← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

من الحكم فأعفى فَحدث حِين جَاءَ عَزله وأملى مجَالِس وَرجع إِلَى بَغْدَاد وَكَانَ ثِقَة ثبتا قلت كَانَ رَسُوله إِلَى بَغْدَاد بالاستعفاء أَبُو بكر بن الْحداد وَرجع إِلَيْهِ وَلم يعف لِأَن الْوَزير إِذْ ذَاك أَبى أَن يعفيه فَمَا عَاد ابْن الْحداد إِلَى مصر إِلَّا وَقد ولى وَزِير غير ذَلِك الْوَزير وَهُوَ ابْن الْفُرَات وَكَانَ يكره أَبَا عبيد فَصَرفهُ بعد أَن كَانَ لَهُ فى قَضَاء مصر أَزِيد من ثمانى عشرَة سنة وَكَانَ مهيبا مصمما مضبوط الْكَلِمَات قليلها وافر الْحُرْمَة لم يره أحد يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يلبس وَلَا يغسل يَده إِنَّمَا يفعل ذَلِك فى خلْوَة وَهُوَ مُنْفَرد بِنَفسِهِ وَلَا رَآهُ أحد يمتخط وَلَا يبصق وَلَا يحك جِسْمه وَلَا يمسح وَجهه وَكَانَ عَلَيْهِ من الْوَقار والهيبة والحشمة مَا يتذاكره أهل بَلَده وَقَالَ ابْن زولاق كَانَ عَالما بالاختلاف والمعانى وَالْقِيَاس عَارِفًا بِعلم الْقُرْآن والْحَدِيث فصيحا عَاقِلا عفيفا قوالا بِالْحَقِّ سَمحا منقبضا وَكَانَ رزقه فى الشَّهْر مائَة وَعشْرين دِينَارا وَكَانَ يُورث ذوى الْأَحْكَام وَولى قَضَاء وَاسِط قبل مصر وَكَانَ أَمِير مصر يأتى إِلَى دَاره قَالَ وَهُوَ آخر قَاض ركب إِلَيْهِ الْأُمَرَاء بِمصْر وَلم يكن شكل أَبى عبيد بهيا فَكَانَ من رَآهُ رُبمَا استزراه حَتَّى يسمع كَلَامه وفصاحة لِسَانه فَيَقَع من قلبه إِذْ ذَاك أعظم موقع وَكَانَ ابْن الْحداد كثير المخالطة لَهُ والتعظيم لَهُ وَله بِهِ خُصُوصِيَّة قَالَ ابْن الْحداد قدم أَبُو عبيد إِلَى مصر فرأيته فى الطَّرِيق فى جملَة النظارة فَمَا أعجبنى زيه وَلَا منظره ثمَّ دخل شهر رَمَضَان وَكُنَّا عِنْد أَبى الْقَاسِم بشر بن نصر الْفَقِيه غُلَام عرق فَدخل مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الْفَقِيه مهنئا لَهُ بِشَهْر رَمَضَان فَقيل لَهُ من أَيْن

стр. 1122

أَقبلت فَقَالَ من عِنْد القاضى هنأته بِدُخُول الشَّهْر قَالَ ابْن الْحداد فَقلت لَهُ كَيفَ رَأَيْت القاضى قَالَ رَأَيْت رجلا عَالما بِالْقُرْآنِ وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالِاخْتِلَاف ووجوه المناظرات وعالما باللغة والعربية وَأَيَّام النَّاس عَاقِلا ورعا زاهدا مُتَمَكنًا فَقلت لَهُ هَذَا يحيى بن أَكْثَم فَقَالَ الذى عندى قلت لَك قَالَ ابْن الْحداد ثمَّ دخلت إِلَيْهِ فَوجدت منصورا مقصرا فى وَصفه توفى فى صفر سنة تسع عشرَة وثلاثمائة بِبَغْدَاد وَصلى عَلَيْهِ أَبُو سعيد الاصطخرى وَمن الرِّوَايَة والفوائد والغرائب وَالْملح عَنهُ أخبرنَا الْمسند أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن على الجزرى سَمَاعا عَلَيْهِ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الهادى إجَازَة عَن أَبى طَاهِر السلفى أخبرنَا القاضى أَبُو عمر مَسْعُود ابْن على بن الْحُسَيْن الملحى بأردبيل أخبرنَا أَبُو على مُحَمَّد بن وشاح بن عبد الله الْكَاتِب بِبَغْدَاد أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن على بن دَاوُد بن الْجراح الْوَزير حَدثهُ أَبُو عبيد على بن الْحُسَيْن بن حَرْب القاضى حَدثنَا زَكَرِيَّا بن يحيى الكوفى حَدَّثَنى عبد الله بن صَالح اليمانى حَدثنِي أَبُو همام القرشى عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا أَبَا هُرَيْرَة علم النَّاس الْقُرْآن وتعلمه فَإنَّك إِن مت وَأَنت كَذَلِك زارت الْمَلَائِكَة قبرك كَمَا يزار الْبَيْت الْعَتِيق وَعلم النَّاس سنتى وَإِن كَرهُوا ذَلِك وَإِن أَحْبَبْت أَن لَا توقف على الصِّرَاط طرفَة عين حَتَّى تدخل الْجنَّة فَلَا تحدث فى دين الله حَدثا بِرَأْيِك)

стр. 1123

لَيْسَ لطارق بن شهَاب عَن أَبى هُرَيْرَة شئ فى الْكتب السِّتَّة قيل إِن أَبَا عبيد قَالَ لأبى جَعْفَر الطحاوى وَقد رَآهُ يصمم على مقاله يَا أَبَا جَعْفَر أما علمت أَن من لَا يُخَالف إِمَامه فى شئ عصى قَالَ نعم أَيهَا القاضى وغبى نقل المطوعى والجورى أَن أَبَا عبيد أوجب الْكَفَّارَة على من حرم مَالا لَهُ من ثوب أَو دَار وَمَا أشبههما وَسوى بَين ذَلِك وَتَحْرِيم الْبضْع من الزَّوْجَة قَالَ العبادى حكم أَبُو عبيد بِأَن الْوَلَد يلْحق بالخصى إِذا لم يكن مجبوبا فَرفع الخصى الْوَلَد ونادى عَلَيْهِ بِمصْر أَلا إِن القاضى يلْحق أَوْلَاد الزِّنَا بالخدم قلت وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الْحِكَايَة عَن أَبى عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَطِيَّة ابْن سعد العوفى قاضى الشرقية بِبَغْدَاد ثمَّ قاضى عَسْكَر المهدى وَهُوَ مُتَقَدم مَاتَ سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْحَارِث بن أَبى أُسَامَة حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى العوفى فساق الْحِكَايَة ولعلها اتّفقت للقاضيين وَالظَّاهِر فى الْمَذْهَب أَن المسلول الخصيتين الباقى الذّكر كالفحل فى لُحُوق النّسَب فَمَا حكم أَبُو عبيد إِلَّا بِالْمذهبِ الظَّاهِر وَلَعَلَّ الذى حكم بِهِ أَبُو عبيد والعوفى إِنَّمَا هُوَ فى الْمَمْسُوح وَهُوَ فَاقِد الذّكر والأنثيين جَمِيعًا بِالْكُلِّيَّةِ وَمَعَ ذَلِك هُوَ قَول للشافعى اخْتَارَهُ بعض الْأَصْحَاب وَإِلَّا فَلَو كَانَ فى الخصى الباقى الذّكر لما استغربه أَبُو عَاصِم فليحقق ذَلِك وَقد أَطَالَ ابْن زولاق فى ذكر أَخْبَار القاضى أَبى عبيد وَالثنَاء على محاسنه وَقَول أهل مصر إِنَّهُم لم يرَوا قبله وَلَا بعده قَاضِيا مثله قَالَ وَكَانَ يذهب إِلَى قَول أَبى ثَوْر ثمَّ صَار يخْتَار فَجَمِيع أَحْكَامه بِمصْر بِاخْتِيَارِهِ وَحكم بِمصْر بِأَحْكَام لَو حكم بهَا غَيره

стр. 1124

لأنكر عَلَيْهِ فَمَا أنكر عَلَيْهِ أحد لِأَن أَبَا عبيد كَانَ رجلا لَا يطعن عَلَيْهِ فى علم وَلَا تلْحقهُ ظنة فى رشوة وَلَا يَحِيف فى حكم وَكَانَ يُورث ذوى الْأَرْحَام قَالَ ابْن الْحداد وَمَا كَانَ أَبُو عبيد يُؤمر أحدا بل إِذا ذكر تكين أَمِير مصر يَقُول أَبُو مَنْصُور تكين وَلَا يَقُول الْأَمِير قَالَ وَكَانَ إِذا ركب لَا يلْتَفت وَلَا يتحدث مَعَ أحد وَلَا يصلح رِدَاءَهُ وَركب مرّة إِلَى أَمِير مصر تكين وَهُوَ بالجيزة فى كاينة اتّفقت لَهُ فَقيل لَهُ قد رأى القاضى النّيل فَقَالَ قد سَمِعت خرير المَاء قلت فَللَّه در قَاض أَقَامَ بِمصْر ثمانى عشرَة سنة لم يبصر النّيل وَكَانَت الكاينة الَّتِى خرج فِيهَا تكين إِلَى الجيزة قد قتل فِيهَا فى الْوَاقِعَة على ماقيل نَحْو من خمسين ألفا أَرَادَ تكين أَن يحْفر لَهُم خَنْدَقًا ويدفنهم فَخرج إِلَيْهِ القاضى وَقَالَ إِنَّك إِن فعلت ذَلِك تلفت الْمَوَارِيث وَلَكِن نَاد فى النَّاس من لَهُ قَتِيل يَأْخُذهُ فَفعل تكين مَا قَالَه قَالَ ابْن زولاق وَجرى للقاضى فى هَذَا الْخُرُوج إِلَى الجيزة خبر عَجِيب حركه الْبَوْل وَهُوَ رَاجع فَعدل إِلَى بُسْتَان فَنزل وبال واستنجى وَتَوَضَّأ من مَائه ثمَّ انْصَرف ثمَّ سَأَلَ بعد أَيَّام عَن الْبُسْتَان فَقيل لفلانة فَأرْسل إِلَيْهَا يستأذنها على الْحُضُور إِلَيْهَا فارتاعت لذَلِك وَقَالَت أَنا أركب إِلَيْهِ وَكَانَت من أهل الأقدار فَأبى فَركب إِلَيْهَا أَبُو عبيد وَقد فرشت لَهُ الدَّار وحسنتها فَقَالَ لَهَا الْبُسْتَان لَك وَحدك بِلَا شريك فَقَالَت نعم وَأَنا الَّتِى أسقيه من مائى قَالَ فَأَنا نزلت فى أرضه وتوضأت من مَائه فخذى ثمن ذَلِك فَبَكَتْ وَقَالَت أَيهَا القاضى أَنْت فى حل وَلَو علمت أَن القاضى يقبله هَدِيَّة لأهديته إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا عَن طيب نفس تركت وَلم تتركى ذَلِك لأجل القاضى وحرمته فَقَالَت نعم فَانْصَرف

