Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
كل كمى ويرعف أنف كل مشرفي وسمهري
(على عاتق الْملك الْأَعَز نجاده ... وَفِي يَد جَبَّار السَّمَوَات قائمه)
يُقَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا ويناضل فَلَا يدع فِي حَيّ الْأَعْدَاء حَيا ويبارز حَيْثُ تتأخر الْجِيَاد السنابك ويجاوز فَلَا تسمع إِلَّا من يَقُول وَمَا النَّاس إِلَّا هَالك وَابْن هَالك
(فِي جحفل ستر الْعُيُون غباره ... فَكَأَنَّمَا يبصرن بالآذان)
(قد سودت روس الْجبَال شُعُورهمْ ... فَكَأَن فِيهِ مسفة الْغرْبَان)
(إِن السيوف مَعَ الَّذين قُلُوبهم ... كقلوبهم إِذا التقى الْجَمْعَانِ)
(يلقى الحسام على جَرَاءَة حَده ... مثل الجبان بكف كل جبان)
أسنة مسنونة وَسنة مسنونة وَأَيَّام بعدله مَأْمُونَة وزمن بالنعماء مشحون وَفَوق الزَّمن السالف إِذا اعْتبرت السنون وَأجل وَكَيف وَفِي ذَلِك فَرد أَمِين ومأمون وكل أحد فِي زمن هَذَا أَمِين ومأمون
(فَلَا عقرب إِلَّا بخد مليحة ... وَلَا جور إِلَّا فِي ولَايَة سَاق)
وَملك هُوَ نظامه وسلك هُوَ واسطته إِذا عدت أَيَّامه وإفك هُوَ ماحيه إِذا دجى ظلامه
стр. 1472
بَطل شُجَاع وَرجل يخافه على صافناتها الْأَبْطَال وَفَوق سريرها الْمُلُوك وَفِي أجماتها السبَاع
مقدم العساكر ومقدامها وَأسد الممالك وضرغامها وَأسد الْأَبْطَال رَأيا وهمامها
لَا تضع الْحَرْب عِنْده أَوزَارهَا حَتَّى يضع العصاة أَوزَارهَا وَترجع إِلَى الله تَعَالَى رَجْعَة نفوس لَا تبالي ولى عَنْهَا شيطانها أَوزَارهَا
ولد نظام الْملك سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ من أَوْلَاد الدهاقين الَّذين يعْملُونَ فِي الْبَسَاتِين بنواحي طوس فحفظه أَبوهُ الْقُرْآن وشغله فِي التفقه على مَذْهَب الشَّافِعِي
ثمَّ خرج من عِنْد أَبِيه إِلَى غزنة وخدم فِي الدِّيوَان السلطاني ورقت بِهِ الْأَحْوَال سفرا وحضرا
وخدم فِي الدَّوَاوِين بخراسان وغزنة واختص بِأبي عَليّ بن شَاذان وَزِير السُّلْطَان ألب رسْلَان فَلَمَّا حانت وَفَاة ابْن شَاذان أوصى ألب أرسلان بِهِ وَذكر لَهُ كفاءته وأمانته فنصبه مَكَانَهُ فِي الوزارة
وَلم يزل السعد يَخْدمه والأمور تجْرِي على وفْق مُرَاده وَاتفقَ فِي أَيَّامه من محَاسِن الْأَفْعَال وَنشر الْعدْل وَضبط الْأَحْوَال مَا سَارَتْ بِهِ الركْبَان وتناقلته الْأَلْسِنَة وَصَارَ بَابه محط الرّحال ومنتهى الآمال
وَأخذ فِي بِنَاء الْمَسَاجِد والمدارس والرباطات وَفعل أَصْنَاف الْمَعْرُوف بتنوع أقسامه وَاخْتِلَاف أَنْوَاعه واشتدت مَعَ ذَلِك وطأته وعظمت مكانته وتزايدت هيبته
إِلَى أَن انْقَضتْ دولة ألب أرسلان فَملك بعده السُّلْطَان الْكَبِير ملكشاه بتدبير نظام الْملك وكفايته فازدادت حرمته وتصاعدت مرتبته
стр. 1473
وَقدم بَغْدَاد مرَارًا مَعَ السُّلْطَان وقوبل من الْخَلِيفَة بنهاية الإجلال والتعظيم وَبنى بِبَغْدَاد مدرسة ورباطا
وَتوجه مَعَ السُّلْطَان ملكشاه إِلَى الْغُزَاة بِبِلَاد الرّوم وَفتح عدَّة بِلَاد من ديار بكر وَرَبِيعَة والجزيرة وحلب ومنبج ثمَّ عَاد إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر
وَجَرت أُمُوره على السداد نَافِذَة أُمُوره فِي أقطار الأَرْض إِلَيْهِ يرجع النَّاس بأمورهم وَهُوَ الْحَاكِم لَا كلمة لغيره ومجالسه معمورة بالعلماء
مأهولة بالأئمة والزهاد لم يتَّفق لغيره مَا اتّفق لَهُ من ازدحام الْعلمَاء عَلَيْهِ وتردادهم إِلَى بَابه وثنائهم على عدله وتصنيفهم الْكتب باسمه يحضر سماطه مثل أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيرهم
وَذكر النقلَة أَنه لم يكن فِي زَمَانه أكفأ مِنْهُ فِي صناعَة الْحساب وصناعة الْإِنْشَاء ووصفوه بسداد الْأَلْفَاظ فيهمَا عَرَبِيَّة وفارسية
وَكَانَ من أخلاقه أَنه مَا جلس قطّ إِلَّا على وضوء وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا وتنفل وَيقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يتلوه مُسْتَندا إعظاما لَهُ ويستصحب الْمُصحف مَعَه أَيْنَمَا توجه وَإِذا أذن الْمُؤَذّن أمسك عَن كل شغل هُوَ فِيهِ وأجابه ويصوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس
وَلَا يمْنَع أحدا من الدُّخُول عَلَيْهِ لَا وَقت الطَّعَام وَلَا غَيره إِذا جلس
وهجمت امْرَأَة عَلَيْهِ مرّة وَقت الطَّعَام وَمَعَهَا قَضِيَّة فزبرها بعض الْحجاب فحانت مِنْهُ التفاتة إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ بالْكلَام الصعب وَقَالَ إِنَّمَا أريدك وأمثالك لإيصال مثل هَذِه وَأما المحتشمون فهم يوصلون نُفُوسهم
وَبنى مدرسة بِبَغْدَاد ومدرسة ببلخ ومدرسة بنيسابور ومدرسة بهراة ومدرسة بأصبهان ومدرسة بِالْبَصْرَةِ ومدرسة بمرو ومدرسة بآمل طبرستان ومدرسة بالموصل
стр. 1474
وَيُقَال إِن لَهُ فِي كل مَدِينَة بالعراق وخراسان مدرسة وَله بيمارستان بنيسابور ورباط بِبَغْدَاد
قلت وَشَيخنَا الذَّهَبِيّ زعم أَنه أول من بنى الْمدَارِس وَلَيْسَ كَذَلِك فقد كَانَت الْمدرسَة البيهقية بنيسابور قبل أَن يُولد نظام الْملك والمدرسة السعدية بنيسابور أَيْضا بناها الْأَمِير نصر بن سبكتكين أَخُو السُّلْطَان مَحْمُود لما كَانَ واليا بنيسابور ومدرسة ثَالِثَة بنيسابور بناها أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن الْمثنى الإستراباذي الْوَاعِظ الصُّوفِي شيخ الْخَطِيب ومدرسة رَابِعَة بنيسابور أَيْضا
بنيت للأستاذ أبي إِسْحَاق الإسفرايني وَقد قَالَ الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ لم يبن بنيسابور قبلهَا يَعْنِي مدرسة الْأُسْتَاذ مثلهَا
وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه بني قبلهَا غَيرهَا وَقد أدرت فكري وَغلب على ظَنِّي أَن نظام الْملك أول من قدر المعاليم للطلبة فَإِنَّهُ لم يَتَّضِح لي هَل كَانَت الْمدَارِس قبله بمعاليم للطلبة أَو لَا وَالْأَظْهَر أَنه لم يكن لَهُم مَعْلُوم
ونقلت من خطّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي خطْبَة الغياثي مَا قَالَه يصف نظام الْملك سيد الورى ومؤيد الدّين وَالدُّنْيَا ملاذ الْأُمَم مستخدم للسيف والقلم وَمن ظلّ ظلّ الْملك بيمن مساعيه ممدودا ولواء النَّصْر معقودا فكم بَاشر أوزار الْحَرْب وأدار رحى الطعْن وَالضَّرْب فَلَا يَده ارْتَدَّت وَلَا طلعته البهية أربدت وَلَا عزمه انثنى وَلَا حَده نبا قد سدت مسالك المهالك صوارمه وحصنت الممالك صرائمه وحلت شكائم العدى عَزَائِمه وتحصنت المملكة بنصله وتحسنت الدُّنْيَا بأفضاله وفضله وَعم ببره آفَاق الْبِلَاد وَنفى الغي عَنْهَا بالرشاد وجلى ظلام الظُّلم عدله وَكسر فقار الْفقر بذله وَكَانَت خطة الْإِسْلَام شاغرة وأفواه الخطوب إِلَيْهَا فاغرة
стр. 1475
فَجمع الله بِرَأْيهِ الثاقب شملها وَوصل بيمن نقيبته حبلها وأصبحت الرعايا فِي رعايته وَادعَة وأعين الْحَوَادِث عَنْهَا هاجعة وَالدّين يزهى بتهلل أساريره وإشراق جَبينه وَالسيف يفخر فِي يَمِينه يرجوه الآيس البائس فِي أدراج أنينه ويركع لَهُ تَاج كل شامخ بعرنينه ويهابه اللَّيْث المزمجر فِي عرينه
