Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
(لَا تغترر بشباب آنق خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شُبَّان)
وَيَا أَخا الشيب لَو ناصحت نَفسك لم ... يكن لمثلك فِي اللَّذَّات إمعان) هَب الشبيبة تملى عذر صَاحبهَا ... مَا عذر شيب ليستهويه شَيْطَان)
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن البُخَارِيّ إجَازَة أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ إجَازَة أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن نَاصِر إجَازَة أخبرنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار ابْن أَحْمد الصَّيْرَفِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا القَاضِي الإِمَام أَبُو الطّيب طَاهِر ابْن عبد الله بن طَاهِر الطَّبَرِيّ كَانَ ابْن بابك الشَّاعِر دخل الدينور وَكَانَ يتفقه عِنْد أبي الْحُسَيْن الْقطَّان مَعَ القَاضِي أبي الْقَاسِم بن كج فِي مجْلِس أبي الْحُسَيْن الْقطَّان فَعَاتَبَهُ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن كج على ترك الْفِقْه واشتغاله بالأدب وَقَالَ لَهُ والدك يَحُثُّك على الْفِقْه وَيُحِبهُ فَتركت مَا كَانَ أَبوك يختاره واشتغلت بِغَيْرِهِ فَعمِلت قصيدة سَأَلَني إنشادها فِي مَجْلِسه عَلَيْهِ
(أناها أَيهَا القَاضِي الْجَلِيل ... فقد كشف التَّأَمُّل مَا أَقُول)
(رَأَيْت الشَّرْع مسموعا مؤدى ... تناقله البصائر والعقول)
(تحلى الشّرْب من سوم المبادي ... عَلَيْهِ لكل مُجْتَهد دَلِيل)
(ترَاض لَهُ القرائح وَهِي شوس ... وتدركه العرائد وَهِي ميل)
(إِذا استفتيت فِيهِ وَأَنت صدر ... يقلدك الورى فِيمَا تَقول)
стр. 1577
(أحلّت على نُصُوص واضحات ... أَتَاك بهَا كتاب أَو رَسُول)
(ونظم الشّعْر مُمْتَنع الدَّوَاعِي ... فَلَيْسَ إِلَى مضايقه وُصُول)
(إِذا التَّنْزِيل أشكل مِنْهُ لفظ ... فشاهد ذَلِك الشّعْر الْمَقُول)
(ينَال بِهِ الْغنى طورا وطورا ... ينَال بِهِ الطوائل وَالدُّخُول)
(تسالمه الْمُلُوك وتتقيه ... وَذَاكَ لعمرك الْخطب الْجَلِيل)
(فلولا الْحَمد مَا زكتْ الأيادي ... وَلَوْلَا الذَّم مَا عرف الْبَخِيل)
(وَقد ذكر امْرأ الْقَيْس بن حجر ... فأسهب فِي مناقبه الرَّسُول)
(وَحمله لِوَاء الشّعْر حَتَّى ... تجاذب عَن عقيرته الحمول
(وَأخْبر أَن فِي التِّبْيَان سحرًا ... وَتلك شَهَادَة لَا تستحيل)
(وَقد مدح النَّبِي بِهن حَتَّى ... جرى فِي مَاء بهجته الْقبُول)
(بِشعر يسترق بِهِ الغواني ... وتعبث فِي مناسبه الشُّمُول)
(وَمَا أسرى إِلَى الْأَعْدَاء إِلَّا ... تقدمه من الشُّعَرَاء جيل)
(فلولا الشّعْر مَا عز ابْن أُنْثَى ... إِلَى مجد وَلَا وسم الذَّلِيل)
(وَلَا انتمت الرِّيَاح إِلَى قراها ... وَلَا انتسبت إِلَى الْعتْق الْخُيُول)
(وَلَا وصف الكمي إِذا تَلَوت ... عجاجته وَلَا ندب الْقَتِيل)
(إِذا كرم الْفَتى أَو عز بَأْسا ... فبالتقريظ ينعم أَو يديل)
(وَمَا يعصون عَن ذل وَلَكِن ... جبال الثَّلج تجرفها السُّيُول)
(وَيملك أنفس العظماء قهرا ... ويملكنا الرَّحِيق السلسبيل)
стр. 1578
(يصانع بالصواهل والغواني ... ويبرز عِنْد ذِي الصل الجزيل)
(فَزَاد الشَّاعِر النعم الصوافي ... وَزَاد الْعَالم الصَّبْر الْجَمِيل)
(وَإِن تكن الْقِيَامَة وعد قوم ... فللعثرات يَوْمئِذٍ مقيل)
(فقصرك لَا تطل عيب ابْن ود ... رماك بِطيبَة الْبَرْق الْمُحِيل)
(إِذا فتشت عَنهُ رَأَيْت شخصا ... لَهُ فِي كل سارحة مثول)
(بِخَير عناية أجْرى إِلَيْهَا ... فأدركها وَلَيْسَ لَهُ رسيل)
(يكد بهَا غَنِي أمل قصير ... وذيل من مناصبة طَوِيل)
(وجدت أبي أَخا مَال صَحِيح ... يسف وَرَاءه وَهن عليل)
(لمعمعة على تَغْيِير سم ... كَمَا يتعظم الْفَحْل الصؤول)
(ينبهني وناظره سؤوب ... ويشحذني وخاطره كليل)
تهويني إِلَى العلياء نفس ... بهَا لَا بلات لذاتي أصُول)
(ظَفرت بمرمق عبقت شذاه ... إِلَيْهِ وأعين الرائين حول)
(وَلم أحرز عَلَيْهِ بِذَاكَ عارا ... بلَى عَار الغبينة لَا يَزُول)
(حميت مرابضي ونباح كَلْبِي ... فَمَا للركب عَن أرضي قفول)
(يجوز إِذا أردْت أسود برج ... وينفر عَن شقاشقتي الفحول)
стр. 1579
(إِذا الْملك اشرأب إِلَى ثنائي ... فعمت فرفضت مِنْهُ الشُّمُول)
(فدونك نفثة المصدور واسلم ... فَأَنت لكل مرتزق وَكيل)
(إِذا مَا الدَّهْر أيسر كل راج ... فَأَنت بنجعة الراجي كَفِيل)
(إِذا مَا عَم أهل الأَرْض طرا ... نداك فقد بدأت بِمن تعول)
(جعلت الْبشر وَالْإِحْسَان دينا ... فَمَا يَنْفَكّ ينفس أَو يسيل)
(فَأَنت لكل ذِي قُرَّة حميم ... وَأَنت لكل ذِي ود خَلِيل)
(كَأَن الأَرْض دَارك حِين تدني ... قرانا وَأَهْلهَا ركب نزُول)
(بنيت الْأَمر حَتَّى كل وَاد ... بمهبطه مبيت أَو مقيل)
(أعرت الأَرْض زينتها فجاست ... خلال رياضها الرّيح الْقبُول)
(ودان لَك الْمُلُوك فَكل دَان ... وَقاص صادر عَمَّا تَقول)
(فَأَنت الْحَاكِم الْعدْل التقي ... الْعَالم الْبر الْوُصُول)
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب فَقَالَ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن كج أجب عَنهُ ورد عَلَيْهِ فأجبت عَلَيْهِ بِهَذَا
(بإذنك أَيهَا القَاضِي الْجَلِيل ... أرد على ابْن بابك مَا يَقُول)
(وَلَوْلَا مدْخل الْمَأْثُور فِيهِ ... ورغبة شَاعِر فِيمَا تنيل)
(لما أطرقت سَمعك مِنْهُ حرفا ... رَأَيْت بِهِ إِلَيْهِ أستقيل)
(وصنتك عَن مقَالَة مستبد ... بِرَأْي لَا يساعده الْقبُول)
стр. 1580
(وَشعر أشعر الإنحاس مِنْهُ ... وخطب ضمه قَالَ وَقيل)
(فكم للقاك مِنْهُ كل يَوْم ... صداع من أَذَاهُ لَا يَزُول)
(وَكم فِيهِ قواف صادرات ... عَن الْفُقَهَاء أصدرها الذحول)
(وعذري فِي رِوَايَته جميل ... وَأَرْجُو أَن يكون لَهُ قبُول)
(ذممت طَرِيقه وَنَصَحْت فِيهِ ... فأحرج صَدره النصح الْجَمِيل)
(وشق عَلَيْهِ إِن الْحق مر ... على الْإِنْسَان مورده ثقيل)
(فطال لِسَانه فَأَفَاضَ فِيهِ ... لِأَن لِسَان مصدور طَوِيل)
(يعظم بَين أهل الشَّرْع شعرًا ... وَيَزْعُم أَنه علم جليل)
(ويمدحه ويغلو فِي هَوَاهُ ... وَيعلم أَنه فِيهِ محيل)
(لِأَن الله ذمهم جَمِيعًا ... وَأنزل فِيهِ مَا وضح الدَّلِيل)
(وَلَو كَانَ الْفَضِيلَة كَانَ مِنْهَا ... لأَفْضَل خلقه الْحَظ الجزيل)
(وَلما أَن نَهَاهُ الله عَنهُ ... علمت بِأَنَّهُ نزر قَلِيل)
(فَكيف تَسَاويا وَالْفِقْه أصل ... موثق من معاقده الْأُصُول)
(بِهِ عبد الْإِلَه وَكَانَ فِيهِ ... صَلَاح الْكل وَالدّين الْأَصِيل)
(إِذا عدل الْمُكَلف عَنهُ يَوْمًا ... أضلّ طَرِيقه ذَاك الْعُدُول)
(وَإِن لزم الْحفاظ عَلَيْهِ أولي ... نعيما مَا لآخره أفول)
(كفى الْفُقَهَاء أَنهم هداة ... وأعلام كَمَا كَانَ الرَّسُول)
(مدَار الدّين وَالدُّنْيَا عَلَيْهِم ... وَفرض النَّاس قَوْلهم الْمَقُول)
(وَأما الشّعْر مدح أَو هجاء ... وَأعظم مَا يُرَاد بِهِ الفضول)
стр. 1581
(لذَلِك مَوضِع الشُّعَرَاء أقْصَى ... مجالسنا وموقفهم ذليل)
(كَفاهُ أَنه يهجو أَبَاهُ ... وَقد رباه وَهُوَ لَهُ سليل)
(يصول بهجوه وَيَقُول فِيهِ ... مقَالا مَا لَهُ مِنْهُ مقيل)
(وجدت أَبى أَخا مَال صَحِيح ... يسف وَرَاءه وَهن عليل)
(ينبهني وناظره متور ... ويشحذني وخاطره كليل)
(وَلَو سَمِعت بِهِ أذنا أَبِيه ... نَفَاهُ وَهُوَ وَالِده الْوُصُول)
(على أَنِّي رَأَيْت الشّعْر سهلا ... مآخذه بِلَا تَعب يطول)
(يحس إِذا اجتباه الْمَرْء طبعا ... تساوى الحبر فِيهِ والجهول)
(وَعلم الْفِقْه معتاص الْمعَانِي ... يقصر دونهَا البطل الصؤول)
(وَمن هَذَا ابْن بابك فر مِنْهُ ... وَولى فهمه وَبِه فلول)
(رأى بحرا وَلم ير منتهاه ... بعيد الْغَوْر لَيْسَ لَهُ وُصُول)
(وَلَو عاناه كَانَ الله عونا ... وَعون الله فِي هَذَا كَفِيل)
(يقرب مَا تبَاعد مِنْهُ حدا ... ويسهل من بوارقه السقيل)
(فَهَذَا عينه فِيمَا حباه ... ومدحك بغيتي فِيمَا أَقُول)
(نوالك للورى غيث هطول ... وجاهك مِنْهُم ظلّ ظَلِيل)
(عممت الْكل بالنعما فأضحوا ... يؤمك مِنْهُم جيل فجيل)
(وَسَار بعلمك الركْبَان حَتَّى ... لَهُ فِي كل نَاحيَة نزُول)
(لسَانك فِي خصومك مستطيل ... ورأيك فيهم سيف صقيل)
(إِذا ناظرتهم كَانُوا جَمِيعًا ... ثعالب بَينهَا أَسد يصول)
стр. 1582
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرتنا سِتّ الْأَهْل بنت علوان بن سعيد وَأَبُو الْحسن النوسي قَالَا أخبرنَا أَبُو الْبَهَاء عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْمَقْدِسِي أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّزَّاق بن نصر بن مُسلم النجار قِرَاءَة عَلَيْهِ غير مرّة أخبرنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن الْحسن بن الحنيفر بن عَليّ السّلمِيّ أخبرنَا القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلامَة بن جَعْفَر الْقُضَاعِي إجَازَة أخبرنَا أَبُو مُسلم مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن ابْن دُرَيْد حَدثنِي الْحسن بن خضر أَخْبرنِي رجل من أهل بَغْدَاد عَن أبي هَاشم الْمُذكر قَالَ أردْت الْبَصْرَة فَجئْت إِلَى سفينة أكتريها وفيهَا رجل وَمَعَهُ جَارِيَة فَقَالَ الرجل لَيْسَ هَا هُنَا مَوضِع فَسَأَلته أَن يحملني
