Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
٣١٨ - مُحَمَّد بن القَاضِي الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد المروالروذي أَبُو بكر بن القَاضِي الْحُسَيْن
أما وَالِده فَهُوَ الإِمَام الْمَشْهُور بِالذكر
وَأما هُوَ فقد حدث عَن أبي مَسْعُود أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله البَجلِيّ الرَّازِيّ الْحَافِظ وَغَيره
سمع مِنْهُ أَبُو عبد الله الْحميدِي وَأَبُو بكر بن الخاضبة وَغَيرهمَا
ولد سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَلم أعلم لوفاته تَارِيخا
ذكره الشَّيْخ فِي شرح الْمِنْهَاج فِي النِّكَاح فِي شُرُوط الْكِفَايَة
٣١٩ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم الروذراوري
الْوَزير أَبُو شُجَاع
ولد سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ وَالِده من أهل روذراور وَصَحب الْأَمِير كرشاسف بن عَلَاء الدولة صَاحب همذان وأصبهان وبلاد الْجَبَل وَكَانَ ينقاد لَهُ
وَصَحب الْأَمِير هرارست
стр. 1297
أَمِير خوزستان وَالْبَصْرَة وواسط ثمَّ استوحش مِنْهُ وجهز أَمْوَاله إِلَى بَغْدَاد وأخفى نَفسه وَولده وَخرج إِلَى حلب ثمَّ توجه إِلَى همذان
ثمَّ إِن الْقَائِم بِأَمْر الله صرف وزيره ابْن جهير عَن الوزارة وصور فِي نَفسه أَن يستوزره فورد الْخَبَر بوفاته فَقَالَ الْخَلِيفَة عولنا على هَذَا الدارج فِي وزارتنا فحالت الأقدار بَيْننَا وَبَين الإيثار وَقد عرفنَا تميز وَلَده إِلَّا أَن السن لم ينْتَه بِهِ إِلَى هَذَا المنصب فرقاه وَلَا يزَال أَبُو شُجَاع يترقى إِلَى أَن انْتَهَت الْخلَافَة إِلَى المقتدى وتزايد عَظمَة وترقت بِهِ الْحَال فَوق مَا كَانَت
ثمَّ إِن نظام الْملك كَاتب المقتدى فِي إبعاد أبي شُجَاع فَإِنَّهُ كَانَ يكرههُ فَكتب الْخَلِيفَة الْجَواب بِخَطِّهِ وَعرف نظام الْملك منزلَة أبي شُجَاع عِنْده وفضله وَدينه وأكد عَلَيْهِ فِي الْوِصَايَة بِهِ وَترك الِالْتِفَات إِلَى قَول أعدائه وَأمر الْوَزير أَبَا شُجَاع بِالْخرُوجِ إِلَى أَصْبَهَان إِلَى خدمَة نظام الْملك وأصحبه بعض خدمه فَتَلقاهُ نظام الْملك بالبشر وَأَعَادَهُ إِلَى بَغْدَاد مكرما فَعَاد وَخرج إِلَيْهِ عَسْكَر الْخَلِيفَة مستلقين
ثمَّ لما عزل المقتدى بِاللَّه عميد الدولة أَبَا مَنْصُور ابْن جهير من وزارته ولاها ظهير الدّين أَبَا شُجَاع وخلع عَلَيْهِ فِي النّصْف من شعْبَان سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وتوالت السَّعَادَة فِي وزارته وَمَا زَالَ يتَقَدَّم فِي كل يَوْم تقدما لم يكن لغيره وَصَارَ الْأَمر أمره والمقبول من ارْتَضَاهُ والمدفوع من أَبَاهُ وَعظم الْحق وانتشر الْعدْل
وَكَانَ لَا يخرج من بَيته حَتَّى يقْرَأ شَيْئا من الْقُرْآن وَيُصلي
وَكَانَ يُصَلِّي الظّهْر وَيجْلس للمظالم إِلَى وَقت الْعَصْر وحجابه تنادي أَيْن أَصْحَاب الْحَوَائِج
стр. 1298
قَالَ النقلَة فَلم يطْمع فِي أَيَّامه طامع وَلم يحدث نَفسه بالظلم ظَالِم
وَكَانَ من سعادته أَن قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي ذَاك الرجل الْعَالم الصَّالح هُوَ القَاضِي فِي أَيَّامه فانتظم أَمر بَغْدَاد كَمَا يَنْبَغِي
واستدعى يَوْمًا بعض كبار الْأُمَرَاء بالنواحي فَجَاءَهُ فِي خَمْسمِائَة فَارس من الْأُمَرَاء والسلارية فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِن بعض أعوانك أَخذ عِمَامَة رجل
فَقَالَ يَا مَوْلَانَا إِنَّك تتعمد الغض مني وَالنَّقْص من محلي وَهَذَا مِمَّا يسْأَل عَنهُ من استنبته فِي الشرطة من أَصْحَابِي والمستخدمون على أبوابي
فَقَالَ لَهُ الْوَزير وَإِذا سَأَلَك الله تَعَالَى فِي الْموقف الَّذِي يَسْأَلك فِيهِ عَن اللَّفْظَة واللحظة ومثقال الذّرة يكون هَذَا جوابك
فَخرج ذَلِك الْملك واستبحث عَن الْعِمَامَة حَتَّى عَادَتْ
وأخباره فِي ذَلِك ونظائره مَشْهُورَة كَثِيرَة
ثمَّ لَاحَ لَهُ توفيق إلهي فحاسب نَفسه على زَكَاة مَاله وَعلم أَنه أخل بأدائها فِيمَا تقدم واحتاط بِأَن أخرجهَا عَن وَالِده سِنِين كَثِيرَة
ورأوه عدَّة أَيَّام خَالِيا يكْتب ويحسب فأشفق عَلَيْهِ بعض الأصدقاء وأرجف بِهِ الْأَعْدَاء وَقَالُوا خولط وَلَحِقتهُ السَّوْدَاء
وَأما مَا كَانَ يَفْعَله من صنائع الْبر والتنوع فِي صلَة الْمَعْرُوف فعجيب كثير
وَحكي أَنه استدعى بعض أخصائه فِي يَوْم بَارِد وَعرض عَلَيْهِ رقْعَة من بعض
стр. 1299
الصَّالِحين يذكر فِيهَا أَن فِي الدَّار الْفُلَانِيَّة امْرَأَة مَعهَا أَرْبَعَة أَطْفَال أَيْتَام وهم عُرَاة جِيَاع
فَقَالَ لَهُ امْضِ الْآن وابتع لَهُم جَمِيع مَا يصلح لَهُم
ثمَّ خلع أثوابه وَقَالَ وَالله لَا لبستها وَلَا أكلت حَتَّى تعود وتخبرني أَنَّك كسوتهم وأشبعتهم
وَبَقِي يرعد بالبرد إِلَى حَيْثُ قضى الْأَمر وَعَاد إِلَيْهِ وَأخْبرهُ
وَقَالَ بعض من كَانَ يتَوَلَّى صدقاته إِنَّه حسب مَا انْصَرف على يَده من صلَاته فَاشْتَمَلَ على مائَة ألف دِينَار وَعشْرين ألف دِينَار
قَالَ وَكنت وَاحِدًا من عشرَة يتولون صدقاته
ثمَّ إِن السُّلْطَان ملكشاه سَأَلَ الْخَلِيفَة فِي عزلة فَعَزله فِي ربيع الأول سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَأَنْشد أَبُو شُجَاع فِي حَال انْصِرَافه
(تولاها وَلَيْسَ لَهُ عَدو ... وفارقها وَلَيْسَ لَهُ صديق)
وَخرج إِلَى الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة وأمالت الْعَامَّة عَلَيْهِ تصافحه وَتَدْعُو لَهُ
وَأقَام فِي دَاره مكرما مُحْتَرما وَبنى على بَابهَا مَسْجِدا
وَاسْتمرّ إِلَى أَن أذن لَهُ الْخَلِيفَة فِي الْحَج فِي موسم سنة أَربع وَثَمَانِينَ فَلَمَّا عَاد مَعَ الحجيج فِي سنة خمس تَلقاهُ من أَصْحَاب السُّلْطَان من مَنعه من دُخُول الْعرَاق وَسَار بِهِ إِلَى روذراور فَأَقَامَ بهَا إِلَى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتوجه مِنْهَا إِلَى الْحَج وَدخل بعد وَفَاة الْمُقْتَدِي وَالسُّلْطَان ملكشاه ونظام الْملك فَأَقَامَ بِمَدِينَة النَّبِي ﷺ وأضرب عَن الْعِزّ والجاه والأهل والوطن
стр. 1300
وَمَات أحد خدام رَوْضَة الْمُصْطَفى ﷺ وَكَانَ يكنس الْمَسْجِد ويفرش الْحصْر ويشعل المصابيح
وَكتب إِلَى وَلَده أبي مَنْصُور بِأَن يقف عَنهُ مدرسة على أَصْحَاب الشَّافِعِي
وَكَانَ رجلا فَاضلا أديبا لَهُ شعر كثير حسن وَقد كتب إِلَيْهِ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي الصَّقْر الوَاسِطِيّ يلْتَمس شعره لينْظر فِيهِ بقصيدة يَقُول فِيهَا
(يَا ماجدا لَو رمت مدح سواهُ لم ... أقدر على بَيت وَلَا مصراع)
(اُمْنُنْ عَليّ بشعرك الدّرّ الَّذِي ... شعر الرضى لَهُ من الأتباع)
فَأَجَابَهُ
(لَو كنت أرْضى مَا جمعت شتيته ... مَا صنت معرضه عَن الأسماع)
(لَكِن شعري شبه شوهاء اتقت ... عيابها فتسترت بقناع)
توفّي فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بِالبَقِيعِ عِنْد قبر إِبْرَاهِيم بن سيدنَا مُحَمَّد ﷺ
٣٢٠ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن الْقَاسِم بن مَالك القَاضِي أَبُو عمر البسطامي
وبسطام بِفَتْح الْبَاء
قَاضِي نيسابور
стр. 1301
كَانَ أحد الْأَئِمَّة من أَصْحَابنَا والرفعاء من عُلَمَائهمْ
قدم بَغْدَاد فِي حَيَاة الشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرايني وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد يجله ويعظمه
وَكَانَ القَاضِي أَبُو عمر نَظِير أبي الطّيب الصعلوكي حشمة وجاها وعلما فصاهره أَبُو الطّيب وَجَاء من بَينهمَا فضلاء أَئِمَّة
سمع القَاضِي أَبُو عمر الحَدِيث بالعراق والأهواز وأصبهان وسجستان
