Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الَّذِي وَضعه عمر ﵁ مَعَ الْخراج فهما خراجان ثمَّ يجوز ابْتِدَاء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام فَلَا يجوز ابْتِدَاء الآخر فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَأجَاب عَن الْجَواب الثَّانِي فِي هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن الاسترقاق اسْتِدَامَة وَالْقَتْل ابْتِدَاء فعل فَقَالَ الْقَتْل والجزية سَوَاء لِأَن الْقَتْل قد تقدم وُجُوبه وَلَكِن بَقِي بعد الْإِسْلَام الِاسْتِيفَاء كَمَا وَجَبت الْجِزْيَة وَتقدم وُجُوبهَا وَبَقِي الِاسْتِيفَاء وَإِن كَانَ الْقَتْل لَا يجوز بعد الْإِسْلَام لِأَنَّهُ ابْتِدَاء مَعَ مَا تقدم وُجُوبه فِي حَال الْكفْر فهما سَوَاء
وَتكلم على الْمُعَاوضَة على الْجَواب الأول أَن الْعشْر لَا يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الْخراج فَقَالَ الْخراج يجب بِإِمْكَان الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ وَلذَلِك لَا يجب فِيمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ من الأَرْض كالمستغدر وَمَا يبطل مِنْهُ الِانْتِفَاع بِهِ كَمَا يجب الْعشْر بِإِمْكَان الِانْتِفَاع فهما يجبان بِسَبَب وَاحِد فَإِذا جَازَ ابْتِدَاء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام جَازَ الْبَقَاء على الآخر بعد الْإِسْلَام
وَتكلم على الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ زَكَاة الْفطر فَقَالَ الْجِزْيَة لَا تجب بِالْمَعْنَى الَّذِي تجب بِهِ زَكَاة الْفطر لِأَن زَكَاة الْفطر تجب على سَبِيل الْعِبَادَة والجزية تجب على وَجه الصغار فسببهما مُخْتَلف
فَتكلم الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق على الْجَواب الأول بِأَن ذَلِك حجَّة لي فَقَالَ أما قَوْلك أَنه يجوز أَن يشْتَرك الحقان فِي اعْتِبَار الْإِسْلَام ثمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي الْكَيْفِيَّة وَالتَّفْصِيل كَمَا اسْتَوَى زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال فِي اعْتِبَار المَال وَاخْتلفَا فِي كَيْفيَّة الِاعْتِبَار فَهَذَا صَحِيح فِي اعْتِبَار المَال فَأَما فِي اعْتِبَار الدّين فَلَا يجوز أَن يخْتَلف جَازَ الِابْتِدَاء والاستيفاء أَلا ترى أَن زَكَاة الْفطر خَالَفت سَائِر الزكوات فِي التَّفْصِيل فِي اعْتِبَار المَال ثمَّ الْكفْر لما كَانَ
стр. 1402
مباينا لَهما وَالْإِسْلَام مُعْتَبر فيهمَا لم يخْتَلف اعْتِبَار ذَلِك فيهمَا لَا فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي الِاسْتِيفَاء بل إِذا زَالَ الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ شَرط فِي وجوبهما أثر الْكفْر فِي إِسْقَاط كل وَاحِد مِنْهُمَا وَمنع من استيفائهما فَكَذَلِك هَاهُنَا لما كَانَ الْإِسْلَام منافيا للخراجين وَالْكفْر شَرط فِي وجوبهما وَجب أَن يكون حَالهمَا وَاحِدًا فِي اعْتِبَار الْكفْر فِي الِابْتِدَاء والاستيفاء كَمَا قُلْنَا فِي زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال
وَأما الْكَلَام الثَّانِي الَّذِي ذكرت على هَذَا بِأَن زَكَاة الْفطر وَزَكَاة المَال يجبان على سَبِيل الْعِبَادَة فنافاهما الْكفْر وَأَن الْجِزْيَة على سَبِيل الصغار فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ كَمَا تجب الْجِزْيَة على سَبِيل الصغار فخراج الأَرْض كَذَلِك فَإِذا نافى الْإِسْلَام أَحدهمَا وَمنع من الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَال صغَار وَجب أَن ينافى الآخر أَيْضا ووجوبه على سَبِيل الصغار
وَالثَّانِي أَنا لَا نعلم أَن الْجِزْيَة تجب على سَبِيل الصغار بل هِيَ مُعَاوضَة وَلِهَذَا الْمَعْنى تعْتَبر فِيهَا الْمدَّة كَمَا تعْتَبر فِي الْمُعَاوَضَات وَلَو كَانَ ذَلِك صغَارًا لم تعْتَبر فِيهَا الْمدَّة كَمَا تعْتَبر فِي الاسترقاق وَالْقَتْل وَيدل عَلَيْهِ أَنَّهَا تجب فِي مُقَابلَة معوض لَهُم وَهُوَ الحقن والمساكنة فِي دَار الْإِسْلَام وَمَا سلم لَهُم معوضه دلّ على أَنه يجب على سَبِيل الْعِوَض
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ فقد قيل فِي التَّفْسِير إِن المُرَاد بِهِ أَنهم ملتزمون لأحكام الْإِسْلَام
وَالثَّالِث أَن الصغار إِنَّمَا يعْتَبر فِي الْوُجُوب فَأَما فِي الِاسْتِيفَاء فَلَا يعْتَبر أَلا ترى أَنه لَو ضمن عَنهُ مُسلم جَازَ أَن يَسْتَوْفِي عَنهُ وَإِن لم يجب على الْمُسلم فِي ذَلِك صغَار فَدلَّ على بطلَان مَا قَالُوهُ وَأَيْضًا فَإِن الصغار قد يعْتَبر فِي إِيجَاب الشَّيْء وَلَا يعْتَبر فِي
стр. 1403
اسْتِيفَائه كَمَا أَن الْحُدُود تجب على سَبِيل التنكيل بِالْمَعَاصِي وَلِهَذَا قَالَ الله ﵎ ﴿جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَذكر النكال عقب ذكر الْحَد كَمَا ذكر الصغار عقيب ذكر النكال فقد رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ) فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَأما الْكَلَام عَن الْجَواب الثَّانِي من هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن زَكَاة الْفطر تتَعَلَّق بِالْعينِ فَصَحِيح وَمَا ذكرت من التَّفْصِيل فَلَا يلْزم لِأَنِّي لم أقل إِن كل حق يتَعَلَّق بِالْعينِ يعْتَبر فِيهِ النّصاب وَإِنَّمَا قلت إِن الزَّكَاة إِذا تعلّقت بِالْعينِ اقْتَضَت النّصاب وَزَكَاة الْفطر تخَالف سَائِر الزكوات فِي تعلقهَا بِالْعينِ فخالفتها فِي اعْتِبَار النّصاب فَلَا يلْزم عَلَيْهِ سَائِر الْحُقُوق
وَأما قَوْلك إِن النّصاب مُعْتَبر فِي سَائِر الزكوات من غير اخْتِلَاف وَفِي تعلق الزَّكَاة بِالْعينِ قَولَانِ فَغير صَحِيح لِأَن القَوْل بِهِ فَاسد وَبِهَذَا يسْتَدلّ على فَسَاده لِأَنَّهُ لَو كَانَ تعلق بِالذِّمةِ لما اعْتبر فِيهِ النّصاب
وَأما الْجَواب الثَّالِث عَن هَذَا الْفَصْل أَن زَكَاة الْفطر لَا تزداد بِزِيَادَة المَال وَسَائِر الزكوات تزداد بِزِيَادَة المَال فَهُوَ صَحِيح وَمَا ذكرت من أَنه لَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لما اعْتبر فِيهِ وجود صَاع فَاضلا عَن الْكِفَايَة فَبَاطِل لِأَنَّهُ يعْتَبر فِيهَا النّصاب وَلَا يزْدَاد بِزِيَادَة المَال
وَأما قَوْلك إِنَّه يبطل هَذَا بِمَا زَاد على نِصَاب الْأَثْمَان وَالْعشر فَلَا يلْزم لِأَنِّي جعلت ذَلِك عِلّة فِي اعْتِبَار النّصاب الثَّانِي إِلَّا لدفع الضَّرَر فِيمَا يدْخل الضَّرَر فِيهِ وَهُوَ تبعيض الْحَيَوَان والمشاركة فِيهِ وَهَذَا لَا يُوجد فِي الْحُبُوب وَلَا فِي الْعين فَسقط اعْتِبَاره
وَأما الْكَلَام فِي الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ الاسترقاق فَمَا ذكرته من الْجَواب أَن
стр. 1404
الاسترقاق وَالْقَتْل جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَهَاهُنَا جنس وَاحِد فَصَحِيح وقولك إنَّهُمَا وَإِن كَانَا جِنْسَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا يجبان بِسَبَب الْكفْر وَلَوْلَا الْكفْر لم يجبا فَكَانَ يجب أَن يُؤثر الْإِسْلَام فِي إسقاطهما فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ وجوبهما بِسَبَب وَاحِد إِلَّا أَنَّهُمَا حقان مُخْتَلِفَانِ وَإِذا اخْتلفت الْحُقُوق يجوز أَن تخْتَلف أَحْكَامهَا أَلا ترى أَن الْجُمُعَة وَالْخطْبَة تجبان لِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَنَّهُمَا لما اخْتلفَا فِي الجنسية اخْتلفَا فِي الْأَحْكَام فَكَذَا هُنَا الاسترقاق وَالْقَتْل وَإِن وجبا بِسَبَب الْكفْر إِلَّا أَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيجوز أَن يخْتَلف حكمهمَا
وَأما قَوْلك إِن هَذَا يبطل بخراج السوَاد وجزية الرّقاب فَإِنَّهُمَا خراجان لم يبتدىء أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام وَلَا يبتدىء الآخر فخطأ لِأَنِّي لم أقل إنَّهُمَا جنس وَاحِد سَوَاء بل قلت إنَّهُمَا جنس وَاحِد وسببهما الْكفْر وَإِنَّمَا هُوَ البيع وَالْإِجَارَة على اخْتِلَاف الْمَذْهَب وَهَاهُنَا كل من الخراجين وَجب لحق الْكفْر فَلم يختلفا
وَأما الْجَواب الثَّانِي عَن هَذَا الْفَصْل وَهُوَ أَن الاسترقاق اسْتِدَامَة وَالْقَتْل ابْتِدَاء عُقُوبَة فَصَحِيح وقولك إِن الْقَتْل اسْتِيفَاء مَا تقدم فَغير صَحِيح لِأَنِّي قلت إِن الْقَتْل ابْتِدَاء عُقُوبَة والاسترقاق اسْتِدَامَة لِأَنَّهُ قد تقدم فعل الاسترقاق فِي حَال الْكفْر وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَنَّهُ كالخراجين اسْتِيفَاء مَا تقدم وَإِن جَازَ أَحدهمَا جَازَ الآخر وَلَيْسَ فِي الْقَتْل مثل هَذَا أَلا ترى أَنه لَيْسَ فِي جنسه مَا يُسَاوِيه فِي الِاسْتِيفَاء بِحَق الْكفْر ثمَّ بعد الْإِسْلَام وَهَاهُنَا من جنسه مَا يسْتَوْفى بعد الْإِسْلَام وَهُوَ خراج الأَرْض فَلَو لم يجز اسْتِيفَاء الْجِزْيَة بعد الْإِسْلَام لوَجَبَ أَن يُقَال لَا يجوز اسْتِيفَاء الْخراج