انْتهى
وَهَذَا من هَذَا الإِمَام الْجَلِيل وَإِن لم يخل عَن بعض الْمُبَالغَة شَاهد عدل لعلو مِقْدَار نظام الْملك عِنْد هَذَا الحبر الَّذِي يحْتَج بكلماته المتقدمون والمتأخرون وَعنهُ انتشرت شَرِيعَة الله أصولا وفروعا
وَحكى الْأَمِير أَبُو نصر بن مَاكُولَا قَالَ حضرت مجْلِس نظام الْملك وَقد رمى بعض أَرْبَاب الْحَوَائِج رقْعَة إِلَيْهِ فَوَقَعت على دواته وَكَانَ مدادها كثيرا فنال المداد عمَامَته وثيابه فاسودت فَلم يقطب وَلم يتَغَيَّر وَمد يَده إِلَى الرقعة فَأَخذهَا وَوَقع عَلَيْهَا فتعجبت من حلمه فحكيت لأستاذ دَاره فَقَالَ الَّذِي جرى فِي بارحتنا أعجب كَانَ فِي نوبتنا أَرْبَعُونَ فراشا فَهبت ريح شديده أَلْقَت التُّرَاب على بساطه الْخَاص فَالْتمست أحدهم ليكنسه فَلم أَجِدهُ فاسودت الدُّنْيَا فِي عَيْني وَقلت أقل مَا يجْرِي صرفي وعقوبتهم فأظهرت الْغَضَب فَقَالَ نظام الْملك لَعَلَّ أسبابا لَهُم اتّفقت منعتهم من الْوُقُوف بَين أَيْدِينَا وَمَا يَخْلُو الْإِنْسَان من عذر مَانع وشغل قَاطع يصده عَن تأدية الْفَرْض وَمَا هم إِلَّا بشر مثلنَا يألمون كَمَا نألم ويحتاجون إِلَى مَا نحتاج إِلَيْهِ وَقد فضلنَا الله عَلَيْهِم فَلَا نجْعَل شكر نعْمَته مؤاخذتهم على ذَنْب يسير
قَالَ فعجبت من حلمه
ويحكى عَنهُ من هَذَا الْبَاب لطائف كَثِيرَة
стр. 1476
قلت وَفِي هَذِه الْحِكَايَة أَيْضا دلَالَة على كَثْرَة مَا كَانَ فِيهِ من الحشمة لدلالتها على أَن نوبَة الفراشين عِنْده أَرْبَعُونَ نفسا فَإِن كَانَ يعْمل النوب ثَلَاثًا كعادة السلاطين فِي بِلَادنَا فَيدل على أَن لَهُ مائَة وَعشْرين فراشا وَإِن كَانَ يعملها نوبتين كعادة نواب السلطنة والأمراء الْكِبَار فَيدل على أَن لَهُ ثَمَانِينَ فراشا وَهَذَا أَمر عَظِيم فنائب الشَّام وَهُوَ أعظم نواب سُلْطَان الْإِسْلَام فِي هَذَا الزَّمَان لَيْسَ لَهُ غير سِتَّة عشر فراشا كل نوبَة ثَمَانِيَة هَذَا حَاله وَحَال من قبله من زمَان تنكز إِلَى الْآن لَا يزِيدُونَ على هَذَا الْقدر وَأَكْثَرهم ينقص عَنهُ وَكَانَ من قبل تنكز دونه
وَمِمَّا يدل أَيْضا على عَظمته وحشمته مَعَ ديانته مَا حُكيَ أَن الْأُسْتَاذ أَبَا الْقَاسِم الْقشيرِي دخل عَلَيْهِ مرّة فَوجدَ بَين يَدَيْهِ الجمدارية قد اصطفت ميمنة وميسرة وَكَانُوا ثَمَانِينَ جمدارا ملبسين أحسن الملابس وَكلهمْ مرد ملاح فقطب الْأُسْتَاذ ففهم نظام الْملك أَن الْأُسْتَاذ أنكر هَذِه الْحَالة فَقَالَ لَهُ يَا أستاذ مَا فِي هَؤُلَاءِ المماليك الثَّمَانِينَ إِلَّا من شِرَاؤُهُ فَوق الثَّمَانِينَ ألفا وَمَعَ ذَلِك وَالله مَا حللت سراويلي على حرَام قطّ وَلَكِن حُرْمَة الوزارة وَالْملك تَقْتَضِي هَذَا
فَهَذِهِ الْحِكَايَة تدل على أَن لَهُ إِمَّا مائَة وَسِتِّينَ جمدارا إِن كَانَ يعْمل نوبتين أَو أَكثر إِن كَانَ أَكثر من نوبتين وَإِن كَانَ هَذَا عدد الجمدارية وهم عبارَة عَن مماليك مردان يكونُونَ مَعَ الْمُلُوك فِي غَالب أَحْوَالهم فَمَا يكون عدد مماليكه الَّذين يعدهم للحرب وكل ذَلِك خَارج عَن أجناده المجندة فَإِن أُولَئِكَ مضافون إِلَى السُّلْطَان لَا إِلَيْهِ وَإِن كَانُوا فِي خدمته ومؤتمرين بأَمْره
وَقد كَانَت حَالَته تَقْتَضِي أَكثر من ذَلِك فَإِنَّهُ مكث فِي الوزارة ثَلَاثِينَ سنة وَلم تكن
стр. 1477
وزارته وزارة بل فَوق السلطنة فَإِن السُّلْطَان جلال الدولة ملكشاه بن ألب أرسلان اتسعت ممالكه فَكَانَت تَحت ملكه بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر وبلاد الهياطلة وَبَاب الْأَبْوَاب وخراسان وَالْعراق وَالشَّام وَالروم والجزيرة فمملكته من كاشغر وَهِي أقْصَى مَدَائِن التّرْك إِلَى بَيت الْمُقَدّس طولا وَمن قرب قسطنطينية إِلَى بَحر الْهِنْد عرضا وَلم يكن مَعَ ذَلِك لملكشاه مَعَ نظام الْملك غير الِاسْم والأبهة والتنوع فِي اللَّذَّات وَكَانَ مَشْغُولًا بالصيد واللذة ونظام الْملك هُوَ الْآمِر الْمُتَصَرف لَا يجْرِي جليل وَلَا حقير إِلَّا بأَمْره مستبدا بذلك
وَيُقَال إِن نظام الْملك أول من فرق الإقطاعات على الْجند وَلم يكن عَادَة الْخُلَفَاء والسلاطين من لدن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا أَن الْأَمْوَال كلهَا تجبى إِلَى الدِّيوَان ثمَّ تفرق العطايا على الْأُمَرَاء والأجناد على حسب الْمُقَرّر لَهُم فَلَمَّا اتسعت مملكة نظام الْملك رأى أَن يسلم إِلَى كل مقطع قَرْيَة أَو أَكثر أَو أقل على قدر إقطاعه
قَالَ فَإِن فِيهِ أَنه إِذا تسلمها وَلَيْسَ لَهُ غَيرهَا عمرها واعتنى بهَا بِخِلَاف مَا إِذا شَمل الْكل ديوَان وَاحِد فَإِن الْخرق يَتَّسِع فَفعل ذَلِك فَكَانَ سَبَب عمَارَة الْبِلَاد وَكَثْرَة الغلات وتناقلته الْمُلُوك بعده واستمرت إِلَى الْيَوْم فِي بِلَاد الْإِسْلَام وَأما بِلَاد الْعَجم وممالك نظام الْملك كلهَا الْآن فَمَا أظنها على هَذَا الْوَجْه بل تَغَيَّرت أحوالها لِكَثْرَة التغيرات
وَحكى أَخُوهُ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ بن إِسْحَاق أَنه كَانَ بِمَكَّة وَأَرَادَ الْخُرُوج
стр. 1478
إِلَى عَرَفَات فَأخْبرهُ رجل أَن إنْسَانا من الخراسانية مَاتَ بِبَعْض الزوايا وَأَنه انتفخ وَفَسَد وَلزِمَ الْقيام بِحقِّهِ
قَامَ فَمَكثت لذَلِك فرآني بعض من كَانَ يأتمنه نظام الْملك على أُمُور الْحَاج فَقَالَ لي مَا وقوفك هَا هُنَا وَالْقَوْم قد رحلوا فحكيت لَهُ الْقِصَّة فَقَالَ اذْهَبْ وَلَا تهتم لأمر هَذَا الْمَيِّت فَإِن عِنْدِي خمسين ألف ذِرَاع من الكرباس لتكفين الْمَوْتَى من جِهَة الصاحب نظام الْملك قَالَ وَكَانَ أخي نظام الْملك يملي الحَدِيث بِالريِّ فَلَمَّا فرغ قَالَ إِنِّي لست أَهلا لما أتولاه من الْإِمْلَاء لكني أُرِيد أَن أربط نَفسِي على قطار نقلة حَدِيث رَسُول الله ﷺ
قلت وَقد سمع الحَدِيث بأصبهان من مُحَمَّد بن عَليّ بن مهريزد الأديب وَأبي مَنْصُور شُجَاع بن عَليّ بن شُجَاع
وبنيسابور من الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي
وببغداد من أبي الْخطاب بن البطر وَغَيره
وأملى بِبَغْدَاد مجلسين أَحدهمَا بِجَامِع الْمهْدي بالرصافة وَالْآخر بمدرسته وَحضر إملاءه الْأَئِمَّة
وروى عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم نصر بن نصر العكبري وَعلي بن طراد الزَّيْنَبِي وَأَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ وَغَيرهم
قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل فِي الْفُنُون أَيَّامه الَّتِي شاهدناها تربي على كل أَيَّام سمعنَا بهَا وصدقنا بِمَا رَأَيْنَاهُ مَا سمعناه وَإِن كُنَّا قبل ذَلِك مستبعدين لَهُ ناسبين مَا ذكر فِي
стр. 1479
التواريخ إِلَى نوع تَحْسِين من الْكَذِب فأبهرت الْعُقُول سيرته جودا وكرما وعدلا وإحياء لمعالم الدّين بنى الْمدَارِس ووقف الْوُقُوف ونعش من الْعلم وَأَهله مَا كَانَ خاملا مهملا فِي أَيَّام من قبله وَفتح طَرِيق الْحَج وعمره وَعمر الْحَرَمَيْنِ واستقام الحجيج وابتاع الْكتب بأوفر الْأَثْمَان وأدر الجرايات للخزان
