1090
ثمَّ لقِيت عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ مثل ذَلِك
ثمَّ لقِيت حُذَيْفَة بن الْيَمَان فَقَالَ مثل ذَلِك
ثمَّ لقِيت زيد بن ثَابت فحدثنى عَن النبى ﷺ بِمثل ذَلِك
وَلَقَد أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد الأهوازى أخبرنَا أَحْمد بن عبد الصفار حَدثنَا بشر بن مُوسَى حَدثنَا حجاج حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الحمصى حَدثنَا عمر بن عبيد الله مولى غفرة عَن رجل من الْأَنْصَار عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يكون قوم يَقُولُونَ لَا قدر أُولَئِكَ مجوس هَذِه الْأمة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم فَإِنَّهُم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بِهِ)
وَأخْبرنَا على بن أَحْمد أخبرنَا أَحْمد بن عبد حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف بن هِشَام حَدثنَا مُحرز بن عون عَن حسان بن إِبْرَاهِيم الكرمانى عَن نصر عَن قَتَادَة عَن أَبى حسان الْأَعْرَج عَن نَاجِية بن كَعْب عَن عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (خلق الله يحيى فى بطن أمه مُؤمنا وَخلق الله فِرْعَوْن فى بطن أمه كَافِرًا)
فَالْحَمْد لله الذى أوضح سَبِيل الدّين بحججه وَهدى للحق سالكى نهجه وخذل أهل الْبدع حَتَّى فضحوا أنفسهم بنصرة الْبَاطِل وَظهر لجَمِيع أهل السّنة مَا كَانَ ملتبسا عَلَيْهِم من أَحْوَالهم الخافية
وَأما مَا يَقُولُونَ عَن الأشعرى أَن مذْهبه أَن مُوسَى ﵇ لم يسمع كَلَام الله فسبحان الله كَيفَ لَا يستحيى من يأتى بِمثل هَذَا الْبُهْتَان الذى يشْهد بتكذيبه كل مُخَالف وموافق إِن حد مَا يجوز أَن يسمع عِنْد الأشعرى هُوَ الْمَوْجُود وَكَلَام الله عِنْده قديم فَكيف يَقُول لَا يجوز أَن يسمع كَلَام الله وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ
стр. 1091
﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ ومذهبه أَن الله تَعَالَى أفرد مُوسَى فى وقته بِأَن أسمعهُ كَلَام نَفسه بِغَيْر وَاسِطَة وَلَا على لِسَان رَسُول وَإِنَّمَا لَا يَصح هَذَا على أصُول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ إِن كَلَام الله مَخْلُوق فى الشَّجَرَة ومُوسَى ﵇ يسمع كَلَامه وَقَالَ الأشعرى لَو كَانَ كَلَامه سُبْحَانَهُ فى الشَّجَرَة لَكَانَ الْمُتَكَلّم بذلك الْكَلَام الشَّجَرَة فالقدرية قَالُوا إِن مُوسَى ﵇ سمع كلَاما من الشَّجَرَة فلزمهم أَن يَقُولُوا إِنَّه سمع كَلَام الشَّجَرَة لَا كَلَام الله وَهَذَا كَمَا قيل فى الْمثل رمتنى بدائها وانسلت وَمن نسب إِلَى أحد قولا لم يسمعهُ يَقُوله وَلَا أحد حكى أَنه سَمعه يَقُول ذَلِك وَلَا وجد ذَلِك فى كتبه وَلم يقلهُ أحد من أَصْحَابه وَلم يناظر عَلَيْهِ أحد مِمَّن ينتحل مذْهبه وَلَا وجد فى كتب المقالات لموافق وَلَا مُخَالف أَن ذَلِك مذْهبه علم أَنه بهتان وَكذب وَقد قَالَ الله تَعَالَى فى قصَّة الْإِفْك ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ وَهَذِه مضاهية لتِلْك ونعوذ بِاللَّه من رقة الدّين وَقلة الْحيَاء
وَأما مَا قَالُوا إِن مذْهبه أَن الْقُرْآن لم يكن بَين الدفتين وَلَيْسَ الْقُرْآن فى الْمُصحف عِنْده فَهَذَا أَيْضا تشنيع فظيع وتلبيس على الْعَوام
إِن الأشعرى وكل مُسلم غير مُبْتَدع يَقُول إِن الْقُرْآن كَلَام الله وَهُوَ على الْحَقِيقَة مَكْتُوب فى الْمَصَاحِف لَا على الْمجَاز وَمن قَالَ إِن الْقُرْآن لَيْسَ فى الْمَصَاحِف على هَذَا الْإِطْلَاق فَهُوَ مُخطئ بل الْقُرْآن مَكْتُوب فى الْمُصحف على الْحَقِيقَة وَالْقُرْآن كَلَام الله وَهُوَ قديم غير مَخْلُوق وَلم يزل الْقَدِيم سُبْحَانَهُ بِهِ متكلما وَلَا يزَال بِهِ قَائِما وَلَا يجوز الِانْفِصَال على الْقُرْآن عَن ذَات الله وَلَا الْحُلُول فى الْمحَال وَكَون الْكَلَام مَكْتُوبًا على
стр. 1092
الْحَقِيقَة فى الْكتاب لَا يقتضى حُلُوله فِيهِ وَلَا انْفِصَاله عَن ذَات الْمُتَكَلّم قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ فالنبى ﷺ على الْحَقِيقَة مَكْتُوب فى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَكَذَلِكَ الْقُرْآن على الْحَقِيقَة مَكْتُوب فى الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فى قُلُوب الْمُؤمنِينَ مقروء متلو على الْحَقِيقَة بألسنة القارئين من الْمُسلمين كَمَا أَن الله تَعَالَى على الْحَقِيقَة لَا على الْمجَاز معبود فى مَسَاجِدنَا مَعْلُوم فى قُلُوبنَا مَذْكُور بألسنتنا وَهَذَا وَاضح بِحَمْد الله وَمن زاغ عَن هَذِه الطَّرِيقَة فَهُوَ قدرى معتزلى يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَأَنه حَال فى الْمُصحف نَظِير مَا قَالُوا إِنَّه لما أسمع مُوسَى ﵇ كَلَامه خلق كَلَامه فى الشَّجَرَة وَهَذَا من فضائح الْمُعْتَزلَة الَّتِى لَا يخفى فَسَادهَا على مُحَصل وَذَلِكَ أَن عِنْد الجبائى الذى هُوَ رَئِيس الْقَدَرِيَّة البصرية أَن الْقُرْآن يحل فى جَمِيع الْمَصَاحِف وَلَا يزْدَاد بِزِيَادَة الْمَصَاحِف وَلَا ينقص بنقصانها وَهُوَ حَال فى حَالَة وَاحِدَة فى ألف ألف مصحف وَإِذا زيد فى الْمَصَاحِف يحصل فِيهَا وَإِذا نقصت الْمَصَاحِف وَبَطلَت لم يبطل الْكَلَام وَلم ينقص وَلَئِن لم يكن هَذَا قولا متناقضا فَاسِدا فَلَا محَال فى الدُّنْيَا
وَأما البغداديون من الْمُعْتَزلَة فعندهم كَلَام الله كَانَ أعراضا حِين خلقه وَالْقُرْآن عِنْدهم كَانَ أعراضا وَلَا يجوز عِنْدهم الْبَقَاء على الْأَعْرَاض فعلى مَذْهَبهم لَيْسَ لله إِلَّا كَلَام مَوْجُود على الْحَقِيقَة وَالْقُرْآن الذى أنزلهُ الله على مُحَمَّد ﷺ لَيْسَ بباق الْيَوْم وَلَا مَوْجُود وَمن ينتحل مثل هَذِه الْبدع ثمَّ يرْمى خَصمه بِمَا هُوَ برِئ مِنْهُ فَالله سُبْحَانَهُ حسيبه وَجَمِيع أهل التَّحْصِيل شُهَدَاء على بَهته
وَأما مَا قَالُوا إِن الأشعرى يَقُول بتكفير الْعَوام فَهُوَ أَيْضا كذب وزور وَقصد من يتعنت بذلك تحريش الجهلة وَالَّذين لَا تَحْصِيل لَهُم عَلَيْهِ كعادة من لَا تَحْصِيل لَهُ فى تَقوله بِمَا لَا أصل لَهُ وَهَذَا أَيْضا من تلبيسات الكرامية على الْعَوام وَمن لَا تَحْصِيل لَهُ
стр. 1093
فَإِنَّهُم يَقُولُونَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار الْمُجَرّد وَمن لَا يَقُول الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار انسد عَلَيْهِ طَرِيق التَّمْيِيز بَين الْمُؤمن وَبَين الْكَافِر لأَنا إِنَّمَا نفرق بَينهمَا بِهَذَا الْإِقْرَار وَغير الكرامية من غير أهل الْقبْلَة لَا يجوز هَذَا السُّؤَال وَجَمِيع أهل الْقبْلَة سوى الكرامية فى الْجَواب عَن هَذَا السُّؤَال متساوون
وَذَلِكَ أَن الْإِيمَان عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث جَمِيع الطَّاعَات فَرضهَا ونفلها والانتهاء عَن جَمِيع مَا نهى الله عَنهُ تَحْرِيمًا وتنزيها
