Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
٤٠٨ - السّري بن إِسْمَاعِيل بن الإِمَام أبي بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَبُو الْعَلَاء الْجِرْجَانِيّ
شيخ عصره فِي الْعلم وَالْأَدب
رَحل وَسمع بِالريِّ وهمذان والكوفة وبغداد
وروى عَن جده وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأبي أَحْمد الغطريفي وَأبي حَفْص بن شاهين وَغَيرهم
وَكَانَ مفتي جرجان بعد وَالِده الإِمَام أبي سعد
تفقه بِهِ جمَاعَة
توفّي فِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٠٩ - سرخاب بن يُوسُف بن مُحَمَّد أَبُو طَاهِر البريدي
من أهل الرّيّ
стр. 1542
تفقه بِبَغْدَاد
وَسمع من أبي عبد الله أَحْمد بن عبد الله بن الْحُسَيْن الْمحَامِلِي وَأبي الْقَاسِم بن بَشرَان وَغَيرهمَا
روى عَنهُ الْخَطِيب
٤١٠ - سعد بن عبد الرَّحْمَن الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد الإستراباذي
الْمَذْكُور فِي الْبَاب الثَّانِي فِي أَرْكَان الطَّلَاق من شرح الرَّافِعِيّ وَفِي فروع الطَّلَاق أَيْضا
تفقه بنيسابور على نَاصِر الْعمريّ
وبمروالروذ على القَاضِي الْحُسَيْن
ثمَّ لَازم إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَصَارَ من أخصائه
وَكَانَ إِمَامًا بارعا
سمع أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي وَأَبا حَفْص بن مسرور والكنجروذي
قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي هُوَ الْفَقِيه البارع أحد أَرْكَان الْفِقْه المختصين بِإِمَام الْحَرَمَيْنِ بعد أَن درس الْفِقْه قَدِيما على نَاصِر وَغَيره من فُقَهَاء نيسابور ثمَّ خرج إِلَى القَاضِي الْحُسَيْن بمروالروذ وَأقَام عِنْده وَتخرج بِهِ
توفّي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس عشر شَوَّال سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1543
٤١١ - سعد بن عَليّ بن الْحسن أَبُو مَنْصُور الْعجلِيّ الأسداباذي
نزيل همذان
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ ثِقَة مفتنا حسن المناظرة كثير الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ مفتي همذان
سمع القَاضِي أَبَا الطّيب وَأَبا إِسْحَاق الْبَرْمَكِي
وَسمع بِمَكَّة كَرِيمَة المروزية
روى عَنهُ إِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ والسلفي إجَازَة
قَالَ شيرويه قَرَأت عَلَيْهِ شَيْئا من الْفِقْه وَكَانَ حسن المناظرة هيوبا
مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة
٤١٢ - سعد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الشَّيْخ الْحَافِظ الزَّاهِد الْوَرع أَبُو الْقَاسِم الزنجاني سمع بِمصْر أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل بن نظيف وَغَيره
وبزنجان مُحَمَّد بن أبي عبيد
وبدمشق عبد الرَّحْمَن بن يَاسر وَغَيره
стр. 1544
روى عَنهُ الْخَطِيب وَهُوَ أكبر مِنْهُ وَأَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ وَمُحَمّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَعبد الْمُنعم بن الْقشيرِي وَآخَرُونَ
جاور بِمَكَّة مُدَّة وَصَارَ شيخ حرمهَا
قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أبي طَالب الكرجي سَأَلت مُحَمَّد بن طَاهِر عَن أفضل من رأى فَقَالَ سعد الزنجاني وَعبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ
فَسَأَلته أَيهمَا أفضل فَقَالَ عبد الله كَانَ متفننا وَأما الزنجاني فَكَانَ أعرف بِالْحَدِيثِ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنِّي كنت أَقرَأ على عبد الله فأترك شَيْئا لأجربه فَفِي بعض يرد وَفِي بعض يسكت والزنجاني كنت إِذا تركت اسْم رجل يَقُول تركت بَين فلَان وَفُلَان اسْم فلَان
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ صدق كَانَ سعد أعرف بحَديثه لقلته وَكَانَ عبد الله مكثرا
قَالَ أَبُو سعد سَمِعت بعض مشايخي يَقُول كَانَ جدك أَبُو المظفر قد عزم على أَن يُقيم بِمَكَّة ويجاور بهَا صُحْبَة الإِمَام سعد بن عَليّ فَرَأى لَيْلَة من اللَّيَالِي والدته كَأَنَّهَا قد كشفت رَأسهَا وَقَالَت لَهُ يَا بني بحقي عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت إِلَى مرو فَإِنِّي لَا أُطِيق فراقك
فانتبهت مغموما وَقلت أشاور الشَّيْخ سَعْدا وَهُوَ قَاعد فِي الْحرم وَلم أقدر من الزحام أَن ُأكَلِّمهُ فَلَمَّا تفرق النَّاس وَقَامَ تَبعته إِلَى دَاره فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ يَا أَبَا المظفر الْعَجُوز تنتظرك وَدخل الْبَيْت فَعرفت أَنه تكلم على ضميري فَرَجَعت مَعَ الْحَاج تِلْكَ السّنة
قَالَ أَبُو سعد كَانَ الزنجاني حَافِظًا متقنا ثِقَة ورعا كثير الْعِبَادَة صَاحب
стр. 1545
كرامات وآيات وَإِذا خرج إِلَى الْحرم يَخْلُو المطاف ويقبلون يَده أَكثر مِمَّا يقبلُونَ الْحجر الْأسود
وَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر مَا رَأَيْت مثله سَمِعت أَبَا إِسْحَاق الحبال يَقُول لم يكن فِي الدُّنْيَا مثل أبي الْقَاسِم الزنجاني فِي الْفضل وَكَانَ يحضر مَعنا الْمجَالِس وَيقْرَأ الْخَطَأ بَين يَدَيْهِ فَلَا يرد على أحد إِلَّا أَن يسْأَل فيجيب
قَالَ ابْن طَاهِر وَسمعت هياج بن عبيد إِمَام الْحَرَمَيْنِ ومفتيه يَقُول يَوْم لَا أرى فِيهِ سعد بن عَليّ لَا أَعْتَد أَنِّي عملت خيرا
وَكَانَ هياج من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وفضلاء عصره
وَقَالَ ابْن طَاهِر وَكَانَ الشَّيْخ سعد لما عزم على الْمُجَاورَة عزم على نَيف وَعشْرين عَزِيمَة أَنه يلْزمهَا نَفسه من المجاهدات والعبادات وَمَات بعد ذَلِك بِأَرْبَعِينَ سنة وَلم يخل بِوَاحِدَة مِنْهَا
قَالَ وَدخلت عَلَيْهِ وَأَنا ضيق الصَّدْر من رجل من أهل شيراز لَا أذكرهُ فَأخذت يَده فَقَبلتهَا فَقَالَ لي ابْتِدَاء من غير أَن أعلمهُ بِمَا أَنا فِيهِ يَا أَبَا الْفضل لَا تضيق صدرك عندنَا فِي بِلَاد الْعَجم مثل يضْرب يُقَال بخل أهوازي وحماقة شيرازي وَكَثْرَة كَلَام رازي
وَدخلت عَلَيْهِ لما عزمت على الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق حَتَّى أودعهُ وَلم يكن عِنْده خبر من خروجي فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ أراحلون فنبكي أم مقيمونا