مناظرة جرت بِبَغْدَاد فِي جَامع الْمَنْصُور نفعنا الله بِهِ
بَين شَيْخي الْفَرِيقَيْنِ القَاضِي أبي الطّيب وَأبي الْحسن الطَّالقَانِي قَاضِي بَلخ من أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة
سُئِلَ القَاضِي أَبُو الْحسن عَن تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث فَأجَاب بِأَن ذَلِك لَا يجزىء وَهُوَ مَذْهَبهم فَسئلَ الدَّلِيل فاستدل بِأَنَّهُ أدّى الْكَفَّارَة قبل وُجُوبهَا وَقبل وجود سَبَب وُجُوبهَا فَوَجَبَ أَلا تُجزئه كَمَا لَو أخرج كَفَّارَة الْجِمَاع بعد الصَّوْم وَقبل الْجِمَاع وَأخرج كَفَّارَة الطّيب واللباس بعد الْإِحْرَام وَقبل ارْتِكَاب أَسبَابهَا
فَكَلمهُ القَاضِي أَبُو الطّيب ناصرا جَوَاز ذَلِك كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأورد عَلَيْهِ فصلين أَحدهمَا مانعه الْوَصْف فَقَالَ لَا أسلم أَنه لم يُوجد سَبَب وجوده الْكَفَّارَة فَإِن الْيَمين عِنْدِي سَبَب فاليمينية مثبتة فِي الْحَالين على هَذَا الأَصْل
стр. 1583
وَالثَّانِي أَنه يبطل بِمَا إِذا أخرج كَفَّارَة الْقَتْل بعد الْجرْح وَقبل الْمَوْت فَإِنَّهُ أخرجهَا قبل وُجُوبهَا وَقبل وجود سَبَب وُجُوبهَا ثمَّ يُجزئهُ
أجَاب القَاضِي أَبُو الْحسن بِأَن قَالَ أَنا أدل على الْوَصْف وَيدل عَلَيْهِ أَن الْيَمين يمْنَع الْحِنْث وَمَا منع من السَّبَب الَّذِي تجب بِهِ الْكَفَّارَة لم يجز أَن يكون سَببا لوُجُوبهَا كَالصَّوْمِ وَالْإِحْرَام لما منعا السَّبَب الَّذِي تجب عِنْده الْكَفَّارَة من الْوَطْء وَغَيره لم يجز أَن يُقَال إنَّهُمَا سببان فِي إِيجَابهَا كَذَلِك هَاهُنَا مثله
فَأجَاب القَاضِي أَبُو الطّيب عَن هَذَا الْفَصْل أَيْضا وَقَالَ لَا أسلم أَن الْيَمين يمْنَع الْحِنْث فَقَالَ أَنا أدل عَلَيْهِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله ﴿واحفظوا أَيْمَانكُم﴾ وَهَذَا أَمر بِحِفْظ الْيَمين وَترك الْحِنْث وعَلى أَن الْيَمين إِنَّمَا وضعت للْمَنْع لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يقْصد بِالْيَمِينِ منع نَفسه من الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا ذكرت من الصَّوْم وَالْإِحْرَام فِي منع الْجِمَاع وَغَيره وَيدل على ذَلِك أَن الْكَفَّارَة وضعت لتغطية المآثم وتكفير الذُّنُوب وَاسْمهَا يدل على ذَلِك وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (الْحُدُود كَفَّارَات لأَهْلهَا) وَإِنَّمَا سَمَّاهَا كَفَّارَة لِأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب وتغطيها وَمَعْلُوم أَنه لَا يَأْثَم فِي نفس الْأَمر أَي فِي الْيَمين فَيحْتَاج إِلَى تَغْطِيَة لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه كَانُوا يحلفُونَ وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وَالله لأغزون قُريْشًا) وأعادها ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) وَنحن نعلم أَنه لَا يجوز فِي صفته ﷺ وَصفَة أَصْحَابه أَن يقصدوا إِلَى مَا يتَعَلَّق الْإِثْم بِهِ إِلَى الْكَفَّارَة فَثَبت أَنه لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي الْيَمين وَإِذا لم يكن فِي الْيَمين إِثْم وَجب أَن يكون مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْكَفَّارَة مَوْضُوعَة لتكفير الْإِثْم الْمُتَعَلّق
стр. 1584
بِالْحِنْثِ وَهَذَا يدل على أَنه مَمْنُوع من الْحِنْث غير أَن من جملَة الْأَيْمَان مَا نقضهَا أولى من الْوَفَاء بهَا وَذَلِكَ إِذا حلف لَا يُصَلِّي فقد ابتلى ببلاءين بَين أَن يَفِي بِيَمِينِهِ فيأثم بترك الصَّلَاة وَبَين أَن ينْقض يَمِينه فَيحنث فيأثم بالمخالفة وللمخالفة بدل يرجع إِلَيْهِ وَلَيْسَ لترك الصَّلَاة بدل يرجع إِلَيْهِ وعَلى هَذَا يدل قَوْله ﷺ (من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه) فَشرط فِي الْحِنْث أَن يكون فعله خيرا من تَركه
وَأما الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ النَّقْض فَلَا يلْزَمنِي لِأَنِّي قلت لم يُوجد سَببهَا وَهُنَاكَ قد وجد سَببهَا وَذَلِكَ أَن الْجرْح سَبَب فِي إِتْلَاف النَّفس وَهَذَا سَبَب الْإِثْم وَالْكَفَّارَة وَجَبت لتكفير الذَّنب وتغطية الْإِثْم وَالْجرْح سَبَب الْإِثْم فَإِذا وجد جَازَ إِخْرَاج الْكَفَّارَة
وَتكلم القَاضِي أَبُو الطّيب على الْفَصْل الأول فَقَالَ أما الْيَمين فَلَا يجوز أَن تكون مَانِعَة من الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَلَا يجوز أَن تكون مُغيرَة لحكمه بل إِذا كَانَ الشَّيْء مُبَاحا فَهُوَ بعد الْيَمين بَاقٍ على حكمه وَإِن كَانَ مَحْظُورًا فَهُوَ بعد الْيَمين بَاقٍ على حظره يبين صِحَة هَذَا أَنه لَو حلف أَنه لَا يشرب المَاء لم يحرم عَلَيْهِ شرب المَاء وَلم يتَغَيَّر عَن صفته فِي الْإِبَاحَة وَكَذَلِكَ لَو حلف ليقْتلن مُسلما لم يحل لَهُ قَتله وَلم يتَغَيَّر الْقَتْل عَن صفة التَّحْرِيم وَهَذَا لَا أجد فِيهِ خلافًا بَين الْمُسلمين وعَلى هَذَا يدل قَول الله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك﴾ ثمَّ قَالَ ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ فَعَاتَبَهُ الله على كل تَحْرِيم
وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله ﷺ (من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه) وَهَذَا يدل على مَا ذَكرْنَاهُ من أَن الْيَمين
стр. 1585
لَا تغير الشَّيْء عَن صفته فِي الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم وَيبين صِحَة هَذَا أَن النَّبِي ﷺ لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ كفر عَن يَمِينه وَرُوِيَ أَنه آلى من نسائة شهرا وَلم يَحْنَث فَدلَّ على أَن الْإِبَاحَة كَانَت بَاقِيَة على صفتهَا
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿واحفظوا أَيْمَانكُم﴾ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْأَمر بتقليل الْيَمين حفظا كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(قَلِيل الألايا حَافظ ليمينه ... وَإِن بدرت مِنْهُ الألية برت)
وَمَعْلُوم أَنه لم يرد حفظ الْيَمين من الْحِنْث والمخالفة لِأَن ذَلِك قد ذكره فِي المصراع الثَّانِي فَثَبت أَنه أَرَادَ بذلك التقليل
وَأما قَوْله إِن الْيَمين مَوْضُوعَة للْمَنْع فَلَا يجوز أَن تكون سَببا لما يتَعَلَّق بِهِ الْكَفَّارَة فَبَاطِل بِمَا لَو قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ قصد الْمَنْع بِهَذِهِ الْيَمين من الدُّخُول ثمَّ هِيَ سَبَب فِيمَا يتَعَلَّق بهَا من الطَّلَاق وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة لَو شهد شَاهِدَانِ على رجل أَنه قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا فَأَنت طَالِق وَشهد آخرَانِ أَنَّهَا دخلت الدَّار ثمَّ رجعُوا عَن الشَّهَادَة إِن الضَّمَان يجب على شُهُود الْيَمين وَهَذَا دَلِيل وَاضح على أَن الْيَمين هُوَ السَّبَب لِأَنَّهَا لَو لم تكن سَببا فِي إِيقَاع الطَّلَاق لما تعلق الضَّمَان عَلَيْهِم فَلَمَّا أوجب الضَّمَان على شُهُود الْيَمين علم أَن الْيَمين كَانَت سَببا فِي إِتْلَاف الْبضْع وإيقاع الطَّلَاق فَانْتقضَ مَا ذكرت من الدَّلِيل
وَأما قَوْلك إِن الْكَفَّارَة مَوْضُوعَة لتغطية المآثم وَرفع الْجنَاح فَلَا يَصح وَكَيف يُقَال إِنَّهَا تجب لهَذَا الْمَعْنى وَنحن نوجبها على قَاتل الْخَطَأ مَعَ علمنَا أَنه لَا إِثْم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ تجب على الْيَمين وَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَأما النَّقْض فلازم وَذَلِكَ أَن الْجرْح لَا يجوز أَن يكون سَببا لإِيجَاب الْكَفَّارَة وَإِنَّمَا السَّبَب فِي إِيجَابهَا فَوَات الرّوح وَالَّذِي يبين صِحَة
стр. 1586
هَذَا هُوَ أَنه لَو جرحه ألف جِرَاحَة فاندملت لم تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فَثَبت أَن الْكَفَّارَة تتَعَلَّق بِالْقَتْلِ وَأَن الْجرْح لَيْسَ بِسَبَب وَلَا جُزْء من السَّبَب ثمَّ جَوَّزنَا إِخْرَاج الْكَفَّارَة فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ
فَأجَاب القَاضِي أَبُو الْحسن الطَّالقَانِي عَن الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ أما قَول القَاضِي الإِمَام أدام الله تأييده إِن الْيَمين لَا يُغير الشَّيْء عَن صفته فِي الْإِبَاحَة بل يبْقى الشَّيْء بعد الْيَمين على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْيَمين فَهُوَ كَمَا قَالَ وَالْيَمِين لَا تثبت تَحْرِيمًا فِيمَا لَا يحرم وَلكنهَا لَا توجب منعا وَالشَّيْء تَارَة يكون الْمَنْع مِنْهُ لتَحْرِيم عينه كَمَا نقُول فِي الْخمر وَالْخِنْزِير إِنَّه يمْتَنع بيعهمَا لتَحْرِيم أعيانهما وَتارَة يمْتَنع مِنْهُ لِمَعْنى فِي غَيره كَمَا يمْنَع من أكل مَال الْغَيْر بِحَق مَاله لِأَن الشَّيْء فِي نَفسه غير محرم فَكَذَلِك هَاهُنَا