وَعند أَبى الْحسن الأشعرى ﵀ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق وَهَذَا مَذْهَب أَبى حنيفَة رضى الله عَنهُ وَالظَّن بِجَمِيعِ عوام الْمُسلمين أَنهم يصدقون الله تَعَالَى فى إخْبَاره وَأَنَّهُمْ عارفون بِاللَّه مستدلون عَلَيْهِ بآياته فَأَما مَا تنطوى عَلَيْهِ العقائد ويستكن فى الْقُلُوب من الْيَقِين وَالشَّكّ فَالله تَعَالَى أعلم بِهِ وَلَيْسَ لأحد على مَا فى قلب أحد اطلَاع فَنحْن نحكم لجَمِيع عوام الْمُسلمين بِأَنَّهُم مُؤمنُونَ مُسلمُونَ فى الظَّاهِر ونحسن الظَّن بهم ونعتقد أَن لَهُم نظرا واستدلالافى أَفعَال الله وَأَنَّهُمْ يعرفونه سُبْحَانَهُ وَالله أعلم بِمَا فى قُلُوبهم وَلَيْسَ كل مَا يحكم بِهِ على النَّاس بِأَحْكَام الْمُسلمين هُوَ عين الْإِيمَان فَإِن الدَّار إِذا كَانَت دَار إِسْلَام وَوجدنَا شخصا لَيْسَ مَعَه غيار الْكفَّار فَإنَّا نَأْكُل ذَبِيحَته ونصلى خَلفه وَلَو وَجَدْنَاهُ مَيتا لغسلناه ونصلى عَلَيْهِ وندفنه فى مَقَابِر الْمُسلمين ونعقد مَعَه عقد الْمُصَاهَرَة وَإِن لم نسْمع مِنْهُ الْإِقْرَار وَكَونه بزى الْمُسلمين بالِاتِّفَاقِ لَيْسَ بِإِيمَان وَبِذَلِك نجرى عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُؤمنِينَ وَكَذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ نجرى عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ الْإِيمَان غير الْإِقْرَار
стр. 1094
فَإِن قيل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ ﴿وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا﴾ وَإِذا أَتَى بِالْإِقْرَارِ حكمنَا بإيمانه فَعلم أَن الْإِقْرَار هُوَ الْإِيمَان
قيل هَذَا كسؤال الكرامية وَلَا يخْتَص الأشعرى بجوابه فَجَمِيع من لَا يَقُول إِن الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار الْمُجَرّد مشتركون فى الْجَواب عَن هَذَا
وَجَوَاب الْجُمْهُور أَنا بِإِقْرَارِهِ نحكم فى الظَّاهِر بإيمانه وَالله أعلم بِحَقِيقَة حَاله فى صدقه وَكذبه وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ ثمَّ إِذا قَالَت قد طهرت جَازَ قربانها وَإِن جَاءَ أَن يكون حَالهَا فى المغيب بِخِلَاف مَا قَالَت فَكَذَلِك هَذَا
فَإِن قَالُوا فالأشعري يَقُول إِن الْعَوام إِذا لم يعلمُوا علم الْكَلَام فهم أَصْحَاب التَّقْلِيد فليسوا بمؤمنين
قيل هَذَا أَيْضا تلبيس ونقول إِن الأشعرى لَا يشْتَرط فى صِحَة الْإِيمَان مَا قَالُوا من علم الْكَلَام بل هُوَ وَجَمِيع أهل التَّحْصِيل من أهل الْقبْلَة يَقُولُونَ يجب على الْمُكَلف أَن يعرف الصَّانِع المعبود بدلائله الَّتِى نصبها على توحيده وَاسْتِحْقَاق نعوت الربوبية وَلَيْسَ الْمَقْصُود اسْتِعْمَال أَلْفَاظ الْمُتَكَلِّمين من الْجَوْهَر وَالْعرض وَإِنَّمَا الْمَقْصُود حُصُول النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْمُؤَدى إِلَى معرفَة الله وَإِنَّمَا اسْتعْمل المتكلمون هَذِه الْأَلْفَاظ على سَبِيل التَّقْرِيب والتسهيل على المتعلمين وَالسَّلَف الصَّالح وَإِن لم يستعملوا هَذِه الْأَلْفَاظ لم يكن فى معارفهم خلل وَالْخلف الَّذين استعملوا هَذِه الْأَلْفَاظ لم يكن ذَلِك مِنْهُم لطريق الْحق مباينة وَلَا فى الدّين بِدعَة كَمَا أَن الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء عَن زمَان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ استعملوا أَلْفَاظ الْفُقَهَاء من لفظ الْعلَّة والمعلول وَالْقِيَاس وَغَيره ثمَّ لم يكن استعمالهم بذلك بِدعَة وَلَا خلو السّلف عَن ذَلِك كَانَ لَهُم نقصا وَكَذَلِكَ شَأْن النَّحْوِيين والتصريفيين ونقلة الْأَخْبَار فى أَلْفَاظ تخْتَص كل فرقة مِنْهُم بهَا
стр. 1095
فَإِن قَالُوا إِن الِاشْتِغَال بِعلم الْكَلَام بِدعَة وَمُخَالفَة لطريق السّلف
قيل لَا يخْتَص بِهَذَا السُّؤَال الأشعرى دون غَيره من متكلمى أهل الْقبْلَة ثمَّ الاسترواح إِلَى مثل هَذَا الْكَلَام صفة الحشوية الَّذين لَا تَحْصِيل لَهُم وَكَيف يظنّ بسلف الْأمة أَنهم لم يسلكوا سَبِيل النّظر وَأَنَّهُمْ رَضوا بالتقليد حاش لله أَن يكون ذَلِك وَصفهم وَلَقَد كَانَ السّلف من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم مستقلين بِمَا عرفُوا من الْحق وسمعوا من الرَّسُول ﷺ من أَوْصَاف المعبود وتأملوه من الْأَدِلَّة المنصوبة فى الْقُرْآن وإخبار الرَّسُول ﷺ فى مسَائِل التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ التابعون وَأَتْبَاع التَّابِعين لقرب عَهدهم من الرَّسُول ﷺ فَلَمَّا ظهر أهل الْأَهْوَاء وَكثر أهل الْبدع من الْخَوَارِج والجهمية والمعتزلة والقدرية وأوردوا الشّبَه انتدب أَئِمَّة السّنة لمخالفتهم والانتصار للْمُسلمين بِمَا ينير طريقهم فَلَمَّا أشفقوا على الْقُلُوب أَن تخامرها شبههم شرعوا فى الرَّد عَلَيْهِم وكشف فسقهم وأجابوهم عَن أسئلتهم وتحاموا عَن دين الله بإيضاح الْحجَج وَلما قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ تأدبوا بآدابه سُبْحَانَهُ وَلم يَقُولُوا فى مسَائِل التَّوْحِيد إِلَّا بِمَا نبههم الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فى مُحكم التَّنْزِيل وَالْعجب مِمَّن يَقُول لَيْسَ فى الْقُرْآن علم الْكَلَام والآيات الَّتِى فى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والآيات الَّتِى فِيهَا علم الْأُصُول يجدهَا توفى على ذَلِك وتربى بِكَثِير وفى الْجُمْلَة لَا يجْحَد علم الْكَلَام إِلَّا أحد رجلَيْنِ جَاهِل ركن
стр. 1096
إِلَى التَّقْلِيد وشق عَلَيْهِ سلوك أهل التَّحْصِيل وخلا عَن طَرِيق أهل النّظر وَالنَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَلَمَّا انْتهى عَن التحقق بِهَذَا الْعلم نهى النَّاس ليضل غَيره كَمَا ضل أَو رجل يعْتَقد مَذَاهِب فَاسِدَة فينطوى على بدع خُفْيَة يلبس على النَّاس عوار مذْهبه ويعمى عَلَيْهِم فضائح طويته وعقيدته وَيعلم أَن أهل التَّحْصِيل من أهل النّظر هم الَّذين يهتكون السّتْر عَن بدعهم ويظهرون للنَّاس قبح مقالتهم والقلاب لَا يحب من يُمَيّز النُّقُود والخلل فِيمَا فى يَده من النُّقُود الْفَاسِدَة لَا فى الصراف ذى التَّمْيِيز والبصيرة وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾
وَلما ظهر ابْتِدَاء هَذِه الْفِتْنَة بنيسابور وانتشر فى الْآفَاق خَبره وَعظم على قُلُوب كَافَّة الْمُسلمين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَثَره وَلم يبعد أَن يخَامر قُلُوب بعض أهل السَّلامَة والوداعة توهم فى بعض هَذِه الْمسَائِل أَن لَعَلَّ أَبَا الْحسن على بن إِسْمَاعِيل الأشعرى ﵀ قَالَ بِبَعْض المقالات فى بعض كتبه وَلَقَد قيل من يسمع يخل أثبتنا هَذِه الْفُصُول فى شرح هَذِه الْحَالة وأوضحنا صُورَة الْأَمر بِذكر هَذِه الْجُمْلَة ليضْرب كل من أهل السّنة إِذا وقف عَلَيْهَا بسهمه فى الِانْتِصَار لدين الله من دُعَاء يخلصه واهتمام يصدقهُ وكل عَن قُلُوبنَا بالاستماع إِلَى شرح هَذِه الْقِصَّة يحلمه بل ثَوَاب من الله سُبْحَانَهُ على التوجع بذلك يستوجبه وَالله غَالب على أمره
стр. 1097
وَله الْحَمد على مَا يمضيه من أَحْكَامه ويبرمه ويقضيه فى أَفعاله فِيمَا يُؤَخِّرهُ ويقدمه ﷺ على سيدنَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا
تمت الشكاية
ذكر الرسَالَة الْمُسَمَّاة زجر المفترى على أَبى الْحسن الأشعرى