стр. 1125

وَحكى ابْن زولاق أَشْيَاء من هَذَا الْجِنْس دَالَّة على تصلبه فى الْوَرع وَأَشْيَاء أخر دَالَّة على شدته فى الْحق وَأَشْيَاء أخر دَالَّة على تصميمه ووقاره وهيبته وَأَنه كَانَ ينْهَى أَن يتَلَفَّظ لافظ فى مَجْلِسه بِذكر الطَّعَام أَو النِّسَاء قَالَ وَمكث فى مصر ثمانى عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر مَا رَآهُ رَاء يَأْكُل وَلَا يشرب وَذكر أَن تواقيعه جمعت وكتبت لفصاحتها وبلاغتها وَأَنه كَانَ إِذا تكلم بِكَلِمَة طارت فى الْبَلَد إعجابا بهَا وَمن مليح توقيعاته رفع إِلَيْهِ أَن امْرَأَة امْتنعت من السّفر مَعَ زَوجهَا فَوَقع إِلَى كَاتبه إِن لم يكن لَهَا مهر عَلَيْهِ بَاقٍ وَلم يكن بَينهمَا شقَاق يدعوهما إِلَى مساوئ الْأَخْلَاق فَلهُ أَن يخرج بهَا إِلَى جَمِيع الْآفَاق وَكتب إِلَيْهِ خَلِيفَته الْحسن بن صَالح البهنسى إِن جمَاعَة ذمونى عِنْد القاضى فَكتب إِلَيْهِ أَبُو عبيد لَو كَانَ المادحون لَك بِعَدَد الذامين الزارين عَلَيْك لما نقصك ذَلِك عندى فَكيف والمثنون عَلَيْك أَضْعَاف الذامين وَسَأَلْتُك بِاللَّه أَلا يزيدك كتابى إِلَّا تواضعا وَلَا تقَعْقع بِكِتَاب قاضيك على رعيتك فتضعف قُلُوبهم فَإِنَّمَا قربك منى قربك من الْحق وَمَتى بَعدت مِنْهُ بَعدت من قلبى وَالسَّلَام وَكَانَ أَبُو بكر بن الْحداد كثير الإجلال للقاضى أَبى عبيد بِحَيْثُ لَا يَقُول لَهُ إِلَّا القاضى غيبَة وحضورا فى حَيَاته وَبعد وَفَاته وَإِذا قيل لَهُ من القاضى غضب وَيَقُول إِنَّمَا القاضى أَبُو عبيد

стр. 1126

وَمن قضايا أَبى عبيد شكت إِلَيْهِ امْرَأَة كبر آلَة زَوجهَا وَأَنَّهَا لَا تُطِيقهُ فَأمر شَاهدا بالكشف عَن ذَلِك ثمَّ فرق بَينهمَا كَذَا نقل النقلَة فإمَّا أَن يكون فرق بَينهمَا بِمَعْنى أَن توَسط بَينهمَا واسترضى خاطر الزَّوْج حَتَّى طَلقهَا وَإِمَّا أَن يكون للْمَرْأَة الْفَسْخ بكبر آلَة الزَّوْج وَهَذَا غَرِيب لَا أعرف من قَالَ بِهِ وَمِمَّا يحْكى فى تصميمه أَن مؤنسا الْخَادِم وَهُوَ أكبر أُمَرَاء المقتدر وَكَانَ فى خدمته سَبْعُونَ أَمِيرا سوى أَصْحَابه وَكَانَ يخْطب لَهُ على جَمِيع المنابر مَعَ الْخَلِيفَة ورد إِلَى مصر فى عَسْكَر كَبِير فَعرض لَهُ ضعف فَأرْسل إِلَى القاضى يطْلب مِنْهُ شُهُودًا يشهدهم عَلَيْهِ أَنه أوصى بوقف قرى كَثِيرَة على سَبِيل الْبر وبعتق سِتّمائَة مَمْلُوك وبأنواع من الْخَيْر فَقَالَ القاضى حَتَّى يثبت عندى أَن مؤنسا حر هَذَا ومؤنس أكبر أُمَرَاء الْإِسْلَام فصمم القاضى وَقَالَ إِن لم يرد على كتاب المقتدر أَنه أعْتقهُ وَإِلَّا فَلَا أفعل وَمن ذَلِك أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتدر كتب كتابا إِلَى القاضى فوصل الْكتاب إِلَى مؤنس فاستدعى بعض الْأُمَرَاء ليوصله إِلَى القاضى فهاب القاضى فدعى تكين أَمِير مصر وَحمله أَن يذهب إِلَى القاضى ويوصل الْكتاب إِلَيْهِ فَأتى إِلَى القاضى وأومى بِيَدِهِ إِلَى أَن نَاوَلَهُ الْكتاب فَقَالَ القاضى مَا هَذَا فَقَالَ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أَمن يدك فَقَالَ بلَى فَقَالَ بل من يَد شَاهِدين عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنه كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 1127

وَذكر أَن شخصا يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم أصبح فى منزله يَوْمًا جنبا لَيْسَ مَعَه شىء يدْخل بِهِ الْحمام قَالَ فَخرجت رَجَاء صديق يدخلنى الْحمام فَإِذا بغريم على بابى يطالبنى بِخَمْسَة دَنَانِير فَحَدَّثته حَدِيثي فَقَالَ مَا نفترق إِلَّا إِلَى القاضى فتوجهنا إِلَى القاضى أَبى عبيد فوجدناه خَارِجا من الْمَسْجِد وَبَين يَدَيْهِ غُلَام أسود خصى فَقَالَ لَهُ خصمى أيد الله القاضى انْظُر فى أمرى فإنى بت على بابك والقاضى مطرق لَا ينظر إِلَيْنَا حَتَّى دخل دَاره وَلَيْسَ على بَابه حَاجِب وَلَا أحد ثمَّ خرج إِلَيْنَا الْغُلَام وَقَالَ ادخلا فَدَخَلْنَا فوجدناه جَالِسا فى وسط مَجْلِسه فَقَالَ تكلما فسبقت أَنا فصرت الْمُدعى فَقَالَت أيد الله القاضى لى على هَذَا خَمْسَة دَنَانِير فَقَالَ مصرية فَقلت نعم فَقَالَ حَالَة فَقلت نعم فَقَالَ للخصم مَا تَقول فَضَحِك مُتَعَجِّبا فصاح القاضى صَيْحَة مَلَأت الدَّار وَقَالَ مِم تضحك لَا أضْحك الله سنك وَيحك تضحك فى مجْلِس الله مطلع عَلَيْك فِيهِ وَيحك تضحك وقاضيك بَين الْجنَّة وَالنَّار فأرعب القاضى الرجل وَقَالَ أَنا أدفَع إِلَيْهِ قُم فقمنا فَلَمَّا خرج قَالَ لى امْضِ فَأَنت فى حل فَقلت مَا نفترق إِلَّا بِخَمْسَة دَنَانِير ارْجع بِنَا إِلَى القاضى فأعطانى دِينَارا وَمرض ثَلَاثَة أشهر فَكنت إِذا عدته يَقُول لى صَيْحَة القاضى فى قلبى إِلَى السَّاعَة وأحسبها تقتلنى وَمن الْمسَائِل عَن القاضى أَبى عبيد مَسْأَلَة اجْتِنَاب الْحَائِض حكى الرافعى فى كتاب النِّكَاح عَن أَبى عبيد بن حربويه أَنه تتجنب الْحَائِض فى جَمِيع بدنهَا لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ وَلم يحك هَذَا فى بَاب الْحيض

стр. 1128

وَقَالَ النووى إِن قَول أَبى عبيد هَذَا غلط فَاحش مُخَالف للأحاديث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة لقَوْله ﷺ (اصنعوا كل شىء إِلَّا النِّكَاح) وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُبَاشر فَوق الْإِزَار قَالَ وَقد خَالف قَائِله إِجْمَاع الْمُسلمين قَالَ ابْن الرّفْعَة الْإِجْمَاع إِن صَحَّ فالغلط فَاحش وَإِن لم يَصح فَفِيهِ للبحث مجَال لِأَن الشافعى قَالَ فى الْأُم فى الْجُزْء الرَّابِع عشر فى بَاب مَا ينَال من الْحَائِض تحْتَمل الْآيَة فاعتزلوا فروجهن لما وصف من الْأَذَى وتحتمل اعتزال فروجهن وَجَمِيع أبدانهن فروجهن وَبَعض أبدانهن دون بعض وَأظْهر مَعَانِيه اعتزال أبدانهن كلهَا وَإِذا كَانَ هَذَا ظَاهر الْآيَة فَمَا ذكر من مُبَاشرَة النبى ﷺ للحائض فِيمَا فَوق الْإِزَار يجوز أَن يكون من خَصَائِصه كَيفَ وَسِيَاق الْآيَة يصرفهَا إِلَى الْأمة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ وَالظَّاهِر أَن قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ من جملَة مَا أَمر أَن يَقُوله لَهُم وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ غير دَاخل بِاللَّفْظِ فيهم وَإِن قَالَ بَعضهم إِنَّه يَشْمَلهُ الْخطاب لكنه من غير اللَّفْظ وَإِذا كَانَ غير دَاخل فيهم فَلَا يكون فعله مُبينًا لَهُ مُقَيّدا أَو مُخَصّصا لما اقْتَضَاهُ ظَاهر الْآيَة فيهم وَأما قَوْله ﵇ (اصنعوا كل شىء إِلَّا النِّكَاح) فَلَعَلَّ أَبَا عبيد يحمل النِّكَاح على الْمُبَاشرَة بآلته وَهُوَ الذّكر وَلَا يَخُصُّهُ بِمحل بل يجريه فى جَمِيع الْبدن كَمَا هُوَ ظَاهر الْآيَة وَيكون قَائِلا بِإِبَاحَة الْقبْلَة والمعانقة وَنَحْوهمَا وَيحمل قَوْله ﷺ على ذَلِك