стр. 1546
فَقلت مَا أَمر الشَّيْخ لَا نتعداه
فَقَالَ على أَي شَيْء عزمت قلت على الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق لألحق مَشَايِخ خُرَاسَان
فَقَالَ تدخل خُرَاسَان وَتبقى بهَا وتفوتك مصر وَتبقى فِي قَلْبك فَاخْرُج إِلَى مصر ثمَّ مِنْهَا إِلَى الْعرَاق وخراسان فَإِنَّهُ لَا يفوتك شَيْء
فَفعلت وَكَانَ فِي ذَلِك الْبركَة
ولد سعد فِي حُدُود سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة أَو قبلهَا
وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَسبعين أَو فِي آخر سنة سبعين بِمَكَّة
٤١٣ - سعد بن أبي سعد مُحَمَّد بن مَنْصُور أَبُو المحاسن الجولكي
بِضَم الْجِيم بعْدهَا الْوَاو الساكنة ثمَّ اللَّام الْمَفْتُوحَة وَفِي آخرهَا الْكَاف نِسْبَة إِلَى جولك رجل من الْغُزَاة اسْتشْهد على بَاب رِبَاط دهستان
كَانَ وَالِده أَبُو سعد رجلا رَئِيسا من أهل جرجان ولي الرياسة بهَا إِلَى أَن توفّي فوليها بعده وَلَده هَذَا وَكَانَ وَلَده هَذَا يكنى أَبَا المحاسن
وَكَانَ فَقِيها بارعا محققا مناظرا
خلف أَبَاهُ فِي حَيَاته وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة
وتخرجت بِهِ الْفُقَهَاء
стр. 1547
وروى عَن جده لأمه أبي سعد وَأبي نصر الْإِسْمَاعِيلِيّ ووالده أبي سعد الجولكي وَغَيره
ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
وَكَانَ الْأَمِير فلك الْمَعَالِي منوجهر بن قَابُوس وشمكير أَمِير جرجان وَجهه إِلَى غزنة رَسُولا سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فَخرج وَعقد لَهُ مجْلِس النّظر بنيسابور وهراة وغزنة وَرجع سالما غانما موقرا
قتل ظلما بأستراباذ فِي رَجَب سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
٤١٤ - سعيد بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو سهل النيلي أَخُو الشَّيْخ أبي عبد الرَّحْمَن فَقِيه شَاعِر إِمَام فِي الطِّبّ ثِقَة فِي الحَدِيث
وروى عَن أبي عَمْرو بن حمدَان وَغَيره
مَاتَ فَجْأَة سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة عَن سبع وَسِتِّينَ سنة
стр. 1548
٤١٥ - سليم بن أَيُّوب بن سليم الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْفَتْح الرَّازِيّ
اشْتغل قبل الْفِقْه بالتفسير والْحَدِيث واللغة
ثمَّ سَافر إِلَى بَغْدَاد فتفقه بهَا على الشَّيْخ أبي حَامِد حَتَّى برع فِي الْمَذْهَب وَصَارَ إِمَامًا لَا يشق غباره وفارسا لَا تلْحق آثاره ومجدا لَا يعرفهُ بِغَيْر الدأب فِي الْعلم وَالْعِبَادَة ليله ونهاره
وعلق عَن الشَّيْخ أبي حَامِد التعليقة وَلما توفّي الشَّيْخ أَبُو حَامِد درس مَكَانَهُ
ثمَّ سَافر إِلَى الشَّام وَأقَام بثغر صور مرابطا محتسبا ينشر الْعلم
سمع أَبَا الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس اللّغَوِيّ وَشَيْخه أَبَا حَامِد الإسفرايني وَأحمد بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ وَأحمد بن مُحَمَّد الْبَصِير الرَّازِيّ وَمُحَمّد بن عبد الله الْجعْفِيّ وَمُحَمّد ابْن جَعْفَر التَّمِيمِي الْكُوفِيّين وَأحمد بن مُحَمَّد الْمُجبر وَجَمَاعَة
روى عَنهُ الكتاني وَأَبُو بكر الْخَطِيب والفقيه نصر الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر
стр. 1549
الطريثيثي وَعبد الرَّحْمَن بن عَليّ الكاملي وَسَهل بن بشر الإسفرايني وَخلق
وَقع لنا الْكثير من حَدِيثه
стр. 1550
قَالَ سهل الإسفرايني حَدثنِي سليم أَنه كَانَ فِي سفرة بِالريِّ وَله نَحْو عشر سِنِين فَحَضَرَ بعض الشُّيُوخ وَهُوَ يلقن فَقَالَ لي تقدم فاقرأ فجهدت أَن أَقرَأ الْفَاتِحَة فَلم أقدر على ذَلِك لانغلاق لساني
فَقَالَ أَلَك وَالِدَة
قلت نعم
قَالَ قل لَهَا تَدْعُو لَك أَن يرزقك الله الْقُرْآن وَالْعلم
стр. 1551
فَرَجَعت فسألتها الدُّعَاء فدعَتْ لي ثمَّ إِنِّي كَبرت وَدخلت بَغْدَاد فَقَرَأت بهَا الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه ثمَّ عدت إِلَى الرّيّ فَبينا أَنا فِي الْجَامِع أقابل مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَإِذا الشَّيْخ قد حضر وَسلم علينا وَهُوَ لَا يعرفنِي فَسمع مقالتنا وَهُوَ لَا يعلم مَا نقُول ثمَّ قَالَ مَتى نتعلم مثل هَذَا فَأَرَدْت أَن أَقُول إِن كَانَت لَك وَالِدَة قل لَهَا تَدْعُو لَك فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ
أَو كَمَا قَالَ
٤١٦ - سهل بن أَحْمد بن عَليّ الْحَاكِم أَبُو الْفَتْح الأرغياني
صَاحب الفتاوي
وأرغيان بِفَتْح الْألف وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا وَفِي آخرهَا النُّون اسْم لناحية من نواحي نيسابور بهَا عدَّة من الْقرى
وَسَهل هَذَا هُوَ الْحَاكِم أَبُو الْفَتْح من قَرْيَة بَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة من تَحت وَفِي آخرهَا النُّون وَهِي من جملَة أرغيان وَلَك أَن تَقول فِيهِ الْبَانِي والأرغياني
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِمَام فَاضل حسن السِّيرَة
تفقه على القَاضِي الْحُسَيْن بمرو الروذ وَأقَام عِنْده حَتَّى حصل طَرِيقَته
ذكر أَنه مَا علق شَيْئا من الْمَذْهَب إِلَّا على طَهَارَة
وَدخل طوس وَقَرَأَ التَّفْسِير وَالْأُصُول على شهفور الإسفرايني
ثمَّ دخل نيسابور وَقَرَأَ الْكَلَام على إِمَام الْحَرَمَيْنِ
стр. 1552
وَعَاد إِلَى ناحيته وَولي الْقَضَاء بهَا وحمدت سيرته فِي ولَايَته ثمَّ ترك الْقَضَاء وانزوى بعد مَا حج واشتغل بِالْعبَادَة
سمع ينيسابور أَبَا عُثْمَان الصَّابُونِي وَأَبا حَفْص بن مسرور وَأَبا سعد الكنجروذي وطبقتهم
وببوشنج أَبَا الْحسن الداوودي
وبهراة أَبَا عمر المليحي
روى لنا عَنهُ أَبُو طَاهِر السنجي
وَكَانَت وِلَادَته سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
وَتُوفِّي أول يَوْم من محرم سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة ببان
وَأوصى أَن يدْفن فِي الصَّحرَاء
هَذَا كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ
٤١٧ - سهل بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَامِد بن أَسد بن إِبْرَاهِيم الطوسي ثمَّ الأبيوردي أَبُو عبيد