وَأما الْفَصْل الثَّالِث وَهُوَ الْمُعَاوضَة فَمَا ذكرت من الْمَنْع صَحِيح لِأَن الْخراج يجب بِسَبَب الْكفْر وَيعْتَبر فِيهِ التَّمْكِين من الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ وَالْعشر يجب بِحَق الْإِسْلَام وَيعْتَبر فِيهِ الْخراج فأحدهما لَا يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الآخر وَيدل على أَنه لَا يَصح اجْتِمَاعهمَا فِي حَال الْكفْر وَلَا فِي حَال الْإِسْلَام لِأَنَّهُ فِي حَال الْكفْر
стр. 1405
يجب الْخراج وَلَا يجب الْعشْر وَفِي حَال الْإِسْلَام يجب وَلَا يجب الْخراج فَدلَّ على أَنَّهَا متنافيان وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ من وجوب أَحدهمَا بعد الْإِسْلَام على بَقَاء الآخر بعد الْإِسْلَام
وَالثَّانِي مَا ذكرت من زَكَاة الْفطر فَهُوَ صَحِيح فِي الْفَرْع لِأَنَّهُ كَمَا يجب بِسَبَب مَنْفَعَة الأَرْض حق مُبْتَدأ على الْمُسلم فبسبب الرَّقَبَة يجب حق مُبْتَدأ على الْمُسلم وَهُوَ زَكَاة الْفطر وقولك إِن زَكَاة الْفطر على سَبِيل الْعِبَادَة والجزية وَالْخَرَاج على سَبِيل الْكفْر وَالصغَار فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِأَحَدِهِمَا بعد الْإِسْلَام على بَقَاء الآخر كَذَلِك يجوز أَن يسْتَدلّ بِوُجُوب زَكَاة الْفطر حَال الْإِسْلَام على بَقَاء الْجِزْيَة
وَالله أعلم
مناظرة أَيْضا بِبَغْدَاد بَين أبي إِسْحَاق وَأبي عبد الله الدَّامغَانِي ﵄
قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ الْمَالِكِي ﵀ وَقد شَاهد هَذِه المناظرة وحضرها الْعَادة بِبَغْدَاد أَن من أُصِيب بوفاة أحد مِمَّن يكرم عَلَيْهِ قعد أَيَّامًا فِي مَسْجِد ربضه يجالسه فِيهَا جِيرَانه وإخوانه فَإِذا مَضَت أَيَّام عزوه وعزموا عَلَيْهِ فِي التسلي والعودة إِلَى عَادَته من تصرفه فَتلك الْأَيَّام الَّتِي يقْعد فِيهَا فِي مَسْجده للعزاء مَعَ إخوانه وجيرانه لَا تقطع فِي الْأَغْلَب إِلَّا بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بمناظرة الْفُقَهَاء فِي الْمسَائِل فَتُوُفِّيَتْ زَوْجَة القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَهُوَ شيخ الْفُقَهَاء ذَلِك الْوَقْت بِبَغْدَاد وَكَبِيرهمْ فاحتفل النَّاس بمجالسته وَلم يكد يبْقى أحد منتم إِلَى علم إِلَّا حضر ذَلِك الْمجْلس وَكَانَ مِمَّن حضر ذَلِك الْمجْلس القَاضِي
стр. 1406
أَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ وَكَانَ زعيم الْحَنَفِيَّة وشيخهم وَهُوَ الَّذِي كَانَ يوازي أَبَا الطّيب فِي الْعلم والشيخوخة والتقدم فَرغب جمَاعَة من الطّلبَة إِلَى القاضيين أَن يتكلما فِي مَسْأَلَة من الْفِقْه يسْمعهَا الْجَمَاعَة مِنْهُمَا وتنقلها عَنْهُمَا وَقُلْنَا لَهما إِن أَكثر من فِي الْمجْلس غَرِيب قصد إِلَى التَّبَرُّك بهما وَالْأَخْذ عَنْهُمَا وَلم يتَّفق لمن ورد مُنْذُ أَعْوَام جمة أَن يسمع تناظرهما إِذْ كَانَا قد تركا ذَلِك مُنْذُ أَعْوَام وفوضا الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى تلاميذهما وَنحن نرغب أَن يتصدقا على الْجمع بكلامهما فِي مَسْأَلَة يتجمل بنقلها وحفظها وروايتها
فَأَما القَاضِي أَبُو الطّيب فأظهر الْإِسْعَاف بالإجابة وَأما القَاضِي أَبُو عبد الله فَامْتنعَ من ذَلِك وَقَالَ من كَانَ لَهُ تلميذ مثل أبي عبد الله يُرِيد الدَّامغَانِي لَا يخرج إِلَى الْكَلَام وَهَا هُوَ حَاضر من أَرَادَ أَن يكلمهُ فَلْيفْعَل فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب عِنْد ذَلِك وَهَذَا أَبُو إِسْحَاق من تلامذتي يَنُوب عني فَلَمَّا تقرر الْأَمر على ذَلِك انتدب شَاب من أهل كازرون يدعى أَبَا الْوَزير يسْأَل أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ الْإِعْسَار بِالنَّفَقَةِ هَل يُوجب الْخِيَار للزَّوْجَة فَأَجَابَهُ الشَّيْخ أَنه يُوجب الْخِيَار وَهُوَ مَذْهَب مَالك خلافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله إِنَّه لَا يُوجِبهُ لَهَا
فطالبه السَّائِل بِالدَّلِيلِ على صِحَة مَا ذهب إِلَيْهِ
فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الدَّلِيل على صِحَة مَا ذهبت إِلَيْهِ أَن النِّكَاح نوع ملك يسْتَحق بِهِ الْإِنْفَاق فَوَجَبَ أَن يكون الْإِعْسَار بِالْإِنْفَاقِ يُؤثر فِي إِزَالَته كملك الْيَمين
فاعترضه السَّائِل باعتراضات وَوَقع الِانْفِصَال عَنْهَا
ثمَّ تنَاول الْكَلَام على وَجه النِّيَابَة عَنهُ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل النّظر المذنب الشَّيْخ أَبُو عبد الله الدامعاني فَقَالَ هَذَا غير صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يمْنَع أَن يستويا فِي أَن كل وَاحِد
стр. 1407
مِنْهُمَا يسْتَحق بِهِ النَّفَقَة ثمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِزَالَة أَلا ترى أَن البيع وَالنِّكَاح يستويان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق بِهِ الْملك ثمَّ فَوَات التَّسْلِيم بِالْهَلَاكِ فِي أَحدهمَا يُوجب بطلَان العقد وَهُوَ البيع لِأَنَّهُ إِذا هلك الْمَبِيع قبل التَّسْلِيم بَطل البيع وَفِي النِّكَاح لَا يبطل العقد وتنفذ أَحْكَام الزَّوْجِيَّة بعد الْمَوْت فَكَذَلِك فِي الْفَرْع يجب أَن يتساويا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق بِهِ النَّفَقَة ثمَّ الْعَجز عَن الْإِنْفَاق فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ يُوجب الْإِزَالَة وَفِي الْفَرْع لَا يُمكن نقل الْملك عَنهُ إِلَى الْغَيْر فَوَجَبَ أَلا تجب الْإِزَالَة بالإعسار كَمَا يُقَال فِي أم الْوَلَد
فَأجَاب الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق عَن الْفَصْل الأول بفصلين
أَحدهمَا أَنه قَالَ إِن هَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بإلزام صَحِيح لِأَنِّي لم أقل إِنَّه إِذا تساوى الْملكَانِ فِي معنى وَجب أَن يتساويا فِي جَمِيع الْأَحْكَام لِأَن الإملاك والعقود تخْتَلف أَحْكَامهَا وموجباتها وَإِنَّمَا جمعت بَينهمَا بِهَذَا الْمَعْنى الَّذِي هُوَ اسْتِحْقَاق النَّفَقَة ثمَّ الْعَجز عَن هَذِه النَّفَقَة الَّتِي لملك الْيَمين يُوجب إِزَالَة الْملك فَوَجَبَ أَن يكون الآخر مثله
وَالثَّانِي أَن النِّكَاح إِنَّمَا خَالف البيع فِيمَا ذكره لِأَن الْمَقْصُود بِهِ الوصلة والمصاهرة إِلَى الْمَوْت فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا فقد تمت الوصلة وانْتهى العقد إِلَى منتهاه فَمن الْمحَال أَن يكون مَعَ تَمام العقد نحكم بِإِبْطَال العقد كَمَا نقُول فِي الْإِجَارَة إِذا عقدت إِلَى أمد ثمَّ انْقَضتْ الْمدَّة لم يجز أَن يُقَال إِن الْأَحْكَام قد بطلت بِانْقِضَاء الْمدَّة وتمامها فَكَذَلِك النِّكَاح وَلَيْسَ كَذَلِك البيع فَإِن الْمَقْصُود بِهِ التَّصَرُّف فِي الْمعَانِي الَّتِي تثبت الْملك من الاقتناء وَالتَّصَرُّف والاستخدام فَإِذا هلك الْمَبِيع قبل التَّسْلِيم فَإِن الْمَعْنى الْمَقْصُود قد فَاتَ فَلهَذَا تبطل وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فالملكان على هَذَا وَاحِد فِي الِاسْتِحْقَاق للنَّفَقَة فَإِذا وَجَبت الْإِزَالَة فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ بِالْعَجزِ عَن الْإِنْفَاق وَجب أَن يكون فِي الْموضع الآخر مثله
стр. 1408
وَأما الْمُعَاوضَة الَّتِي ذكرتها فَلَا تصح لِأَنَّهُ إِن جَازَ أَن يُقَال فِي العَبْد إِنَّه يَزُول ملكه عَنهُ لِأَنَّهُ تمكن إِزَالَة الْملك فِيهِ بِالنَّقْلِ إِلَى غَيره فَفِي الزَّوْجَة أَيْضا يُمكن إِزَالَة الْملك إِلَى غَيره بِالطَّلَاق فَوَجَبَ أَن يزَال وعَلى هَذَا تبطل بِهِ إِذا عجز الزَّوْج عَن الْوَطْء فَإِنَّهُ يثبت لَهَا الْخِيَار فِي مُفَارقَة الزَّوْج وَإِن كَانَ لَا يَصح الْملك فِيهَا أَلا ترى أَنا نفرق بَينهمَا بالعنة فَكَذَلِك هَاهُنَا فَأَما الْكَلَام فِي أم الْوَلَد فَإنَّا لَا نسلمه فَإِن من أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه يجب إعْتَاقهَا مَتى عجز عَن الْإِنْفَاق فعلى هَذَا لَا نسلمه وَإِن سلمت فَالْمَعْنى فِيهَا أَنه لَا يُمكنهَا أَن تتوصل إِلَى تَحْصِيل النَّفَقَة بِمثل ذَلِك السَّبَب إِذا أزيل ملكه عَنْهَا وهى هَا هُنَا يُمكنهَا التَّوَصُّل إِلَى تَحْصِيل النَّفَقَة بِمثل ذَلِك السَّبَب إِذا أزيل ملكه عَنْهَا وَذَلِكَ بِأَن تتَزَوَّج آخر وَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا ذكرت من العَبْد الْقِنّ