стр. 1129

وعَلى الْجُمْلَة فمذهب أَبى عبيد مَرْجُوح وَنَصّ الشافعى فى الْأُم فى الْجُزْء الرَّابِع عشر فى بَاب إتْيَان الْحَائِض على خِلَافه فَإِنَّهُ قَالَ إِن الْآيَة وَإِن احتملت الْجِمَاع وَغَيره فالجماع أظهر لِأَن الله تَعَالَى أَمر بالاعتزال ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن﴾ فَأشبه أَن يكون أمرا بَينا وَلِهَذَا نقُول بالاستدلال بِالسنةِ انْتهى كَلَامه فى الْمطلب قَالَ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس اللغوى فى جُزْء لَهُ لطيف سَمَّاهُ فتيا فَقِيه الْعَرَب يرويهِ الْخَطِيب البغدادى عَن القاضى أَبى زرْعَة روح بن مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن ابْن فَارس قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْفَقِيه يَقُول ادّعى رجل مَالا بِحَضْرَة أَبى عبيد بن حربويه فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ مَاله على حق بِضَم اللَّام فَقَالَ أَبُو عبيد أتعرف الْإِعْرَاب قَالَ نعم قُم قد ألزمتك المَال انْتهى قَالَ وهى مَسْأَلَة غَرِيبَة وَحكمهَا مُتَّجه

стр. 1130

٢٢٦ - على بن الْحُسَيْن بن على المسعودى صَاحب التواريخ كتاب مروج الذَّهَب فى أَخْبَار الدُّنْيَا وَكتاب ذخائر الْعُلُوم وَكتاب الاستذكار لما مر من الْأَعْصَار وَكتاب التَّارِيخ فى أَخْبَار الْأُمَم وَكتاب أَخْبَار الْخَوَارِج وَكتاب المقالات فى أصُول الديانَات وَكتاب الرسائل وَغير ذَلِك قيل إِنَّه من ذُرِّيَّة عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ أَصله من بَغْدَاد وَأقَام بهَا زَمَانا وبمصر أَكثر وَكَانَ أخباريا مفتيا عَلامَة صَاحب ملح وغرائب سمع من نفطويه وَابْن زبر القاضى وَغَيرهمَا ورحل إِلَى الْبَصْرَة فلقى بهَا أَبَا خَليفَة الجمحى وَلم يعمر على ماذكر وَقيل إِنَّه كَانَ معتزلى العقيدة مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين أَو سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَهُوَ الذى علق عَن أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج رِسَالَة الْبَيَان عَن أصُول الْأَحْكَام وَهَذِه الرسَالَة عندى نَحْو خمس عشرَة ورقة ذكر المسعودى فى أَولهَا أَنه حضر مجْلِس أَبى الْعَبَّاس بِبَغْدَاد فى علته الَّتِى مَاتَ بهَا سنة سِتّ وثلاثمائة وَقد حضر الْمجْلس لعيادة أَبى الْعَبَّاس جمَاعَة من حذاق الشافعيين والمالكيين والكوفيين والداوديين وَغَيرهم من

стр. 1131

أَصْنَاف الْمُخَالفين فَبَيْنَمَا أَبُو الْعَبَّاس يكلم رجلا من المالكيين إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل مَعَه كتاب مختوم فَدفعهُ إِلَى القاضى أَبى الْعَبَّاس فقرأه على الْجَمَاعَة فَإِذا هُوَ من جمَاعَة الْفُقَهَاء المقيمين بِبِلَاد الشاش يعلمونه أَن النَّاس فى ناحيتهم أَرض شاش وفرغانة مُخْتَلفُونَ فى أصُول فُقَهَاء الْأَمْصَار مِمَّن لَهُم الْكتب المصنفة والفتيا ويسألونه رِسَالَة يذكر فِيهَا أصُول الشافعى وَمَالك وسُفْيَان الثورى وأبى حنيفَة وصاحبيه وَدَاوُد بن على الأصبهانى وَأَن يكون ذَلِك بِكَلَام وَاضح يفهمهُ العامى فَكتب القاضى هَذِه الرسَالَة ثمَّ أمْلى فِيمَا ذكر المسعودى عَلَيْهِم بَعْضهَا وَعجز لضَعْفه عَن إملاء الباقى فقرىء عَلَيْهِ والمسعودى يسمع ٢٢٧ - على بن الْحسن القاضى أَبُو الْحسن الجورى والجور بِضَم الْجِيم ثمَّ الْوَاو الساكنة ثمَّ الرَّاء بَلْدَة من بِلَاد فَارس أحد الْأَئِمَّة من أَصْحَاب الْوُجُوه لقى أَبَا بكر النيسابورى وَحدث عَنهُ وَعَن جمَاعَة وَمن تصانيفه كتاب المرشد فى شرح مُخْتَصر المزنى أَكثر عَنهُ ابْن الرّفْعَة وَالْوَالِد رحمهمَا الله النَّقْل وَلم يطلع عَلَيْهِ الرافعى وَلَا النووى رحمهمَا الله وَقد أَكثر فِيهِ من ذكر أَبى على بن أَبى هُرَيْرَة وَأَضْرَابه وَذكر ابْن الصّلاح أَنه وقف على كتاب لَهُ اسْمه الموجز على تَرْتِيب الْمُخْتَصر يشْتَمل على حجاج مَعَ الْخُصُوم اعتراضا وجوابا اخْتَار فِيهِ أَن الزانى والزانية لَا يَصح

стр. 1132

نِكَاحهمَا إِلَّا لمن هُوَ مثلهمَا وَأَن الزِّنَا لَو طَرَأَ من أَحدهمَا بعد العقد انْفَسَخ النِّكَاح وَحكى قَوْلَيْنِ فى وجوب نَفَقَة الْكَافِر على الابْن الْمُسلم قلت الْخلاف مَشْهُور وَالصَّحِيح الْوُجُوب قلت وَحكى أَيْضا قَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا قَالَ أَنْت على حرَام أَحدهمَا تجب الْكَفَّارَة بِنَفس قَوْله أَنْت على حرَام والثانى لَا تجب إِلَّا بِالْوَطْءِ لِأَن بِهِ تقع الْمُخَالفَة كَمَا يَحْنَث فى الْيَمين وَقَالَ الصَّحِيح عندى جَوَاز عقد الشّركَة على الْعرُوض وَقَالَ فِيمَا إِذا علق الطَّلَاق على محبتها أَو بغضها فَقَالَت أَنا أحبك أَو أبغضك وكذبها إِنَّه لَا يَقع الطَّلَاق وَجزم بِهِ وَفرق بَينه وَبَين الْحيض بِأَنَّهَا مؤتمنة فِيهِ وَالْحب والبغض لَيْسَ مِمَّا ائتمنت عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَلَو قَالَ قَائِل يقبل قَوْلهَا فى ذَلِك قِيَاسا على الْحيض وَالْحمل لِأَن الْحبّ والبغض مِمَّا لَا يُوصل إِلَى علمه إِلَّا مِنْهَا لَكَانَ مذهبا انْتهى وَالْقَوْل بِقبُول قَوْلهَا هُوَ الذى جزم بِهِ الرافعى تبعا لأكْثر الْأَصْحَاب

стр. 1133

٢٢٨ - على بن عبد الْعَزِيز بن الْحسن بن على بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحسن الجرجانى قاضى جرجان ثمَّ قاضى الرى وَالْجَامِع بَين الْفِقْه وَالشعر لَهُ ديوَان مَشْهُور وَكَانَ حسن الْخط فصيح الْعبارَة وَهُوَ مُصَنف كتاب الوساطة بَين المتنبى وخصومه ورد نيسابور سنة سبع وَثَلَاثِينَ مَعَ أَخِيه فى الصِّبَا وسمعا على الشُّيُوخ ذكره الشَّيْخَانِ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى وَقَالَ كَانَ فَقِيها شَاعِرًا وَأَبُو عَاصِم وَقَالَ صنف كتابا فى الْوكَالَة وَفِيه أَرْبَعَة آلَاف مَسْأَلَة قَالَ وَحكى عَن المزنى أَن التَّوْكِيل فى الظِّهَار وَالرَّجْعَة لَا يجوز قلت وَهُوَ وَجه مَشْهُور وَقد ولى أَبُو الْحسن هَذَا قَضَاء جرجان ثمَّ انْتقل إِلَى الرى وَولى قَضَاء الْقُضَاة بهَا ذكره أَبُو مَنْصُور الثعالبى فى الْيَتِيمَة فَقَالَ حَسَنَة جرجان وفرد الزَّمَان ونادرة الْفلك وإنسان حدقة الْعلم ودرة تَاج الْأَدَب وَفَارِس عَسْكَر الشّعْر يجمع خطّ ابْن مقلة إِلَى نثر الجاحظ ونظم البحترى وينظم عقد الإتقان وَالْإِحْسَان وَله يَقُول الصاحب (إِذا نَحن سلمنَا لَك الْعلم كُله ... فدع هَذِه الْأَلْفَاظ ننظم شذورها) هَذَا بعض كَلَام الثعالبى فى خَبره

