← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٣٥٠ - مُحَمَّد بن مَنْصُور بن عمر بن عَليّ الْكَرْخِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ ولد الإِمَام أبي الْقَاسِم مَنْصُور بن عمر الْكَرْخِي أحد أَصْحَاب الشَّيْخ أبي حَامِد ووالد أبي الْبَدْر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْكَرْخِي أحد رُوَاة الحَدِيث قَالَ أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ كَانَ يسكن قطيعة الرّبيع من الكرخ وَكَانَ صَالحا متدينا يرجع إِلَى فضل وَعلم سمع أَبَا عَليّ بن شَاذان وَأَبا الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَزَّاز وَغَيرهمَا روى لنا عَنهُ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن عمر وَعبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك بن أَحْمد الحافظان قَالَ وَذكر ابْن نَاصِر الْحَافِظ أَنه مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة وَحمل من الْغَد إِلَى جَامع الْمَدِينَة فَصلي عَلَيْهِ فِيهِ ثَانِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي مَقْبرَة بَاب حَرْب

стр. 1367

٣٥١ - مُحَمَّد بن هبة الله بن ثَابت أَبُو نصر الْبَنْدَنِيجِيّ نزيل مَكَّة وَيعرف بفقيه الْحرم كَانَ من كبار أَصْحَاب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَقد سمع الحَدِيث وَحدث عَنهُ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَافِظ وَغَيره وَكَانَ يقْرَأ فِي كل أُسْبُوع سِتَّة آلَاف مرّة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ويعتمر فِي رَمَضَان ثَلَاثِينَ عمْرَة وَهُوَ ضَرِير يُؤْخَذ بِيَدِهِ توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد نَيف على الثَّمَانِينَ قَالَ أَبُو نصر الْبَنْدَنِيجِيّ فِي الْمُعْتَمد لَيْسَ للشَّافِعِيّ نَص فِي غير الْغنم فِي الْعَقِيقَة وَعِنْدِي لَا يجزىء غَيرهَا ٣٥٢ - مُحَمَّد بن هبة الله بن الْحسن بن مَنْصُور اللالكائي أَبُو بكر بن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم الطَّبَرِيّ الْبَغْدَادِيّ قَالَ ابْن الصّلاح كثير السماع وَاسع الرِّوَايَة صَدُوق مَأْمُون

стр. 1368

سمع هلالا الحفار وَأَبا الْحُسَيْن بن بَشرَان وَأَبا الْحُسَيْن بن الْفضل الْقطَّان وَغَيرهم سمع مِنْهُ أَبُو الْقَاسِم الرميلي الْحَافِظ وَغَيره من الْحفاظ قلت وَإِسْمَاعِيل بن السَّمرقَنْدِي وَعبد الْوَهَّاب الْأنمَاطِي وَطَائِفَة قَالَ ابْن الصّلاح وَسُئِلَ عَن مولده فَقَالَ فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَأَرْبَعمِائَة بِبَغْدَاد بدرب الْمروزِي قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ فَيكون سَمَاعه من الحفار حضورا قلت لِأَن الحفار مَاتَ سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَقد بَادر من ذكر هَذَا الرجل فِي عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ قلت قد أوردهُ ابْن الصّلاح فِي الشَّافِعِيَّة مَاتَ بِبَغْدَاد فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ٣٥٣ - مُحَمَّد بن هبة الله بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الإِمَام الْكَبِير أَبُو سهل ولد جمال الْإِسْلَام أبي مُحَمَّد بن القَاضِي أبي عمر البسطامي ثمَّ النَّيْسَابُورِي وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ أَبُو سهل بن الْمُوفق والموفق لقب وَالِده جمال الْإِسْلَام ولد سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة قَالَ فِيهِ عبد الغافر سلالة الْإِمَامَة وقرة عين أَصْحَاب الحَدِيث انْتَهَت إِلَيْهِ زعامة الشَّافِعِيَّة بعد أَبِيه فأجراها أحسن مجْرى وَوَقعت فِي أَيَّامه محن ووقائع للأصحاب وَكَانَ يُقيم رسم التدريس

стр. 1369

وَسمع من مَشَايِخ وقته بخراسان وَالْعراق مثل النصروي وَأبي حسان الْمُزَكي وَأبي حَفْص بن مسرور وَكَانَ بَيتهمْ مجمع الْعلمَاء وملتقى الْأَئِمَّة توفّي أَبوهُ سنة أَرْبَعِينَ فاحتف بِهِ الْأَصْحَاب وراعوا فِيهِ حق وَالِده وقدموه للرياسة وَقَامَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي تهيئة أَسبَابه واستدعى الْكل إِلَى مُتَابَعَته وَطلب من السُّلْطَان ذَلِك فَأُجِيب وَأرْسل إِلَيْهِ الْخلْع ولقب بلقب أَبِيه جمال الْإِسْلَام وَصَارَ ذَا رَأْي وشجاعة ودهاء وَظهر لَهُ الْقبُول عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى حسده الأكابر وخاصموه فَكَانَ يخصمهم ويتسلط عَلَيْهِم فَبَدَا لَهُ خصوم واستظهروا بالسلطان عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وَصَارَت الأشعرية مقصودين بالإهانة وَالْمَنْع عَن الْوَعْظ والتدريس وعزلوا من خطابة الْجَامِع ونبغ من الْحَنَفِيَّة طَائِفَة أشربوا فِي قُلُوبهم الاعتزال والتشيع فخيلوا إِلَى ولي الْأَمر الإزراء بِمذهب الشَّافِعِي عُمُوما وبالأشعرية خُصُوصا وَهَذِه هِيَ الْفِتْنَة الَّتِي طَار شررها وَطَالَ ضررها وَعظم خطبهَا وَقَامَ فِي سبّ أهل السّنة خطيبها فَإِن هَذَا الْأَمر أدّى إِلَى التَّصْرِيح بلعن أهل السّنة فِي الْجمع وتوظيف سبهم على المنابر وَصَارَ لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ بهَا أُسْوَة بعلي بن أبي طَالب ﵁ واستعلى أُولَئِكَ فِي المجامع فَقَامَ أَبُو سهل فِي نصر السّنة قيَاما مؤزرا

стр. 1370

وَتردد إِلَى الْعَسْكَر فِي ذَلِك وَلم يفد وَجَاء الْأَمر من قبل السُّلْطَان طغرلبك بِالْقَبْضِ على الرئيس الفراتي والأستاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأبي سهل بن الْمُوفق ونفيهم ومنعهم عَن المحافل وَكَانَ أَبُو سهل غَائِبا فِي بعض النواحي فَلَمَّا قرىء الْكتاب بنفيهم أغري بهم الغاغة والأوباش وَأخذُوا بالأستاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما وحبسا بالقهندز وَأما إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ أحس بِالْأَمر فاختفى وَخرج على طَرِيق كرمان إِلَى الْحجاز وبقيا فِي السجْن معترقين أَكثر من شهر فتهيأ أَبُو سهل من نَاحيَة باخرز وَجمع من أعوانه رجَالًا عارفين بِالْحَرْبِ وأتى بَاب الْبَلَد وَطلب إِخْرَاج الفراتي والقشيري فَمَا أُجِيب بل هدد بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَمَا الْتفت وعزم على دُخُول الْبَلَد لَيْلًا والاشتغال بإخراجهما مجاهرة وَكَانَ مُتَوَلِّي الْبَلَد قد تهَيَّأ للحرب فزحف أَبُو سهل لَيْلًا إِلَى قَرْيَة لَهُ على بَاب الْبَلَد وَدخل الْبَلَد مغافصة إِلَى دَاره وَصَاح من مَعَه بالنعرات الْعَالِيَة وَرفعُوا عقائرهم

стр. 1371

٣٥٤ - مُحَمَّد بن يحيى بن سراقَة أَبُو الْحسن العامري الْبَصْرِيّ الْفَقِيه الفرضي الْمُحدث صَاحب التصانيف فِي الْفِقْه والفرائض والشهادات وَأَسْمَاء الضُّعَفَاء والمتروكين أَقَامَ بآمد مُدَّة وَدخل فِي الحَدِيث وَذكر لَهُ أَبُو الْفَتْح الْموصِلِي بالموصل فانحدر إِلَيْهِ وَسمع مِنْهُ تصانيفه وَأخذ عَن أبي الْفَتْح كِتَابه فِي الضُّعَفَاء ثمَّ نسخه وراجع فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ وروى عَن ابْن داسة والهجيمي وَابْن عباد وَدخل فَارس وأصبهان والدينور والأهواز وَكَانَ حَيا سنة أَرْبَعمِائَة وَأرَاهُ توفّي فِي حُدُود سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1372

وَمن الغرائب والفوائد عَنهُ قَالَ فِي كتاب لَهُ سَمَّاهُ الْأَعْدَاد وقف عَلَيْهِ ابْن الصّلاح وَكتب مِنْهُ فَوَائِد وغرائب مِنْهَا قَوْله الْخطب الْمُعْتَادَة عشر وسماها ثمَّ قَالَ وَكلهَا سنة إِلَّا الْجُمُعَة وخطبة عَرَفَة فهما فرضان يفْعَلَانِ قبل الصَّلَاة وَبعد الزَّوَال قَالَ ابْن الصّلاح وَذكر هَذَا فِي مَوضِع آخر قلت ووقفت من تصانيفه على كتاب أدب الشَّاهِد وَمَا يثبت من الْحق على الجاحد وَقد ذكر فِي خطبَته أَنه صنف قبله كتابا فِي أدب الْقُضَاة ذكر فِيهِ أَن الْوَقْف وَالْعِتْق وَالْوَلَاء لَا يجوز الشَّهَادَة عَلَيْهَا بالاستفاضة وَأَن أَبَا سعيد الْإِصْطَخْرِي جوز ذَلِك إِلَّا أَن تكون الشَّهَادَة فِي حُقُوقه وَسِيلَة وَالْولَايَة عَلَيْهِ فَلَا يجوز إِلَّا بالمعاينة وَأَن أَبَا عَليّ بن أبي هُرَيْرَة قَالَ تقبل بالاستفاضة أَنَّهَا مولاة فلَان لَا أَن فلَانا أعْتقهَا وَأَنه وقف فلَان لَا أَن فلَانا أوقفهُ قَالَ كَمَا يقبل أَنَّهَا زَوْجَة فلَان لَا أَن فلَانا زَوجهَا لِأَنَّهَا شَهَادَة على عقد فَلَا تقبل إِلَّا بالمعاينة قلت الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ وَعَلِيهِ الْعَمَل قَول الْإِصْطَخْرِي وَتوقف الْوَالِد ﵀ عَن أَن يرجح فِي الْمَسْأَلَة شَيْئا ذكر ذَلِك فِي كتاب الحلبيات