فداخله القَاضِي أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْفَصْل فَقَالَ فَيجب أَن نقُول إِنَّه يَأْثَم بِشرب المَاء كَمَا يَأْثَم بتناول مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه
فَقَالَ هَكَذَا أَقُول إِنَّه يَأْثَم بشربه كَمَا يَأْثَم بتناول الْغَيْر
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم﴾ فَهُوَ الْحجَّة عَلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنه حرمهَا على نَفسه وَهَذَا يدل على إِثْبَات التَّحْرِيم وَمَا ذَكرْنَاهُ من تَأْوِيل الْآيَة وَحملهَا على تقليل الْيَمين وَتركهَا فَهُوَ خلاف الظَّاهِر وَذَلِكَ أَن الْآيَة تَقْتَضِي حفظ يَمِين مَوْجُودَة وَإِذا حملناها على مَا ذكر من ترك الْيَمين كَانَ ذَلِك حفظا لِمَعْنى غير مَوْجُود فَلَا يكون ذَلِك حملا للفظ على غير ظَاهره وَحَقِيقَته ومراعاة الظَّاهِر والحقيقة أولى
стр. 1587
وَأما الشّعْر فَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن الْحِفْظ هُنَاكَ أَرَادَ بِهِ الْحِفْظ من الْحِنْث والمخالفة
وَقَوله إِن الْحِفْظ من الْمُخَالفَة والحنث قد علم من آخر الْبَيْت لَا يَصح لِأَنَّهُ إِذا حمله على تقليل الْيَمين حمل أَيْضا على مَا علم من أول الْبَيْت لِأَنَّهُ قَالَ قَلِيل الألايا فقد تساوينا فِي الِاحْتِجَاج بِالْبَيْتِ واشتركنا فِي الاستشهاد بِهِ على مَا يَدعِيهِ كل وَاحِد منا من المُرَاد بِهِ
وَأما الدَّلِيل الثَّانِي الَّذِي ذكرته فَهُوَ صَحِيح وَقَوله إِن هَذَا يبطل بِمَسْأَلَة الْيَمين فِي الطَّلَاق فَلَا يلْزم وَذَلِكَ أَن السَّبَب هُنَاكَ هُوَ الْيَمين لِأَن الطَّلَاق بِهِ يَقع أَلا ترى أَنه يفصح فِي الْيَمين بإيقاع الطَّلَاق فَيَقُول إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَإِنَّمَا دخل الشَّرْط لتأخير الْإِيقَاع لَا لتغييره وَلذَلِك قَالُوا الشَّرْط يُؤَخر وَلَا يُغير فحين كَانَ الطَّلَاق وَاقعا بِالْيَمِينِ كَانَت هِيَ السَّبَب فَكَانَ الضَّمَان على شهودها لِأَن الْإِيقَاع حصل بِشَهَادَتِهِم وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فاليمين لَيْسَ فِي لَفظهَا مَا يُوجب الْكَفَّارَة فَلم يجز أَن تكون سَببا فِي إِيجَابهَا
وَأما الدَّلِيل الثَّالِث الذى ذكرته من كَون الْكَفَّارَة مَوْضُوعَة لتكفير الذَّنب فَصَحِيح
وَمَا ذكرته من أَن الْكَفَّارَة تجب مَعَ عدم المأثم وَهُوَ فِي قتل الْخَطَأ وَيجب فِي الْيَمين على الناسى وَالْمكْره وَعِنْدنَا لَا إِثْم على وَاحِد مِنْهُم فَلَا يَصح وَذَلِكَ أَن فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَا وَجَبت إِلَّا لضرب من التَّفْرِيط وَذَلِكَ أَن الخاطىء هُوَ الَّذِي يَرْمِي إِلَى غَرَض فَيُصِيب رجلا فيقتله أَو يَرْمِي رجلا مُشْركًا ثمَّ يتَبَيَّن أَنه كَانَ مُسلما فَتجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة
стр. 1588
لِأَنَّهُ قد اجترأ عَلَيْهِ بظنه فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَترك التَّحَرُّز فِي الرَّمْي وَإِذا أصَاب مُسلما فَقتله علمنَا أَنه فرط وَترك الِاسْتِظْهَار فِي الرَّمْي فَكَانَ إِيجَاب الْكَفَّارَة لما حصل من جِهَته من التَّفْرِيط وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي كَفَّارَة قتل الْخَطَأ ﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله﴾ وَهَذَا يدل على أَن كَفَّارَة قتل الْخَطَأ على وَجه التَّطْهِير وَالتَّوْبَة
وَأما الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ النَّقْض فَلَا يلْزم وَذَلِكَ أَن الْجرْح هُوَ السَّبَب فِي فَوَات الرّوح وَإِذا وجد الْجرْح وسرى إِلَى النَّفس اسْتندَ فَوَات الرّوح إِلَى ذَلِك الْجرْح فَصَارَ قَاتلا بِهِ فَيكون الْجرْح سَبَب إِيجَاب الْكَفَّارَة
وَتكلم القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ على الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ قد ثَبت أَن الْيَمين لَا يجوز أَن يُغير صفة الْمَحْلُوف عَلَيْهِ
ودللت عَلَيْهِ بِمَا ذكرت
وَلنَا قَوْلك إِنَّمَا يُوجب الْمَنْع من فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَإِذا فعل فَكَأَنَّهُ أَثم فَكَأَنِّي أدلك فِي هَذَا الْإِجْمَاع وَذَلِكَ أَنِّي لَا أعلم خلافًا للأئمة أَنه إِذا حلف لَا يشرب المَاء أَو لَا يَأْكُل الْخبز أَنه يجوز الْإِقْدَام وَأَنه لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَهَذَا الْقدر مِنْهُ فِيهِ كِفَايَة وَالَّذِي يبين فَسَاد هَذَا وَأَنه لَا يجوز أَن يكون فِيهِ إِثْم هُوَ أَن النَّبِي ﷺ آلى من نِسَائِهِ وَكفر عَن يَمِينه وَلَا يجوز أَن ينْسب للنَّبِي ﷺ أَنه فعل مَا أَثم عَلَيْهِ
وَأما الْآيَة الَّتِي اسْتدلَّ بهَا فقد ثَبت تَأْوِيلهَا وَأَن المُرَاد بهَا ترك الْيَمين
وَقَوله إِن هَذَا يَقْتَضِي حفظ يَمِين مَوْجُودَة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يسْتَعْمل ذَلِك فِيمَا لَيْسَ بموجود أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ احفظ لسَانك وَالْمرَاد بِهِ احفظ كلامك
стр. 1589
وَالْكَلَام لَيْسَ مَوْجُودا وَالدَّلِيل على أَنهم يُرِيدُونَ بِهِ احفظ كلامك قَول الشَّاعِر
(احفظ لسَانك لَا تَقول فتبتلى ... إِن الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق)
وَالَّذِي يدل على صِحَّته مَا ذكرت من الشّعْر وَهُوَ قَوْله
(قَلِيل الألايا حَافظ ليمينه ... )
وقولك فِي ذَلِك أَرَادَ بِهِ حفظ الْيَمين من الْحِنْث والمخالفة فقد ثَبت أَن ذَلِك قد بَينه فِي آخر الْبَيْت بقوله
(وَإِن بدرت مِنْهُ الألية برت ... )
فَلَا يجوز حمل اللَّفْظ على التّكْرَار إِذا أمكن حمله على غير التّكْرَار
وقولك إِن مثل هَذَا يلزمك فِي تأويلك فَلَا يَصح لِأَن قَوْله
(قَلِيل الألايا حَافظ ليمينه ... )
جملَة وَاحِدَة وَالْمرَاد بِهِ معنى وَاحِد وَالثَّانِي مِنْهُمَا يُفَسر الأول وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنه لم يعْطف أَحدهمَا على الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك مَا ذكرت من الدَّلِيل فِي المصراع الثَّانِي لِأَن هُنَاكَ اسْتَأْنف الْكَلَام وَعطف على مَا قبله بِالْوَاو فَدلَّ على أَن المُرَاد بِهِ معنى غير الأول وَهُوَ الْحِفْظ من الْحِنْث والمخالفة فَلَا يتساوى فِي الِاحْتِجَاج بِالْبَيْتِ
وَمَا ذكرت من الدَّلِيل الثَّانِي أَن الْيَمين قد يمْنَع الْحِنْث فقد نقضته بِالْيَمِينِ بِالطَّلَاق الْمُعَلق على دُخُول الدَّار وَهُوَ نقض لَازم وَذَلِكَ أَن وُقُوع الطَّلَاق يُوجب الْحِنْث
стр. 1590
كالكفارة من جِهَة الْحِنْث فَإِذا كَانَ الطَّلَاق الْوَاقِع بِالْحِنْثِ يسْتَند إِلَى الْيَمين فَيجب مَا يتَعَلَّق بِهِ من الضَّمَان على شُهُود الْيَمين بِحَيْثُ دلك أَن تكون الْكَفَّارَة الْوَاجِبَة بِالْحِنْثِ تستند إِلَى الْيَمين فَيتَعَلَّق وُجُوبهَا بهَا فَيكون الْيَمين والحنث بِمَنْزِلَة الْحول والنصاب حَيْثُ كَانَا سببين فِي إِيجَاب الزَّكَاة إِذا وجد أَحدهمَا حَال إِخْرَاج الزَّكَاة قبل وجود السَّبَب الآخر
وَأما انفصالك عَنهُ بِأَن الطَّلَاق مفصح بِهِ فِي لفظ الْيَمين فَكَانَ وَاقعا وَإِنَّمَا دخل الشَّرْط لتأخير مَا أوقعه بِالْيَمِينِ فَلَا يَصح وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ الطَّلَاق مفصحا بِهِ فِي لفظ الْحَالِف فالكفارة فِي مَسْأَلَتنَا مضمنة فِي الْيَمين بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ أَن الشَّرْع علق الْكَفَّارَة على مَا علق الْحَالِف بِالطَّلَاق الطَّلَاق عَلَيْهِ فِيمَا علق بِهِ الطَّلَاق بالتزامه وعقده فَوَجَبَ أَن تتَعَلَّق بِهِ الْكَفَّارَة فِي الشَّرْع فِي الْيَمين بِاللَّه
فداخله القَاضِي أَبُو الْحسن بِأَن قَالَ من أَصْحَابنَا من قَالَ إِن الزَّكَاة تجب بالنصاب والحول تَأْجِيل والحقوق المؤجلة يجوز تَعْجِيلهَا كالديون المؤجلة
فَقَالَ لَهُ القَاضِي أَبُو الطّيب هَذَا لَا يَصح وَذَلِكَ أَن الزَّكَاة لَو كَانَت وَاجِبَة بالنصاب وَكَانَ الْحول تأجيلا لَهَا لوَجَبَ إِذا ملك أَرْبَعِينَ شَاة فَعجل مِنْهَا شَاة قبل الْحول وَبَقِي المَال نَاقِصا إِلَى آخر الْحول أَن يُجزئهُ لِأَن النّصاب كَانَ مَوْجُودا حَال الْوُجُوب وَلما قُلْتُمْ إِذا حَال الْحول وَالْمَال بَاقٍ على نقصانه عَن النّصاب أَنه لَا يُجزئهُ وجعلتم الْعلَّة فِيهِ أَنه إِذا جَاءَ وَقت الْوُجُوب وَلَيْسَ عِنْده نِصَاب دلّ على أَن الْوُجُوب عِنْد حُلُول الْحول لَا ملك النّصاب
стр. 1591
وَأما دليلك الثَّالِث على هَذَا الْفَصْل فقد بَينا بُطْلَانه بِمَا ذَكرْنَاهُ من أَن الخاطىء وَالنَّاسِي