стр. 1134

وَمن شعر أَبى الْحسن السائر فى الْآفَاق مَا أنشدناه الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بقراءتى عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا الْحسن بن على بن مُحَمَّد بن الْخلال بقراءتى أنشدنا جَعْفَر بن على الهمذانى سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى العثمانى الديباجى الإِمَام قَالَ كتب إِلَى الْعَلامَة أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن عمر بن مُحَمَّد الزمخشرى من مَكَّة وَأَجَازَ لى ح وَكتب إِلَى أَحْمد بن على الحنبلى وَزَيْنَب بنت الْكَمَال وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم بن أَبى عمر عَن مُحَمَّد بن عبد الهادى عَن الْحَافِظ أَبى طَاهِر السلفى عَن الزمخشرى قَالَ أنشدنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الخوارزمى قَالَ أنشدنا أَبُو سعد المحسن بن مُحَمَّد الجشمى قَالَ أنشدنا الْحَاكِم أَبُو الْفضل إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ أنشدنا القاضى أَبُو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز الجرجانى لنَفسِهِ (يَقُولُونَ لي فِيك انقباض وَإِنَّمَا ... رَأَوْا رجلا عَن موقف الذل أحجما) (أرى النَّاس من داناهم هان عِنْدهم ... وَمن أكرمته عزة النَّفس أكرما) (وَمَا كل برق لَاحَ لى يستفزنى ... وَلَا كل من لاقيت أرضاه منعما) (وإنى إِذا مَا فاتنى الْأَمر لم أَبَت ... أقلب كفى إثره متندما) (وَلم أقض حق الْعلم إِن كَانَ كلما ... بدا طمع صيرته لى سلما) (إِذا قيل هَذَا منهل قلت قد أرى ... وَلَكِن نفس الْحر تحْتَمل الظما) (وَلم أبتذل فِي خدمَة الْعلم مهجتى ... لأخدم من لاقيت لَكِن لأخدما) (أأشقى بِهِ غرسا وأجنيه ذلة ... إِذا فاتباع الْجَهْل قد كَانَ أحزما)

стр. 1135

(وَلَو أَن أهل الْعلم صانوه صانهم ... وَلَو عظموه فى النُّفُوس لعظما) (وَلَكِن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حَتَّى تجهما) لله هَذَا الشّعْر مَا أبلغه وأصنعه وَمَا أَعلَى على هام الجوزاء مَوْضِعه وَمَا أنفعه لَو سَمعه من سَمعه وَهَكَذَا فَلْيَكُن وَإِلَّا فَلَا أدب كل فَقِيه ولمثل هَذَا النَّاظِم يحسن النّظم الذى لَا نَظِير لَهُ وَلَا شَبيه وَعند هَذَا ينْطق الْمنصف بعظيم الثَّنَاء على ذهنه الْخَالِص لَا بالتمويه وَقد نحا نَحوه شيخ الْإِسْلَام سيد الْمُتَأَخِّرين أَبُو الْفَتْح ابْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ لما كَانَ مُقيما بِمَدِينَة قوص (يَقُولُونَ لى هلا نهضت إِلَى الْعلَا ... فَمَا لذ عَيْش الصابر المتقنع) (وهلا شددت العيس حَتَّى تحلها ... بِمصْر إِلَى ظلّ الجناب المرفع) (فَفِيهَا من الْأَعْيَان من فيض كَفه ... إِذا شَاءَ روى سيله كل بلقع) (وفيهَا قُضَاة لَيْسَ يخفى عَلَيْهِم ... تعين كَون الْعلم غير مضيع) (وفيهَا شُيُوخ الدّين وَالْفضل والألى ... يُشِير إِلَيْهِم بالعلا كل أصْبع) (وفيهَا وفيهَا والمهانة ذلة ... فَقُمْ وَاسع واقصد بَاب رزقك واقرع) (فَقلت نعم أسعى إِذا شِئْت أَن أرى ... ذليلا مهانا مستخفا بِموضع) (وأسعى إِذْ مَا لذ لى طول موقفى ... على بَاب مَحْجُوب اللِّقَاء ممنع) (وأسعى إِذا كَانَ النِّفَاق طريقتى ... أروح وأغدو فِي ثِيَاب التصنع) (وأسعى إِذا لم يبْق فى بَقِيَّة ... أراعى بهَا حق التقى والتورع) (فكم بَين أَرْبَاب الصُّدُور مجالسا ... تشب بهَا نَار الغضى بَين أضلعى)

стр. 1136

(وَكم بَين أَرْبَاب الْعُلُوم وَأَهْلهَا ... إِذا بحثوا فى المشكلات بمجمع) (مناظرة تحمى النُّفُوس فتنتهى ... وَقد شرعوا فِيهَا إِلَى شَرّ مشرع) (من السَّفه المزرى بِمنْصب أَهله ... أَو الصمت عَن حق هُنَاكَ مضيع) (فإمَّا توقى مَسْلَك الدّين والتقى ... وَإِمَّا تلقى غُصَّة المتجرع) وَمن شعر الجرجانى (أفدى الذى قَالَ وفى كَفه ... مثل الذى أشْرب من فِيهِ) (الْورْد قد أينع فى وجنتى ... قلت فمى باللثم يجنيه) وَلم يزل على قَضَاء الْقُضَاة بالرى إِلَى أَن توفى بهَا فى ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَحمل تابوته إِلَى جرجان فَدفن بهَا ٢٢٩ - على بن عمر بن أَحْمد بن مهدى بن مَسْعُود بن النُّعْمَان بن دِينَار بن عبد الله الإِمَام الْجَلِيل أَبُو الْحسن الدارقطنى البغدادى الْحَافِظ الْمَشْهُور الِاسْم صَاحب المصنفات إِمَام زَمَانه وَسيد أهل عصره وَشَيخ أهل الحَدِيث مولده فى سنة سِتّ وثلاثمائة سمع من أَبى الْقَاسِم البغوى وأبى بكر بن أَبى دَاوُد وَابْن صاعد وَمُحَمّد بن هَارُون الحضرمى وعَلى بن عبد الله بن مُبشر الواسطى وأبى عمر مُحَمَّد بن يُوسُف القاضى

стр. 1137

وَالقَاسِم وَالْحُسَيْن ابنى المحاملى وأبى بكر بن زِيَاد النيسابورى وأبى روق الهزانى وَبدر بن الْهَيْثَم وَأحمد بن إِسْحَاق بن البهلول وَأحمد بن الْقَاسِم الفرائضى وأبى طَالب أَحْمد بن نصر الْحَافِظ وَخلق كثير بِبَغْدَاد والكوفة وَالْبَصْرَة وواسط ورحل فى الكهولة إِلَى الشَّام ومصر فَسمع القاضى أَبَا الطَّاهِر الذهلى وَهَذِه الطَّبَقَة روى عَنهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفراينى الْفَقِيه وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَعبد الْغنى ابْن سعيد المصرى وَتَمام الرازى وَأَبُو بكر البرقانى وَأَبُو ذَر عبد بن أَحْمد وَأَبُو نعيم الأصبهانى وَأَبُو مُحَمَّد الْخلال وَأَبُو الْقَاسِم التنوخى وَأَبُو طَاهِر بن عبد الرَّحِيم الْكَاتِب والقاضى أَبُو الطّيب الطبرى وَأَبُو الْحسن العتيقى وَحَمْزَة السهمى وَأَبُو الْغَنَائِم بن الْمَأْمُون وَأَبُو الْحُسَيْن بن المهتدى بِاللَّه وَأَبُو مُحَمَّد الجوهرى وَخلق كثير قَالَ الْحَاكِم صَار الدارقطنى أوحد عصره فى الْحِفْظ والفهم والورع وإماما فى الْقُرَّاء والنحويين وفى سنة سبع وَسِتِّينَ أَقمت بِبَغْدَاد أَرْبَعَة أشهر وَكثر اجتماعنا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار فصادفته فَوق مَا وصف لى وَسَأَلته عَن الْعِلَل والشيوخ قَالَ وَأشْهد أَنه لم يخلف على أَدِيم الأَرْض مثله وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ الدارقطنى فريد عصره وقريع دهره ونسيج وَحده وَإِمَام وقته انْتهى إِلَيْهِ علم الْأَثر والمعرفة بعلل الحَدِيث وَأَسْمَاء الرِّجَال مَعَ الصدْق والثقة وَصِحَّة الِاعْتِقَاد والاضطلاع من عُلُوم سوى علم الحَدِيث

стр. 1138

مِنْهَا الْقرَاءَات فَإِن لَهُ فِيهَا مصنفا مُخْتَصرا جمع الْأُصُول فى أَبْوَاب عقدهَا فى أول الْكتاب وَسمعت من يعتنى بالقراءات يَقُول لم يسْبق أَبُو الْحسن إِلَى طَرِيقَته الَّتِى سلكها فى عقد الْأَبْوَاب الْمُقدمَة فى أول الْقرَاءَات وَصَارَ الْقُرَّاء بعده يسلكون ذَلِك وَمِنْهَا الْمعرفَة بمذاهب الْفُقَهَاء فَإِن كِتَابه السّنَن يدل على ذَلِك وبلغنى أَنه درس فقه الشافعى على أَبى سعيد الإصطخرى وَقيل على غَيره وَمِنْهَا الْمعرفَة بالأدب وَالشعر فَقيل إِنَّه كَانَ يحفظ دواوين جمَاعَة قَالَ وحدثنى الأزهرى قَالَ بلغنى أَن الدارقطنى حضر فى حداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل الصفار فَجَلَسَ ينْسَخ جُزْءا والصفار يملى فَقَالَ رجل لَا يَصح سماعك وَأَنت تنسخ فَقَالَ الدارقطنى فهمى للإملاء خلاف فهمك تحفظ كم أمْلى الشَّيْخ قَالَ لَا قَالَ أمْلى ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا الحَدِيث الأول عَن فلَان عَن فلَان وَمَتنه كَذَا والْحَدِيث الثانى عَن فلَان عَن فلَان وَمَتنه كَذَا ثمَّ مر فى ذَلِك حَتَّى أَتَى على الْأَحَادِيث فتعجب النَّاس مِنْهُ أَو كَمَا قَالَ وَقَالَ رَجَاء بن مُحَمَّد الْمعدل قلت للدارقطنى رَأَيْت مثل نَفسك فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ فألححت عَلَيْهِ فَقَالَ لم أر أحدا جمع مَا جمعت وَقَالَ أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد قلت للْحَاكِم بن البيع هَل رَأَيْت مثل الدارقطنى فَقَالَ هُوَ لم ير مثل نَفسه فَكيف أَنا وَقَالَ أَبُو الطّيب القاضى الدَّارَقُطْنِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فى الحَدِيث وَقَالَ الأزهرى كَانَ الدارقطنى ذكيا إِذا ذوكر شَيْئا من الْعلم أى نوع كَانَ وجد عِنْده مِنْهُ نصيب وافر وَلَقَد حَدَّثَنى مُحَمَّد بن طَلْحَة النعالى أَنه حضر مَعَ الدارقطنى دَعْوَة فَجرى ذكر الْأكلَة فَانْدفع الدارقطنى يُورد أخبارهم ونوادرهم حَتَّى قطع أَكثر ليلته بذلك