стр. 1373

قَالَ وَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يتحرر مِنْهُ إِلَّا إِذا دعت الْحَاجة من إحْيَاء وقف مختف أَو انْتِزَاعه من يَد ظَالِم وَنَحْوه وَيضم إِلَيْهِ طَرِيق آخر من يَد وَنَحْوهَا قلت وَاعْلَم أَن فِيمَا حكيته من كَلَام ابْن سراقَة عَنهُ فَوَائِد إِحْدَاهَا أَنه تضمن أَن شَرَائِط الْوَقْف لَا تثبت بالاستفاضة جزما وَهُوَ مَا أفتى بِهِ النَّوَوِيّ وَفِي كثير من الأذهان أَنه غير مَنْقُول وَهَا هُوَ مَنْقُول فِي كَلَام هَذَا الرجل الْمُتَقَدّم وَالثَّانيَِة مَا حَكَاهُ عَن ابْن أبي هُرَيْرَة من التَّفْصِيل والمحكي عَنهُ فِي الرَّافِعِيّ وَغَيره إِنَّمَا هُوَ قَول الْإِصْطَخْرِي وَهَذَا وَجه ثَالِث مفصل حسن واستشهاده عَلَيْهِ بِالزَّوْجَةِ أَيْضا حسن فالمعروف أَن الْخلاف فِي الزَّوْجَة كالخلاف فِي الثَّلَاثَة وَفِي الرَّافِعِيّ عَن الْقفال مَا يُؤَيّد هَذَا التَّفْصِيل غير أَن فِيهِ نظرا فَلَا فرق بَين أَن يَقُول أشهد أَن فلَانا وَقفه أَو أَنه وقف فلَان وَلَا يتخيل أَنه فِيمَا إِذا قَالَ إِنَّه وَقفه شهد على العقد نَفسه فَإِن الشَّاهِد بِأَنَّهُ وقف فلَان مثله وكما شهد بِأَنَّهُ وَقفه بِالتَّسَامُعِ شهد أَنه وَقفه لَا فرق وَالثَّالِثَة أَن التَّصْرِيح باسم الْوَاقِف لَا بُد مِنْهُ وَهُوَ مَا فِي فتاوي الْقفال وَالْبَغوِيّ أَيْضا وَذكره الْوَالِد فِي الحلبيات وَقَالَ إِنَّه قَول الْقَائِلين بِثُبُوت الْوَقْف بالاستفاضة وَالْأَمر كَذَلِك غير أَن عِنْدِي نظرا فِي هَذَا الشَّرْط وَإِن قُلْنَا بِثُبُوتِهِ بالاستفاضة فَلم لَا يثبت كَون هَذِه الأَرْض وَقفا وَإِن لم يعرف واقفها وَمن فتاوي ابْن الصّلاح أَن الظَّاهِر ثُبُوت الشَّرْط ضمنا تبعا للشَّهَادَة بِأَصْل الْوَقْف لَا اسْتِقْلَالا قَالَ الشَّيْخ برهَان الدّين بن الفركاح فِي تَعْلِيقه وَهُوَ أولى مِمَّا قَالَه النَّوَوِيّ وَفِي الْحَاوِي للماوردي وَالْبَحْر للروياني عبارَة مشكلة فَنَذْكُر مَا فِي لفظ الْحَاوِي

стр. 1374

قَالَ وَأما الْوَقْف فِي تظاهر الْخَبَر بِهِ إِذا سمع على مُرُور الْأَوْقَات فَلَا يثبت وَقفه بِسَمَاع الْخَبَر الظَّاهِر لِأَنَّهُ عَن لفظ يفْتَقر إِلَى سَمَاعه من عاقده فَلم يجز أَن يعْمل على تظاهر الْخَبَر بِهِ فَأَما ثُبُوته وَقفا مُطلقًا وَالشَّهَادَة أَن هَذَا وقف آل فلَان أوقف على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي ثُبُوته انْتهى قَالَ الشَّيْخ برهَان الدّين وَالظَّاهِر أَنه قصد أَنه لَا يشْهد بالاستفاضة أَن فلَانا قَالَ وقفت هَذَا بِخِلَاف هَذَا وقف ٣٥٥ - مُحَمَّد بن يُوسُف بن الْفضل الشالنجي بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَاللَّام بَينهمَا ألف وَالنُّون الساكنة وَفِي آخرهَا الْجِيم وَهَذِه النِّسْبَة إِلَى بيع مَا يعْمل من الشّعْر كالمخلاة والمقود وَنَحْوهمَا أَبُو بكر الْجِرْجَانِيّ القَاضِي كَانَ من مشاهير أَئِمَّة جرجان عَلَيْهِ بهَا مدَار التدريس والفتيا والإملاء والوعظ سمع الْكثير من ابْن عدي وَأحمد بن الْحسن بن مَاجَه الْقزْوِينِي ونعيم بن عبد الْملك الْجِرْجَانِيّ وَمُحَمّد بن حمدَان وَغَيرهم روى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن مسْعدَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره توفّي بجرجان فِي ثامن ذِي الْحجَّة سنة ثَمَانِي عشرَة وَأَرْبَعمِائَة عَن إِحْدَى وَتِسْعين سنة ٣٥٦ - مُحَمَّد بن أبي سهل الطوسي مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1375

٣٥٧ - إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف الفيروزاباذي بِكَسْر الْفَاء أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ صَاحب التَّنْبِيه والمهذب فِي الْفِقْه والنكت فِي الْخلاف واللمع وَشَرحه والتبصرة فِي أصُول الْفِقْه والملخص والمعونة فِي الجدل وطبقات الْفُقَهَاء ونصح أهل الْعلم وَغير ذَلِك هُوَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام صَاحب التصانيف الَّتِي سَارَتْ كمسير الشَّمْس ودارت الدُّنْيَا فَمَا جحد فَضلهَا إِلَّا الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس بعذوبة لفظ أحلى من الشهد بِلَا نحله وحلاوة تصانيف فَكَأَنَّمَا عناها البحتري بقوله (وَإِذا دجت أقلامه ثمَّ انتحت ... برقتْ مصابيح الدجى فِي كتبه) (بِاللَّفْظِ يقرب فهمه فِي بعده ... منا وَيبعد نيله فِي قربه) (حكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة وقليبها فِي قلبه) (فالروض مُخْتَلف بحمرة نوره ... وَبَيَاض زهرته وخضرة عشبه) (وَكَأَنَّهَا والسمع مَعْقُود بهَا ... شخص الحبيب بدا لعين محبه)

стр. 1376

وَقد كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الفصاحة والمناظرة وَأقرب شَاهد على ذَلِك قَول سلار الْعقيلِيّ أوحد شعراء عصره (كفاني إِذا عَن الْحَوَادِث صارم ... ينيلني المأمول بالإثر والأثر) (يقد ويفرى فِي اللِّقَاء كَأَنَّهُ ... لِسَان أبي إِسْحَاق فِي مجْلِس النّظر) وَكَانَت الطّلبَة ترحل من الْمشرق وَالْمغْرب إِلَيْهِ والفتاوي تحمل من الْبر وَالْبَحْر إِلَى بَين يَدَيْهِ وَالْفِقْه تتلاطم أمواج بحاره وَلَا يسْتَقرّ إِلَّا لَدَيْهِ ويتعاظم لابس شعاره إِلَّا عَلَيْهِ حَتَّى ذكرُوا أَنه كَانَ يجْرِي مجْرى ابْن سُرَيج فِي تأصيل الْفِقْه وتفريعه ويحاكيه فِي انتشار الطّلبَة فِي الرّبع العامر جَمِيعه قَالَ حيدر بن مَحْمُود بن حيدر الشِّيرَازِيّ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق يَقُول خرجت إِلَى خُرَاسَان فَمَا دخلت بَلْدَة وَلَا قَرْيَة إِلَّا وَكَانَ قاضيها أَو مفتيها أَو خطيبها تلميذي أَو من أَصْحَابِي وَأما الجدل فَكَانَ ملكه الْآخِذ بزمامه وإمامه إِذا أَتَى كل وَاحِد بإمامه وَبدر سمائه الَّذِي لَا يغتاله النُّقْصَان عِنْد تَمَامه وَأما الْوَرع المتين وسلوك سَبِيل الْمُتَّقِينَ وَالْمَشْي على سنَن السَّادة السالفين فَذَلِك أشهر من أَن يذكرهُ الذاكر وَأكْثر من أَن يحاط لَهُ بِأول وَآخر لن يُنكر تقلب وَجهه فِي الساجدين وَلَا قِيَامه فِي جَوف الدجى وَكَيف والنجوم من جملَة الشَّاهِدين (يهوى الدياجي إِذا الْمَغْرُور أغفلها ... كَأَن شهب الدياجي أعين نجل) وَكَانَ يُقَال إِنَّه مستجاب الدعْوَة

стр. 1377

وَقَالَ أَبُو بكر بن الخاضبة سَمِعت بعض أَصْحَاب أبي إِسْحَاق بِبَغْدَاد يَقُول كَانَ الشَّيْخ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عِنْد فرَاغ كل فصل من الْمُهَذّب وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِنَّه سمع بَعضهم يَقُول دخل أَبُو إِسْحَاق يَوْمًا مَسْجِدا ليتغدى فنسى دِينَارا ثمَّ ذكر فَرجع فَوَجَدَهُ ففكر ثمَّ قَالَ لَعَلَّه وَقع من غَيْرِي فَتَركه هَذَا هُوَ الزّهْد هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا وَهَذَا هُوَ الْوَرع وَليكن الْمَرْء هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا يؤمل من الْجنَّة آمالا وَهَذَا هُوَ خُلَاصَة النَّاس وَهَذَا هُوَ الْحلِيّ وَمَا يظنّ أَنه نَظِيره فَذَاك هُوَ الوسواس فَإِن كَانَ صَالح ترتجى بركاته فَهَذَا وَإِن كَانَ سيد يؤمل فِي الشدائد فحسبك هُوَ ملاذا وَإِن كَانَ تَقِيّ فَهَذَا الْعَمَل الأتقى وَإِن كَانَت مُوالَاة فلمثل هَذِه الشيم الَّتِي لَا يتجنبها إِلَّا الأشقى ولد الشَّيْخ بفيروزاباذ وَهِي بليدَة بِفَارِس سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَنَشَأ بهَا ثمَّ دخل شيراز وَقَرَأَ الْفِقْه على أبي عبد الله الْبَيْضَاوِيّ وعَلى ابْن رامين صَاحِبي أبي الْقَاسِم الداركي تلميذ أبي إِسْحَاق الْمروزِي صَاحب ابْن سُرَيج ثمَّ دخل الْبَصْرَة وَقَرَأَ الْفِقْه بهَا على الخرزي ثمَّ دخل بَغْدَاد فِي سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَقَرَأَ على القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ ولازمه واشتهر بِهِ وَصَارَ أعظم أَصْحَابه ومعيد درسه وَقَرَأَ الْأُصُول على أبي حَاتِم الْقزْوِينِي