وأملى وَحدث عَن أبي الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَأحمد بن عبد الرَّحْمَن بن الْجَارُود الرقي وَأبي بكر الْقطيعِي وَعلي بن حَمَّاد الْأَهْوَازِي وَأحمد بن مَحْمُود بن خرزاذ القَاضِي وَأبي مُحَمَّد بن ماسي وَغَيرهم
روى عَنهُ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مَعَ تقدمه وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبيد الله الصرام وسُفْيَان وَمُحَمّد ابْنا الْحُسَيْن بن فتحويه ويوسف الهمذاني وَغَيرهم
ذكره الْحَاكِم فِي التَّارِيخ فَقَالَ الْفَقِيه الْمُتَكَلّم البارع الْوَاعِظ
ثمَّ قَالَ وَورد لَهُ الْعَهْد بِقَضَاء نيسابور وقرىء علينا الْعَهْد غَدَاة الْخَمِيس ثَالِث ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
وأجلس فِي مجْلِس الْقَضَاء فِي مَسْجِد رجا فِي تِلْكَ السَّاعَة وَأظْهر أهل الحَدِيث
стр. 1302
من الْفَرح والاستبشار والنثار مَا يطول شَرحه وكتبنا بِالدُّعَاءِ وَالشُّكْر إِلَى السُّلْطَان أيده الله وَإِلَى أوليائه
وَذكره أَبُو عَليّ الْحسن بن نصر بن كاكا المرندي فَقَالَ كَانَ مُنْفَردا بلطائف السِّيَادَة مُعْتَمدًا لمواقف الْوِفَادَة سفر بَين السُّلْطَان الْمُعظم ومجلس الْخلَافَة أَيَّام الْقَادِر بِاللَّه فأفتن أهل بَغْدَاد بِلِسَانِهِ وإحسانه وبزهم فِي إِيرَاده وإصداره بِصِحَّة إتقانه
ونكت فِي ذَلِك المشهد النَّبَوِيّ والمحفل الإمامي أَشْيَاء أعجب بهَا كفاته وَسلم الْفضل لَهُ فِيهَا حماته وَقَالُوا مثله فَلْيَكُن نَائِبا عَن ذَلِك السُّلْطَان الْمُؤَيد بالتوفيق والنصرة وافدا على مثل هَذِه الحضرة حَتَّى صدر وحقائبه مَمْلُوءَة من أَصْنَاف الْإِكْرَام وسهامه فائزة بأقصى المرام ثمَّ كَانَ شَافِعِيّ الْعلم شريحي الحكم سحباني الْبَيَان سحار اللِّسَان
وَذكر الْخَطِيب أَن أَبَا صَالح الْمُؤَذّن وَأَبا بكر مُحَمَّد بن يحيى بن إِبْرَاهِيم النَّيْسَابُورِي أخبراه أَن القَاضِي أَبَا عمر توفّي بنيسابور سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة
وَقَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي إِنَّه توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة
وَقَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي إِنَّه توفى. سنة ثَمَان واربعمائة وأعقب الْمُوفق والمؤيد وَلدين إمامين
стр. 1303
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْقيم سَمَاعا عَلَيْهِ أَن أَبَا الْحسن بن البُخَارِيّ أخبرهُ عَن عبد الْوَاحِد بن أبي المطهر الصيدلاني أخبرنَا أَبُو سعيد بن أبي صَالح الْحَافِظ الْمُؤَذّن أخبرنَا السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم قدم علينا من هراة سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة أخبرنَا القَاضِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد البسطامي أخبرنَا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن الْجَارُود الرقي بعسكر مكرم حَدثنَا يزِيد بن سِنَان الْبَصْرِيّ بِمصْر حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان حَدثنَا يحيى بن الْعَلَاء عَن طَلْحَة الْعقيلِيّ عَن الْحسن ابْن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (نعم الْمِفْتَاح الْهَدِيَّة أَمَام الْحَاجة)
لم يرو هَذَا الحَدِيث من حَدِيث الْحسن ﵁ فِي شَيْء من الْكتب السِّتَّة
٣٢١ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى الْأَزْدِيّ
أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ جدا لِأَنَّهُ سبط أبي عَمْرو إِسْمَاعِيل بن نجيد السّلمِيّ
النَّيْسَابُورِي بَلَدا
كَانَ شيخ الصُّوفِيَّة وعالمهم بخراسان
لَهُ الْيَد الطُّولى فِي التَّصَرُّف وَالْعلم الغزير وَالسير على سنَن السّلف
سمع من أبي الْعَبَّاس الْأَصَم وَأحمد بن عَليّ بن حسنويه المقرىء وَأحمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس وَمُحَمّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ صَاحب ابْن وارة وَأبي ظهير عبد الله بن فَارس الْعمريّ الْبَلْخِي وَمُحَمّد بن المؤمل الماسرجسي والحافظ أبي عَليّ الْحُسَيْن
стр. 1304
ابْن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي وَسَعِيد بن الْقَاسِم البردعي وَأحمد بن مُحَمَّد بن رُمَيْح النسوي وجده أبي عَمْرو
روى عَنهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَأَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو سعيد ابْن رامش وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الْمُزَكي وَأَبُو صَالح الْمُؤَذّن وَأَبُو بكر ابْن خلف وعَلى بن أَحْمد الْمَدِينِيّ الْمُؤَذّن وَالقَاسِم بن الْفضل الثَّقَفِيّ وَخلق سواهُم
وَقع لنا الْكثير من حَدِيثه بعلو
وَاخْتلف فِي مولده فَالْمَشْهُور أَنه فِي رَمَضَان سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَقيل بل سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة
ذكره الْحَافِظ عبد الغافر فِي السِّيَاق فَقَالَ شيخ الطَّرِيقَة فِي وقته الْمُوفق فِي جَمِيع عُلُوم الْحَقَائِق وَمَعْرِفَة طَرِيق التصوف وَصَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة العجيبة فِي علم الْقَوْم وَقد ورث التصوف عَن أَبِيه وجده وَجمع من الْكتب مَا لم يسْبق إِلَى ترتيبه حَتَّى بلغ فهرست تصانيفه الْمِائَة وَأكْثر
وَحدث أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة إملاء وَقِرَاءَة
وَكتب الحَدِيث بنيسابور ومرو وَالْعراق والحجاز
وانتخب عَلَيْهِ الْحفاظ الْكِبَار
توفّي فِي شعْبَان سنة اثنتى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة
وَمن القَوْل فِيهِ لَهُ وَعَلِيهِ
قَالَ الْخَطِيب قَالَ لي مُحَمَّد بن يُوسُف النَّيْسَابُورِي الْقطَّان كَانَ السّلمِيّ غير ثِقَة وَكَانَ يضع للصوفية
стр. 1305
قَالَ الْخَطِيب قدر أبي عبد الرَّحْمَن عِنْد أهل بَلَده جليل وَكَانَ مَعَ ذَلِك مَحْمُودًا صَاحب حَدِيث
قلت قَول الْخَطِيب فِيهِ هُوَ الصَّحِيح وَأَبُو عبد الرَّحْمَن ثِقَة وَلَا عِبْرَة بِهَذَا الْكَلَام فِيهِ
قَالَ الْخَطِيب وَأخْبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قَالَ كنت بَين يَدي أبي على الدقاق فَجرى حَدِيث أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَنه يقوم فِي السماع مُوَافقَة للْفُقَرَاء فَقَالَ أَبُو عَليّ مثله فِي حَاله لَعَلَّ السّكُون أولى بِهِ امْضِ إِلَيْهِ فستجده قَاعِدا فِي بَيت كتبه وعَلى وَجه الْكتب مجلدة صَغِيرَة مربعة فِيهَا أشعار الْحُسَيْن بن مَنْصُور فهاتها وَلَا تقل لَهُ شَيْئا
قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ فِي بَيت كتبه والمجلدة بِحَيْثُ ذكر أَبُو عَليّ فَلَمَّا قعدت أَخذ فِي الحَدِيث وَقَالَ كَانَ بعض النَّاس يُنكر على وَاحِد من الْعلمَاء حركته فِي السماع فرئى ذَلِك الْإِنْسَان يَوْمًا خَالِيا فِي بَيت وَهُوَ يَدُور كالمتواجد فَسئلَ عَن حَاله فَقَالَ كَانَت مَسْأَلَة مشكلة عَليّ فَتبين لي مَعْنَاهَا فَلم أتمالك من السرُور حَتَّى قُمْت أدور فَقل لَهُ مثل هَذَا يكون حَالهم
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك مِنْهُمَا تحيرت كَيفَ أفعل بَينهمَا فَقلت لَا وَجه إِلَّا الصدْق فَقلت إِن أَبَا عَليّ وصف هَذِه المجلدة وَقَالَ احملها إِلَيّ من غير أَن يعلم الشَّيْخ وَأَنا أخافك وَلَيْسَ يمكنني مُخَالفَته فأيش تَأمر
стр. 1306
فَأخْرج أَجزَاء من كَلَام الْحُسَيْن بن مَنْصُور وفيهَا تصنيف لَهُ سَمَّاهُ الصيهور فِي نقض الدهور وَقَالَ احْمِلْ هَذِه إِلَيْهِ