стр. 1139

وَقَالَ الأزهرى رَأَيْت الدَّارَقُطْنِيّ أجَاب ابْن أَبى الفوارس عَن عِلّة حَدِيث أَو اسْم ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْفَتْح لَيْسَ بَين الشرق والغرب من يعرف هَذَا غيرى وَقَالَ البرقانى كَانَ الدراقطنى يملى على الْعِلَل من حفظه قَالَ وَأَنا الذى جمعتها وَقرأَهَا النَّاس من نسختى قَالَ شَيخنَا الذهبى وَهَذَا شىء مدهش فَمن أَرَادَ أَن يعرف قدر ذَلِك فليطالع كتاب الْعِلَل للدراقطنى وَقَالَ الْخَطِيب حَدَّثَنى العتيقي قَالَ حضرت الدراقطنى وجاءه أَبُو الْحسن البيضاوى بغريب ليسمع مِنْهُ فَامْتنعَ واعتل بِبَعْض الْعِلَل فَقَالَ هَذَا رجل غَرِيب وَسَأَلَهُ أَن يملى عَلَيْهِ أَحَادِيث فأملى عَلَيْهِ أَبُو الْحسن من حفظه مَجْلِسا تزيد أَحَادِيثه على الْعشْرين متون أَحَادِيثه جَمِيعهَا نعم الشىء الْهَدِيَّة أَمَام الْحَاجة فَانْصَرف الرجل ثمَّ جَاءَهُ بعد وَقد أهْدى لَهُ شَيْئا فقربه وأملى عَلَيْهِ من حفظه سَبْعَة عشر حَدِيثا متون جَمِيعهَا (إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه) وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغنى بن سعيد أحسن النَّاس كلَاما على حَدِيث رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة على بن المدينى فى وقته ومُوسَى بن هَارُون فى وقته وعَلى ابْن عمر الدارقطنى فى وقته وَقَالَ رَجَاء بن مُحَمَّد الْمعدل كُنَّا عِنْد الدارقطنى يَوْمًا والقارىء يقْرَأ عَلَيْهِ وَهُوَ يتَنَفَّل فَمر حَدِيث فِيهِ نسير بن ذعلوق فَقَالَ القارىء بشير فسبح الدارقطنى

стр. 1140

فَقَالَ بشير فسبح فَقَالَ بسير فَتلا الدارقطنى ﴿ن والقلم﴾ وَقَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد بن طَاهِر كنت عِنْد الدارقطنى وَهُوَ قَائِم يتَنَفَّل فَقَرَأَ عَلَيْهِ أَبُو عبد الله ابْن الْكَاتِب عَمْرو بن شُعَيْب فَقَالَ عَمْرو بن سعيد فسبح الدارقطنى فَأَعَادَهُ وَقَالَ ابْن سعيد ووقف فَتلا الدارقطنى ﴿يَا شُعَيْب أصلاتك تأمرك﴾ فَقَالَ ابْن شُعَيْب قلت وَهَذَا فى الحكايتين مَعَ حسنه فِيهِ من أَبى الْحسن اسْتِعْمَال للمسألة الْمَشْهُورَة فِيمَن أَتَى فى الصَّلَاة بشىء من نظم الْقُرْآن قَاصِدا للْقِرَاءَة وشىء آخر فَإِن صلَاته لَا تبطل على الْأَصَح وَلَو قصد ذَلِك الشىء الآخر وَحده لبطلت وَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر المقدسى كَانَ للدارقطنى مَذْهَب فى التَّدْلِيس خفى يَقُول فِيمَا لم يسمعهُ من أَبى الْقَاسِم البغوى قرىء على أَبى الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثكُمْ فلَان توفى الدارقطنى يَوْم الْخَمِيس لثمان خلون من ذى الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة قَالَ أَبُو نصر بن مَاكُولَا رَأَيْت فى الْمَنَام كأنى أسأَل عَن حَال الدارقطنى فى الْآخِرَة فَقيل لى ذَاك يدعى فى الْجنَّة الإِمَام ٢٣٠ - على بن مُحَمَّد بن مهدى أَبُو الْحسن الطبرى تلميذ الشَّيْخ أَبى الْحسن الأشعرى صَحبه بِالْبَصْرَةِ وَأخذ عَنهُ وَكَانَ من المبرزين فى علم الْكَلَام والقوامين بتحقيقه وَله كتاب تَأْوِيل الْأَحَادِيث

стр. 1141

المشكلات الواردات فى الصِّفَات وَكَانَ مفتنا فى أَصْنَاف الْعُلُوم قَالَ أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحسن الأسدى كَانَ شَيخنَا وأستاذنا أَبُو الْحسن على بن مهدى الطبرى الْفَقِيه مصنفا للكتب فى أَنْوَاع الْعُلُوم مفتنا حَافِظًا للفقه وَالْكَلَام والتفاسير والمعانى وَأَيَّام الْعَرَب فصيحا مبارزا فى النّظر مَا شوهد فى أَيَّامه مثله انْتهى قَوْله ابْن مهدى رُبمَا أوهم أَن مهديا أَبوهُ وَكَذَا وَقع فى طبقاتى الْوُسْطَى وَالصُّغْرَى ثمَّ تحققت أَنه جده وَأَن أَبَاهُ مُحَمَّد وَقد ذكر العبادى هَذَا الشَّيْخ فى طبقَة الْقفال الشاشى وَقَالَ فِيهِ صَاحب الْأُصُول وَالْعلم الْكثير وترجمة الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فى كتاب التَّبْيِين وَلم أر من أرخ وَفَاته أنشدنا يحيى بن فضل الله الْعُمْرَى فى كِتَابه عَن مكي بن عَلان أَن أَبَا الْقَاسِم الْحَافِظ أنبأه قَالَ أخبرنَا نصر الله المصيصى أخبرنَا على بن ابى الْعَلَاء المصيصى أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الفارقى الْمَعْرُوف بِابْن الضراب أخبرنَا أَبُو سعد المالينى أنشدنا أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن مهدى الطبرى لنَفسِهِ (مَا ضَاعَ من كَانَ لَهُ صَاحب ... يقدر أَن يصلح من شَأْنه) (فَإِنَّمَا الدُّنْيَا بسكانها ... وَإِنَّمَا الْمَرْء بإخوانه)

стр. 1142

وَقَالَ وأنشدنى أَبُو الْحسن بن مهدى لنَفسِهِ أَيْضا (إِن الزَّمَان زمَان سو ... وَجَمِيع هَذَا الْخلق بو) (ذهب الْكِرَام بأسرهم ... وَبقيت فى لَيْت وَلَو) (فَإِذا سَأَلت عَن الندى ... فجوابهم عَن ذَاك وو) ٢٣١ - على بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن بشر أَبُو الْحسن الأنطاكى المقرىء كَانَ بَصيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ والقراءات والحساب وَله حَظّ من الْفِقْه دخل بِلَاد الأندلس وَكَانَ عيشه من غزل جَارِيَته ولد بأنطاكية سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَمَات بقرطبة فى ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة ٢٣٢ - عَمْرو بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو أَحْمد الإستراباذى الْفَقِيه تفقه بِمصْر على مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الْفَقِيه وَسمع الحَدِيث من أَبِيه أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن وَمن هميم بن همام وَعمْرَان بن مُوسَى بن مجاشع وأبى خَليفَة وَعبد الله بن نَاجِية وَابْن قُتَيْبَة العسقلانى

стр. 1143

روى عَنهُ أَبُو سعد عبد الرَّحْمَن الإدريسى وَله مُصَنف فى الْفِقْه وَشعر كثير توفى سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة ٢٣٣ - عمر بن أَحْمد بن عمر بن سُرَيج الشَّيْخ أَبُو حَفْص ولد أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج ذكره الْأَصْحَاب فِيمَا إِذا كَانَت النَّجَاسَة الْوَاقِعَة فى المَاء ميتَة لَا نفس لَهَا سَائِلَة فَفِيهَا قَولَانِ مشهوران أصَحهمَا أَنَّهَا لَا تنجس المَاء قَالَ الْأَصْحَاب تَفْرِيعا على الْأَصَح فَلَو كثر هَذَا الْحَيَوَان الذى لَا نفس لَهُ سَائِلَة فَغير المَاء فَهَل يُنجسهُ فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا أَنه يُنجسهُ قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد والبندنيجى والمحاملى فى الْمَجْمُوع وَأَبُو عَاصِم العبادى فى الطَّبَقَات وَصَاحب الْعدة وَغَيرهم هَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَفْص عمر بن أَبى الْعَبَّاس بن سُرَيج عَن أَبِيه

стр. 1144

٢٣٤ - عمر بن أَكْثَم بن أَحْمد بن حبَان بن بشر أَبُو بشر الأسدى قاضى بَغْدَاد فى أَيَّام الْمُطِيع لله قَالَ الْخَطِيب لم يل الْقَضَاء بِبَغْدَاد من الشَّافِعِيَّة أحد قبله غير أَبى السَّائِب القاضى وَكَانَ من بَيت قَضَاء ورياسة توفى فى عشر الثَّمَانِينَ سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة ٢٣٥ - عمر بن عبد الله بن مُوسَى الإِمَام الْكَبِير أَبُو حَفْص ابْن الْوَكِيل الْبَاب شامى من متقدمى أَصْحَابنَا وَمن أَئِمَّة أَصْحَاب الْوُجُوه ذكره المطوعى فَقَالَ فَقِيه جليل الرُّتْبَة من نظراء أَبى الْعَبَّاس وَأَصْحَاب الأنماطى وَمِمَّنْ تكلم وَتصرف فِيهَا فَأحْسن مَا شَاءَ ثمَّ هُوَ من كبار الْمُحدثين والرواة وأعيان النقلَة يشْهد لَهُ بِهَذَا كتبة الحَدِيث وَيُقَال إِن المقتدر استقضاه على بعض كور الشَّام فَلذَلِك عرف بِالْبَابِ شامى لطول مقَامه بهَا انْتهى وَمن خطّ ابْن الصّلاح نقلته