وَهَذِه الرسَالَة صنفها الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة ضِيَاء الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عمر بن يُوسُف بن عمر بن عبد الْمُنعم القرطبى وَقد وَقع فى عصره من بعض المبتدعة هجو فى أَبى الْحسن فألفها ردا على الهاجى الْمَذْكُور وَبعث بهَا إِلَى شيخ الْإِسْلَام تقى الدّين أَبى الْفَتْح ابْن دَقِيق الْعِيد إِمَام أهل السّنة وَقد كَانَت بَينهمَا صداقة ليقف عَلَيْهَا فَوقف عَلَيْهَا وقرظها بِمَا سنحكيه بعد الِانْتِهَاء مِنْهَا
وهى
(أَسِير الْهوى ضلت خطاك عَن الْقَصْد ... فها أَنْت لَا تهدى لخير وَلَا تهدى)
(سللت حساما من لسَانك كَاذِبًا ... على عَالم الْإِسْلَام وَالْعلم الْفَرد)
(تمرست فى أَعْرَاض بَيت مقدس ... رمى الله مِنْك الثغر بِالْحجرِ الصلد)
(ضلالك والغى اللَّذَان تألفا ... هما أورداك الْفُحْش من مورد عد)
(هما أسخنا عين الدّيانَة وَالْهدى بِمَا ... نثرا من ذمّ وَاسِطَة العقد)
(هما أضرما نَارا بهجوك سيدا ... ستصلى بهَا نَارا مسعرة الوقد)
(وَمَا أَنْت والأنساب تقطع وَصلهَا ... وَمَا أَنْت فِيهَا من سعيد وَلَا سعد)
(خطوت إِلَى عرض كريم مطهر ... أرى الله ذَاك الخطو جَامِعَة الْقد)
стр. 1098
(أيا جَاهِلا لم يدر جهلا بجهله ... أتعلو ثغور القاع فى قنن الْمجد)
(لقد طفئت نَار الْهوى من علومكم ... إِلَى لتقدح نَار هديك من زندى)
(أصخ لصريخ الْحق فَالْحق وَاضح ... فَلم لَا تصخ أصميت سمعا عَن الرَّعْد)
(وطهر عَن الإضلال ثَوْبك إِنَّه ... لأدنس مِمَّا مَسّه وضر الزند)
(فيا قعديا عَن معالى أولى النهى ... وَيَا قَائِما بِالْجَهْلِ ضدان فى ضد)
(أفق من ضلال ظلت تُوضَع نَحوه ... وتسرع إسراع المطهمة الجرد)
(وَصَحَّ رويدا إِن دون إمامنا ... سيوف عُلُوم سلها الله من غمد)
(لأيدى شُيُوخ حنكتهم يَد الْهدى ... وأيدى كهول فى غطارفة مرد)
(يصولون بِالْعلمِ الْمُؤَيد بالتقى ... وَقد لبسوا درع الْهدى مُحكم السرد)
(إِذا برزوا يَوْم الْجِدَال تخالهم ... أسود شرى لَا بل أجل من الْأسد)
(وَإِن نطقوا مدت يَد الله سرهم ... بِمَا سرهم فى الدّين يالك من مد)
(هم أوردونا أبحرا من علومهم ... مفجرة من غير جزر وَلَا مد)
(هم الْقَوْم فاحطط رَحل دينك عِنْدهم ... لتنشد دين الله فى موطن النشد)
(يجيئون إِن جَاءُوا بآيَات رَبهم ... وتأتيهم إِن جِئْت بالآى عَن مرد)
(لشتان مَا بَين الْفَرِيقَيْنِ فى الْهدى ... كشتان مَا بَين اليزيدين فى الرفد)
стр. 1099
(ضللتم عَن التَّقْوَى وظلل هديها ... علينا بفئ وارف الظل وَالْبرد)
(فَنحْن بهَا فى رَوْضَة من هِدَايَة ... مفتحة الأزهار فائحة الْورْد)
(تميس بهَا أعطافنا ثنى حلَّة ... خلوقية الأردان سابغة الْبرد)
(نشاهده حسنا ونجنيه طيبا ... وَنَشْرَب كأس الْفضل من غير مَا جهد)
(وَرَاءَك عَن هَذَا الْمحل فَإِنَّهُ ... مَحل جلال لست مِنْهُ على حد)
(ودونك فالبس برد جهلك مائسا ... بعطفيك فى الإغواء يَا عَابِد البد)
(فَإِن كنت بالتجسيم دنت فعندنا ... أسنة علم فى مثقفة صلد)
(زعمت بِأَن الله شئ مجسم ... تبين رويدا مَا أُمَامَة من هِنْد)
(فَإِن كَانَ مسلوب انْتِهَاء جعلته ... بقاذورة الأجساد وَالْمَيِّت واللحد)
(وفى الْكَلْب وَالْخِنْزِير والوزغ والهبا ... وفى مثل هَذَا النَّوْع يَا وَاجِب الْقد)
(وفى البق والبرغوث والذر والذى ... أجل وَأدنى مِنْهُ فى الْقد وَالْعد)
(وفى حشرات الأَرْض والترب والحصى ... ضَلَالَة مَا رواكه شيخك النجدى)
(وفى سَائِر الْمَوْجُود يَا أَخبث الورى ... مقَالا تَعَالَى الله يَا نَاقض الْعَهْد)
(وَإِن كَانَ لَا سلب انْتِهَاء جعلته ... أقل من الْمَخْلُوق فى زعمك المردى)
стр. 1100
(وَقلت إِلَه الْعَرْش فى الْعَرْش كَونه ... وأنى لمحدود بِمن جلّ عَن حد)
(فحددته من حَيْثُ أنْكرت حَده ... ويلزمك التَّخْصِيص فى العمق وَالْقد)
(وَيلْزم أَن الله مَخْلُوق خَالق ... لقد جِئْت فى الْإِسْلَام بالمعضل الأد)
(وَقلت لذات الله وصف تنقل ... وَحَالَة قرب عَاقَبت حَالَة الْبعد)
(وخيلت ذَات الله فى أعين الورى ... لمحسوسة الْأَجْسَام أَخْطَأت عَن عمد)
(وحددت تكييفا وكيفت جَاهِلا ... أقست على حاليك فى الْعَكْس والطرد)
(وَأنْكرت تَشْبِيها وشبهت لَازِما ... وَأثبت ضد الْعقل فى منتفى الضِّدّ)
(حللت عرى الْإِسْلَام من عقدك الذى ... تدين فجَاء الْحل من قبل العقد)
(وزيفت فى نقد اعتقادك فاغتدى ... وَقد جَاءَ زيف الدّين من قبل النَّقْد)
(سللت حسام الغى فى غمدك الْهدى ... فسلك من دين الْهِدَايَة بالغمد)
(بنيت ضلالا إِذْ هددت شَرِيعَة ... فأسست بُنيان الضَّلَالَة بالهد)
(مددت لِسَانا للْإِمَام فقصرت ... يَد الرشد فالتقصير من جَانب الْمَدّ)
(كَذَا عَن طَرِيق الدّين يَا أخفش الْهدى ... وَصرح بِمَا تخفى عَن الدّين من ضد)
(فقد وضحت آثَار غيك فى الورى ... كَمَا وضحت فى سوأة خصيتا قرد)
(بتبيين هَذَا الحبر من نور علمه ... دجى عقلك الهاوى وأقوالك الربد)
(فَرد معانيك الخبيثة علمه ... وغادرها فى الْجَهْل صاغرة الخد)
(وسل حساما من بَيَان فهومه ... فَرد سيوف الغى مفلولة الْحَد)
стр. 1101
وَأبْدى علوما ميزت فضل فَضله ... كتمييز ذى البردين وَالْفرس الْورْد)
(فَجَاءَت مجئ الصُّبْح وَالصُّبْح وَاضح ... وسارت مسير الشَّمْس وَالشَّمْس فى السعد)
(وفاضت فَفَاضَتْ أنفس من عداته ... وغاضت وَمَا غاضت على كَثْرَة الْورْد)
(وآضت رياض الْعلم مطلولة الثرى ... بسح غمام الْفضل منسكب الْعَهْد)
(وجادت بنشر الدّين فى عَالم الْهدى ... فَجَاءَت بنشر لَا العرار وَلَا الرند)
(من الحكم اللاتى تضوع عرفهَا ... فعد عَن الْورْد المضاعف والند)
(سللن سيوف الْحق فى موطن الْهدى ... فغادرن صرعى الْمُلْحِدِينَ بِلَا لحد)
(وأيدن دين الله فى أفق الْعلَا ... بِلَا منصل عضب وَلَا فرس نهد)
(وشيدن أَعْلَام الْحَقَائِق فى الورى ... فَللَّه مِنْهَا من تجن وَمَا تبدى)
(ومجدن ذَات الله تمجيد عَالم ... بِمَا يسْتَحق الله من صفة الْمجد)
(وكذبن دَعْوَى كل غاو مجسم ... بِمَا رد من قَول لَهُ وَاجِب الرَّد)
(وأمضين حكم النَّقْل وَالْعقل فاحتوى ... كَلَام إِمَام الْحق مجدا على مجد)
(معَان إِذا جَاشَتْ ميادين فَضلهَا ... أخذن بأعناق الْأَنَام إِلَى الرشد)
(وَإِن كنت عدليا يحكم عقله ... برد مُرَاد الله عَن بعض مَا قصد)
(وإمضاء مَا يختاره العَبْد من هوى ... فَحكم إِلَه العَبْد دون هوى العَبْد)
(وتجحد تشفيع الرَّسُول وَأَنه ... يرى الله يَوْم الْحَشْر أُفٍّ لذى الْجحْد)
(وتنفى صِفَات الله ﷻ ... وتزعم أَن الآى محدثة الْعَهْد)
(وَتلْزم إِيجَابا على الله فعله ... لأصلح مَا يرضى وَأفضل مَا يجدى)
(فجانب هَاتين الطَّرِيقَيْنِ علمه ... كَمَا جَانب القيسى فى النّسَب الأزدى)
(وَقَالَ بِإِثْبَات الصِّفَات وذاتها ... وسلب صِفَات النَّفس عَن صَمد فَرد)
(فَمن مُوجب يَوْمًا على الله حكمه ... وَمن ذَا الذى يحْتَج إِن هُوَ لم يهد)
стр. 1102
(وَمن ذَا الذى يقْضى بِغَيْر قَضَائِهِ ... وَمن ذَا الذى عَن قهر عزته يحدى)
(وَهل حَاكم فى الْخَيْر وَالشَّر غَيره ... إِذا شَاءَ أمرا لم ترده يدا رد)
(هُوَ الله لَا أَيْن وَلَا كَيفَ عِنْده ... وَلَا حد يحويه وَلَا حصر ذى حد)
(وَلَا الْقرب فى الْأَدْنَى وَلَا الْبعد والنوى ... يُخَالف حَالا مِنْهُ فى الْقرب والبعد)