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الدَّامغَانِي على الْفَصْل الأول إِذا كَانَ قد اسْتَويَا فِي مَسْأَلَتنَا فِي اسْتِحْقَاق النَّفَقَة بِالْملكِ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَأوجب ذَلِك التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي إِزَالَة الْملك فيهمَا لزمك أَنه قد اسْتَوَى البيع وَالنِّكَاح فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَحق بِهِ الْملك فَوَجَبَ أَن يستويا فِي إِبْطَاله بِفَوَات التَّسْلِيم
وَأما قَوْلك إِن الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ هُوَ الوصلة وَقد حصلت فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْمَقْصُود فِي النِّكَاح هُوَ الْوَطْء لِأَن الزَّوْج إِنَّمَا يتَزَوَّج للاستمتاع لَا بِقصد الوصلة من غير استمتاع وعَلى أَنه إِن كَانَ الْمَقْصُود فِي النِّكَاح هُوَ الوصلة فَفِي البيع أَيْضا هُوَ الْملك دون الاقتناء والاستخدام بِدَلِيل أَنه إِذا اشْترى أَبَاهُ يحكم بِصِحَّة البيع وَإِن لم يحصل الِاسْتِخْدَام وَلَكِن لما حصل الْملك حكمنَا بِجَوَازِهِ وعَلى أَن فِي مَسْأَلَتنَا أَيْضا النِّكَاح مُخَالف لملك الْيَمين فِي بَاب النَّفَقَة أَلا ترى أَن كل نَفَقَة وَاجِبَة
стр. 1409
\ @ ٢٤٩ @ فِي ملك الْيَمين يسْتَحق بهَا الْإِزَالَة وَقد تجب فِي النِّكَاح نفقات وَاجِبَة يحبس عَلَيْهَا وَلَا يسْتَحق عَلَيْهَا الْإِزَالَة وَهِي النَّفَقَة الْمَاضِيَة وَنَفَقَة الْخَادِم فَدلَّ ذَلِك على الْفرق بَينهمَا
وَأما الْفَصْل الثَّانِي وَهِي الْمُعَاوضَة فَهِيَ صَحِيحَة وَقَوله إِن هَاهُنَا أَيْضا يُمكن إِزَالَة الْملك بِالطَّلَاق فَغير صَحِيح لِأَن الطَّلَاق إِزَالَة ملك بِغَيْر عوض وَهَذَا لَا يُوجِبهُ الْعَجز عَن النَّفَقَة كَمَا لَا يجب إِعْتَاق عَبده للعجز عَن النَّفَقَة
وَأما مَا ألزمت من الْوَطْء إِذا عجز عَنهُ الزَّوْج فَلَيْسَ بِصَحِيح فَإِن فِي الْوَطْء لَا يُمكنهَا تَحْصِيله وَأما النَّفَقَة فيمكنها تَحْصِيلهَا بالاستقراض والاستخدام وَغير ذَلِك وتنفق على نَفسهَا
وَأما مَا قلت فِي أم الْوَلَد إِنِّي لَا أسلمه
فَإِنَّهُ لَا خلاف أَنه لَا يجوز إعْتَاقهَا
وقولك إِنَّه لَا يتَوَصَّل إِلَى مثله بِمثل هَذَا السَّبَب وَهَاهُنَا يُمكنهُ التَّوَصُّل غير صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يُمكنهَا أَن تتوصل حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا وتتزوج زوجا آخر وَرُبمَا كَانَ الزَّوْج الثَّانِي مثل الزَّوْج الأول فِي الْفقر فَتَركهَا عِنْد الأول أولى
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق على الْفَصْل الأول إِنَّمَا جمعت بَين الْملكَيْنِ وَجَعَلته مؤثرا فِي بَاب الْإِزَالَة وَهُوَ اسْتِحْقَاق النَّفَقَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِذا حصل الْعَجز وَوَجَبَت الْإِزَالَة فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ وَجب فِي الْموضع الآخر مثله وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة الْمُسَاوَاة فِي البيع وَالنِّكَاح فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُوجب الْملك لِأَنَّهُمَا وَإِن تَسَاويا فِي الْملك إِلَّا أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي التَّسْلِيم أَلا ترى أَن التَّسْلِيم مُسْتَحقّ بعد البيع وَغير مُسْتَحقّ بعد النِّكَاح وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنه إِذا بَاعَ عبدا آبقا لم يَصح العقد فَدلَّ على أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي وجوب التَّسْلِيم فَجَاز أَن يختلفا فِي جَوَاز التَّسْلِيم وَفِي مَسْأَلَتنَا اسْتَويَا فِي وجوب النَّفَقَة فَوَجَبَ أَن يتساويا فِي الْإِزَالَة عِنْد الْعَجز عَنْهَا
стр. 1410
وَأما مَا ذكرت من الْفرق بَين البيع وَالنِّكَاح فِي الْمَقْصُود وَقلت إِن الْمَقْصُود من النِّكَاح هُوَ الوصلة والمصاهرة فَإِذا فرق الْمَوْت بَينهمَا فقد حصل الْمَقْصُود وتمت الوصلة فَلهَذَا قُلْنَا إِنَّه لَا يبطل وَفِي البيع الْمَقْصُود هُوَ التَّصَرُّف والاقتناء فَإِذا هلك التَّسْلِيم فَإِن الْمَقْصُود قد فَاتَ
وقولك إِن الرجل يقْصد بِالنِّكَاحِ الِاسْتِمْتَاع فَهُوَ صَحِيح إِلَّا أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون لَهُ مَقَاصِد أخر وَلَيْسَ كَذَلِك البيع فَإِن عَامَّة مقاصده قد فَاتَت بِفَوَات التَّسْلِيم فَافْتَرقَا
وَأما مَا ذكرت من أَن البيع الْمَقْصُود مِنْهُ أَيْضا هُوَ الْملك وَقد حصل بِدَلِيل أَنه يجوز لَهُ أَن يَشْتَرِي أَبَاهُ فَيعتق عَلَيْهِ فَهَذَا نَادِر وشاذ فِي بَاب البيع وَالْمَقْصُود من الْبياعَات والأشرية مَا ذكرت فَلَا يجوز إبِْطَال مَا وضع عَلَيْهِ الْبَاب بأشذ وأندر على أَن هُنَاكَ قد حصل الْمَقْصُود لِأَن الْمَقْصُود فِي شِرَاء الْوَالِد أَن يعْتق عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (لَا يَجْزِي ولد والدا إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه) وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا إِذا مَاتَ قبل التَّسْلِيم فَإِنَّهُ لَا يحصل الْمَقْصُود فَافْتَرقَا
وَأما قَوْلك فِي ملك النِّكَاح أَيْضا إِنَّه مُخَالف للْملك فِي بَاب النَّفَقَة بِدَلِيل أَن كل نَفَقَة وَاجِبَة فِي ملك الْيَمين يزَال بِالْعَجزِ عَنْهَا الْملك وَلَا يزَال الْملك فِي النِّكَاح بِكُل نَفَقَة وَاجِبَة وَهِي النَّفَقَة الْمَاضِيَة وَنَفَقَة الْخَادِم فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ للبر فِي نَفَقَة الْخَادِم وَالنَّفقَة الْمَاضِيَة الْوَاجِبَة غير أَنه لَا ضَرَر فِي الِامْتِنَاع من ذَلِك فَلم يثبت لَهَا الْخِيَار وَعَلَيْهَا ضَرَر فِي الِامْتِنَاع من نَفَقَة الْحَال فَصَارَت هَذِه النَّفَقَة مثل نَفَقَة العَبْد سَوَاء
стр. 1411
وَأما الْمُعَارضَة بِمَا ذكرت أَنه لَا يُمكن إِزَالَة الْملك هَاهُنَا بِالطَّلَاق وقولك إِن الطَّلَاق إِزَالَة ملك بِغَيْر الْعتْق وَهُوَ أَن يُبَاع
فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إِزَالَة الْملك فِيهِ بِالْعِتْقِ وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الزَّوْجَة فَإِنَّهُ لَا يُمكن إِزَالَة الْملك فِيهَا بِالْبيعِ وَنقل الْملك فأزيل بِالطَّلَاق وَلِهَذَا قلت فِي أم الْوَلَد إِنَّه لما لم يُمكن إِزَالَة الْملك فِيهَا بِالْبيعِ أزلنا ذَلِك بِالْعِتْقِ على مَذْهَب بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي يَعْقُوب وَأما مَا التزمت من الْوَطْء إِذا عجز فَهُوَ صَحِيح وَهُوَ فصل فِي الْمَسْأَلَة
قَالَ فَإِن الَّذِي يلْحق الْمَرْأَة فِي ترك النَّفَقَة أعظم من الضَّرَر فِي ترك الْجِمَاع فَإِن الْجِمَاع قد تصبر الْمَرْأَة لفقده وَالنَّفقَة لَا بُد مِنْهَا وَبهَا يقوم الْبدن وَالنَّفس ثمَّ قُلْنَا إِنَّه يثبت الْخِيَار وَإِن كَانَ لَا يُمكن نقل الْملك فِيهَا بعوض فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَأما قَوْلكُم فِي الْجِمَاع لَا تتوصل إِلَيْهِ إِلَّا بِإِزَالَة الْملك وَهَاهُنَا تتوصل إِلَيْهِ بِأَن تستقرض فَغير صَحِيح فَإِنَّهُ يلْحقهُ الضَّرَر بالاستقراض وَيطْلب وَيحبس عَلَيْهِ وَإِن ألزمناها ذَلِك يجب أَن نلزمها أَن تكري لنَفسهَا وَفِي ذَلِك مشقة عَظِيمَة وَلَا يجب إلزامها
وَأما مَا ذكرت فِي أم الْوَلَد أَنى لَا أسلمه فَهُوَ صَحِيح وقولك إِنِّي أَقيس عَلَيْهِ إِذا كَانَ لَهَا كسب فَلَا يلْزم لِأَنَّهَا إِذا كَانَ لَهَا كسب فَلَيْسَ هُنَاكَ إعسار بِالنَّفَقَةِ فَإِن كسبها يكون لمولاها ويمكنه أَن ينْفق عَلَيْهَا وَفِي مَسْأَلَتنَا عجز عَن الْإِنْفَاق على مَا ذكرت
وَأما الْفرق الَّذِي ذكرت فَهُوَ صَحِيح وقولك إِنَّه لَا تتوصل إِلَى تَحْصِيل النَّفَقَة إِلَّا بِانْقِضَاء عدَّة فَتزَوج آخر فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ لَو كَانَ لهَذَا الْمَعْنى لوَجَبَ أَن يفرق
стр. 1412
فِيهَا قبل الدُّخُول وَبعده وَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ قبل الدُّخُول توصل إِلَى تَحْصِيل النَّفَقَة فِي الْحَال فَسقط مَا قلته وعَلى هَذَا إِن كَانَ لَا يُوجب إِزَالَة الْملك لهَذَا الْمَعْنى فَيجب أَن يكون فِي الْوَطْء لَا يثبت لَهَا الْخِيَار فَإِنَّهَا لَا تتوصل أَيْضا إِلَى تَحْصِيل الْجِمَاع حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا وتتزوج زوجا آخر وَرُبمَا كَانَ الثَّانِي مثل الأول فِي الْعَجز عَن الْجِمَاع وَلما ثَبت أَنه يَزُول الْملك للعجز عَن الْجِمَاع بَطل مَا قُلْتُمْ وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