стр. 1378

وَقَرَأَ الْفِقْه أَيْضا على الزجاجي وَطَائِفَة آخَرين وَمَا برح يدأب ويجهد حَتَّى صَار أنظر أهل زَمَانه وَفَارِس ميدانه والمقدم على أقرانه وامتدت إِلَيْهِ الْأَعْين وانتشر صيته فِي الْبلدَانِ ورحل إِلَيْهِ فِي كل مَكَان وَلَقَد كَانَ اشْتِغَاله أول طلبه أمرا عجابا وَعَملا دَائِما يَقُول من شَاهده عجبا لهَذَا الْقلب والكبد كَيفَ مَا ذابا يُقَال إِنَّه اشْتهى ثريدا بِمَاء الباقلاء قَالَ فَمَا صَحَّ لي أكله لاشتغالي بالدرس وأخذى النّوبَة وَقَالَ لي كنت أُعِيد كل قِيَاس ألف مرّة فَإِذا فرغت مِنْهُ أخذت قِيَاسا آخر وَهَكَذَا وَكنت أُعِيد كل درس ألف مرّة فَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة بَيت يستشهد بِهِ حفظت القصيدة وَسمع الشَّيْخ الحَدِيث بِبَغْدَاد من أبي بكر البرقاني وَأبي عَليّ بن شَاذان وَأبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَغَيرهم روى عَنهُ الْخَطِيب وَأَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن أَبى نصر الْحميدِي وَأَبُو بكر بن الخاضبة وَأَبُو الْحسن بن عبد السَّلَام وَأَبُو الْقَاسِم بن السَّمرقَنْدِي وَأَبُو الْبَدْر بن الْكَرْخِي وَغَيرهم وَكَانَ الشَّيْخ أَولا يدرس فِي مَسْجِد بِبَاب الْمَرَاتِب إِلَى أَن بنى لَهُ الْوَزير نظام الْمَالِك الْمدرسَة على شاطىء دجلة فانتقل إِلَيْهَا ودرس بهَا بعد تمنع شَدِيد فِي يَوْم السبت مستهل ذِي الْحجَّة سنة تسع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1379

قَالَ القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس الْجِرْجَانِيّ صَاحب المعاياة وَغَيرهَا كَانَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ لَا يملك شَيْئا من الدُّنْيَا فَبلغ بِهِ الْفقر حَتَّى كَانَ لَا يجد قوتا وَلَا ملبسا قَالَ وَلَقَد كُنَّا نأتيه وَهُوَ سَاكن فِي القطيعة فَيقوم لنا نصف قومة لَيْسَ يعتدل قَائِما من العرى كي لَا يظْهر مِنْهُ شَيْء وَقيل كَانَ إِذا بَقِي مُدَّة لَا يَأْكُل شَيْئا جَاءَ إِلَى صديق لَهُ باقلاني فَكَانَ يثرد لَهُ رغيفا ويثريه بِمَاء الباقلاء فَرُبمَا أَتَاهُ وَكَانَ قد فرغ من بيع الباقلاء فيقف أَبُو إِسْحَاق وَيَقُول ﴿تِلْكَ إِذا كرة خاسرة﴾ وَيرجع وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ البروجردي أخرج أَبُو إِسْحَاق يَوْمًا قرصين من بَيته فَقَالَ لبَعض أَصْحَابه وَكلتك فِي أَن تشتري لي الدبس والراشي بِهَذِهِ القرصة على وَجه هَذِه القرصة الْأُخْرَى فَمضى الرجل وَشك بِأَيّ القرصين اشْترى فَمَا أكل الشَّيْخ ذَلِك وَقَالَ لَا أَدْرِي اشْترى الَّذِي وكلته أم بِالْأُخْرَى وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ حملت يَوْمًا فتيا إِلَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فرأيته وَهُوَ يمشي فَسلمت عَلَيْهِ فَمضى إِلَى دكان خباز وَأخذ قلمه ودواته مِنْهُ وَكتب الْجَواب فِي الْحَال وَمسح الْقَلَم فِي ثَوْبه وَأَعْطَانِي الْفَتْوَى وَقد دخل الشَّيْخ خُرَاسَان وَعبر نيسابور وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتدى بِاللَّه تشوش من العميد أبي الْفَتْح بن أبي اللَّيْث فَدَعَا الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وشافهه بالشكوى مِنْهُ وَأَن أهل الْبَلَد حصل لَهُم الْأَذَى بِهِ وَأمره بِالْخرُوجِ إِلَى الْعَسْكَر وَشرح الْحَال بَين يَدي السُّلْطَان وَبَين يدى الْوَزير نظام الْملك فَتوجه الشَّيْخ وَمَعَهُ جمال الدولة عفيف وَهُوَ خَادِم من خدام الْخَلِيفَة

стр. 1380

قَالَ أَبُو الْحسن الهمذاني وَكَانَ عِنْد وُصُوله إِلَى بِلَاد الْعَجم يخرج أَهلهَا بنسائهم وَأَوْلَادهمْ فيمسحون أَرْكَانه وَيَأْخُذُونَ تُرَاب نَعْلَيْه يستشفون بِهِ وَكَانَ يخرج من كل بلد أَصْحَاب الصَّنَائِع بصنائعهم وينثرونها مَا بَين حلوى وَفَاكِهَة وَثيَاب وفرا وَغير ذَلِك وَهُوَ ينهاهم حَتَّى انْتَهوا إِلَى الأساكفة فَجعلُوا ينثرون المتاعات وَهِي تقع على رُؤُوس النَّاس وَالشَّيْخ يتعجب وَلما انْتَهوا جعل الشَّيْخ يداعب أَصْحَابه وَيَقُول رَأَيْتُمْ النثار مَا أحْسنه وأيش وصل إِلَيْكُم يَا أَوْلَادِي مِنْهُ قلت وَكَانَ مِمَّن صَحبه فِي هَذِه السفرة من أَصْحَابه فَخر الْإِسْلَام الشَّاشِي وَالْحُسَيْن بن عَليّ الطَّبَرِيّ صَاحب الْعدة وَابْن بَيَان والميانجي وَأَبُو معَاذ والبندليني وَأَبُو ثَعْلَب الوَاسِطِيّ وَعبد الْملك الشابرخواستي وَأَبُو الْحسن الْآمِدِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الزنجاني وَأَبُو عَليّ الفارقي وَأَبُو الْعَبَّاس بن الرطبي وَغَيرهم قلت وَخرج إِلَيْهِ صوفيات الْبَلَد وَمَا فِيهِنَّ إِلَّا من مَعهَا سبْحَة وألقين

стр. 1381

الْجَمِيع إِلَى المحفة وَكَانَ قصدهن أَن يلمسها فَتحصل لَهُنَّ الْبركَة فَجعل يمرها على يَدَيْهِ وَجَسَده ويتبرك بِهن ويقصد فِي حقهن مَا قصدن فِي حَقه وَكَانَ هَذَا الْحَال بساوة من بِلَاد الْعَجم وَلما بلغ بسطَام قيل للشَّيْخ قد أَتَى فلَان الصُّوفِي فَنَهَضَ الشَّيْخ من مَكَانَهُ وَعدا إِلَيْهِ وَإِذا بِهِ شيخ كَبِير هم وَهُوَ رَاكب بَهِيمَة وَخَلفه خلق من الصُّوفِيَّة بمرقعات جميلَة فَقيل لَهُ قد أَتَاك الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَرمى نَفسه عَن الْبَهِيمَة وَقبل يَده وَقبل الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق رجله وَقَالَ لَهُ الصُّوفِي قتلتني يَا سَيِّدي فَمَا يمكنني أَمْشِي مَعَك وَلَكِن تتقدم إِلَى مجلسك وَلما وصل جلس الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بَين يَدَيْهِ وَأظْهر كل وَاحِد مِنْهُمَا من تَعْظِيم صَاحبه مَا جَاوز الْحَد ثمَّ أخرج الصُّوفِي خرقتين فِي إِحْدَاهمَا حِنْطَة وَقَالَ هَذِه حِنْطَة نتوارثها عَن أبي يزِيد البسطامي وَفِي الْأُخْرَى ملح فأعجب الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق ذَلِك وودعه وَانْصَرف قَالَ ابْن الهمذاني وحَدثني الشَّيْخ أَبُو الْفَضَائِل أَن ابْن بَيَان مدرس الْبَصْرَة قَالَ هَذَا الشَّيْخ الصُّوفِي الَّذِي قصد الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق يعرف بالسهلكي وَحكى فِي ذَلِك الْمجْلس أَن هَذِه الْبَلدة يَعْنِي بَلْدَة بسطَام لَا تَخْلُو من ولي لله فَكَانُوا يرَوْنَ أَن الْولَايَة انْتَهَت إِلَيْهِ

стр. 1382

ثمَّ إِن الشَّيْخ دخل نيسابور وتلقاه أَهلهَا على الْعَادة المألوفة مِمَّن وَرَاءَهُمْ من بِلَاد خُرَاسَان وَحمل شيخ الْبَلَد إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ غاشيته وَمَشى بَين يَدَيْهِ كالخديم وَقَالَ أفتخر بِهَذَا وتناظر هُوَ وإياه فِي مسَائِل انْتهى إِلَيْنَا بَعْضهَا وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق غضنفرا فِي المناظرة لَا يصطلى لَهُ بِنَار وَقد قيل إِنَّه كَانَ يحفظ مسَائِل الْخلاف كَمَا يحفظ أحدكُم الْفَاتِحَة وَقيل إِن سَبَب تصنيفه الْمُهَذّب أَنه بلغه أَن ابْن الصّباغ قَالَ إِذا اصْطلحَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة ذهب علم أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ يَعْنِي أَن علمه هُوَ مسَائِل الْخلاف بَينهمَا فَإِذا اتفقَا ارْتَفع فصنف الشَّيْخ حِينَئِذٍ الْمُهَذّب حكى ذَلِك ابْن سَمُرَة فِي طَبَقَات اليمنيين وَذكر أَن الشَّيْخ صنف الْمُهَذّب مرَارًا فَلَمَّا لم يُوَافق مَقْصُوده رمى بِهِ فِي دجلة وَأجْمع رَأْيه على هَذِه النُّسْخَة الْمجمع عَلَيْهَا ثمَّ عَاد الشَّيْخ إِلَى بَغْدَاد وصحبته كتب السُّلْطَان الْأَعْظَم ملكشاه بن السُّلْطَان ألب أرسلان السلجوقي والوزير نظام الْملك قلت وأظن الشَّيْخ فِي هَذِه السفرة خطب للخليفة بنت السُّلْطَان وَكَانَ السفير فِي ذَلِك وَمَا أرَاهُ إِلَّا فِي هَذِه السفرة فَتزَوج بهَا الْخَلِيفَة وأولدها جعفرا وَكَانَ قَصده بِهَذَا التَّقَرُّب إِلَى خاطر ملكشاه فَلم يزده ذَلِك إِلَّا بعدا وَتغَير عَلَيْهِ خاطر السُّلْطَان ملكشاه بعد زمن قريب وَكَانَ قد جعل وَلَده المستظهر بِاللَّه ولي الْعَهْد فألزمه أَن يعزله وَيجْعَل ابْن بنته جعفرا ولي الْعَهْد وَأَن يسلم بَغْدَاد إِلَى السُّلْطَان وَيخرج إِلَى الْبَصْرَة فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة وَبَالغ فِي استنزال السُّلْطَان ملكشاه عَن هَذَا الرَّأْي فَأبى