قَالَ عبد الغافر فَاضل فَقِيه من أفاضل فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة
سمع من المخلدي وطبقته
وَهُوَ من بَيت الْعلم والْحَدِيث وَالدّين
مَاتَ فِي حد الكهولة
стр. 1553
٤١٨ - سهل بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُوسَى بن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الْعجلِيّ
الْحَنَفِيّ نسبا الْأُسْتَاذ الْكَبِير وَالْبَحْر الْوَاسِع أَبُو الطّيب الصعلوكي ولد الْأُسْتَاذ أبي سهل
هُوَ الْفَقِيه الأديب مفتي نيسابور النجيب ابْن النجيب الصعلوكي إِلَّا أَنه الْغَنِيّ الَّذِي لَا يسْأَل إِلَّا ويجيب
مَا أمه الطَّالِب إِلَّا وجده سهلا وَلَا أمله الرَّاغِب إِلَّا وتلقاه بالبشر وَقَالَ لَهُ أَهلا
جمع بَين رياستي الدّين وَالدُّنْيَا وَاتفقَ عُلَمَاء عصره على إِمَامَته وسيادته وَجمعه بَين الْعلم وَالْعَمَل والأصالة والرياسة
يضْرب الْمثل باسمه وتضرب أكباد الْإِبِل للرحلة إِلَى مَجْلِسه وَكَانَ يلقب شمس الْإِسْلَام
سمع أَبَاهُ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وَبِه تفقه وَعَلِيهِ تخرج ولديه رَبِّي وَمُحَمّد بن يَعْقُوب الْأَصَم وَأَبا عَمْرو بن نجيد وَأَبا عَليّ الرفاء وَغَيرهم
стр. 1554
روى عَنهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَمُحَمّد بن سهل وَأَبُو نصر الشاذياخي وَآخَرُونَ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ فَقِيها أديبا جمع رياسة الدّين وَالدُّنْيَا وَأخذ عَنهُ فُقَهَاء نيسابور
وَقَالَ الْحَاكِم الْفَقِيه الأديب مفتي نيسابور وَابْن مفتيها وأكتب من رَأَيْنَاهُ من علمائها وأنظرهم
قَالَ وَقد كَانَ بعض مَشَايِخنَا يَقُول من أَرَادَ أَن يعلم النجيب ابْن النجيب يكون بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فَلْينْظر إِلَى سهل بن أبي سهل
وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْخلق الْيَوْم الْخَامِس من وَفَاة الْأُسْتَاذ أبي سهل سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء بنيسابور وَسَائِر مدن خُرَاسَان وتصدى للْفَتْوَى وَالْقَضَاء والتدريس
قَالَ وَخرجت لَهُ الْفَوَائِد من سماعاته وَحدث وأملى
قَالَ وَبَلغنِي أَنه وضع فِي مَجْلِسه أَكثر من خَمْسمِائَة محبرة عَشِيَّة الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
стр. 1555
وَكَانَ أَبوهُ يَقُول سهل وَالِد
وَدخلت على الْأُسْتَاذ فِي ابْتِدَاء مَرضه وَسَهل غَائِب إِلَى بعض ضيَاعه وَكَانَ الْأُسْتَاذ يشكو مَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ غيبَة سهل أَشد عَليّ من هَذَا الَّذِي أَنا فِيهِ
وَسمعت الرئيس أَبَا مُحَمَّد الميكالي يَقُول النَّاس يتعجبون من كِتَابَة الْأُسْتَاذ أبي سهل وَسَهل أكتب مِنْهُ
وَسمعت أَبَا الْأَصْبَغ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك وَانْصَرف إِلَيْنَا من نيسابور وَنحن ببخارى فَسَأَلْنَاهُ مَا الَّذِي اسْتَفَدْت هَذِه الكرة بنيسابور
فَقَالَ رُؤْيَة سهل بن أبي سهل فَإِنِّي مُنْذُ فَارَقت وطني بأقصى الْمغرب وَجئْت إِلَى أقْصَى الْمشرق مَا رَأَيْت مثله
وَقَالَ أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ هُوَ الإِمَام فِي الْأَدَب وَالْفِقْه وَالْكَلَام والنحو والبارع فِي النّظر
وَقَالَ الْحَافِظ الإِمَام أثير الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَانِم بن أبي زيد المقرىء فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْكتاب الَّذِي أعده شَافِعِيّ فِي مَنَاقِب الإِمَام الشَّافِعِي سهل بن مُحَمَّد الصعلوكي كَانَ فِيمَا قيل عَالما فِي شخص وَأمة فِي نفس وَإِمَام الدُّنْيَا بِالْإِطْلَاقِ وشافعي عصره بالإطباق وَمن لَو رَآهُ الشَّافِعِي لقرت عينه وَشهد أَنه صدر الْمَذْهَب وعينه وَأَنا إِن شَاءَ الله أذكر محَاسِن هَذَا الإِمَام فِي كتاب شِفَاء الصُّدُور فِي طبقَة الْأَصْحَاب ليقف على حَاله الْجَاهِل والعالم فَإِن فضائله أشهر وَأكْثر من أَن يحملهَا هَذَا الْموضع
انْتهى
стр. 1556
ذكره بعد أَن أنْشد الأبيات الَّتِي أَنْشَأَهَا المطوعي وسنذكرها
قلت وَقد كتبت هَذَا من خطّ شَيخنَا الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس بن المظفر وَلم يثبت أَن الْحَافِظ أثير الدّين الْمشَار إِلَيْهِ نَقله من المطوعي فِي كتاب الْمَذْهَب وَأَن المطوعي صنف الْكتاب الْمَذْكُور للْإِمَام سهل الْمَذْكُور
وَأسْندَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي كتاب التَّبْيِين إِلَى الْحَاكِم أبي عبد الله قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد فَذكر حِكَايَة ابْن سُرَيج والأبيات الَّتِي أنشدها فِي أَنه عَالم الْمِائَة الثَّالِثَة ثمَّ كَلَام الْحَاكِم فِي سهل والأبيات الَّتِي أنشدت فِيهِ وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي الطَّبَقَات الْوُسْطَى فِي تَرْجَمَة سهل وَلم نذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب فِي تَرْجَمته لأَنا قدمْنَاهُ فِي ديباجة الْكتاب والأبيات الَّتِي ذيلناها عَلَيْهِ فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة نعم نذكرها نظما فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي لم يسْبق لَهُ ذكر فَنَقُول وَذكر أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ المطوعي فِي كتاب الْمَذْهَب فِي ذكر مَشَايِخ الْمَذْهَب عَن بعض أهل عصره
(إِنَّا روينَا عَن نَبِي الْهدى ... فِي السّنة الْوَاضِحَة السامية)
(بِأَن لله امْرأ قَائِما ... بِالدّينِ فِي كل تناهي مائَة)
(فعمر الحبر حَلِيف العلى ... قَامَ بِهِ فِي الْمِائَة البادئة)
(وَالشَّافِعِيّ المرتضى بعده ... قَرَّرَهُ فِي الْمِائَة الثَّانِيَة)
(وَابْن سُرَيج فراج لَهُ ... فِي الْمِائَة الثَّالِثَة التالية)
(وَالشَّيْخ سهل عُمْدَة للورى ... فِي الْمِائَة الرَّابِعَة الحالية)
مَاتَ الْأُسْتَاذ أَبُو الطّيب فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة بنيسابور
وَقَالَ أَبُو سعيد الشحام رَأَيْته فِي الْمَنَام فَقلت أَيهَا الشَّيْخ
стр. 1557
فَقَالَ دع الشَّيْخ
فَقلت وَتلك الْأَحْوَال الَّتِي شاهدتها