مناظرة بَين إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَبَين الشَّيْخ أبي إِسْحَاق بنيسابور
فِي اخْتِيَار الْبكر الْبَالِغ بِأَن قَالَ بَاقِيَة على بكارة الأَصْل فَجَاز للْأَب تَزْوِيجهَا بِغَيْر إِذْنهَا
أَصله إِذا كَانَت صَغِيرَة فَقَالَ السَّائِل جعلت صُورَة هَذِه الْمَسْأَلَة عِلّة فِي الأَصْل وَذَلِكَ لَا يجوز
فَقَالَ لَا يَصح لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنى مَا جعلت صُورَة الْمَسْأَلَة عِلّة فِي الأَصْل وَأَن صُورَة الْمَسْأَلَة تَزْوِيج الْبكر الْبَالِغَة من غير إِذن
وعلتي أَنَّهَا بَاقِيَة على بكارة وَلَيْسَ هَذَا صُورَة الْمَسْأَلَة لِأَن هَذِه الْعلَّة غير مَقْصُورَة على الْبكر الْبَالِغَة بل هِيَ عَامَّة فِي كل بكر وَلِهَذَا قست على الصَّغِيرَة
الثَّانِي قَوْلك لَا يجوز أَن تجْعَل صُورَة الْمَسْأَلَة عِلّة دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَمَا الْمَانِع من ذَلِك الثَّالِث أَن الْعِلَل شَرْعِيَّة كَمَا أَن الْأَحْكَام شَرْعِيَّة وَلَا يُنكر فِي الشَّرْع أَن يعلق
стр. 1413
الشَّارِع الحكم على الصُّورَة مرّة كَمَا يعلق على سَائِر الصِّفَات فَلَا معنى للْمَنْع من ذَلِك فَإِن كَانَ عنْدك أَنه لَا دَلِيل على صِحَّتهَا فطالبني بِالدَّلِيلِ على صِحَّتهَا من جِهَة الشَّرْع
فَقَالَ السَّائِل مَا الدَّلِيل على صِحَّتهَا من الشَّرْع فَقَالَ الدَّلِيل على صِحَة هَذِه الْعلَّة الْخَبَر وَالنَّظَر
أما الْخَبَر فَمَا رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ (الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا) وَالْمرَاد بِهِ الثّيّب لِأَنَّهُ قابلها بالبكر فَقَالَ (وَالْبكْر تستأمر) فَدلَّ على أَن غير الثّيّب وَهِي الْبكر لَيست أَحَق بِنَفسِهَا وَأقوى طَرِيق تثبت بِهِ الْعلَّة مَا نطق بِهِ صَاحب الشَّرْع
وَأما النّظر فَلَا خلاف أَن الْبكر يجوز أَن تزَوجهَا من غير نطق لبكارتها وَلَو كَانَت ثَيِّبًا لم يجز تَزْوِيجهَا من غير نطق أَو مَا يقوم مقَام النُّطْق عِنْده وَهُوَ الْكِتَابَة وَلَو لم يكن تَزْوِيجهَا إِلَى الْوَلِيّ لما جَازَ تَزْوِيجهَا من غير نطق
اعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي فَقَالَ الْمعول فِي الدَّلِيل على مَا ذكرت من الْخَبَر وَالنَّظَر فَأَما الْخَبَر فَإِنَّهُ يحْتَمل التَّأْوِيل فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ أَن الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا لِأَنَّهُ لَا يملك تَزْوِيجهَا إِلَّا بالنطق وَالْبكْر بِخِلَافِهَا وَإِذا احْتمل التَّأْوِيل أولناه على مَا ذكرت بطرِيق يُوجب الْعلم وَهُوَ أَنه قد اجْتمع للبكر الْبَالِغَة الْأَسْبَاب الَّتِي يسْقط مَعهَا ولَايَة الْوَلِيّ وتستقل بِنَفسِهَا فِي التَّصَرُّف فِي حق نَفسهَا لِأَن الْمَرْأَة إِنَّمَا تفْتَقر إِلَى الْوَلِيّ لعدم استقلالها بِنَفسِهَا لصِغَر أَو جُنُون فَإِذا اجْتمع فِيهَا الْأَسْبَاب الَّتِي تَسْتَغْنِي بهَا عَن ولَايَة الْوَلِيّ لم يجز ثُبُوت الْولَايَة عَلَيْهَا فِي التَّزْوِيج بِغَيْر إِذْنهَا وَلِأَن فِي الْخَبَر مَا يدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه ذكر الْوَلِيّ وَأطلق وَلم يفصل بَين الْأَب وَالْجد وَغَيرهمَا من الْأَوْلِيَاء وَلَو كَانَ المُرَاد ولَايَة الْإِجْبَار لم يُطلق
стр. 1414
الْولَايَة لِأَن غير الْأَب وَالْجد لَا يملك الْإِجْبَار بِالْإِجْمَاع فَثَبت أَنه أَرَادَ بِهِ اعْتِبَار النُّطْق فِي حق الثّيّب وسقوطه فِي حق الْبكر وَلِأَنَّهُ قَالَ وَالْبكْر تستأمر وإذنها صماتها فَدلَّ أَنه أَرَادَ فِي الثّيّب اعْتِبَار النُّطْق
أجَاب الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ لَا يجوز حمله على مَا ذكرت من اعْتِبَار النُّطْق لِأَنَّهُ قَالَ ﷺ (أَحَق بِنَفسِهَا) وَقد اقْتضى أَنَّهَا أَحَق بِنَفسِهَا فِي العقد وَالتَّصَرُّف دون النُّطْق
وقولك إِنَّه أطلق الْوَلِيّ فَإِنَّهُ عُمُوم مَا حمله على الْأَب وَالْجد بِدَلِيل التَّعْلِيل الَّذِي ذكره فِي الثّيّب فَإِنَّهُ قَالَ وَالثَّيِّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا) وَذكر الصّفة فِي الحكم تَعْلِيل وَالتَّعْلِيل بِمَنْزِلَة النَّص فيخص بِهِ الْعُمُوم كَمَا يخص بِالْقِيَاسِ
وقولك إِنَّه ذكر الصمات فِي حق الْبكر فَدلَّ على أَنه أَرَادَ بِهِ النُّطْق فِي حق الثّيّب لَا يَصح بل هُوَ الْحجَّة عَلَيْك لِأَنَّهُ لما ذكر الْبكر صفة إِذْنهَا وَأَنه الصمات وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ فِي الثّيّب النُّطْق لما احْتَاجَ إِلَى إِعَادَة الصمات فِي قَوْله (وَالْبكْر تستأمر) وَأما قَوْله إِن هَاهُنَا دَلِيلا يُوجب الْقطع غير صَحِيح وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاس على سَائِر الولايات وَالْقِيَاس يتْرك بِالنَّصِّ
فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تَدعِي أَنه نَص ودعواه لَا تصح لِأَن النَّص مَا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فَإِذا بَطل أَنه نَص جَازَ التَّأْوِيل بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذكرت
وَأما قَوْلك إِنِّي أحمل الْوَلِيّ على الْأَب وَالْجد بِدَلِيل التَّعْلِيل الَّذِي ذكره فِي الْخَبَر فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن ذكر الصّفة فِي الحكم إِنَّمَا يكون تعليلا إِذا كَانَ مناسبا للْحكم الَّذِي علق عَلَيْهِ كالسرقة فِي إِيجَاب الْقطع والثيوبة غير مُنَاسبَة للْحكم الَّذِي علق عَلَيْهَا وَهِي أَنَّهَا أَحَق بِنَفسِهَا فَلَا يجوز أَن تكون عِلّة وَلِأَن مَا ذكرت لَيْسَ بِقِيَاس وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيق آخر فَجَاز أَن يتْرك لَهُ التَّعْلِيل
стр. 1415
أجَاب الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ أما التَّأْوِيل فَلَا يَصح دَعْوَاهُ لِأَن التَّأْوِيل صرف الْكَلَام عَن ظَاهره إِلَى وَجه يحْتَملهُ كَقَوْل الرجل رَأَيْت حمارا وَأَرَادَ بِهِ الرجل البليد فَإِن هَذَا مُسْتَعْمل فَصَارَ صرف الْكَلَام إِلَيْهِ فَأَما مَا لَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فِيهِ فَلَا يَصح تَأْوِيل اللَّفْظ عَلَيْهِ كَمَا لَو قَالَ رَأَيْت بغلا ثمَّ قَالَ أردْت بِهِ رجلا بليدا لم يقبل لِأَن الْبَغْل لَا يسْتَعْمل فِي الرِّجَال بِحَال فَكَذَلِك هَاهُنَا قَوْله (الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا)
وقولك لَيْسَ بتعليل لِأَنَّهُ لَا يُنَاسب الحكم فَلَا يَصح لِأَن ذكر الصّفة فِي الحكم تَعْلِيل فِي كَلَام الْعَرَب أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ اقْطَعُوا السَّارِق
كَانَ مَعْنَاهُ لسرقته وَإِذا قَالَ جَالس الْعلمَاء
مَعْنَاهُ لعلمهم
وقولك إِنَّه إِنَّمَا يجوز فِيمَا يصلح أَن يكون تعليلا للْحكم الَّذِي علق عَلَيْهِ كالسرقة فِي إِيجَاب الْقطع
إِلَّا أَن التَّعْلِيل للْحكم الَّذِي علق عَلَيْهِ طَرِيقه الشَّرْع وَلَا يُنكر فِي الشَّرْع أَن تجْعَل الثيوبة عِلّة لإِسْقَاط الْولَايَة كَمَا لَا يُنكر أَن تجْعَل السّرقَة عِلّة لإِيجَاب الْقطع وَالزِّنَا للحد
وقولك هَذَا الَّذِي ذكرت لَيْسَ بِقِيَاس خطأ بل جعلت استقلالها بِهَذِهِ الصِّفَات معينا على الْولَايَة وَلَا يَصح بِهَذِهِ الدَّعْوَى إِلَّا بِالْإِسْنَادِ إِلَى الولايات الثَّابِتَة فِي الشَّرْع والولايات الثَّابِتَة فِي الشَّرْع إِنَّمَا زَالَت بِهَذِهِ الصِّفَات فِي الأَصْل فَحملت ولَايَة النِّكَاح عَلَيْهَا وَذَلِكَ يحصل بِالْقِيَاسِ وَلَو لم يكن هَذَا الأَصْل لما صَحَّ لَك دَعْوَى الِاسْتِقْلَال بِهَذِهِ الصِّفَات فَإِنَّهُ لَا يسلم أَن الْولَايَة تثبت فِي حق الْمَجْنُون وَالصَّغِير بِمُقْتَضى الْعقل وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالشَّرْعِ وَالشَّرْع مَا ورد إِلَّا فِي الْأَمْوَال فَكَانَ حمل النِّكَاح عَلَيْهِ قياسيا وَالْقِيَاس لَا يُعَارض النَّص وَقد ثَبت أَن الْخَبَر نَص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فَلَا يجوز تَركه بِالْقِيَاسِ وَلِأَن هَذَا طَرِيق تعارضه مَسْأَلَة وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَت الْأُصُول مَوْضُوعَة على ثُبُوت الْولَايَة للْحَاجة وسقوطها بالاستقلال بِهَذِهِ الصِّفَات فالأصول مَوْضُوعَة على أَن