وَكَانَت سوق الْعلم فِي أَيَّامه قَائِمَة وَالنعَم على أَهله دارة وَكَانُوا مستطيلين على صُدُور أَرْبَاب الدولة أرفع النَّاس فِي مَجْلِسه لَا يحجبون عَن بَابه بتوسل بهم النَّاس فِي حوائجهم
هَذَا بعض كَلَام ابْن عقيل
وَحكى عبد الله الساوجي أَن نظام الْملك اسْتَأْذن السُّلْطَان ملكشاه فِي الْحَج فَأذن لَهُ وَهُوَ إِذْ ذَاك بِبَغْدَاد فَعبر دجلة وعبروا بالآلات والأقمشة وَضربت الْخيام على شط دجلة
قَالَ فَأَرَدْت يَوْمًا أَن أَدخل عَلَيْهِ فَرَأَيْت بِبَاب الْخَيْمَة فَقِيرا يلوح عَلَيْهِ سِيمَا الْقَوْم فَقَالَ لي يَا شيخ أَمَانَة توصلها إِلَى الصاحب
قلت نعم
فَأَعْطَانِي رقْعَة مطوية فَدخلت بهَا وَلم أنظر فِيهَا حفظا للأمانة ووضعتها بَين يَدي الْوَزير فَنظر فِيهَا وَبكى بكاء شَدِيدا حَتَّى نَدِمت وَقلت فِي نَفسِي لَيْتَني نظرت فِيهَا فَإِن كَانَ مَا فِيهَا يسوءه لم أدفعها إِلَيْهِ
стр. 1480
ثمَّ قَالَ لي يَا شيخ أَدخل عَليّ صَاحب هَذِه الرقعة
فَخرجت فَلم أَجِدهُ وطلبته فَلم أظفر بِهِ فَأخْبرت الْوَزير بذلك فَدفع إِلَيّ الرقعة فَإِذا فِيهَا رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَقَالَ لي (اذْهَبْ إِلَى الْحسن وَقل لَهُ أَيْن تذْهب إِلَى مَكَّة حجك هَا هُنَا أما قلت لَك أقِم بَين يَدي هَذَا التركي وأعن أَصْحَاب الْحَوَائِج من أمتِي) فَرجع نظام الْملك
وَكَانَ يَقُول لَو رَأَيْت ذَلِك الْفَقِير حَتَّى أتبرك بِهِ قَالَ فرأيته على شط دجلة وَهُوَ يغسل خريقات لَهُ فَقلت لَهُ إِن الصاحب يطلبك
فَقَالَ مَا لي وللصاحب إِنَّمَا كَانَت عِنْدِي أَمَانَة فأديتها
قَالَ ابْن الصّلاح الساوجي هَذَا كَانَ خيرا كثير الْمَعْرُوف يعرف بشيخ الشُّيُوخ
وَحكى الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم أَخُو نظام الْملك أَنه كَانَ عِنْده لَيْلَة على أحد جانبيه والعميد خَليفَة على الْجَانِب الآخر وبجنبه فَقير مَقْطُوع الْيُمْنَى
قَالَ فشرفني الصاحب بالمواكلة وَجعل يلحظ العميد خَليفَة كَيفَ يُلَاحظ الْفَقِير
قَالَ فتنزه خَليفَة من مواكلة الْفَقِير لما رَآهُ يَأْكُل بيساره فَقَالَ لخليفة تحول إِلَى هَذَا الْجَانِب
стр. 1481
وَقَالَ للْفَقِير إِن خَليفَة رجل كَبِير فِي نَفسه مستنكف من مواكلتك فَتقدم إِلَيّ وَأخذ يواكله
وَحكي عَنهُ أَنه كَانَ بهمذان وَقدم عَلَيْهِ ابْنه مؤيد الْملك من بَلخ فَإِنَّهُ كَانَ استقدمه لينفذه إِلَى بَغْدَاد حِين زوجه فَدخل عَلَيْهِ ووقف بَين يَدَيْهِ سَاعَة وَقضى للنَّاس حوائجهم فَلَمَّا أذن الْمُؤَذّن لصَلَاة الظّهْر وتفرق النَّاس نظر إِلَى ابْنه واستدناه فَجعل يقبل الأَرْض وَيَدْنُو فضمه إِلَيْهِ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا بني توجه إِلَى بَيْتك إِلَى بَغْدَاد فِي ساعتك هَذِه
فودعه وَقبل يَده وَسَار من سَاعَته
والتفت نظام الْملك إِلَى من عِنْده وَقد تغرغرت عينه بالدموع وَقَالَ إِن عَيْش أحد البقالين أصلح من عيشي يخرج إِلَى دكانه غدْوَة وَيروح عَشِيَّة وَمَعَهُ مَا قسم لَهُ من الرزق فيجتمع هُوَ وَأَوْلَاده على طَعَامه وَيسر بقربهم مِنْهُ وحضورهم مَعَه وَهَذَا وَلَدي مَا رَأَيْته مُنْذُ ولد غير أَوْقَات يسيرَة وَقد نَشأ هَذَا المنشأ وَمَا يظْهر على مَا عِنْدِي من الحنو والشفقة فنهاري بَين أخطار وتكلف ومشاق وليلى بَين سهر وفكر تَارَة لتدبير الممالك والبلدان وَمن أرتب فِي كل صقع وَمَكَان وَمَا يخرج لكل وَاحِد من الْعَطاء وَالْإِحْسَان وَكَيف أرْضى هَذَا السُّلْطَان حَتَّى يمِيل إِلَيّ وَلَا يتَغَيَّر عَليّ وَبِأَيِّ أَمر أدفَع شَرّ من يقصدني فَمَتَى يكون لي زمَان ألتذ فِيهِ بنعمتي وأستدرك أفعالي بِمَا يَنْفَعنِي عِنْد لِقَاء رَبِّي وَبكى بكاء شَدِيدا
وَقَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْملك الهمذاني قدم نظام الْملك إِلَى بَغْدَاد مرَّتَيْنِ وَكَانَ يباكر دَار السُّلْطَان وَيعود من الدِّيوَان إِذا أضحى النَّهَار فيخلو بِنَفسِهِ إِلَى وَقت
стр. 1482
الظّهْر وَيُصلي فيجلس ويحضر النَّاس وَيقْرَأ بَين يَدَيْهِ جُزْء من الحَدِيث على شيخ كَبِير عالي السَّنَد ويكرمه ويجلسه إِلَى جَانِبه وَيتَكَلَّم الْفُقَهَاء فِي الْمسَائِل وَيقْعد نظام الْملك مطأطأ الرَّأْس وَهُوَ يسمع جَمِيع مَا يجْرِي فِي الْمجْلس وَيسْأل الْحَوَائِج فِي أثْنَاء ذَلِك الْوَقْت ويجيب عَنْهَا وينعم بالأموال الطائلة والهبات الجزيلة
وَيُقَال كَانَ يتَصَدَّق فِي بكرَة كل يَوْم بِمِائَة دِينَار
وَلم تَبْرَح أُمُوره على مَا شرحناه وَفَوق مَا وصفناه إِلَى أَن خرج مَعَ السُّلْطَان من بَغْدَاد إِلَى أَصْبَهَان فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَأَقَامَ بهَا شهورا فَلَمَّا انْقَضى الْحر توجها إِلَى بَغْدَاد فِي شهر رَمَضَان وَقد تغير السُّلْطَان على نظام الْملك بِأُمُور مِنْهَا مَا هُوَ من محَاسِن نظام الْملك وَهُوَ تَعْظِيمه لأمر الْخَلِيفَة وَكَانَ نظام الْملك يتَقرَّب بذلك إِلَى الله تَعَالَى
وَلما دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُقْتَدِي بِاللَّه أذن لَهُ فِي الْجُلُوس بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا حسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْك بِرِضا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك
وَكَانَ نظام الْملك يستبشر بِهَذَا ويفرح وَيَقُول أَرْجُو أَن الله تَعَالَى يستجيب دعاءه
وانضم إِلَى ذَلِك أَن تَاج الْملك أَبَا الْغَنَائِم استولى على قلب السُّلْطَان وتوصل إِلَى أَن حظي بالمنزلة الرفيعة عِنْده وَلم يكن للسُّلْطَان من الْقُدْرَة أَن يعْزل نظام الْملك لشدَّة اسْتِيلَاء نظام الْملك على السلطنة
فَلَمَّا انفصلوا عَن نهاوند وعسكروا بجانبها فِي يَوْم الْخَمِيس عَاشر شهر رَمَضَان وحان وَقت الْإِفْطَار اتّفق فِي ليلته قتل نظام الْملك
стр. 1483
شرح حَال مقتل نظام الْملك رَحمَه الله تَعَالَى
صلى نظام الْملك الْمغرب فِي هَذِه اللَّيْلَة وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج فَجعل يذكر شرف الْمَكَان الَّذِي نزلوه من أَرض نهاوند وأخبار الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت بِهِ بَين الْفرس وَالْمُسْلِمين فِي زمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمن اسْتشْهد هُنَاكَ من الْأَعْيَان وَيَقُول طُوبَى لمن لحق بهم
فَلَمَّا فرغ من إفطاره خرج من مَكَانَهُ قَاصِدا مضرب حرمه فبدر إِلَيْهِ حدث ديلمي كَأَنَّهُ مستميح أَو مستغيث فعلق بِهِ وضربه وَحمل إِلَى مضرب الْحرم
فَيُقَال إِنَّه أول مقتول قتلته الإسماعيلية المسمون عندنَا بالفداوية فانبث الْخَبَر فِي الْجَيْش وصاحت الْأَصْوَات وَجَاء السُّلْطَان ملكشاه حِين بلغه الْخَبَر مظْهرا الْحزن والنحيب والبكاء وَجلسَ عِنْد نظام الْملك سَاعَة وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ فَعَاشَ سعيدا وَمَات شَهِيدا فقيدا حميدا
وَكَانَ قَاتله قد تعثر بأطناب الْخَيْمَة فَلحقه مماليك نظام الْملك وقتلوه