قلت الَّذِي أفهمهُ من هَذِه الْحِكَايَة أَن أَبَا عبد الرَّحْمَن يَقُول جَوَابا لأبي عَليّ عَن قَوْله إِن مثله فِي حَاله لَعَلَّ السّكُون أولى بِهِ مَا حَاصله أَن الْحَرَكَة لم ينشئها السماع وأنى لست بِحَيْثُ يَأْخُذ مني السماع وَلَكِن يعرض لي أَمر لَا مدْخل للسماع فِيهِ فَيحصل مَعَه من السرُور مَا يتعقبه بالحركة من غير تمالك وَلَا اخْتِيَار وَلَيْسَ للسماع هُنَاكَ أثر لِأَن مثله يتَّفق للْإنْسَان وَهُوَ خَال فِي بَيت مُفْرد ثمَّ يُوجد متواجدا لذَلِك فَمثل هَذَا حَالي وَلَيْسَ كَمَا توهم فِي أَن السماع يَأْخُذ مني فَإِن حَالي كَمَا ذكر أَبُو عَليّ أرفع
وَأما إرْسَاله كتاب الصيهور فِي نقض الدهور فَلَعَلَّ فِيهِ إِشَارَة خُفْيَة بَين الشَّيْخَيْنِ لم أفهمها وَلم يكن وَالله أعلم أَبُو عبد الرَّحْمَن وَإِن أَبَاحَ السماع بِحَيْثُ يتأثر بِهِ
وَقد أنكر بِقَلْبِه على أستاذه أبي سهل فِيمَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن يَقُول خرجت إِلَى مرو يَعْنِي من نيسابور فِي حَيَاة الْأُسْتَاذ أبي سهل الصعلوكي وَكَانَ لَهُ قبل خروجي أَيَّام الْجُمُعَة بالغدوات مجْلِس دور الْقُرْآن يخْتم بِهِ فَوَجَدته عِنْد رجوعي قد رفع ذَلِك الْمجْلس وَعقد لِابْنِ العقابي
стр. 1307
فِي ذَلِك الْوَقْت مجْلِس القَوْل فداخلني من ذَلِك شَيْء وَكنت أَقُول فِي نَفسِي قد استبدل مجْلِس الْخَتْم بِمَجْلِس القَوْل فَقَالَ لي يَوْمًا أيش يَقُول النَّاس فِي قلت يَقُولُونَ رفع مجْلِس الْقُرْآن وَوضع مجْلِس القَوْل
فَقَالَ من قَالَ لأستاذه لم لَا يفلح أبدا
وَقَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ كَانَ يَعْنِي السّلمِيّ وافر الْجَلالَة لَهُ أَمْلَاك ورثهَا من أمه وورثتها هِيَ من أَبِيهَا وتصانيفه يُقَال إِنَّهَا ألف جُزْء وَله كتاب سَمَّاهُ حقائق التَّفْسِير ليته لم يصنفه فَإِنَّهُ تَحْرِيف وقرمطة فدونك الْكتاب فسترى الْعجب
انْتهى
قلت لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يصف بالجلالة من يَدعِي فِيهِ التحريف والقرمطة وَكتاب حقائق التَّفْسِير الْمشَار إِلَيْهِ قد كثر الْكَلَام فِيهِ من قبل أَنه اقْتصر فِيهِ على ذكر تأويلات ومحال للصوفية ينبو عَنْهَا ظَاهر اللَّفْظ
٣٢٢ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أبي أَيُّوب الْأُسْتَاذ حجَّة الدّين أَبُو مَنْصُور الْمُتَكَلّم
تلميذ ابْن فورك وَخَتنه
وَهُوَ صَاحب كتاب تَلْخِيص الدَّلَائِل
توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1308
٣٢٣ - مُحَمَّد بن دَاوُد بن مُحَمَّد الدَّاودِيّ
أَبُو بكر شَارِح مُخْتَصر الْمُزنِيّ
وَهُوَ الصيدلاني تلميذ الإِمَام أبي بكر الْقفال الْمروزِي
كَذَا تحققناه بعد أَن كُنَّا شاكين فِيهِ
قَالَ ابْن الرّفْعَة أَكثر النَّقْل عَنهُ فِي الْمطلب وتوهمه غير الصيدلاني
وَقَالَ فِي كَلَامه على دِيَة الْجَنِين ابْن دَاوُد مُتَقَدم على الْقفال الْمروزِي
ونقلت أَنا ذَلِك عَنهُ فِي الطَّبَقَات الْوُسْطَى وَالصُّغْرَى
ثمَّ رَأَيْت فِي الْأَنْسَاب لِابْنِ السَّمْعَانِيّ فِي تَرْجَمَة الدَّاودِيّ مَا نَصه وَأَبُو المظفر سُلَيْمَان بن دَاوُد بن مُحَمَّد بن دَاوُد الصيدلاني الْمَعْرُوف بالداودي نِسْبَة إِلَى جده
стр. 1309
الْأَعْلَى وَهُوَ نَافِلَة الإِمَام أبي بكر الصيدلاني صَاحب أبي بكر الْقفال انْتهى
ثمَّ وقفت على مجلدين من شَرحه للمزني وَفِي أَوله اسْمه أَبُو بكر مُحَمَّد بن دَاوُد الْمروزِي الْمَعْرُوف بالصيدلاني
ثمَّ وَقع لي فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة ربع الْجِنَايَات من شَرحه وَقد كتبه كَاتبه فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ إِنَّه طَريقَة الشَّيْخ أبي بكر الْقفال الْمروزِي الَّتِي حررها الشَّيْخ أَبُو بكر بن دَاوُد الدَّاودِيّ الصيدلاني
فتحققت بِهَذَا أَن الدَّاودِيّ هُوَ الصيدلاني وَهُوَ الَّذِي علق على الْمُزنِيّ شرحا مُسَمّى عِنْد الخراسانيين بطريقة الصيدلاني لِأَنَّهُ علقه على طَريقَة الْقفال الَّتِي كَانَ يسْمعهَا عَنهُ مَعَ زيادات يذكرهَا من قبله وصرت على قطع من ذَلِك وَللَّه الْحَمد
٣٢٤ - مُحَمَّد بن زُهَيْر بن أخطل
أَبُو بكر النَّسَائِيّ إِمَام نسا وخطيبها
стр. 1310
٣٢٥ - مُحَمَّد بن سَلامَة بن جَعْفَر بن عَليّ القَاضِي أَبُو عبد الله الْقُضَاعِي
الْفَقِيه
قَاضِي مصر
مُصَنف كتاب الشهَاب سمع أَبَا مُسلم مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب وَأحمد بن ثرثال وَأَبا الْحسن بن جَهْضَم وَأَبا مُحَمَّد بن النّحاس وَآخَرين
روى عَنهُ الْحميدِي وأبوعبد الْجَلِيل الساوي وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن بَرَكَات السعيدي وَسَهل بن بشر الإسفرايني وَأَبُو عبد الله الرَّازِيّ فِي مشيخته والخطيب وَابْن مَاكُولَا وَآخَرُونَ
قَالَ الْأَمِير ابْن مَاكُولَا كَانَ متفننا فِي عدَّة عُلُوم وَلم أر فِي مصر من يجْرِي مجْرَاه
стр. 1311
وَقَالَ السلَفِي كَانَ من الثِّقَات الْأَثْبَات شَافِعِيّ الْمَذْهَب والاعتقاد مرضِي الْجُمْلَة
قلت وَقد ذهب إِلَى الرّوم رَسُولا وَمن عَجِيب مَا اتّفق لَهُ أَنه لَقِي شَيخا بِمَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَسمع مِنْهُ بهَا ثمَّ حدث عَنهُ
٣٢٦ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى البسطامي الرزجاهي
ورزجاه بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة كَذَا ذكر أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَقيل بضَمهَا ثمَّ سُكُون الزَّاي ثمَّ جِيم وَفِي آخرهَا هَاء قَرْيَة من قرى بسطَام
كَانَ فَقِيها أديبا مُحدثا
تفقه على الْأُسْتَاذ أبي سهل الصعلوكي وَسمع أَبَا بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبا أَحْمد بن عدي الجرجانيين وَأَبا أَحْمد الْحَاكِم الْحفاظ وَأَبا أَحْمد الغطريفي وَأَبا عَليّ بن الْمُغيرَة
стр. 1312
روى عَنهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو عبد الله الثَّقَفِيّ وَأَبُو سعيد بن أبي صَادِق وَأَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد الفقاعي وَآخَرُونَ
مولده سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة
وَكَانَ يجلس لإسماع الحَدِيث وَالْأَدب وَله حَلقَة
وانتقل فِي آخر عمره إِلَى بسطَام وَمَات بهَا فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
٣٢٧ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد
القَاضِي أَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ
ولي الْقَضَاء بِربع الكرخ من بَغْدَاد
وَحدث بِيَسِير عَن أبي بكر ابْن مَالك الْقطيعِي وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد العسكري
قَالَ الْخَطِيب كتبت عَنهُ وَكَانَ ثِقَة صَدُوقًا دينا سديدا
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق تفقه على الداركي وَحَضَرت مَجْلِسه وعلقت عَنهُ وَكَانَ ورعا حَافِظًا للْمَذْهَب وَالْخلاف موفقا فِي الْفَتَاوَى
انْتهى
стр. 1313
مَاتَ فَجْأَة فِي لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشر رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب
قَالَ ابْن الصّلاح أَظُنهُ من بَيْضَاء فَارس
قَالَ ابْن الصّلاح أَيْضا قَرَأت بِخَط القَاضِي أبي مَنْصُور بن الصّباغ فِي كِتَابه كتاب الْإِشْعَار بِمَعْرِِفَة اخْتِلَاف عُلَمَاء الْأَمْصَار وَإِذا رأى فِي ثَوْبه نَجَاسَة ثمَّ خفيت عَلَيْهِ فِيمَا يغلب عَلَيْهِ ظَنِّي أَنِّي سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله الدَّامغَانِي أَو وجدته فِي كِتَابه أَنه استفتي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي زمَان أبي عبد الله الْبَيْضَاوِيّ وَأَن جمَاعَة فُقَهَاء الْوَقْت أفتوا بِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ غسل جَمِيعه إِلَّا الْبَيْضَاوِيّ فَإِنَّهُ أفتى بِأَنَّهُ يجب غسل مَا رَآهُ فِي الثَّوْب فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ
قَالَ ابْن الصّلاح وَهَذَا فِيهِ غموض وكشفه أَن النَّجَاسَة لم تحقق إِلَّا فِيمَا رأى فالاشتباه لَا يتعداه فَلَا يتعداه الْغسْل إِلَى مَا لم يره وَهَذَا الْخلاف خلاف مَا يُقَال إِذا أصَاب الثَّوْب نَجَاسَة وخفي موضعهَا غسله كُله
قلت هَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ خلافًا لما أفتوا بِهِ فَإِنَّهُ لَو عرض عَلَيْهِم لقبلوه وَإِنَّمَا الذِّهْن السَّرِيع الْإِدْرَاك يُبَادر إِلَيْهِ فَهُوَ دَلِيل على حسن بديهة الْبَيْضَاوِيّ واتقاد ذهنه
وَمثل هَذَا مَا وَقع فِي عصرنا وَردت عَليّ فتيا صورتهَا رجل وقف على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَابْن ابْنه فَقير فَهَل يدْفع إِلَيْهِ من مَال الْوَقْف وَيكون أَحَق من الْأَجَانِب فَكتبت الْأَفْضَل الدّفع إِلَيْهِ
ووافقني جمَاعَة من الْمُفْتِينَ ثمَّ حضرت وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى وَقد وَردت عَلَيْهِ الْفتيا مشحونة بخطوط الْمُفْتِينَ فَكتب تَحْتهم
стр. 1314
فِي الْوَقْت الْحَاضِر الْأَجْوِبَة الْمَذْكُورَة صَحِيحَة بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن لَا يكون الْوَقْف فِي مرض الْمَوْت وَيكون ابْن ابْنه وَارِثا فَمَتَى كَانَ كَذَلِك لَا يصرف إِلَيْهِ شَيْء وَالثَّانِي أَن يحصل الصّرْف إِلَى خَمْسَة سواهُ اثْنَيْنِ من الْفُقَرَاء وَثَلَاثَة من الْمَسَاكِين ليحصل حَقِيقَة الْجمع الَّتِي دلّ عَلَيْهَا لفظ الْفُقَرَاء وَلَفظ الْمَسَاكِين فَإِذا اجْتمع هَذَانِ الشرطان كَانَ الْأَفْضَل الصّرْف إِلَيْهِ
٣٢٨ - مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن الإِمَام أَبُو الْحُسَيْن بن اللبان
الفرضي الْفَقِيه
إِمَام عصره فِي الْفَرَائِض وَقِسْمَة التركات
وَله فِي ذَلِك التصانيف الْمَشْهُورَة
سمع أَبَا الْعَبَّاس الْأَثْرَم وَالْحسن بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْفَسَوِي وَأَبا بكر بن داسة وَغَيرهم
وَحدث بِبَغْدَاد
سمع مِنْهُ القَاضِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن بكر الطَّبَرِيّ سنَن أبي دَاوُد سَمَاعه من ابْن داسة
عَن أبي دَاوُد
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ ابْن اللبان إِمَامًا فِي الْفِقْه والفرائض صنف فِيهَا كتبا كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا وَعنهُ أَخذ النَّاس
стр. 1315
مِمَّن أَخذ عَنهُ أَبُو أَحْمد بن أبي مُسلم الفرضي وَأَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن يحيى الكازروني الَّذِي لم يكن فِي زَمَانه أفرض مِنْهُ وَلَا أَحسب
انْتهى
وَقَالَ الْخَطِيب انْتهى إِلَيْهِ علم الْفَرَائِض
وَرُوِيَ أَنه كَانَ يَقُول لَيْسَ فِي الدُّنْيَا فَرضِي إِلَّا من أَصْحَابِي أَو أَصْحَاب أَصْحَابِي أَو لَا يحسن شَيْئا
٣٢٩ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن نعيم بن الحكم الضَّبِّيّ الطهماني النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحَاكِم الْمَعْرُوف بِابْن البيع
صَاحب التصانيف فِي عُلُوم الحَدِيث مِنْهَا تَارِيخ نيسابور وَهُوَ عِنْدِي أَعُود التواريخ على الْفُقَهَاء بفائدة وَمن نظره عرف تفنن الرجل فِي الْعُلُوم جَمِيعهَا وَله
стр. 1316
الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ وعلوم الحَدِيث وَكتاب مزكى الْأَخْبَار وَكتاب الإكليل وَكتاب فَضَائِل الشَّافِعِي وَغير ذَلِك
كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا وحافظا حفيلا اتّفق على إِمَامَته وجلالته وَعظم قدره
ولد صَبِيحَة الثَّالِث من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة
وَطلب الْعلم من الصغر باعتناء وَالِده وخاله
فَأول سَمَاعه سنة ثَلَاثِينَ
واستملى على أبي حَاتِم بن حبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ
ورحل من نيسابور إِلَى الْعرَاق سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بعد موت إِسْمَاعِيل الصفار بأشهر وَحج وجال فِي بِلَاد خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَأكْثر
وشيوخه الَّذين سمع مِنْهُم بنيسابور وَحدهَا نَحْو ألف شيخ وَسمع بغَيْرهَا من نَحْو ألف شيخ أَيْضا
روى عَن مُحَمَّد بن عَليّ الْمُذكر وَمُحَمّد بن يَعْقُوب الْأَصَم وَمُحَمّد بن يَعْقُوب بن الأخرم وَمُحَمّد بن عبد الله بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ الصفار نزيل نيسابور وَأبي حَامِد بن حسنويه المقرىء وَأبي بكر بن إِسْحَاق الصبغي الْفَقِيه وَأبي النَّصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن
стр. 1317
يُوسُف الْفَقِيه وَأبي عَمْرو عُثْمَان بن السماك وَأبي بكر النجار وَأبي عَليّ النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ وَبِه تخرج وَأبي الْوَلِيد الْفَقِيه وَعبد الْبَاقِي بن قَانِع الْحَافِظ وَخلق
وَكتب عَن غير وَاحِد أَصْغَر مِنْهُ سنا وسندا
روى عَنهُ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ من شُيُوخه وَأَبُو الْفَتْح بن أبي الفوارس وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ والأستاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو صَالح الْمُؤَذّن وَجَمَاعَة آخِرهم أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن خلف الشِّيرَازِيّ
وانتخب على خلق كثير
وتفقه على أبي عَليّ بن أبي هُرَيْرَة وَأبي سهل الصعلوكي وَأبي الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي
وَصَحب فِي التصوف أَبَا عمر بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْخُلْدِيِّ وَأَبا عُثْمَان المغربي وَجَمَاعَة
ورحل إِلَيْهِ من الْبِلَاد لسعة علمه وَرِوَايَته واتفاق الْعلمَاء على أَنه من أعلم الْأَئِمَّة الَّذين حفظ الله بهم هَذَا الدّين
وَحدث عَنهُ فِي حَيَاته
وَكتب أَبُو عمر الطلمنكي عُلُوم الحَدِيث للْحَاكِم عَن شيخ لَهُ سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة بِسَمَاعِهِ من صَاحب الْحَاكِم عَن الْحَاكِم
كتب إِلَيّ أَحْمد بن أبي طَالب عَن جَعْفَر الْهَمدَانِي أخبرنَا أَبُو طَاهِر السلَفِي قَالَ سَمِعت إِسْمَاعِيل بن عبد الْجَبَّار القَاضِي بقزوين يَقُول سَمِعت الْخَلِيل بن عبد الله الْحَافِظ يَقُول فَذكر الْحَاكِم أَبَا عبد الله وعظمه وَقَالَ لَهُ رحلتان إِلَى الْعرَاق
стр. 1318
والحجاز الرحلة الثَّانِيَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وناظر الدَّارَقُطْنِيّ فرضيه وَهُوَ ثِقَة وَاسع الْعلم بلغت تصانيفه قَرِيبا من خَمْسمِائَة جُزْء
وَقَالَ أَبُو حَازِم عمر بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم العبدوي الْحَافِظ إِن الْحَاكِم أَبَا عبد الله قلد قَضَاء نسا سنة تسع وَخمسين فِي أَيَّام السامانية ووزارة الْعُتْبِي فَدخل الْخَلِيل بن أَحْمد السجْزِي القَاضِي على أبي جَعْفَر الْعُتْبِي فَقَالَ هَنأ الله الشَّيْخ فقد جهز إِلَى نسا ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث لرَسُول الله ﷺ
فتهلل وَجهه
قَالَ وقلد بعد ذَلِك قَضَاء جرجان فَامْتنعَ