(فَمن قبل قبل الْقبل كَانَ وَبعده ... يكون بِلَا حصر لقبل وَلَا بعد)
(تنزه عَن إِثْبَات جسم وسلبه ... صِفَات كَمَال فاقف رسمى أَو حدى)
(تبَارك مَا يَقْضِيه يمضى وَمَا يشا ... يكون بِلَا بَدْء عَلَيْهِ ولابد)
(تقدس مَوْصُوفا وَعز منزها ... وَجل عَن الأغيار منسلب الْفَقْد)
(هُوَ الْوَاجِب الْأَوْصَاف والذات فاطرح ... سواهَا من الْأَقْوَال فهى الَّتِى تردى)
(هُوَ الْحق لَا شئ سواهُ فَمن يزغ ... ضلالا فَإنَّا لَا نزيغ عَن الْقَصْد)
(هُوَ الْفَاعِل الْمُخْتَار لَيْسَ بِمُوجب ... لشئ من الْمَخْلُوق فى أنفس الْفَرد)
(وَلَيْسَ إِلَه الْخلق عِلّة خلقه ... وَلَكِن فعل الله علية الوجد)
(وَلَا نِسْبَة بَين الْعباد وَبَينه ... وَهل عِلّة إِلَّا مُنَاسبَة تجدى)
(هُوَ الْوَاصِل النعاب لطفا بضعفه ... على فَقده من أمه صلَة الوجد)
(هُوَ الْخَالِق الأشباح فى ظلم الحشا ... هُوَ الكافل الطِّفْل الرَّضِيع لَدَى المهد)
(أدر لَهُ من جلدتين لبانه ... ولولاه لم يسق اللبان من الْجلد)
(فهذى فُصُول من أصُول كَثِيرَة ... على قصر النّظم المقصر عَن قصدى)
стр. 1103
(وَإِلَّا ففى أبحاثه وعلومه ... غوامض أسرار تلوح لذى الرشد)
(أيجحد فضل الأشعرى موحد ... وَمَا زَالَ يهدى من مَعَانِيه مَا يهدى)
(من الْكَلم اللاتى قصمن بحدها ... عرى بَاطِل الْإِلْحَاد كالصارم الهندى)
(فيا جاحدا هَذَا الإِمَام مَحَله ... من الْعلم وَالْإِيمَان وَالْعَمَل المجدى)
(هى الشَّمْس لَا تخفى على عين مُسلم ... سوى مقلة عمياء أَو أعين رمد)
(فوَاللَّه لَوْلَا الأشعرى لقادنا ... ضلالكم الهادى إِلَى أسوإ الْقَصْد)
(جزى الله ذَاك الحبر عَنَّا بفضله ... جَزَاء يرقيه ذرى درج الْخلد)
(وحمدا لربى فَهُوَ مهديه للورى ... وَللَّه أولى بالجميل وبالحمد)
أَيْن حطت مطايا هَذَا الْجَاهِل الغبى والمبطل الغوى والملحد البدعى
(أنخ لى إِلَى مغناه يَا بارق الْهدى ... فقد وقدت بَين الحشا نَار هِجْرَة)
(وصلنى بتعريف مَحل قراره ... لأوصله منى إدامة هجره)
(وأصليه من فكرى بذاكى ذكائه ... أقلبه مِنْهُ على حر جمره)
(وأهديه من داجى الضلال بنير ... ينير لَهُ عندى السرى وَجه فجره)
وَإِلَّا فدله على دلَالَة العصفور على حَبَّة الفخ واهده إِلَى هِدَايَة العادى إِلَى نصل الْجرْح لَا يفهم سِهَام كلامى إِلَيْهِ وأوقد سِهَام كلامى عَلَيْهِ وأفقأ بِالنّظرِ بَاب ناظريه وأفك بالبديهيات ماضغيه وأقفه من ثنايا خطاه على شفا جرف هار وأجنيه من ردايا خطله شَجَرَة خبيثة اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار وأسمه بميسم الصغار وأغره عَن الْأسود بن غفار وأعلمه أَنه فى مَذْهَب أَئِمَّة الْحق ثانى اثنى
стр. 1104
الْكفَّار إِن لم يكن عين الْكفَّار وأنتصر للثاوى فى جنَّات الله أشرف الِانْتِصَار وأوضح لَهُ أَن لَهُ فى كل زمَان أنصارا من الْأَنْصَار
(إِذا أعملوا أفكارهم نَاب قَوْلهَا ... عَن السَّيْف يَوْم الروع تدمى شفاره)
(وَإِن أظلمت آفَاق خطب بدوا بِهِ ... شموس معَان فاستبان نَهَاره)
وأناقش أَلْفَاظه الَّتِى باعدها من مَعَانِيهَا وأعراضه الَّتِى ثوب بِشَيْطَان الضَّلَالَة داعيها وإشارته الَّتِى نعق فى فِئَة الضَّلَالَة غاويها
(كَمَا صَاح بالمهراس إزب ضَلَالَة ... وَكَانَ لدين الله عَاقِبَة النَّصْر)
(وَمَا برح الْإِيمَان فى كل عصرة ... يكَاد فَهَذَا الْإِرْث فى آخر الْعَصْر)
وَهَا أَنا أناديه من كثب التِّبْيَان بِلِسَان الْبَيَان وأناجيه من وُجُوه الْعلم بمقلة الحسان وأقذى عينه من عَمه قذاها وأغسل فكره من دنس أذاها وَأَرْفَع لَهُ علم إِرَادَة هداها فإمَّا رَجْعَة إِلَى سَبِيل الرشاد عَن غية وَإِمَّا صرعة على مهاد العنا من بغيه
وَاعْلَم أرشدك الله أَن الله وعد مُحَمَّدًا ﷺ بِإِظْهَار دينه على الدّين كُله وَضمن لَهُ ضَمَان الْحق والصدق فى فرع الْإِيمَان وَأَصله فَتَأمل بِعَين الْإِيمَان وَقَلبه وأصخ إِلَى الْحق إصاخة مسترشد بربه كَيفَ سير الله فى الْعَالم علم هَذَا الْعَالم واستودعه فى الْمَشَارِق والمعارب قُلُوب الْأَعَاجِم والأعارب وَعم بِهِ الْمجَالِس والمدارس وأخرس عَنهُ الباغى المناقب والحاسد المنافس وَجرى بذهنه على الْإِطْلَاق جرى السَّيْل
стр. 1105
وامتد على الْآفَاق امتداد اللَّيْل وملأ عرض الأَرْض مَا بَين السها وَسُهيْل فَلَا ينْطق ذامه إِلَّا همسا وَلَا يسمع لكَافِر فى الإعلان جرسا
(والستر دون الفاحشات وَمَا ... يلقاك دون الْخَيْر من ستر)
إِنَّمَا يتراضعون بغضه تراضع الفئة الْفَاجِرَة ويتواضعون ذمه تواضع من ذكر الدُّنْيَا ونسى الْآخِرَة لَا يظهرونه إِلَى الإعلان عَن الْأَسْرَار وَلَا تنطق بِهِ شفاههم إِلَّا كأخى السرَار
(ويطوون دَاء الْفضل فى نشر جهلهم ... فأقبح بِذَاكَ الطى فى ذَلِك النشر)
(هم سفهوا آراءنا وإمامنا ... وموعدنا وَالْقَوْم مُجْتَمع الْحَشْر)
ثمَّ انْظُر إِلَى عُلَمَاء الْأمة الَّذين درجوا فى دَرَجَات الإفادة مِنْهُ وتخرجوا بِكَلِمَات الْعلم المنقولة عَنهُ كَيفَ تناقلتهم الْأَعْصَار وتهادتهم الْأَمْصَار وطلعوا فى كل أفق طُلُوع الشَّمْس ونسخوا بمحكمات علومهم كل لبس وقضوا من كشف غوامض الْكتاب وَالسّنة كل حَاجَة فى النَّفس أَئِمَّة تشد إِلَيْهِم الرّحال وتحط وعلماء تدار على أَقْوَالهم معالم الْإِيمَان وتحط كَابْن الباقلانى والإسفراينى وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَابْن العربى والغزالى والمادرى وَأَبُو الْوَلِيد والرازى وَغَيرهم مِمَّن اخْتلفت إِلَيْهِ أَعْنَاق الرفاق وملأ بِعِلْمِهِ ظُهُور الظَّوَاهِر وبطون الأوراق وطلع طُلُوع الشَّمْس فى الْآفَاق وتوازر على نَصره السَّيْف والقلم وانتشر عَنهُ الْعلم وانتشر عَلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ الْعلم بِمَا تأصل
стр. 1106
من أصُول هَذَا الإِمَام وتفرع من فروعه وتفرق فى أَعْلَام الْأمة من مَجْمُوعَة وأبانه من نجم هدايته الذى مَا أفل من حِين طلوعه وأبداه من دقائق الْعلم الَّتِى دلّت على أَن روح الْقُدس نفث فى روعه
(فأطلعها شمسا أنارت بهديها ... معالم دين الله واسترشد العلما)
(هدت مبصرا فى الدّين وَاضح رشده ... وضل بهَا من كَانَ فى هَذِه أعمى)
إِلَى غير ذَلِك من امتداد باعهم فى الْإِمَامَة وَكَون كل منتسب إِلَى علم يَقع مِنْهُ موقع القلامة
(كل صدر إِذا تصدر يَوْمًا ... شهِدت كل أمة بعلاه)
(وَإِذا مَا ابتدى لفصل جِدَال ... شرف الله من هدى بهداه)
فأرنى إِمَامًا من أَئِمَّة المجسمة لم يجمجم فى أَقْوَاله وَلم يخف إخفاء الْهمزَة مَا بَين حم من ضلاله إِنَّمَا يتواحر بِهِ أنحاء الْيَهُود بأنبائها إِلَى أبنائها ويتهادونه تهادى الفجرة ضَلَالَة إغوائها ويتعاوون بِهِ تعاوى الْكلاب المتجاوبة فى عوائها فأى المذهبين تكفل الله لمُحَمد ﷺ فى إعلاء كَلمته وأى الْقَوْلَيْنِ أشهر شهرة وأوضح ظهورا فى مِلَّته فاجتن مَا غرسته لَك فى رياض الْعلم ناميا واجتل حسن هديتى إِلَيْك فَإِن كنت مهتديا فقد وجدت هاديا وحذار أَن ترد البضائع مَاؤُهَا عذب وتصدر فى الظهيرة ظاميا وتزيد شمس الدّين وَاضح رشدها
стр. 1107