فَقَالَ لم تغن عَنَّا
فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي بمسائل كَانَت تسْأَل عَنْهَا الْعَجز
وَمن الرِّوَايَة عَن الْأُسْتَاذ سهل بن أبي سهل
أَنبأَنَا الْمسند أَبُو التقى صَالح بن مُخْتَار الْإِسْنَوِيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع بِالْقَاهِرَةِ والخطيب عز الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعِزّ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن أبي عمر سَمَاعا عَلَيْهِ بقاسيون قَالَا أَنبأَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الدَّائِم بن نعْمَة الْمَقْدِسِي قَالَ الأول سَمَاعا وَقَالَ الثَّانِي حضورا أَنبأَنَا يحيى بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ أخبرنَا جدي الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ أخبرنَا أَبُو نصر مُحَمَّد بن سهل السراج حَدثنَا أَبُو الطّيب سهل بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الصعلوكي حَدثنَا أَبُو سهل بشر بن يحيى المهرجاني حَدثنَا عبد الله بن نَاجِية حَدثنَا أَحْمد بن يحيى الْجلاب حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن رَجَاء بن حَيْوَة عَن أبي الدَّرْدَاء
стр. 1558
رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِنَّمَا الْحلم بالتحلم وَإِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَمن يتحر الْخَيْر يُعْطه وَمن يتوق الشَّرّ يوقه)
وَمن شعره وَقد أنْشدهُ أَبُو عَاصِم فِي الطَّبَقَات
(سلوت عَن الدُّنْيَا عَزِيزًا قبلتها ... وجدت بهَا لما تناهت بآمالي)
(علمت مصير الدَّهْر كَيفَ سَبيله ... فزايلتها قبل الزَّوَال بأحوالي)
وَمن كَلَامه ورشيق عباراته فِي حكمه وَفِي فَتَاوِيهِ
فَمن حَكِيم كَلَامه من تصدر قبل أَوَانه فقد تصدى لهوانه
وَقد أوردهُ الْعَبَّادِيّ فِي الطَّبَقَات فِي تَرْجَمته عَنهُ وَفِي تَرْجَمَة أَبِيه الْأُسْتَاذ أبي سهل عَنهُ
وَقد قيل أَخذه من مَنْصُور الْفَقِيه حَيْثُ قَالَ الْكَلْب أغْلى قيمَة
الْبَيْتَيْنِ اللَّذين قدمناهما فِي تَرْجَمَة مَنْصُور فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة
وَمِنْه إِذا كَانَ رضَا الْخلق معسورة لَا يدْرك كَانَ ميسوره لَا يتْرك
قلت أرشق مِنْهُ قَول الْفُقَهَاء الميسور لَا يسْقط بالمعسور
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أفْصح من نطق بالضاد ﷺ (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم)
وَمِنْه إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى إخْوَان الْعشْرَة لزمان الْعسرَة
стр. 1559
وَمن رَشِيق فَتَاوِيهِ أجَاب وَقد سُئِلَ عَمَّن مَاتَ وَلم تُوجد الْوَدِيعَة فِي تركته هَل يضمنهَا لَا إِن مَاتَ عرضا نعم إِن مَاتَ مَرضا
стр. 1560
وَعَن لعب الشطرنج إِذا سلم المَال من الخسران وَالصَّلَاة عَن النسْيَان فَذَلِك أنس بَين الخلان كتبه سهل بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان
وَقَالَ مستدلا على أَن وَطْء الثّيّب لَا يمْنَع المُشْتَرِي من الرَّد بِالْعَيْبِ إِلْمَام من غير إيلام فَلَا يمْنَع قِيَاسا على الِاسْتِخْدَام
وَمن الْمسَائِل والفوائد عَنهُ
قَالَ ابْن الصّلاح روينَا عَن الإِمَام سهل أَنه قَالَ فِي قَول النَّبِي ﷺ (فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام) أَرَادَ فضل ثريد عَمْرو العلى الَّذِي عظم نَفعه وَقدره وَعم خَيره وبره وَبَقِي لَهُ ولعقبه ذكره حَتَّى قَالَ الْقَائِل فِيهِ
(عَمْرو العلى هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف)
(سنت إِلَيْهِ الرحلتان كِلَاهُمَا ... سفر الشتَاء ورحلة الأضياف)
قَالَ ابْن الصّلاح أبعد سهل فِي تَأْوِيل الحَدِيث وَالَّذِي أرَاهُ أَن مَعْنَاهُ تَفْضِيل ثريد كل طَعَام على بَاقِي ذَلِك الطَّعَام وَسَائِر بِمَعْنى بَاقٍ وَهُوَ كَذَلِك فَإِن خير اللَّحْم حصل فِيهِ فَهُوَ أفضل مِنْهُ
стр. 1561
قلت إِذا كَانَ يُرِيد عَمْرو العلى فِي ذَلِك الزَّمَان هُوَ الْمَشْهُور فَمَا أبعد سهل بل مَا قَالَه هُوَ الصَّوَاب وَالْألف وَاللَّام فِي الثَّرِيد تَنْصَرِف إِلَى الْمَعْهُود والمعهود عِنْدهم الْمَشْهُور لديهم ثريد عَمْرو العلى
ثمَّ أَنْت ترى الْبَيْت كَيفَ أوردهُ ابْن الصّلاح وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف وَمن خطّ شَيخنَا الْحَافِظ الثبت أَبى الْحجَّاج الْمزي نقلته وَالْقَصِيدَة مَكْسُورَة الْفَاء فَيحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى التَّحَمُّل والتأويل فِي كسر الْفَاء من عجاف وَهِي صفة لمسنتون الَّذِي هُوَ خبر رجال مَكَّة وَالنَّاس كَذَلِك ينشدون الْبَيْت ويستشكلونه وَالَّذِي رَأَيْته فِي السِّيرَة فِي أصُول مُعْتَمدَة صَحِيحَة مَا نَصه
(عَمْرو العلى هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... قوم بِمَكَّة مُسنَّتَيْنِ عجاف)
(سنت إِلَيْهِ الرحلتان كِلَاهُمَا ... سفر الشتَاء ورحلة الأضياف)
وعزاهما ابْن إِسْحَاق لشاعر من قُرَيْش لم يُعينهُ وعَلى هَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ
فرع من بَاب الْإِقْرَار
عَن الْأُسْتَاذ أبي الطّيب قَالَ القَاضِي أَبُو سعد الْهَرَوِيّ إِن الشَّيْخ أَبَا الطّيب يَعْنِي سهلا الصعلوكي فِيمَا أَحسب وَافق أَبَا حنيفَة على أَن من قَالَ فِي جَوَاب الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ مَا غصبت من أحد قبلك وَلَا بعْدك يكون مقرا لَهُ بِالْغَصْبِ
والمجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ وَشرح الْمِنْهَاج للوالد أَنه لَيْسَ بِإِقْرَار
وناقل هَذِه الْمقَالة عَن ابْن الصعلوكي فِيمَا أَحسب هُوَ القَاضِي أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ فَتَبِعَهُ تِلْمِيذه القَاضِي أَبُو سعد وَقد وَافق أَبُو الطّيب أَبَا حنيفَة فِي مسَائِل من هَذَا النَّوْع ينكرها بعض أَصْحَابنَا أَو كثير مِنْهُم
стр. 1562
مِنْهَا لَو قَالَ أَعْطِنِي الْألف الَّتِي لي عَلَيْك فَقَالَ نعم
وَافق أَبُو الطّيب الصعلوكي أَبَا حنيفَة أَنه إِقْرَار
وَمِنْهَا لَو قَالَ فِي الْجَواب لقد عممتني بِهَذَا أَو مَا أَكثر مَا يتقاضاني بِهِ أَو وَالله لأقضينك