قَالَ وَسمعت مشيختنا يَقُولُونَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن إِسْحَاق وَأَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي يرجعان إِلَى أبي عبد الله الْحَاكِم فِي السُّؤَال عَن الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَعلل الحَدِيث وَصَحِيحه وسقيمه
قَالَ وأقمت عِنْد الشَّيْخ أبي عبد الله العصمي قَرِيبا من ثَلَاث سِنِين وَلم أر فِي جملَة مَشَايِخنَا أتقى مِنْهُ وَلَا أَكثر تنقيرا فَكَانَ إِذا أشكل عَلَيْهِ شَيْء أَمرنِي أَن أكتب إِلَى الْحَاكِم أبي عبد الله وَإِذا ورد عَلَيْهِ جَوَابه حكم بِهِ وَقطع بقوله وانتخب على الْمَشَايِخ خمسين سنة
وَحكى القَاضِي أَبُو بكر الْحِيرِي أَن شَيخا من الصَّالِحين حكى أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم قَالَ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله بَلغنِي أَنَّك قلت ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل وَإِنِّي سَأَلت الْحَاكِم أَبَا عبد الله عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ هَذَا كذب وَلم يقلهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (صدق أَبُو عبد الله)
قَالَ أَبُو حَازِم أول من اشْتهر بِحِفْظ الحَدِيث وَعلله بنيسابور بعد الإِمَام مُسلم
стр. 1319
ابْن الْحجَّاج إِبْرَاهِيم بن أبي طَالب وَكَانَ يُقَابله النَّسَائِيّ وجعفر الْفرْيَابِيّ ثمَّ أَبُو حَامِد بن الشَّرْقِي وَكَانَ يُقَابله أَبُو بكر بن زِيَاد النَّيْسَابُورِي وَأَبُو الْعَبَّاس بن سعد ثمَّ أَبُو عَليّ الْحَافِظ وَكَانَ يُقَابله أَبُو أَحْمد الْعَسَّال وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة ثمَّ الشَّيْخَانِ أَبُو الْحُسَيْن الْحجَّاج وَأَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَكَانَ يقابلهما فِي عصرهما ابْن عدي وَابْن المظفر وَالدَّارَقُطْنِيّ
وَتفرد الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي عصرنا من غير أَن يُقَابله أحد بالحجاز وَالشَّام والعراقين وَالْجِبَال والري وطبرستان وقومس وخراسان بأسرها وَمَا وَرَاء النَّهر
هَذَا بعض كَلَام أبي حَازِم ذكره فِي حَيَاة الْحَاكِم وَقَالَ فِي آخِره جعلنَا الله لهَذِهِ النِّعْمَة من الشَّاكِرِينَ
وَذكر أَنه سَمعه يَقُول شربت مَاء زَمْزَم وَسَأَلت الله أَن يَرْزُقنِي حسن التصنيف
وَقَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي إِن الْحَاكِم اخْتصَّ بِصُحْبَة إِمَام وقته أبي بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الصبغي وَإنَّهُ كَانَ يُرَاجِعهُ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل والعلل وَأَنه أوصى إِلَيْهِ فِي أُمُور مدرسته دَار السّنة وفوض إِلَيْهِ تَوْلِيَة أوقافه فِي ذَلِك
وَسمعت مَشَايِخنَا يذكرُونَ أَيَّامه ويحكون أَن مقدمي عصره مثل الإِمَام أبي سهل الصعلوكي وَالْإِمَام ابْن فورك وَسَائِر الْأَئِمَّة يقدمونه على أنفسهم ويراعون حق فَضله ويوفون لَهُ الْحُرْمَة الأكيدة بِسَبَب تفرده بحفظه ومعرفته
وَكَانَ إِذا حضر مجْلِس سَماع محتو على مَشَايِخ وصدور يؤنسهم بمحاضرته ويطيب أوقاتهم بحكاياته بِحَيْثُ يظْهر صفاء كَلَامه على الْحَاضِرين فيأنسون بِحُضُورِهِ
قَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْحَافِظ سَأَلت سَعْدا الزنجاني الْحَافِظ بِمَكَّة قلت لَهُ أَرْبَعَة من الْحفاظ تعاصروا أَيهمْ أحفظ فَقَالَ من
стр. 1320
قلت الدَّارَقُطْنِيّ بِبَغْدَاد وَعبد الْغَنِيّ بِمصْر وَأَبُو عبد الله بن مندة بأصبهان وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم بنيسابور
فَسكت فألححت عَلَيْهِ فَقَالَ أما الدَّارَقُطْنِيّ فأعلمهم بالعلل وَأما عبد الْغَنِيّ فأعلمهم بالأنساب وَأما ابْن مندة فأكثرهم حَدِيثا مَعَ معرفَة تَامَّة وَأما الْحَاكِم فأحسنهم تصنيفا
وَحكي أَن أَبَا الْفضل الهمذاني الأديب لما ورد نيسابور وتعصبوا لَهُ ولقب بديع الزَّمَان أعجب بِنَفسِهِ إِذْ كَانَ يحفظ الْمِائَة بَيت إِذا أنشدت بَين يَدَيْهِ مرّة وينشدها من آخرهَا إِلَى أَولهَا مَقْلُوبَة فَأنْكر على النَّاس قَوْلهم فلَان الْحَافِظ فِي الحَدِيث ثمَّ قَالَ وَحفظ الحَدِيث مِمَّا يذكر
فَسمع بِهِ الْحَاكِم ابْن البيع فَوجه إِلَيْهِ بِجُزْء وأجله جُمُعَة فِي حفظه فَرد إِلَيْهِ الْجُزْء بعد الْجُمُعَة وَقَالَ من يحفظ هَذَا مُحَمَّد بن فلَان وجعفر بن فلَان عَن فلَان أسامي مُخْتَلفَة وألفاظ متباينة
فَقَالَ لَهُ الْحَاكِم فاعرف نَفسك وَاعْلَم أَن حفظ هَذَا أضيق مِمَّا أَنْت فِيهِ
قلت وَذكر الْحَاكِم فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ أَبى عَليّ النَّيْسَابُورِي قَالَ
تَذَاكرنَا يَوْمًا روى سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أنس فمررت أَنا فِي التَّرْجَمَة وَكَانَ بِحَضْرَة أبي عَليّ وَجَمَاعَة من الْمَشَايِخ إِلَى أَن ذكرت حَدِيث (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن) فَحمل بَعضهم عَليّ فَقَالَ أَبُو عَليّ لَهُ لَا تفعل فَمَا رَأَيْت أَنْت وَلَا نَحن فِي سنه مثله وَأَنا أَقُول إِذا رَأَيْته رَأَيْت ألف رجل من أَصْحَاب الحَدِيث
стр. 1321
وروى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَن الْحَاكِم أَبَا عبد الله دخل الْحمام واغتسل وَخرج وَقَالَ آه وَقبض روحه وَهُوَ متزر لم يلبس قَمِيصه بعد وَذَلِكَ فِي ثَالِث صفر سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة يَوْم الْأَرْبَعَاء
وَدفن بعد الْعَصْر وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر الْحِيرِي
وَقَالَ الْحسن بن أَشْعَث الْقرشِي رَأَيْت الْحَاكِم فِي الْمَنَام على فرس فِي هَيْئَة حَسَنَة وَهُوَ يَقُول النجَاة
فَقلت لَهُ أَيهَا الْحَاكِم فِيمَا ذَا
قَالَ فِي كتبة الحَدِيث
قلت كَذَا صَحَّ وَثبتت وَفَاته سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة وَوهم من قَالَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة ﵀
ذكر الْبَحْث عَمَّا رمي بِهِ الْحَاكِم من التَّشَيُّع وَمَا زَادَت أعداؤه ونقصت أوداؤه رَحمَه الله تَعَالَى والنصفة بَين الفئتين
أول مَا يَنْبَغِي لَك أَيهَا الْمنصف إِذا سَمِعت الطعْن فِي رجل أَن تبحث عَن خلطائه وَالَّذين عَنْهُم أَخذ مَا ينتحل وَعَن مرباه وسبيله ثمَّ تنظر كَلَام أهل بَلَده وعشيريته من معاصريه العارفين بِهِ بعد الْبَحْث عَن الصّديق مِنْهُم لَهُ والعدو الْخَالِي عَن الْميل إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَذَلِكَ قَلِيل فِي المتعاصرين المجتمعين فِي بلد
وَقد رمي هَذَا الإِمَام الْجَلِيل بالتشيع وَقيل إِنَّه يذهب إِلَى تَقْدِيم عَليّ من غير
стр. 1322
أَن يطعن فِي وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ فَنَظَرْنَا فَإِذا الرجل مُحدث لَا يخْتَلف فِي ذَلِك وَهَذِه العقيدة تبعد على مُحدث فَإِن التَّشَيُّع فيهم نَادِر وَإِن وجد فِي أَفْرَاد قليلين
ثمَّ نَظرنَا مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم الْعلم وَكَانَت لَهُ بهم خُصُوصِيَّة فوجدناهم من كبار أهل السّنة وَمن المتصلبة فِي عقيدة أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ كالشيخ أبي بكر بن إِسْحَاق الصبغي والأستاذ أبي بكر بن فورك والأستاذ أبي سهل الصعلوكي وأمثالهم وَهَؤُلَاء هم الَّذين كَانَ يجالسهم فِي الْبَحْث وَيتَكَلَّم مَعَهم فِي أصُول الديانَات وَمَا يجْرِي مجْراهَا
ثمَّ نَظرنَا تراجم أهل السّنة فِي تَارِيخه فوجدناه يعطيهم حَقهم من الإعظام وَالثنَاء مَعَ مَا ينتحلون وَإِذا شِئْت فَانْظُر تَرْجَمَة أبي سهل الصعلوكي وَأبي بكر بن إِسْحَاق وَغَيرهمَا من كِتَابه وَلَا يظْهر عَلَيْهِ شَيْء من الغمز على عقائدهم وَقد استقريت فَلم أجد مؤرخا ينتحل عقيدة ويخلو كِتَابه عَن الغمز مِمَّن يحيد عَنْهَا سنة الله فِي المؤرخين وعادته فِي النقلَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بحبله المتين