стр. 1383

فاستمهله عشرَة أَيَّام ليتجهز فَقيل أَنه جعل يَصُوم ويطوي وَإِذا أفطر جلس على الرماد وَيَدْعُو على ملكشاه فَلم يفلح ملكشاه بل مَاتَ بعد أَيَّام يسيرَة وَلم يتم لَهُ شَيْء مِمَّا أَرَادَهُ وَكَانَ هَذَا الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله كَبِير الإجلال للشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق سَببا فِي جعله خَليفَة قَالَ ابْن سَمُرَة قَالَ القَاضِي طَاهِر بن يحيى قلت هُوَ ابْن صَاحب الْبَيَان وَكَانَ مَعَ الزّهْد المتين والورع الشَّديد طلق الْوَجْه دَائِم الْبشر حسن المجالسة مليح المحاورة يحْكى الحكايات الْحَسَنَة والأشعار المليحة ويحفظ مِنْهَا كثيرا وَرُبمَا أنْشد على البديهة لنَفسِهِ مثل قَوْله مرّة لِخَادِمِهِ فِي الْمدرسَة النظامية أبي طَاهِر بن شَيبَان بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي (وَشَيخنَا الشَّيْخ أَبُو طَاهِر ... جمالنا فِي السِّرّ وَالظَّاهِر) وَمِنْه قَوْله وَهُوَ ماش فِي الوحل يَوْمًا وَقد أَكثر الإنشاد من الْأَشْعَار فَقَالَ (إنشادنا الْأَشْعَار فِي الوحل ... هَذَا لعمري غَايَة الْجَهْل) قَالَ تِلْمِيذه عَليّ بن حسكويه وَكَانَ مَعَه يَا سَيِّدي بل هَذَا لعمري غَايَة الْفضل وَقَالَ عَليّ بن حسكويه اجْتمع الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق والرئيس أَبُو الْخطاب عَليّ بن عبد الرَّحْمَن فَأتيَا بثلجية فِيهَا مَاء بَارِد فَأَنْشَأَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق قَوْله (ممنع وَهُوَ فِي الثلاج ... فَكيف لَو كَانَ فِي الزّجاج) فَأَجَابَهُ الرئيس أَبُو الْخطاب (مَاء صفا رقة وطيبا ... لَيْسَ بملح وَلَا أجاج)

стр. 1384

وَحكى أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد القاهر خطيب الْموصل قَالَ لما جِئْت إِلَى بَغْدَاد قَاصِدا الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق رحب بِي وَقَالَ من أَي الْبِلَاد أَنْت فَقلت من الْموصل فَقَالَ مرْحَبًا بلديى فَقلت يَا سيدنَا أَنا من الْموصل وَأَنت من فيروزاباذ فَقَالَ يَا وَلَدي أما جمعتنَا سفينة نوح وَله أدب أعذب من الزلَال مازجته المدام وأزهر من الرَّوْض باكره مَاء الْغَمَام وأبهى من المنثور هَذَا مَعَ أَنه لَا يَتلون وأزهى من صفحات الخدود وَإِن كَانَ آس العذار على جَوَانِب ورده تكون لَو سَمعه ديك الْجِنّ لصاح كَأَنَّهُ مصروع وَلَو تَأمل مقاطيعة ابْن قلاقس لأصبح وَهُوَ ذُو قلب مَقْطُوع فَمِنْهُ (سَأَلت النَّاس عَن خل وَفِي ... فَقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل) (تمسك إِن ظَفرت بود حر ... فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل) وَمِنْه (إِذا تخلفت عَن صديق ... وَلم يعاتبك فِي التَّخَلُّف) (فَلَا تعد بعْدهَا إِلَيْهِ ... فَإِنَّمَا وده تكلّف)

стр. 1385

وَمِنْه فِي غريق (غريق كَأَن الْمَوْت رق لفقده ... فلَان لَهُ فِي صُورَة المَاء جَانِبه) (أَبى الله أَن أنساه دهري لِأَنَّهُ ... توفاه فِي المَاء الَّذِي أَنا شَاربه) وَمِنْه أَيْضا (لبست ثوب الرجا وَالنَّاس قد رقدوا ... وَقمت أَشْكُو إِلَى مولَايَ مَا أجد) (وَقلت يَا عدتي فِي كل نائبة ... وَمن عَلَيْهِ لكشف الضّر أعْتَمد) (أَشْكُو إِلَيْك أمورا أَنْت تعلمهَا ... مَالِي على حملهَا صَبر وَلَا جلد) (وَقد مددت يَدي بالضر مبتهلا ... إِلَيْك يَا خير من مدت إِلَيْهِ يَد) (فَلَا تردنها يَا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد) قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه فِي القَوْل فِي النُّجُوم أنشدنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الفيروزابادي لنَفسِهِ (حَكِيم رأى أَن النُّجُوم حَقِيقَة ... وَيذْهب فِي أَحْكَامهَا كل مَذْهَب) (يخبر عَن أفلاكها وبروجها ... وَمَا عِنْده علم بِمَا فِي المغيب) وَحكي أَن الشَّيْخ قَالَ كنت نَائِما فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَمَعَهُ صَاحِبَاه أَبُو بكر وَعمر ﵄ فَقلت يَا رَسُول الله بَلغنِي عَنْك أَحَادِيث كَثِيرَة عَن ناقلي الْأَخْبَار فَأُرِيد أَن أسمع مِنْك خَبرا أتشرف بِهِ فِي الدُّنْيَا وأجعله ذخيرة فِي الْآخِرَة

стр. 1386

فَقَالَ لي يَا شيخ وسماني شَيخا وخاطبني بِهِ وَكَانَ الشَّيْخ يفرح بِهَذَا وَيَقُول سماني رَسُول الله ﷺ شَيخا قَالَ الشَّيْخ ثمَّ قَالَ لي ﷺ من أَرَادَ السَّلامَة فليطلبها فِي سَلامَة غَيره قلت وَمثل هَذِه الْحِكَايَة حِكَايَة شَيْخه القَاضِي أبي الطّيب فِي رُؤْيَاهُ النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وتسميته إِيَّاه فَقِيها وَكَانَ القَاضِي أَيْضا يفتخر بذلك وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق يَقُول من قَرَأَ عَليّ مَسْأَلَة فَهُوَ وَلَدي وَيَقُول الْعَوام ينسبون بالأولاد والأغنياء بالأموال وَالْعُلَمَاء بِالْعلمِ وَكَانَ يَقُول الْعلم الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ صَاحبه أَن يكون الرجل عَالما وَلَا يكون عَاملا وينشد لنَفسِهِ (علمت مَا حلل الْمولى وَحرمه ... فاعمل بعلمك إِن الْعلم بِالْعَمَلِ) وَكَانَ يَقُول الْجَاهِل بالعالم يَقْتَدِي فَإِذا كَانَ الْعَالم لَا يعْمل بِعِلْمِهِ فالجاهل مَا يَرْجُو من نَفسه فَالله الله يَا أَوْلَادِي نَعُوذ بِاللَّه من علم يصير حجَّة علينا وَكَانَ يمشي بعض أَصْحَابه مَعَه فِي طَرِيق فَعرض لَهما كلب فَقَالَ الْفَقِيه لذَلِك الْكَلْب اخْسَأْ وزجره فَنَهَاهُ الشَّيْخ وَقَالَ لم طردته عَن الطَّرِيق أما علمت أَن الطَّرِيق بيني وَبَينه مُشْتَرك ومنام الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن نصر بن كاكا المؤيدي مَشْهُور وَهُوَ مَا ذكره فَقَالَ رَأَيْت فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة لَيْلَة الْجُمُعَة الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق طول الله عمره فِي مَنَامِي يطير مَعَ أَصْحَابه فِي السَّمَاء الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة فتحيرت فِي نَفسِي وَقلت هَذَا هُوَ الشَّيْخ الإِمَام مَعَ أَصْحَابه يطير وَأَنا مَعَهم استعظاما لتِلْك الْحَال والرؤية فَكنت فِي هَذِه الفكرة إِذْ تلقى الشَّيْخ

стр. 1387

الإِمَام ملك وَسلم عَلَيْهِ عَن الله ﵎ وَقَالَ لَهُ إِن الله ﵎ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول مَاذَا تدرس لأصحابك فَقَالَ الشَّيْخ أدرس مَا نقل عَن صَاحب الشَّرْع فَقَالَ لَهُ الْملك فاقرأ عَليّ شَيْئا من ذَلِك لأسمعه فَقَرَأَ عَلَيْهِ الشَّيْخ مَسْأَلَة لَا أذكرها فاستمع لَهُ الْملك وَانْصَرف وَأخذ الشَّيْخ يطير وَأَصْحَابه مَعَه فَرجع الْملك بعد سَاعَة وَقَالَ للشَّيْخ إِن الله تَعَالَى يَقُول الْحق مَا أَنْت عَلَيْهِ وَأَصْحَابك فَادْخُلْ الْجنَّة مَعَهم وَكَانَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن حَامِد الشَّاشِي يَقُول الشَّيْخ الشِّيرَازِيّ حجَّة الله على أَئِمَّة الْعَصْر وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي وَقد اجْتمع بالشيخ وَسمع كَلَامه فِي مَسْأَلَة مَا رَأَيْت كَأبي إِسْحَاق لَو رَآهُ الشَّافِعِي لتجمل بِهِ وَقَالَ الْمُوفق الْحَنَفِيّ إِمَام أَصْحَاب الرَّأْي أَبُو إِسْحَاق إِمَام الْمُؤمنِينَ فِي الْفُقَهَاء وَكَانَ عميد الدولة بن جهير الْوَزير يَقُول هُوَ وحيد عصره وفريد دهره مستجاب الدعْوَة وَقَالَ القَاضِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد الماهاني إمامان مَا اتّفق لَهما الْحَج الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وقاضي الْقُضَاة أَبُو عبد الله الدَّامغَانِي فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق مَا كَانَ لَهُ استطاعة الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَكِن لَو أَرَادَ الْحَج لحملوه على الأحداق إِلَى مَكَّة والدامغاني لَو أَرَادَ أَن يحجّ على السندس والإستبرق لأمكنه ذَلِك