стр. 1416
النُّطْق لَا يعْتَبر إِلَّا فِي مَوضِع لَا يثبت فِيهِ الْولَايَة وَقد ثَبت أَن النُّطْق قد سقط فِي حق الْبكر فَوَجَبَ أَن تثبت الْولَايَة عَلَيْهَا
فَقَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي ﵀ النُّطْق سقط أَيْضا
فَقَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق هَذَا تَأْكِيد لِأَن سُقُوطه بِالنَّصِّ دَلِيل على مَا ذكرت
وَهَذَا آخر مَا جرى بَينهمَا
وَالله أعلم
٣٥٨ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مهْرَان الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني
أحد أَئِمَّة الدّين كلَاما وأصولا وفروعا
جمع أشتات الْعُلُوم
واتفقت الْأَئِمَّة على تبجيله وتعظيمه وَجمعه شَرَائِط الْإِمَامَة
قَالَ الْحَاكِم انْصَرف من الْعرَاق بعد الْمقَام بهَا وَقد أقرّ لَهُ أهل الْعلم بالعراق وخراسان بالتقدم وَالْفضل فَاخْتَارَ الوطن إِلَى أَن خرج بعد الْجهد إِلَى نيسابور وَبنى لَهُ الْمدرسَة الَّتِي لم يبن قبلهَا بنيسابور مثلهَا ودرس فِيهَا وَحدث
سمع بخراسان الشَّيْخ أَبَا بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ
وبالعراق أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي ودعلج بن أَحْمد وأقرانهما
روى عَنهُ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو السنابل هبة الله بن أبي الصَّهْبَاء وَمُحَمّد بن الْحسن البالوي وَجَمَاعَة
стр. 1417
قيل وَكَانَ يلقب ركن الدّين
وَله التصانيف الفائقة مِنْهَا كتاب الْجَامِع فِي أصُول الدّين وَالرَّدّ على الْمُلْحِدِينَ ومسائل الدّور وتعليقة فِي أصُول الْفِقْه وَغير ذَلِك
قَالَ عبد الغافر كَانَ أَبُو إِسْحَاق طراز نَاحيَة الْمشرق فضلا عَن نيسابور ونواحيها ثمَّ كَانَ من الْمُجْتَهدين فِي الْعِبَادَة المبالغين فِي الْوَرع انتخب عَلَيْهِ أَبُو عبد الله الْحَاكِم عشرَة أَجزَاء
وَذكره فِي تَارِيخه لجلالته
قَالَ وَكَانَ ثِقَة ثبتا فِي الحَدِيث
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر حكى لي من أَثِق بِهِ أَن الصاحب بن عباد كَانَ إِذا انْتهى إِلَى ذكر ابْن الباقلاني وَابْن فورك والإسفرايني وَكَانُوا متعاصرين من أَصْحَاب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ قَالَ لأَصْحَابه ابْن الباقلاني بَحر مغرق وَابْن فورك صل مطرق
والإسفرايني نَار تحرق
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ درس عَلَيْهِ شَيخنَا القَاضِي أَبُو الطّيب وَعنهُ أَخذ الْكَلَام وَالْأُصُول عَامَّة شُيُوخ نيسابور
وَقَالَ أَبُو صَالح الْمُؤَذّن سَمِعت أَبَا حَازِم العبدوي يَقُول كَانَ الْأُسْتَاذ يَقُول لي بعد مَا رَجَعَ من أسفراين أشتهي أَن يكون موتى بنيسابور حَتَّى يُصَلِّي على جَمِيع أهل
стр. 1418
نيسابور فَتوفي بعد هَذَا الْكَلَام بِنَحْوِ من خَمْسَة أشهر يَوْم عَاشُورَاء سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أَنبأَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو بكر مُحَمَّد ورقية ابْنا إِسْمَاعِيل الْأنمَاطِي حضورا وَغَيرهمَا قَالُوا حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي سعد الصفار كِتَابَة أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور عبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامي سَمَاعا أَنبأَنَا الشَّيْخ أَبُو إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد البالوي أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الإسفرايني أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد دعْلج ابْن أَحْمد السجْزِي بِبَغْدَاد حَدثنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ حَدثنَا أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة من الزَّرْع يميلها الرِّيَاح مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا وَمثل الْمُنَافِق كَمثل الأرزة المجذية على الأَرْض حَتَّى يكون انجعافها)
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله الدِّمَشْقِي عَن أبي بكر الْقَاسِم بن أبي سعد عبد الله بن عمر الصفار وَأبي المظفر عبد الرَّحِيم بن أبي سعد عبد الْكَرِيم بن السَّمْعَانِيّ قَالَا أنبأتنا عَائِشَة ابْنة أبي نصر أَحْمد بن مَنْصُور بن الصفار قِرَاءَة عَلَيْهَا وَنحن نسْمع قَالَت أَنبأَنَا الشريف أَبُو السنابل هبة الله ابْن أبي الصَّهْبَاء مُحَمَّد بن حيدر الْقرشِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع حَدثنَا الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المهرجاني الإسفرايني إملاء فِي مَسْجِد عقيل
стр. 1419
بعد صَلَاة الْعَصْر يَوْم الْخَمِيس فِي الْمحرم سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ أول إملاء عقد لَهُ أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة حَدثنَا أَحْمد بن طَارق حَدثنَا مُسلم بن خَالِد حَدثنَا زِيَاد بن سعد عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن صَفْوَان بن سليم عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (بعثت على أثر ثَمَانِيَة آلَاف نَبِي مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف من بني إِسْرَائِيل)
ذكر نخب وفوائد عَنهُ
تكلم الْأُسْتَاذ الإسفرايني فِي كتاب الْحلِيّ فِي أصُول الدّين على قَول الشَّافِعِي ﵁ الْإِيمَان لَا يشركهُ الشّرك والشرك يشركهُ الشّرك بِمَا حَاصله أَن الْإِيمَان لَو قارنه اعْتِقَاد قدم الْعَالم أَو نَحوه من الكفران ارْتَفع بجملته وَالْكفْر كالتثليث مثلا لَو قارنه اعْتِقَاد خُرُوج الشَّيْطَان على الرَّحْمَن ومغالبته كَمَا يَقُول الْمَجُوس لم يرْتَفع شركه بالنصرانية بل ازْدَادَ شركا بالمجوسية
وَأطَال فِي ذَلِك
قلت فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص وَأَن الْكفْر يزِيد وَينْقص فَتَأمل ذَلِك
وَمن الْمسَائِل الحديثية الَّتِي سَأَلَهَا الْحَافِظ أَبُو سعد عبد الرَّحْمَن بن الْحسن ابْن عَلَيْك النَّيْسَابُورِي من الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق إِذا روى عَن الشَّيْخ الْأَحَادِيث الطوَال وَقَالَ فِيهِ وَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ ثمَّ أحب هَذَا أَن يروي الحَدِيث بِطُولِهِ وَلَا يختصر هَل لَهُ ذَلِك أجَاب الْأُسْتَاذ أَن ذَلِك لَا يجوز
قلت وَهَذَا الَّذِي أرَاهُ وَقد قَدمته فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة فِي تَرْجَمَة دَاوُد الظَّاهِرِيّ وَذكرت مَا فِيهِ عَن أبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي عَليّ الزجاجي
стр. 1420
وفيهَا أَنه لَا يرجح الذُّكُورَة عَن الْأُنُوثَة فِي الرِّوَايَة بل هما سَوَاء
وَأَنه إِذا سقط من الأسناد رجل يعلم أَنه غلط من الْكَاتِب لم يجز أَن يثبت اسْم ذَلِك الرجل وَقَالَ الْأُسْتَاذ وَمن فعله سقط فِي جَمِيع أَحَادِيثه
وَأَنه إِذا قلب الأسناد والمتن على حَاله فَجعل بدل شُعْبَة سعيدا وَمَا أشبهه يُرِيد أَن يَجْعَل الحَدِيث مرغوبا فِيهِ غَرِيبا يصير دجالًا كذابا تسْقط بِهِ جَمِيع أَحَادِيثه وَإِن رَوَاهَا على وَجههَا
نقل الرَّافِعِيّ عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق أَن الْأُم تعْتق إِذا أعتق حملهَا مَالِكهَا كَمَا يعْتق هُوَ بِعتْقِهَا وَهَذَا مُشكل فَإِنَّهُ لَا تتخيل فِيهِ السَّرَايَة فَإِن السَّرَايَة فِي الأشقاص لَا فِي الْأَشْخَاص وَالْحمل إِنَّمَا يتبع الْأُم إِذا أعْتقهَا مَالِكهَا لِأَن الْحمل تَابع للْأُم لَا للسراية لما ذَكرْنَاهُ وَكَيف تتبع الْأُم الْحمل وَالتَّابِع كَيفَ يَنْقَلِب متبوعا
стр. 1421
مناظرة بَين الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرايني وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار المعتزلي
قَالَ عبد الْجَبَّار فِي ابْتِدَاء جُلُوسه للمناظرة سُبْحَانَ من تنزه عَن الْفَحْشَاء
فَقَالَ الْأُسْتَاذ مجيبا سُبْحَانَ من لَا يَقع فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء
стр. 1422
فَقَالَ عبد الْجَبَّار أفيشاء رَبنَا أَن يعْصى
فَقَالَ الْأُسْتَاذ أيعصى رَبنَا قهرا
فَقَالَ عبد الْجَبَّار أَفَرَأَيْت إِن مَنَعَنِي الْهدى وَقضى عَليّ بالردى أحسن إِلَيّ أم أسا فَقَالَ الْأُسْتَاذ إِن كَانَ مَنعك مَا هُوَ لَك فقد أسا وَإِن مَنعك مَا هُوَ لَهُ فَيخْتَص برحمته من يشا
فَانْقَطع عبد الْجَبَّار
٣٥٩ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف أَبُو إِسْحَاق الطوسي
الْفَقِيه النظار أحد كبراء الْأَصْحَاب ومناظريهم وَمن لَهُ الثروة الزَّائِدَة والجاه الوافر