وقولك إِن الخاطىء أَيْضا مَا وَجب عَلَيْهِ إِلَّا لضرب من التَّفْرِيط حصل من جِهَته فَلَا يَصح لِأَنِّي ألزمك مَا لَا تَفْرِيط فِيهِ وَهُوَ الرجل إِذا رمى وسدد الرَّمْي وَرمى وَعرضت لَهُ ريح فعدلت بِالسَّهْمِ إِلَى رجل فَقتلته أَو رمى إِلَى دَار الْحَرْب فَأصَاب مُسلما فَإِن الرَّمْي مُبَاح مُطلق وَالدَّار دَار مُبَاحَة وَلِهَذَا يجوز مباغتتهم لَيْلًا وَنصب المنجنيق عَلَيْهِم وَلَا يلْزم التحفظ مَعَ إِبَاحَة الرَّمْي على الْإِطْلَاق ثمَّ أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فَدلَّ على أَنه لَيْسَ طَرِيق إيجابنا الْكَفَّارَة مَا ذَكرُوهُ من الْإِثْم
ويدلك على ذَلِك أَن النَّاسِي لَيْسَ من جِهَته تَفْرِيط وَلَا إِثْم وَكَذَلِكَ من استكره عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (عَفا الله لأمتي عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) ثمَّ أوجب عَلَيْهِم الْكَفَّارَة
فَدلَّ هَذَا كُله على مَا ذكرت
على أَنه لَا اعْتِبَار فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة بالإثم والتفريط وَيبين صِحَة هَذَا لَو حلف لَا يُطِيع الله تَعَالَى أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْحِنْث والمخالفة وألزمناه الْكَفَّارَة وَمن الْمحَال أَن تكون الْكَفَّارَة وَاجِبَة للإثم وتغطية الذَّنب ثمَّ نوجبها فِي الْموضع الَّذِي نوجب عَلَيْهِ أَن يَحْنَث وَأما النَّقْض فَلم يجز فِيهِ أَكثر مِمَّا تقدم
стр. 1592
فَأجَاب القَاضِي أَبُو الْحسن الطَّالقَانِي عَن الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ أما ادِّعَاء الْإِجْمَاع فَلَا يَصح لِأَن أَصْحَابنَا كلهم مخالفون وَلَا نَعْرِف إِجْمَاعًا دونهم
وَأما تَأْوِيل الْآيَة على ترك الْيَمين فَهُوَ مجَاز لِأَن حفظ الْيَمين يَقْتَضِي وجود الْيَمين وَقَوْلهمْ احفظ لسَانك إِنَّمَا قَالُوهُ لأَنهم أَمرُوهُ بِحِفْظ اللِّسَان وَاللِّسَان مَوْجُود وَهَاهُنَا الْيَمين الَّتِي تأولت الْآيَة عَلَيْهَا غير مَوْجُودَة
وَمَا ذَكرُوهُ من الشّعْر فقد ذكرت أَنه مُشْتَرك الِاحْتِجَاج
وَمَا ذَكرُوهُ من الْعَطف فَلَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز الْجمع بِالْوَاو كَمَا يجوز بغَيْرهَا
وَأما الدَّلِيل الثَّانِي فَلَا يلْزم عَلَيْهِ مَا ذكرت من الْيَمين بِالطَّلَاق وَذَلِكَ أَن الْإِيقَاع هُنَاكَ بِالْيَمِينِ وَلِهَذَا أفْصح بِهِ فِي لفظ الْيَمين وأفصح بِهِ شُهُود الْيَمين وَأما الدُّخُول فَهُوَ شَرط يُوجب التَّأْخِير فَإِذا وجد الشَّرْط وَقع الطَّلَاق بِالْيَمِينِ وَيكون كالموجود حكما فِي حَال الْوُقُوع وَهُوَ عِنْد الشَّرْط وَلِهَذَا علقنا الضَّمَان عَلَيْهِ وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فَإِن لفظ الْيَمين لَا يُوجب الْكَفَّارَة أَلا ترى أَنه لَو قَالَ ألف سنة وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا
لم يجب عَلَيْهِ كَفَّارَة وَإِذا لم يكن فِي لَفظه مَا يُوجب الْكَفَّارَة وَجب أَن نقف إيحابها على مَا تعلق الْمَنْع مِنْهُ وَهُوَ الْحِنْث والمخالفة
وَأما مَسْأَلَة الزَّكَاة فَلَا تصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الْوُجُوب بِملك النّصاب ثمَّ يسْقط هَذَا الْوُجُوب بِنُقْصَان النّصاب فِي آخر الْحول وَمثل هَذَا لَا يمْتَنع على أصولنا أَلا ترى أَن من صلى الظّهْر فِي بَيته صحت صلَاته فَإِذا سعى إِلَى الْجُمُعَة ارْتَفَعت
стр. 1593
وَورد عَلَيْهِ بعد الحكم بِصِحَّتِهَا مَا نقضهَا كَذَلِك فِي مَسْأَلَة الزَّكَاة لَا يمْتَنع أَن يكون مثله
وَأما الدَّلِيل الثَّالِث فَهُوَ صَحِيح وَمَا ذَكرُوهُ من تسديد الرَّمْي والرامي إِلَى دَار الْحَرْب فَلَا يلْزم وَذَلِكَ أَن القَاضِي أعزه الله إِن فرض الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع فرضت الْكَلَام فِي الْغَالِب مِنْهَا وَالْعَام وَالْغَالِب أَن الْقَتْل الَّذِي يُوجب الْكَفَّارَة لَا يكون إِلَّا بِضَرْب من التَّفْرِيط فَإِن اتّفق فِي النَّادِر من يسدد الرَّمْي وَتحفظ ثمَّ يقتل من تجب الْكَفَّارَة بقتْله فَإِن ذَلِك نَادِر والنادر من الْجُمْلَة يلْحق بِالْجُمْلَةِ اعْتِبَارا بالغالب
وَأما النَّاسِي فَفِي حَقه ضرب من التَّفْرِيط وَهُوَ ترك الْحِفْظ لِأَنَّهُ كَانَ من سَبيله أَن يتحفظ فَلَا ينسى فَحَيْثُ لم يفعل ذَلِك حَتَّى نسي فَقتل أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة تَطْهِيرا لَهُ على أَنه قد قيل إِنَّه كَانَ فِي شرع من قبلنَا حكم النَّاسِي والعامد والنائم سَوَاء فرحم الله هَذِه الْأمة ببركة النَّبِي ﷺ وَرفع المأثم عَن النَّاسِي وَأوجب الْكَفَّارَة عَلَيْهِ بَدَلا عَن الْإِثْم فَلَا يجوز أَن تكون الْكَفَّارَة مَوْضُوعَة لرفع المأثم
وَأما قَوْله إِنَّه لَو حلف أَن لَا يُطِيع الله فَإنَّا نأمره بِالْحِنْثِ فَلَا يجوز أَن نأمره ثمَّ نوجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة على وَجه تَكْفِير الذَّنب فَلَا يَصح لِأَنِّي قد قدمت فِي صدر الْمَسْأَلَة من الْكَلَام مَا فِيهِ جَوَاب عَن هَذَا وَذَلِكَ أَن الْكَفَّارَة تجب لتكفير المأثم غير أَنه قد يكون من الْأَيْمَان مَا نقضهَا أولى من الْوَفَاء بهَا وَذَلِكَ أَن يحلف على مَا لَا يجوز من الْكفْر وَقتل الْوَالِدين وَغير ذَلِك من الْمعاصِي فَيكون الْأَفْضَل ارْتِكَاب أدنى الْأَمريْنِ وَهُوَ الْحِنْث والمخالفة لِأَنَّهُ يرجع من هَذَا الْإِثْم إِلَى مَا يكفره وَلَا يرجع فِي الآخر إِلَى مَا يكفره فَيجْعَل ارْتِكَاب الْحِنْث أولى لما فِي الارتكاب من الْإِثْم
стр. 1594
المغلظ وَالْعَذَاب الشَّديد وعَلى هَذَا قَوْله ﷺ (من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه)
مناظرة أُخْرَى بَين أبي الْحُسَيْن الْقَدُورِيّ من الْحَنَفِيَّة وَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ
اسْتدلَّ الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن الْقَدُورِيّ الْحَنَفِيّ فِي المختلعة أَنه يلْحقهَا الطَّلَاق بِأَنَّهَا مُعْتَدَّة من طَلَاق فَجَاز أَن يلْحقهَا مَا بَقِي من عدد الطَّلَاق كالرجعية
فَكَلمهُ القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي وَأورد عَلَيْهِ فصلين أَحدهمَا أَنه قَالَ لَا تَأْثِير لِقَوْلِك مُعْتَدَّة من طَلَاق لِأَن الزَّوْجَة لَيست بمعتدة ويلحقها الطَّلَاق فَإِذا كَانَت الْمُعْتَدَّة وَالزَّوْجَة الَّتِي لَيست بمعتدة فِي لحاق الطَّلَاق سَوَاء ثَبت أَن قَوْلك الْمُعْتَدَّة
لَا تَأْثِير لَهُ وَلَا يتَعَلَّق الحكم بِهِ وَيكون تَعْلِيق الحكم على كَونهَا مُعْتَدَّة كتعليقه على كَونه متظاهرا مِنْهَا وموليا عَنْهَا وَلما لم يَصح تَعْلِيق طَلاقهَا على الْعدة كَانَ حَال الْعدة وَمَا قبلهَا سَوَاء وَمن زعم أَن الحكم يتَعَلَّق بذلك كَانَ مُحْتَاجا إِلَى دَلِيل يدل على تَعْلِيق الحكم بِهِ
وَأما الْفَصْل الثَّانِي فَإِن فِي الأَصْل أَنَّهَا زَوْجَة وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنه يستبيح وَطأهَا من غير عقد جَدِيد فَجَاز أَن يلْحقهَا مَا بَقِي من عدد الطَّلَاق
وَفِي مَسْأَلَتنَا هَذِه لَيست بِزَوْجَة بِدَلِيل أَنه لَا يستبيح وَطأهَا من غير عقد جَدِيد فَهِيَ كالمطلقة قبل الدُّخُول
تكلم الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن على الْفَصْل الأول بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه قَالَ لَا يَخْلُو القَاضِي أيده الله تَعَالَى فِي هَذَا الْفَصْل من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون مطالبا بتصحيح الْعلَّة وَالدّلَالَة على صِحَّتهَا فَأَنا ألتزم بذلك وأدل لصِحَّته وَلكنه مُحْتَاج أَلا يخرج الْمُطَالبَة بتصحيح الْعلَّة وَالدّلَالَة على صِحَّتهَا مخرج الْمُعْتَرض عَلَيْهَا بِعَدَمِ التَّأْثِير أَو
стр. 1595
يعْتَرض عَلَيْهَا بالإفساد من جِهَة عدم التَّأْثِير فَإِذا كَانَ الْإِلْزَام على هَذَا الْوَجْه لم يلْزم لِأَن أَكثر مَا فِي ذَلِك أَن هَذِه الْعلَّة لم تعم جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي يثبت فِيهَا الطَّلَاق وَأَن الحكم يجوز أَن يثبت فِي مَوضِع مَعَ عدم هَذِه الْعلَّة وَهَذَا لَا يجوز أَن يكون قادحا فِي الْعلَّة مُفْسِدا لَهَا يبين صِحَة هَذَا أَن عِلّة الرِّبَا الَّتِي يضْرب بهَا الْأَمْثَال فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لَا تعم جَمِيع المعلولات لأَنا نجْعَل الْعلَّة فِي الْأَعْيَان الْأَرْبَعَة الْكَيْل مَعَ الْجِنْس ثمَّ نثبت الرِّبَا فِي الْأَثْمَان مَعَ عدم هَذِه الْعلَّة وَلم يقل أحد مِمَّن ذهب إِلَى أَن عِلّة الرِّبَا معنى وَاحِد إِن علتكم لَا تعم جَمِيع المعلولات وَلَا تتَنَاوَل جَمِيع الْأَعْيَان الَّتِي يتَعَلَّق بهَا تَحْرِيم التَّفَاضُل فَيجب أَن يكون ذَلِك مُوجبا لفسادها فَإِذا جَازَ لنا بالِاتِّفَاقِ منا ومنكم أَن نعلل الْأَعْيَان السِّتَّة بعلتين يُوجد الحكم مَعَ وجود كل وَاحِد مِنْهُمَا وَمَعَ عدمهما وَلم يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ لنا إِن هَذِه الْعِلَل لَا تعم جَمِيع الْمَوَاضِع فَوَجَبَ أَن يكون قَاعِدَة وَجب أَن يكون فِي مَسْأَلَتنَا مثله