وَقَالَ بعض خُدَّامه كَانَ آخر كَلَام نظام الْملك أَن قَالَ لَا تقتلُوا قاتلي فَإِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ وَتشهد وَمَات
قَالَ فمضيت أَنا فَإِذا هُوَ قد قتل وَلَو قلت لما قبل قولي
ثمَّ اخْتلفت الْأَقَاوِيل فِي الْجَيْش فَمن قَائِل إِن الباطنية جهزوا إِلَيْهِ من قَتله فَإِن ابْن صباح رَأس الباطنية فِي ذَلِك الْوَقْت دخل على الْمُسْتَنْصر صَاحب مصر فَأكْرمه وَأمره أَن يَدْعُو إِلَى إِمَامَته فَعَاد إِلَى خُرَاسَان ونواحي الشرق يضل النَّاس وَأقَام
стр. 1484
بقلعة ألموت بِنَاحِيَة قزوين وَأظْهر الزّهْد إغواء للنَّاس وتسلم القلعة الْمَذْكُورَة بِالْجَبَلِ فَبلغ نظام الْملك فَأرْسل لَهُ عسكرا ضايقوه فَبعث هُوَ لما علم أَنه لَا قبل لَهُ بنظام الْملك من قتل نظام الْملك وَصَارَ الْإِقْدَام على الْقَتْل سنة للباطنية واستفحل أَمرهم بعد الصاحب وَهَذَا القَوْل هُوَ الْأَقْرَب عِنْدِي إِلَى الصِّحَّة
وَمن قَائِل إِن السُّلْطَان هُوَ الَّذِي دس عَلَيْهِ هَذَا الْقَاتِل وَذكروا لذَلِك أسبابا ظَهرت على السُّلْطَان حاصلها أَنه كَانَ بَينهمَا وَحْشَة من قبل أَن نظام الْملك كَانَ يعظم أَمر الْخَلِيفَة كَمَا قدمْنَاهُ وَكلما أَرَادَ السُّلْطَان نزع الْخَلِيفَة مَنعه النظام وَأرْسل فِي الْبَاطِن إِلَى الْخَلِيفَة ينبهه ويرشده إِلَى استمالة خاطر السُّلْطَان وَلم يكن النظام يفعل ذَلِك إِلَّا تدينا وذبا عَن حَرِيم الْخلَافَة وَإِلَّا فقد كَانَت حَالَته وحشمته إضعاف أَحْوَال الْخُلَفَاء
وَفِي حُدُود سنة سبعين لما فهم النظام التَّغَيُّر من السُّلْطَان على الْخَلِيفَة أرسل إِلَى الْخَلِيفَة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يخْطب ابْنة السُّلْطَان لينسج الود بَينهمَا فَخَطَبَهَا وَكَانَ السفير بَينهمَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ صَاحب التَّنْبِيه فَتزَوج بهَا وَدخل بهَا فِي أول سنة ثَمَانِينَ وَكَانَ عرسا هائلا تناقل أخباره المؤرخون فاستمرت مَعَه إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ أرْسلت إِلَى والدها تَشْكُو من الْخَلِيفَة كَثْرَة اطراحه لَهَا فَأرْسل يطْلب بنته مِنْهُ طلبا لَا بُد مِنْهُ فأرسلها الْخَلِيفَة وَمَعَهَا وَلَدهَا جَعْفَر فَذَهَبت فَمَاتَتْ بأصبهان فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ
فَلَمَّا كَانَ شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ توجه السُّلْطَان من أَصْبَهَان إِلَى بَغْدَاد عَازِمًا على تَغْيِير الْخَلِيفَة وَعرف أَن ذَلِك لَا يتم لَهُ ونظام الْملك فِي الْحَيَاة فَعمل على قَتله قبل الْوُصُول إِلَى بَغْدَاد حَسْبَمَا شرحناه
стр. 1485
وَكَانَ من ذنُوب نظام الْملك عِنْده غير مَا ذَكرْنَاهُ اسْتِيلَاء أَوْلَاده على الممالك وَشدَّة وطأته وَأَنه بِالآخِرَة ولى ابْن ابْنه مرو فَتوجه إِلَيْهَا وَمَعَهُ شحنة السُّلْطَان فَجرى بَين شحنة السُّلْطَان بمرو وَبَين ولد نظام الْملك مَا أغضبهُ عَلَيْهِ فَعمل ابْن نظام الْملك وَقبض على الشّحْنَة فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان الْخَبَر غضب وَبعث جمَاعَة إِلَى نظام الْملك يعتبه ويوبخه وَيَقُول إِن كنت شَرِيكي فِي الْملك فَلذَلِك حكم وَهَؤُلَاء أولادك قد استولى كل وَاحِد مِنْهُم على إقليم كَبِير وَلم يَكفهمْ حَتَّى تجاوزا أَمر السياسة
فأدوا الرسَالَة إِلَى نظام الْملك
فَيُقَال إِنَّه قوى نَفسه وَأخذ يُجيب بِأُمُور وَأَنه قَالَ فِي آخر كَلَامه إِن كَانَ لم يعلم أَنِّي شَرِيكه فِي الْملك فَليعلم
فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان وَعمل عَلَيْهِ الْحِيلَة سِنِين حَتَّى تمت لَهُ فِي هَذِه السّنة
وَيُقَال إِن أول تَغْيِير خاطره عَلَيْهِ من سنة سِتّ وَسبعين وَمِمَّنْ كَانَ غير خاطره عَلَيْهِ فِي هَذِه السّنة سيد الرؤساء أَبُو المحاسن ابْن كَمَال الدّين ابْن ابي الرِّضَا وَهُوَ رجل تقرب إِلَى خاطر السُّلْطَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ أَبوهُ كَمَال الْملك يكْتب الْإِنْشَاء للسُّلْطَان وَكَانَ أَبُو المحاسن هَذَا عِنْده جَرَاءَة فَقَالَ للسُّلْطَان أَيهَا الْملك سلم إِلَيّ نظام الْملك وَأَنا أُعْطِيك ألف ألف دِينَار فَإِنَّهُم قد أكلُوا الْبِلَاد
فَبلغ ذَلِك نظام الْملك فَمد سماطا وَأقَام عَلَيْهِ مماليكه وهم أُلُوف من الأتراك وَأقَام سِلَاحهمْ وخيلهم ودعا السُّلْطَان فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ إِنِّي خدمتك وخدمت
стр. 1486
أَبَاك وَجدك ولي حق خدمَة وَقد بلغك أخذي لأموالك وَصدق الْقَائِل أَنا آخذ المَال وأعطيه لهَؤُلَاء الغلمان الَّذين جعلتهم لَك وأصرفه أَيْضا فِي الصَّدقَات وَالْوُقُوف والصلات الَّتِي مُعظم ذكرهَا لَك وأجرها لَك وأموالي وَجَمِيع مَا أملكهُ بَين يَديك وَأَنا أقنع بمرقعة وزاوية
فصفا لَهُ السُّلْطَان وَأمر أَن تسمل عينا أبي المحاسن ونفذه إِلَى قلعة ساوة فَسمع أَبوهُ كَمَال الْملك الْخَبَر فَاسْتَجَارَ بنظام الْملك وَحمل مِائَتي ألف دِينَار وعزل عَن الطغراء يَعْنِي كِتَابَة السِّرّ ووليها مؤيد الْملك بن نظام الْملك
وَمن قَائِل لم يصف لَهُ السُّلْطَان بَاطِنا وَلَكِن عرف عَجزه عَنهُ
وَهَذِه الْحِكَايَة حَكَاهَا ابْن الْأَثِير وأظن نظام الْملك كَانَ أعظم من أَن يطْلب مِنْهُ ألف ألف دِينَار وَلَعَلَّ هَذَا الْمبلغ يسير مِمَّا يصل إِلَيْهِ كل عَام
ثمَّ لم يمتع السُّلْطَان بعد قتل نظام الْملك وَلم يلذ لَهُ عَيْش بل تنكدت أَحْوَاله وتعكست أُمُوره
وَأما نظام الْملك فَحمل مَيتا إِلَى أَصْبَهَان وَدفن هُنَاكَ بمحلة لَهُ
فَأَما السُّلْطَان فاستمر ذَاهِبًا إِلَى بَغْدَاد واستوزر تَاج الْملك أَبَا الْغَنَائِم وَقدم بَغْدَاد متمرضا وَهِي الْمُقدمَة الثَّالِثَة فَإِنَّهُ لم يعبرها غير ثَلَاث مَرَّات وَوجد المقتدى قد جعل وَلَده المستظهر بِاللَّه ولي الْعَهْد فألزمه أَن يعزله وَيجْعَل ابْن بنته جعفرا ولي الْعَهْد وَكَانَ طفْلا وَأَن يسلم بَغْدَاد لَهُ وَيخرج إِلَى الْبَصْرَة تكون دَار خِلَافَته فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة وَبَالغ فِي استعطاف ملكشاه واستنزله عَن هَذَا الرَّأْي فَلم يفعل فاستمهله عشرَة أَيَّام ليتجهز فَقيل إِن الْخَلِيفَة جعل يَصُوم ويطوي وَإِذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فقوي مَرضه وَمَات
стр. 1487
وَالْحَاصِل أَنه بعد نظام الْملك لم يمتع بِملكه وَلم يَعش غير شهر وَاحِد وَأَن الْوَزير تَاج الْملك أَيْضا وَكَانَ رجلا خيرا كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمته لم يمتع
وَيُقَال من سَعَادَة ذِي المنصب أَلا يَلِيهِ بعده كفو لَهُ فصادف أَنه ولي مَكَان نظام الْملك فمقته الْخلق مَعَ جودته وَجرى لَهُ مَا سنشرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته
وَوصل الْخَبَر إِلَى بَغْدَاد بوفاة نظام الْملك فَجَلَسَ الْوَزير عميد الدولة للعزاء وَحضر النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم
وَرَأى صَاحب الْعدة الْحُسَيْن الطَّبَرِيّ فِي مَنَامه حِين توفّي نظام الْملك مَكْتُوبًا على أَدِيم السَّمَاء بالنجوم رفع الْعدْل عَن أهل الأَرْض
وَرَآهُ آخر فِي الْمَنَام وَهُوَ متوج بتاج مرصع بجوهر قَالَ فَقلت لَهُ بِأَيّ شَيْء بلغت هَذِه الْمنزلَة فَقَالَ بِفضل الله وَحده
وَمَات نظام الْملك وَله سبع وَسَبْعُونَ سنة
وَمن الرِّوَايَة والفوائد عَن نظام الْملك
أخبرنَا عبد الْغَالِب بن مُحَمَّد بن عبد القاهر الماكسيني بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدِمَشْق أخبرنَا عبد الْمُنعم بن يحيى بن إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ الْخَطِيب أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْمَعَالِي عبد الله بن جَامع الْبناء الصُّوفِي فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة أخبرنَا نصر بن نصر العكبري أخبرنَا نظام الْملك أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق الْوَزير أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن مَنْصُور بن خلف أخبرنَا أَبُو طَاهِر بن خُزَيْمَة حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج حَدثنَا
стр. 1488
قُتَيْبَة حَدثنَا مَالك بن أنس عَن عَامر بن عبد الله بن الزبير عَن عَمْرو بن سليم الْأنْصَارِيّ عَن أبي قَتَادَة السّلمِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس)
قَالَ أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ قَرَأت فِي كتاب سر السرُور لصديقنا القَاضِي أبي الْعَلَاء مُحَمَّد بن مَحْمُود الغزنوي أَن نظام الْملك صَادف فِي سفر رجلا فِي زِيّ الْعلمَاء قد مَسّه الكلال فَقَالَ لَهُ أَيهَا الشَّيْخ أعييت أم أعييت فَقَالَ أعييت
فَتقدم إِلَى حَاجِبه بِتَقْدِيم بعض الجنائب إِلَيْهِ والإصلاح من شَأْنه وَأخذ فِي اصطناعه
وَإِنَّمَا أَرَادَ بسؤاله اختباره فَإِن عيى فِي اللِّسَان وأعيى كل وتعب
قَالَ أَبُو الْخَيْر دلف بن عبد الله بن مُحَمَّد التبَّان الْبَغْدَادِيّ سَمِعت الإِمَام عبد الرَّحِيم ابْن الشَّافِعِي الْقزْوِينِي بقزوين يَقُول دخل أَبُو عَليّ القومساني على نظام الْملك أبي عَليّ الْوَزير فِي مرضة مَرضهَا يعودهُ فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا مرضنا نوينا كل صَالِحَة ... فَإِن شفينا فمنا الزيغ والزلل)
(نرجو الْإِلَه إِذا خفنا ونسخطه ... إِذا أمنا فَمَا يزكو لنا عمل)
فَبكى نظام الْملك وَقَالَ هُوَ كَمَا يَقُول
стр. 1489
٣٨٥ - الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن عبد الرَّحِيم بن أَحْمد
الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ الدقاق
شيخ الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي
تفقه على الخضري والقفال
وَصَحب فِي التصوف أَبَا الْقَاسِم النصراباذي
وَسمع الحَدِيث من أبي عَمْرو بن حمدَان وَأبي الْهَيْثَم مُحَمَّد بن مكي الْكشميهني وَأبي عَليّ مُحَمَّد بن عمر الشبويى وَغَيرهم
روى عَنهُ الْقشيرِي وَغَيره
قَالَ عبد الغافر هُوَ لِسَان وقته وَإِمَام عصره نيسابوري الأَصْل تعلم الْعَرَبيَّة وَحصل علم الْأُصُول وَخرج إِلَى مرو وتفقه بهَا على الخضري وبرع فِي الْفِقْه وَأعَاد على الشَّيْخ أبي بكر الْقفال الْمروزِي فِي درس الخضري
وَلما اسْتمع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْعُلُوم أَخذ فِي الْعَمَل وسلك طَرِيق التصوف وَصَحب الْأُسْتَاذ أَبَا الْقَاسِم النصراباذي
стр. 1490
وَكَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ لَا يسْتَند إِلَى شَيْء كَأَنَّهُ يعود نَفسه ترك الرَّفَاهِيَة
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي كنت فِي ابْتِدَاء وصلتي بالأستاذ أبي عَليّ عقد لي الْمجْلس فِي مَسْجِد الْمُطَرز فاستأذنته وَقت الْخُرُوج إِلَى نسا فَأذن لي فَكنت أَمْشِي مَعَه يَوْمًا فِي طَرِيق مَجْلِسه فخطر ببالي ليته يَنُوب عني فِي الْأُسْبُوع يَوْمَيْنِ بل ليته يقْتَصر على يَوْم وَاحِد فِي الْأُسْبُوع
فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ إِن لم يمكني فِي الْأُسْبُوع يَوْمَيْنِ أنوب مرّة وَاحِدَة
فمشيت قَلِيلا فخطر لي شَيْء ثَالِث فَالْتَفت إِلَيّ وَصرح بالإخبار عَنهُ على الْقطع
توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة وَوهم من قَالَ سنة سِتّ
وَمن كَلَامه
أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا الإِمَام شهَاب الدّين أَبُو بكر الْقَاسِم بن الإِمَام أبي سعد عبد الله بن عمر بن الصفار إجَازَة أخبرنَا جدي عِصَام الدّين أَبُو حَفْص عمر بن أَحْمد بن مَنْصُور بن الصفار سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ سَمِعت جدي ابْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْقشيرِي يَقُول سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الدقاق يَقُول من استهان بأدب من آدَاب الْإِسْلَام عُوقِبَ بحرمان السّنة وَمن ترك سنة عُوقِبَ بحرمان الْفَرِيضَة وَمن استهان بالفرائض قيض الله لَهُ مبتدعا يذكر عِنْده بَاطِلا فيوقع فِي قلبه شُبْهَة
стр. 1491
قَالَ أَبُو عَليّ فِيمَا رُوِيَ من قَوْله ﷺ (من أكْرم غَنِيا لغناه ذهب ثلثا دينه) إِنَّمَا ذَلِك لِأَن المرأ بِقَلْبِه وَلسَانه وَنَفسه فَإِذا تواضع لَغَنِيّ بِلِسَانِهِ وَنَفسه ذهب ثلثا دينه فَإِن اعْتقد فَضله بِقَلْبِه كَمَا تواضع لَهُ بِلِسَانِهِ وَنَفسه ذهب دينه كُله
وَقَالَ تكلم النَّاس فِي الْفقر والغنى أَيهمَا أفضل وَعِنْدِي الْأَفْضَل أَن يعْطى الرجل كِفَايَته ثمَّ يصان فِيهِ
٣٨٦ - الْحسن بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس القَاضِي الإِمَام الْجَلِيل أَبُو عَليّ الزجاجي
أحد أَئِمَّة الْأَصْحَاب
لم أجد لَهُ تَرْجَمَة تشفي الغليل
وَقد كَانَ أجل اَوْ من أجل تلامذة أبي الْعَبَّاس ابْن الْقَاص وَمن أجل مَشَايِخ القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق لَهُ كتاب زِيَادَة الْمِفْتَاح وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء آمل
قلت وَله أَيْضا كتاب فِي الدّور علقه عَن ابْن الْقَاص
قلت وَأرَاهُ توفّي فِي حد الأربعائة إِمَّا قبلهَا وَإِمَّا بعْدهَا وَلَعَلَّ الْأَشْبَه أَن يكون قبل الأربعائة وَلذَلِك ذَكرْنَاهُ فِي الثَّالِثَة ثمَّ أعدنا ذكره هُنَا استظهارا
وَقد وَقع لنا حَدِيثه لِأَن روى عَن شَيْخه ابْن الْقَاص جُزْءا فِي الْكَلَام على حَدِيث أبي عمر
стр. 1492
وَمن الْفَوَائِد والغرائب عَنهُ رَحمَه الله تَعَالَى
قَالَ فِي مسَائِل الدّور أصل هَذِه الْمسَائِل كلهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا﴾ فَعير من نقض شَيْئا بعد إثْبَاته لَهُ فَدلَّ أَن كل مَا أدّى إثْبَاته إِلَى نقضه بَاطِل