تفقه على الْأُسْتَاذ أبي الْوَلِيد الْفَقِيه
وروى عَنهُ وَعَن أبي الْعَبَّاس الْأَصَم وَغَيرهمَا
стр. 1423
روى عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره
وَقع لنا حَدِيثه فِي الْأَرْبَعين الصُّغْرَى للبيهقي
٣٦٠ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن هَارُون بن الْفضل بن هَارُون أَبُو إِسْحَاق المطهري السروي
بِالسِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء المفتوحتين نِسْبَة إِلَى سَارِيَة بَلْدَة من بِلَاد مازندران وَرُبمَا نسب إِلَيْهَا الساري
والمطهري نِسْبَة إِلَى مطهر قَرْيَة من قرى سَارِيَة وَهِي بِفَتْح الْهَاء اسْم لمفعول طهر
لَهُ تصانيف كَثِيرَة فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول والفرائض
تفقه بِبَلَدِهِ على أبي مُحَمَّد بن أبي يحيى
وببغداد على أبي حَامِد الإسفرايني
وَقَرَأَ الْفَرَائِض على ابْن اللبان
وَولي قَضَاء سَارِيَة والتدريس وَالْفَتْوَى
وَسمع المخلص وَأَبا الْعَبَّاس النسوي وَأَبا نصر بن الإِمَام أبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ
وأملى الحَدِيث
وَتُوفِّي عَن مائَة فِي صفر سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1424
٣٦١ - إِبْرَاهِيم بن المظفر الشهرستاني أَبُو إِسْحَاق الْفَقِيه درس الْفِقْه على أبي الْقَاسِم البوشنجي
قَالَ عبد الغافر وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٣٦٢ - إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْحَافِظ أَبُو يَعْقُوب القراب السَّرخسِيّ ثمَّ الْهَرَوِيّ
الإِمَام الْجَلِيل مُحدث هراة صَاحب المصنفات الْكَثِيرَة
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة
وَطلب الحَدِيث فَأكْثر
قَالَ أَبُو النَّصْر الفامي حَتَّى إِن عدد شُيُوخه زَاد على ألف ومائتي نفس
وَله تَارِيخ السنين الَّذِي صنفه فِي وفيات أهل الْعلم من زمَان رَسُول الله ﷺ إِلَى سنة وَفَاته سنة تسع وَعشْرين
وَمن تصانيفه أَيْضا كتاب نسيم المهج وَكتاب الْأنس والسلوة
وَكتاب شمائل الْعباد
قَالَ وَكَانَ زاهدا مقلا من الدُّنْيَا
стр. 1425
قلت وَمن مشايخه الْعَبَّاس بن الْفضل النضروي وَأَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله اليساري وَعبد الله بن أَحْمد بن حمويه السَّرخسِيّ وزاهر بن أَحْمد الْفَقِيه وَأحمد بن عبد الله النعيمي والخليل بن أَحْمد القَاضِي
وَكتب عَمَّن هُوَ أَصْغَر مِنْهُ
وَحدث عَن الْحَافِظ أبي عَليّ الوخشي وَهُوَ من أَصْحَابه
روى عَنهُ أَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْفضل أَحْمد بن أبي عَاصِم الصيدلاني وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مت وَغَيرهم
توفّي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
٣٦٣ - إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن عبد الله أَبُو عبد الرَّحْمَن الضَّرِير الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي
صَاحب الْكِفَايَة فِي التَّفْسِير وَغَيرهَا
ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَقَرَأَ الْخَطِيب عَلَيْهِ صَحِيح البُخَارِيّ كَامِلا فِي ثَلَاثَة مجَالِس
стр. 1426
حدث عَن زَاهِر السَّرخسِيّ وَغَيره
مَاتَ بعد سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٣٦٤ - إِسْمَاعِيل بن أَحْمد النوكاني الطريثيثي من تلامذة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ
وقفت بِخَطِّهِ على شرح عُيُون الْمسَائِل للفارسي علقه عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بنيسابور فِي مجلدة وَاحِدَة ...
٣٦٥ - إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن القراب أَبُو مُحَمَّد
الْفَقِيه المقرىء السَّرخسِيّ ثمَّ الْهَرَوِيّ أَخُو الْحَافِظ إِسْحَاق
هَذَا مُصَنف كتاب مَنَاقِب الشَّافِعِي الَّذِي رتبه على مائَة وَسِتَّة عشر بَابا أَولهَا فِي نسب النَّبِي ﷺ الَّذِي يرجع إِلَيْهِ نسب الشَّافِعِي وَآخِرهَا أَرْبَعُونَ بَابا جمع فِيهَا أَرْبَعِينَ حَدِيثا من أَحَادِيث الْأَحْكَام من رِوَايَة الشَّافِعِي بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ كتاب حافل رَأَيْت مِنْهُ نُسْخَة فِي مجلدين فِي خزانَة كتب دَار الحَدِيث الأشرفية بِدِمَشْق
стр. 1427
وَله مصنفات فِي عُلُوم أخر كتاب دَرَجَات التائبين وَكتاب الشافي فِي الْقرَاءَات وَكتاب الْكَافِي وَكتاب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ
وَكَانَ إِمَامًا فِي عدَّة عُلُوم زاهدا ورعا
تفقه على الداركي
وَسمع الحَدِيث من أبي بكر الإسماعلي بجرجان
وَمَنْصُور بن الْعَبَّاس بهراة
وَأحمد بن مُحَمَّد بن مقسم بِبَغْدَاد
وَمن مُحَمَّد بن عبد الله الساري وَأبي عَمْرو بن حمدَان وَعلي بن عِيسَى العاصمي وَأبي أَحْمد الغطريفي ومخلد بن جَعْفَر الباقرحي وَبشر بن أَحْمد الإسفرايني وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن زيد الصفار وَعلي بن الْحسن بن عَليّ الجراحي وَمُحَمّد بن عبد الله أبي عبد الله بن الْحَاكِم وَغَيرهم
وروى عَنهُ الْأنْصَارِيّ صَاحب كتاب ذمّ الْكَلَام وَأَبُو عَطاء عبد الْأَعْلَى بن عبد الْوَاحِد بن أَحْمد المليحي وَغَيرهمَا
وَكَانَ إِمَامًا مبرزا فِي عدَّة عُلُوم زاهدا ورعا
ذكره أَبُو نصر الفامي ويوسف بن أَحْمد الشِّيرَازِيّ الحافظان
وَقَالا كَانَ فِي عدَّة عُلُوم إِمَامًا مِنْهَا الحَدِيث والقراءات ومعاني الْقُرْآن وَالْفِقْه وَالْأَدب وَله تصانيف كلهَا حَسَنَة
стр. 1428
قَالَا وَكَانَ فِي الزّهْد والتقلل من الدُّنْيَا آيَة
قَالَا وَلم يجد سوق فَضله بهراة نفَاقًا لِأَن الِاسْم كَانَ لغيره
قَالَ ابْن الصّلاح وَقد رَأَيْت بنيسابور كِتَابه الْكَافِي فِي الْقرَاءَات وَهُوَ كتاب يشْتَمل على علم كثير فِي مجلدات عدَّة
وَفِي كِتَابه المناقب يَقُول لقِيت جمَاعَة من أَصْحَاب أبي الْعَبَّاس يَعْنِي ابْن سُرَيج فَمنهمْ من سمع الحَدِيث مِنْهُ وَمِنْهُم من تفقه عَلَيْهِ وَمِنْهُم من حكى لي عَنهُ حكايات
قَالَ ابْن الصّلاح وَوجدت عَن الْحَاكِم أبي عبد الله أَنه ذكره فَقَالَ كَانَ من صالحي أهل الْعلم والمقدمين فِي معرفَة الْقرَاءَات
طلب الْعلم بخراسان وَالْعراق
وَكَانَ من أجل بَيت لأهل الحَدِيث بهراة
انْتهى
قلت وَقد تَأَخَّرت وَفَاته عَن الْحَاكِم فَإِنَّهُ مَاتَ فِي شعْبَان سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَمَات الْحَاكِم سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة
وَقد حدث هُوَ أَيْضا فِي كِتَابه المناقب عَن الْحَاكِم وَأكْثر فِيهِ النَّقْل عَنهُ
وَقد نقلت من كتاب المناقب هَذَا فَوَائِد استعذبتها فَمِنْهَا قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن عبد الله الداركي يَقُول بِبَغْدَاد فِي درسه
стр. 1429
حُكيَ لَهُ أَنه صلى على أَحْمد بن حَنْبَل سِتّمائَة ألف رجل وَسِتُّونَ ألف امْرَأَة
стр. 1430
وَذكر ذَلِك فِي الْبَاب الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ من الْجُزْء الثَّانِي من المناقب
والجزء الثَّانِي مُشْتَمل على ثَلَاثَة وَسبعين بَابا فَإِنَّهُ جزأ كِتَابه جزئين أَولهَا أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ بَابا أَولهَا فِي النّسَب الزكي وَآخِرهَا فِي أَلْفَاظ رويت عَن الشَّافِعِي فِي فضل الْعلم وَالْعُلَمَاء وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ أَولهَا فِي تبحر الشَّافِعِي فِي اللُّغَة والعربية وَآخِرهَا حَدِيث من رِوَايَته فِي الْوَعْظ والتذكير هُوَ آخر الْأَرْبَعين الَّتِي هِيَ آخر الْكتاب
٣٦٦ - إِسْمَاعِيل بن زَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو الْقَاسِم النوقاني ثمَّ النَّيْسَابُورِي
تلميذ أبي بكر الطوسي
стр. 1431
قَالَ فِيهِ عبد الغافر الْفَقِيه الإِمَام فَاضل جليل نبيه ثِقَة أَمِين من أَرْكَان فُقَهَاء أَصْحَاب الشَّافِعِي
درس الْفِقْه على أبي بكر الطوسي قَدِيما
قَالَ وسافر إِلَى الْعرَاق وَحج مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وزين الْإِسْلَام يَعْنِي الْقشيرِي أَبَا الْقَاسِم وَالْبَيْهَقِيّ
وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ شَيخا فَقِيها حسن السِّيرَة صَالحا دينا كثير السماع وَالرِّوَايَة ثِقَة صَدُوقًا
سمع أَبَا الطّيب سهل بن مُحَمَّد الصعلوكي وَالْقَاضِي أَبَا عمر البسطامي وَالشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَبا بكر الْحِيرِي وخلائق
وَذكر عبد الغافر أَن مولده سنة سبع وَتِسْعين وثلاثمائة وَذكر غَيره أَنه ولد سنة خمس وَتِسْعين
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَالْأول أشبه