وَمَا أجَاب بِهِ القَاضِي الْجَلِيل عَن قَول هَذَا الْقَائِل فَهُوَ الَّذِي نجيب بِهِ عَن السُّؤَال الَّذِي ذكره وَأَيْضًا فَإِنِّي أدل على صِحَة الْعلَّة
وَالَّذِي يدل على صِحَّتهَا أننا أجمعنا على أَن الْأُصُول كلهَا معللة بعلل وَقد اتفقنا على أَن هَذَا الأَصْل الَّذِي هُوَ الرَّجْعِيَّة مُعَلل أَيْضا غير أننا اخْتَلَفْنَا فِي عينهَا فقلتم أَنْتُم إِن الْعلَّة فِيهَا بَقَاء الزَّوْجِيَّة
وَقُلْنَا الْعلَّة وجود الْعدة من طَلَاق وَمَعْلُوم أننا إِذا عللناه بِمَا ذكرْتُمْ من الزَّوْجِيَّة لم يَتَعَدَّ وَإِذا عللناه بِمَا ذكرته من الْعلَّة تعدت إِلَى المختلعة فَيجب أَن تكون الْعلَّة هِيَ المتعدية دون الْأُخْرَى
وَأما معارضتك فِي الأَصْل فَهِيَ عِلّة مدعاة وَيحْتَاج أَن يدل على صِحَّتهَا كَمَا طالبتني بِالدّلَالَةِ على صِحَة علتي
стр. 1596
وَأما منع الْفَرْع فَلَا نسلم أَنَّهَا زَوْجَة فَإِن الطَّلَاق وضع لحل العقد وَمَا وضع للْحلّ إِذا وجد ارْتَفع العقد كَمَا قُلْنَا فِي فسخ سَائِر الْعُقُود
وَتكلم القَاضِي أَبُو الطّيب على الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ قصدي بِمَا أوردتك من الْمُطَالبَة بتصحيح الْوَصْف والمطالبة فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ من جِهَة الشَّرْع وَأَن الحكم تَابع لَهُ غير أَنِّي كشفت عَن طَرِيق الشَّرْع لَهُ وَقلت لَهُ إِذا كَانَ الحكم يثبت مَعَ وجود هَذِه الْعلَّة وَيثبت مَعَ عدمهَا لم يكن ذَلِك عِلّة فِي الظَّاهِر إِلَّا أَن يدل الدَّلِيل على أَن هَذَا الْوَصْف مُؤثر فِي إِثْبَات هَذَا الحكم فِي الشَّرْع فَحِينَئِذٍ يجوز أَن يعلق الحكم عَلَيْهِ وَمَتى لم يدل الدَّلِيل على ذَلِك وَكَانَ الحكم ثَابتا مَعَ وجوده وَمَعَ علته وَلَيْسَ مَعَه مَا يدل على صِحَة اعْتِبَاره دلّ على أَنه لَيْسَ بعلة
وَأما مَا ذكره الشَّيْخ الْجَلِيل من عِلّة الرِّبَا وَقَوله إِنَّهَا أحد الْعِلَل فَلَيْسَ كَذَلِك بل هِيَ وَغَيرهَا من مَعَاني الْأُصُول سَوَاء فَلَا معنى لهَذَا الْكَلَام وَهُوَ حجَّة عَلَيْك وَذَلِكَ أَن النَّاس لما اخْتلفُوا فِي تِلْكَ الْعِلَل وَادعت كل طَائِفَة معنى طلبُوا مَا يدل على صِحَة مَا ادعوهُ وَلم يقتصروا فِيهَا على مُجَرّد الدَّعْوَى فَكَانَ يجب أَن يعْمل فِي عِلّة الرَّجْعِيَّة مثل ذَلِك لِأَن هَذَا تَعْلِيل أصل مجمع عَلَيْهِ فَكَمَا وَجب الدّلَالَة على صِحَة عِلّة الرِّبَا وَلم يقتصروا فِيهَا على مُجَرّد الدَّعْوَى فَكَانَ يجب أَن يدل أَيْضا على صِحَة عِلّة الرَّجْعِيَّة
وَأما جَرَيَان الرِّبَا مَعَ الْأَثْمَان مَعَ عدم عِلّة الْأَرْبَعَة فعلة أُخْرَى تثبت بِالدَّلِيلِ وَهِي عِلّة الْأَثْمَان
وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فَلم يثبت كَون الْعدة عِلّة فِي فرع الطَّلَاق فَلم يَصح تَعْلِيق الحكم عَلَيْهَا
стр. 1597
وَأما الْفَصْل الثَّانِي فَلَا يَصح وَذَلِكَ أَنَّك ادعيت أَن الْأُصُول كلهَا معللة وَهِي دَعْوَى تحْتَاج أَن يدل عَلَيْهَا وَأَنا لَا أسلمه لِأَن الأَصْل الْمُعَلل عِنْدِي مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل
وَأما كَلَام الشَّيْخ الْجَلِيل أيده الله تَعَالَى على الْفَصْل الثَّانِي فَإِن طالبتني بتصحيح الْعلَّة فَأَنا أدل على صِحَّتهَا وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه إِذا طلق امْرَأَة أَجْنَبِيَّة لم يتَعَلَّق بذلك حكم فَإِن عقد عَلَيْهَا وحصلت زَوْجَة لَهُ فَطلقهَا وَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق فَلَو طَلقهَا قبل الدُّخُول طَلْقَة ثمَّ طَلقهَا لم يلْحقهَا لِأَنَّهَا خرجت عَن الزَّوْجِيَّة فَلَو أَنه عَاد فَتَزَوجهَا ثمَّ طَلقهَا لحقه طَلْقَة فَدلَّ على الْعلَّة فَفِيهَا مَا ذكرت وَلَيْسَ فِي دَعْوَى علتك مثل هَذَا الدَّلِيل
وَأما إِنْكَاره لِمَعْنى الْفَرْع فَلَا يَصح لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن عِنْده أَن الطَّلَاق لَا يُفِيد أَكثر من نُقْصَان الْعدة وَلَا يزِيل الْملك فَهَذَا لَا يتَعَلَّق بِهِ تَحْرِيم الْوَطْء وَمن الْمحَال أَن يكون العقد مرتفعا وَيحل لَهُ وَطْؤُهَا
وَالثَّانِي أَنِّي أبطل هَذَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ قد ارْتَفع العقد لوَجَبَ أَن لَا يستبيح وَطأهَا إِلَّا بِعقد جَدِيد يُوجد بشرائطه من الشَّهَادَة وَالرِّضَا وَغير ذَلِك لِأَن الْحرَّة لَا تستباح إِلَّا بِنِكَاح وَلما أجمعنا على أَنه يستبيح وَطأهَا من غير عقد لأحد دلّ على أَن العقد بَاقٍ وَأَن الزَّوْجِيَّة ثَابِتَة
تكلم الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن على الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ أما قَوْلك إِنِّي مطَالب بِالدّلَالَةِ على صِحَة الْعلَّة فَلَا يَصح وَالْجمع بَين الْمُطَالبَة بِصِحَّة الْعلَّة وَعدم التَّأْثِير متناقض وَذَلِكَ أَن الْعلَّة إِمَّا أَن تكون مَقْطُوعًا بِكَوْنِهَا مُؤثرَة فَلَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى الدّلَالَة على صِحَّتهَا لِأَن مَا يدل على صِحَّتهَا يدل على كَونهَا مُؤثرَة وَلَا يجوز أَن يرد الشَّرْع بتعليق حكم
стр. 1598
على مَا لَا تَأْثِير لَهُ من الْمعَانِي وَإِنَّمَا ورد الشَّرْع بتعليق الحكم على الْمعَانِي المؤثرة فِي الحكم وَإِذا كَانَت الصُّورَة على هَذَا يجوز أَن يُقَال هَذَا لَا تَأْثِير لَهُ وَلَكِن دلّ على صِحَّته إِن كَانَت الْعلَّة مشكوكا فِي كَونهَا مُؤثرَة فِي الحكم لم يجز الْقطع على أَنَّهَا غير مُؤثرَة وَقد قطع القَاضِي أيده الله بِأَن هَذِه الْعلَّة غير مُؤثرَة فَبَان بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَنه لَا يجوز أَن يعْتَرض عَلَيْهَا من جِهَة عدم التَّأْثِير وَيحكم بفسادها بِسَبَبِهِ ثمَّ تطالبني مَعَ هَذَا بتصحيحها لِأَن ذَلِك طلب محَال جدا
وَأما مَا ذكرت من عِلّة الرِّبَا فَهُوَ استشهاد صَحِيح
وَمَا ذكر من ذَلِك حجَّة عَليّ لِأَن كل من ادّعى عِلّة من الرِّبَا دلّ على صِحَّتهَا فَيجب أَن يكون هَاهُنَا مثله فَلَا يلْزم لِأَنِّي أمتنع من الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة بل أَقُول إِن كل عِلّة ادَّعَاهَا المسؤول فِي مَسْأَلَة من مسَائِل الْخلاف فطولب بِالدّلَالَةِ على صِحَّتهَا لزمَه إِقَامَة الدَّلِيل عَلَيْهَا وَإِنَّمَا امْتنع أَن يَجْعَل الطَّرِيق المسؤول لَهَا وجود الحكم مَعَ عدمهَا وَأَنَّهَا لَا تعم جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي يثبت فِيهَا ذَلِك الحكم وَهُوَ أبقاه الله جعل الْمُفْسد لهَذِهِ الْعلَّة وجود نُفُوذ الطَّلَاق مَعَ عدم الْعلَّة وَذَلِكَ غير جَائِز كَمَا قُلْنَا فِي عِلّة الرِّبَا فِي الْأَعْيَان الْأَرْبَعَة إِنَّهَا تفقد وَيبقى الحكم
وَأما إِذا طالبتني بتصحيح الْعلَّة واقتصرت على ذَلِك فَإِنِّي أدل عَلَيْهَا كَمَا أدل على صِحَة الْعلَّة الَّتِي ادعيتها فِي مَسْأَلَة الرِّبَا
وَأما الْفضل الثَّانِي وَهُوَ الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة فَإِن القَاضِي أيده الله تعلق من كَلَامي بطرفه وَلم يتَعَرَّض لمقصوده وَذَلِكَ أَنِّي قلت إِن الْأُصُول كلهَا معللة وَإِن هَذَا الأَصْل مُعَلل بِالْإِجْمَاع بيني وَبَينه وَأما الِاخْتِلَاف فِي غير الْعلَّة فَيجب أَن يكون بِمَا ذَكرْنَاهُ
стр. 1599
هُوَ الْعلَّة لِأَنَّهَا تتعدى فَترك الْكَلَام على هَذَا كُله وَأخذ يتَكَلَّم فِي أَن من الْأُصُول مَا لَا يُعلل وَأَنه لَا خلاف فِيهِ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا خلاف أَن الْأُصُول كلهَا معللة وَإِن كَانَ فِي هَذَا خلاف فَأَنا أدل عَلَيْهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن الظَّوَاهِر الْوَارِدَة فِي جَوَاز الْقيَاس مُطلقَة وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَكَقَوْلِه ﷺ (إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ فَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر)
وعَلى أَنِّي قد خرجت من عَهده بِأَن قلت إِن الأَصْل الَّذِي تنازعنا عَلَيْهِ مُعَلل بِالْإِجْمَاع فَلَا يضرني مُخَالفَة من خَالفه فِي سَائِر الْأُصُول
وَأما الْمُعَارضَة فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الْمَعْنى فِي الأَصْل مَا ذكرت من ملك النِّكَاح وَوُجُود الزَّوْجِيَّة يدل على ذَلِك أَن هَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَلَا ينفذ طلاقهما فَثَبت أَن ذَلِك لَيْسَ بعلة وَإِنَّمَا الْعلَّة ملك إِيقَاع الطَّلَاق مَعَ وجود مَحل موقعه وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي المختلعة فَيجب أَن يلْحقهَا
وَأما معنى الْفَرْع فَلَا أسلمه
وَأما مَا ذكرت من إِبَاحَة الْوَطْء فَلَا يَصح لِأَنَّهُ يَطَؤُهَا وَهِي زَوْجَة لِأَنَّهُ يجوز لَهُ مراجعتها بِالْفِعْلِ فَإِذا ابْتَدَأَ الْمُبَاشرَة حصلت الرّجْعَة فصادفها الْوَطْء وَهِي زَوْجَة وَأما أَن يُبِيح وَطأهَا وَهِي خَارِجَة عَن الزَّوْجِيَّة فَلَا