إِذا قَاسم الْوَصِيّ الْوَرَثَة وَأخذ الثُّلُث الْمُوصى بِهِ لغير مُعينين فَتلف فِي يَده قَالَ أَبُو عَليّ الزجاجي لَيست هَذِه الْقِسْمَة إِلَى الْوَصِيّ كَمَا لَيْسَ إِلَيْهِ الْقِسْمَة فِي حق الْغَائِب ويؤتمن فِي ولَايَته فَإِذا تلف المَال فَإِن كَانَ بِغَيْر تعديه فَتَصِير الْقِسْمَة كَأَن لم تكن فَيخرج الثُّلُث ثَانِيًا
وَقَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ صحت الْقِسْمَة وَبَطلَت الْوَصِيَّة
نَقله القَاضِي أَبُو سعد فِي الإشراف وَالْقَاضِي شُرَيْح فِي أدب الْقَضَاء
وَرجح أَبُو سعد قَول الثَّقَفِيّ وَقَالَ هُوَ كَزَكَاة وَاحِد دَفعهَا إِلَى الْعَامِل فَتلفت فِي يَده من غير تَفْرِيط
٣٨٧ - الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو عَليّ الساوي
الْفَقِيه الْمُتَكَلّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ
حدث بِدِمَشْق عَن أبي طَالب بن غيلَان وَأبي ذَر الْهَرَوِيّ وَغَيرهمَا
روى عَنهُ نصر الْمَقْدِسِي وَهُوَ من أقرانه وَغَيره
توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة عَن سِتّ وَسبعين سنة
стр. 1493
٣٨٨ - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن عَليّ أَبُو عبد الله بن الْبَقَّال
تفقه على القَاضِي أبي الطّيب
قَالَ ابْن النجار وَكَانَت لَهُ مقامات سنية فِي النّظر والجدال وَكَانَ فَقِيها فَاضلا بارعا كَامِلا مدققا حسن النّظر محققا جميل الطَّرِيقَة زاهدا متعبدا عفيفا نزها على طَريقَة السّلف
ولي الْقَضَاء بحريم دَار الْخلَافَة عَن أبي عبد الله الدَّامغَانِي
مولده سنة إِحْدَى وَأَرْبَعمِائَة وَمَات فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
٣٨٩ - الْحُسَيْن بن الْحسن بن مُحَمَّد بن حَلِيم بِاللَّامِ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ
أحد أَئِمَّة الدَّهْر وَشَيخ الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر
قَالَ فِيهِ الْحَاكِم الْفَقِيه القَاضِي أَبُو عبد الله بن أبي مُحَمَّد أوحد الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر وأنظرهم بعد أستاذيه أبي بكر الْقفال وَأبي بكر الأودني
قدم نيسابور سنة سبع وَسبعين حَاجا فَحدث وَخرجت لَهُ الْفَوَائِد ثمَّ قدمهَا سنة خمس وَثَمَانِينَ رَسُولا من السُّلْطَان فعقدنا لَهُ الْإِمْلَاء وَحدث مُدَّة مقَامه بنيسابور
стр. 1494
وروى عَنهُ الْحَاكِم وَعَن أَخِيه أبي الْفضل الْحسن بن أبي مُحَمَّد الْحسن الْحَلِيمِيّ وَفِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عبد الله ثمَّ قَالَ توفّي الْحَاكِم الْعَالم أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة
قلت ومولده سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَكَذَلِكَ مولد أَخِيه أبي الْفضل الْحسن ولدا فِي سنة وَاحِدَة ببخارى كَذَا ذكره الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة أبي الْفضل
قَالَ وَأَبُو عبد الله من حرَّة جرجانية وَأَبُو الْفضل من جَارِيَة تركية
قَالَ وَأَبُو عبد الله حدث وَقضى فِي بِلَاد خُرَاسَان
قلت وروى عَنهُ أَبُو سعد الكنجروذي ذَلِك وَقد وَقع لنا حَدِيثه من طَرِيقه
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أجازنا أَبُو روح أخبرنَا زَاهِر بن طَاهِر أخبرنَا الإِمَام أَبُو سعد مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد أخبرنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن بن مُحَمَّد الْحَلِيمِيّ أخبرنَا أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن حمدَان الصَّيْرَفِي حَدثنَا أحيد بن الْحُسَيْن أخبرنَا مقَاتل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا نوح بن أبي مَرْيَم عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لصَاحب الْقُرْآن دَعْوَة مستجابة عِنْد خَتمه)
تفرد بِهِ نوح بن أبي مَرْيَم وَهُوَ نوح بن يزِيد قَاضِي مرو الْجَامِع أَبُو عصمَة
стр. 1495
روى التِّرْمِذِيّ قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم وضع نوح الْجَامِع حَدِيث فَضَائِل الْقُرْآن الطَّوِيل وروى عَن الزُّهْرِيّ وعدة
وَقَالَ فِيهِ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث
قلت وَقد نقل ابْن الْقطَّان أَن البُخَارِيّ قَالَ كل من قلت فِيهِ مُنكر الحَدِيث فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ
وَمن مصنفات الْحَلِيمِيّ كتاب الْمِنْهَاج فِي شعب الْإِيمَان وَهُوَ من أحسن الْكتب وَفِيه مَا نَصه وَشرب الْخمر من الْكَبَائِر فَإِن استكثر الشَّارِب مِنْهُ حَتَّى سكر أَو جاهر بِهِ فَذَاك من الْفَوَاحِش فَإِن مزج خمرًا بِمِثْلِهَا من المَاء فَذَهَبت شرتها وشربها فَذَاك من الصَّغَائِر
انْتهى
والغرابة فِي قَوْله مزج فَذَاك من الصَّغَائِر
وَلَعَلَّه أَرَادَ مزجا يصير الْمَجْمُوع بِهِ غير مُسكر أما إِذا مزج بِالْمَاءِ قدرا من الْخمر لَا يُخرجهُ المَاء بالمزج عَن كَونه مُسكرا فَلَا يظْهر إِلَّا أَنه من الْكَبَائِر جزما
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا قذف الْمُحْصنَات كَبِيرَة فَإِن كَانَت المقذوفة أما أَو أُخْتا أَو امْرَأَة قانتة كَانَ فَاحِشَة وَقذف الصَّغِيرَة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصَّغَائِر
وَقَالَ أَيْضا أما الخدشة أَو الضَّرْبَة بالعصا مرّة أَو مرَّتَيْنِ فَمن الصَّغَائِر
стр. 1496
قَالَ الْأَصْحَاب إِذا اشْترك جمَاعَة فِي قتل وَاحِد إِن دم كل وَاحِد مِنْهُم مُسْتَحقّ للْوَلِيّ
وَقَالَ الْحَلِيمِيّ الْقصاص مفضوض عَلَيْهِم فَإِذا قتل عشرَة وَاحِدًا فالمستحق للْوَلِيّ الْعشْر من دم كل وَاحِد إِلَّا أَنه لَا يُمكن اسْتِيفَاؤهُ إِلَّا بِاسْتِيفَاء الْبَاقِي وَقد يسْتَوْفى من الْمُتَعَدِّي غير الْمُسْتَحق إِذا لم يُمكن اسْتِيفَاء الْمُسْتَحق إِلَّا بِهِ كَمَا إِذا أَدخل الْغَاصِب الْمَغْصُوب فِي بَيت ضيق واحتيج فِي رده إِلَى قلع الْبَاب وَهدم الْجِدَار وكما إِذا وَقع دِينَار فِي محبرة وَلَا يُمكن إِخْرَاجه إِلَّا بِكَسْرِهَا فَإِنَّهَا تكسر وَلذَلِك نَظَائِر كَثِيرَة
стр. 1497
وَتظهر فَائِدَة الْخلاف بَين الْحَلِيمِيّ وَالْجُمْهُور فِي مسَائِل
مِنْهَا لَو اشْتَركُوا فِي مُوضحَة وَاحِدَة فَهَل يقْتَصّ من كل وَاحِد بِقدر جَمِيع مَا أوضحه أَو توزع عَلَيْهِم ويوضح من كل بِقسْطِهِ وَفِيه احْتِمَالَانِ للْإِمَام وبالأول مِنْهُمَا قطع فِي التَّهْذِيب وَهُوَ يُوَافق قَول الْجُمْهُور بِخِلَاف الثَّانِي
وَمِنْهَا لَو اشْتَركُوا فِي قتل خطأ فَإِن قُلْنَا بقول الْجُمْهُور ضرب على عَاقِلَة كل وَاحِد مَا يَخُصُّهُ فِي ثَلَاث سِنِين لِأَنَّهُ بدل النَّفس فَأشبه بدل النَّفس النَّاقِصَة وَإِن قُلْنَا بقول الْحَلِيمِيّ ضرب مَا يخص كل وَاحِد فِي سنة كأرش الطّرف
وَمِنْهَا إِذا اشْتَركُوا فِي قتل خطأ فَهَل يجب على كل وَاحِد كَفَّارَة أَو على الْكل كَفَّارَة وَاحِدَة فِيهِ قَولَانِ أَولهمَا يُوَافق قَول الْجُمْهُور وَالثَّانِي قَول الْحَلِيمِيّ
وَقد عورض الْحَلِيمِيّ فِي مقَالَته بِوُجُوه ثَلَاثَة الأول قَالَ الإِمَام إِن استدلاله بِالدِّيَةِ يبطل بقتل الرجل الْمَرْأَة فَإِنَّهُ يقتل بهَا وَإِذا آل الْأَمر إِلَى الدِّيَة لم يجب إِلَّا نصفهَا