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن عَليّ بن جَعْفَر الْكَاتِب يَقُول يُقَال إِنَّه توفّي سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
٣٦٧ - إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن عَامر بن عَابِد شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي
الْفَقِيه الْمُحدث الْمُفَسّر الْخَطِيب الْوَاعِظ الْمَشْهُور الِاسْم الملقب بشيخ الْإِسْلَام لقبه أهل السّنة فِي بِلَاد خُرَاسَان فَلَا يعنون عِنْد إِطْلَاقهم هَذِه اللَّفْظَة غَيره
стр. 1432
وَأما المجسمة بِمَدِينَة هراة فَلَمَّا ثارت نُفُوسهم من هَذَا اللقب عَمدُوا إِلَى أبي إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ صَاحب كتاب ذمّ الْكَلَام فلقبوه بشيخ الْإِسْلَام وَكَانَ الْأنْصَارِيّ الْمشَار إِلَيْهِ رجلا كثير الْعِبَادَة مُحدثا إِلَّا أَنه يتظاهر بالتجسيم والتشبيه وينال من أهل السّنة وَقد بَالغ فِي كِتَابه ذمّ الْكَلَام حَتَّى ذكر أَن ذَبَائِح الأشعرية لَا تحل وَكنت أرى الشَّيْخ الإِمَام يضْرب على مَوَاضِع من كتاب ذمّ الْكَلَام وَينْهى عَن النّظر فِيهِ
وللأنصاري أَيْضا كتاب الْأَرْبَعين سمتها أهل الْبِدْعَة الْأَرْبَعُونَ فِي السّنة يَقُول فِيهَا بَاب إِثْبَات الْقدَم لله بَاب إِثْبَات كَذَا وَكَذَا
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ لَا يسْتَحق هَذَا اللقب وَإِنَّمَا لقب بِهِ تعصبا وتشبيها لَهُ بِأبي عُثْمَان وَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ
وَكَانَ أهل هراة فِي عصره فئتين فِئَة تعتقده وتبالغ فِيهِ لما عِنْده من التقشف والتعبد وَفِئَة تكفره لما يظهره من التَّشْبِيه
وَمن مصنفاته الَّتِي فوقت نَحوه سِهَام أهل الْإِسْلَام كتاب ذمّ الْكَلَام وَكتاب الْفَارُوق فِي الصِّفَات وَكتاب الْأَرْبَعين وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة أبان فِيهَا عَن اعْتِقَاد التَّشْبِيه وأفصح
وَله قصيدة فِي الِاعْتِقَاد تنبىء عَن العظائم فِي هَذَا الْمَعْنى وَله أَيْضا كتاب منَازِل السائرين فِي التصوف
وَكَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية مَعَ ميله إِلَيْهِ يضع من هَذَا الْكتاب أَعنِي منَازِل السائرين
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَكَانَ يَرْمِي أَبَا إِسْمَاعِيل بالعظائم بِسَبَب هَذَا الْكتاب وَيَقُول إِنَّه مُشْتَمل على الِاتِّحَاد
стр. 1433
قلت والأشاعرة يرمونه بالتشبيه وَيَقُولُونَ إِنَّه كَانَ يلعن شيخ السّنة أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَأَنا لَا أعتقد فِيهِ أَنه يعْتَقد الِاتِّحَاد وَإِنَّمَا أعتقد أَنه يعْتَقد التَّشْبِيه وَأَنه ينَال من الأشاعرة وَأَن ذَلِك بجهله بِعلم الْكَلَام وبعقيدة الأشعرية فقد رَأَيْت أَقْوَامًا أَتَوا من ذَلِك
وَكَانَ شَدِيد التعصب للْفرق الحنبلية بِحَيْثُ كَانَ ينشد على الْمِنْبَر على مَا حكى عَنهُ تِلْمِيذه مُحَمَّد بن طَاهِر
(أَنا حنبلي مَا حييت وَإِن أمت ... فوصيتي للنَّاس أَن يتحنبلوا)
وَترك الرِّوَايَة عَن شَيْخه القَاضِي أبي بكر الْحِيرِي لكَونه أشعريا وكل هَذَا تعصب زَائِد برأنا الله من الْأَهْوَاء
وَذكر أبي إِسْمَاعِيل خَارج عَن غَرَض هَذَا الْكتاب فَإِنَّمَا أردنَا أَن ننبه على الْفرق بَينه وَبَين شيخ الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة أبي عُثْمَان نترجمه الْآن فلنعد إِلَى تَرْجَمته فَنَقُول ذكره عبد الغافر فِي السِّيَاق فَقَالَ هُوَ الْأُسْتَاذ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان الْخَطِيب الْمُفَسّر الْمُحدث الْوَاعِظ أوحد وقته فِي طَرِيقَته وعظ الْمُسلمين فِي مجَالِس التَّذْكِير سبعين سنة وخطب وَصلى فِي الْجَامِع يَعْنِي بنيسابور نَحوا من عشْرين سنة
ثمَّ قَالَ ورزق الْعِزّ والجاه فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَكَانَ جمالا للبلد زينا للمحافل والمجالس مَقْبُولًا عِنْد الْمُوَافق والمخالف مجمعا على أَنه عديم النظير وَسيف السّنة ودافع الْبِدْعَة
стр. 1434
وَهُوَ النسيب المعم المخول المدلي من جِهَة الأمومة إِلَى الْحَنَفِيَّة والفضلية والشيبانية والقرشية والتميمية والمزنية والضبية من الشّعب النَّازِلَة إِلَى الشَّيْخ أبي سعد يحيى بن مَنْصُور بن حسنويه السّلمِيّ الزَّاهِد الْأَكْبَر على مَا هُوَ مَشْهُور من أنسابهم عِنْد جمَاعَة من العارفين بالأنساب لِأَنَّهُ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن زين الْبَيْت ابْنة الشَّيْخ أبي سعد الزَّاهِد بن أَحْمد بن مَرْيَم بنت أبي سعد الْأَكْبَر الزَّاهِد
وَأما من جِهَة الْأَب فَهُوَ الأَصْل الَّذِي لَا يحْتَاج نسبه إِلَى زِيَادَة فَقَالَ وَكَانَ أَبوهُ أَبُو نصر من كبار الواعظين بنيسابور ففتك بِهِ لأجل التعصب وَالْمذهب وقلد الْأمة صَبيا بعد حول سبع سِنِين فاستدعى أَن يذكر صَبيا دعِي للختم على رَأس قبر أَبِيه كل يَوْم وأقعد بِمَجْلِس الْوَعْظ مقَام أَبِيه وَحضر أَئِمَّة الْوَقْت مجالسه
وَأخذ الإِمَام أَبُو الطّيب سهل بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الصعلوكي فِي تَرْبِيَته وتهيئة أَسبَابه وترتيب حشمته ونوبه وَكَانَ يحضر مجالسه ويثني عَلَيْهِ مَعَ تكبره فِي نَفسه وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَئِمَّة كالأستاذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الإسفرايني والأستاذ أبي بكر بن فورك وَسَائِر الْأَئِمَّة كَانُوا يحْضرُون مجْلِس تذكيره ويتعجبون من كَمَال ذكائه وعقله وَحسن إِيرَاده الْكَلَام عربيه وفارسيه وَحفظه الْأَحَادِيث حَتَّى كبر وَبلغ مبلغ الرِّجَال وَقَامَ مقَام أسلافه فِي جَمِيع مَا كَانَ إِلَيْهِم من النوب
وَلم يزل يرْتَفع شَأْنه حَتَّى صَار إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ من الحشمة التَّامَّة والجاه العريض وَهُوَ فِي جَمِيع أوقاته مشتغل بِكَثْرَة الْعِبَادَات ووظائف الطَّاعَات بَالغ فِي العفاف والسداد وصيانة النَّفس مَعْرُوف بِحسن الصَّلَاة وَطول الْقُنُوت واستشعار الهيبة حَتَّى كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي ذَلِك
وَكَانَ مُحْتَرما للْحَدِيث ولثبت الْكتب
стр. 1435
قَرَأت من خطّ الْفَقِيه أبي سعيد السكرِي أَنه حكى عَن بعض من يوثق بقوله من الصَّالِحين أَن شيخ الْإِسْلَام قَالَ مَا رويت خَبرا وَلَا أثرا فِي الْمجْلس إِلَّا وَعِنْدِي إِسْنَاده وَمَا دخلت بَيت الْكتب قطّ إِلَّا على طَهَارَة وَمَا رويت الحَدِيث وَلَا عقدت الْمجْلس وَلَا قعدت للتدريس قطّ إِلَّا على الطَّهَارَة
وَقَالَ مُنْذُ صَحَّ عِنْدِي أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقْرَأ بِسُورَة الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ فِي رَكْعَتي صَلَاة الْعشَاء لَيْلَة الْجُمُعَة مَا تركت قراءتهما فيهمَا
قَالَ وَقد كنت فِي بعض الْأَسْفَار المخوفة وَكَانَ أَصْحَابِي يفرقون من اللُّصُوص وقطاع الطَّرِيق وَيُنْكِرُونَ على فِي التَّطْوِيل بِقِرَاءَة السورتين وَغير ذَلِك فَلم أمتنع عَن ذَلِك وَلم أنقص شَيْئا مِمَّا كنت أواظب عَلَيْهِ فِي الْحَضَر فتولانا الله بحفظه وَلم تلحقنا آفَة
وقرأت من خطّ السكرِي أَيْضا قَالَ قَرَأت فِي كتاب كتبه الإِمَام سهل الصعلوكي إِلَى زَاهِر بن أَحْمد الإِمَام بسرخس حِين قصد الْأُسْتَاذ الإِمَام إِسْمَاعِيل أَن يرحل إِلَيْهِ لسَمَاع الحَدِيث فِي صباه بعد مَا قتل أَبوهُ شَهِيدا وَفِي الْكتاب بعد الْخطاب وَإِذا عدت الْأَحْدَاث الَّتِي كَانَت فِي هَذِه السنين الخالية قطارا أَرْسَالًا ومتصلة اتِّصَالًا ومتوالية حَالا فحالا كَانَ أعظمها نكاية فِي الدّين وَجِنَايَة عَلَيْهِ مَا جرى من الفتك بِأبي نصر الصَّابُونِي ﵀ نَهَارا وَالْمَكْر الَّذِي مكر بِهِ كبارًا كَمَا إِذا عدت غرائب الْوَقْت وعجائبه فِي الْحسن كَانَ بولده الْوَلَد الْفَقِيه أبي عُثْمَان إِسْمَاعِيل أدام الله بقاه وسلامته الِابْتِدَاء وبذكره الِافْتِتَاح فَإِنَّهُ بلغ وَلم يبلغ بِالسِّنِّ مَا تقصر عَنهُ الأمنية والاقتراح من التدبر والتعلم والوجاهة والتقدم على التحفظ
стр. 1436
والتورع والتيقظ وَقد كَانَ فِي نَفسه لذكائه وكيسه وفطنته وهدايته وعقله الرحلة إِلَى الشَّيْخ فَذكر فصلا فِيهِ ثمَّ قَالَ وَلَا نشك أَنه يُصَادف مِنْهُ فِي الْإِكْرَام والتقديم والتعظيم مَا يَلِيق بصفاته وإنجابه ودرجاته وَأَنا شريك فِي الامتنان لذَلِك كُله وراغب فِي تَعْجِيل إصداره إِلَى مَوْضِعه ومكانه فِي عمَارَة الْعلم بقعوده للتذكير والتبصير وَمَا يحصل بِهِ من النَّفْع الْكثير فَإِن الرُّجُوع لغيبته شَدِيد والاقتضاء بِالْعُمُومِ لعوده أكيد وَالسَّلَام