وَأما قَوْله لَو كَانَ قد ارْتَفع العقد لوَجَبَ أَن لَا يستبيحها من غير عقد كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن بَاعَ عصيرا وَصَارَ فِي يَد البَائِع خمرًا ثمَّ تخَلّل إِن البيع يعود بَعْدَمَا ارْتَفع
стр. 1600
وعَلى أصلكم إِذا رهن عصيرا فَصَارَ خمرًا ارْتَفع الرَّهْن فَإِذا تخَلّل عَاد الرَّهْن وَكَذَلِكَ هَاهُنَا مثله
تكلم القَاضِي أَبُو الطّيب على الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ لَيْسَ فِي الْجمع بَين الْمُطَالبَة بِالدَّلِيلِ على صِحَة الْعلَّة وَبَين عدم التَّأْثِير مناقضة وَذَلِكَ أَنى إِذا رَأَيْت الحكم ثَبت مَعَ وجود هَذِه الْعلَّة وَمَعَ عدمهَا على وَجه وَاحِد كَانَ الظَّاهِر أَن هَذَا لَيْسَ بعلة للْحكم إِلَّا أَن يظْهر دَلِيل على أَنه عِلّة فنصير إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَا نقُول فِي الْقيَاس إِنَّه دَلِيل على الْأَحْكَام إِلَّا أَن يُعَارضهُ مَا هُوَ أقوى مِنْهُ فَيجب تَركه وَكَذَلِكَ خبر الْوَاحِد دَلِيل فِي الظَّاهِر يجب الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا أَن يظْهر مَا هُوَ أقوى مِنْهُ من نَص قُرْآن أَو خبر متواتر فَيجب الْمصير إِلَيْهِ كَذَلِك هَاهُنَا الظَّاهِر بِمَا ذكرته أَنه دَلِيل على ذَلِك لَيْسَ بعلة إِلَّا أَن تقيم دَلِيلا على صِحَّته فنصير إِلَيْهِ
وَأما عِلّة الرِّبَا فقد عَاد الْكَلَام إِلَى هَذَا الْفَصْل الَّذِي ذكرت وَقد تَكَلَّمت عَلَيْهِ بِمَا يُغني عَن إِعَادَته
وَأما الْفَصْل الثَّانِي فقد تَكَلَّمت عَلَيْهِ بِمَا سَمِعت من كَلَام الشَّيْخ الْجَلِيل أيده الله وَهُوَ أَنه قَالَ الْأُصُول كلهَا معللة
وَأما هَذِه الزِّيَادَة فَالْآن سَمعتهَا وَأَنا أَتكَلّم على الْجَمِيع
وَأما دليلك على أَن الْأُصُول كلهَا معللة فَلَا يَصح لِأَن الظَّوَاهِر الَّتِي وَردت فِي جَوَاز الْقيَاس كلهَا حجَّة عَلَيْك لِأَنَّهَا وَردت بِالْأَمر بِالِاجْتِهَادِ فَمَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل فَهُوَ عِلّة يجب الحكم بهَا وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَن كل أصل مُعَلل
وَأما قَوْلك إِن هَذَا الأَصْل مجمع على تَعْلِيله وَقد اتفقنا على أَن الْعلَّة فِيهِ أحد الْمَعْنيين إِمَّا الْمَعْنى الَّذِي ذكرته وَإِمَّا الْمَعْنى الَّذِي ذكرته وَأَحَدهمَا يتَعَدَّى وَالْآخر لَا يتَعَدَّى فَيجب أَن تكون الْعلَّة فيهمَا مَا يتَعَدَّى فَلَا يَصح لِأَن اتفاقي مَعَك على
стр. 1601
أَن الْعلَّة أحد الْمَعْنيين لَا يَكْفِي فِي الدّلَالَة على صِحَة الْعلَّة وَأَن الحكم مُعَلّق بِهَذَا الْمَعْنى لِأَن إجماعنا لَيْسَ بِحجَّة لِأَنَّهُ يجوز الْخَطَأ علينا وَإِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِمَا يقطع عَلَيْهِ اتِّفَاق الْأمة الَّتِي أخبر النَّبِي ﷺ بعصمتها
وَأما قَوْلك إِن علتي متعدية فَلَا يَصح لِأَن التَّعَدِّي إِنَّمَا يذكر لترجيح إِحْدَى العلتين على الْأُخْرَى وَفِي ذَلِك نظر عِنْدِي أَيْضا وَأما أَن يسْتَدلّ بِالتَّعَدِّي على صِحَة الْعلَّة فَلَا وَلِهَذَا لم نحتج نَحن وَإِيَّاكُم على مَالك فِي عِلّة الرِّبَا علتنا تتعدى إِلَى مَا لَا تتعدى علته وَلَا ذكر أحد فِي تَصْحِيح عِلّة الرِّبَا ذَلِك فَلَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِهِ
وَأما فصل الْمُعَارضَة فَإِن الْعلَّة فِي الأَصْل مَا ذكرت
وَأما الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا يلزمان لِأَن التَّعْلِيل وَاقع لِكَوْنِهِمَا محلا لوُقُوع الطَّلَاق وَيجوز أَن يلحقهما الطَّلَاق وَلَيْسَ التَّعْلِيل للْوُجُوب فَيلْزم عَلَيْهِ الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ وَهَذَا كَمَا نقُول إِن الْقَتْل عِلّة إِيجَاب الْقصاص ثمَّ نَحن نعلم أَن الصَّبِي لَا يسْتَوْفى مِنْهُ الْقصاص حَتَّى يبلغ وَامْتِنَاع اسْتِيفَائه من الصَّبِي وَالْمَجْنُون لَا يدل على أَن الْقَتْل لَيْسَ بعلة لإِيجَاب الْقصاص
كَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن تكون الْعلَّة فِي الرَّجْعِيَّة كَونهَا زَوْجَة فَإِن كَانَ لَا يلْحقهَا الطَّلَاق من جِهَة الصَّبِي لِأَن هَذَا إِن لزمني على اعْتِبَار الزَّوْجِيَّة لزمك على اعْتِبَار الِاعْتِدَاد لِأَنَّك جعلت الْعلَّة فِي وُقُوع الطَّلَاق كَونهَا مُعْتَدَّة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي حق الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا ينفذ طلاقهما ثمَّ لَا يدل ذَلِك على أَن ذَلِك لَيْسَ بعلة وكل جَوَاب لَهُ عَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون فِي اعْتِبَاره الْعدة فَهُوَ جَوَابنَا فِي اعْتِبَار الزَّوْجِيَّة
стр. 1602
وَأما عِلّة الْفَرْع فصحيحة أَيْضا وإنكارك لَهَا لَا يَصح لما ثَبت أَن من أصلك أَن الطَّلَاق لَا يُفِيد أَكثر من نُقْصَان الْعدَد وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ جَوَاز وَطْء الرَّجْعِيَّة وَمَا زعمت من أَن الرّجْعَة تصح مِنْهُ بِالْمُبَاشرَةِ غلط لِأَنَّهُ يبتدىء بمباشرتها وَهِي أَجْنَبِيَّة فَكَانَ يجب أَن يكون ذَلِك محرما وَيكون تَحْرِيمه تَحْرِيم الزِّنَا كَمَا قَالَ ﷺ (العينان تزنيان وَالْيَدَانِ تزنيان وَيصدق ذَلِك الْفرج) وَلما قُلْتُمْ إِنَّه يجوز أَن يقدم على مباشرتها دلّ على أَنَّهَا بَاقِيَة على الزَّوْجِيَّة
وَأما مَا ذكرت من مَسْأَلَة الْعصير فَلَا يلْزم لِأَن الْعُقُود كلهَا لَا تعود معقودة إِلَّا بِعقد جَدِيد يبين صِحَة هَذَا البيع والإجارات وَالصُّلْح وَالشَّرِكَة والمضاربات وَسَائِر الْعُقُود فَإِذا كَانَت عَامَّة الْعُقُود على مَا ذَكرْنَاهُ من أَنَّهَا إِذا ارْتَفَعت لم تعد إِلَّا باستئناف أَمْثَالهَا لم يجز إبِْطَال هَذَا بِمَسْأَلَة شَاذَّة عَن الْأُصُول
وَهَذَا كَمَا قلت لأبي عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَفرقت بَين إِزَالَة النَّجَاسَة وَالْوُضُوء بِأَن إِزَالَة النَّجَاسَة طريقها التروك والتروك مَوْضُوعَة على أَنَّهَا لَا تفْتَقر إِلَى النِّيَّة كَتَرْكِ الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَغير ذَلِك فألزمني على ذَلِك الصَّوْم فَقلت لَهُ غَالب التروك وعامتها مَوْضُوعَة على مَا ذكرت فَإِذا شَذَّ مِنْهَا وَاحِد لم ينْتَقض بِهِ غَالب الْأُصُول وَوَجَب رد الْمُخْتَلف فِيهِ إِلَى مَا شهد لَهُ عَامَّة الْأُصُول وغالبها لِأَنَّهُ أقوى فِي الظَّن
وعَلى أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ إِن العقد لَا يَنْفَسِخ فِي الرَّهْن بل هُوَ مَوْقُوف مراعى فعلى هَذَا لَا أسلمه وَلِأَن أصل أبي حنيفَة أَن العقد لَا يَزُول وَالْملك لَا يرْتَفع
تكلم الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن على الْفَصْل الأول بِأَن قَالَ قد ثَبت أَن الْجمع بَين الْمُطَالبَة بتصحيح الْعلَّة وَعدم التَّأْثِير غير جَائِز
وَأما مَا ذكرت من أَن هَذَا دَلِيل مَا لم يظْهر مَا هُوَ أقوى مِنْهُ كَمَا نقُول فِي الْقيَاس
стр. 1603
وَخبر الْوَاحِد فَلَا يَصح وَذَلِكَ أَنا لَا نقُول إِن كل قِيَاس دَلِيل وَحجَّة فَإِذا حصل الْقيَاس فِي بعض الْمَوَاضِع فعارضه إِجْمَاع لم نقل إِن ذَلِك قِيَاس صَحِيح بل نقُول هُوَ قِيَاس بَاطِل وَكَذَلِكَ لَا نقُول إِن ذَلِك الْخَبَر حجَّة وَدَلِيل فَأَما القَاضِي أيده الله فقد قطع فِي هَذَا الْموضع بِأَن هَذَا لَا تَأْثِير لَهُ فَلَا يَصح مُطَالبَته بِالدَّلِيلِ على صِحَة الْعلَّة
وَأما الْفَصْل الآخر وَهُوَ الدّلَالَة على أَن الْأُصُول معللة فقد أعَاد فِيهِ مَا ذكره أَولا من وُرُود الظَّوَاهِر وَلم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا يحْكى
وَأما قَوْلك إِن إجماعي وَإِيَّاك لَيْسَ بِحجَّة فَإِنِّي لم أذكرهُ لِأَنِّي جعلته حجَّة وَإِنَّمَا ذكرت اتفاقنا لقطع الْمُنَازعَة
وَأما فصل التَّعَدِّي فَصَحِيح وَذَلِكَ أَنِّي ذكرت فِي الأَصْل عِلّة متعدية وَلَا خلاف أَن المتعدية يجوز أَن تكون عِلّة وعارضني أيده الله بعلة غير متعدية وَعِنْدِي أَن الواقفة لَيست بعلة وَعِنْده أَن المتعدية أولى من الواقفة فَلَا يجوز أَن يعارضني وَذَلِكَ يُوجب بَقَاء علتي على صِحَّتهَا
وَأما الْمُعَارضَة فَإِن قَوْلك إِن التَّعْلِيل للْجُوَاز كَمَا قُلْنَا فِي الْقصاص فَلَا يَصح لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِلّة ملك إِيقَاع الطَّلَاق ملك النِّكَاح وَقد علمنَا أَن ملك الصَّبِي ثَابت وَجب إِيقَاع طَلَاقه فَإِذا لم يَقع دلّ على أَن ذَلِك الْعقل لَيْسَ بعلة وَأما الْقصاص فَلَا يلْزم لِأَن هُنَاكَ لما ثَبت لَهُ الْقصاص وَكَانَ الْقَتْل هُوَ الْعلَّة فِي وُجُوبه جَازَ أَن يسْتَوْفى لَهُ
стр. 1604