فتصد عَنْهَا أخفش متعاميا فَرد مشرع الدّين ليطف من حر نارك وتبصر عين الْيَقِين لتشف من عين عوارك فقد نشرت لَك علم الْعلم لتأتم بآثاره وأوضحت لَك بدر التم لتهتدى بأنواره وَأخذت بحجزتك عَن مهوى الْجَهْل فَلَا تصطلى بناره
(فَإنَّك إِن تفعل فراشة عثة ... أَبَت بعد مس النَّار إِلَّا هلاكها)
(وَقد وضحت شمس الْأَدِلَّة فاستبن ... وَلَا توثقن نفسا بِغَيْر فكاكها)
فَادْخُلْ أَنْت وأشياعك من بَاب سلم التَّسْلِيم وَقُولُوا حطة وتخط بواضح هَذَا التفهيم مدرجة هَذِه الْحِنْطَة وأفق بمداواة هَذَا التَّعْلِيم من مرض هَذِه الخطة وَإِلَّا فَإِن أَعْلَام الْأَئِمَّة منشورة وسيوف الْأَدِلَّة مَشْهُورَة وجيوش عُلَمَاء الْأمة فى المواقف على الْمُلْحِدِينَ منصورة وأعداؤهم مَا بَرحت شبه ضلالتهم بحجج الْحَقَائِق مقهورة ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره﴾
(فَخذ بيد الْإِيمَان إِن كنت مُؤمنا ... وَخذ بيد الْإِسْلَام إِن كنت مُسلما)
стр. 1108
(وهاك يدى عهدا عَن الله أَنه ... سيكفيك إِن تابعت رأيى جهنما)
فقد وَالله محضتك النَّصِيحَة مرشدا وَأخذت بِنَفْسِك مغورا فَأخذت بك منجدا
(لأشفيك يَا عَارِيا مُبْطلًا ... بطبى من دائك الممرض)
(وأقضيك عَن عرض هَذَا الإِمَام ... وَإِن كنت للذل لَا تقتضى)
(وأهديك من كَلِمَات الْهدى ... بهادى سنا بارق مومض)
(وأكحلك بالصاب أَو بالجلا ... فَفتح لكحلى أَو غمض)
وَلَو عقلت رشدك وصنت عَن الاغتياب عقدك لحسن بك أَن تتخالف عَن هَذَا المشرع الذميم وتتحلى بِهَذَا العقد النظيم من كَلِمَات الْفَاضِل الْحَكِيم
(لَا تضع من شرِيف قدرا وَإِن كنت ... مشارا إِلَيْك بالتعظيم)
(فالشريف الْعَظِيم ينحط قدرا ... بالتعدى على الشريف الْعَظِيم)
(ولع الْخمر بالعقول رمى الْخمر ... بتنجيسها وبالتحريم)
وَلَا تطرد هَذَا الْقيَاس أيدك الله فى وفيك وَخذ جَوَاب ذَلِك قبل أَن تنطق بِهِ شفتا فِيك فَإِن الله لم يدنك من رتب جلالته وَلَا رقاك إِلَى أقل جُزْء من عالى دَرَجَته
(فَإنَّك لَا تدرى بأية موطن ... وَلَا أى وصف أَنْت فِيهِ من الْخلق)
(سوى أَن قولا مِنْك جَاءَ فدلنا ... على أَن هَذَا القَوْل مَال عَن الْحق)
(وحاد عَن التَّقْوَى وجار على الْهدى ... وجانب فى إعراضه جَانب الصدْق)
(أتهجو إِمَام الْمُسلمين وَقد مضى ... إِلَى الله لَا قدست فى ذَلِك النُّطْق)
(أجدك أَنى فِيك قَالَ فَلَا ترم ... مَكَانك أَو تلقى إِلَى كَمَا ألْقى)
(لتَحكم فِينَا آيَة الْبعد أمرهَا ... فتأفل فى غرب وأطلع فى شَرق)
(وتشرب كأسا من ضلالك بَاغِيا ... فقد أترعت جهلا من المورد الرنق)
стр. 1109
(عذيرى لَو أَلْقَاك يَوْمًا بنجوة ... ضربتك بِالسَّيْفِ المهند فى الْفرق)
وَاعجَبا لعين عميت عَن نور مَلأ شَرق الأَرْض وغربها وهداية أسبلت على فِئَة الضَّلَالَة غربها وجمعت على الائتمام بِهَذَا الإِمَام عجم الْإِسْلَام وعربها
(فطبق آفَاق الورى فيض فَضله ... وَفَاء عَلَيْهِم بِالْهدى فئ ظله)
(وَقَامَت بحار الْعلم مِنْهُ فَأَصْبَحت ... ووبلك مغمور بقطرة طله)
(إِلَيْك فَهَذَا مورد مَا وردته ... وَرَاءَك حل الْفضل فِيهِ لأَهله)
(فَلَا فرع فى الْإِسْلَام زاك كفرعه ... وَلَا أصل فى الْإِيمَان هاد كَأَصْلِهِ)
(فَمَا انتصرت مِنْهُ مابحث علمه ... على عقله حَتَّى اسْتدلَّ بنقله)
(وَلَا امْتَدَّ إِلَّا من عُلُوم رَسُوله ... وَلَا قَالَ إِلَّا عَن صائح فَضله)
(وَلَا أم إِلَّا معجزات كِتَابه ... إِذا أم بحاث مُجَرّد عقله)
(هُوَ السَّيْف ماضى الشفرتين فخله ... وَإِلَّا فمقتولا أَرَاك بنصله)
هَذِه أيدك الله جالية صدأ الدّين ومقذية عَمه الْعين والعقيدة الآخذة يَمِين الْإِرْشَاد والذخيرة الهادية إِلَى سَبِيل الرشاد أنرت لَك بهَا مسالك سَبِيلك ورميت بشهاب حَقّهَا شَيْطَان تضليلك وجعلتها حجَّة على شبهك ومحجة لدليلك وأجنيتك بهَا روض الْإِيمَان لما حنظلت شجراتك ورويتها نارى الإتقان لما أمرت بمرآتك فاعش إِلَى ضوء نارها وَاقِف محَاسِن آثارها وَضعهَا غرَّة فى جبينك وَاجْعَلْهَا درة فى يَمِينك وأصخ بسمعك إِلَى داعى وَاجِب الْإِجَابَة وأمهد لنَفسك فى مغرس الْإِنَابَة ومقيل الإثابة فَإنَّك خطوت فى بهماء مظْلمَة وسعيت فى دحض مزلة
стр. 1110
(أَسَأْت وَمن يسئ يَوْمًا يساء ... رويدك فالجزاء بهَا وَرَاء)
(هجوت الأشعرى إِمَام حق ... بفيك الترب فَانْطَلق مَا تشَاء)
(ستعلم أَيّنَا أهْدى سَبِيلا ... إِذا وَقع الْحساب أَو الْجَزَاء)
(وأى المذهبين أصح قولا ... وتنزيها إِذا كشف الغطاء)
(وَتشهد فى الْقِيَامَة أَن ربى ... سيشهد أَنه مِنْكُم برَاء)
(أتزعم أَن رب الْعَرْش فِيهِ ... وتزعم أَن ذَاك لَهُ وعَاء)
(فَإِن ألزمته فِيهِ قرارا ... فَذا زمن وَقد طَال الثواء)
(وَيلْزم أَنه إِن كَانَ فِيهِ ... خلت مِنْهُ البسيطة وَالسَّمَاء)
(وَإِن حركته مِنْهُ تَعَالَى ... فَيلْزمهُ حُدُوث وانتهاء)
(وَيلْزمهُ التنقل فى محَال ... يُعَاقِبهَا خلاء أَو ملاء)
(فَلم تتْرك من التَّشْبِيه شَيْئا ... سوى أَن قيل قد فقد السوَاء)
(فداو الدّين من عَمه ورين ... فَإِن الْعلم وَالتَّقوى دَوَاء)
(فقد صديت فهومكم وصدت ... عَن المثلى وَقد وجد الْجلاء)
(وأمرضها فَسَاد الْعقل مِنْهَا ... مَعَ التَّخْلِيط وَامْتنع الشِّفَاء)
(وَإِن كنت اعتزلت الدّين رَأيا ... تحالفه الشقاوة والغباء)
(وَأثبت الْمَشِيئَة للبرايا ... وَلم تثبت لِرَبِّك مَا يَشَاء)
(وَأنْكرت الْقَضَاء لَهُ انفرادا ... فَقلت لعَبْدِهِ أَيْضا قَضَاء)
(وأوجبت الصّلاح عَلَيْهِ حكما ... يُخَالِفهُ العبيد إِذا أشاءوا)
(فَمن يقْضى عَلَيْهِ إِن عصوه ... أمقهور إلهك أم مسَاء)
стр. 1111
(وعجزا عَنْهُم أم رفض فرض ... عَلَيْهِ إِن قَوْلكُم هزاء)
(وَإِن تَكُ ملحدا فى الدّين أضحى ... على عينى كِتَابَته غشاء)
(يعاند لَا لِمَعْنى يَقْتَضِيهِ ... سوى أَن جانبته الأتقياء)
(ففى يمنى الشَّرِيعَة سيف حق ... يُؤَيّد نصله أَسد ظماء)
(نطهر ديننَا بدماء قوم ... وَإِن نجست بِهِ تِلْكَ الدِّمَاء)
(فَمَا خفيت وُجُوه الْعلم لَكِن ... هواكم عَم أَو غلب الشَّقَاء)
(وَأَيْضًا غركم شَيْطَان جهل ... ألب بكم وأفئدة هَوَاء)
(ودلالكم غرُورًا فى هواكم ... كَمَا دليت على الرخو الدلاء)
(تَأمل يَا سقيم الْفَهم هَذَا ... فَإِن الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء)
(وحصرى الحكم إِثْبَاتًا ونفيا ... لمعتل الدَّلِيل بِهِ شِفَاء)
(كأنى بالمجسم يَوْم حشر ... وَقد ضَاقَتْ بِهِ الأَرْض الفضاء)
(فَنَكس رَأسه مِنْهُ حَيَاء ... وَلَكِن فَاتَ فى الدُّنْيَا الْحيَاء)
(سيندم حِين يسْأَله رُجُوعا ... فَيسمع لَا لقد حم الْقَضَاء)
صرف الله قُلُوبنَا عَن غباوة الْخَطَأ وغواية الخطل وبصرنا بهداية الْعَمَل عَن عماية الزلل وَأخذ بِأَيْدِينَا عَن معانقة الأمل إِلَى مراقبة الْأَجَل وأظلنا بِظِل عَرْشه فى الْموقف الجلل وهدانا إِلَى اتِّبَاع خير الرُّسُل وملة أشرف الْملَل ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه المهتدين بِهِ والهادين إِلَى أشرف السبل وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
تمت بِحَمْد الله وعونه ﷺ على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
стр. 1112
ذكر رِسَالَة الشَّيْخ تقى الدّين بن دَقِيق الْعِيد المتضمنة تقريظ هَذِه الرسَالَة