стр. 1145

وَقَالَ ابْن السمعانى الْبَاب شامى بِالْألف بَين البائين المنقوطتين بِوَاحِدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وفى آخرهَا الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَاب الشَّام وهى إِحْدَى الْمحَال الْأَرْبَعَة الْمَشْهُورَة الْقَدِيمَة بالجانب الغربى من بَغْدَاد قلت وَأرى هَذَا فى نسبته أصح مِمَّا قَالَه المطوعى ٢٣٦ - عمر بن مُحَمَّد أَبُو غَانِم ملقى ابْن سُرَيج فِيمَا أَحسب كالمعيد الْآن أَو كالقارىء على الْمدرس أَو المستملى على المملى وَهُوَ الذى كَانَت بِهِ لثغة يسيرَة وَكَانَ بِابْن سُرَيج مثلهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى مَسْأَلَة إِمَامَة الألثغ استحيى أَن يَقُول لِابْنِ سُرَيج هَل تصح إمامتك فَقَالَ هَل تصح إمامتى فَقَالَ لَهُ ابْن سُرَيج نعم وإمامتى أَيْضا نقل ذَلِك الرويانى فى الْبَحْر وَغَيره وَنقل فى الْبَحْر أَيْضا فى مَسْأَلَة مَا إِذا رعف الإِمَام الْمُسَافِر فى الصَّلَاة وَخَلفه مسافرون ومقيمون عَن أَبى غَانِم الْمشَار إِلَيْهِ تَأْوِيلا فى تفاريع الْمَسْأَلَة

стр. 1146

٢٣٧ - الْفضل بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَبُو بشر بن أَبى عبد الله الجرجانى قَالَ فِيهِ أَبُو حَفْص المطوعى فَاضل ملْء ثَوْبه مفضل ملْء كَفه ضَارب فى الإسماعيلية بعروقه قلت يعْنى بَيت أَبى بكر الإسماعيلى وَذكره أَبُو عَاصِم العبادى فَقَالَ وَمِنْهُم القاضى أَبُو بشر الإسماعيلى وَهُوَ الحاكى فى الْمَبِيع وَفِيه خِيَار الرُّؤْيَة إِذا مَاتَ أحد الْمُتَعَاقدين أَو جن قبل الرُّؤْيَة أَنه يَنْفَسِخ العقد ٢٣٨ - الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على الشاشى صَاحب التَّقْرِيب الإِمَام الْجَلِيل أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا ولد الإِمَام الْجَلِيل الْقفال الْكَبِير ذكره العبادى فى الطَّبَقَات وَقَالَ مَشْهُور الْفضل يشْهد بذلك كِتَابه قَالَ وَبِه تخرج فُقَهَاء خُرَاسَان وازدادت طَريقَة أهل الْعرَاق بِهِ حسنا

стр. 1147

وَقَالَ أَبُو حَفْص عمر بن على المطوعى المنجبون من فُقَهَاء أَصْحَابنَا أَرْبَعَة أَبُو بكر الإسماعيلى حَيْثُ ولد ابْنه أَبَا سعد وَالْإِمَام أَبُو سهل حَيْثُ ولد ابْنه الإِمَام ابْن الإِمَام إِلَى أَن قَالَ وَأَبُو بكر الْقفال حَيْثُ حظى من نَسْله بِالْوَلَدِ النجيب الذى ينْسب إِلَيْهِ كتاب التَّقْرِيب وَأَبُو جَعْفَر الحناطى حَيْثُ رزق مثل الشَّيْخ أَبى عبد الله ولدا رَضِيا نجلا زكيا وَقَالَ حَمْزَة السهمى فى تَارِيخ جرجان فى تَرْجَمَة الحليمى إِن الحليمى قَالَ علق عَنى الْقَاسِم بن أَبى بكر الْقفال صَاحب التَّقْرِيب أحد عشر جُزْءا من الْفِقْه قلت وَفِيمَا حكيناه دَلِيل على مَا لاشك فِيهِ من أَن الْقَاسِم هُوَ صَاحب التَّقْرِيب وفى التذنيب لأبى الْقَاسِم الرافعى أَن بعض النَّاس وهم فَتوهم أَن صَاحب التَّقْرِيب وَالِده قلت وأورث هَذَا الْوَهم الرافعى بعض شكّ من أجل ذَلِك قَالَ وَقد ذكره وَهُوَ الْقَاسِم إِن شَاءَ الله وَهَذَا الظَّن الذى ظَنّه بعض النَّاس من أَن التَّقْرِيب لِأَبِيهِ مُتَقَدم الزَّمَان فَإِن المطوعى ذكره فى كِتَابه فى تَرْجَمَة الْقفال بل كَلَامه كالمرجح لِأَن التَّقْرِيب للوالد دون الْوَلَد وَذَلِكَ فى تَرْجَمَة الْوَالِد حَيْثُ قَالَ أما التصنيف فَهُوَ يعْنى الْقفال نظام عقده ونظام شَمله يشْهد بذلك كِتَابه المترجم بالتقريب وَإِن كَانَ بعض النَّاس ينْسبهُ إِلَى وَالِده النجيب انْتهى وَمن خطّ ابْن الصّلاح نقلته لكنه مدافع بقوله الذى حكيناه فى تَرْجَمَة الْقَاسِم هَذَا أَن التَّقْرِيب لَهُ وَهُوَ الصَّحِيح

стр. 1148

والتقريب من أجل كتب الْمَذْهَب ذكره الإِمَام أَبُو بكر البيهقى فى رسَالَته إِلَى الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى بعد مَا حث على حِكَايَة أَلْفَاظ الشافعى وألفاظ المزنى وَقَالَ لم أر أحدا مِنْهُم يعْنى المصنفين فى نُصُوص الشافعى رضى الله عَنهُ فِيمَا حَكَاهُ أوثق من صَاحب التَّقْرِيب وَهُوَ فى النّصْف الأول من كِتَابه أَكثر حِكَايَة لألفاظ الشافعى مِنْهُ فى النّصْف الْأَخير قَالَ وَقد غفل فى النصفين جَمِيعًا مَعَ اجْتِمَاع الْكتب لَهُ أَو أَكْثَرهَا وَذَهَاب بَعْضهَا فى عصرنا عَن حِكَايَة أَلْفَاظ لابد لنا من مَعْرفَتهَا لِئَلَّا نجترئ على تخطئة المزنى فى بعض مَا نخطئه فِيهِ وَهُوَ عَنهُ برِئ ولنتخلص بهَا عَن كثير عَن تخريجات أَصْحَابنَا انْتهى وَقد كَانَ الْقَاسِم جليل الْمِقْدَار فى حَيَاة أَبِيه يدل على ذَلِك مَا ذكره الْأَصْحَاب فى كتاب الرَّضَاع عَن الحليمى فى فروع الِاخْتِلَاط من قَول الحليمى هَذَا شئ استنبطته أَنا وَكَانَ فى قلبى مِنْهُ شئ فعرضته على الْقفال الشاشى وَابْنه الْقَاسِم فارتضياه فسكنت ثمَّ وجدته لِابْنِ سُرَيج فسكن قلبى إِلَيْهِ كل السّكُون قلت وقفت على نَحْو الثُّلُث أَو أَكثر من أَوَائِل كتاب التَّقْرِيب

стр. 1149

وَمن الْمسَائِل والفوائد عَن صَاحب التَّقْرِيب ذكر الإِمَام فى النِّهَايَة فى بَاب قتل الْمُرْتَد أَن صَاحب التَّقْرِيب قَالَ فى الْأَسير إِذا أكره على التَّلَفُّظ بالْكفْر وَعَاد إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَأبى إِنَّا نحكم بردته قَالَ فَإِنَّهُ قد انْضَمَّ امْتِنَاعه الْآن إِلَى مَا سبق مِنْهُ من لفظ الْكفْر فَدلَّ أَنه كَانَ مُخْتَارًا قَالَ وَقطع صَاحب التَّقْرِيب بِهَذَا وَهُوَ الذى ذكره الْعِرَاقِيُّونَ قَالَ وَفِيه احْتِمَال عندى ظَاهر فَإِنَّهُ لم يسْبق مِنْهُ اخْتِيَار وَحكم الْإِسْلَام كَانَ مستمرا لَهُ وَالْمُسلم لَا يكفر بِمُجَرَّد الِامْتِنَاع عَن تَجْدِيد الْإِسْلَام انْتهى مُلَخصا وَتبع الغزالى فى الْوَسِيط إِمَامه فى استشكال هَذَا وَحَكَاهُ الرافعى عَن الإِمَام ساكتا عَلَيْهِ بعد مَا ذكر أَن الْمَنْقُول أَنه إِذا أَبى يحكم بردته كَمَا قَالَ صَاحب التَّقْرِيب والعراقيون قَالَ ابْن الرّفْعَة وَالنَّظَر الذى أبداه الإِمَام مندفع بِمَا قَرَّرَهُ صَاحب التَّقْرِيب فَإِنَّهُ قَالَ قد انْضَمَّ امْتِنَاعه الْآن إِلَى مَا سبق مِنْهُ من لفظ الْكفْر فَدلَّ أَنه كَانَ مُخْتَارًا فى ابْتِدَاء اللَّفْظ وَمن أكره على شئ فخطر لَهُ أَن يأتى بِهِ مُخْتَارًا فَلَا حكم للإكراه فَإِذا سبق مِنْهُ اللَّفْظ وَلحق الِامْتِنَاع عَن التَّلَفُّظ بِالْإِسْلَامِ كَانَ ذَلِك آيَة بَيِّنَة فى أَنه كَانَ مُخْتَارًا عِنْد لَفظه وَفَارق الْمُسلم الذى لم يصدر مِنْهُ كلمة الْكفْر حَيْثُ لَا يَجْعَل بالامتناع عَن النُّطْق بِكَلِمَة الْإِسْلَام مُرْتَدا لِأَنَّهُ لم يسْبق مِنْهُ شئ يجوز أَن يكون كفرا يقرره الِامْتِنَاع وَلَا يُقَال لكم خلاف فى الْمُكْره على التَّلَفُّظ بِالطَّلَاق إِذا نَوَاه هَل يَقع بِهِ فينبغى إجراؤه هُنَا لأَنا نقُول من لم يوقعه اعتل بِأَن اللَّفْظ هُوَ الذى يَقع بِهِ الطَّلَاق وَهُوَ مكره عَلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا نِيَّة مُجَرّدَة وهى لَا يَقع بهَا الطَّلَاق وَلَا كَذَلِك الرِّدَّة لِأَنَّهَا تحصل بِمُجَرَّد النِّيَّة انْتهى