لِأَن الْوَلِيّ يَسْتَوْفِي لَهُ الْقصاص وَكَانَ الْعقل هُوَ الْعلَّة
وَأما قَوْلك إِن مثل هَذَا يلْزم على علتي فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنِّي قلت مُعْتَدَّة من طَلَاق فَلَا يتَصَوَّر أَن يُطلق الصَّبِي فَتكون امْرَأَته مُعْتَدَّة من طَلَاق فألزمه القَاضِي الْمَجْنُون إِذا طلق امْرَأَته
وَمن الغرائب والفوائد عَن القَاضِي أبي الطّيب
حكى القَاضِي أَبُو الطّيب فِي التعليقة وَجها أَن الْقَضَاء سنة وَلَيْسَ بِفَرْض كِفَايَة
قَالَ ابْن الرّفْعَة لم أره لغيره
نقل النَّوَوِيّ ﵀ فِي المنثورات أَن القَاضِي أَبَا الطّيب قَالَ فِي شرح الْفُرُوع إِن من صلى فَرِيضَة ثمَّ أدْركهَا فِي جمَاعَة فَصلاهَا ثمَّ تذكر أَنه نسي سَجْدَة من الصَّلَاة الأولى لزمَه أَن يُعِيدهَا لِأَن الأولى بترك السَّجْدَة قد بطلت وَلم يحْتَسب لَهُ بِمَا بعْدهَا لِأَن التَّرْتِيب مُسْتَحقّ فِي أَفعَال الصَّلَاة وَأَن ذَلِك لَا يتَخَرَّج على الْخلاف فِي أَن الأولى الْفَرْض أَو الثَّانِيَة
قلت وَهَذَا هُوَ الْفِقْه الَّذِي يَنْبَغِي غير أَنِّي لم أجد كَلَام القَاضِي أبي الطّيب فِي شرح الْفُرُوع صَرِيحًا فِي أَنه لَا يتَخَرَّج على الْخلاف بل قَالَ وَأما الثَّانِيَة فَلَا يحْتَسب بهَا لِأَنَّهُ فعلهَا بنية التَّطَوُّع ثمَّ قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قَالَ الشَّافِعِي ﵁ يحْتَسب الله بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَالْجَوَاب أَن أَبَا إِسْحَاق الْمروزِي قَالَ قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم لَا يُقَال إِن الله يحْتَسب مَا شَاءَ وَلم يقل إِن الثَّانِيَة يَفْعَلهَا بنية التَّطَوُّع وَرجع عَن هَذَا فِي الْجَدِيد وَقَالَ الأولى فَرْضه وَالثَّانيَِة سنة وَالْحَال فِيمَا يدل على أَن الثَّانِيَة سنة لَا فرض وَهَذَا
стр. 1605
الْكَلَام يدل على أَن من يمْنَع كَون الثَّانِيَة سنة يمْنَع لُزُوم الْإِعَادَة
وَفِي السُّؤَال الأول من فتاوي الْغَزالِيّ الْمَشْهُورَة مَا يَقْتَضِي النزاع من أَنه لَو صلى فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْجَمَاعَة فَأَعَادَهَا ثمَّ بَان أَن الصَّلَاة الأولى كَانَت فَاسِدَة أَن الصَّلَاة الْمُعَادَة تُجزئه وَسكت عَلَيْهِ الْغَزالِيّ
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب فِي تعليقته فِي كتاب الشَّهَادَات فرع السَّائِل هَل تقبل شَهَادَته أَو لَا ينظر فَإِن كَانَ يسْأَل النَّاس من حَاجَة لم ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ إِذا لم يكن لَهُ قُوَّة أَمر بالسؤال وَإِن كَانَ يسْأَل النَّاس من غير حَاجَة لم تقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ يكذب فِي قَوْله إِنَّه مُحْتَاج لِأَنَّهُ لَو لم يقل ذَلِك لم يدْفع إِلَيْهِ شَيْء
وَأما إِذا كَانَ مِمَّن لَا يسْأَل وَلَكِن النَّاس يحملون إِلَيْهِ الصَّدقَات فَإِنَّهُ ينظر فَإِن كَانُوا يحملون إِلَيْهِ من الصَّدقَات النَّفْل والتطوع لم ترد شَهَادَته لِأَن ذَلِك يجْرِي مجْرى الهبات والهبات لَا تمنع من قبُول الشَّهَادَة
وَإِن كَانَت الصَّدقَات من الْفَرَائِض فَلَا يَخْلُو من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون غَنِيا أَو فَقِيرا فَإِن كَانَ فَقِيرا حل لَهُ ذَلِك وَقبلت شَهَادَته وَإِن كَانَ غَنِيا لم يخل من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون جَاهِلا أَو عَالما فَإِن كَانَ جَاهِلا لَا يعلم أَنه لَا يجوز لَهُ أَخذ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة مَعَ الْغنى لم ترد شَهَادَته لِأَن ذَلِك خطأ وَالْخَطَأ لَا يُوجب رد الشَّهَادَة وَإِن كَانَ عَالما فَإِنَّهُ لَا تقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ يَأْكُل مَالا حَرَامًا وَهُوَ مستغن عَنهُ وَله مستحقون غَيره
انْتهى بنصه وَلَفظه
وَهِي مسَائِل مُتَقَارِبَة شَهَادَة القانع وَقد قدمنَا الْكَلَام عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة الْخطابِيّ وَهُوَ السَّائِل إِلَّا أَن الْكَلَام على شَهَادَته لأهل الْبَيْت الَّذين بيناهم لَا مُطلقًا وَشَهَادَة السَّائِل مُطلقًا وَشَهَادَة الطفيلي وَمن يختطف النثار فِي الأفراح
стр. 1606
وَالْفرق بَين هَذِه الصُّور وَشَهَادَة القانع أَن المأخذ فِي منع شَهَادَة القانع عِنْد من منعهَا التُّهْمَة وجلب النَّفْع والمأخذ فِي هَذِه الْمسَائِل قلَّة الْمُرُوءَة أَو أكل مَا لَا يسْتَحق
وَقد جمع صَاحب الْبَحْر أَبُو المحاسن الرَّوْيَانِيّ هَذِه الْمسَائِل وَاقْتضى إِيرَاده أَنَّهَا منصوصات فَقَالَ فرع قَالَ فِي الْأُم وَمن ثَبت عَلَيْهِ أَنه يغشى الدعْوَة بِغَيْر دُعَاء من غير ضَرُورَة وَلَا يسْتَحل من صَاحب الطَّعَام وتتابع ذَلِك مِنْهُ ردَّتْ شَهَادَته لِأَنَّهُ يَأْكُل محرما إِذا كَانَت الدعْوَة دَعْوَة رجل بِعَيْنِه فَإِن كَانَ طَعَام سُلْطَان أَو رجل ينْسب للسُّلْطَان فَدَعَا النَّاس إِلَيْهِ فَهَذَا طَعَام عَام مُبَاح وَلَا بَأْس بِهِ
قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّمَا اعْتبر تكَرر ذَلِك لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ شُبْهَة حَيْثُ لم يمنعهُ صَاحب الطَّعَام وَإِذا تكَرر صَار دناءة وسفها
فرع قَالَ وَلَو ذهب مَال الرجل بجائحة حلت لَهُ الْمَسْأَلَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي مصلحَة وَإِذا أَخذهَا لم أرد شَهَادَته لِأَنَّهُ يَأْخُذهَا بِحَق فَإِن كَانَ يسْأَل النَّاس طول عمره أَو بعضه وَهُوَ غَنِي لَا أقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ يَأْخُذ الصَّدَقَة بِغَيْر حق ويكذب أبدا فَيَقُول إِنِّي مُحْتَاج
وَلَيْسَ بمحتاج فَإِن أعطي الصَّدَقَة من غير سُؤال ينظر فَإِن كَانَت صَدَقَة تطوع فَلَا بَأْس وَلَا ترد شَهَادَته وَإِن كَانَت صَدَقَة وَاجِبَة فَإِن لم يكن علم تَحْرِيمهَا فَلَا ترد وَإِن علم بتحريمها ردَّتْ شَهَادَته
стр. 1607
فرع وَإِذا نثر على النَّاس فِي الْفَرح فَأخذ من حضر لم يكن فِي هَذَا مَا يخرج عَن الشَّهَادَة لِأَن كثيرا يزْعم أَن هَذَا حَلَال مُبَاح لِأَن مَالِكه إِنَّمَا طَرحه لمن يَأْخُذهُ فَأَما أَنا فأكرهه لمن أَخذه من قبل أَنه يَأْخُذهُ من أَخذه وَلَا يَأْخُذهُ إِلَّا بِغَلَبَة لمن حَضَره إِمَّا بِفضل قُوَّة وَإِمَّا بِفضل قلَّة حَيَاء وَالْمَالِك لم يقْصد بِهِ قَصده وَإِنَّمَا قصد بِهِ الْجَمَاعَة فأكرهه
انْتهى لفظ الْبَحْر
والرافعي ﵀ اقْتصر على مَسْأَلَة السَّائِل فَذكر أَن شَهَادَة الطّواف على الْأَبْوَاب وَسَائِر السُّؤَال تقبل شَهَادَتهم إِلَّا أَن يكثر الْكَذِب فِي دَعْوَى الْحَاجة وَهُوَ غير مُحْتَاج أَو يَأْخُذ مَا لَا يحل لَهُ أَخذه فيفسق قَالَ وَمُقْتَضى الْوَجْه الذَّاهِب إِلَى رد شَهَادَة أهل الْحَرْف رد شَهَادَته لدلالته على خسته
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب ﵀ سَمِعت القَاضِي أَبَا الْفرج الْمعَافى بن زَكَرِيَّا ﵀ يَقُول كنت أحضر مجْلِس أبي الْحسن بن أبي عمر يَوْم النّظر فَحَضَرت يَوْمًا أَنا وَجَمَاعَة بِالْبَابِ ننتظره ليخرج فَدخل أَعْرَابِي فَجَلَسَ بِالْقربِ منا وَإِذا بغراب سقط على نَخْلَة فِي الدَّار وَصَاح ثمَّ طَار فَقَالَ الْأَعرَابِي إِن هَذَا الْغُرَاب يَقُول إِن صَاحب هَذِه الدَّار يَمُوت بعد سَبْعَة أَيَّام قَالَ فصحنا عَلَيْهِ وزبرناه فَقَامَ وَانْصَرف ثمَّ دَخَلنَا إِلَى أبي الْحسن فَإِذا بِهِ متغير اللَّوْن فَقَالَ أحدثكُم بِأَمْر شغل بالي إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي الْمَنَام شخصا وَهُوَ يَقُول
(منَازِل آل حَمَّاد بن زيد ... على أهليك وَالنعَم السَّلَام)
стр. 1608
وَقد ضَاقَ صَدْرِي لذَلِك فدعونا لَهُ وانصرفنا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى
وَالله أعلم
٤٢٤ - طَاهِر بن عبد الله الإيلاقي
بِكَسْر الْألف وَسُكُون الْيَاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا وَفِي آخرهَا الْقَاف إيلاق هِيَ بِلَاد الشاش الْمُتَّصِلَة بِالتّرْكِ
وَهَذَا هُوَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الرّبيع
كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه متضلعا بِهِ
تفقه على الْحَلِيمِيّ وَأبي طَاهِر الزيَادي وَقَرَأَ الْأُصُول على الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق وروى الحَدِيث عَن أستاذيه وَأبي نعيم عبد الْملك بن الْحسن الْأَزْهَرِي وَغَيرهم
تفقه عَلَيْهِ أهل الشاش
وَتُوفِّي عَن سِتّ وَتِسْعين سنة فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1609
طَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم أَبُو عبد الله الْبَغْدَادِيّ
نزيل بنيسابور
قَالَ الْحَاكِم كَانَ أظرف من رَأينَا من الْعِرَاقِيّين وأفتاهم وَأَحْسَنهمْ كِتَابَة وَأَكْثَرهم فَائِدَة
سَمِعت أَبَا عبد الله بن أبي ذهل يَقُول مَا رَأَيْت من البغداديين أَكثر فَائِدَة من أبي عبد الله