الْمَمْلُوك مُحَمَّد بن على يخْدم الجناب الْكَرِيم العالى المولوى السيدى العالمى العلمى الورعى الأفضلى الأكملى الأبرعى الأورعى المحسنى الضيائى لَا زَالَ بحرا وأنواع المعارف مَأْوَاه بَدْرًا وأوج السَّعَادَة سماؤه قطرا وعزمات المكارم أنواؤه صَدرا مِنْهُ مبدأ الشّرف وَإِلَيْهِ انتهاؤه
(يقوم بنصر الدّين فى كل موطن ... بِهِ راية الْإِسْلَام تعلو وتنصب)
(ويأتى إِلَى روض على دمنة لَهُ ... فتحرقه أنفاسه وَهُوَ معشب)
(فَلَا عدم الْإِسْلَام مثلك ساعيا ... لَهُ رَاعيا مَا الله يرْعَى وَيطْلب)
(إِذا أجمع البدعى فى الغى أمره ... وَأبْصر مَا يمليه فَهُوَ المذبذب)
(وَإِن لَاحَ من تلقائه فى ظلامه ... سنا بارق إطفائه فَهُوَ خلب)
(يُنَادِيه فى تقريبه لضلاله ... مِنْهُ عنقاء مغرب)
(أَبى لى أَن يستهضم الْحق جهرة ... ويخذل أنصار لذاك ومغرب)
(أُولَئِكَ قوم نَص أَن ظُهُورهمْ ... على الْحق مَا داموا النبى المقرب)
خدمَة تقوم بِوَاجِب الْفَرْض ويملأ ثناها ذَات الطول وَالْعرض وَيصدق ودها فَلَا يُرْجَى عَلَيْهِ ثَوَاب وَلَا ينحى بِهِ منحى الْقَرْض وَيثبت عهدها فَإِذا غير النأى المحبين قَالَ هُوَ فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض
(دعاو لَهَا من سالف الود شَاهد ... يصدقهُ مِنْك الضَّمِير وَيقبل)
стр. 1113
(تدوم على الْأَيَّام والدهر ينقضى ... وتظفر بالبقيا إِذا خَابَ يذبل)
(مَتى تنتهى الأفكار مِنْهُ لغاية ... نظن مداها آخرا وَهُوَ أول)
(ويتلوه من إحسانك الجم شَاهد ... يُزَكِّيه طيب المنتمى ويعدل)
وحسبك بِشَاهِدين مقبولين ومزكى بل حاكمين لَا يخْشَى حكمهمَا نقضا وَلَا حَدِيثهمَا تركا بل علمين شاهدهما من أقبل وَأدبر ونصيرهما من أضْحك وأبكى بل مفردين لَا يقبل إفرادهما تَثْنِيَة وَلَا توحيدهما شركا بل جملتين لَا يحكيهما متكلف وَإِن كَانَت الْجمل قد تحكى وَينْهى وُرُود الْكتاب الْكَرِيم وَالْإِحْسَان العميم وَالْفضل الذى هُوَ عِنْده وَعند الله عَظِيم قرينا للحسناء الَّتِى صادت وصدت الكاس وصدت فى مذهبها فَلم تجر على قَاعِدَة الْقيَاس ونفرت من الْمَمْلُوك وَلَقَد أعد لَهَا الإيناس قبل الإبساس وَعدلت عَن ربعه وَلَو مرت لقَالَ مَا فى وقوفك سَاعَة من باس هجرت والقلوب للهجر تدمى والعيون تتضرج ونشرت ولعهدى بالحسناء تتزين ثمَّ تتبرج وأخفت الْخَالِص من نقدها وَإِنَّمَا يخفى مَا يخَاف أَن يتبهرج ولعلها تصوفت فرجحت عَالم الْغَيْب على عَالم الشُّهُود أَو تفقهت فرأت أَن لَا حرج على الفار إِذا نوى أَن يعود أَو تأدبت فَقَالَ قد يرفض الأَصْل وَيخرج عَن الْمَعْهُود أَو تصرفت فمالت إِلَى الصلف وَمُخَالفَة مَحْبُوب ابْن دَاوُد فَبَاتَ الْمَمْلُوك ليالى بلَيْل المشوق وقلق من بعد مزاره فتعلل بلمح البروق وَكَيف حَال من أجدبت مراعيه
стр. 1114
وأظلمت مساعيه فَهُوَ ينْتَظر سحبا تريق أَو أنوارا تروق وَلما كَانَ اسْتِقْبَال لَيْلَة عزوبة زفت الْبكر الَّتِى هى من جناب سيدنَا مألوفة وَبَين أهل الْعَصْر غَرِيبَة وأوفت والطفل جانح وَالنَّهَار جامح والغروب لآيَة الْمسَاء شَارِح وإنسان الْعين فى بَحر من العسجد سابح وَحِينَئِذٍ ترك الْمَمْلُوك عَسى وَلَعَلَّ وَرَأى نجم تَعْلِيله قد أفل وَحسن اخْتِيَاره قد اضمحل وَتحقّق أَن الصَّوَاب لمن وفْق غير بعيد وَمن رضى بِاخْتِيَار الله لَهُ فَهُوَ عين السعيد وَقَالَ لنَفسِهِ لَعَلَّ التَّأَخُّر ليجمع الله لَك فى لَيْلَة وَاحِدَة بَين ليلتى عيد فَتلقى راية وَصلهَا بِالْيَمِينِ وَشد يَده عَلَيْهَا لما ظفر بِالْعقدِ الثمين وَرَأى ألفاظها الساحرة تقسم على سلب الْأَلْبَاب فَلَا تمين فَلَو تمثلت أَنا بشئ لقلنا ﴿إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ ولزمها لُزُوم الْخطب للمنابر والمقل للمحاجر والقيظ بِشَهْر ناجر والأعراض لمحالها من الْجَوَاهِر وَلم يقْض وَاجِب الصَّلَاة حَتَّى عرضهَا الْمَمْلُوك واستكملها وَأخذ مَأْخَذ الْعَزْم فَمَا فتر وَلَا لَهَا وَقَالَ لعَينه دُونك فتمتعى بحسناء لن ترى مثلهَا وتعقليه عقل الْأَدَب فَإِن عرض إِشْكَال فمنك وَإِن بهر إِحْسَان فلهَا ثمَّ عزم على أَن يبْنى عَلَيْهَا بِنَاء الأجساد على حليها والرياض على وسميها ووليها والفصحاء من أَبنَاء الْكِرَام على مولى النِّعْمَة ووليها ويجرى فى ذَلِك جواد اللِّسَان ويطمع أَن يَأْخُذ بِطرف من الْإِحْسَان وَحكم أَن لِسَان التَّقْصِير قصير وَمحل سيدنَا من الْفضل كَبِير والخدام فى نشر محاسنه كثير وَنشر سقط الْمَتَاع عين السَّفه وَلَو وقف الْمَمْلُوك عِنْد طوره لما فَاه ببنت شفه
стр. 1115
وَمن شرع فى أَمر وَلم يكمله فَمَا أنصفه وَالْعجز عَن دَرك الْإِدْرَاك نفس الْإِدْرَاك وَعين الْمعرفَة فَأطَال الله لسيدنا من الْعُمر مداه وأرغم بِهِ أنف المبتدعة فَمَا هم إِلَّا عداهُ وبيض وَجهه بِمَا حبر قلمه وادخر كرامته لما قدمت يَدَاهُ
فصل
وَأما مَا أَشَارَ بِهِ الجناب من رد الْمَمْلُوك على ذَلِك السَّاقِط وَلَو شِئْت لَقلت العافط وَقد كَانَ الْمَمْلُوك عِنْدَمَا رأى هذيانه وَسمع مَا سود من صَحِيفَته وَلسَانه بَادر بتضمين أَبْيَات يسيرَة أسْرع إِلَى مستمليها سيرة ورام أَن يعود عَلَيْهَا بالتنقيح والتهذيب فعجلت بِهِ بادرة الْغيرَة قَالَ
(علمنَا ويك وانكشف الغطاء ... ولاح الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء)
(وحققنا بأنك غير شكّ ... ضَعِيف الرأى جؤجؤه هَوَاء)
(يرى بتجمع الضدين جهلا ... ويجهل مَا رأى وَالْجهل دَاء)
(وَيثبت مَا نَفَاهُ وَلَيْسَ يدرى ... أأثبت أم نفى فهما سَوَاء)
(فَمَا متكمه لم يبد يَوْمًا ... لَهُ من ضوء بارقة ضِيَاء)
(أَتَت بعد الْمَمَات لَهُ دهور ... فأفناه التمزق والعفاء)
стр. 1116
(بأعمى مِنْك عَن نظر صَحِيح ... دلائله كَمَا ارْتَفع الضحاء)
(قَلِيل الدّين كَيفَ طعنت فِيمَا ... تناقله الثِّقَات الأتقياء)
(وَأقسم لست تثبت نفى مَا قد ... نفيت وَلَو أطيل لَك النِّسَاء)
(وَطعن الْمَرْء فى الْأَنْسَاب كفر ... كَمَا يرْوى فَهَل غلب الشَّقَاء)
(جعلت الشَّك فِيمَا وَضعه أَن ... تَزُول بِهِ الشكوك والامتراء)
(وطللت الَّذين حموك لما ... تكنفك العدى ودنا العداء)
(فَلَو ردَّتْ إِلَيْك أُمُورهم فى ... مناظرة لجد بك الْبلَاء)
(فقف لخطاك لَا تبلغ مداها ... مقَاما لَا تقوم بِهِ النِّسَاء)
(وخل لملتقى الْأَبْطَال مِنْهُم ... أسودا لَا ينهنهها اللِّقَاء)
(إِذا حَضَرُوا الجلاد أَتَوا بِنَار ... من الأذهان يوقدها الذكاء)
(وأغنوا حَيْثُ لَا تغنى صفاح ... كَمَا أغنوا وَلَا أسل ظماء)
(فكم من ملحد دلوه حَتَّى ... أقرّ بِمَا تَقول الْأَنْبِيَاء)
(وَكم متفلسف قد سفهوه ... فَمَا لقديم فلسفة بَقَاء)
(أَتَوا برواء حكمتهم فَلَمَّا ... أَتَى الْأَشْيَاخ لم تبْق الرواء)
(وَكَانَ الْقَوْم فى حصن منيع ... عَصا ... ... ... ... . . الْهَوَاء)
(فَلَمَّا حاولوه صَار أَرضًا ... سَمَاء الْحصن واستفل الْعَلَاء)
(وَكَيف يكون حَالَة من سواهُم ... إِذا دَان الْخُصُوم الأقوياء)
(وَأما الاعتزال وناصروه ... فَإِن حبال مَا ابتدعوا هباء)
стр. 1117
(وَكم من رافضى أوردوه ... موارد مَا هَناه بهَا الرواء)
(وَكم من مرجئ أَو خارجى ... تبين أَن قَوْلهمَا هراء)