стр. 1388

وَكَانَ الشَّيْخ إِذا أَخطَأ بَين يَدَيْهِ المباحث فِي كلمة قَالَ أَي سكتة فاتتك وَرُبمَا تكلم فِي مَسْأَلَة فَسَأَلَهُ السَّائِل سؤالا غير مُتَوَجّه فَيَقُول (سَارَتْ مشرقة وسرت مغربا ... شتان بَين مشرق ومغرب) قَالَ أَبُو البركات عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك الْأنمَاطِي كَانَ الشَّيْخ يتَوَضَّأ فِي الشط فَنزل المشرعة يَوْمًا وَكَانَ يشك فِي غسل وَجهه ويكرر حَتَّى غسل نوبا عدَّة فوصل إِلَيْهِ بعض الْعَوام وَقَالَ لَهُ يَا شيخ أما تَسْتَحي تغسل وَجهك كَذَا وَكَذَا نوبَة وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من زَاد على الثَّلَاث فقد أسرف) فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لَو صَحَّ لي الثَّلَاث مَا زِدْت عَلَيْهَا فَمضى وخلاه فَقَالَ لَهُ وَاحِد أيش قلت لذَلِك الشَّيْخ الَّذِي كَانَ يتَوَضَّأ فَقَالَ الرجل ذَاك شيخ موسوس قلت لَهُ كَذَا على كَذَا فَقَالَ لَهُ يَا رجل أما تعرفه فَقَالَ لَا قَالَ ذَاك إِمَام الدُّنْيَا وَشَيخ الْمُسلمين ومفتي أَصْحَاب الشَّافِعِي فَرجع ذَلِك الرجل خجلا إِلَى الشَّيْخ وَقَالَ يَا سَيِّدي تعذرني فَإِنِّي قد أَخْطَأت وَمَا عرفتك فَقَالَ الشَّيْخ الَّذِي قلت صَحِيح فَإِنَّهُ لَا يجوز الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَالَّذِي أَجَبْتُك بِهِ أَيْضا صَحِيح لَو صَحَّ لي الثَّلَاث مَا زِدْت عَلَيْهَا كتب إِلَيّ أَحْمد بن أبي طَالب عَن مُحَمَّد بن مَحْمُود الْحَافِظ أَن عبد الْوَهَّاب بن عَليّ أنبأه عَن أبي صَالح عبد الصَّمد بن عَليّ الْفَقِيه أَن أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن

стр. 1389

الخاضبة قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق يَقُول لَو عرض هَذَا الْكتاب الَّذِي صنفته وَهُوَ الْمُهَذّب على النَّبِي ﷺ لقَالَ هَذَا شريعتي الَّتِي أمرت بهَا أمتِي أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن الشّحْنَة إِذْنا أَن الْحَافِظ أَبَا عبد الله الْبَغْدَادِيّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ النَّسَائِيّ بأصبهان يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الرشيد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت الْحسن بن الْعَبَّاس الرستمي يَقُول سَمِعت الْحسن الطَّبَرِيّ الإِمَام يَقُول سَمِعت صَوتا من الْكَعْبَة أَو من جَوف الْكَعْبَة من أَرَادَ أَن يتَنَبَّه فِي الدّين فَعَلَيهِ بالتنبيه توفّي فِي اللَّيْلَة الَّتِي صبيحتها يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وغسله أَبُو الْوَفَاء بن عقيل الْحَنْبَلِيّ وَدفن من الْغَد بمقبرة بَاب حَرْب وَمن الرِّوَايَات والفوائد عَنهُ أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الْأَشْعَرِيّ الْحَافِظ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن المهتار سَمَاعا أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمُبَارك بن ماسويه أخبرنَا أَبُو الْخَيْر مَسْعُود بن عَليّ بن صَدَقَة بن مطرز الخباز قِرَاءَة عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْكَرم

стр. 1390

خَمِيس بن عَليّ بن أَحْمد الْحَوْزِيِّ إملاء بواسط أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ ابْن يُوسُف شيخ الشافعيين بِبَغْدَاد حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني عَن مُوسَى بن عقبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ من دُعَاء رَسُول الله ﷺ (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من زَوَال نِعْمَتك وتحول عافيتك وَمن فَجْأَة نقمتك وَمن جَمِيع سخطك وغضبك) صَحِيح انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاجِهِ فِي صَحِيحه عَن أبي زرْعَة الرَّازِيّ الْحَافِظ عَن يحيى ابْن عبد الله بن بكير كَمَا أخرجناه وَلَيْسَ لمُسلم عَن أبي زرْعَة فِي صَحِيحه سوى هَذَا الحَدِيث والبوشنجي وَهُوَ الإِمَام أَبُو عبد الله تقدم فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة أخبرنَا أَحْمد بن المظفر الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا القَاضِي أَبُو الْفضل سُلَيْمَان بن أَحْمد الْمَقْدِسِي بِقِرَاءَتِي أخبرنَا الْحَافِظ الضياء مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْفضل بن الْقَاسِم أَنبأَنَا الإِمَام أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن الْحَافِظ أبي صَالح أَحْمد بن

стр. 1391

عبد الْملك النَّيْسَابُورِي نزيل كرمان أخبرنَا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب الْحَافِظ أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان حَدثنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد حَدثنَا همام قَالَ سَمِعت إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة يَقُول سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن عبدا أذْنب ذَنبا فَقَالَ أَي رب أذنبت ذَنبا فَاغْفِر لي فَقَالَ الله تَعَالَى علم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي ثمَّ مكث مَا شَاءَ الله ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر ثمَّ قَالَ أَي رب أذنبت ذَنبا فَاغْفِر لي فَقَالَ ربه علم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا عَن أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر أَن أَبَا المظفر ابْن السَّمْعَانِيّ أنبأه قَالَ أخبرنَا أبي الْحَافِظ أَبُو سعد أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مَرْزُوق بن عبد الرَّزَّاق الزَّعْفَرَانِي إجَازَة وأنشدنا عَنهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الْإِصْطَخْرِي الْفَقِيه قَالَ أنشدنا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ بِبَغْدَاد وَلم يسم قَائِلا (صبرت على بعض الْأَذَى خوف كُله ... وألزمت نَفسِي صبرها فاستقرت) (وجرعتها الْمَكْرُوه حَتَّى تدربت ... وَلَو حَملته جملَة لاشمأزت) (فيا رب عز جر للنَّفس ذلة ... وَيَا رب نفس بالتذلل عزت) (وَمَا الْعِزّ إِلَّا خيفة الله وَحده ... وَمن خَافَ مِنْهُ خافه مَا أقلت) (فيا صدق نَفسِي إِن فِي الصدْق حَاجَتي ... فأرضى بدنياي وَإِن هِيَ قلت) (وأهجر أَبْوَاب الْمُلُوك فإنني ... أرى الْحِرْص جلابا لكل مذلة)

стр. 1392

(إِذا مَا مددت الْكَفّ ألتمس الْغنى ... إِلَى غير من قَالَ اسألوني فشلت) (إِذا طرقتني الحادثات بنكبة ... تذكرت مَا عوقبت مِنْهُ فَقلت) (وَمَا نكبة إِلَّا وَللَّه منَّة ... إِذا قابلتها أَدْبَرت واضمحلت) (تبَارك رزاق الْبَريَّة كلهَا ... على مَا أَرَادَ لَا على مَا اسْتحقَّت) (فكم عَاقل لَا يستبيت وجاهل ... ترقت بِهِ أَحْوَاله وتعلت) (وَكم من جليل لَا يرام حجابه ... بدار غرور أَدْبَرت وتولت) (تشوب القذى بالصفو والصفو بالقذى ... وَلَو أَحْسَنت فِي كل حَال لملت) قلت قَوْله تبَارك رزاق الْبَريَّة الْبَيْتَيْنِ أصدق من قَول أبي الْعَلَاء المعري (كم عَاقل عَاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جَاهِل تَلقاهُ مرزوقا) (هَذَا الَّذِي ترك الأوهام حائرة ... وصير الْعَالم النحرير زنديقا) فقبحه الله مَا أجرأه على الله عزوجل وَقد أحسن الَّذِي قَالَ نقصضا عَلَيْهِ (كم عَاقل عَاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جَاهِل شعْبَان ريانا) (هَذَا الَّذِي زَاد أهل الْكفْر لَا سلمُوا ... كفرا وَزَاد أولي الْإِيمَان إِيمَانًا) أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس النابلسي الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا عَن أَحْمد بن هبة الله عَن عبد الرَّحِيم وَعبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور أَن أَبَاهُ أخبرهُ قَالَ أنشدنا أَبُو المظفر شبيب بن الْحُسَيْن القَاضِي إملاء ببروجرد أنشدنا الإِمَام الْكَبِير أَبُو إِسْحَاق الفيروزابادي أَنْشدني الْمُطَرز الْبَغْدَادِيّ لنَفسِهِ

стр. 1393

(وَلما وقفنا بالضراب عَشِيَّة ... حيارى لتوديع ورد سَلام) (وقفنا على رغم الحسود وكلنَا ... نفض عَن الأثواب كل ختام) (وسوغني عِنْد الْوَدَاع عناقه ... فَلَمَّا رأى وجدي بِهِ وغرامي) (تلثم مُرْتَابا بِفضل رِدَائه ... فَقلت هِلَال بعد بدر تَمام) (وقبلته فَوق اللثام فَقَالَ لي ... هِيَ الْخمر إِلَّا أَنَّهَا بفدام) أخبرنَا أَبُو عبد الله وَأَبُو الْعَبَّاس الحافظان فِي كتابهما عَن أبي الْفضل العساكري أَن عبد الرَّحِيم بن أبي سعد أنبأه أَن وَالِده الْحَافِظ قَالَ لَهُ سَمِعت سيدنَا القَاضِي يَقُول عقب هَذَا ثمَّ قَالَ لي الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق يَا بني قد رويت عَن هَذَا الرجل فِي النسيب شَيْئا فأودعني مَا يمحو ذَلِك وأنشدني لنَفسِهِ (يَا عبد كم لَك من ذَنْب ومعصية ... إِن كنت ناسيها فَالله أحصاها) (يَا عبد لَا بُد من ذَنْب تقوم لَهُ ... ووقفة مِنْك تدمي الْكَفّ ذكرَاهَا) (إِذا عرضت على نَفسِي تذكرها ... وساء ظَنِّي قلت اسْتغْفر الله) أخبرنَا أَحْمد بن المظفر الْحَافِظ ﵀ إِذْنا خَاصّا عَن أَحْمد بن هبة الله عَن أبي المظفر السَّمْعَانِيّ أَن وَالِده الْحَافِظ أَبَا سعد أخبرهُ قَالَ أنشدنا شبيب بن

