← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

والتورع والتيقظ وَقد كَانَ فِي نَفسه لذكائه وكيسه وفطنته وهدايته وعقله الرحلة إِلَى الشَّيْخ فَذكر فصلا فِيهِ ثمَّ قَالَ وَلَا نشك أَنه يُصَادف مِنْهُ فِي الْإِكْرَام والتقديم والتعظيم مَا يَلِيق بصفاته وإنجابه ودرجاته وَأَنا شريك فِي الامتنان لذَلِك كُله وراغب فِي تَعْجِيل إصداره إِلَى مَوْضِعه ومكانه فِي عمَارَة الْعلم بقعوده للتذكير والتبصير وَمَا يحصل بِهِ من النَّفْع الْكثير فَإِن الرُّجُوع لغيبته شَدِيد والاقتضاء بِالْعُمُومِ لعوده أكيد وَالسَّلَام وَذكر عَن الشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ عهدي بالحاكم الإِمَام أبي عبد الله مَعَ تقدمه فِي السن وَالْحِفْظ والإتقان أَنه يقوم للأستاذ عِنْد دُخُوله إِلَيْهِ ويخاطبه بالأستاذ الأوحد وينشر علمه وفضله وَيُعِيد كَلَامه فِي وعظه مُتَعَجِّبا من حسنه معتدا بِكَوْنِهِ من أَصْحَابه قَالَ السكرِي وَرَأَيْت كتاب الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الإسفرايني الَّذِي كتبه بِخَطِّهِ وخاطبه بالأستاذ الْجَلِيل سيف السّنة وَفِي كتاب آخر غيظ أهل الزيغ وَحكى الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الصَّيْرَفِي الْمُتَكَلّم أَن الإِمَام أَبَا بكر بن فورك كَانَ رَجَعَ عَن مَجْلِسه يَوْمًا فَقَالَ تعجبت الْيَوْم من كَلَام هَذَا الشَّاب تكلم بِكَلَام مهذب عذب بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَحكى عَن الشَّيْخ الإِمَام سهل أَيْضا أَنه كَانَ يَقُول لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ أبي سرايخ براتيش است بيش است قَرَأت بِخَط السكرِي أَن الْأُسْتَاذ أَبَا عُثْمَان كَانَ يتَكَلَّم بَين يَدي الإِمَام سهل

стр. 1437

الصعلوكي وَكَانَ ينحرف بِوَجْهِهِ عَن جَانِبه فصاح بِهِ الإِمَام سهل استقبلني واترك الانحراف عني فَقَالَ إِنِّي أستحيي أَن أَتكَلّم فِي حر وَجهك فَقَالَ الإِمَام سهل انْظُرُوا إِلَى عقله وَلَقَد أَكثر الْأَئِمَّة الثَّنَاء عَلَيْهِ وَلذَلِك مدحه الشُّعَرَاء فِي صباه إِلَى وَقت شبابه ومشيبه بِمَا يطول ذكره فَمن ذَلِك مَا قَالَ فِيهِ بعض من ذكر من أَئِمَّة الْأَصْحَاب (بَينا الْمُهَذّب إِسْمَاعِيل أرجحهم ... علما وحلما وَلم يبلغ مدى الْحلم) وَكتب أَبُو المظفر الجُمَحِي إِلَيْهِ بعد أَن سمع خطبَته بِهَذِهِ الأبيات (أستدفع الله عَنهُ آفَة الْعين ... وَكم قَرَأت عَلَيْهِ آيَة الْعين) (الْعلم يفخر والآداب فاخرة ... منيرة يَهْتَدِي فِيهَا ذَوُو الشين) (لَو عَاد سحبان حَيا قَالَ من عجب ... عين الْإِلَه على عين الْفَرِيقَيْنِ) (قد كَانَ ديني على إتْمَام رُؤْيَته ... لما رَأَيْت محياه قضي ديني) (قل للَّذي زانه علم وَمَعْرِفَة ... كم للعلوم بِإِسْمَاعِيل من زين) وَقَالَ فِيهِ البارع الزوزني (مَاذَا اخْتِلَاف النَّاس فِي متفنن ... لم يبصروا للقدح فِيهِ سَبِيلا) (وَالله مَا رقي المنابر خَاطب ... أَو واعظ كالحبر إسماعيلا) وَلَقَد عَاشَ عَيْشًا حميدا بعد مَا قتل أَبوهُ شَهِيدا إِلَى آخر عمره فَكَانَ من قَضَاء الله تَعَالَى أَنه كَانَ يعْقد الْمجْلس فِيمَا حَكَاهُ الْأَثْبَات والثقات يَوْم الْجُمُعَة فِي جَانب

стр. 1438

الْحُسَيْن على الْعَادة المألوفة مُنْذُ نَيف وَسِتِّينَ سنة ويعظ النَّاس فَبَالغ فِيهِ وَدفع إِلَيْهِ كتاب ورد من بُخَارى مُشْتَمل على ذكر وباء عَظِيم وَقع بهَا واستدعي فِيهِ أَغْنِيَاء الْمُسلمين بِالدُّعَاءِ على رُءُوس الأملاء فِي كشف ذَلِك الْبلَاء عَنْهُم وَوصف فِيهِ أَن وَاحِدًا تقدم إِلَى خباز يَشْتَرِي الْخبز فَدفع الدَّرَاهِم إِلَى صَاحب الْحَانُوت فَكَانَ يزنها والخباز يخبز وَالْمُشْتَرِي وَاقِف فَمَاتَ الثَّلَاثَة فِي الْحَال فَاشْتَدَّ الْأَمر على عَامَّة النَّاس فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب هاله ذَلِك واستقرأ من القارىء قَوْله تَعَالَى ﴿أفأمن الَّذين مكروا السَّيِّئَات أَن يخسف الله بهم الأَرْض﴾ ونظائرها وَبَالغ فِي التخويف والتحذير وَأثر فِيهِ ذَلِك وَتغَير فِي الْحَال وغلبه وجع الْبَطن من سَاعَته وَأنزل من الْمِنْبَر فَكَانَ يَصِيح من الوجع وَحمل إِلَى الْحمام إِلَى قريب من غرُوب الشَّمْس فَكَانَ يتقلب ظهرا لبطن ويصيح ويئن فَلم يسكن مَا بِهِ فَحمل إِلَى بَيته وَبَقِي فِيهِ سِتَّة أَيَّام لم يَنْفَعهُ علاج فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس سَابِع مَرضه ظَهرت آثَار سكر الْمَوْت عَلَيْهِ وودع أَوْلَاده وأوصاهم بِالْخَيرِ ونهاهم عَن لطم الخدود وشق الْجُيُوب والنياحة وَرفع الصَّوْت بالبكاء ثمَّ دَعَا بالمقرىء أبي عبد الله خاصته حَتَّى قَرَأَ سُورَة يس وَتغَير حَاله وطاب وقته وَكَانَ يعالج سَكَرَات الْمَوْت إِلَى أَن قَرَأَ إِسْنَادًا فِيهِ مَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) ثمَّ توفّي من سَاعَته عصر يَوْم الْخَمِيس وحملت جنَازَته من الْغَد عصر يَوْم الْجُمُعَة إِلَى ميدان الْحُسَيْن الرَّابِع من الْمحرم سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَاجْتمعَ من الْخَلَائق مَا الله أعلم بعددهم وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو بكر ثمَّ أَخُوهُ أَبُو يعلى ثمَّ نقل إِلَى مشْهد أَبِيه فِي سكَّة حَرْب وَدفن بَين يَدي أَبِيه

стр. 1439

وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة وَكَانَ وَفَاته طاعنا فِي سنة سبع وَسبعين من سنته وَسمعت الإِمَام خَالِي أَبَا سعيد يذكر مَجْلِسه فِي موسم من ذَلِك الْعَام على مَلأ عَظِيم من الْخلق وَأَنه يَصِيح بِصَوْت عَال مرَارًا وَيَقُول لنَفسِهِ يَا إِسْمَاعِيل هفتا دوهفت هفتا دو هفت بِالْفَارِسِيَّةِ فَلم يَأْتِ عَلَيْهِ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل ثمَّ توفّي لِأَنَّهُ كَانَ يذكر الْمَشَايِخ الَّذين مَاتُوا فِي هَذِه السن من أعمارهم ثمَّ قَرَأت فِي المنامات الَّتِي رؤيت لَهُ فِي حَيَاته وَبعد مماته أَجزَاء لَو حكيتها لطال النَّفس فِيهَا فأقتصر على شَيْء من ذَلِك وَمن جملَته مَا حَكَاهُ الْفَقِيه أَبُو المحاسن بن الشَّيْخ أبي الْحسن الْقطَّان فِي عزاء شيخ الْإِسْلَام أَنه رأى فِي النّوم كَأَنَّهُ فِي خَان الْحسن وَشَيخ الْإِسْلَام على الْمِنْبَر مُسْتَقْبل الْقبْلَة يذكر النَّاس إِذْ نعس نعسة ثمَّ انتبه وَقَالَ نَعَست نعسة فَلَقِيت رَبِّي ورحمني ورحم أَهلِي ورحم من شيعني وَحكى الثِّقَات عَن المقرىء أبي عبد الله الْمَخْصُوص بِهِ أَنه رأى قبيل مرض شيخ الْإِسْلَام كَأَن منبره خَال عَنهُ وَقد أحدق النَّاس بالمقرىء ينتظرون قِرَاءَته فجَاء على لِسَانه ﴿وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾ الْآيَة قَالَ فانتبهت وَلم أر أحدا فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى بَدَأَ مَرضه وَتُوفِّي مِنْهُ وَحكى بعض الصَّالِحين أَنه رأى أَبَا بكر بن أبي نصر الْمُفَسّر الْحَنَفِيّ جَالِسا على كرْسِي وَبِيَدِهِ جُزْء يَقْرَؤُهُ فَسَأَلَهُ عَمَّا فِيهِ فَقَالَ إِذا احْتَاجَ الْمَلَائِكَة إِلَى الْحَج وزيارة بَيت الله الْعَتِيق جَاءُوا إِلَى زِيَارَة قبر إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي

стр. 1440

وقرأت من خطّ الْفَقِيه أبي سعد السكرِي أَنه حكى عَن السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن بن ظفر الْحُسَيْنِي أَنه قَالَ رَأَيْت فِي النّوم السَّيِّد النَّقِيب زيد بن أبي الْحسن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ من الْجَوَاهِر مَا شَاءَ الله فَسَأَلته فَقَالَ أتحفت بِهَذَا مِمَّا نثر على روح إِسْمَاعِيل الصَّابُونِي وَحكى المقرىء مُحَمَّد بن عبد الحميد الأبيوردي الرجل الصَّالح عَن الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ أَنه رأى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ قيل لَهُ عد عقائد أهل الْحق قَالَ فَكنت أذكرها إِذْ سَمِعت نِدَاء كَانَ مفهومي مِنْهُ أَنى أسمعهُ من الْحق ﵎ يَقُول ألم نقل إِن ابْن الصَّابُونِي رجل مُسلم وقرأت أَيْضا من خطّ السكرِي حِكَايَة رُؤْيا رَآهَا الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشقاني واستدعى مِنْهُ شيخ الْإِسْلَام أَن يَكْتُبهَا فَكتب يَقُول أَحْمد بن مُحَمَّد الحسنوي لَوْلَا امْتنَاع خروجي عَن طَاعَة الْأُسْتَاذ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام لوُجُوبهَا عَليّ لم أكن لأحكي شَيْئا من هَذِه الرُّؤْيَا هَيْبَة لَهَا لما فِيهَا مِمَّا لَا أستجيز ذكرهَا فرقا مِنْهَا ثمَّ ذكر زيارته لتربة الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَوْمًا وَأَنه طَابَ وقته عِنْدهَا فَرجع إِلَى بَيته ونام وَقت الهاجرة فَرَأى الْحق ﵎ فِي مَنَامه ذكر الإِمَام بِمَا قَالَ وَلم يحك ذَلِك ثمَّ عقب ذَلِك بِحَدِيث الْأُسْتَاذ الإِمَام وَذكر أَشْيَاء نسيت بَعْضهَا وَالَّذِي أذكر مِنْهَا أَنه قَالَ وَأما ابْن ذَلِك الْمَظْلُوم فَإِن لَهُ عندنَا قرى ونعمى وزلفى إِلَى آخر مَا كَانَ مِنْهُ

стр. 1441

ثمَّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس كتبته وَحقّ الْحق لِحُرْمَتِهِ وَطَاعَة لأَمره وقرأت من خطّ قديم مَعْرُوف أَنه حُكيَ عَن يَهُودِيّ أَنه قَالَ اغتممت لوفاة أبي نصر الصَّابُونِي وَقَتله فاستغفرت لَهُ ونمت فرأيته فِي الْمَنَام وَعَلِيهِ ثِيَاب خضر مَا رَأَيْت مثلهَا قطّ وَهُوَ جَالس على كرْسِي بَين يَدَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة من الْمَلَائِكَة وَعَلَيْهِم ثِيَاب خضر فَقلت يَا أستاذ أَلَيْسَ قد قتلوك قَالَ فعلوا بِي مَا رَأَيْت فَقلت مَا فعل بك رَبك قَالَ يَا أَبَا حوايمرد كلمة بِالْفَارِسِيَّةِ لمثلي يُقَال هَذَا غفر لي وَغفر لمن صلى عَليّ كَبِيرهمْ وصغيرهم وَمن يكون على طريقي قلت أما أَنا فَلم أصل عَلَيْك قَالَ لِأَنَّك لم تكن على طريقي فَقلت إيش أفعل لأَكُون على طريقك فَقَالَ قل أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَقلت ذَلِك ثمَّ قلت أَنا مَوْلَاك قَالَ لَا أَنْت مولى الله قَالَ فانتبهت فجَاء من عِنْده إِلَى قَبره وَذكر مَا رأى فِي الْمَنَام وَقَالَ أَنا مَوْلَاهُ وَأسلم عِنْد قَبره وَلم يَأْخُذ شَيْئا من أحد وَقَالَ إِنِّي غَنِي أسلمت لوجه الله لَا لوجه المَال وَحكى أَبُو سهل بن هَارُون قَالَ قَالَ أَبُو بكر الصيدلاني وَكَانَ من الصَّالِحين كنت حَاضرا قَبره حِين جَاءَ الْيَهُودِيّ فَأسلم

стр. 1442

وقرأت من مَضْمُون كتاب كتبه الإِمَام زين الْإِسْلَام من طوس فِي تَعْزِيَة شيخ الْإِسْلَام أبي عُثْمَان فصولا كتبت مِنْهَا هَذِه الْكَلِمَات اختصارا يَا لَيْلَة فَتْرَة الشَّرِيعَة ليتك ترى الإصباح وَيَا محنة أهل السّنة أنخت بكلكلك لَعَلَّه لَا براح وَيَا مِعْرَاج السَّمَاء لَيْت شعري كَيفَ حالك وَقد خلوت من صواعد دعوات مجْلِس شيخ الْإِسْلَام وَيَا ضلة الْإِسْلَام لَوْلَا أَنَّك مَحْكُوم لَك بالدوام لقلنا فنيت عَن كل النظام وَيَا أَصْحَاب المحابر حطوا رحالكُمْ فقد استتر بخلال التُّرَاب من كَانَ عَلَيْهِ إلمامكم وَيَا أَرْبَاب المنابر أعظم الله أجوركم فَلَقَد مضى سيدكم وإمامكم (وَقَالُوا الإِمَام قضى نحبه ... وصيحة من قد نعاه علت) (فَقلت فَمَا وَاحِد قد مضى ... وَلكنه أمة قد خلت) وَفِيه فِي فصل آخر أَلَيْسَ لم يَجْسُر مفتر أَن يكذب على رَسُول الله ﷺ فِي وقته أليست السّنة كَانَت بمكانة منصورة والبدعة لفرط حشمته مقهورة أَلَيْسَ كَانَ دَاعيا إِلَى الله هاديا عباد الله شَابًّا لَا صبوة لَهُ ثمَّ كهلا لَا كبوة لَهُ ثمَّ شَيخا لَا هفوة لَهُ أَلَيْسَ دموع أُلُوف من الْمُسلمين كل مجْلِس بِذكرِهِ كَانَت تتبرج وَقُلُوبهمْ بتأثير وعظة كَانَت تتوهج ترى أَن الْمَلَائِكَة لم يؤمروا باستقباله والأنبياء وَالصديقين لم يستبشروا بقدومه عَلَيْهِم وإقباله قلت وَلما انْقَلب إِلَى رَحْمَة الله كثرت فِيهِ الْمرَائِي والأشعار وَكَانَت حَاله كَمَا قيل (لقد حسنت فِيك المراثي وَذكرهَا ... كَمَا حسنت من قبل فِيك المدائح) وَمن أحسن مَا قيل فِيهِ مَا كتبته بهراة فِي مرثيته للْإِمَام جمال الْإِسْلَام أبي الْحسن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الداوودي البوشنجي حَيْثُ يَقُول (أودى الإِمَام الحبر إِسْمَاعِيل ... لهفي عَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْهُ بديل)

стр. 1443

(بَكت السما وَالْأَرْض يَوْم وَفَاته ... وَبكى عَلَيْهِ الْوَحْي والتنزيل) (وَالشَّمْس وَالْقَمَر الْمُنِير تناوحا ... حزنا عَلَيْهِ وللنجوم عويل) (وَالْأَرْض خاشعة تبْكي شجوها ... ويلي تولول أَيْن إِسْمَاعِيل) (أَيْن الإِمَام الْفَرد فِي آدابه ... مَا إِن لَهُ فِي الْعَالمين عديل) (لَا تخدعنك مني الْحَيَاة فَإِنَّهَا ... تلهي وتنسي والمنى تضليل) (وتأهبن للْمَوْت قبل نُزُوله ... فالموت حتم والبقاء قَلِيل) هَذَا كَلَام عبد الغافر وَقد اشْتَمَل من تَرْجَمَة شيخ الْإِسْلَام على مَا فِيهِ مقنع وبلاغ ذكره أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ أَيْضا وَأَطْنَبَ فِي وَصفه وَقَالَ زرت قَبره مَا لَا أحصيه كَثْرَة وَرَأَيْت أثر الْإِجَابَة لكل دُعَاء دَعوته ثمَّ وَذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي كتاب الأمالي وَقَالَ نشر الْعلم إملاء وتصنيفا وتذكيرا واستفاد مِنْهُ النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم قلت وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ مجمعا على دينه وسيادته وَعلمه لَا يخْتَلف عَلَيْهِ أحد من الْفرق وَقد حدث عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ من أقرانه وَقَالَ فِيهِ إِنَّه إِمَام الْمُسلمين حَقًا وَشَيخ الْإِسْلَام صدقا وَأهل عصره كلهم مذعنون لعلو شَأْنه فِي الدّين والسيادة وَحسن الِاعْتِقَاد وَكَثْرَة الْعلم وَلُزُوم طَريقَة السّلف وَقَالَ أَبُو عبد الله الْمَالِكِي أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي مِمَّن شهِدت لَهُ أَعْيَان الرِّجَال بالكمال فِي الْحِفْظ وَالتَّفْسِير وَغَيرهمَا حدث عَن زَاهِر بن أَحْمد