وَافق أَبُو الطّيب أَبَا حنيفَة على أَنه إِقْرَار
وَفِي الرَّافِعِيّ بعد أَن نقل عَن أبي حنيفَة فِي هَذِه الصُّورَة وَمَا شابهها قَوْله بِأَنَّهَا إِقْرَار إِن أَصْحَابنَا مُخْتَلفُونَ والميل إِلَى مُوَافَقَته فِي أَكثر الصُّور أَكثر
وَلم يبين الْأَكْثَر الَّذِي ميلهم إِلَى مُوَافَقَته فِيهِ
أما لَو قَالَ عَليّ ألف إِلَّا أَن يَبْدُو لي
فَهَل هُوَ إِقْرَار هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست فِي الرَّافِعِيّ وَحكى النَّوَوِيّ فِيهَا وَجْهَيْن فِي زَوَائِد الرَّوْضَة عَن الْعدة وَالْبَيَان وَقَالَ لَعَلَّ الْأَصَح أَنه إِقْرَار
وَجزم الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد فِي شرح الْمِنْهَاج بِتَصْحِيحِهِ فَقَالَ إِقْرَار فِي الْأَصَح وَالْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب الْمَنْصُوص خلاف مَا صححناه وَلَا نَعْرِف مَا صححناه عَن أحد من أَصْحَابنَا إِلَّا عَن أبي الطّيب الصعلوكي وَهُوَ مَعْرُوف بِهِ وَإِنَّمَا أَشَارَ صاحبا الْعدة وَالْبَيَان بِالْوَجْهَيْنِ إِلَى قَوْله مَعَ مُقَابِله
قَالَ القَاضِي أَبُو سعد فِي الإشراف إِذا قَالَ عَليّ ألف إِلَّا أَن يَبْدُو لي فَهُوَ اسْتثِْنَاء صَحِيح نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّيْخ أَبُو الطّيب لم يصحح هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَجعله بِمَنْزِلَة عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء يدْفع الْجَمِيع وَالشَّافِعِيّ قاسه على قَوْله إِن شَاءَ الله
وَهُوَ يمْنَع الْوُجُوب
انْتهى
فَهَذَا الْمَنْقُول فِي الْمَسْأَلَة غير أَن قياسها على إِن شَاءَ الله لَا يَتَّضِح كل الوضوح
стр. 1563
فَإِن بَينهمَا فارقا من جِهَة أَن قَوْله إِلَّا أَن يَبْدُو لي مَعَ قَوْله على ألف مِمَّا يتهافت فَإِن ثُبُوت الشَّيْء على الْمَرْء لَا يتَوَقَّف على أَن يَبْدُو لَهُ بِخِلَاف مَشِيئَة الله
فَلَعَلَّ مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَشَيخنَا أوجه غير أَن الظَّن أَنَّهُمَا لَو اطلعا على أَن الْمَنْصُوص الْمَشْهُور خِلَافه لوقفا عَن التَّصْحِيح أَو لأمعنا النّظر فِي الْمَسْأَلَة إمعانا زَائِدا فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد تصحيحهما فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا بعد إحكام النّظر
وَنَظِير الْمَسْأَلَة لَو قَالَ مَتى تقضي حَقي فَقَالَ غَدا
جعلهَا الرَّافِعِيّ مثل الصُّور الَّتِي قَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّهَا إِقْرَار وَأَن الْأَصْحَاب مُخْتَلفُونَ وميلهم إِلَى وفاقه فِي الْأَكْثَر أَكثر والمقتصر على النّظر فِي كَلَامه هَذَا يحْسب أَن الرَّاجِح عندنَا فِي هَذِه الصُّورَة أَنَّهَا إِقْرَار ومنقول الْمَذْهَب أَنَّهَا غير إِقْرَار
قَالَ القَاضِي أَبُو سعد يحْتَمل أَنه أَرَادَ غَدا فِي نَار الله تَعَالَى أَقْْضِي حَقك لِأَنَّك ظلمتني فِي هَذِه الدَّعْوَى وَيحْتَمل أُجِيب غَدا أَو غَدا يتَبَيَّن خطؤك
وَقَالَ القَاضِي يشْرَح الرَّوْيَانِيّ يحْتَمل أَن يُرِيد غَدا يكون غَائِبا أَو مَيتا
قلت وهب أَنَّهَا احتمالات بعيدَة إِلَّا أَن الْإِقْرَار يبْنى على الْيَقِين
وَمِنْهَا لَو قَالَ أَسْرج دَابَّة فلَان هَذِه
قَالَ نعم
أَو أَخْبرنِي زيد أَن لي عَلَيْك ألفا فَقَالَ نعم
قَضِيَّة كَلَام الرَّافِعِيّ أَنه إِقْرَار وصريح كَلَام القَاضِي أبي سعد أَنه على الْخلاف وَظَاهره أَن جادة الْمَذْهَب أَنه غير إِقْرَار وَأَنه لَا يَقُول بِكَوْنِهِ إِقْرَارا من أَصْحَابنَا غير
стр. 1564
أبي الطّيب الصعلوكي وَأَنه وَافق فِيهِ أَبَا حنيفَة فَلْينْظر النَّاظر هَذِه الْأَلْفَاظ وليشبعها فكرا وكشفا فَإِنِّي لم أستوعب النّظر فِيهَا وَلم أمعن فِيهَا كتب الْمَذْهَب وَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يقْتَصر فِيهَا على الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة فَإِن كَلَام من ذَكرْنَاهُ يدل على أَن جادة الْمَذْهَب على خلاف مَا يفهمانه،،، انْتهى بِحَمْد الله الْجُزْء الرَّابِع
стр. 1565
٤١٩ - شبيب بن عُثْمَان بن صَالح الْفَقِيه أَبُو الْمَعَالِي الرَّحبِي
من أهل رحبة الشَّام
سمع بهَا أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن سعدون الْموصِلِي وَغَيره
ورحل إِلَى بَغْدَاد فِي طلب الْعلم فَسمع أَبَا الْخطاب نصر بن أَحْمد بن البطر وَالْحُسَيْن بن أَحْمد بن طَلْحَة النعالي ورزق الله بن عبد الْوَهَّاب التَّمِيمِي وَأَبا عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر الْحميدِي وَغَيرهم
وَحدث بِيَسِير
حدث عَنهُ نصر بن نَاصِر الحدادي المراغي وَغَيره بِشَيْء حدث بِهِ بِالْمَدْرَسَةِ التاجية بِبَغْدَاد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَمِنْه حِكَايَة أبي إِسْحَاق الْمروزِي فِي الرجل البقلي فِي مَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء
стр. 1566
وَقد قدمناها فِي تَرْجَمَة أبي إِسْحَاق
قلت وشبيب هَذَا من تلامذة أبي مَنْصُور ابْن أخي الشَّيْخ أبي نصر بن الصّباغ وَهُوَ مَذْكُور فِي فتاوي ابْن الصّباغ أَنه جمع شَيْئا من تِلْكَ الفتاوي
وَرَأَيْت لشبيب فَوَائِد علقها من كَلَام ابْن الصّباغ غير مَا فِي الفتاوي مِمَّا وَقع
стр. 1567
لِابْنِ الصّباغ فِي مناظراته وفوائد علقها أَيْضا من كتاب الْكَافِي فِي شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ لأبي الْحسن الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي
وَأَنا أذكر هُنَا نبذة مِمَّا انتقيته مِنْهَا
قَالَ شبيب نقلا عَن الْكَافِي للماوردي يجوز السّلم فِي السلجم والجزر بعد قطع ورقه لِأَنَّهُ لَا ضَرَر فِي قطعه وَهُوَ مَعَه مَجْهُول
قَالَ شبيب قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْكَافِي إِذا ادّعى الشَّرِيك تلف المَال يَوْم الْجُمُعَة فَشهد شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأيا المَال بِعَيْنِه بعد الْجُمُعَة فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يلْزمه غرم المَال وَإِن حلف على كذبه لظُهُور كذبه