(وَمثلك قد لقى مِنْهُم مقَاما ... يسود وَجهه ذَاك اللِّقَاء)
(أُولَئِكَ عترتى وَمحل ودى ... وَقد يفضى إِلَى الشّرف اعتزاء)
(رَأَوْا أَن الأساس أهم مِمَّا ... عداهُ فأتقنوه كَيفَ شَاءُوا)
(وأفنوا مُدَّة الْأَعْمَار فِيهِ ... عناء حبذا ذَاك العناء)
(فليتك إِذْ خبرتك لست عندى ... خَلِيلًا من أَمَام وَلَا وَرَاء)
(بعيشك عِنْد نَفسك كَيفَ يبْنى ... بِلَا أصل يقوم بِهِ الْبناء)
(هربت من ابتداع فى اعْتِقَاد ... تدين بِهِ فأوقعك الْقَضَاء)
(لَعَلَّك تكره التَّنْزِيه مِمَّن ... يرَاهُ فَلَيْسَ فِيك لَهُ وَلَاء)
(لَعَلَّك تحسب الرَّحْمَن جسما ... يلازمه التَّغَيُّر والفناء)
(لَعَلَّ الصَّوْت عنْدكُمْ قديم ... مُكَابَرَة تجنبها الْحيَاء)
(وقولا إِن تناقله الأعادى ... لنا سروا بِذَاكَ كَمَا نشَاء)
(نَفينَا فخره عَنَّا وفزتم ... بِهِ فلكم برتبته الهناء)
(هجوت فملت نَحْوك مستفيدا ... وَعند الله فى ذَاك الْجَزَاء)
(فَلَو وافيتنا حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ ... بشيعتنا الْإِقَامَة والثواء)
(وفهت بِمَا نطقت بِهِ لديهم ... أهنت هُنَاكَ إِن حضر الْجلاء)
وأثناء هَذِه البارقة ترادفت الهموم فأظلم اللَّيْل وتكاثفت الأشغال فحطم السَّيْل وَقلت أكتفى للمخذول بِأَن أَقُول بِفِيهِ الْحجر وَله الويل وَلَكِن لما أصبح
стр. 1118
علم الْهِدَايَة لسيدنا مَنْصُوبًا وأجرى جواد الْبَيَان فى ميدان الْإِحْسَان فَكَانَ بحرا يعبوبا وقدح زناد الْفِكر وَرمى بناره شَيْطَان الْبِدْعَة فأمسى منكوبا فلابد للمملوك أَن يتبع الْأَثر وَيقْضى تِلْكَ الْحُقُوق وينصر أَبَا الرّوح كَمَا ينصر أَبَا الْجَسَد فكلاهما محرم العقوق وَيسْرق وقتا لذَلِك السَّبَب وَإِن كَانَت الْمَوَانِع تقوم والعوائق تعوق ويقطعه عَن أَمْثَاله وأشغاله وَمن الْعَجَائِب أَن يقطع الْمَسْرُوق
٢٢٤ - على بن الْحسن بن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن سنجان
بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَإِسْكَان النُّون بعْدهَا جِيم ثمَّ ألف ثمَّ نون كَذَا ضَبطه ابْن الصّلاح بِخَطِّهِ السنجانى
القاضى أَبُو الْحسن المروزى
قَالَ الْحَاكِم كَانَ أحد فُقَهَاء الشافعيين
سمع أَبَا الموجه مُحَمَّد بن عَمْرو الفزارى وأقرانه بمرو
وبالعراق يُوسُف بن يَعْقُوب القاضى وأقرانه
روى عَنهُ مَشَايِخنَا الْحِكَايَة بعد الْحِكَايَة وَلم يبلغ التحديث
ورد نيسابور قَاضِيا بهَا سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة
стр. 1119
سَمِعت أَبَا الْحسن على بن أَحْمد العروضى الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن السنجانى قاضينا يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس بن سُرَيج يَقُول يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بالشافعى وَقد تعلق بالمزنى يَقُول رب هَذَا أفسد علومى فَأَقُول أَنا مهلا بأبى إِبْرَاهِيم فإنى لم أزل فى إصْلَاح مَا أفْسدهُ
سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن يَقُول عرض على بنيسابور فِي حُكُومَة وَاحِدَة ألف دِرْهَم فرددتها وتعجبت من أَمر نيسابور ثمَّ قُمْت فَصليت رَكْعَتَيْنِ وشكرت الله على مَا وفقنى لَهُ
هَذَا كَلَام الْحَاكِم
وَذكره أَبُو حَفْص عمر بن على المطوعى فى كِتَابه الْمَذْهَب فى ذكر شُيُوخ الْمَذْهَب فَقَالَ أَبُو الْحسن على بن الْحسن بن سنجان السنجانى قَاض جليل الْقدر نابه الذّكر من أَصْحَاب أَبى الْعَبَّاس وَمن أحفظهم للأقاويل والتوجيهات وتقلد الْقَضَاء بنيسابور انْتهى
وَمن خطّ ابْن الصّلاح فى الْمُنْتَخب الذى انتخبه من الْمَذْهَب نقلته وَضبط بِخَطِّهِ سنجان بِفَتْح السِّين وَإِسْكَان النُّون بعْدهَا ثمَّ الْجِيم
стр. 1120
٢٢٥ - على بن الْحُسَيْن بن حَرْب بن عِيسَى البغدادى القاضى أَبُو عبيد بن حربويه
قاضى مصر وَأحد أَرْكَان الْمَذْهَب وَهُوَ من تلامذة أَبى ثَوْر وَدَاوُد إِمَام الظَّاهِر عَنْهُمَا حمل الْعلم
سمع أَحْمد بن الْمِقْدَام العجلى ويوسف بن مُوسَى وَالْحسن بن عَرَفَة وَزيد ابْن أخزم وَالْحسن بن مُحَمَّد الزعفرانى
روى عَنهُ أَبُو عمر بن حيويه وَأَبُو بكر بن الْمُقْرِئ وَعمر بن شاهين وَجَمَاعَة
قَالَ أَبُو حَفْص المطوعى فى كتاب الْمَذْهَب إِنَّه تخرج بأبى ثَوْر
قَالَ وَكَانَ من خَواص أَصْحَابه وَكَانَ يسْلك مناهجه فى الاختيارات الَّتِى اخْتصَّ بهَا والتخريجات الَّتِى تفرد باستنباطها ذكر ذَلِك فى ذكر أَبى ثَوْر ثمَّ ذكر فى ذكر ابْن حربويه قَالَ هُوَ حَسَنَة أَبى ثَوْر والسالك لسبيله وَكَانَت الْخُلَفَاء ترفع مَجْلِسه انْتهى
وَقَالَ البرقانى ذكرته للدارقطنى فَذكر من جلالته وفضله وَقَالَ حدث عَنهُ النسائى فى الصَّحِيح لم يحصل لى عَنهُ حرف وَقد مَاتَ بعد أَن كتبت بِخمْس سِنِين
وَقَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس هُوَ قاضى مصر أَقَامَ بهَا طَويلا وَكَانَ شَيْئا عجيبا مَا رَأينَا مثله لَا قبله وَلَا بعده وَكَانَ يتفقه على مَذْهَب أَبى ثَوْر وعزل عَن الْقَضَاء سنة إِحْدَى عشرَة لِأَنَّهُ كتب يستعفى وَوجه بذلك رَسُولا إِلَى بَغْدَاد وأغلق بَابه وَامْتنع
стр. 1121
من الحكم فأعفى فَحدث حِين جَاءَ عَزله وأملى مجَالِس وَرجع إِلَى بَغْدَاد وَكَانَ ثِقَة ثبتا
قلت كَانَ رَسُوله إِلَى بَغْدَاد بالاستعفاء أَبُو بكر بن الْحداد وَرجع إِلَيْهِ وَلم يعف لِأَن الْوَزير إِذْ ذَاك أَبى أَن يعفيه فَمَا عَاد ابْن الْحداد إِلَى مصر إِلَّا وَقد ولى وَزِير غير ذَلِك الْوَزير وَهُوَ ابْن الْفُرَات وَكَانَ يكره أَبَا عبيد فَصَرفهُ بعد أَن كَانَ لَهُ فى قَضَاء مصر أَزِيد من ثمانى عشرَة سنة
وَكَانَ مهيبا مصمما مضبوط الْكَلِمَات قليلها وافر الْحُرْمَة لم يره أحد يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يلبس وَلَا يغسل يَده إِنَّمَا يفعل ذَلِك فى خلْوَة وَهُوَ مُنْفَرد بِنَفسِهِ وَلَا رَآهُ أحد يمتخط وَلَا يبصق وَلَا يحك جِسْمه وَلَا يمسح وَجهه وَكَانَ عَلَيْهِ من الْوَقار والهيبة والحشمة مَا يتذاكره أهل بَلَده
وَقَالَ ابْن زولاق كَانَ عَالما بالاختلاف والمعانى وَالْقِيَاس عَارِفًا بِعلم الْقُرْآن والْحَدِيث فصيحا عَاقِلا عفيفا قوالا بِالْحَقِّ سَمحا منقبضا وَكَانَ رزقه فى الشَّهْر مائَة وَعشْرين دِينَارا وَكَانَ يُورث ذوى الْأَحْكَام وَولى قَضَاء وَاسِط قبل مصر وَكَانَ أَمِير مصر يأتى إِلَى دَاره
قَالَ وَهُوَ آخر قَاض ركب إِلَيْهِ الْأُمَرَاء بِمصْر وَلم يكن شكل أَبى عبيد بهيا فَكَانَ من رَآهُ رُبمَا استزراه حَتَّى يسمع كَلَامه وفصاحة لِسَانه فَيَقَع من قلبه إِذْ ذَاك أعظم موقع وَكَانَ ابْن الْحداد كثير المخالطة لَهُ والتعظيم لَهُ وَله بِهِ خُصُوصِيَّة
قَالَ ابْن الْحداد قدم أَبُو عبيد إِلَى مصر فرأيته فى الطَّرِيق فى جملَة النظارة فَمَا أعجبنى زيه وَلَا منظره ثمَّ دخل شهر رَمَضَان وَكُنَّا عِنْد أَبى الْقَاسِم بشر بن نصر الْفَقِيه غُلَام عرق فَدخل مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الْفَقِيه مهنئا لَهُ بِشَهْر رَمَضَان فَقيل لَهُ من أَيْن
стр. 1122