стр. 1444

السَّرخسِيّ وَأبي سعيد عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ وَالْحسن بن أَحْمد المخلدي وَأبي بكر ابْن مهْرَان المقرىء وَأبي طَاهِر بن خُزَيْمَة وَأبي الْحُسَيْن الْخفاف وَعبد الرَّحْمَن بن أبي شريخ وَالْحَاكِم أبي عبد الله الْحَافِظ وَأبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله الجوزقي وَغَيرهم قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَسمع مِنْهُ عَالم لَا يُحصونَ قلت مِنْهُم عبد الْعَزِيز الكتاني وَعلي بن الْحسن بن صصرى وَأَبُو الْقَاسِم المصِّيصِي وَنصر الله الخشنامي وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَخلق آخِرهم أَبُو عبد الله الفراوي وَتقدم فِي كَلَام عبد الغافر أَنه توفّي لأَرْبَع لَيَال مضين من الْمحرم سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَلَو لم يكن فِي تَرْجَمَة هَذَا الرجل إِلَّا مَا حكيناه من قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ إِنَّه إِمَام الْمُسلمين حَقًا وَشَيخ الْإِسْلَام صدقا لكفى فِي الدّلَالَة على علو شَأْنه فَمَا ظَنك بِمَا تقدم من كَلَام أَئِمَّة عصره وَبِه قَالَ زين الْإِسْلَام وَكتبه من طوس وزين الْإِسْلَام الْمشَار إِلَيْهِ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَظن بالغزالي فَإِن الْغَزالِيّ لم يكن ولد هَذَا الزَّمَان وَيبعد أَن يكون كتب كتابا للتعزية فِيهِ

стр. 1445

مَعَ وَفَاته قبل ميلاده وَلَعَلَّه أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي كَانَ بنيسابور فَإِنَّهُ كَانَ وَقت وَفَاة أبي عُثْمَان كَانَ بطوس وَلَيْسَ بِبَعِيد وَالله أعلم وَمن الْفَوَائِد عَنهُ قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي من فضائله نظم الشّعْر على مَا يَلِيق بالعلماء وَمن غير مُبَالغَة فِي تعمق يلْحقهُ بالمنهي وَقد أنْشد لَهُ الثعالبي فِي تَتِمَّة الْيَتِيمَة (إِذا لم أصب أَمْوَالكُم ونوالكم ... وَلم أنل الْمَعْرُوف مِنْكُم وَلَا البرا) (وكنتم عبيدا للَّذي أَنا عَبده ... فَمن أجل مَاذَا أتعب الْبدن الحرا) وَهَذِه وَصيته وَقد وجدت بهَا بِدِمَشْق عِنْد دُخُوله إِلَيْهَا حَاجا هَذَا مَا أوصى بِهِ إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي الْوَاعِظ غير المتعظ الموقظ غير المتيقظ الْآمِر غير المؤتمر الزاجر غير المنزجر المتعلم الْمُعْتَرف الْمُنْذر الْمخوف المخلط المفرط المسرف المقترف للسيئات المغترف الواثق مَعَ ذَلِك برحمة ربه الراجي لمغفرته الْمُحب لرَسُول الله ﷺ وشيعته الدَّاعِي النَّاس إِلَى التَّمَسُّك بسنته وشريعته ﷺ أوصى وَهُوَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ إِلَهًا وَاحِدًا أحدا فَردا صمدا لم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا وَلم يُشْرك فِي حكمه أحدا الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْحَيّ القيوم الْبَاقِي بعد فنَاء خلقه المطلع على عباده الْعَالم بخفيات الغيوب الْخَبِير بضمائر الْقُلُوب المبدىء المعيد الغفور الْوَدُود ذُو الْعَرْش الْمجِيد الفعال لما يُرِيد ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ هُوَ مَوْلَانَا فَنعم

стр. 1446

الْمولى وَنعم النصير يشْهد بذلك كُله مَعَ الشَّاهِدين مقرا بِلِسَانِهِ عَن صِحَة اعْتِقَاد وَصدق يَقِين ويتحملها عَن المنكرين الجاحدين ويعدها ليَوْم الدّين ﴿يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ ﴿يَوْم لَا يُغني مولى عَن مولى شَيْئا وَلَا هم ينْصرُونَ إِلَّا من رحم الله إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ وَيشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ وَيشْهد أَن الْجنَّة حق وَجُمْلَة مَا أعد الله ﵎ فِيهَا لأوليائه حق وَيسْأل مَوْلَاهُ الْكَرِيم ﷻ أَن يَجْعَلهَا مَأْوَاه ومثواه فضلا مِنْهُ وكرما وَيشْهد أَن النَّار وَمَا أعد الله فِيهَا لأعدائه حق وَيسْأل الله مَوْلَاهُ أَن يجيره مِنْهَا ويزحزحه عَنْهَا ويجعله من الفائزين قَالَ الله ﴿فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ وَيشْهد أَن صلَاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أَمر وَهُوَ من الْمُسلمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأَنه رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا على ذَلِك يحيي وَعَلِيهِ يَمُوت إِن شَاءَ الله وَيشْهد أَن الْمَلَائِكَة حق وَأَن النَّبِيين حق وَأَن السَّاعَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور وَيشْهد أَن الله قدر الْخَيْر وَأمر بِهِ ورضيه وأحبه وَأَرَادَ كَونه من فَاعله ووعد حسن الثَّوَاب على فعله وَقدر الشَّرّ وزجر عَنهُ وَلم يرضه وَلم يُحِبهُ

стр. 1447

وَأَرَادَ كَونه من مرتكبه غير رَاض بِهِ وَلَا محب لَهُ تَعَالَى رَبنَا عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وتقدس أَن يَأْمر بالمعصية أَو يُحِبهَا ويرضاها وَجل أَن يقدر العَبْد على فعل شَيْء لم يقدره عَلَيْهِ أَو يحدث من العَبْد مَا لَا يُريدهُ وَلَا يشاؤه وَيشْهد أَن الْقُرْآن كتاب الله وَكَلَامه ووحيه وتنزيله غير مَخْلُوق وَهُوَ الَّذِي فِي الْمَصَاحِف مَكْتُوب وبالألسنة مقروء وَفِي الصُّدُور مَحْفُوظ وبالآذان مسموع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَقَالَ ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ وَقَالَ ﴿إِن الَّذين يَتلون كتاب الله﴾ وَقَالَ ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين﴾ وَيشْهد أَن الْإِيمَان تَصْدِيق بِالْقَلْبِ بِمَا أَمر الله أَن يصدق بِهِ وَإِقْرَار بِاللِّسَانِ بِمَا أَمر الله أَن يقر بِهِ وَعمل بالجوارح بِمَا أَمر الله أَن يعْمل بِهِ وانزجار عَمَّا زجر عَنهُ من كسب قلب وَقَول لِسَان وَعمل جوارح وأركان وَيشْهد أَن الله مستو على عَرْشه اسْتَوَى عَلَيْهِ كَمَا بَينه فِي كِتَابه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَقَوله ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ فِي آيَات أخر وَالرَّسُول ﷺ تَسْلِيمًا ذكره فِيمَا نقل عَنهُ من غير أَن يكيف استواءه عَلَيْهِ أَو يَجعله لفعله وفهمه أَو وهمه سَبِيلا إِلَى إِثْبَات كيفيته إِذْ الْكَيْفِيَّة عَن صِفَات رَبنَا منفية قَالَ إِمَام الْمُسلمين فِي عصره أَبُو عبد الله مَالك بن أنس ﵁ فِي جَوَاب من سَأَلَهُ عَن كَيْفيَّة الاسْتوَاء الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وأظنك زنديقا أَخْرجُوهُ من الْمَسْجِد

стр. 1448

وَيشْهد أَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات العلى الَّتِي وصف بهَا نَفسه فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه ﷺ تَسْلِيمًا كثيرا لَا يَنْفِي شَيْئا مِنْهَا وَلَا يعْتَقد شبها لَهُ بِصِفَات خلقه بل يَقُول إِن صِفَاته لَا تشبه صِفَات المربوبين كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَوَات الْمُحدثين تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول المعطلة والمشبهة علوا كَبِيرا ويسلك فِي الْآيَات الَّتِي وَردت فِي ذكر صِفَات البارىء ﷻ وَالْأَخْبَار الَّتِي صحت عَن رَسُول الله ﷺ فِي بَابهَا كآيات مَجِيء الرب يَوْم الْقِيَامَة وإتيان الله فِي ظلل من الْغَمَام وَخلق آدم بِيَدِهِ واستوائه على عَرْشه وكأخبار نُزُوله كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا والضحك والنجوى وَوضع الكنف على من يناجيه يَوْم الْقِيَامَة وَغَيرهَا مَسْلَك السّلف الصَّالح وأئمة الدّين من قبُولهَا وروايتها على وَجههَا بعد صِحَة سندها وإيرادها على ظَاهرهَا والتصديق بهَا وَالتَّسْلِيم لَهَا واتقاء اعْتِقَاد التكييف والتشبيه فِيهَا وَاجْتنَاب مَا يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بردهَا وَترك قبُولهَا أَو تحريفها بِتَأْوِيل يستنكر وَلم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا وَلم يجر بِهِ للصحابة وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَف الصَّالِحين لِسَان وَينْهى فِي الْجُمْلَة عَن الْخَوْض فِي الْكَلَام والتعمق فِيهِ وَفِي الِاشْتِغَال بِمَا كره السّلف ﵏ الِاشْتِغَال بِهِ ونهوا وزجروا عَنهُ فَإِن الْجِدَال فِيهِ والتعمق فِي دقائقه والتخبط فِي ظلماته كل ذَلِك يفْسد الْقلب وَيسْقط مِنْهُ هَيْبَة الرب ﷻ ويوقع الشّبَه الْكَبِيرَة فِيهِ ويسلب الْبركَة فِي الْحَال وَيهْدِي إِلَى الْبَاطِل والمحال وَالْخُصُومَة فِي الدّين والجدال وَكَثْرَة القيل والقال فِي الرب ذِي الْجلَال الْكَبِير المتعال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَالْحَمْد لله على مَا هدَانَا من دينه وَسنة نبيه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ حمدا كثيرا