стр. 1394

الْحُسَيْن قَاض ببروجرد قَالَ أَنْشدني أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَأَظنهُ قَالَ هِيَ للمطرز (وحديثها السحر الْحَلَال لَو أَنه ... لم يجن قتل الْمُسلم المتحرز) (إِن طَال لم يملل وَإِن هِيَ أوجزت ... ود الْمُحدث أَنَّهَا لم توجز) (شرف النُّفُوس ونزهة مَا مثلهَا ... للمطمئن وعقلة المستوفز) ذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي النكت احْتِمَالا لنَفسِهِ فِيمَا إِذا نذر صَلَاة مُؤَقَّتَة وأخرجها عَن وَقتهَا أَنه يقبل وَهُوَ وَجه مُصَرح بحكايته فِي بعض نسخ الذَّخَائِر عَن رَوْضَة المناظر وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق مجمعا عَلَيْهِ من أهل عصره علما ودينا رفيع الجاه بِسَبَب ذَلِك محببا إِلَى غَالب الْخلق لَا يقدر أحد أَن يرميه بِسوء لحسن سيرته وشهرتها عِنْد الْخلق وَزَعَمت الْحَنَابِلَة فِي وَاقعَة ابْن الْقشيرِي أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق أَرَادَ أَن يبطل مَذْهَبهم لما وَقعت الْفِتْنَة بَين الْحَنَابِلَة والأشعرية وَقَامَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي نصر أبي نصر بن الْقشيرِي لنصره لمَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَكَاتب نظام الْملك فِي ذَلِك وَكَانَ من ذَلِك أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق اشْتَدَّ غَضَبه على الْحَنَابِلَة وعزم على الرحلة من بَغْدَاد لما نَالَ الْأَشْعَرِيّ من سبّ الْحَنَابِلَة إِيَّاه وَمَا نَالَ أَبَا نصر بن الْقشيرِي من أذاهم فَأرْسل الْخَلِيفَة إِلَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق يسكنهُ ويخفف مَا عِنْده

стр. 1395

ثمَّ كتب الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق رِسَالَة إِلَى نظام الْملك يشكو الْحَنَابِلَة وَيذكر مَا فَعَلُوهُ من الْفِتَن وَأَن ذَلِك من عاداتهم ويسأله المعونة فَعَاد جَوَاب نظام الْملك إِلَى فَخر الدولة وَله بإنكار مَا وَقع وَالتَّشْدِيد على خصوم ابْن الْقشيرِي وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فسكن الْحَال قَلِيلا ثمَّ أَخذ الشريف أَبُو جَعْفَر بن أبي مُوسَى وَهُوَ شيخ الْحَنَابِلَة إِذْ ذَاك وجماعته يَتَكَلَّمُونَ فِي الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ويبلغونه الْأَذَى بألسنتهم فَأمر الْخَلِيفَة بِجَمْعِهِمْ وَالصُّلْح بَينهم بعد مَا ثارت بَينهم فِي ذَلِك فتْنَة هائلة قتل فِيهَا نَحْو من عشْرين قَتِيلا فَلَمَّا وَقع الصُّلْح وَسكن الْأَمر أَخذ الْحَنَابِلَة يشيعون أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق تَبرأ من مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فَغَضب الشَّيْخ لذَلِك غَضبا لم يصل أحد إِلَى تسكينه وَكَاتب نظام الْملك فَقَالَت الْحَنَابِلَة إِنَّه كتب يسْأَله فِي إبِْطَال مَذْهَبهم وَلم يكن الْأَمر على هَذِه الصُّورَة وَإِنَّمَا كتب يشكو أهل الْفِتَن فَعَاد جَوَاب نظام الْملك فِي سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة إِلَى الشَّيْخ باستجلاب خاطره وتعظيمه وَالْأَمر بالانتقام من الَّذين أثاروا الْفِتْنَة وَبِأَن يسجن الشريف أَبُو جَعْفَر وَكَانَ الْخَلِيفَة قد حَبسه بدار الْخلَافَة عِنْد مَا شكاه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق قَالُوا وَمن كتاب نظام الْملك إِلَى الشَّيْخ وَأَنه لَا يُمكن تَغْيِير الْمذَاهب وَلَا نقل أَهلهَا عَنْهَا وَالْغَالِب على تِلْكَ النَّاحِيَة مَذْهَب أَحْمد وَمحله مَعْرُوف عِنْد الْأَئِمَّة وَقدره مَعْلُوم فِي السّنة فِي كَلَام طَوِيل سكن بِهِ جأش الشَّيْخ وَأَنا لَا أعتقد أَن الشَّيْخ أَرَادَ إبِْطَال مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَلَيْسَ الشَّيْخ مِمَّن يُنكر مِقْدَار هَذَا الإِمَام الْجَلِيل الْمجمع على علو مَحَله من الْعلم وَالدّين وَلَا مِقْدَار الْأَئِمَّة من أَصْحَابه أهل السّنة والورع وَإِنَّمَا أنكر على قوم عزوا أنفسهم إِلَيْهِ وَهُوَ مِنْهُم بَرِيء

стр. 1396

وأطالوا ألسنتهم فِي سبّ الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ كَبِير أهل السّنة بعده وعقيدته وعقيدة الإِمَام أَحْمد ﵀ وَاحِدَة لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ارتياب وَبِه صرح الْأَشْعَرِيّ فِي تصانيفه وَكرر غير مَا مرّة أَن عقيدتي هِيَ عقيدة الإِمَام المبجل أَحْمد بن حَنْبَل هَذِه عبارَة الشَّيْخ أبي الْحسن فِي غير مَوضِع من كَلَامه قَالَ الْفَقِيه أَبُو يعلى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن صَالح العباسي الْمَعْرُوف بِابْن الهبارية فِي كِتَابه فلك الْمَعَالِي وَهُوَ كتاب عمله للوزير أبي نصر سعيد بن المؤمل رُتْبَة على اثنى عشر بَابا على تَرْتِيب البروج وَمن خطّ ابْن الصّلاح نقلت لما توفّي قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن جَعْفَر بن مَاكُولَا بِبَغْدَاد أكره الْقَائِم بِأَمْر الله الشَّيْخ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الفيروزابادي على أَن يتقلد لَهُ النّظر فِي الإحكام والمظالم شرقا وغربا فَامْتنعَ فَوكل بِهِ فَكتب إِلَيْهِ ألم يكفك أَن هَلَكت حَتَّى تهلكني مَعَك فَبكى الْقَائِم بِأَمْر الله وَقَالَ هَكَذَا فَلْيَكُن الْعلمَاء إِنَّمَا أردنَا أَن يُقَال إِنَّه كَانَ فِي عصرنا من وكل بِهِ وأكره على الْقَضَاء فَامْتنعَ وَقد أعفيناه قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر ...

стр. 1397

مناظرة بَين الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَالشَّيْخ أبي عبد الله الدَّامغَانِي وَكَانَا قد اجْتمعَا فِي عزاء بِبَغْدَاد سُئِلَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِي عَن الذِّمِّيّ إِذا أسلم هَل تسْقط عَنهُ الْجِزْيَة لما مضى فَمنع من ذَلِك وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي فَسئلَ الدَّلِيل فاستدل على ذَلِك بِأَنَّهُ أحد الخراجين فَإِذا وَجب فِي حَال الْكفْر لم يسْقط بِالْإِسْلَامِ أَصله خراج الأَرْض فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي لَا يمْتَنع أَن يكون نَوْعَانِ من الْخراج ثمَّ يشْتَرط فِي أَحدهمَا مَالا يشْتَرط فِي الآخر كَمَا أَن زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال نَوْعَانِ من الزَّكَاة ثمَّ يشْتَرط فِي أَحدهمَا النّصاب وَلَا يشْتَرط فِي الآخر وَالسُّؤَال الثَّانِي لَا يمْنَع أَن يكون حقان متعلقان بالْكفْر ثمَّ أَحدهمَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ وَالْآخر لَا يسْقط أَلا ترى أَن الاسترقاق وَالْقَتْل حقان متعلقان بالْكفْر ثمَّ أَحدهمَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ الْقَتْل وَالْآخر لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ الاسترقاق وَالسُّؤَال الثَّالِث الْمَعْنى فِي الأَصْل أَن الْخراج يجب بِسَبَب التَّمَكُّن من الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ وَيجوز أَن يجب بِمثل هَذَا السَّبَب حق عَلَيْهِ فِي حَال الْإِسْلَام وَهُوَ الْعشْر فَلهَذَا جَازَ أَن يبْقى مَا وَجب عَلَيْهِ مِنْهُ حَال الْكفْر وَلَيْسَ ذَلِك هَا هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب بِمثل نسبته حق فِي حَال الْإِسْلَام فَلهَذَا سقط مَا وَجب فِي حَال الْكفْر فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق على الْفَصْل الأول وَهُوَ اعْتِبَار نِصَاب فِي زَكَاة المَال دون زَكَاة الْفطر ثَلَاثَة أَشْيَاء

стр. 1398

أَحدهمَا أَن مَا ذكرت حجَّة لنا لِأَن زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال لما كَانَ سَبَب إيجابهما الْإِسْلَام وَالْكفْر ينافيهما كَانَ تَأْثِير الْكفْر فِي إسقاطهما مؤثرا وَاحِدًا حَتَّى إِنَّه إِذا وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة الْفطر وارتد عِنْدهم سقط عَنهُ ذَلِك كَمَا إِذا وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة المَال ثمَّ ارْتَدَّ سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة فَكَانَ تَأْثِير الْبَاقِي فِي إسقاطهما على وَجه وَاحِد فَكَذَلِك هَهُنَا لما كَانَ سَبَب الخراجين هُوَ الْكفْر وَالْإِسْلَام ينافيهما فَيجب أَن يكون تَأْثِير الْإِسْلَام فِي إسقاطهما وَاحِدًا وَقد ثَبت أَن أَحدهمَا لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ فَكَذَلِك الآخر جَوَاب ثَان أَن الزكاتين افترقتا لِأَن زَكَاة الْفطر فَارَقت سَائِر الزكوات فِي تعلقهَا بِالذِّمةِ ففارقها فِي اعْتِبَار النّصاب وَلَيْسَ كَذَلِك الخراجان فَإِنَّهُمَا سَوَاء فِي اعْتِبَار الْكفْر فِي وجوبهما ومنافاة الْإِسْلَام لَهما فَلَو سقط أَحدهمَا بِالْإِسْلَامِ سقط الآخر جَوَاب ثَالِث وَهُوَ أَن زَكَاة الْفطر لَا تزداد بِزِيَادَة المَال فَلهَذَا لم يعْتَبر فِيهَا النّصاب وَلَيْسَ كَذَلِك سَائِر الزكوات فَإِنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف المَال وتزداد بِزِيَادَتِهِ فَلهَذَا اعْتبر فِيهَا النّصاب وَأما حَال الخراجين فَإِنَّهُمَا على مَا ذكرت سَوَاء فَوَجَبَ أَن يتساويا فِي الْإِسْلَام وَأما الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ الْقَتْل والاسترقاق فَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقَتْل والاسترقاق جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَمَعَ اخْتِلَاف الْأَجْنَاس يجوز أَن تخْتَلف الْأَحْكَام فَأَما فِي مَسْأَلَتنَا فالخراجان من جنس وَاحِد يجبان بِسَبَب الْكفْر فَلَا يجوز أَن يخْتَلف حكمهمَا وَالثَّانِي الاسترقاق إِذا حصل فِي حَال الْكفْر كَانَ مَا بعد الْإِسْلَام اسْتِدَامَة للرق وَبَقَاء عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك الْقَتْل فَإِنَّهُ ابْتِدَاء عُقُوبَة فَجَاز أَن يختلفا وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فحال الخراجين وَاحِد من اسْتِيفَاء مَا تقدم وُجُوبه فَإِذا لم يسْقط أَحدهمَا لم يسْقط الآخر