стр. 1150

قلت وَمَا ذكره عَن التَّقْرِيب إِلَى قَوْله عِنْد لَفظه مَذْكُور فى النِّهَايَة وَقَوله وَفَارق الْمُسلم إِلَى آخِره هَذَا بحث ابْن الرّفْعَة ويلوح فى بادئ النّظر حسنه إِلَّا أَنى تَأَمَّلت بعد مَا استبعدت خَفَاء مثل هَذَا الْفرق على الإِمَام لَا سِيمَا وَكَلَام صَاحب التَّقْرِيب مسطور فى النِّهَايَة فَظهر لى فى جَوَابه مَا أَرْجُو أَنه الْحق فَأَقُول قَالَ الرافعى أطلق أَكْثَرهم الْعرض يعْنى عرض الْإِسْلَام على الْأَسير إِذا عَاد إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَشرط لَهُ ابْن كج أَلا يؤم الْجَمَاعَات وَلَا يقبل على الطَّاعَات بعد الْعود إِلَيْنَا فَإِن فعل ذَلِك أغنانا عَن الْعرض قلت وَمِمَّنْ أطلق وَلم يذكر مَا شَرطه ابْن كج الإِمَام والذى أعتقده أَنه إِنَّمَا يَقُول لَيْسَ الِامْتِنَاع عَن التَّجْدِيد دَلِيلا على الْكفْر فى مُمْتَنع يؤم الْجَمَاعَات وَيلْزم الطَّاعَات كَسَائِر الْمُسلمين فَذَاك هُوَ الذى لَا يكون امْتِنَاعه دَالا على الْكفْر لِأَن فى فعله أَفعَال الْمُسلمين دلَالَة بَيِّنَة على أَن تِلْكَ اللَّفْظَة لم تكن عَن اخْتِيَار أم نقُول ذَلِك فى مُمْتَنع أول رُجُوعه إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام لم يعرف مِنْهُ مُفَارقَة مظان الطَّاعَات أما من عرف مِنْهُ أَن لَا يشْهد جماعات الْمُسلمين وَلَا يؤم مَسَاجِدهمْ فَلَا شكّ أَن امْتِنَاعه دَلِيل كفره وَلَيْسَ كَالْمُسلمِ المستمر فَإِن هَذَا صدر مِنْهُ سَبَب ظَاهر مقترن بِأَفْعَال ظَاهِرَة غير أَنى لَا أعتقد أَن الإِمَام يُخَالف فى هَذَا فَإِن قلت وملازم الْجَمَاعَات لَا خلاف فِيهِ كَمَا ذكر ابْن كج قلت هَذَا الذى ذكره ابْن كج قد عرفناك أَن الْأَكْثَرين وَمِنْهُم الإِمَام لم يذكروه فَخرج من هَذَا أَن الْمُمْتَنع عَن التَّجْدِيد مَعَ الإباء عَن مشَاهد الْمُسلمين كَافِر قطعا والممتنع مَعَ شُهُود جماعات الْمُسلمين أَو من غير أَن يظْهر مِنْهُ خلاف ذَلِك هُوَ الذى يَقُول الإِمَام لَا يكون امْتِنَاعه دَلِيل كفره

стр. 1151

إِذا أقرّ بمجمل وَلم يفسره فَهَل يُوقف من مَاله أقل مُتَمَوّل أَو جَمِيع مَاله قيل فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذا مَاتَ وَقَالَ الْقَاسِم يحْتَمل أَن يُوقف فى حَال الْحَيَاة أقل الْأَشْيَاء وَبعد الْوَفَاة جَمِيع التَّرِكَة هَذَا لفظ أدب الْقُضَاة لشريح الرويانى وَقَول الْقَاسِم وَهُوَ صَاحب التَّقْرِيب حسن لِأَن التَّرِكَة مَرْهُونَة بِالدّينِ وَإِن قل عَنْهَا على الْمَذْهَب قَالَ الْقَاسِم فِيمَا إِذا شهد وَاحِد بِأَلف وَآخر بِأَلفَيْنِ إِن الْمُدعى لَا يَأْخُذ الْألف إِلَّا بِيَمِين قَالَ العبادى وَهُوَ غَرِيب قلت لَا شكّ فى غرابته إِن وَقعت الدَّعْوَى بِأَلفَيْنِ واستشهاد كل من الشَّاهِدين بِمَا يعرفهُ أما إِذا وَقعت بِأَلف فَشهد وَاحِد بِأَلفَيْنِ فهى مبادرة وفيهَا خلاف وللوالد على شبه الْمَسْأَلَة كَلَام ذَكرْنَاهُ بمزيد بسط فى النَّقْل والتفقه فى كتاب ترشيح التوشيح ٢٣٩ - محَارب بن مُحَمَّد بن محَارب أَبُو الْعَلَاء القاضى توفى فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة ذكره ابْن باطيش

стр. 1152

٢٤٠ - مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحسن التميمى الْفَقِيه الشَّاعِر الضَّرِير المصرى أحد أَئِمَّة الْمَذْهَب قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أَخذ الْفِقْه عَن أَصْحَاب الشافعى وَأَصْحَاب أَصْحَابه وَله مصنفات فى الْمَذْهَب مليحة مِنْهَا الْوَاجِب والمستعمل وَالْمُسَافر وَالْهِدَايَة وَغَيرهَا من الْكتب وَله شعر مليح وَهُوَ الْقَائِل (عَابَ التفقه قوم لَا عقول لَهُم ... وَمَا عَلَيْهِ إِذا عابوه من ضَرَر) (مَا ضرّ شمس الضُّحَى وَالشَّمْس طالعة ... أَلا يرى ضوءها من لَيْسَ ذَا بصر) قلت وَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله فى تَرْجَمَة الْحَافِظ أَبى على النيسابورى أَنه سَمعه يَقُول سَمِعت مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل بِمصْر ينشد لنَفسِهِ قلت وَقد أوردهما الخطابى عَنهُ فى كتاب الْعُزْلَة (قد قلت إِذْ مدحوا الْحَيَاة فَأَكْثرُوا ... للْمَوْت ألف فَضِيلَة لَا تعرف) (مِنْهَا أَمَان لِقَائِه بلقائه ... وفراق كل مصاحب لَا ينصف) قَالَ الْحَاكِم قَالَ أَبُو على رَأَيْت منصورا وَقد عمى وَرُبمَا كَانَ يركب حمارا فارها

стр. 1153

وَقَالَ القضاعى أَصله من رَأس عين وَكَانَ فَقِيها متصرفا فى كل علم شَاعِرًا مجودا لم يكن فى زَمَانه مثله وَذكر ابْن يُونُس فى تَارِيخ مصر أَنه كَانَ جنديا قبل أَن يعمى توفى مَنْصُور سنة سِتّ وثلاثمائة وَمن الحكايات والأشعار والفوائد والغرائب عَنهُ كَانَت لَهُ قَضِيَّة مَعَ القاضى أَبى عبيد بن حربويه طَالَتْ وعظمت وَذَلِكَ أَنه كَانَ خَالِيا بِهِ فَجرى ذكر نَفَقَة الْحَامِل الْمُطلقَة ثَلَاثًا فَقَالَ أَبُو عبيد زعم زاعم أَن لَا نَفَقَة لَهَا فَأنْكر مَنْصُور ذَلِك وَقَالَ أقائل هَذَا من أهل الْقبْلَة ثمَّ انْصَرف مَنْصُور وَحدث الطحاوى فَأَعَادَهُ على أَبى عبيد فَأنكرهُ أَبُو عبيد فَقَالَ مَنْصُور أَنا أكذبه قَالَ أَبُو بكر بن الْحداد حضر مَنْصُور فتبينت فى وَجهه النَّدَم على حُضُوره وَلَوْلَا عجلة القاضى بالْكلَام لما تكلم مَنْصُور وَلَكِن قَالَ القاضى مَا أُرِيد أحدا يدل على لَا مَنْصُور وَلَا نصار يحكون عَنَّا مَا لم نقل فَقَالَ مَنْصُور قد علم الله أَنَّك قلت فَقَالَ كذبت فَقَالَ قد علم الله من الْكَاذِب ونهض وَهُوَ أعمى فَمَا جسر أحد من هَيْبَة القاضى أَن يَأْخُذ بِيَدِهِ إِلَّا ابْن الْحداد وَكَانَت بَينه وَبَين ابْن الْحداد مقاطعة فَشكر لَهُ هَذَا الصَّنِيع وَقَالَ لَهُ أحسن الله جَزَاك وشكر فعلك وَأخذ بِيَدِك يَوْم فاقتك إِلَيْهِ ثمَّ إِن ابْن الْحداد أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى القاضى والاعتذار فَرجع فَلم يُمكنهُ الْحَاجِب من الدُّخُول إِلَيْهِ وَدفع فى ظَهره وَقَالَ لَا سَبِيل لَك إِلَى هَذَا ثمَّ تعصب لمنصور خلق كَثِيرُونَ كَانُوا يعتقدونه وتحامل عَلَيْهِ آخَرُونَ مِنْهُم مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزى وَكَانَ من جلة شُهُود مصر قَالَ ابْن الْحداد سمع مُحَمَّد بن الرّبيع منصورا يَقُول مقَالَة يحكيها عَن النظام فنسبها إِلَى مَنْصُور وَشهد عَلَيْهِ بهَا عِنْد القاضى فهلع مَنْصُور وبلغه أَن القاضى قَالَ