стр. 1449

وَيشْهد أَن الْقِيَامَة حق وكل مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالْأَخْبَار الصِّحَاح من أشراطها وأهوالها وَمَا وعدنا بِهِ وأوعدنا بِهِ فِيهَا فَهُوَ حق نؤمن بِهِ ونصدق الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ فِيمَا أخبر بِهِ عَنهُ كالحوض وَالْمِيزَان والصراط وَقِرَاءَة الْكتب والحساب وَالسُّؤَال وَالْعرض وَالْوُقُوف والصدر عَن الْمَحْشَر إِلَى جنَّة أَو إِلَى نَار مَعَ الشَّفَاعَة الموعودة لأهل التَّوْحِيد وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مُبين فِي الْكتاب ومدون فِي الْكتب الجامعة لصحاح الْأَخْبَار وَيشْهد بذلك كُله فِي الشَّاهِدين ويستعين بِاللَّه ﵎ فِي الثَّبَات على هَذِه الشَّهَادَات إِلَى الْمَمَات حَتَّى يتوفى عَلَيْهَا فِي جملَة الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ الموقنين الْمُوَحِّدين وَيشْهد أَن الله ﵎ يمن على أوليائه بِوُجُوه ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة ويرونه عيَانًا فِي دَار الْبَقَاء لَا يضارون فِي رُؤْيَته وَلَا يمارون وَلَا يضامون وَيسْأل الله ﵎ أَن يَجْعَل وَجهه من تِلْكَ الْوُجُوه ويقيه كل بلَاء وَسُوء ومكروه ويبلغه كل مَا يؤمله من فَضله ويرجوه بمنه وَيشْهد أَن خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر الْفَارُوق ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ ويترحم على جَمِيع الصَّحَابَة ويتولاهم ويستغفر لَهُم وَكَذَلِكَ ذُريَّته وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَيسْأل الله أَن يَجعله مَعَهم ويرجو أَن يَفْعَله بِهِ فَإِنَّهُ قد صَحَّ عِنْده من طرق شَتَّى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْمَرْء مَعَ من أحب) ويوصي إِلَى من يخلفه من ولد وَأَخ وَأهل وَقَرِيب وصديق وَجَمِيع من يقبل وَصيته من الْمُسلمين عَامَّة أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ مَا شهد بِهِ وَأَن يتقوا الله حق تُقَاته وَألا يموتوا إِلَّا وهم مُسلمُونَ ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾

стр. 1450

ويوصيهم بصلاح ذَات الْبَين وصلَة الْأَرْحَام وَالْإِحْسَان إِلَى الْجِيرَان والأقارب والإخوان وَمَعْرِفَة حق الأكابر وَالرَّحْمَة على الأصاغر وينهاهم عَن التدابر والتباغض والتقاطع والتحاسد وَيَأْمُرهُمْ أَن يَكُونُوا إخْوَانًا على الْخيرَات أعوانا وَأَن يعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا يتفرقوا ويتبعوا الْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة وأئمة الْملَّة كمالك بن أنس وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَيحيى بن يحيى وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين وعلماء الدّين ﵃ أَجْمَعِينَ وَجمع بَيْننَا وَبينهمْ فِي ظلّ طُوبَى ومستراح العابدين أوصى بِهَذَا كُله إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي إِلَى أَوْلَاده وَأَهله وَأَصْحَابه ومختلفة مجالسه وَأوصى أَنه إِذا نزلت بِهِ الْمنية الَّتِي لَا شكّ أَنَّهَا نازلة وَالله يسْأَل خير ذَلِك الْيَوْم الَّذِي تنزل الْمنية بِهِ فِيهِ وَخير تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي تنزل بِهِ فِيهِ وَخير تِلْكَ السَّاعَة وَخير مَا قبلهَا وَخير مَا بعْدهَا أَن يلبس لباسا طيبا حسنا طَاهِرا نقيا وَيُوضَع على رَأسه الْعِمَامَة الَّتِي كَانَ يشدها فِي حَال حَيَاته وضعا على الْهَيْئَة الَّتِي كَانَ يَضَعهَا على رَأسه أَيَّام حَيَاته وَيُوضَع الرِّدَاء على عَاتِقيهِ ويضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ موجها إِلَى الْقبْلَة وتجلس أَوْلَاده عِنْد رَأسه ويضعوا الْمَصَاحِف على حجورهم ويقرءوا الْقُرْآن جَهرا وحرج عَلَيْهِم أَلا يمكنوا امْرَأَة لَا قرَابَة بَينه وَبَينهَا وَلَا نسب وَلَا سَبَب من طَرِيق الزَّوْجِيَّة تقرب من مضجعه تِلْكَ السَّاعَة أَو تدخل بَيْتا يكون فِيهِ وَكَذَلِكَ يحرج عَلَيْهِم أَن يأذنوا لأحد من الرِّجَال فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَة بل يأمرون الْأَخ والأحباب وَغَيرهم أَن يجلسوا فِي الْمدرسَة وَلَا يدخلُوا الدَّار وليساعدوا الْأَصْحَاب فِي قِرَاءَة الْقُرْآن وإمداده بِالدُّعَاءِ فَلَعَلَّ الله أَن يهون عَلَيْهِ سَكَرَات الْمَوْت ويسهل

стр. 1451

لَهُ اقتحام عقبَة الْمَوْت على الْإِسْلَام وَالسّنة فِي سَلامَة وعافية وَأوصى إِذا قضى نحبه وَأجَاب ربه وَفَارَقت روحه جسده أَن يشد ذقنه وَتغمضُ عَيناهُ وتمد أعضاؤه ويسجى بِثَوْب وَلَا يكْشف عَن وَجهه لينْظر إِلَيْهِ إِلَّا أَن يَأْتِيهِ غاسله فيحمله إِلَى مغتسله جعل الله ذَلِك الْحمل مُبَارَكًا عَلَيْهِ وَنظر بِعَين الرَّحْمَة إِلَيْهِ وَغفر لَهُ مَا قدمه من الْأَعْمَال السَّيئَة بَين يَدَيْهِ وَأوصى أَلا يناح عَلَيْهِ وَأَن يمْنَع أولياؤه وأقرباؤه وأحباؤه وَجَمِيع النَّاس من الرِّجَال وَالنِّسَاء أنفسهم عَن الشق وَالْحلق والتخريق للثياب والتمزيق وَألا يبكوا عَلَيْهِ إِلَّا بكاء حزن قلب ودموع عين لَا يقدرُونَ على ردهما ودفعهما وَأما دُعَاء بويل ورن شَيْطَان وخمش وُجُوه وَحلق شعر ونتفه وتخريق ثوب وتمزيقه وفتقه فَلَا وَهُوَ بَرِيء مِمَّن فعل شَيْئا من ذَلِك كَمَا برىء النَّبِي ﷺ مِنْهُم وَأوصى أَن يعجل تَجْهِيزه وغسله وتكفينه وَحمله إِلَى حفرته وَلَا يحبس وَلَا يبطأ بِهِ وَإِن مَاتَ ضحوة النَّهَار أَو وَقت الزَّوَال أَو بكرَة فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر تَجْهِيزه إِلَى الْغَد وَلَا يتْرك مَيتا بَين أَهله بِاللَّيْلِ أصلا بل يعجل أمره فينقل إِلَى حفرته نقلا بعد أَن يغسل وترا وَيجْعَل فِي آخر غسله من غسلاته كافور ويكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة إِن وجدت فَإِن لم تُوجد سحُولِيَّة كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة ويجمر كَفنه وترا لَا شفعا قبل أَن يلف عَلَيْهِ ويسرع بالسير بجنازته كَمَا أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَيحمل للصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَى ميدان الْحُسَيْن وَيُصلي عَلَيْهِ وَلَده أَبُو نصر إِن كَانَ حَاضرا فَإِن عجز عَن الْقيام بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَأمر الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَى أَخِيه أبي يعلى ثمَّ يرد إِلَى الْمدرسَة فيدفن فِيهَا بَين يَدي وَالِده الشَّهِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ويلحد لَهُ لحد وَينصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا

стр. 1452

وَلَا يشق لَهُ شقّ وَلَا يتَّخذ لَهُ تَابُوت أصلا وَلَا يوضع فِي التابوت للْحَمْل إِلَى الْمصلى وليوضع على الْجِنَازَة ملفوفا فِي الْكَفَن مسجى بِثَوْب أَبيض لَيْسَ فِيهِ إبريسم بِحَال وَلَا يطين قَبره وَلَا يجصص ويرش عَلَيْهِ المَاء وَيُوضَع عَلَيْهِ الْحَصَا وَيمْكث عِنْد قَبره مِقْدَار مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحْمه حَتَّى يعلم مَا يُرَاجع بِهِ رسل ربه جلّ وَعلا وَيسْأل الله تَعَالَى على رَأس قَبره لَهُ التثبيت الْمَوْعُود لجملة الْمُؤمنِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ ويستغفر لَهُ ولوالديه وَلِجَمِيعِ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات وَلَا ينسى بل يذكر بِالدُّعَاءِ فَإِن الْمُؤمن إِذا قبر كَانَ كالغريق المغتوت ينْتَظر دَعْوَة صَالِحَة تلْحقهُ وَلَا يُمكن أحد من الْجَوَارِي والنسوان أَن يكشفن رءوسهن وَأَن يندبنه فِي ذَلِك الْوَقْت بل يشْتَغل الْكل بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لَعَلَّ الله يهون عَلَيْهِ الْأَمر فِي ذَلِك الْوَقْت وييسر خُرُوج مُنكر وَنَكِير من قَبره على الرِّضَا مِنْهُ وينصرفان عَنهُ وَقد قَالَا لَهُ نم نومَة الْعَرُوس فَلَا روعة عَلَيْك ويفتحان فِي قَبره بَابا من الْجنَّة فضلا من الله ومنة فيفوز فوزا عَظِيما ويحوز ثَوابًا كَرِيمًا ويلقى روحا وريحانا وَربا كَرِيمًا رحِيما آخر الْوَصِيَّة