стр. 1399

وَأما الْفَصْل الثَّالِث وَهُوَ الْمُعَاوضَة فَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا إِن قَالَ لَا أسلم أَن بِمثل سَبَب الْخراج يجب على الْمُسلم حق فَإِن الْخراج إِنَّمَا وَجب بِسَبَب التَّمَكُّن من الِانْتِفَاع مَعَ الْكفْر وَالْعشر إِنَّمَا لزم للْأَرْض بِحَق الله وَهُوَ الْإِسْلَام وَالثَّانِي أَنه إِن كَانَ هُنَاكَ حق يجب بِمثل سَبَب الْخراج فَيحسن أَن يجْرِي عَلَيْهِ الَّذِي فِي حَال الْإِسْلَام فَلهَذَا جَازَ أَن يبْقى مَا تقدم وُجُوبه فِي حَال الْكفْر فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا يجب بِمثل سَبَب الْجِزْيَة حق حَتَّى يجْرِي عَلَيْهِ فِي حَال الْإِسْلَام وَهُوَ زَكَاة الْفطر فَإِن الزَّكَاة وَزَكَاة الْفطر تجب عَن الرَّقَبَة فَيجب أَن الْجِزْيَة تجب عَن الرَّقَبَة وَأَن يبْقى مَا وَجب من ذَلِك فِي حَال الْكفْر فَلَا فرق بَينهمَا فَقَالَ أَبُو عبد الله الدَّامغَانِي على فصل الزَّكَاة على الْجَواب الأول وَهُوَ قَالَ فِيهِ إِن ذَلِك حجَّة فَإِنَّهُمَا يستويان فِي اعْتِبَار الْإِسْلَام فِي حَال وَاحِد من الزكاتين فَقَالَ لَا يمْتَنع أَن يكون الْكفْر يعْتَبر فِي كل وَاحِد من الخراجين ثمَّ يخْتَلف حكمهمَا بعد ذَلِك فِي الِاسْتِيفَاء كَمَا أَن زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال يستويان فِي أَن المَال مُعْتَبر فِي حَال وَاحِدَة فيهمَا ثمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي كَيْفيَّة الِاعْتِبَار فَالْمُعْتَبر فِي زَكَاة الْفطر أَن مَعَه مَا يُؤَدِّي فَاضلا عَن كِفَايَته عنْدكُمْ وَالْمُعْتَبر فِي سَائِر الزكوات أَن يكون مَالِكًا لنصاب فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن يَسْتَوِي الخراجان فِي اعْتِبَار الْكفْر فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ يخْتَلف حكمهمَا عِنْد الِاسْتِيفَاء فَيعْتَبر الْبَقَاء على الْكفْر فِي أَحدهمَا دون الآخر وَجَوَاب ثَان أَن الزكاتين إِنَّمَا أثر الْكفْر فيهمَا على وَجه وَاحِد لِأَنَّهُمَا يجبان على

стр. 1400

سَبِيل الْعِبَادَة فَلَا يجوز استيفاؤهما بعد الْكفْر لِأَن الْكَافِر لَا تثبت فِي حَقه الْعِبَادَات وَلَيْسَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا فَإِن الْجِزْيَة تجب على سَبِيل الصغار لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ وَبعد الْإِسْلَام لم يُوجد الصغار فَلَا يَصح استيفاؤهما وَكَذَلِكَ الْخراج فِي الأَرْض لَا يجب على سَبِيل الصغار وَلِهَذَا يجوز أَن يُوجد باسمه من الْمُسلمين وَهُوَ الَّذِي ضربه عمر ﵁ على الأَرْض السوَاد وَتكلم على الْجَواب الثَّانِي عَن هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن زَكَاة الْفطر تتَعَلَّق بِالذِّمةِ فَقَالَ لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا فِي الذِّمَّة وَالْآخر فِي المَال ثمَّ يستويان فِي النّصاب كَمَا أَن أرش الْجِنَايَة يتَعَلَّق بِعَين الْجَانِي وَزَكَاة الْفطر تتَعَلَّق بِالذِّمةِ ثمَّ لَا يعْتَبر النّصاب فِي وَاحِد مِنْهُمَا وَأَيْضًا فقد اخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي أَن الزَّكَاة تتَعَلَّق بِالْعينِ أَو الذِّمَّة فَدلَّ على أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِيهِ مَا ذكرت وَتكلم على الْجَواب الثَّالِث فِي هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن زَكَاة الْفطر لَا تزداد بِزِيَادَة المَال فَقَالَ لما جَازَ أَن لَا تزداد بِزِيَادَة المَال ثمَّ لَا يعْتَبر فِيهِ النّصاب ثمَّ هَذَا يبطل بِمَا زَاد على نِصَاب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم عنْدك فَإِنَّهُ يزْدَاد بِزِيَادَة المَال ثمَّ لَا يعْتَبر فِيهَا النّصاب وَتكلم على الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ الاسترقاق وَالْقَتْل حَيْثُ قَالَ إنَّهُمَا جِنْسَانِ يَخْتَلِفَانِ وَهَاهُنَا جنس وَاحِد فَقَالَ إنَّهُمَا وَإِن كَانَا جِنْسَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا يجبان بِسَبَب الْكفْر وَكَانَ يجب أَن يكون تَأْثِير الْإِسْلَام فيهمَا وَاحِدًا كَمَا قُلْنَا فِي الخراجين وَالثَّانِي أَن الخراجين وَإِن كَانَا جِنْسا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يجب أَن يستوفيا فِي حَال الْإِسْلَام كالخراج

стр. 1401

الَّذِي وَضعه عمر ﵁ مَعَ الْخراج فهما خراجان ثمَّ يجوز ابْتِدَاء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام فَلَا يجوز ابْتِدَاء الآخر فَكَذَلِك هَاهُنَا وَأجَاب عَن الْجَواب الثَّانِي فِي هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن الاسترقاق اسْتِدَامَة وَالْقَتْل ابْتِدَاء فعل فَقَالَ الْقَتْل والجزية سَوَاء لِأَن الْقَتْل قد تقدم وُجُوبه وَلَكِن بَقِي بعد الْإِسْلَام الِاسْتِيفَاء كَمَا وَجَبت الْجِزْيَة وَتقدم وُجُوبهَا وَبَقِي الِاسْتِيفَاء وَإِن كَانَ الْقَتْل لَا يجوز بعد الْإِسْلَام لِأَنَّهُ ابْتِدَاء مَعَ مَا تقدم وُجُوبه فِي حَال الْكفْر فهما سَوَاء وَتكلم على الْمُعَاوضَة على الْجَواب الأول أَن الْعشْر لَا يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الْخراج فَقَالَ الْخراج يجب بِإِمْكَان الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ وَلذَلِك لَا يجب فِيمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ من الأَرْض كالمستغدر وَمَا يبطل مِنْهُ الِانْتِفَاع بِهِ كَمَا يجب الْعشْر بِإِمْكَان الِانْتِفَاع فهما يجبان بِسَبَب وَاحِد فَإِذا جَازَ ابْتِدَاء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام جَازَ الْبَقَاء على الآخر بعد الْإِسْلَام وَتكلم على الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ زَكَاة الْفطر فَقَالَ الْجِزْيَة لَا تجب بِالْمَعْنَى الَّذِي تجب بِهِ زَكَاة الْفطر لِأَن زَكَاة الْفطر تجب على سَبِيل الْعِبَادَة والجزية تجب على وَجه الصغار فسببهما مُخْتَلف فَتكلم الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق على الْجَواب الأول بِأَن ذَلِك حجَّة لي فَقَالَ أما قَوْلك أَنه يجوز أَن يشْتَرك الحقان فِي اعْتِبَار الْإِسْلَام ثمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي الْكَيْفِيَّة وَالتَّفْصِيل كَمَا اسْتَوَى زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال فِي اعْتِبَار المَال وَاخْتلفَا فِي كَيْفيَّة الِاعْتِبَار فَهَذَا صَحِيح فِي اعْتِبَار المَال فَأَما فِي اعْتِبَار الدّين فَلَا يجوز أَن يخْتَلف جَازَ الِابْتِدَاء والاستيفاء أَلا ترى أَن زَكَاة الْفطر خَالَفت سَائِر الزكوات فِي التَّفْصِيل فِي اعْتِبَار المَال ثمَّ الْكفْر لما كَانَ