وَالثَّانِي وَهُوَ قَول ابْن الْقَاص إِن شَهدا قبل إحلافه حكم عَلَيْهِ بالغرم وَإِن شَهدا بعده لم يبطل حكم يَمِينه إِلَّا بعد سُؤَاله وَإِن ذكر وَجها مُحْتملا سلم بِهِ يَمِينه وَلَا تكذبه الشَّهَادَة حكم بِالْيَمِينِ وبرأ بِهِ وَإِن لم يذكر غرم وَسقط حكم الْيَمين
قَالَ شبيب قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْكَافِي إِذا قَالَ لزيد عَليّ دِرْهَم مَعَ عَمْرو فَلهُ احْتِمَالَانِ
أَحدهمَا أَن يُرِيد الْإِقْرَار لزيد بدرهم مَعَ عَمْرو أَي فِي يَده
وَالثَّانِي أَن يُرِيد الْإِقْرَار لَهما بالدرهم
стр. 1568
وَالْأول أقوى فَأَيّهمَا أَرَادَهُ قبل مِنْهُ وَإِن لم يكن لَهُ إِرَادَة لم يلْزمه إِلَّا الْيَقِين
وَمثله فِي الطَّلَاق أَن يَقُول يَا هِنْد أَنْت طَالِق مَعَ زَيْنَب فَتطلق هِنْد وَلَا تطلق زَيْنَب إِلَّا أَن يريدها بِالطَّلَاق
وَهَكَذَا لَو قَالَ يَا هِنْد قد بنت مَعَ زَيْنَب كَأَنَّهُ قَالَ لهِنْد دون زَيْنَب
قلت مَسْأَلَة الْإِقْرَار ظَاهِرَة وَأما قَوْله إِن لم يكن لَهُ إِرَادَة لم يلْزمه إِلَّا الْيَقِين فقد يُقَال لَا يَقِين هُنَا وَإِن كَانَ يَعْنِي بِالْيَقِينِ لُزُوم الدِّرْهَم لزيد فَفِيهِ نظر لِأَنَّهُ إِذا احْتمل نِصْفَيْنِ بَين زيد وَعَمْرو فالمتيقن نصف لزيد وَنصف آخر مُتَرَدّد بَينه وَبَين عَمْرو فَيَنْبَغِي أَن يرجع إِلَى بَيَانه
وَأما مَسْأَلَة الطَّلَاق فقد يُقَال إِنَّهَا لَيست كَمَسْأَلَة الْإِقْرَار لِأَن طَلَاق وَاحِدَة لَا يكون مَعَ الْأُخْرَى بل يتَعَيَّن أَن يَقع عَلَيْهِمَا مَعًا وَقد يُقَال جَازَ كَون طَلاقهَا مَعَ صاحبتها بِمَعْنى أَنَّهَا تُؤدِّي خَبره إِلَيْهَا وَنَحْو ذَلِك وَحِينَئِذٍ فالمتيقن الْوُقُوع على هِنْد وَأما زَيْنَب فَيحْتَاج فِيهَا إِلَى نِيَّة أخذا بالمتيقن
٤٢٠ - شعْبَان بن الْحَاج الْمُؤَذّن أَبُو الْفضل
من أهل شرْوَان
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ إِمَامًا فَاضلا زاهدا تفقه بآمل طبرستان على القَاضِي أبي ليلى بنْدَار بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَعَاد إِلَى بَلَده وانتفع النَّاس بِهِ فَسمع من أبي بكر الطَّبَرِيّ
стр. 1569
بآمل وَفَاطِمَة بنت الدقاق بنيسابور وَغَيرهمَا
مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة
٤٢١ - شهفور بن طَاهِر بن مُحَمَّد الإسفرايني أَبُو المظفر
الإِمَام الأصولي الْفَقِيه الْمُفَسّر
ارتبطه نظام الْملك بطوس
قَالَ عبد الغافر وصنف التَّفْسِير الْكَبِير الْمَشْهُور وصنف فِي الْأُصُول وسافر فِي طلب الْعلم
قَالَ وَسمع من أَصْحَاب الْأَصَم
قَالَ وَكَانَ لَهُ اتِّصَال مصاهرة بالأستاذ أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ
توفّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
٤٢٢ - طَاهِر بن أَحْمد بن عَليّ بن مَحْمُود المحمودي القايني
من بَلْدَة قاين بِفَتْح الْقَاف وَالْيَاء آخر الْحُرُوف بعد الْألف وَفِي آخرهَا النُّون وَهِي قَرْيَة من طبسين بَين نيسابور وأصبهان
هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن
سمع الحَدِيث بخراسان وَغَيرهمَا
فَمن شُيُوخه أَبُو الْفضل مَنْصُور بن نصر بن عبد الرَّحِيم بن مت الكاغدي وَأَبُو سعد عبد الرَّحْمَن بن الْحسن بن عَلَيْك الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي والفقيه نَاصِر الْعمريّ وَيحيى بن عَليّ بن الطَّبِيب الدسكري وَأَبُو الْحسن بن رزقويه وَغَيرهم
стр. 1570
روى عَنهُ نصر الله الْمَقْدِسِي وَأَبُو طَاهِر الجنائي وَأَبُو الْحُسَيْن بن الموازيني وَهبة الله بن الْأَكْفَانِيِّ وَآخَرُونَ
توفّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٢٣ - طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بن عمر
الإِمَام الْجَلِيل القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ
أحد حَملَة الْمَذْهَب ورفعائه
كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا بحرا غواصا متسع الدائرة عَظِيم الْعلم جليل الْقدر كَبِير الْمحل تفرد فِي زَمَانه وتوحد وَالزَّمَان مشحون بأخدانه واشتهر اسْمه فَمَلَأ الأقطار وشاع ذكره فَكَانَ أَكثر حَدِيث السمار وطاب ثَنَاؤُهُ فَكَانَ أحسن من مسك اللَّيْل وكافور النَّهَار
وَالْقَاضِي فَوق وصف الواصف ومدحه وَقدره رَبًّا على بسيط الْقَائِل وَشَرحه وَعنهُ أَخذ الْعِرَاقِيُّونَ الْعلم وحملوا الْمَذْهَب
ولد القَاضِي بآمل طبرستان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة
وَسمع بجرجان من أبي أَحْمد الغطريفي وَقد وَقع لنا جُزْء أبي أَحْمد من طَرِيقه
стр. 1571
وبنيسابور من شَيْخه أبي الْحسن الماسرجسي وببغداد من الْحَافِظ أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ
وَأسْندَ عَنهُ كثيرا فِي كِتَابه الْمِنْهَاج وَمن مُوسَى بن عَرَفَة والمعافى ابْن زَكَرِيَّا وَعلي بن عمر الْحَرْبِيّ وَغَيرهم
روى عَنهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَهُوَ أخص تلامذته بِهِ وَأَبُو مُحَمَّد بن الآبنوسي وَأَبُو نصر أَحْمد بن الْحسن الشِّيرَازِيّ وَأحمد ابْن عبد الْجَبَّار الطيوري وَأَبُو الْمَوَاهِب أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُلُوك وَأَبُو نصر مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد العكبري وَأَبُو الْعِزّ أَحْمد بن عبيد الله بن كادش وَأَبُو الْقَاسِم بن الْحُسَيْن وَخلق آخِرهم موتا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ
ذكره تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ فِيمَا أخبرناه أَبُو عبد الله الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا ابْن القواس أخبرنَا الْكِنْدِيّ إجَازَة أخبرنَا أَبُو الْحسن بن عبد السَّلَام أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ قَالَ وَمِنْهُم شَيخنَا وأستاذنا أَبُو الطّيب توفّي عَن مائَة وسنتين لم يخْتل عقله وَلَا تغير فهمه يُفْتى مَعَ الْفُقَهَاء ويستدرك عَلَيْهِم الْخَطَأ وَيَقْضِي وَيشْهد ويحضر المواكب إِلَى أَن مَاتَ