стр. 1154

إِن شهد عندى شَاهد آخر مثل مُحَمَّد بن الرّبيع ضربت عنق مَنْصُور فَلَزِمَ مَنْصُور جَامع ابْن طولون يأتى كل يَوْم فَلَا يخرج مِنْهُ إِلَى الْمسَاء مَحْزُونا مغموما وماج النَّاس وَكثر الْكَلَام حَتَّى قَالَ بنان العابد الزَّاهِد يَا قوم مَا فى هَذَا الْبَلَد من يتوسط بَين هَذَا القاضى وَبَين هَذَا الشَّيْخ فَقيل لَهُ فَأَنت فَقَالَ مَا أكمل لهَذَا وَلم يمض على مَنْصُور إِلَّا أَيَّام يسيرَة وَتوفى وعزم القاضى أَبُو عبيد على أَن يصلى عَلَيْهِ فَبَلغهُ أَن خلقا من الْعَسْكَر والجند حملُوا السِّلَاح وتهيأوا لقتل القاضى إِن هُوَ صلى عَلَيْهِ فَتَأَخر عَن الصَّلَاة عَلَيْهِ وَقيل كَانَ حول جنَازَته مِائَتَا سيف وآلاف من السكاكين وَأظْهر النَّاس فى الْجِنَازَة سبّ أَبى عبيد وقذفه وَقيل إِن منصورا أنْشد عِنْد مَوته (قضيت نحبى فسر قوم ... حمقى بهم غَفلَة ونوم) (كَأَن يومى على حتم ... وَلَيْسَ للشامتين يَوْم) فَبلغ ذَلِك القاضى أَبَا عبيد فنكث بِيَدِهِ الأَرْض وَقَالَ (تَمُوت قبلى وَلَو بِيَوْم ... وَنحن يَوْم النشور توم) (فقد فرحنا وَقد سررنا ... وَلَيْسَ للشامتين لوم) وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك وَقيل إِن أَبَا عبيد نَدم على مَا جرى مِنْهُ وأسف على مَا فَاتَهُ من مَنْصُور وَكَانَ أَبُو بكر بن الْحداد ﵀ يَقُول لَو شِئْت لَقلت إِن دِيَة مَنْصُور على عَاقِلَة القاضى

стр. 1155

يُرِيد أَن أَبَا عبيد قَاتله خطأ فَإِن منصورا بلغت مِنْهُ نكاية أَبى عبيد حَتَّى جَاءَت على نَفسه وَمن شعر مَنْصُور فى علته وَإِنَّمَا يعْنى أَبَا عبيد (يَا شامتا بى لِأَن هَلَكت ... لكل حى مدى وَوقت) (وللمنايا وَإِن تناءت ... بِالْمَوْتِ يَاذَا الشمات بَغت) (وَأَنت فى غَفلَة المنايا ... تخَاف مِنْهَا الذى أمنت) (والكأس ملأى وَعَن قَلِيل ... تشرب مِنْهَا كَمَا شربت) وَقَالَ (تغابن الْأَيَّام تَقْدِير ... وَأَخذهَا جد وتشمير) كتب إِلَى أَحْمد بن أَبى طَالب عَن مُحَمَّد بن مَحْمُود الْحَافِظ أخبرنَا ضِيَاء بن أَحْمد بن أَبى على أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقى أخبرنَا القاضى أَبُو المظفر هناد بن إِبْرَاهِيم أنشدنى الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور عبد القاهر بن طَاهِر البغدادى بنيسابور قَالَ أنشدنا أَبُو أَحْمد بن عدى الْحَافِظ قَالَ أنشدنى مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الْفَقِيه لنَفسِهِ (من كَفاهُ من مساعيه ... رغيف يغتذيه) (وَله بَيت يواريه ... وثوب يكتسيه) (فعلى م يبْذل الْوَجْه ... لذى كبر وتية) (وعَلى م يبْذل الْعرض ... لمخلوق سَفِيه)

стр. 1156

قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كتاب القَوْل فى النُّجُوم حَدَّثَنى أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد الْقطَّان النيسابورى قَالَ أنشدنا أَبُو على صَالح بن إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن رشدين المصرى قَالَ أنشدنى أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مهَاجر الْكَاتِب قَالَ أنشدنى مَنْصُور الْفَقِيه لنَفسِهِ (من كَانَ يخْشَى زحلا ... أَو كَانَ يَرْجُو الْمُشْتَرى) (فإننى مِنْهُ وَإِن ... كَانَ أَبى الْأَدْنَى بَرى) قَالَ وحدثنى مُحَمَّد بن يُوسُف أنشدنا ابْن رشد بن أَسد بن أَبى مهَاجر أنشدنى مَنْصُور الْفَقِيه لنَفسِهِ (إِذا كنت تزْعم أَن النُّجُوم ... تضر وَتَنْفَع من تحتهَا) (فَلَا تنكرن على من يَقُول ... بأنك بِاللَّه أشركتها) قَالَ الْخَطِيب ولمنصور أَيْضا فِيمَا بلغنى بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد (لَيْسَ للنجم إِلَى ضرّ م ... وَلَا نفع سَبِيل) (إِنَّمَا النَّجْم على الْأَوْقَات ... والسمت دَلِيل) أورد الْحَاكِم فى تَرْجَمَة جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحَارِث أَبى مُحَمَّد المراغى من شعر مَنْصُور (النَّاس بَحر عميق ... والبعد عَنْهُم سفينة) (وَقد نَصَحْتُك فَانْظُر ... لنَفسك المسكينة) قلت وَمن شعره أَيْضا (لى حِيلَة فِيمَن ينم م ... وَلَيْسَ فى الْكذَّاب حيله)

стр. 1157

(من كَانَ يخلق مَا يَقُول ... فحيلتى فِيهِ قَلِيله) وَمِنْه (الْكَلْب أَعلَى قيمَة ... وَهُوَ النِّهَايَة فى الخساسه) (مِمَّن يُنَازع فى الرياسة ... قبل أَوْقَات الرياسة) وَمِنْه وَقد ذكره الخطابى فى كتاب الْعُزْلَة (لَيْسَ هَذَا زمَان قَوْلك مَا الحكم ... على من يَقُول أَنْت حرَام) (والحقى بَائِنا بأهلك أَو أَنْت ... عَتيق محرم يَا غُلَام) (وَمَتى تنْكح المصابة فى العدمة ... عَن شُبْهَة وَكَيف الْكَلَام) (فى حرَام أصَاب سنّ غزال ... فَتَوَلّى وللغزال بغام) (إِنَّمَا ذَا زمَان كدح إِلَى الْمَوْت ... وقوت مبلغ وَالسَّلَام) وَقَالَ وَذكره الخطابى أَيْضا عَنهُ (لَوْلَا بناتى وسيآتى ... لذبت شوقا إِلَى الْمَمَات) (لأننى فِي جوَار قوم ... بغضنى قربهم حياتى) وَقَالَ وَأوردهُ الخطابى أَيْضا (قد قلت إِذْ مدحوا الْحَيَاة فَأَكْثرُوا ... للْمَوْت ألف فَضِيلَة لَا تعرف) (مِنْهَا أَمَان لِقَائِه بلقائه ... وفراق كل معاشر لَا ينصف)

стр. 1158

٢٤١ - هَارُون بن مُحَمَّد بن مُوسَى الجوينى الآزاذوارى وآزاذوار بِمد الْألف وَفتح الزاى وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وفى آخرهَا الرَّاء من قرى جُوَيْن من نواحى نيسابور الْفَقِيه الأديب أَبُو مُوسَى قَالَ الْحَاكِم سمع بنيسابور أَبَا عبد الله البوشنجى وأقرانه وَكتب بالرى وبغداد قبل الْعشْر والثلاثمائة وَكَانَ إِذا ورد الْبَلَد يعْنى نيسابور تهتز مَشَايِخنَا لوروده ثمَّ روى الْحَاكِم عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا وَلم يزدْ فى تَرْجَمته على ذَلِك ٢٤٢ - يحيى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حسن النيسابورى أَبُو عَمْرو المخلدى كَانَ فَقِيها إِمَامًا عابدا كثير التِّلَاوَة حدث عَن مُؤَمل بن الْحسن الماسرجس وابنى الشرقى ومكي بن عَبْدَانِ وأقرانهم قَالَ الْحَاكِم وَحدث بِكِتَاب التَّارِيخ لأبى بكر بن أَبى خَيْثَمَة عَن ذَاك الشَّيْخ الواسطى عَنهُ قَالَ وَكَانَ من مَشَايِخ أهل البيوتات وَمن الْعباد الْمُجْتَهدين وَمن قراء الْقُرْآن الْعَظِيم وَكَانَ ختن يحيى بن مَنْصُور القاضى على ابْنَته روى عَنهُ الْحَاكِم وَقَالَ توفى فى شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة

стр. 1159

٢٤٣ - يحيى بن أَحْمد أَبُو زَكَرِيَّا بن أَبى طَاهِر السكرى أحد أَئِمَّة أَصْحَابنَا ذكره الْحَاكِم وَقَالَ كَانَ من صالحى أهل الْعلم والمناظرين على مَذْهَب الشافعى تفقه عِنْد أَبى الْوَلِيد وَبِه تخرج وَكَانَ يدرس نيفا وَثَلَاثِينَ سنة سمع الإِمَام أَبَا بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصبغى وَأَبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب وأقرانهما وَخرج لَهُ الْفَوَائِد وَحدث توفى فى الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ٢٤٤ - يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن العنبر بن عَطاء بن صَالح بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن سُفْيَان السلمى مولى بنى حَرْب أَبُو زَكَرِيَّا العنبرى السلمى أحد الْأَئِمَّة سمع أَبَا عبد الله البوشنجى وَإِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد القبانى وَطَائِفَة

стр. 1160

روى عَنهُ أَبُو على النيسابورى الْحَافِظ وَأَبُو بكر بن عبدش وهما من أقرانه وَأَبُو الْحسن الحجاجى وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله وَغَيرهم قَالَ الْحَاكِم فِيهِ الْعدْل الأديب الْمُفَسّر الأوحد بَين أقرانه قَالَ وَسمعت أَبَا على الْحَافِظ غير مرّة يَقُول النَّاس يتعجبون من حفظنا لهَذِهِ الْأَسَانِيد وَأَبُو زَكَرِيَّاء العنبرى يحفظ من الْعُلُوم مَا لَو كلفنا حفظ شئ مِنْهَا لعجزنا عَنهُ وَمَا أعلم أَنى رَأَيْت مثله قَالَ الْحَاكِم اعتزل أَبُو زَكَرِيَّا النَّاس وَقعد عَن حُضُور المحافل بضع عشرَة سنة وَأطَال الْحَاكِم فى تَرْجَمَة العنبرى وَذكر أَنه توفى فى الثانى وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَهُوَ ابْن سِتّ وَسبعين سنة ثمَّ إِنَّه سَمعه يَقُول الشَّفق الْحمرَة لِأَن اشتقاقه من الخجل وَالْخَوْف قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون﴾ أى خائفون
следующие страницы →