ثمَّ رَأينَا الْحَافِظ الثبت أَبَا الْقَاسِم بن عَسَاكِر أثْبته فِي عداد الْأَشْعَرِيين الَّذين يبدعون أهل التَّشَيُّع ويبرءون إِلَى الله مِنْهُم فَحصل لنا الريب فِيمَا رمي بِهِ هَذَا الرجل على الْجُمْلَة
ثمَّ نَظرنَا تفاصيله فَوَجَدنَا الطاعنين يذكرُونَ أَن مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي ذكر أَنه سَأَلَ أَبَا إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن الْحَاكِم أبي عبد الله فَقَالَ ثِقَة فِي الحَدِيث رَافِضِي خَبِيث وَأَن ابْن طَاهِر هَذَا قَالَ إِنَّه كَانَ شَدِيد التعصب للشيعة فِي الْبَاطِن وَكَانَ يظْهر التسنن فِي التَّقْدِيم والخلافة وَكَانَ منحرفا غاليا عَن مُعَاوِيَة وَأهل بَيته يتظاهر بِهِ وَلَا يتَعَذَّر مِنْهُ
стр. 1323
فَسمِعت أَبَا الْفَتْح ابْن سمكويه بهراة يَقُول سَمِعت عبد الْوَاحِد المليحي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ يَقُول دخلت على أبي عبد الله الْحَاكِم وَهُوَ فِي دَاره لَا يُمكنهُ الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد من أَصْحَاب أبي عبد الله بن كرام وَذَلِكَ أَنهم كسروا منبره ومنعوه من الْخُرُوج فَقلت لَهُ لَو خرجت وأمليت فِي فَضَائِل هَذَا الرجل حَدِيثا لاسترحت من هَذِه الْفِتْنَة
فَقَالَ لَا يَجِيء من قلبِي
يَعْنِي مُعَاوِيَة
وَأَنه قَالَ أَيْضا سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن السَّمرقَنْدِي يَقُول بَلغنِي أَن مُسْتَدْرك الْحَاكِم ذكر بَين يَدي الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ نعم يسْتَدرك عَلَيْهِمَا حَدِيث الطير
فَبلغ ذَلِك الْحَاكِم فَأخْرج الحَدِيث من الْكتاب
هَذَا مَا يذكرهُ الطاعنون وَقد استخرت الله كثيرا واستهديته التَّوْفِيق وَقطعت القَوْل بِأَن كَلَام أبي إِسْمَاعِيل وَابْن الطَّاهِر لَا يجوز قبُوله فِي حق هَذَا الإِمَام لما بَينهم من مُخَالفَة العقيدة وَمَا يرميان بِهِ من التجسيم أشهر مِمَّا يرْمى بِهِ الْحَاكِم من الرَّفْض وَلَا يغرنك قَول أبي إِسْمَاعِيل قبل الطعْن فِيهِ إِنَّه ثِقَة فِي الحَدِيث فَمثل هَذَا الثَّنَاء يقدمهُ من يُرِيد الإزراء بالكبار قبل الإزراء عَلَيْهِم ليوهم الْبَرَاءَة من الْغَرَض وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك
وَالْغَالِب على ظَنِّي أَن مَا عزي إِلَى أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ كذب عَلَيْهِ وَلم يبلغنَا أَن الْحَاكِم ينَال من مُعَاوِيَة وَلَا يظنّ ذَلِك فِيهِ وَغَايَة مَا قيل فِيهِ الإفراط فِي وَلَاء عَليّ كرم الله وَجهه ومقام الْحَاكِم عندنَا أجل من ذَلِك
وَأما ابْن كرام فَكَانَ دَاعِيَة إِلَى التجسيم لَا يُنكر أحد ذَلِك ثمَّ إِن هَذِه حِكَايَة لَا يحكيها إِلَّا هَذَا الَّذِي يُخَالف الْحَاكِم فِي المعتقد فَكيف يسع الْمَرْء بَين يَدي الله تَعَالَى
стр. 1324
أَن يقبل قَوْله فِيهَا أَو يعْتَمد على نَقله ثمَّ أَنى لَهُ اطلَاع على بَاطِن الْحَاكِم حَتَّى يقْضِي بِأَنَّهُ كَانَ يتعصب للشيعة بَاطِنا
وَأما مَا رَوَاهُ الروَاة عَن الدَّارَقُطْنِيّ إِن صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَرْمِي بِهِ الْحَاكِم بل غَايَته أَنه استقبح مِنْهُ ذكر حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك وَلَيْسَ هُوَ بِصَحِيح فَهُوَ يكثر من الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا فِي الْمُسْتَدْرك واستدركت عَلَيْهِ
ثمَّ قَول ابْن طَاهِر إِن الْحَاكِم أخرج حَدِيث الطير من الْمُسْتَدْرك فِيهِ وَقْفَة فَإِن حَدِيث الطير مَوْجُود فِي الْمُسْتَدْرك إِلَى الْآن وليته أخرجه مِنْهُ فَإِن إِدْخَاله فِيهِ من الأوهام الَّتِي تستقبح
ثمَّ لَو دلّت كلمة الدَّارَقُطْنِيّ على وضع من الْحَاكِم لم يعْتد بهَا لما ذكر الْخَطِيب فِي تَارِيخه من أَن الْأَزْهَرِي حَدثهُ أَن الْحَاكِم ورد بَغْدَاد قَدِيما فَقَالَ ذكر لي أَن حافظكم يَعْنِي الدَّارَقُطْنِيّ خرج لشيخ وَاحِد خَمْسمِائَة جُزْء فأروني بَعْضهَا فَحمل إِلَيْهِ مِنْهَا
وَذَلِكَ مِمَّا خرجه لأبي إِسْحَاق الطَّبَرِيّ فَنظر فِي أول الْجُزْء الأول حَدِيثا لعطية الْعَوْفِيّ فَقَالَ استفتح بشيخ ضَعِيف ثمَّ رمى الْجُزْء من يَده وَلم ينظر فِي الْبَاقِي
فَهَذِهِ كلمة من الْحَاكِم فِي الدَّارَقُطْنِيّ تقَابل كلمة الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ وَلَيْسَ على وَاحِد مِنْهَا فضاحة غير أَنه يُؤْخَذ مِنْهُمَا أَنه قد يكون بَينهمَا مَا قد يكون بَين الأقران
стр. 1325
وَقد قدمنَا فِي الطَّبَقَة الأولى فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن صَالح أَن كَلَام النظير فِي النظير عِنْد ذَلِك غير مَقْبُول وَلَا يُوجب طَعنا على الْقَائِل وَلَا الْمَقُول فِيهِ وحققنا فِي ذَلِك جملَة صَالِحَة وَذَلِكَ كُله بِتَقْدِير ثُبُوت الْحِكَايَة وَأَن فِيهَا تعريضا من الدَّارَقُطْنِيّ بغمز الْحَاكِم بِسوء العقيدة وَلَا يسلم وَاحِد من الْأَمريْنِ وَإِنَّمَا فِيهَا عندنَا الغمز من كتاب الْمُسْتَدْرك لما فِيهِ مِمَّا يسْتَدرك وَهُوَ غمز صَحِيح
ثمَّ قَالَ ابْن طَاهِر وَسمعت المظفر بن حَمْزَة بجرجان يَقُول سَمِعت أَبَا سعد الْمَالِينِي يَقُول طالعت الْمُسْتَدْرك فَلم أجد فِيهِ حَدِيثا على شَرط الشَّيْخَيْنِ
قلت لَيْسَ فِي هَذَا تعرض للتشيع بِنَفْي وَلَا إِثْبَات ثمَّ هُوَ غير مُسلم
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ بل هُوَ غلو وإِسْرَاف من الْمَالِينِي فَفِي الْمُسْتَدْرك جملَة وافرة على شَرطهمَا وَجُمْلَة كَبِيرَة على شَرط أَحدهمَا
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ لَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِك نَحْو نصف الْكتاب
قَالَ وَفِيه نَحْو الرّبع صَحَّ سَنَده وَإِن كَانَ فِيهِ عِلّة
قَالَ وَمَا بَقِي وَهُوَ نَحْو الرّبع فَهُوَ مَنَاكِير وواهيات لَا تصح وَفِي بعض ذَلِك مَوْضُوعَات
ثمَّ ذكر ابْن طَاهِر أَنه رأى بِخَط الْحَاكِم حَدِيث الطير فِي جُزْء ضخم جمعه
وَقَالَ وَقد كتبته للتعجب
قُلْنَا وَغَايَة جمع هَذَا الحَدِيث أَن يدل على أَن الْحَاكِم يحكم بِصِحَّتِهِ وَلَوْلَا ذَلِك لما أودعهُ الْمُسْتَدْرك وَلَا يدل ذَلِك مِنْهُ على تَقْدِيم عَليّ ﵁ على شيخ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أبي بكر الصّديق ﵁ إِذْ لَهُ معَارض أقوى لَا يقدر على دَفعه وَكَيف يظنّ بالحاكم مَعَ سَعَة حفظه تَقْدِيم عَليّ وَمن قدمه على أبي بكر فقد طعن على
стр. 1326
الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فمعاذ الله أَن يظنّ ذَلِك بالحاكم ثمَّ يَنْبَغِي أَن يتعجب من ابْن طَاهِر فِي كِتَابَته هَذَا الْجُزْء مَعَ اعْتِقَاده بطلَان الحَدِيث وَمَعَ أَن كِتَابَته سَبَب شياع هَذَا الْخَبَر الْبَاطِل واغترار الْجُهَّال بِهِ أَكثر مِمَّا يتعجب من الْحَاكِم مِمَّن يُخرجهُ وَهُوَ يعْتَقد صِحَّته
وَحكى شَيخنَا الذَّهَبِيّ كَلَام ابْن طَاهِر وذيل عَلَيْهِ أَن للْحَاكِم جُزْءا فِي فَضَائِل فَاطِمَة وَهَذَا لَا يلْزم مِنْهُ رفض وَلَا تشيع وَمن ذَا الَّذِي يُنكر فضائلها ﵂ فَإِن قلت فَهَل يُنكر أَن يكون عِنْد الْحَاكِم شَيْء من التَّشَيُّع قلت الْآن حصحص الْحق وَالْحق أَحَق أَن يتبع وسلوك طَرِيق الْإِنْصَاف أَجْدَر بذوي الْعقل من ركُوب طَرِيق الاعتساف