стр. 1453

٣٦٨ - إِسْمَاعِيل بن عبد القاهر بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَبُو سعد الأطروش من أهل جرجان قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ وافر الْعلم والزهد درس الْقُرْآن وَالْفِقْه وَكَانَ مُجْتَهدا فِي الطَّاعَة ثِقَة صَدُوقًا أصيلا مَأْمُونا سمع أَبَا الْحَارِث مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الأسواني وَعبد الغافر بن مُحَمَّد الْفَارِسِي وَغَيرهمَا قَالَ وَتُوفِّي بعد سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ٣٦٩ - إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن الْمثنى أَبُو سعد الإستراباذي الْوَاعِظ الصُّوفِي الْعَنْبَري قدم نيسابور قَدِيما وَبنى بهَا مدرسة لأَصْحَاب الشَّافِعِي تنْسب إِلَيْهِ وروى عَن أَبِيه وَعَن عَليّ بن الْحسن بن حيوية روى عَنهُ أَحْمد بن أبي جَعْفَر القَاضِي وَأَبُو بكر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ وَأحمد الموسياباذي وَغَيرهم

стр. 1454

مَاتَ فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة ٣٧٠ - إِسْمَاعِيل بن الْفضل أَبُو مُحَمَّد الفضيلي وَالِد الإِمَام أبي عَاصِم الصَّغِير الْهَرَوِيّ ذكره أَبُو النَّصْر عبد الرَّحْمَن الْهَرَوِيّ فِي تَارِيخه فَقَالَ هُوَ الْفَحْل المقرم وَالْإِمَام الْمُقدم فِي فنون الْفضل وأنواع الْعلم توفّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة والفضيلي بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخرهَا اللَّام نِسْبَة إِلَى الفضيل اسْم جده وَالله تَعَالَى أعلم ٣٧١ - إِسْمَاعِيل بن مسْعدَة بن إِسْمَاعِيل بن الإِمَام أبي بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم ابْن إِسْمَاعِيل الْإِسْمَاعِيلِيّ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم من أهل جرجان من بَيت الْعلم وَالْفضل والرياسة

стр. 1455

كَانَ صَدرا رَئِيسا وعالما كَبِيرا يعظ ويملي على فهم ودراية وديانة جيد الْفِقْه مليح الْوَعْظ وَالنّظم والنثر ولد سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة وَقيل سنة سِتّ بجرجان قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَالْأول أشبه سمع أَبَاهُ وَعَمه الْمفضل وَحَمْزَة السَّهْمِي وَالْقَاضِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن يُوسُف الشالنجي وَأحمد بن إِسْمَاعِيل الرباطي وَجَمَاعَة وَالْقَاضِي أَبَا عمر البسطامي وخلقا وروى عَنهُ زَاهِر ووجيه ابْنا الشحامي وَإِسْمَاعِيل بن السَّمرقَنْدِي وَأَبُو مَنْصُور ابْن حمدون وَأَبُو الْبَدْر الْكَرْخِي وَآخَرُونَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْجِرْجَانِيّ فِيهِ أوحد عصره وفريد وقته فِي الْفِقْه وَالْأَدب والورع والزهد سمع جواد مراع لحقوق الْفُضَلَاء والغرباء والواردين أَخذ الْفِقْه عَن عَمه أبي الْعَلَاء وَأبي نصر الشعيري وَله شعر وَترسل وَحسن خطّ وَإِلَيْهِ الْيَوْم الدَّرْس وَالْفَتْوَى والإملاء انْتهى وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ سَافر الْبِلَاد ودخلها وروى الحَدِيث بهَا مثل نيسابور والري وأصبهان وَدخل بَغْدَاد حَاجا وَحدث بالكامل لِابْنِ عدي وتاريخ جرجان وَغَيرهمَا انْتهى

стр. 1456

وَلما دخل أَبُو الْقَاسِم هَذَا بَغْدَاد دخل عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ مُسلما فَقَامَ إِلَيْهِ واستقبله وَقَالَ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنا أَشد فَرحا بدخولي مَدِينَة السَّلَام أَو رُؤْيَة الشَّيْخ الإِمَام فَاسْتحْسن أهل بَغْدَاد قَوْله توفّي بجرجان سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ٣٧٢ - باي بن جَعْفَر بن باي أَبُو مَنْصُور الجيلي وباي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَآخِرهَا آخر الْحُرُوف مُشَدّدَة وَوهم من زَعمه بباءين أَو بباء مَفْتُوحَة بدل آخر الْحُرُوف تفقه على الشَّيْخ أبي حَامِد وَكَانَ من مدرسي أَصْحَاب الشَّيْخ أبي حَامِد وَحكى أَنه لما آن أَن يجلس فِي الْحلقَة قيل للخليفة كَيفَ تُعْطى الْحلقَة من اسْمه هَذَا فَغَيره وصيره عبد الله قَالَ الْخَطِيب سمع الحَدِيث من أبي الْحسن بن الجندي بِضَم الْجِيم وَأبي الْقَاسِم الصيدلاني وَغَيرهمَا قَالَ وكتبنا عَنهُ وَكَانَ ثِقَة مَاتَ فِي أول محرم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1457

٣٧٣ - بديل بن عَليّ بن بديل بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الدَّال ثمَّ آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ لَام البرزندي وبرزند بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا رَاء سَاكِنة ثمَّ زَاي ثمَّ نون ثمَّ دَال كنيته أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال أَبُو الْقَاسِم وَأَبُو عبد الله تفقه بِبَغْدَاد وَسمع القَاضِي أَبَا الطّيب وَالْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي وَأَبا الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي وَأَبا الْغَنَائِم بن الْمَأْمُون وَغَيرهم روى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن السَّمرقَنْدِي وَأَبُو الْعِزّ بن كادش وَجَمَاعَة مَاتَ سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم ٣٧٤ - جَعْفَر بن باي أَبُو مُسلم الجيلي أحد أَصْحَاب الشَّيْخ أبي حَامِد وَهُوَ وَالِد الشَّيْخ أبي مَنْصُور الْمُتَقَدّم سمع الحَدِيث من أبي بكر المقرىء وَابْن بطة العكبري

стр. 1458

روى عَنهُ الْخَطِيب وَقَالَ مَاتَ سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة بقرية بزيذي بباء مُوَحدَة ثمَّ زَاي مَكْسُورَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ ذال مُعْجمَة ٣٧٥ - جَعْفَر بن الْقَاسِم بن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد بن الْعَبَّاس بن عبد الْوَاحِد ابْن جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس القَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن القَاضِي أبي عمر بن القَاضِي أبي الْقَاسِم قَالَ الشَّيْخ ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَمَات سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة بعد موت أَبِيه بِسنة وتفقه على أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ وَكَانَ ظريفا عفيفا أديبا فَقِيها جَامعا للمحاسن وَله ديوَان شعر قيل إِنَّه غسله قبل مَوته

стр. 1459

٣٧٦ - جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عُثْمَان والفقيه أَبُو الْخَيْر الْمروزِي قدم معرة النُّعْمَان فِي سنة ثَمَانِي عشرَة وَأَرْبَعمِائَة واستوطنها ودرس بهَا وَحمل عَنهُ أَهلهَا الْفِقْه وصنف فِي الْمَذْهَب كتابا سَمَّاهُ الذَّخِيرَة لم أَقف عَلَيْهِ إِنَّمَا الْمَشْهُور ذخيرة الْبَنْدَنِيجِيّ توفّي أَبُو الْخَيْر سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة ٣٧٧ - حسان بن سعيد بن حسان بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن منيع بن خَالِد بن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد المَخْزُومِي الرئيس أَبُو عَليّ المنيعي الحاجي أما المنيعي فنسبة إِلَى جده منيع بن خَالِد وَأما الحاجي فلغة الْعَجم فِي النِّسْبَة إِلَى من حج يَقُولُونَ للْحَاج إِلَى بَيت الله الْحَرَام حاجي وَأَبُو عَليّ هَذَا هُوَ وَاقِف الْجَامِع المنيعي بنيسابور الَّذِي كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ خَطِيبه وَقَبله أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي شيخ الْإِسْلَام وَكَانَ الرئيس أَبُو عَليّ من أهل مرو الروذ وَكَانَ فِي أول أمره تَاجِرًا إِلَى أَن نما مَاله وتزايدت النعم عَلَيْهِ وعلت مَنْزِلَته وَصَارَ مشارا إِلَيْهِ عِنْد السلاطين