وَذكر عَن الشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ عهدي بالحاكم الإِمَام أبي عبد الله مَعَ تقدمه فِي السن وَالْحِفْظ والإتقان أَنه يقوم للأستاذ عِنْد دُخُوله إِلَيْهِ ويخاطبه بالأستاذ الأوحد وينشر علمه وفضله وَيُعِيد كَلَامه فِي وعظه مُتَعَجِّبا من حسنه معتدا بِكَوْنِهِ من أَصْحَابه
قَالَ السكرِي وَرَأَيْت كتاب الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الإسفرايني الَّذِي كتبه بِخَطِّهِ وخاطبه بالأستاذ الْجَلِيل سيف السّنة وَفِي كتاب آخر غيظ أهل الزيغ
وَحكى الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الصَّيْرَفِي الْمُتَكَلّم أَن الإِمَام أَبَا بكر بن فورك كَانَ رَجَعَ عَن مَجْلِسه يَوْمًا فَقَالَ تعجبت الْيَوْم من كَلَام هَذَا الشَّاب تكلم بِكَلَام مهذب عذب بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية
وَحكى عَن الشَّيْخ الإِمَام سهل أَيْضا أَنه كَانَ يَقُول لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ أبي سرايخ براتيش است بيش است
قَرَأت بِخَط السكرِي أَن الْأُسْتَاذ أَبَا عُثْمَان كَانَ يتَكَلَّم بَين يَدي الإِمَام سهل
стр. 1437
الصعلوكي وَكَانَ ينحرف بِوَجْهِهِ عَن جَانِبه فصاح بِهِ الإِمَام سهل استقبلني واترك الانحراف عني
فَقَالَ إِنِّي أستحيي أَن أَتكَلّم فِي حر وَجهك
فَقَالَ الإِمَام سهل انْظُرُوا إِلَى عقله
وَلَقَد أَكثر الْأَئِمَّة الثَّنَاء عَلَيْهِ وَلذَلِك مدحه الشُّعَرَاء فِي صباه إِلَى وَقت شبابه ومشيبه بِمَا يطول ذكره فَمن ذَلِك مَا قَالَ فِيهِ بعض من ذكر من أَئِمَّة الْأَصْحَاب
(بَينا الْمُهَذّب إِسْمَاعِيل أرجحهم ... علما وحلما وَلم يبلغ مدى الْحلم)
وَكتب أَبُو المظفر الجُمَحِي إِلَيْهِ بعد أَن سمع خطبَته بِهَذِهِ الأبيات
(أستدفع الله عَنهُ آفَة الْعين ... وَكم قَرَأت عَلَيْهِ آيَة الْعين)
(الْعلم يفخر والآداب فاخرة ... منيرة يَهْتَدِي فِيهَا ذَوُو الشين)
(لَو عَاد سحبان حَيا قَالَ من عجب ... عين الْإِلَه على عين الْفَرِيقَيْنِ)
(قد كَانَ ديني على إتْمَام رُؤْيَته ... لما رَأَيْت محياه قضي ديني)
(قل للَّذي زانه علم وَمَعْرِفَة ... كم للعلوم بِإِسْمَاعِيل من زين)
وَقَالَ فِيهِ البارع الزوزني
(مَاذَا اخْتِلَاف النَّاس فِي متفنن ... لم يبصروا للقدح فِيهِ سَبِيلا)
(وَالله مَا رقي المنابر خَاطب ... أَو واعظ كالحبر إسماعيلا)
وَلَقَد عَاشَ عَيْشًا حميدا بعد مَا قتل أَبوهُ شَهِيدا إِلَى آخر عمره فَكَانَ من قَضَاء الله تَعَالَى أَنه كَانَ يعْقد الْمجْلس فِيمَا حَكَاهُ الْأَثْبَات والثقات يَوْم الْجُمُعَة فِي جَانب
стр. 1438
الْحُسَيْن على الْعَادة المألوفة مُنْذُ نَيف وَسِتِّينَ سنة ويعظ النَّاس فَبَالغ فِيهِ وَدفع إِلَيْهِ كتاب ورد من بُخَارى مُشْتَمل على ذكر وباء عَظِيم وَقع بهَا واستدعي فِيهِ أَغْنِيَاء الْمُسلمين بِالدُّعَاءِ على رُءُوس الأملاء فِي كشف ذَلِك الْبلَاء عَنْهُم وَوصف فِيهِ أَن وَاحِدًا تقدم إِلَى خباز يَشْتَرِي الْخبز فَدفع الدَّرَاهِم إِلَى صَاحب الْحَانُوت فَكَانَ يزنها والخباز يخبز وَالْمُشْتَرِي وَاقِف فَمَاتَ الثَّلَاثَة فِي الْحَال فَاشْتَدَّ الْأَمر على عَامَّة النَّاس
فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب هاله ذَلِك واستقرأ من القارىء قَوْله تَعَالَى ﴿أفأمن الَّذين مكروا السَّيِّئَات أَن يخسف الله بهم الأَرْض﴾ ونظائرها وَبَالغ فِي التخويف والتحذير وَأثر فِيهِ ذَلِك وَتغَير فِي الْحَال وغلبه وجع الْبَطن من سَاعَته وَأنزل من الْمِنْبَر فَكَانَ يَصِيح من الوجع وَحمل إِلَى الْحمام إِلَى قريب من غرُوب الشَّمْس فَكَانَ يتقلب ظهرا لبطن ويصيح ويئن فَلم يسكن مَا بِهِ فَحمل إِلَى بَيته وَبَقِي فِيهِ سِتَّة أَيَّام لم يَنْفَعهُ علاج
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس سَابِع مَرضه ظَهرت آثَار سكر الْمَوْت عَلَيْهِ وودع أَوْلَاده وأوصاهم بِالْخَيرِ ونهاهم عَن لطم الخدود وشق الْجُيُوب والنياحة وَرفع الصَّوْت بالبكاء
ثمَّ دَعَا بالمقرىء أبي عبد الله خاصته حَتَّى قَرَأَ سُورَة يس وَتغَير حَاله وطاب وقته وَكَانَ يعالج سَكَرَات الْمَوْت إِلَى أَن قَرَأَ إِسْنَادًا فِيهِ مَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) ثمَّ توفّي من سَاعَته عصر يَوْم الْخَمِيس وحملت جنَازَته من الْغَد عصر يَوْم الْجُمُعَة إِلَى ميدان الْحُسَيْن الرَّابِع من الْمحرم سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَاجْتمعَ من الْخَلَائق مَا الله أعلم بعددهم وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو بكر ثمَّ أَخُوهُ أَبُو يعلى ثمَّ نقل إِلَى مشْهد أَبِيه فِي سكَّة حَرْب وَدفن بَين يَدي أَبِيه
стр. 1439
وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة وَكَانَ وَفَاته طاعنا فِي سنة سبع وَسبعين من سنته
وَسمعت الإِمَام خَالِي أَبَا سعيد يذكر مَجْلِسه فِي موسم من ذَلِك الْعَام على مَلأ عَظِيم من الْخلق وَأَنه يَصِيح بِصَوْت عَال مرَارًا وَيَقُول لنَفسِهِ يَا إِسْمَاعِيل هفتا دوهفت هفتا دو هفت بِالْفَارِسِيَّةِ فَلم يَأْتِ عَلَيْهِ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل ثمَّ توفّي لِأَنَّهُ كَانَ يذكر الْمَشَايِخ الَّذين مَاتُوا فِي هَذِه السن من أعمارهم
ثمَّ قَرَأت فِي المنامات الَّتِي رؤيت لَهُ فِي حَيَاته وَبعد مماته أَجزَاء لَو حكيتها لطال النَّفس فِيهَا فأقتصر على شَيْء من ذَلِك وَمن جملَته مَا حَكَاهُ الْفَقِيه أَبُو المحاسن بن الشَّيْخ أبي الْحسن الْقطَّان فِي عزاء شيخ الْإِسْلَام أَنه رأى فِي النّوم كَأَنَّهُ فِي خَان الْحسن وَشَيخ الْإِسْلَام على الْمِنْبَر مُسْتَقْبل الْقبْلَة يذكر النَّاس إِذْ نعس نعسة ثمَّ انتبه وَقَالَ نَعَست نعسة فَلَقِيت رَبِّي ورحمني ورحم أَهلِي ورحم من شيعني
وَحكى الثِّقَات عَن المقرىء أبي عبد الله الْمَخْصُوص بِهِ أَنه رأى قبيل مرض شيخ الْإِسْلَام كَأَن منبره خَال عَنهُ وَقد أحدق النَّاس بالمقرىء ينتظرون قِرَاءَته فجَاء على لِسَانه ﴿وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾ الْآيَة
قَالَ فانتبهت وَلم أر أحدا فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى بَدَأَ مَرضه وَتُوفِّي مِنْهُ
وَحكى بعض الصَّالِحين أَنه رأى أَبَا بكر بن أبي نصر الْمُفَسّر الْحَنَفِيّ جَالِسا على كرْسِي وَبِيَدِهِ جُزْء يَقْرَؤُهُ فَسَأَلَهُ عَمَّا فِيهِ فَقَالَ إِذا احْتَاجَ الْمَلَائِكَة إِلَى الْحَج وزيارة بَيت الله الْعَتِيق جَاءُوا إِلَى زِيَارَة قبر إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي
стр. 1440
وقرأت من خطّ الْفَقِيه أبي سعد السكرِي أَنه حكى عَن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن بن ظفر الْحُسَيْنِي أَنه قَالَ رَأَيْت فِي النّوم السَّيِّد النَّقِيب زيد بن أبي الْحسن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ من الْجَوَاهِر مَا شَاءَ الله فَسَأَلته فَقَالَ أتحفت بِهَذَا مِمَّا نثر على روح إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي
وَحكى المقرىء مُحَمَّد بن عبد الحميد الأبيوردي الرجل الصَّالح عَن الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ أَنه رأى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ قيل لَهُ عد عقائد أهل الْحق
قَالَ فَكنت أذكرها إِذْ سَمِعت نِدَاء كَانَ مفهومي مِنْهُ أَنى أسمعهُ من الْحق ﵎ يَقُول ألم نقل إِن ابْن الصَّابُونِي رجل مُسلم
وقرأت أَيْضا من خطّ السكرِي حِكَايَة رُؤْيا رَآهَا الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشقاني واستدعى مِنْهُ شيخ الْإِسْلَام أَن يَكْتُبهَا فَكتب يَقُول أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنوي لَوْلَا امْتنَاع خروجي عَن طَاعَة الْأُسْتَاذ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام لوُجُوبهَا عَليّ لم أكن لأحكي شَيْئا من هَذِه الرُّؤْيَا هَيْبَة لَهَا لما فِيهَا مِمَّا لَا أستجيز ذكرهَا فرقا مِنْهَا ثمَّ ذكر زيارته لتربة الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَوْمًا وَأَنه طَابَ وقته عِنْدهَا فَرجع إِلَى بَيته ونام وَقت الهاجرة فَرَأى الْحق ﵎ فِي مَنَامه ذكر الإِمَام بِمَا قَالَ وَلم يحك ذَلِك ثمَّ عقب ذَلِك بِحَدِيث الْأُسْتَاذ الإِمَام وَذكر أَشْيَاء نسيت بَعْضهَا وَالَّذِي أذكر مِنْهَا أَنه قَالَ وَأما ابْن ذَلِك الْمَظْلُوم فَإِن لَهُ عندنَا قرى ونعمى وزلفى
إِلَى آخر مَا كَانَ مِنْهُ
следующие страницы →