فَأَقُول لَو انْفَرد مَا حكيته عَن أبي إِسْمَاعِيل وَعَن ابْن طَاهِر لَقطعت بِأَن نِسْبَة التَّشَيُّع إِلَيْهِ كذب عَلَيْهِ وَلَكِنِّي رَأَيْت الْخَطِيب أَبَا بكر رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِيمَا أَخْبرنِي بِهِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمسند إِذْنا خَاصّا والحافظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي إجَازَة قَالَا أخبرنَا مُسلم بن مُحَمَّد بن عَلان قَالَ الأول إجَازَة وَقَالَ الثَّانِي سَمَاعا أخبرنَا أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أَبُو عبد الله بن البيع الْحَاكِم كَانَ ثِقَة أول سَمَاعه فِي سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَكَانَ يمِيل إِلَى التَّشَيُّع فَحَدثني إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأرموي بنيسابور وَكَانَ صَالحا عَالما قَالَ جمع أَبُو عبد الله الْحَاكِم أَحَادِيث وَزعم أَنَّهَا صِحَاح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم مِنْهَا حَدِيث الطير وَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَأنْكر عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث ذَلِك وَلم يلتفتوا إِلَى قَوْله
انْتهى
стр. 1327
قلت والخطيب ثِقَة ضَابِط فتأملت مَعَ مَا فِي النَّفس من الْحَاكِم من تَخْرِيجه حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك وَإِن كَانَ خرج أَشْيَاء غير مَوْضُوعَة لَا تعلق لَهَا بتشيع وَلَا غَيره فأوقع الله فِي نَفسِي أَن الرجل كَانَ عِنْده ميل إِلَى عَليّ ﵁ يزِيد على الْميل الَّذِي يطْلب شرعا وَلَا أَقُول إِنَّه يَنْتَهِي بِهِ إِلَى أَن يضع من أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وَلَا إِنَّه يفضل عليا على الشَّيْخَيْنِ بل أستبعد أَن يفضله على عُثْمَان ﵄ فَإِنِّي رَأَيْته فِي كِتَابه الْأَرْبَعين عقد بَابا لتفضيل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان واختصهم من بَين الصَّحَابَة وَقدم فِي الْمُسْتَدْرك ذكر عُثْمَان على عَليّ ﵄ وروى فِيهِ من حَدِيث أَحْمد بن أخي ابْن وهب حَدثنَا عمي حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب حَدثنَا هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت أول حجر حمله النَّبِي ﷺ لبِنَاء الْمَسْجِد ثمَّ حمل أَبُو بكر ثمَّ حمل عمر حجرا ثمَّ حمل عُثْمَان حجرا فَقلت يَا رَسُول الله أَلا ترى إِلَى هَؤُلَاءِ كَيفَ يسعدونك فَقَالَ (يَا عَائِشَة هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء من بعدِي)
قَالَ الْحَاكِم على شَرطهمَا وَإِنَّمَا اشْتهر من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة فَلذَلِك هجر
قلت وَقد حكم شَيخنَا الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه تَلْخِيص الْمُسْتَدْرك بِأَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح لِأَن عَائِشَة لم يكن النَّبِي ﷺ دخل بهَا إِذْ ذَاك
стр. 1328
قَالَ وَأحمد مُنكر الحَدِيث وَإِن كَانَ مُسلم خرج لَهُ فِي الصَّحِيح وَيحيى وَإِن كَانَ ثِقَة فِيهِ ضعف
قلت فَمن يخرج هَذَا الحَدِيث الَّذِي يكَاد يكون نصا فِي خلَافَة الثَّلَاثَة مَعَ مَا فِي إِخْرَاجه من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ يظنّ بِهِ الرَّفْض
وَخرج أَيْضا فِي فَضَائِل عُثْمَان حَدِيث لينهض كل رجل مِنْكُم إِلَى كفئه فَنَهَضَ النَّبِي ﷺ إِلَى عُثْمَان وَقَالَ (أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) وَصَححهُ مَعَ أَن فِي سَنَده مقالات
وَأخرج غير ذَلِك من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة عُثْمَان مَعَ مَا فِي بَعْضهَا من الِاسْتِدْرَاك عَلَيْهِ وَذكر فَضَائِل طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فقد غلب على الظَّن أَنه لَيْسَ فِيهِ وَللَّه الْحَمد شَيْء مِمَّا يستنكر عَلَيْهِ إفراط فِي ميل لَا يَنْتَهِي إِلَى بِدعَة
وَأَنا أجوز أَن يكون الْخَطِيب إِنَّمَا يَعْنِي بالميل إِلَى ذَلِك وَلذَلِك حكم بِأَن الْحَاكِم ثِقَة وَلَو كَانَ يعْتَقد فِيهِ رفضا لجرحه بِهِ لَا سِيمَا على مَذْهَب من يرى رد رِوَايَة المبتدع مُطلقًا فَكَلَام الْخَطِيب عندنَا يقرب من الصَّوَاب
وَأما قَول من قَالَ إِنَّه رَافِضِي خَبِيث وَمن قَالَ إِنَّه شَدِيد التعصب للشيعة فَلَا يعبأ بهما كَمَا عرفناك
هَذَا مَا ظهر لي وَالله أعلم
وَحكى شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَن الْحَاكِم سُئِلَ عَن حَدِيث الطير فَقَالَ لَا يَصح
стр. 1329
وَلَو صَحَّ لما كَانَ أحد أفضل من عَليّ بعد رَسُول الله ﷺ
ثمَّ قَالَ شَيخنَا وَهَذِه الْحِكَايَة سندها صَحِيح فَمَا باله أخرج حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك
ثمَّ قَالَ فَلَعَلَّهُ تغير رَأْيه
قلت وَكَلَام شَيخنَا حق وإدخاله حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك مُسْتَدْرك وَقد جوزت أَن يكون زيد فِي كِتَابه وَألا يكون هُوَ أخرجه وبحثت عَن نسخ قديمَة من الْمُسْتَدْرك فَلم أجد مَا ينشرح الصَّدْر لعدمه وتذكرت قَول الدَّارَقُطْنِيّ إِنَّه يسْتَدرك حَدِيث الطير فغلب على ظَنِّي أَنه لم يوضع عَلَيْهِ ثمَّ تَأَمَّلت قَول من قَالَ إِنَّه أخرجه من الْكتاب فجوزت أَن يكون خرجه ثمَّ أخرجه من الْكتاب وَبَقِي فِي بعض النّسخ فَإِن ثَبت هَذَا صحت الحكايات وَيكون خرجه فِي الْكتاب قبل أَن يظْهر لَهُ بُطْلَانه ثمَّ أخرجه مِنْهُ لاعْتِقَاده عدم صِحَّته كَمَا فِي هَذِه الْحِكَايَة الَّتِي صحّح الذَّهَبِيّ سندها وَلكنه بَقِي فِي بعض النّسخ إِمَّا لانتشار النّسخ بِالْكتاب أَو لإدخال بعض الطاعنين إِيَّاه فِيهِ فَكل هَذَا جَائِز وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى
وَأما الحكم على حَدِيث الطير بِالْوَضْعِ فَغير جيد وَرَأَيْت لصاحبنا الْحَافِظ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدي العلائي عَلَيْهِ كلَاما قَالَ فِيهِ بعد مَا ذكر تَخْرِيج التِّرْمِذِيّ
стр. 1330
لَهُ وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ فِي خَصَائِص عَليّ ﵁ إِن الْحق فِي الحَدِيث أَنه رُبمَا يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الْحسن أَو يكون ضَعِيفا يحْتَمل ضعفه
قَالَ فَأَما كَونه يَنْتَهِي إِلَى أَنه مَوْضُوع من جَمِيع طرقه فَلَا
قَالَ وَقد خرجه الْحَاكِم من رِوَايَة مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيَاض قَالَ حَدثنَا أبي حَدثنَا يحيى بن حسان عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
قَالَ وَرِجَال هَذَا السَّنَد كلهم ثقاة معروفون سوى أَحْمد بن عِيَاض فَلم أر من ذكره بتوثيق وَلَا جرح
وَيقرب من حَدِيث الطير حَدِيث عَليّ خير الْبشر من أبي فقد كفر
أخرجه الْحَاكِم أَيْضا فَقَالَ حَدثنَا السَّيِّد أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن يحيى العلوى حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو عبد الله الْهَاشِمِي قَالَ قلت للْحرّ بن سعيد النَّخعِيّ أحَدثك شريك قَالَ حَدثنِي شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَذكره
وَهُوَ مِمَّا يُنكر على الْحَاكِم إِخْرَاجه
وَقد رَوَاهُ الْخَطِيب أَبُو بكر من وَجه آخر فَقَالَ أخبرنَا الْحسن بن أبي طَالب حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْقطيعِي حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد بن يحيى صَاحب كتاب النّسَب حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ بِهِ بِلَفْظِهِ إِلَّا أَن الْخَطِيب تعقبه بقوله هَذَا حَدِيث مُنكر مَا رَوَاهُ سوى الْعلوِي بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَيْسَ بِثَابِت