стр. 1460

وَفقه الله تَعَالَى فحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثمَّ عَاد وَأنْفق أَمْوَالًا جزيلة فِي بِنَاء الْمَسَاجِد والربط وتنوع فِي الْمَعْرُوف وَبنى جَامعا بمرو الروذ تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة قَالَ عبد الغافر عَم الْآفَاق بخيره وبره وَكَانَ يدْخل نيسابور فِي أَوَائِل أمره ويعامل أَهلهَا فَلَمَّا رأى اضْطِرَاب الْأُمُور وتزايد التعصب من الْفَرِيقَيْنِ قبل أَن يجلس السُّلْطَان ألب أرسلان على سَرِير ملكه ويزين وَجه الْآفَاق بطلعة نظام ملكه انْقَطع حَتَّى انْقَطَعت مَادَّة الْأَهْوَاء وطوي بِسَاط العصبية بذب نظام الْملك عَن حَرِيم الْملَّة الحنيفية ومساعدة السُّلْطَان الَّذِي هُوَ سُلْطَان الْوَقْت المذعن إِلَى الْخَيْر المنقاد إِلَى الْمَعْرُوف ألب أرسلان وَعند ذَلِك سَأَلَ الرئيس أَبُو عَليّ السُّلْطَان والوزير فِي بِنَاء الْجَامِع المنيعي بنيسابور فَأُجِيب إِلَى مَسْأَلته فَعمد إِلَى خَالص مَاله وَأنْفق فِي بنائِهِ الْأَمْوَال الجزيلة وَكَانَ لَا يفتر آونة من ليل وَلَا سَاعَة من نَهَار مَخَافَة تغير الْأُمُور واضطراب الآراء إِلَى أَن تمّ وأقيمت الْجُمُعَة فِيهِ وَصَارَ جَامع الْبَلَد الْمَشْهُور وَهُوَ الَّذِي كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ خَطِيبه قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بَلغنِي أَن عجوزا جَاءَتْهُ وَهُوَ يَبْنِي جَامع نيسابور وَمَعَهَا ثوب يُسَاوِي نصف دِينَار وَقَالَت سَمِعت أَنَّك تبني الْجَامِع فَأَرَدْت أَن يكون لي فِي النَّفَقَة الْمُبَارَكَة أثر فَدَعَا خازنه واستحضر ألف دِينَار وَاشْترى بهَا مِنْهَا الثَّوْب وَسلم الْمبلغ إِلَيْهَا ثمَّ قبض مِنْهَا الخازن ثمَّ قَالَ لَهُ أنْفق هَذِه الْألف مِنْهَا فِي بِنَاء الْمَسْجِد وَقَالَ احفظ هَذَا الثَّوْب لكفني ألْقى الله فِيهِ

стр. 1461

وَكَانَ أَبُو عَليّ على قدم عَظِيم من الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة والتواضع وَالْبر وَكَثْرَة الصَّدقَات وَالصَّلَاة يقوم اللَّيْل ويصوم النَّهَار ويلبس خشن الثِّيَاب مَعَ كَثْرَة الْأَمْوَال الجزيلة والجاه العريض فِي الدُّنْيَا ونفاذ الْكَلِمَة وَلما وَقع الْقَحْط بِتِلْكَ الْبِلَاد فِي شهور سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة أنْفق أَمْوَالًا عَظِيمَة وَكَانَ ينصب الْقدر وَيفرق أَكثر من ألف من خبْزًا كل يَوْم للْفُقَرَاء أَو ينصب الْقُدُور وَيفرق طَعَاما كثيرا كل ذَلِك غير مَا يتَصَدَّق بِهِ سرا وَكَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر والملوك تسْعَى إِلَيْهِ وتحترمه حَتَّى قيل إِن السُّلْطَان ألب أرسلان قَالَ فِي مملكتي من لَا يخافني وَإِنَّمَا يخَاف من الله مُشِيرا إِلَيْهِ وَكَانَ كلما أقبل الشتَاء يتَّخذ الْجبَاب والقمص والسراويلات ويكسو قَرِيبا من ألف فَقير وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ كثير المحاسن وَقد سمع من أبي طَاهِر الزيَادي وَأبي الْقَاسِم بن حبيب وَأبي الْحسن السقا وَجَمَاعَة روى عَنهُ محيى السّنة الْبَغَوِيّ وَأَبُو المظفر عبد الْمُنعم الْقشيرِي ووجيه الشحامي وَغَيرهم

стр. 1462

قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي لَو تتبعنا مَا ظهر من آثاره وحسناته لعجزنا توفّي فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشرى ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَمن الْفَوَائِد عَنهُ رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي لقنه القَاضِي الْحُسَيْن مَسْأَلَة ليغالط بهَا فُقَهَاء مرو إِذا قدم عَلَيْهِم وَصورتهَا رجل غصب حِنْطَة فِي زمن الغلاء وَفِي زمن الرُّخص طَالبه الْمَالِك فَهَل يُطَالب بِالْمثلِ أَو الْقيمَة فَمن قَالَ إِنَّه يُطَالب بِالْمثلِ فَقَط غلط وَمن قَالَ يُطَالب بِالْقيمَةِ غلط لِأَن فِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيلًا إِذا تلفت الْحِنْطَة فِي يَده كَمَا هِيَ قبل الطَّحْن كَمَا إِذا احترقت وَجب الْمثل وَإِن طحن وعجن وخبز وَأكل فَعَلَيهِ الْقيمَة لِأَن الطَّحْن والعجن وَالْخبْز من ذَوَات الْقيم وَقد نقل ذَلِك أَبُو سعد الْهَرَوِيّ فِي الإشراف والرافعي فِي الشَّرْح ٣٧٨ - الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن اللَّيْث الْحَافِظ أَبُو عَليّ الْكشِّي ثمَّ الشِّيرَازِيّ سمع بِبَغْدَاد من إِسْمَاعِيل الصفار وَعبد الله بن درسْتوَيْه

стр. 1463

وبنيسابور من الْأَصَم وَابْن الأخرم الشَّيْبَانِيّ وبفارس من الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الرامَهُرْمُزِي سمع مِنْهُ أَبُو عبد الله الْحَاكِم وَقَالَ هُوَ مقدم فِي معرفَة الْقرَاءَات حَافظ للْحَدِيث رحال قدم علينا أَيَّام الْأَصَم ثمَّ قدم علينا سنة ثَلَاث وَخمسين وَسمع مِنْهُ أَيْضا أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ وَغير وَاحِد ورحل إِلَى هراة وَمَعَهُ ابناه اللَّيْث وَأَبُو بكر فَسَمِعُوا بهَا الحَدِيث من أبي الْفضل بن خميرويه توفّي فِي شعْبَان سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة ٣٧٩ - الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد

стр. 1464

٣٨٠ - الْحسن بن الْحُسَيْن بن حمكان أَبُو عَليّ الهمذاني صَاحب أبي حَامِد المروروذي قَالَ الشَّيْخ سكن بَغْدَاد ودرس بهَا قلت روى عَن أبي بكر النقاش وَغَيره من خلائق يطول تعدادهم وروى عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الْأَزْهَرِي وَكَانَ يُضعفهُ فِي الحَدِيث وَله كتاب فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي ﵁ توفّي فِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة ٣٨١ - الْحسن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن رامين القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الإستراباذي نزيل بَغْدَاد حدث عَن ابْن عدي ويوسف بن الْقَاسِم الميانجي وَخلف بن مُحَمَّد الْخيام وَأبي بكر الْقطيعِي وَإِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد وَبشر بن أَحْمد الإسفرايني وَغَيرهم روى عَنهُ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ وَعبد الْوَاحِد بن علوان بن عقيل وطاهر بن أَحْمد الْفَارِسِي نزيل دمشق

стр. 1465

قَالَ الْخَطِيب كتبت عَنهُ وَكَانَ صَدُوقًا فَاضلا صَالحا سَافر الْكثير وَلَقي شُيُوخ الصوفيه وَكَانَ يفهم الْكَلَام على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَالْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي مَاتَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة ٣٨٢ - الْحسن بن عبد الله وَقيل عبيد الله مُصَغرًا هُوَ القَاضِي أَبُو عَليّ الْبَنْدَنِيجِيّ صَاحب الذَّخِيرَة وَأحد العظماء من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي حَامِد وَله عَنهُ تعليقة مَشْهُورَة كَانَ فَقِيها عَظِيما غواصا على المشكلات صَالحا ورعا قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب وَقَالَ الْخَطِيب كَانَت لَهُ حَلقَة فِي جَامع الْمَنْصُور للْفَتْوَى وَكَانَ صَالحا دينا ورعا سَمِعت أَبَا عبد الْكَرِيم بن عَليّ القصري يَقُول لم أر فِيمَن صحب أَبَا حَامِد أدين من أبي عَليّ الْبَنْدَنِيجِيّ

стр. 1466

قَالَ الْخَطِيب وَخرج بِأخرَة إِلَى البندنيجين فَمَاتَ بهَا فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم وَمن الْفَوَائِد والغرائب عَنهُ حكى فِي الذَّخِيرَة وَجْهَيْن فِيمَن دخل الْمَسْجِد فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة لَا لغَرَض هَل يجوز لَهُ صَلَاة التَّحِيَّة والرافعي وَالْأَكْثَر خصصوا الْوَجْهَيْنِ بِمَا إِذا دخل لغَرَض التَّحِيَّة فَقَط وَقَالُوا الأقيس الْكَرَاهَة فالصور إِذا ثَلَاثَة من دخل لغَرَض مَا من درس أَو اعْتِكَاف أَو غَيرهمَا فيصليهما إِمَّا بِلَا خلاف أَو على الصَّحِيح عِنْد من يثبت الْخلاف فِي هَذِه الصُّورَة وَمن دخل لَا لحَاجَة بل ليُصَلِّي التَّحِيَّة وفيهَا الْوَجْهَانِ فِي الرَّافِعِيّ وَغَيره وَمن دخل لَا لحَاجَة أصلا وَهِي صُورَة الْبَنْدَنِيجِيّ إِلَّا أَن ينزل كَلَامه على مَا صور الرَّافِعِيّ وَالْأَظْهَر عِنْدِي الْعَكْس وَهُوَ أَن ينزل كَلَام الرَّافِعِيّ على كَلَام الْبَنْدَنِيجِيّ وَيُقَال الْوَجْهَانِ فِيمَن دخل لَا لغَرَض غير التَّحِيَّة سَوَاء دخل لغَرَض التَّحِيَّة أم لَا لغَرَض أصلا وَيظْهر عِنْدِي تَرْجِيح الْكَرَاهَة فِيمَن دخل لأجل التَّحِيَّة وَهُوَ مَا صور الرَّافِعِيّ وَرجح وترجيح عدم كَرَاهَة الصَّلَاة فِيمَن دخل لَا لغَرَض أصلا فليبحث عَن ذَلِك