وَأجَاب عَنهُ ابْن الرّفْعَة بِأَن نفس الْمَرْأَة جعلهَا الشَّرْع مَضْمُونَة بقصاص أَو دِيَة فِي نصف دِيَة الرجل فَمن انْفَرد بإتلافها ضمن كل الْبَدَل وَالرجل إِذا قَتلهَا ينْفَرد بِالْإِتْلَافِ بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أتلف الْعشْر فَوَجَبَ أَن لَا يضمن إِلَّا نصف الْمُقدر من الْقصاص كَمَا لَا يضمن إِلَّا عشر الْمُقدر من المَال
وَالثَّانِي قَالَ الإِمَام قَوْله إِن الزَّائِد يسْتَوْفى تبعا بَاطِل كَمَا لَو قطع شخص يدا
стр. 1498
من نصف الساعد فَإِنَّهُ لَا يجْرِي الْقصاص فِيهِ خوفًا من اسْتِيفَاء زِيَادَة على الْجِنَايَة بِجُزْء يسير فَكيف يريق تِسْعَة أعشار الدَّم من غير اسْتِحْقَاق لِاسْتِيفَاء عشر وَاحِد وَأجَاب عَنهُ ابْن الرّفْعَة بِأَن الْقيَاس الْمَنْع وَلَكِن وَجب حسم مَادَّة إهدار النُّفُوس وَذَلِكَ مَفْقُود فِي قطع نصف الساعد لِأَن الْقصاص مَشْرُوع وَالْحَالة هَذِه فِي الْكَفّ وَبِه تحصل صِيَانة الْعُضْو عَن الإهدار وعصمته
قَالَ فِي الْمطلب وَهَذَا الْجَواب لَا محيص عَنهُ
وَالثَّالِث ذكره ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة وَهُوَ أَن الْحَلِيمِيّ نَاقض أَصله إِذْ قَالَ فِيمَا إِذا قتل وَاحِد جمَاعَة وتمالأ على الْقَاتِل أَوْلِيَاء الْقَتِيل فَقَتَلُوهُ جَمِيعًا إِنَّه يكْتَفى بِهِ عَن جَمِيعهم وَلَا رُجُوع إِلَى الدِّيَة محتجا لَهُ بِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة الَّتِي هِيَ عكس هَذِه يَجْعَل كل وَاحِد كالمنفرد بِالْقَتْلِ فَلَمَّا جعل كالمنفرد فِي الاعتداء فَكَذَلِك فِي الِاسْتِيفَاء فَيُقَال للحليمي أَنْت لم تجْعَل كل وَاحِد فِي تِلْكَ كالمنفرد بل صَاحب عشر
قلت لَعَلَّ الْحَلِيمِيّ لم يبن هُنَا كَلَامه على مقَالَته بل على مقَالَة الْأَصْحَاب وَإِن بنى على أَصله فقد يَقُول كَمَا نزل الشَّارِع من اعْتدى على عشر دم منزلَة المعتدى على كُله فِي وجوب الْقصاص كَذَلِك ينزل من استوفى مَعَ آخر منزلَة الْمُنْفَرد بِالِاسْتِيفَاءِ
وَمن مسَائِل الْحَلِيمِيّ
أَنه يسْتَحبّ الْغسْل لكل لَيْلَة من رَمَضَان
وَأَن الْقَيْء إِذا خرج غير متغير فَهُوَ طَاهِر كالإنفحة وَكَذَلِكَ فِي التَّتِمَّة
والمجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَن الْقَيْء نجس من غير تَفْصِيل
стр. 1499
وَأَن الْإِنْسَان إِذا خرج مِنْهُ ريح فَإِن كَانَت ثِيَابه رطبَة تنجست وَإِن كَانَت يابسة فَلَا
وَكَذَا قَالَ القَاضِي لَو أصَاب دُخان النَّجَاسَة ثوبا فَإِن كَانَ رطبا نجسه وَإِن كَانَ يَابسا فَوَجْهَانِ
وَلَو دخل الإصطبل وراثت الدَّوَابّ وَخرج مِنْهَا دُخان فَإِن أصَاب ثوبا رطبا نجسه أَو يَابسا فَوَجْهَانِ
وَمن غرائب الْحَلِيمِيّ أَيْضا
قَوْله إِنَّا إِذا قُلْنَا بِإِبَاحَة الدُّف فَلَا يجوز تعاطيه إِلَّا للنِّسَاء
وَالْجُمْهُور لم يفرقُوا بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَفرق الْحَلِيمِيّ ضَعِيف
стр. 1500
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1501
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1502
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1503
وَقَالَ فِي الْمِنْهَاج فِي بَاب الْحَث على ترك الْحَسَد إِن تمني الْكفْر لَا يكون كفرا إِلَّا إِذا كَانَ على وَجه الِاسْتِحْسَان لَهُ وَاسْتدلَّ بِدُعَاء مُوسَى ﵊ على فِرْعَوْن وَقَومه حَيْثُ قَالَ ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم﴾
قَالَ فاستقباح الْإِنْسَان الْكفْر هُوَ الَّذِي يحملهُ أَن يَدْعُو بِهِ على عدوه أَو يتمناه لَهُ واستحسانه الْإِسْلَام هُوَ الَّذِي يحملهُ على أَن يكرههُ لَهُ
هَذَا ملخص كَلَامه
стр. 1504
٣٩٠ - الْحُسَيْن بن شُعَيْب بن مُحَمَّد السنجي
من قَرْيَة سنج بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا نون سَاكِنة ثمَّ جِيم وَهِي من أكبر قرى مرو
وَهَذَا هُوَ الإِمَام الْجَلِيل الشَّيْخ أَبُو عَليّ السنجي فَقِيه الْعَصْر وعالم خُرَاسَان وَأول من جمع بَين طريقتي الْعرَاق وخراسان وَهُوَ وَالْقَاضِي الْحُسَيْن أَنْجَب تلامذة الْقفال
وَقد تفقه على شيخ الْعِرَاقِيّين الشَّيْخ أبي حَامِد بِبَغْدَاد وعَلى شيخ الخراسانيين أبي بكر الْقفال بمرو وَهُوَ أخص بِهِ
كتب بنيسابور عَن السَّيِّد أبي الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْعلوِي وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ
وببغداد عَن أَصْحَاب الْمحَامِلِي
وصنف شرح الْمُخْتَصر وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِالْمذهبِ الْكَبِير وَشرح تَلْخِيص ابْن الْقَاص وَشرح فروع ابْن الْحداد
قَالَ بعض أَصْحَابنَا بنيسابور الْأَئِمَّة بخراسان ثَلَاثَة مكثر مُحَقّق ومقل مُحَقّق ومكثر غير مُحَقّق فَأَما المكثر الْمُحَقق فالشيخ أَبُو عَليّ السنجي وَأما الْمقل الْمُحَقق فالشيخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالْمُكثر غير الْمُحَقق فالفقيه نَاصِر الْعمريّ الْمروزِي
وَمن مستحسن الْكَلَام الشَّيْخ وَالْقَاضِي زِينَة خُرَاسَان وَالشَّيْخ وَالْقَاضِي زِينَة الْعرَاق وهم الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْن وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب
стр. 1505
توفّي فِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وقبره بِجنب أستاذه الْقفال بمقبرة مرو
وَمن الْمسَائِل والغرائب والفوائد عَن الشَّيْخ أبي عَليّ
حكى فِي شرح الْفُرُوع وَجها فِي فرع ابْن الْحداد الشهير وَهُوَ أول فروعه أَنه إِن مس الْكَلْب نفس الْإِنَاء لم يطهر بِطَهَارَة المَاء وَإِن مس المَاء دون الْإِنَاء فَإِذا طهر المَاء طهر الْإِنَاء
وَهَذَا وَجه غَرِيب وَقد يشبه بِالْوَجْهِ الضَّعِيف فِي الصبة المفرق بَين أَن يلاقي مَحل الشّرْب فَيحرم أَو لَا فَلَا
وَلَقَد أحسن الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي شرح هَذَا الْفَرْع وَهُوَ كلب ولغَ فِي إِنَاء فِيهِ مَاء اقل من قُلَّتَيْنِ ثمَّ صب فِي ذَلِك الْإِنَاء مَاء حَتَّى بلغ بِالْمَاءِ الأول قُلَّتَيْنِ فالماء طَاهِر مَا دَامَ قُلَّتَيْنِ فَإِن نقص فسد فَإِن الْإِنَاء نجس بِحَالهِ حَتَّى يغسل تَمام سبع إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ لِأَن الْإِنَاء لَو ولغَ فِيهِ الْكَلْب فألقي فِي الْبَحْر ثمَّ أخرج لم يطهر وَلم يكن إلقاؤه فِي الْبَحْر إِلَّا كغسلة وَاحِدَة
هَذَا مَذْهَب ابْن الْحداد
وَفِي الْمَسْأَلَة وَجه ثَالِث أَن الْإِنَاء يطهر
وأجاد الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي الشَّرْح الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي من أشهر الْمسَائِل بَين الْأَصْحَاب وَمن أشهر مولدات ابْن الْحداد ثمَّ لَيست هِيَ فِي الرَّافِعِيّ وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من كَلَامه