أَقبلت فَقَالَ من عِنْد القاضى هنأته بِدُخُول الشَّهْر قَالَ ابْن الْحداد فَقلت لَهُ كَيفَ رَأَيْت القاضى قَالَ رَأَيْت رجلا عَالما بِالْقُرْآنِ وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالِاخْتِلَاف ووجوه المناظرات وعالما باللغة والعربية وَأَيَّام النَّاس عَاقِلا ورعا زاهدا مُتَمَكنًا فَقلت لَهُ هَذَا يحيى بن أَكْثَم فَقَالَ الذى عندى قلت لَك
قَالَ ابْن الْحداد ثمَّ دخلت إِلَيْهِ فَوجدت منصورا مقصرا فى وَصفه
توفى فى صفر سنة تسع عشرَة وثلاثمائة بِبَغْدَاد وَصلى عَلَيْهِ أَبُو سعيد الاصطخرى
وَمن الرِّوَايَة والفوائد والغرائب وَالْملح عَنهُ
أخبرنَا الْمسند أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن على الجزرى سَمَاعا عَلَيْهِ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الهادى إجَازَة عَن أَبى طَاهِر السلفى أخبرنَا القاضى أَبُو عمر مَسْعُود ابْن على بن الْحُسَيْن الملحى بأردبيل أخبرنَا أَبُو على مُحَمَّد بن وشاح بن عبد الله الْكَاتِب بِبَغْدَاد أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن على بن دَاوُد بن الْجراح الْوَزير حَدثهُ أَبُو عبيد على بن الْحُسَيْن بن حَرْب القاضى حَدثنَا زَكَرِيَّا بن يحيى الكوفى حَدَّثَنى عبد الله بن صَالح اليمانى حَدثنِي أَبُو همام القرشى عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا أَبَا هُرَيْرَة علم النَّاس الْقُرْآن وتعلمه فَإنَّك إِن مت وَأَنت كَذَلِك زارت الْمَلَائِكَة قبرك كَمَا يزار الْبَيْت الْعَتِيق وَعلم النَّاس سنتى وَإِن كَرهُوا ذَلِك وَإِن أَحْبَبْت أَن لَا توقف على الصِّرَاط طرفَة عين حَتَّى تدخل الْجنَّة فَلَا تحدث فى دين الله حَدثا بِرَأْيِك)
стр. 1123
لَيْسَ لطارق بن شهَاب عَن أَبى هُرَيْرَة شئ فى الْكتب السِّتَّة
قيل إِن أَبَا عبيد قَالَ لأبى جَعْفَر الطحاوى وَقد رَآهُ يصمم على مقاله يَا أَبَا جَعْفَر أما علمت أَن من لَا يُخَالف إِمَامه فى شئ عصى قَالَ نعم أَيهَا القاضى وغبى
نقل المطوعى والجورى أَن أَبَا عبيد أوجب الْكَفَّارَة على من حرم مَالا لَهُ من ثوب أَو دَار وَمَا أشبههما وَسوى بَين ذَلِك وَتَحْرِيم الْبضْع من الزَّوْجَة
قَالَ العبادى حكم أَبُو عبيد بِأَن الْوَلَد يلْحق بالخصى إِذا لم يكن مجبوبا فَرفع الخصى الْوَلَد ونادى عَلَيْهِ بِمصْر أَلا إِن القاضى يلْحق أَوْلَاد الزِّنَا بالخدم
قلت وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الْحِكَايَة عَن أَبى عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَطِيَّة ابْن سعد العوفى قاضى الشرقية بِبَغْدَاد ثمَّ قاضى عَسْكَر المهدى وَهُوَ مُتَقَدم مَاتَ سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
قَالَ الْحَارِث بن أَبى أُسَامَة حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى العوفى فساق الْحِكَايَة ولعلها اتّفقت للقاضيين
وَالظَّاهِر فى الْمَذْهَب أَن المسلول الخصيتين الباقى الذّكر كالفحل فى لُحُوق النّسَب فَمَا حكم أَبُو عبيد إِلَّا بِالْمذهبِ الظَّاهِر وَلَعَلَّ الذى حكم بِهِ أَبُو عبيد والعوفى إِنَّمَا هُوَ فى الْمَمْسُوح وَهُوَ فَاقِد الذّكر والأنثيين جَمِيعًا بِالْكُلِّيَّةِ وَمَعَ ذَلِك هُوَ قَول للشافعى اخْتَارَهُ بعض الْأَصْحَاب وَإِلَّا فَلَو كَانَ فى الخصى الباقى الذّكر لما استغربه أَبُو عَاصِم فليحقق ذَلِك
وَقد أَطَالَ ابْن زولاق فى ذكر أَخْبَار القاضى أَبى عبيد وَالثنَاء على محاسنه وَقَول أهل مصر إِنَّهُم لم يرَوا قبله وَلَا بعده قَاضِيا مثله قَالَ وَكَانَ يذهب إِلَى قَول أَبى ثَوْر ثمَّ صَار يخْتَار فَجَمِيع أَحْكَامه بِمصْر بِاخْتِيَارِهِ وَحكم بِمصْر بِأَحْكَام لَو حكم بهَا غَيره
стр. 1124
لأنكر عَلَيْهِ فَمَا أنكر عَلَيْهِ أحد لِأَن أَبَا عبيد كَانَ رجلا لَا يطعن عَلَيْهِ فى علم وَلَا تلْحقهُ ظنة فى رشوة وَلَا يَحِيف فى حكم وَكَانَ يُورث ذوى الْأَرْحَام
قَالَ ابْن الْحداد وَمَا كَانَ أَبُو عبيد يُؤمر أحدا بل إِذا ذكر تكين أَمِير مصر يَقُول أَبُو مَنْصُور تكين وَلَا يَقُول الْأَمِير قَالَ وَكَانَ إِذا ركب لَا يلْتَفت وَلَا يتحدث مَعَ أحد وَلَا يصلح رِدَاءَهُ وَركب مرّة إِلَى أَمِير مصر تكين وَهُوَ بالجيزة فى كاينة اتّفقت لَهُ فَقيل لَهُ قد رأى القاضى النّيل فَقَالَ قد سَمِعت خرير المَاء
قلت فَللَّه در قَاض أَقَامَ بِمصْر ثمانى عشرَة سنة لم يبصر النّيل وَكَانَت الكاينة الَّتِى خرج فِيهَا تكين إِلَى الجيزة قد قتل فِيهَا فى الْوَاقِعَة على ماقيل نَحْو من خمسين ألفا أَرَادَ تكين أَن يحْفر لَهُم خَنْدَقًا ويدفنهم فَخرج إِلَيْهِ القاضى وَقَالَ إِنَّك إِن فعلت ذَلِك تلفت الْمَوَارِيث وَلَكِن نَاد فى النَّاس من لَهُ قَتِيل يَأْخُذهُ فَفعل تكين مَا قَالَه
قَالَ ابْن زولاق وَجرى للقاضى فى هَذَا الْخُرُوج إِلَى الجيزة خبر عَجِيب حركه الْبَوْل وَهُوَ رَاجع فَعدل إِلَى بُسْتَان فَنزل وبال واستنجى وَتَوَضَّأ من مَائه ثمَّ انْصَرف ثمَّ سَأَلَ بعد أَيَّام عَن الْبُسْتَان فَقيل لفلانة فَأرْسل إِلَيْهَا يستأذنها على الْحُضُور إِلَيْهَا فارتاعت لذَلِك وَقَالَت أَنا أركب إِلَيْهِ وَكَانَت من أهل الأقدار فَأبى فَركب إِلَيْهَا أَبُو عبيد وَقد فرشت لَهُ الدَّار وحسنتها فَقَالَ لَهَا الْبُسْتَان لَك وَحدك بِلَا شريك فَقَالَت نعم وَأَنا الَّتِى أسقيه من مائى قَالَ فَأَنا نزلت فى أرضه وتوضأت من مَائه فخذى ثمن ذَلِك فَبَكَتْ وَقَالَت أَيهَا القاضى أَنْت فى حل وَلَو علمت أَن القاضى يقبله هَدِيَّة لأهديته إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا عَن طيب نفس تركت وَلم تتركى ذَلِك لأجل القاضى وحرمته فَقَالَت نعم فَانْصَرف
стр. 1125
وَحكى ابْن زولاق أَشْيَاء من هَذَا الْجِنْس دَالَّة على تصلبه فى الْوَرع وَأَشْيَاء أخر دَالَّة على شدته فى الْحق وَأَشْيَاء أخر دَالَّة على تصميمه ووقاره وهيبته وَأَنه كَانَ ينْهَى أَن يتَلَفَّظ لافظ فى مَجْلِسه بِذكر الطَّعَام أَو النِّسَاء
قَالَ وَمكث فى مصر ثمانى عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر مَا رَآهُ رَاء يَأْكُل وَلَا يشرب
وَذكر أَن تواقيعه جمعت وكتبت لفصاحتها وبلاغتها وَأَنه كَانَ إِذا تكلم بِكَلِمَة طارت فى الْبَلَد إعجابا بهَا
وَمن مليح توقيعاته
رفع إِلَيْهِ أَن امْرَأَة امْتنعت من السّفر مَعَ زَوجهَا فَوَقع إِلَى كَاتبه إِن لم يكن لَهَا مهر عَلَيْهِ بَاقٍ وَلم يكن بَينهمَا شقَاق يدعوهما إِلَى مساوئ الْأَخْلَاق فَلهُ أَن يخرج بهَا إِلَى جَمِيع الْآفَاق
وَكتب إِلَيْهِ خَلِيفَته الْحسن بن صَالح البهنسى إِن جمَاعَة ذمونى عِنْد القاضى فَكتب إِلَيْهِ أَبُو عبيد لَو كَانَ المادحون لَك بِعَدَد الذامين الزارين عَلَيْك لما نقصك ذَلِك عندى فَكيف والمثنون عَلَيْك أَضْعَاف الذامين وَسَأَلْتُك بِاللَّه أَلا يزيدك كتابى إِلَّا تواضعا وَلَا تقَعْقع بِكِتَاب قاضيك على رعيتك فتضعف قُلُوبهم فَإِنَّمَا قربك منى قربك من الْحق وَمَتى بَعدت مِنْهُ بَعدت من قلبى وَالسَّلَام
وَكَانَ أَبُو بكر بن الْحداد كثير الإجلال للقاضى أَبى عبيد بِحَيْثُ لَا يَقُول لَهُ إِلَّا القاضى غيبَة وحضورا فى حَيَاته وَبعد وَفَاته وَإِذا قيل لَهُ من القاضى غضب وَيَقُول إِنَّمَا القاضى أَبُو عبيد
следующие страницы →