стр. 1402

مباينا لَهما وَالْإِسْلَام مُعْتَبر فيهمَا لم يخْتَلف اعْتِبَار ذَلِك فيهمَا لَا فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي الِاسْتِيفَاء بل إِذا زَالَ الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ شَرط فِي وجوبهما أثر الْكفْر فِي إِسْقَاط كل وَاحِد مِنْهُمَا وَمنع من استيفائهما فَكَذَلِك هَاهُنَا لما كَانَ الْإِسْلَام منافيا للخراجين وَالْكفْر شَرط فِي وجوبهما وَجب أَن يكون حَالهمَا وَاحِدًا فِي اعْتِبَار الْكفْر فِي الِابْتِدَاء والاستيفاء كَمَا قُلْنَا فِي زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال وَأما الْكَلَام الثَّانِي الَّذِي ذكرت على هَذَا بِأَن زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال يجبان على سَبِيل الْعِبَادَة فنافاهما الْكفْر وَأَن الْجِزْيَة على سَبِيل الصغار فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ كَمَا تجب الْجِزْيَة على سَبِيل الصغار فخراج الأَرْض كَذَلِك فَإِذا نافى الْإِسْلَام أَحدهمَا وَمنع من الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَال صغَار وَجب أَن ينافى الآخر أَيْضا ووجوبه على سَبِيل الصغار وَالثَّانِي أَنا لَا نعلم أَن الْجِزْيَة تجب على سَبِيل الصغار بل هِيَ مُعَاوضَة وَلِهَذَا الْمَعْنى تعْتَبر فِيهَا الْمدَّة كَمَا تعْتَبر فِي الْمُعَاوَضَات وَلَو كَانَ ذَلِك صغَارًا لم تعْتَبر فِيهَا الْمدَّة كَمَا تعْتَبر فِي الاسترقاق وَالْقَتْل وَيدل عَلَيْهِ أَنَّهَا تجب فِي مُقَابلَة معوض لَهُم وَهُوَ الحقن والمساكنة فِي دَار الْإِسْلَام وَمَا سلم لَهُم معوضه دلّ على أَنه يجب على سَبِيل الْعِوَض وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ فقد قيل فِي التَّفْسِير إِن المُرَاد بِهِ أَنهم ملتزمون لأحكام الْإِسْلَام وَالثَّالِث أَن الصغار إِنَّمَا يعْتَبر فِي الْوُجُوب فَأَما فِي الِاسْتِيفَاء فَلَا يعْتَبر أَلا ترى أَنه لَو ضمن عَنهُ مُسلم جَازَ أَن يَسْتَوْفِي عَنهُ وَإِن لم يجب على الْمُسلم فِي ذَلِك صغَار فَدلَّ على بطلَان مَا قَالُوهُ وَأَيْضًا فَإِن الصغار قد يعْتَبر فِي إِيجَاب الشَّيْء وَلَا يعْتَبر فِي

стр. 1403

اسْتِيفَائه كَمَا أَن الْحُدُود تجب على سَبِيل التنكيل بِالْمَعَاصِي وَلِهَذَا قَالَ الله ﵎ ﴿جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَذكر النكال عقب ذكر الْحَد كَمَا ذكر الصغار عقيب ذكر النكال فقد رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ) فَكَذَلِك هَاهُنَا وَأما الْكَلَام عَن الْجَواب الثَّانِي من هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن زَكَاة الْفطر تتَعَلَّق بِالْعينِ فَصَحِيح وَمَا ذكرت من التَّفْصِيل فَلَا يلْزم لِأَنِّي لم أقل إِن كل حق يتَعَلَّق بِالْعينِ يعْتَبر فِيهِ النّصاب وَإِنَّمَا قلت إِن الزَّكَاة إِذا تعلّقت بِالْعينِ اقْتَضَت النّصاب وَزَكَاة الْفطر تخَالف سَائِر الزكوات فِي تعلقهَا بِالْعينِ فخالفتها فِي اعْتِبَار النّصاب فَلَا يلْزم عَلَيْهِ سَائِر الْحُقُوق وَأما قَوْلك إِن النّصاب مُعْتَبر فِي سَائِر الزكوات من غير اخْتِلَاف وَفِي تعلق الزَّكَاة بِالْعينِ قَولَانِ فَغير صَحِيح لِأَن القَوْل بِهِ فَاسد وَبِهَذَا يسْتَدلّ على فَسَاده لِأَنَّهُ لَو كَانَ تعلق بِالذِّمةِ لما اعْتبر فِيهِ النّصاب وَأما الْجَواب الثَّالِث عَن هَذَا الْفَصْل أَن زَكَاة الْفطر لَا تزداد بِزِيَادَة المَال وَسَائِر الزكوات تزداد بِزِيَادَة المَال فَهُوَ صَحِيح وَمَا ذكرت من أَنه لَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لما اعْتبر فِيهِ وجود صَاع فَاضلا عَن الْكِفَايَة فَبَاطِل لِأَنَّهُ يعْتَبر فِيهَا النّصاب وَلَا يزْدَاد بِزِيَادَة المَال وَأما قَوْلك إِنَّه يبطل هَذَا بِمَا زَاد على نِصَاب الْأَثْمَان وَالْعشر فَلَا يلْزم لِأَنِّي جعلت ذَلِك عِلّة فِي اعْتِبَار النّصاب الثَّانِي إِلَّا لدفع الضَّرَر فِيمَا يدْخل الضَّرَر فِيهِ وَهُوَ تبعيض الْحَيَوَان والمشاركة فِيهِ وَهَذَا لَا يُوجد فِي الْحُبُوب وَلَا فِي الْعين فَسقط اعْتِبَاره وَأما الْكَلَام فِي الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ الاسترقاق فَمَا ذكرته من الْجَواب أَن

стр. 1404

الاسترقاق وَالْقَتْل جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَهَاهُنَا جنس وَاحِد فَصَحِيح وقولك إنَّهُمَا وَإِن كَانَا جِنْسَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا يجبان بِسَبَب الْكفْر وَلَوْلَا الْكفْر لم يجبا فَكَانَ يجب أَن يُؤثر الْإِسْلَام فِي إسقاطهما فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ وجوبهما بِسَبَب وَاحِد إِلَّا أَنَّهُمَا حقان مُخْتَلِفَانِ وَإِذا اخْتلفت الْحُقُوق يجوز أَن تخْتَلف أَحْكَامهَا أَلا ترى أَن الْجُمُعَة وَالْخطْبَة تجبان لِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَنَّهُمَا لما اخْتلفَا فِي الجنسية اخْتلفَا فِي الْأَحْكَام فَكَذَا هُنَا الاسترقاق وَالْقَتْل وَإِن وجبا بِسَبَب الْكفْر إِلَّا أَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيجوز أَن يخْتَلف حكمهمَا وَأما قَوْلك إِن هَذَا يبطل بخراج السوَاد وجزية الرّقاب فَإِنَّهُمَا خراجان لم يبتدىء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام وَلَا يبتدىء الآخر فخطأ لِأَنِّي لم أقل إنَّهُمَا جنس وَاحِد سَوَاء بل قلت إنَّهُمَا جنس وَاحِد وسببهما الْكفْر وَإِنَّمَا هُوَ البيع وَالْإِجَارَة على اخْتِلَاف الْمَذْهَب وَهَاهُنَا كل من الخراجين وَجب لحق الْكفْر فَلم يختلفا وَأما الْجَواب الثَّانِي عَن هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن الاسترقاق اسْتِدَامَة وَالْقَتْل ابْتِدَاء عُقُوبَة فَصَحِيح وقولك إِن الْقَتْل اسْتِيفَاء مَا تقدم فَغير صَحِيح لِأَنِّي قلت إِن الْقَتْل ابْتِدَاء عُقُوبَة والاسترقاق اسْتِدَامَة لِأَنَّهُ قد تقدم فعل الاسترقاق فِي حَال الْكفْر وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَنَّهُ كالخراجين اسْتِيفَاء مَا تقدم وَإِن جَازَ أَحدهمَا جَازَ الآخر وَلَيْسَ فِي الْقَتْل مثل هَذَا أَلا ترى أَنه لَيْسَ فِي جنسه مَا يُسَاوِيه فِي الِاسْتِيفَاء بِحَق الْكفْر ثمَّ بعد الْإِسْلَام وَهَاهُنَا من جنسه مَا يسْتَوْفى بعد الْإِسْلَام وَهُوَ خراج الأَرْض فَلَو لم يجز اسْتِيفَاء الْجِزْيَة بعد الْإِسْلَام لوَجَبَ أَن يُقَال لَا يجوز اسْتِيفَاء الْخراج وَأما الْفَصْل الثَّالِث وَهُوَ الْمُعَاوضَة فَمَا ذكرت من الْمَنْع صَحِيح لِأَن الْخراج يجب بِسَبَب الْكفْر وَيعْتَبر فِيهِ التَّمْكِين من الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ وَالْعشر يجب بِحَق الْإِسْلَام وَيعْتَبر فِيهِ الْخراج فأحدهما لَا يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الآخر وَيدل على أَنه لَا يَصح اجْتِمَاعهمَا فِي حَال الْكفْر وَلَا فِي حَال الْإِسْلَام لِأَنَّهُ فِي حَال الْكفْر

стр. 1405

يجب الْخراج وَلَا يجب الْعشْر وَفِي حَال الْإِسْلَام يجب وَلَا يجب الْخراج فَدلَّ على أَنَّهَا متنافيان وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ من وجوب أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام على بَقَاء الآخر بعد الْإِسْلَام وَالثَّانِي مَا ذكرت من زَكَاة الْفطر فَهُوَ صَحِيح فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ كَمَا يجب بِسَبَب مَنْفَعَة الأَرْض حق مُبْتَدأ على الْمُسلم فبسبب الرَّقَبَة يجب حق مُبْتَدأ على الْمُسلم وَهُوَ زَكَاة الْفطر وقولك إِن زَكَاة الْفطر على سَبِيل الْعِبَادَة والجزية وَالْخَرَاج على سَبِيل الْكفْر وَالصغَار فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِأَحَدِهِمَا بعد الْإِسْلَام على بَقَاء الآخر كَذَلِك يجوز أَن يسْتَدلّ بِوُجُوب زَكَاة الْفطر حَال الْإِسْلَام على بَقَاء الْجِزْيَة وَالله أعلم مناظرة أَيْضا بِبَغْدَاد بَين أبي إِسْحَاق وَأبي عبد الله الدَّامغَانِي ﵄ قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ الْمَالِكِي ﵀ وَقد شَاهد هَذِه المناظرة وحضرها الْعَادة بِبَغْدَاد أَن من أُصِيب بوفاة أحد مِمَّن يكرم عَلَيْهِ قعد أَيَّامًا فِي مَسْجِد ربضه يجالسه فِيهَا جِيرَانه وإخوانه فَإِذا مَضَت أَيَّام عزوه وعزموا عَلَيْهِ فِي التسلي والعودة إِلَى عَادَته من تصرفه فَتلك الْأَيَّام الَّتِي يقْعد فِيهَا فِي مَسْجده للعزاء مَعَ إخوانه وجيرانه لَا تقطع فِي الْأَغْلَب إِلَّا بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بمناظرة الْفُقَهَاء فِي الْمسَائِل فَتُوُفِّيَتْ زَوْجَة القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَهُوَ شيخ الْفُقَهَاء ذَلِك الْوَقْت بِبَغْدَاد وَكَبِيرهمْ فاحتفل النَّاس بمجالسته وَلم يكد يبْقى أحد منتم إِلَى علم إِلَّا حضر ذَلِك الْمجْلس وَكَانَ مِمَّن حضر ذَلِك الْمجْلس القَاضِي
следующие страницы →