стр. 1467

نقل الْبَنْدَنِيجِيّ عَن الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب أَن الْمُسَافِر إِذا جمع بَين الظّهْر وَالْعصر تَقْدِيمًا حرم عَلَيْهِ أَن يتَنَفَّل بعد ذَلِك فِي وَقت الظّهْر قَالَ لِأَنَّهَا نَافِلَة بعد الْعَصْر وَلم أره فِي الذَّخِيرَة وَكَأَنَّهُ حَكَاهُ فِي التعليقة وَقد أفتى الشَّيْخ الْعِمَاد بن يُونُس بِخِلَاف ذَلِك وَكَأَنَّهُ لم ير كَلَام الْبَنْدَنِيجِيّ مَعَ أَن الْمَسْأَلَة مُحْتَملَة ٣٨٣ - الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن عمر بن حَفْص بن زيد النيهي نِسْبَة إِلَى نيه بِكَسْر النُّون وَسُكُون آخر الْحُرُوف وَفِي آخرهَا الْهَاء بَلْدَة صَغِيرَة بَين سجستان وأسفراين هُوَ الْفَقِيه الْجَلِيل أَبُو مُحَمَّد تلميذ القَاضِي الْحُسَيْن وَشَيخ إِبْرَاهِيم المروروذي قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِمَام فَاضل ورع عَارِف بِالْمذهبِ انْتَشَر عَنهُ الْأَصْحَاب سمع الحَدِيث من أستاذه يَعْنِي القَاضِي الْحُسَيْن وَمن أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن الْعَلَاء الْبَغَوِيّ وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل حد الْقَذْف من كتاب مُوجبَات الضَّمَان وَلَو قَالَ لَهُ يَا مؤاجر فَلَيْسَ بِصَرِيح فِي الْقَذْف بِأَنَّهُ يُؤْتى وَعَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم المروروذي أَنه حكى عَن أستاذه النيهي أَنه قَالَ هُوَ صَرِيح لاعتياد النَّاس الْقَذْف بِهِ انْتهى

стр. 1468

وَقد تصحف النيهي فِي نسخ الرَّافِعِيّ بالتيمي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا آخر الْحُرُوف ثمَّ الْمِيم وَإِنَّمَا هُوَ النيهي هَذَا فاضبط ذَلِك والفرح مسطور فِي تعليقة الشَّيْخ إِبْرَاهِيم وَفِيه مقَالَة ثَالِثَة عَن عبد الله أخي الْحسن النيهي فَإِن إِبْرَاهِيم فِي تعليقته ذكر فِي بَاب حد الْقَذْف أَن الْأَصْحَاب قَالُوا إِنَّه كِنَايَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا معنى الْإِجَارَة وَالْإِنْسَان قد يُؤَاجر نَفسه لبَعض الْأَعْمَال ثمَّ قَالَ وَقَالَ شيخى الإِمَام الْحسن النيهي هُوَ صَرِيح فِي الْقَذْف لاعتياد النَّاس الْقَذْف بِهِ وَقَالَ أَخُوهُ الشَّيْخ الإِمَام عبد الله يحْتَمل أَن يَجْعَل هَذَا كِنَايَة من الْمُمَيز صَرِيحًا من الْعَاميّ كَقَوْلِه حَلَال الله عَليّ حرَام انْتهى وَذكره القَاضِي الْحُسَيْن فِي التعليقة وَقَالَ إِنَّه صَرِيح لجَرَيَان الْعرف بِالْقَذْفِ بِهِ وَمِنْه فِيمَا أَحسب أَخذ الْحسن النيهي وَحَكَاهُ صَاحب الْعمد فِي بَاب حد الْقَذْف عَن الْقفال فقد بَان أَن الْقفال قَائِل هَذِه الْمقَالة وَمِنْه أَخذهَا تِلْمِيذه القَاضِي الْحُسَيْن وَمِنْه أَخذهَا تِلْمِيذه النيهي وَلَعَلَّ هَذَا فِي بِلَادهمْ أما بِلَادنَا فَلَا عرف لهَذِهِ اللَّفْظَة فِيهَا فالأشبه أَن لَا تجْعَل صَرِيحًا وَلَا كِنَايَة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 1469

٣٨٤ - الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق بن الْعَبَّاس الطوسي الْوَزير الْكَبِير الْعَالم الْعَادِل أَبُو عَليّ الملقب نظام الْملك وَزِير غالى الْمُلُوك فِي سَمعتهَا وغالب الضراغم وَكَانَت لَهُ النُّصْرَة مَعَ شدَّة منعتها وضاهى الْخُلَفَاء فِي عطائها وباهى الفراقد فَكَانَ فَوق سمائها ملك طَائِفَة الْفُقَهَاء بإحسانه وسلك فِي سَبِيل الْبر مَعَهم سَبِيلا لم يعْهَد قبل زَمَانه هُوَ أشهر من بنى لَهُم الْمدَارِس وشيد أركانهم ولولاه خيف أَن يكون كالطلال الدارس كَانَ جوادا يخجل لَدَيْهِ كل ذِي جبين وضاح ويتنافس على أريج ثنائه مسك اللَّيْل وكافور الصَّباح طمس ذكر من كُنَّا نسْمع فِي المكارم من الْمُلُوك خَبره وغرس فِي الْقُلُوب شجرات إحسانه المثمرة دولته كلهَا فضل وأيامه جَمِيعهَا عدل وَوَقته وابل بالسماح مغدق ومجلسه بِجَمَاعَة الْعلمَاء صباح مشرق كل يَوْم من أَيَّامه مِقْدَاره ألف سنة وكل معدلة من أَحْكَامه أنامت الْأَنَام فأمن كل واستطاب وسنه لَو هدد الدَّهْر بعدله لما تعدى بصروفه وَلَو عرض نداه فِي كل نَاد من الْخُلَفَاء لعرف من بَينهم بمعروفه

стр. 1470

إِن جلس بَين الْعلمَاء جلس وَعَلِيهِ سِيمَا الْوَقار وَله من التأدب مَعَهم مَا شهِدت بِهِ فِي التواريخ الْأَخْبَار يتضاءل بَين الْعلمَاء ويتنازل وَإِن كَانَ منزله أعلا من نجم السَّمَاء خلق أرق من النسيم ومحيا تعرف فِيهِ نَضرة النَّعيم (تنبي طلاقة بشره عَن جوده ... فيكاد يلقى النجح قبل لِقَائِه) (وضياء وَجه لَو تَأمله امْرُؤ ... صادي الجوانح لارتوى من مَائه) وَإِن قعد للمظالم أَقَامَ بِالْكتاب وَالسّنة وأخاف فِي الله ببطشه كل ذِي يَد عَادِية تَغْدُو بعْدهَا النُّفُوس مطمئنة حَتَّى أقرَّت لَهُ بِالْعَدْلِ عُظَمَاء السلاطين واستقرت فِي أَيَّامه بالأمن النَّاس لَا يَخْشونَ نازلة المتعالين وَإِن أَفَاضَ جوده أخجل الْغَمَام وأجزل كل عَطاء جزل لم تره النَّفس إِلَّا فِي آمال الْيَقَظَة أَو أَحْلَام الْمَنَام (لَيْسَ التَّعَجُّب من مواهب مَاله ... بل من سلامتها إِلَى أَوْقَاتهَا) وَإِن ركب الهيجاء لم يكن لَهُ حَاجِب إِلَّا مواضي الصفاح وَلَا طَلِيعَة إِلَّا شهب الأسنة على رُءُوس الرماح (وَلَا كتب إِلَّا المشرفية عِنْده ... وَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرمرم) (وَلم يخل من نصر لَهُ من لَهُ يَد ... وَلم يخل من شكر لَهُ من لَهُ فَم) (وَلم يخل من أَسْمَائِهِ عود مِنْبَر ... وَلم يخل دِينَار وَلم يخل دِرْهَم) يرفع لِوَاء الْإِسْلَام وَيسمع نوح الْحمام على أُمَم أنزل بهم الْحمام وَيقوم فيقعد

стр. 1471

كل كمى ويرعف أنف كل مشرفي وسمهري (على عاتق الْملك الْأَعَز نجاده ... وَفِي يَد جَبَّار السَّمَوَات قائمه) يُقَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا ويناضل فَلَا يدع فِي حَيّ الْأَعْدَاء حَيا ويبارز حَيْثُ تتأخر الْجِيَاد السنابك ويجاوز فَلَا تسمع إِلَّا من يَقُول وَمَا النَّاس إِلَّا هَالك وَابْن هَالك (فِي جحفل ستر الْعُيُون غباره ... فَكَأَنَّمَا يبصرن بالآذان) (قد سودت روس الْجبَال شُعُورهمْ ... فَكَأَن فِيهِ مسفة الْغرْبَان) (إِن السيوف مَعَ الَّذين قُلُوبهم ... كقلوبهم إِذا التقى الْجَمْعَانِ) (يلقى الحسام على جَرَاءَة حَده ... مثل الجبان بكف كل جبان) أسنة مسنونة وَسنة مسنونة وَأَيَّام بعدله مَأْمُونَة وزمن بالنعماء مشحون وَفَوق الزَّمن السالف إِذا اعْتبرت السنون وَأجل وَكَيف وَفِي ذَلِك فَرد أَمِين ومأمون وكل أحد فِي زمن هَذَا أَمِين ومأمون (فَلَا عقرب إِلَّا بخد مليحة ... وَلَا جور إِلَّا فِي ولَايَة سَاق) وَملك هُوَ نظامه وسلك هُوَ واسطته إِذا عدت أَيَّامه وإفك هُوَ ماحيه إِذا دجى ظلامه