تفقه بآمل على أبي عَليّ الزجاجي صَاحب ابْن الْقَاص وَقَرَأَ على أبي سعد الْإِسْمَاعِيلِيّ وعَلى القَاضِي أبي الْقَاسِم بن كج بجرجان ثمَّ ارتحل إِلَى نيسابور وَأدْركَ أَبَا الْحسن الماسرجسي وَتَبعهُ وَصَحبه أَربع سِنِين ثمَّ ارتحل إِلَى
стр. 1572
بَغْدَاد وعلق عَن أبي مُحَمَّد الْبَاقِي الْخَوَارِزْمِيّ صَاحب الداركي
وَحضر مجْلِس الشَّيْخ أبي حَامِد وَلم أر فِيمَن رَأَيْت أكمل اجْتِهَادًا وَأسد تَحْقِيقا وأجود نظرا مِنْهُ
شرح الْمُزنِيّ وصنف فِي الْخلاف وَالْمذهب وَالْأُصُول والجدل كتبا كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا ولازمت مَجْلِسه بضع عشرَة سنة ودرست أَصْحَابه فِي مَسْجده سِنِين بِإِذْنِهِ ورتبني فِي حلقته وسألني أَن أَجْلِس فِي مَسْجِد التدريس فَفعلت فِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة أحسن الله تَعَالَى عني جزاءه وَرَضي عَنهُ
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ أَبُو الطّيب ورعا عَارِفًا بالأصول وَالْفُرُوع محققا حسن الْخلق صَحِيح الْمَذْهَب
اخْتلفت إِلَيْهِ وعلقت الْفِقْه عَنهُ سِنِين
وَذكره أَبُو عَاصِم فِي آخر الطَّبَقَة السَّادِسَة وَهُوَ آخر مَذْكُور فِي كِتَابه وَقَالَ فِيهِ فَاتِحَة هَذِه الطَّبَقَة شيخ الْعرَاق أَبُو الطّيب طَاهِر بن عبد الله الطَّبَرِيّ
وَقَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله القَاضِي ابْتَدَأَ القَاضِي أَبُو الطّيب يدرس الْفِقْه ويتعلم الْعلم وَله أَربع عشرَة سنة فَلم يخل بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا إِلَى أَن مَاتَ
وَعَن أبي مُحَمَّد البافي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ أفقه من أبي حَامِد الإسفرايني
стр. 1573
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الشَّامي قلت للْقَاضِي أبي الطّيب شَيخنَا وَقد عمر لقد متعت بجوارحك فَقَالَ لم لَا وَمَا عصيت الله بِوَاحِدَة مِنْهَا قطّ
وَعَن القَاضِي أبي الطّيب أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَقَالَ لَهُ يَا فَقِيه وَأَنه كَانَ يفرح بذلك وَيَقُول سماني رَسُول الله ﷺ فَقِيها
وَعَن القَاضِي أبي الطّيب خرجت إِلَى جرجان للقاء أبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فقدمتها يَوْم الْخَمِيس فَدخلت الْحمام فَلَمَّا كَانَ من الْغَد لقِيت أَبَا سعد ابْن الشَّيْخ أبي بكر فَأَخْبرنِي أَن وَالِده قد شرب دَوَاء لمَرض كَانَ بِهِ وَقَالَ لي تَجِيء فِي صَبِيحَة غَد فَتسمع مِنْهُ
فَلَمَّا كَانَ فِي بكرَة السبت غَدَوْت للموعد فَسمِعت النَّاس يَقُولُونَ مَاتَ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ
وَعَن القَاضِي أبي الطّيب رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَقلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت من روى عَنْك أَنَّك قلت (نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها) الحَدِيث أَحَق هُوَ قَالَ نعم
وَكَانَ القَاضِي أَبُو الطّيب حسن الْخلق مليح المزاح والفكاهة حُلْو الشّعْر
قيل إِنَّه دفع خفه إِلَى من يصلحه فَأَبْطَأَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَارَ القَاضِي كلما أَتَاهُ يتقاضاه فِيهِ يغمسه الصَّانِع فِي المَاء حِين يرى القَاضِي وَيَقُول السَّاعَة أصلحه فَلَمَّا طَال على القَاضِي ذَلِك قَالَ إِنَّمَا دَفعته إِلَيْهِ لتصلحه لَا لتعلمه السباحة
وَكَانَ القَاضِي أَبُو الطّيب قد ولي الْقَضَاء بِربع الكرخ بعد موت القَاضِي الصَّيْمَرِيّ
فَإِذا أطلق الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَشبهه من الْعِرَاقِيّين لفظ القَاضِي مُطلقًا فِي فن الْفِقْه فإياه يعنون كَمَا أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره من الخراسانيين يعنون بِالْقَاضِي القَاضِي الْحُسَيْن والأشعرية فِي الْأُصُول يعنون القَاضِي أَبَا بكر بن الطّيب الباقلاني والمعتزلة يعنون عبد الْجَبَّار الأسداباذي
стр. 1574
توفّي القَاضِي يَوْم السبت وَدفن يَوْم الْأَحَد الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَمن شعره رَحمَه الله تَعَالَى
(ألابس علم الْفِقْه وَهُوَ مرامه ... شَدِيد وَفِي إِدْرَاكه الكذ والكد)
(فَتَاوِيهِ مَا بَين المضيء طَرِيقه ... وَبَين خَفِي فِي طرائقه جهد)
(إِذا اجْتهد الْمفْتُون فِيهِ تباينوا ... فيدركه عَمْرو ويخطئه زيد)
(لقد كدني مأثوره وفروعه ... وتعليله والنقض وَالْعَكْس والطرد)
(لَهُ شعب من كل علم تحوطه ... وَمَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ مستبعد رد)
(وعادته مذ لم يزل فقر أَهله ... وَمن كَانَ ذَا وجد فَمن غَيره الوجد)
(وأنى يكون الْيُسْر مِنْهُ وَإنَّهُ ... لداع إِلَى الإقلال غَايَته الزّهْد)
وَكتب إِلَيْهِ استفتاء صورته
(يأيها الْعَالم مَاذَا ترى ... فِي عاشق ذاب من الوجد)
(من حب ظَبْي أهيف أغيد ... سهل الْمحيا حسن الْقد)
(فَهَل ترى تقبيله جَائِزا ... فِي النَّحْر والعينين والخد)
(من غير مَا فحش وَلَا رِيبَة ... بل بعناق جَائِز الْحَد)
стр. 1575
(إِن أَنْت لم تفت فَإِنِّي إِذا ... أصيح من وجدي وأستعدي)
فَأجَاب
(يأيها السَّائِل إِنِّي أرى ... تقبيلك المعشوق فِي الخد)
(يُفْضِي إِلَى مَا بعده فاجتنب ... قبلته بالجد والجهد)
(فَإِن من يرتع حول الْحمى ... يُوشك أَن يجني من الْورْد)
(تغنيك عَنهُ كاعب ناهد ... تحضر بِالْملكِ أَو العقد)
(تنَال مِنْهَا كل مَا تشْتَهي ... من غير مَا فحش وَلَا صد)
(هَذَا جوابي لقتيل الْهوى ... فَلَا تكن فِي ذَاك تستعدي)
وَمن شعره
(لَا تحسبن سُرُورًا دَائِما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان)
стр. 1576
(لَا تغترر بشباب آنق خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شُبَّان)
وَيَا أَخا الشيب لَو ناصحت نَفسك لم ... يكن لمثلك فِي اللَّذَّات إمعان) هَب الشبيبة تملى عذر صَاحبهَا ... مَا عذر شيب ليستهويه شَيْطَان)