стр. 1506
قَالَ فِي الرَّوْضَة من زياداته فِي بَاب الْوضُوء وَلَو نسي لمْعَة فِي وضوئِهِ أَو فى غسله ثمَّ نسي أَنه تَوَضَّأ أَو اغْتسل فَأَعَادَ الْوضُوء أَو الْغسْل بنية الْحَدث أَجزَأَهُ وتكمل طَهَارَته بِلَا خلاف
انْتهى
وَقد حكى الشَّيْخ أَبُو عَليّ الْخلاف فِي شرح الْفُرُوع فَقَالَ رَأَيْت بعض أَصْحَابنَا قَالَ هَذَا على القَوْل الَّذِي يجوز تَفْرِيق الطَّهَارَة لِأَنَّهُ غسل قدر اللمْعَة فِي الْمرة الثَّانِيَة دون الأولى فَهَل تُجزئه على قَوْلَيْنِ قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَهَذَا غلط جدا لأَنا إِن لم نجوز التَّفْرِيق فَهُوَ قد غسل جَمِيع بدنه بنية الْجَنَابَة فأجزأ الْكل كَمَا أَجْزَأَ قدر اللمْعَة
قَالَ وَمثل هَذِه الْمَسْأَلَة مَا قَالَ الْمُزنِيّ لَو أَن رجلا صلى الظّهْر وَنسي سَجْدَة مِنْهَا ثمَّ أدْرك تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا تصلى جمَاعَة فَصلاهَا وَعِنْده أَنه قد أَدَّاهَا مرّة على الْكَمَال لم يجزه مَا فعل عَن الْفَرْض وَعَلِيهِ أَن يُعِيد مرّة ثَالِثَة إِذا علم أَنه قد ترك سَجْدَة من الفعلة الأولى وَلَو كَانَت الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا صلى الظّهْر وَترك مِنْهَا سَجْدَة ثمَّ أدْرك تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا وَقد نسي أَن يكون صلى وَاحِدَة فَصلاهَا على أَنَّهَا عَلَيْهِ ثمَّ تذكر أَنه كَانَ قد صلاهَا مرّة وَترك سَجْدَة مِنْهَا أَجزَأَهُ الثَّانِي وَلم يضرّهُ مَا أغفله مِنْهَا فِي الْمرة الأولى
وَذكر الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا إِذا اغْتَسَلت الْمَرْأَة بعد الْحيض لتمكين الزَّوْج فَقَط هَل يرْتَفع حدثها وَالْمَسْأَلَة فِيهَا وُجُوه كَثِيرَة مَشْهُورَة إِلَّا أَن الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَالشَّيْخ الإِمَام أَن الْحَدث يرْتَفع فنقله الشَّيْخ أَبُو عَليّ عَن شَيْخه وَهُوَ الْقفال ثمَّ قَالَ رَأَيْت للكثير من أَصْحَابنَا أَنه لَا يَصح
انْتهى
فَتكون الْجَمَاعَة قد صححوا خلاف مَا عَلَيْهِ الْكثير من الْأَصْحَاب على مَا نقل الشَّيْخ أَبُو عَليّ
стр. 1507
وَبَعض النَّاس سَأَلَ أما هَذِه الْمَسْأَلَة أَعنِي مَا إِذا نَوَت تَمْكِين الزَّوْج فَقَط غير الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة إِذا نوى رفع بعض الْأَحْدَاث وعينها ذَات الْأَوْجه
وَالْجَوَاب أَن الْفَارِق أَن الَّذِي لَا يصحح هُنَا علته كَمَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ أَن اغتسالها وَقع لما ينْقضه وَهُوَ الْجِمَاع فَلَيْسَ فِي ضمنه رفع الْحَدث وَلَا يُوجب صِحَّته فِي حق الْوَطْء أَن يَصح فِي حق الصَّلَاة
وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو عَليّ بِالْمذهبِ فِي أَن الذِّمِّيَّة إِذا اغْتَسَلت لتحل لزَوجهَا الْمُسلم يَصح فِي إِبَاحَة الْوَطْء دون الصَّلَاة لَو أسلمت
قلت وَيشْهد لَهُ أَن الْمَرْأَة الَّتِي زَالَ حَيْضهَا لَو نَوَت بِالْغسْلِ الصَّلَاة فَقَط لجَاز للزَّوْج الْوَطْء بِلَا شكّ على هَذَا فَدلَّ على أَن المأخذ لَيْسَ هُوَ اسْتِبَاحَة بعض مَا يستباح وَحده
قَالَ الإِمَام فِي الأساليب فِي تَقْوِيم الطَّعَام الْمَغْصُوب الْإِنْسَان إِذا أَشَارَ إِلَى طَعَام غَيره فَقَالَ أَلِي وَذكر لآخر ذَلِك وأباح لَهُ أكله فَإِذا غرمه رَجَعَ على من غره وَإِن لم تثبت يَد الْغَار عَلَيْهِ تعويلا على الْغرُور
وَهَذَا مَذْهَب حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو عَليّ وارتضاه لنَفسِهِ وَهُوَ جَار على طرق قِيَاس الْغرُور
انْتهى كَلَام الأساليب
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي شرح التَّلْخِيص بعد مَا حكى الْخلاف فِي التَّفْرِيق بَين الْجَارِيَة وَوَلدهَا الْمَرْهُونَة بِالْبيعِ مَا نَصه وَلَو كَانَ للرَّاهِن سوى الْجَارِيَة وَوَلدهَا كلف قَضَاء الدّين مِنْهُ وَلَا تبَاع لِأَن بيعهَا دون الْوَلَد أَو مَعَ الْوَلَد وَلَيْسَ برهن كِلَاهُمَا ضَرُورَة فَلَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ وجود المَال
ويحكى هَذَا عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي وَقد
стр. 1508
نَقله عَنهُ صَاحب التَّعْجِيز فِي شَرحه للوجيز وَهُوَ غَرِيب حسن لَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِيهِ
قطع نَبَات الْحرم غير الْإِذْخر
حكى الإِمَام فِي النِّهَايَة عَن شرح التخليص للشَّيْخ أبي عَليّ وَجْهَيْن فِيمَا لَو احْتِيجَ إِلَى قطع نَبَات غير الْإِذْخر من الْحرم للدواء هَل يجوز قطعه قِيَاسا على الْإِذْخر وَتَبعهُ الْغَزالِيّ والرافعي وَمن بعدهمَا وَلم أر فِي شرح التَّلْخِيص للشَّيْخ أبي عَليّ عَن حِكَايَة الْوَجْهَيْنِ إِلَّا فِي وجوب الْجَزَاء أما الْقطع فَجزم بِجَوَازِهِ
٣٩١ - حُسَيْن بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد
стр. 1509
٣٩٢ - الْحُسَيْن بن عَليّ بن جَعْفَر بن علكان
ابْن الْأَمِير أبي دلف الْعجلِيّ أَبُو عبد الله الجرباذقاني الْمَعْرُوف بِابْن مَاكُولَا
ولي قَضَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد من قبل الْقَادِر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ قد ولي قبلهَا قَضَاء الْبَصْرَة
قَالَ الْخَطِيب وَكَانَ نزها عفيفا لم نر قَاضِيا أعظم نزاهة مِنْهُ وَلَا أظلف نفسا
وسمعته يذكر أَنه سمع الحَدِيث بأصبهان من أبي عبد الله بن مندة الْحَافِظ
مَاتَ فِي ثامن عشر شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
وَقيل إِن مولده سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة
٣٩٣ - الْحُسَيْن بن عَليّ الطَّبَرِيّ
صَاحب الْعدة الْمَوْضُوعَة شرحا على إبانة الفوراني
إِمَام كَبِير
стр. 1510
تفقه على نَاصِر الْعمريّ بخراسان
وعَلى القَاضِي أبي الطّيب بِبَغْدَاد صَغِيرا ولازم بعده الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وبرع وَصَارَ من عُظَمَاء أَصْحَابه
ودرس بالنظامية بعد أبي الْقَاسِم الدبوسي مُنْفَردا ثمَّ اشْترك فِيهَا مَعَ أبي مُحَمَّد الفامي فَكَانَ يدرس كل مِنْهُمَا يَوْمًا إِلَى أَن قدم الْغَزالِيّ فعزلا جَمِيعًا بِهِ إِلَى أَن ترك الْغَزالِيّ تدريسها فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فأعيد صَاحب الْعدة إِلَى التدريس
وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا أشعري العقيدة جرت بَينه وَبَين الْحَنَابِلَة الْقَائِلين بالحرف وَالصَّوْت خطوب
وَسمع الحَدِيث من القَاضِي أبي الطّيب وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَغَيرهمَا
وَسمع صَحِيح مُسلم من عبد الغافر الْفَارِسِي
روى عَنهُ إِسْمَاعِيل الْحَافِظ والسلفي وَآخَرُونَ
وجاور بِمَكَّة وَصَارَ لَهُ بهَا أعقاب وَأَوْلَاد
وَالْأَقْرَب أَنه توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة لَا أَدْرِي بِمَكَّة أم بأصبهان
следующие страницы →