وَلم يعجب شَيخنَا الذَّهَبِيّ اقْتِصَار الْخَطِيب على هَذِه الْعبارَة وَقَالَ يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بأبلغ مِنْهَا مِمَّا يدل على أَن هَذَا حَدِيث جلي الْبطلَان
стр. 1331
وَأخرج الْحَاكِم أَيْضا حَدِيث مُحَمَّد بن دِينَار من أهل السَّاحِل فِي شَأْن تزوج عَليّ بفاطمة ﵂ أخرجه بِطُولِهِ ساكتا عَلَيْهِ وَهُوَ مَوْضُوع وَلَعَلَّ وَاضعه مُحَمَّد بن دِينَار فَإِنَّهُ الَّذِي يُقَال لَهُ العرقي لَا يعرف
٣٣٠ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مَسْعُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَسْعُود المَسْعُودِيّ
الإِمَام أَبُو عبد الله الْمروزِي
أحد أَئِمَّة أَصْحَاب الْقفال الْمروزِي
كَانَ إِمَامًا مبرزا زاهدا ورعا حَافِظًا للْمَذْهَب
شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ
وَسمع الْقَلِيل من أستاذه أبي بكر الْقفال
وَتُوفِّي سنة نَيف وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة بمرو
وَقَالَ ابْن الصّلاح وحكاية من صحب الْقفال من الْأَئِمَّة عَن المَسْعُودِيّ تشعر بجلالة قدره
قلت كَانَ المَسْعُودِيّ إِن لم يكن من أَقْرَان الْقفال كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام الفوراني فِي خطْبَة الْإِبَانَة فَهُوَ من أكبر تلامذته وَالَّذِي يَقع لي أَنه من أَقْرَان الصيدلاني وَفَوق دَرَجَة الفوراني
стр. 1332
وَسُئِلَ الْقفال وَهُوَ يتَكَلَّم عَن الْعَوام عَن رجل حلف بِطَلَاق زَوجته لَا يَأْكُل الْبيض فَلَقِيَهُ إِنْسَان وَفِي كمه شَيْء فَقَالَ إِن لم آكل مِمَّا فِي كم فلَان فامرأتي طَالِق وَكَانَ الَّذِي فِي كمه الْبيض فَمَا الْحِيلَة فِي أَلا يَقع طَلَاقه
ففكر الْقفال وَلم يحضرهُ الْجَواب فَلَمَّا نزل قَالَ المَسْعُودِيّ يَجْعَل ذَلِك الْبيض فِي القبيطاء يَعْنِي الْحَلَاوَة الناطف ثمَّ يَأْكُلهُ وَلَا يَقع طَلَاقه
قلت وَمِمَّا حَكَاهُ الفوراني عَن المَسْعُودِيّ فِي الْعمد أَن الْمُصَلِّي صَلَاة الْعِيد يَقُول بَين كل تكبيرتين من التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَجل ثناؤك وَلَا إِلَه غَيْرك
وَقد نَقله النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة عَن المَسْعُودِيّ
لَكِن فِي نقل الفوراني إِيَّاه عَن المَسْعُودِيّ كَمَا فِي نقل مَسْأَلَة الناطف مِمَّا يشْعر بجلالة المَسْعُودِيّ وَرب قرين لقوم يكَاد يكون لَهُم شَيخا فَهُوَ بَينهم وَبَين الشَّيْخ الْأُسْتَاذ كالمعيد فَكَأَن المَسْعُودِيّ كَانَ معيدا بَين يَدي الْقفال فَكَذَلِك كَانَ صَاحب التَّقْرِيب بَين يَدي وَالِده الْقفال الْكَبِير وَلذَلِك كَانَ تلامذة أَبِيه كالحليمي يرجعُونَ إِلَيْهِ
стр. 1333
الْبَحْث عَن حَال المَسْعُودِيّ المتكرر ذكره فِي كتاب الْبَيَان
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح كل مَا يُوجد فِي كتاب الْبَيَان للعمراني مَنْسُوبا إِلَى المَسْعُودِيّ فَإِنَّهُ غير صَحِيح النِّسْبَة إِلَيْهِ وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ صَاحب الْإِبَانَة أَبُو الْقَاسِم الفوراني
قَالَ وَذَلِكَ أَن الْإِبَانَة وَقعت فِي الْيمن منسوبة إِلَى المَسْعُودِيّ على جِهَة الْغَلَط لتباعد الديار
قلت وَقَالَ أَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ صَاحب الْعدة فِي أَولهَا بعد أَن ذكر مَا ذكره ابْن الصّلاح إِن الْإِبَانَة تنْسب فِي بعض بِلَاد خُرَاسَان إِلَى الصفار وَفِي بَعْضهَا إِلَى الشَّاشِي وَمَا ذكره ابْن الصّلاح من أَن كل مَا يُوجد عَن المَسْعُودِيّ فِي الْبَيَان فَهُوَ عَن الْإِبَانَة مُشكل بمواضع
مِنْهَا أَن صَاحب الْبَيَان نقل فِيهِ أَن المَسْعُودِيّ قَالَ إِذا اشْترى مَالا شُفْعَة فِيهِ أصلا لَا بِالْأَصَالَةِ وَلَا بالتبعية كالسيف وَمَا فِيهِ شُفْعَة أَنه لَا تثبت الشُّفْعَة فِي الشّقص لتفرق الصَّفْقَة فِي الشّقص على المُشْتَرِي
وَقد كشفت الْإِبَانَة فَلم أجد ذَلِك فِيهَا ولعلنا نزيد الْكَلَام على هَذَا الْوَجْه بسطة فِي تَرْجَمَة ابْن أبي الدَّم إِذا أنتهينا إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهَا نقل فِي الْبَيَان عَن المَسْعُودِيّ أَنه إِذا ابْتَاعَ بِثمن مُؤَجل فَلهُ أَن يَبِيع وَلَا يخبر بالأجل وَهَذَا يُوَافقهُ قَول سليم فِي الْمُجَرّد إِنَّه يكره لَهُ أَن يَبِيعهُ وَلَا يذكر الْأَجَل
стр. 1334
وَقد صرح الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر بحكايته وَجها عَن الخراسانيين إِلَّا أَنِّي كشفت الْإِبَانَة للفوراني فَلم أر ذَلِك فِيهَا
وَمِنْهَا قَالَ فِي الْبَيَان قَالَ المَسْعُودِيّ فِي الْأَب هَل يُزَوّج ابْنه الصَّغِير وَجْهَان الْأَصَح لَا لِأَنَّهُ لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهِ
وَهَذَا لم يُوجد فِي الْإِبَانَة
وَقد وَقع فِي الرَّوْضَة أَن الفوراني حكى وَجها وَصَححهُ أَن الْأَب لَا يملك تَزْوِيج الابْن الصَّغِير الْعَاقِل
قَالَ وَهُوَ غلط
قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب وَلم أر الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْإِبَانَة هُنَا
قلت مَا أَظن النَّوَوِيّ أُتِي إِلَّا من قبل ابْن الصّلاح فَإِنَّهُ لما اسْتَقر فِي نَفسه مَا ذكره من أَن كل مَا ينْسب فِي الْبَيَان إِلَى المَسْعُودِيّ فَهُوَ إِلَى الفوراني وَوجد هَذَا مَنْسُوبا إِلَى المَسْعُودِيّ نسبه إِلَى الفوراني وَهُوَ مَكَان كيس قد ذَكرْنَاهُ مَعَ نَظَائِر لَهُ فِي الْكتاب الَّذِي لقبناه خَادِم الرَّافِعِيّ فِي بَاب وهم على وهم
وَمن الْغَلَط عَن المَسْعُودِيّ
نقل ابْن يُونُس فِي شرح التَّنْبِيه عَن المَسْعُودِيّ أَنه لَا يسمع شَهَادَة الْفَرْع إِلَّا عِنْد موت شُهُود الأَصْل
وَهَذَا تَصْحِيف إِنَّمَا هُوَ الشّعبِيّ أما أَصْحَابنَا فَلم يقل مِنْهُم بذلك قَائِل لَا المَسْعُودِيّ وَلَا غَيره
نبه عَلَيْهِ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب
стр. 1335
٣٣١ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عَليّ أَبُو عمر النسوي
أقضى الْقُضَاة
ولد سنة ثَمَان وَسبعين وثلاثمائة
وَكَانَ يعرف بِالْقَاضِي الرئيس
وَذكره كل وَاحِد من عبد الله بن مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة وَأبي سعد السَّمْعَانِيّ فِي الذيل ومحمود الْخَوَارِزْمِيّ فِي تَارِيخ خوارزم
قَالَ الْجِرْجَانِيّ هُوَ قَاضِي الْقُضَاة بخوارزم وفراوة ونسا أَخذ الْفِقْه بِبَلَدِهِ عَن القاضى الْحسن الداماني النسوي
ثمَّ رَحل إِلَى الْعرَاق ومصر وَحصل الْعلم
وولاه أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله الْقَضَاء بالنواحي الْمَذْكُورَة ولقبه بأقضى الْقُضَاة
صنف كتبا فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير حسن السِّيرَة فِي الْقَضَاء مرضِي الطَّرِيقَة
وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ هُوَ الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي الرئيس كَانَ من أكَابِر أهل عصره فضلا وحشمة وقبولا عِنْد الْمُلُوك
بعث رَسُولا إِلَى دَار الْخلَافَة بِبَغْدَاد من جِهَة الْأَمِير طغرلبك
وَله آثَار وجدت بخراسان وخوارزم وَولي قضاءها مُدَّة وَبنى بهَا مدرسة
سَافر الْكثير وَسمع بنيسابور الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الإسفرايني الْجِرْجَانِيّ وَأَبا معمر الْإِسْمَاعِيلِيّ
следующие страницы →