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن البُخَارِيّ إجَازَة أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ إجَازَة أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن نَاصِر إجَازَة أخبرنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار ابْن أَحْمد الصَّيْرَفِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا القَاضِي الإِمَام أَبُو الطّيب طَاهِر ابْن عبد الله بن طَاهِر الطَّبَرِيّ كَانَ ابْن بابك الشَّاعِر دخل الدينور وَكَانَ يتفقه عِنْد أبي الْحُسَيْن الْقطَّان مَعَ القَاضِي أبي الْقَاسِم بن كج فِي مجْلِس أبي الْحُسَيْن الْقطَّان فَعَاتَبَهُ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن كج على ترك الْفِقْه واشتغاله بالأدب وَقَالَ لَهُ والدك يَحُثُّك على الْفِقْه وَيُحِبهُ فَتركت مَا كَانَ أَبوك يختاره واشتغلت بِغَيْرِهِ فَعمِلت قصيدة سَأَلَني إنشادها فِي مَجْلِسه عَلَيْهِ
(أناها أَيهَا القَاضِي الْجَلِيل ... فقد كشف التَّأَمُّل مَا أَقُول)
(رَأَيْت الشَّرْع مسموعا مؤدى ... تناقله البصائر والعقول)
(تحلى الشّرْب من سوم المبادي ... عَلَيْهِ لكل مُجْتَهد دَلِيل)
(ترَاض لَهُ القرائح وَهِي شوس ... وتدركه العرائد وَهِي ميل)
(إِذا استفتيت فِيهِ وَأَنت صدر ... يقلدك الورى فِيمَا تَقول)
стр. 1577
(أحلّت على نُصُوص واضحات ... أَتَاك بهَا كتاب أَو رَسُول)
(ونظم الشّعْر مُمْتَنع الدَّوَاعِي ... فَلَيْسَ إِلَى مضايقه وُصُول)
(إِذا التَّنْزِيل أشكل مِنْهُ لفظ ... فشاهد ذَلِك الشّعْر الْمَقُول)
(ينَال بِهِ الْغنى طورا وطورا ... ينَال بِهِ الطوائل وَالدُّخُول)
(تسالمه الْمُلُوك وتتقيه ... وَذَاكَ لعمرك الْخطب الْجَلِيل)
(فلولا الْحَمد مَا زكتْ الأيادي ... وَلَوْلَا الذَّم مَا عرف الْبَخِيل)
(وَقد ذكر امْرأ الْقَيْس بن حجر ... فأسهب فِي مناقبه الرَّسُول)
(وَحمله لِوَاء الشّعْر حَتَّى ... تجاذب عَن عقيرته الحمول
(وَأخْبر أَن فِي التِّبْيَان سحرًا ... وَتلك شَهَادَة لَا تستحيل)
(وَقد مدح النَّبِي بِهن حَتَّى ... جرى فِي مَاء بهجته الْقبُول)
(بِشعر يسترق بِهِ الغواني ... وتعبث فِي مناسبه الشُّمُول)
(وَمَا أسرى إِلَى الْأَعْدَاء إِلَّا ... تقدمه من الشُّعَرَاء جيل)
(فلولا الشّعْر مَا عز ابْن أُنْثَى ... إِلَى مجد وَلَا وسم الذَّلِيل)
(وَلَا انتمت الرِّيَاح إِلَى قراها ... وَلَا انتسبت إِلَى الْعتْق الْخُيُول)
(وَلَا وصف الكمي إِذا تَلَوت ... عجاجته وَلَا ندب الْقَتِيل)
(إِذا كرم الْفَتى أَو عز بَأْسا ... فبالتقريظ ينعم أَو يديل)
(وَمَا يعصون عَن ذل وَلَكِن ... جبال الثَّلج تجرفها السُّيُول)
(وَيملك أنفس العظماء قهرا ... ويملكنا الرَّحِيق السلسبيل)
стр. 1578
(يصانع بالصواهل والغواني ... ويبرز عِنْد ذِي الصل الجزيل)
(فَزَاد الشَّاعِر النعم الصوافي ... وَزَاد الْعَالم الصَّبْر الْجَمِيل)
(وَإِن تكن الْقِيَامَة وعد قوم ... فللعثرات يَوْمئِذٍ مقيل)
(فقصرك لَا تطل عيب ابْن ود ... رماك بِطيبَة الْبَرْق الْمُحِيل)
(إِذا فتشت عَنهُ رَأَيْت شخصا ... لَهُ فِي كل سارحة مثول)
(بِخَير عناية أجْرى إِلَيْهَا ... فأدركها وَلَيْسَ لَهُ رسيل)
(يكد بهَا غَنِي أمل قصير ... وذيل من مناصبة طَوِيل)
(وجدت أبي أَخا مَال صَحِيح ... يسف وَرَاءه وَهن عليل)
(لمعمعة على تَغْيِير سم ... كَمَا يتعظم الْفَحْل الصؤول)
(ينبهني وناظره سؤوب ... ويشحذني وخاطره كليل)
تهويني إِلَى العلياء نفس ... بهَا لَا بلات لذاتي أصُول)
(ظَفرت بمرمق عبقت شذاه ... إِلَيْهِ وأعين الرائين حول)
(وَلم أحرز عَلَيْهِ بِذَاكَ عارا ... بلَى عَار الغبينة لَا يَزُول)
(حميت مرابضي ونباح كَلْبِي ... فَمَا للركب عَن أرضي قفول)
(يجوز إِذا أردْت أسود برج ... وينفر عَن شقاشقتي الفحول)
стр. 1579
(إِذا الْملك اشرأب إِلَى ثنائي ... فعمت فرفضت مِنْهُ الشُّمُول)
(فدونك نفثة المصدور واسلم ... فَأَنت لكل مرتزق وَكيل)
(إِذا مَا الدَّهْر أيسر كل راج ... فَأَنت بنجعة الراجي كَفِيل)
(إِذا مَا عَم أهل الأَرْض طرا ... نداك فقد بدأت بِمن تعول)
(جعلت الْبشر وَالْإِحْسَان دينا ... فَمَا يَنْفَكّ ينفس أَو يسيل)
(فَأَنت لكل ذِي قُرَّة حميم ... وَأَنت لكل ذِي ود خَلِيل)
(كَأَن الأَرْض دَارك حِين تدني ... قرانا وَأَهْلهَا ركب نزُول)
(بنيت الْأَمر حَتَّى كل وَاد ... بمهبطه مبيت أَو مقيل)
(أعرت الأَرْض زينتها فجاست ... خلال رياضها الرّيح الْقبُول)
(ودان لَك الْمُلُوك فَكل دَان ... وَقاص صادر عَمَّا تَقول)
(فَأَنت الْحَاكِم الْعدْل التقي ... الْعَالم الْبر الْوُصُول)
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب فَقَالَ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن كج أجب عَنهُ ورد عَلَيْهِ فأجبت عَلَيْهِ بِهَذَا
(بإذنك أَيهَا القَاضِي الْجَلِيل ... أرد على ابْن بابك مَا يَقُول)
(وَلَوْلَا مدْخل الْمَأْثُور فِيهِ ... ورغبة شَاعِر فِيمَا تنيل)
(لما أطرقت سَمعك مِنْهُ حرفا ... رَأَيْت بِهِ إِلَيْهِ أستقيل)
(وصنتك عَن مقَالَة مستبد ... بِرَأْي لَا يساعده الْقبُول)
стр. 1580
(وَشعر أشعر الإنحاس مِنْهُ ... وخطب ضمه قَالَ وَقيل)
(فكم للقاك مِنْهُ كل يَوْم ... صداع من أَذَاهُ لَا يَزُول)
(وَكم فِيهِ قواف صادرات ... عَن الْفُقَهَاء أصدرها الذحول)
(وعذري فِي رِوَايَته جميل ... وَأَرْجُو أَن يكون لَهُ قبُول)
(ذممت طَرِيقه وَنَصَحْت فِيهِ ... فأحرج صَدره النصح الْجَمِيل)
(وشق عَلَيْهِ إِن الْحق مر ... على الْإِنْسَان مورده ثقيل)
(فطال لِسَانه فَأَفَاضَ فِيهِ ... لِأَن لِسَان مصدور طَوِيل)
(يعظم بَين أهل الشَّرْع شعرًا ... وَيَزْعُم أَنه علم جليل)
(ويمدحه ويغلو فِي هَوَاهُ ... وَيعلم أَنه فِيهِ محيل)
(لِأَن الله ذمهم جَمِيعًا ... وَأنزل فِيهِ مَا وضح الدَّلِيل)
(وَلَو كَانَ الْفَضِيلَة كَانَ مِنْهَا ... لأَفْضَل خلقه الْحَظ الجزيل)
(وَلما أَن نَهَاهُ الله عَنهُ ... علمت بِأَنَّهُ نزر قَلِيل)
(فَكيف تَسَاويا وَالْفِقْه أصل ... موثق من معاقده الْأُصُول)
(بِهِ عبد الْإِلَه وَكَانَ فِيهِ ... صَلَاح الْكل وَالدّين الْأَصِيل)
(إِذا عدل الْمُكَلف عَنهُ يَوْمًا ... أضلّ طَرِيقه ذَاك الْعُدُول)
(وَإِن لزم الْحفاظ عَلَيْهِ أولي ... نعيما مَا لآخره أفول)
(كفى الْفُقَهَاء أَنهم هداة ... وأعلام كَمَا كَانَ الرَّسُول)
(مدَار الدّين وَالدُّنْيَا عَلَيْهِم ... وَفرض النَّاس قَوْلهم الْمَقُول)
(وَأما الشّعْر مدح أَو هجاء ... وَأعظم مَا يُرَاد بِهِ الفضول)
следующие страницы →