стр. 1472

بَطل شُجَاع وَرجل يخافه على صافناتها الْأَبْطَال وَفَوق سريرها الْمُلُوك وَفِي أجماتها السبَاع مقدم العساكر ومقدامها وَأسد الممالك وضرغامها وَأسد الْأَبْطَال رَأيا وهمامها لَا تضع الْحَرْب عِنْده أَوزَارهَا حَتَّى يضع العصاة أَوزَارهَا وَترجع إِلَى الله تَعَالَى رَجْعَة نفوس لَا تبالي ولى عَنْهَا شيطانها أَوزَارهَا ولد نظام الْملك سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ من أَوْلَاد الدهاقين الَّذين يعْملُونَ فِي الْبَسَاتِين بنواحي طوس فحفظه أَبوهُ الْقُرْآن وشغله فِي التفقه على مَذْهَب الشَّافِعِي ثمَّ خرج من عِنْد أَبِيه إِلَى غزنة وخدم فِي الدِّيوَان السلطاني ورقت بِهِ الْأَحْوَال سفرا وحضرا وخدم فِي الدَّوَاوِين بخراسان وغزنة واختص بِأبي عَليّ بن شَاذان وَزِير السُّلْطَان ألب رسْلَان فَلَمَّا حانت وَفَاة ابْن شَاذان أوصى ألب أرسلان بِهِ وَذكر لَهُ كفاءته وأمانته فنصبه مَكَانَهُ فِي الوزارة وَلم يزل السعد يَخْدمه والأمور تجْرِي على وفْق مُرَاده وَاتفقَ فِي أَيَّامه من محَاسِن الْأَفْعَال وَنشر الْعدْل وَضبط الْأَحْوَال مَا سَارَتْ بِهِ الركْبَان وتناقلته الْأَلْسِنَة وَصَارَ بَابه محط الرّحال ومنتهى الآمال وَأخذ فِي بِنَاء الْمَسَاجِد والمدارس والرباطات وَفعل أَصْنَاف الْمَعْرُوف بتنوع أقسامه وَاخْتِلَاف أَنْوَاعه واشتدت مَعَ ذَلِك وطأته وعظمت مكانته وتزايدت هيبته إِلَى أَن انْقَضتْ دولة ألب أرسلان فَملك بعده السُّلْطَان الْكَبِير ملكشاه بتدبير نظام الْملك وكفايته فازدادت حرمته وتصاعدت مرتبته

стр. 1473

وَقدم بَغْدَاد مرَارًا مَعَ السُّلْطَان وقوبل من الْخَلِيفَة بنهاية الإجلال والتعظيم وَبنى بِبَغْدَاد مدرسة ورباطا وَتوجه مَعَ السُّلْطَان ملكشاه إِلَى الْغُزَاة بِبِلَاد الرّوم وَفتح عدَّة بِلَاد من ديار بكر وَرَبِيعَة والجزيرة وحلب ومنبج ثمَّ عَاد إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَجَرت أُمُوره على السداد نَافِذَة أُمُوره فِي أقطار الأَرْض إِلَيْهِ يرجع النَّاس بأمورهم وَهُوَ الْحَاكِم لَا كلمة لغيره ومجالسه معمورة بالعلماء مأهولة بالأئمة والزهاد لم يتَّفق لغيره مَا اتّفق لَهُ من ازدحام الْعلمَاء عَلَيْهِ وتردادهم إِلَى بَابه وثنائهم على عدله وتصنيفهم الْكتب باسمه يحضر سماطه مثل أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيرهم وَذكر النقلَة أَنه لم يكن فِي زَمَانه أكفأ مِنْهُ فِي صناعَة الْحساب وصناعة الْإِنْشَاء ووصفوه بسداد الْأَلْفَاظ فيهمَا عَرَبِيَّة وفارسية وَكَانَ من أخلاقه أَنه مَا جلس قطّ إِلَّا على وضوء وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا وتنفل وَيقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يتلوه مُسْتَندا إعظاما لَهُ ويستصحب الْمُصحف مَعَه أَيْنَمَا توجه وَإِذا أذن الْمُؤَذّن أمسك عَن كل شغل هُوَ فِيهِ وأجابه ويصوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَلَا يمْنَع أحدا من الدُّخُول عَلَيْهِ لَا وَقت الطَّعَام وَلَا غَيره إِذا جلس وهجمت امْرَأَة عَلَيْهِ مرّة وَقت الطَّعَام وَمَعَهَا قَضِيَّة فزبرها بعض الْحجاب فحانت مِنْهُ التفاتة إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ بالْكلَام الصعب وَقَالَ إِنَّمَا أريدك وأمثالك لإيصال مثل هَذِه وَأما المحتشمون فهم يوصلون نُفُوسهم وَبنى مدرسة بِبَغْدَاد ومدرسة ببلخ ومدرسة بنيسابور ومدرسة بهراة ومدرسة بأصبهان ومدرسة بِالْبَصْرَةِ ومدرسة بمرو ومدرسة بآمل طبرستان ومدرسة بالموصل

стр. 1474

وَيُقَال إِن لَهُ فِي كل مَدِينَة بالعراق وخراسان مدرسة وَله بيمارستان بنيسابور ورباط بِبَغْدَاد قلت وَشَيخنَا الذَّهَبِيّ زعم أَنه أول من بنى الْمدَارِس وَلَيْسَ كَذَلِك فقد كَانَت الْمدرسَة البيهقية بنيسابور قبل أَن يُولد نظام الْملك والمدرسة السعدية بنيسابور أَيْضا بناها الْأَمِير نصر بن سبكتكين أَخُو السُّلْطَان مَحْمُود لما كَانَ واليا بنيسابور ومدرسة ثَالِثَة بنيسابور بناها أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن الْمثنى الإستراباذي الْوَاعِظ الصُّوفِي شيخ الْخَطِيب ومدرسة رَابِعَة بنيسابور أَيْضا بنيت للأستاذ أبي إِسْحَاق الإسفرايني وَقد قَالَ الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ لم يبن بنيسابور قبلهَا يَعْنِي مدرسة الْأُسْتَاذ مثلهَا وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه بني قبلهَا غَيرهَا وَقد أدرت فكري وَغلب على ظَنِّي أَن نظام الْملك أول من قدر المعاليم للطلبة فَإِنَّهُ لم يَتَّضِح لي هَل كَانَت الْمدَارِس قبله بمعاليم للطلبة أَو لَا وَالْأَظْهَر أَنه لم يكن لَهُم مَعْلُوم ونقلت من خطّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي خطْبَة الغياثي مَا قَالَه يصف نظام الْملك سيد الورى ومؤيد الدّين وَالدُّنْيَا ملاذ الْأُمَم مستخدم للسيف والقلم وَمن ظلّ ظلّ الْملك بيمن مساعيه ممدودا ولواء النَّصْر معقودا فكم بَاشر أوزار الْحَرْب وأدار رحى الطعْن وَالضَّرْب فَلَا يَده ارْتَدَّت وَلَا طلعته البهية أربدت وَلَا عزمه انثنى وَلَا حَده نبا قد سدت مسالك المهالك صوارمه وحصنت الممالك صرائمه وحلت شكائم العدى عَزَائِمه وتحصنت المملكة بنصله وتحسنت الدُّنْيَا بأفضاله وفضله وَعم ببره آفَاق الْبِلَاد وَنفى الغي عَنْهَا بالرشاد وجلى ظلام الظُّلم عدله وَكسر فقار الْفقر بذله وَكَانَت خطة الْإِسْلَام شاغرة وأفواه الخطوب إِلَيْهَا فاغرة

стр. 1475

فَجمع الله بِرَأْيهِ الثاقب شملها وَوصل بيمن نقيبته حبلها وأصبحت الرعايا فِي رعايته وَادعَة وأعين الْحَوَادِث عَنْهَا هاجعة وَالدّين يزهى بتهلل أساريره وإشراق جَبينه وَالسيف يفخر فِي يَمِينه يرجوه الآيس البائس فِي أدراج أنينه ويركع لَهُ تَاج كل شامخ بعرنينه ويهابه اللَّيْث المزمجر فِي عرينه انْتهى وَهَذَا من هَذَا الإِمَام الْجَلِيل وَإِن لم يخل عَن بعض الْمُبَالغَة شَاهد عدل لعلو مِقْدَار نظام الْملك عِنْد هَذَا الحبر الَّذِي يحْتَج بكلماته المتقدمون والمتأخرون وَعنهُ انتشرت شَرِيعَة الله أصولا وفروعا وَحكى الْأَمِير أَبُو نصر بن مَاكُولَا قَالَ حضرت مجْلِس نظام الْملك وَقد رمى بعض أَرْبَاب الْحَوَائِج رقْعَة إِلَيْهِ فَوَقَعت على دواته وَكَانَ مدادها كثيرا فنال المداد عمَامَته وثيابه فاسودت فَلم يقطب وَلم يتَغَيَّر وَمد يَده إِلَى الرقعة فَأَخذهَا وَوَقع عَلَيْهَا فتعجبت من حلمه فحكيت لأستاذ دَاره فَقَالَ الَّذِي جرى فِي بارحتنا أعجب كَانَ فِي نوبتنا أَرْبَعُونَ فراشا فَهبت ريح شديده أَلْقَت التُّرَاب على بساطه الْخَاص فَالْتمست أحدهم ليكنسه فَلم أَجِدهُ فاسودت الدُّنْيَا فِي عَيْني وَقلت أقل مَا يجْرِي صرفي وعقوبتهم فأظهرت الْغَضَب فَقَالَ نظام الْملك لَعَلَّ أسبابا لَهُم اتّفقت منعتهم من الْوُقُوف بَين أَيْدِينَا وَمَا يَخْلُو الْإِنْسَان من عذر مَانع وشغل قَاطع يصده عَن تأدية الْفَرْض وَمَا هم إِلَّا بشر مثلنَا يألمون كَمَا نألم ويحتاجون إِلَى مَا نحتاج إِلَيْهِ وَقد فضلنَا الله عَلَيْهِم فَلَا نجْعَل شكر نعْمَته مؤاخذتهم على ذَنْب يسير قَالَ فعجبت من حلمه ويحكى عَنهُ من هَذَا الْبَاب لطائف كَثِيرَة
следующие страницы →