سمع أَبَا حَامِد الْحَضْرَمِيّ وَأَبا بكر أَحْمد بن الْقَاسِم الْفَرَائِضِي وأقرانهما
توفّي بنيسابور يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن من ربيع الأول سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
وروى عَنهُ الْحَاكِم
وَهَذَا كَلَامه
قَالَ ابْن الصّلاح وَهُوَ فِيمَا أَحسب أَبُو الْأُسْتَاذ أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ عبد القاهر ابْن طَاهِر
قلت مَا أوردناه من نسب هَذَا هُوَ مَا أوردهُ الْحَاكِم وَقد أسقط ابْن الصّلاح اسْم أبي هَذَا فَقَالَ طَاهِر بن عبد الله
وَذكره بعد القَاضِي فَكتب شَيخنَا الْمزي يقدم
فَأَما كِتَابَته إِيَّاه بعد القَاضِي فصواب لِأَن القَاضِي طَاهِر بن عبد الله وَهَذَا طَاهِر بن مُحَمَّد وَالْعين مُقَدّمَة على الْمِيم والمزي توهمه كَمَا أوردهُ ابْن الصّلاح طَاهِر بن عبد الله
стр. 1610
فَكتب يقدم وَهُوَ صَحِيح لَو كَانَ الْأَمر كَمَا توهم لِأَن جده إِبْرَاهِيم حِينَئِذٍ وجد القَاضِي طَاهِر وَالْألف قبل الطَّاء
وَالَّذِي أرَاهُ أَن ابْن الصّلاح لم يقْصد هَذَا بل أَرَادَ أَن يكْتب طَاهِر بن مُحَمَّد فأسقط اسْم مُحَمَّد نِسْيَانا وَيدل عَلَيْهِ ذكره إِيَّاه بعد القَاضِي
وَالله تَعَالَى أعلم
٤٢٥ - ظفر بن مظفر بن عبد الله بن كتنه
أَبُو الْحسن الْحلَبِي الناصري
سمع عبد الرَّحْمَن بن عمر بن نصر وَعبيد الله الْوراق
روى عَنهُ السمان وَعبد الْعَزِيز الكتاني وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي الصَّقْر الْأَنْبَارِي
مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
٤٢٦ - الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَاهِر
أَبُو مُحَمَّد العباسي
يعرف بِابْن الرحا
مولده سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَمَات فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1611
٤٢٧ - عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله
الإِمَام الزَّاهِد الْجَلِيل الْبَحْر أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا يعرف بالقفال الصَّغِير الْمروزِي
شيخ الخراسانيين وَلَيْسَ هُوَ الْقفال الْكَبِير هَذَا أَكثر ذكرا فِي الْكتب أَي كتب الْفِقْه وَلَا يذكر غَالِبا إِلَّا مُطلقًا وَذَاكَ إِذا أطلق قيد بالشاشي وَرُبمَا أطلق فِي طَريقَة الْعِرَاقِيّين لقلَّة ذكرهم لهَذَا والشاشي أَكثر ذكرا فِيمَا عدا الْفِقْه من الْأُصُول وَالتَّفْسِير وَغَيرهمَا
كَانَ الْقفال الْمروزِي هَذَا من أعظم محَاسِن خُرَاسَان إِمَامًا كَبِيرا وبحرا عميقا غواصا على الْمعَانِي الدقيقة نقي القريحة ثاقب الْفَهم عَظِيم الْمحل كَبِير الشَّأْن دَقِيق النّظر عديم النظير فَارِسًا لَا يشق غباره وَلَا تلْحق آثاره بطلا لَا يصطلي لَهُ بِنَار أسدا مَا بَين يَدَيْهِ لواقف إِلَّا الْفِرَار
تفقه على الشَّيْخ أبي زيد الْمروزِي وَسمع مِنْهُ وَمن الْخَلِيل بن أَحْمد القَاضِي وَجَمَاعَة وَحدث وأملى
ذكره الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الإِمَام أبي المظفر السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ كَانَ وحيد زَمَانه فقها وحفظا وورعا وزهدا وَله فِي فقه الشَّافِعِي وَغَيره من الْآثَار مَا لَيْسَ لغيره من أهل عصره
قَالَ وطريقته المهدية فِي مَذْهَب الشَّافِعِي الَّتِي حملهَا عَنهُ فُقَهَاء
стр. 1612
أَصْحَابه من أهل الْبِلَاد أمتن طَريقَة وأوضحها تهذيبا وأكثرها تَحْقِيقا رَحل إِلَيْهِ من الْبِلَاد للتفقه عَلَيْهِ فظهرت بركته على مختلفيه حَتَّى تخرج بِهِ جمَاعَة كَثِيرَة صَارُوا أَئِمَّة فِي الْبِلَاد نشرُوا علمه ودرسوا قَوْله
هَذَا كَلَامه
والقفال ﵁ أَزِيد مِمَّا وصف وأبلغ مِمَّا ذكر وَقد صَار مُعْتَمد الْمَذْهَب على طَريقَة الْعرَاق وحامل لوائها أَبُو حَامِد الإسفرايني وَطَرِيقَة خُرَاسَان والقائم بأعبائها الْقفال الْمروزِي هما رحمهمَا الله شَيخا الطريقتين إِلَيْهِمَا الْمرجع وَعَلَيْهِمَا الْمعول
وَكَانَ الْقفال ﵀ قد ابْتَدَأَ التَّعَلُّم على كبر السن بَعْدَمَا أفنى شبيبته فِي صناعَة الأقفال وَكَانَ ماهرا فِيهَا
رُوِيَ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَنه قَالَ كَانَ الْقفال صنع قفلا مَعَ جَمِيع آلاته من وزن أَربع حبات من حَدِيد قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أخرج الْقفال يَده فَإِذا على ظهر كَفه آثَار المجل فَقَالَ هَذَا من آثَار عَمَلي فِي ابْتِدَاء شَبَابِي
قَالَ السَّمْعَانِيّ أَبُو بكر وَسمعت جمَاعَة من مشيختنا يذكرُونَ أَنه ابْتَدَأَ التَّعَلُّم وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة فَبَارك الله تَعَالَى لَهُ حَتَّى أربي على أهل عصره وَصَارَ أفقه أهل زَمَانه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَسمعت الْقفال يَقُول ابتدأت التَّعَلُّم وَأَنا لَا أفرق بَين اختصرت واختصرت
قَالَ ابْن الصّلاح أَظن أَنه أَرَادَ بِهَذَا الْكَلِمَة الأولى من مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَهُوَ قَوْله اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَأَرَادَ أَنه لم يكن يدرى من اللِّسَان الْعَرَبِيّ مَا يفرق بِهِ بَين ضم تَاء الضَّمِير وَفتحهَا
стр. 1613
وَقَالَ نَاصِر الْعمريّ لم يكن فِي زمَان أبي بكر الْقفال أفقه مِنْهُ وَلَا يكون بعده مثله وَكُنَّا نقُول إِنَّه ملك فِي صُورَة إِنْسَان
وَكَانَ الْقفال ﵀ مصابا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ
قَالَ أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ سَمِعت الإِمَام وَالِدي يَقُول سُئِلَ الْقفال ﵀ فِي مجْلِس وعظه هَل يقْضِي الله على عَبده بِسوء الْقَضَاء فَقَالَ نعم فقد أدركني سوء الْقَضَاء وعور إِحْدَى عَيْني
وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن كنت عِنْد الْقفال فَأَتَاهُ رجل قروي وشكا إِلَيْهِ أَن حِمَاره أَخذه بعض أَصْحَاب السُّلْطَان فَقَالَ لَهُ الْقفال اذْهَبْ فاغتسل وادخل الْمَسْجِد وصل رَكْعَتَيْنِ واسأل الله تَعَالَى أَن يرد عَلَيْك حِمَارك
فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَرَوِي كَلَامه فَأَعَادَ الْقفال فَذهب الْقَرَوِي فَفعل مَا أمره بِهِ وَكَانَ الْقفال قد بعث من يرد حِمَاره فَلَمَّا فرغ من صلَاته رد الْحمار فَلَمَّا رَآهُ على بَاب الْمَسْجِد خرج وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي رد عَليّ حماري فَلَمَّا انْصَرف سُئِلَ الْقفال عَن ذَلِك فَقَالَ أردْت أَن أحفظ عَلَيْهِ دينه كي يحمد الله تَعَالَى
وَقَالَ نَاصِر الْعمريّ احتسب بعض الْفُقَهَاء الْمُخْتَلِفين إِلَى الْقفال على بعض أَتبَاع الْأَمِير بمرو فَرفع الْأَمِير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود وَذكر أَن الْفُقَهَاء أساءوا الْأَدَب فِي مُوَاجهَة الدِّيوَان بِمَا فعلوا فَكتب مَحْمُود هَل يَأْخُذ الْقفال شَيْئا من ديواننا فَقيل لَا فَقَالَ فَهَل يتلبس من أُمُور الْأَوْقَاف بِشَيْء فَقيل لَا قَالَ فَإِن الاحتساب لَهُم سَائِغ فَدَعْهُمْ
وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن كَانَ الْقفال فِي كثير من الْأَوْقَات فِي الدَّرْس يَقع عَلَيْهِ الْبكاء ثمَّ يرفع رَأسه وَيَقُول مَا أَغْفَلنَا عَمَّا يُرَاد بِنَا ﵁
تفقه الْقفال على جمَاعَة وَكَانَ تخرجه على يَد الشَّيْخ أبي زيد وَسمع الحَدِيث بمرو وببخارى وبيكند وهراة وَحدث فِي آخر عمره وأملى
стр. 1614
وَمَات سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ابْن تسعين سنة وَدفن بسجستان وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحْمَة الله ورضوانه عَلَيْهِ
آمين
وَمن الرِّوَايَة عَن الشَّيْخ الْقفال
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس ابْن المظفر سَمَاعا عَلَيْهِ أَنبأَنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر أخبرنَا أَبُو روح إجَازَة أخبرنَا أَبُو زَاهِر بن طَاهِر أخبرنَا القَاضِي أَبُو سعد عبد الْكَرِيم بن أَحْمد الْوزان إملاء قدم علينا من الرّيّ سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد الْقفال الْمروزِي بهَا أخبرنَا أَبُو نعيم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْغِفَارِيّ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْدَانِ بن مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عمار الدِّمَشْقِي حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد عَن هِشَام بن الْغَار أَخْبرنِي حبَان أَبُو النَّصْر قَالَ سَمِعت وَاثِلَة بن الْأَسْقَع يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يحدث عَن الله ﵎ قَالَ (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ)
كتب إِلَيّ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي أَن أَبَا الْفرج عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عمر وَأَبا الْحسن بن البُخَارِيّ أنبآه عَن فضل الله النوقاني عَن الْحُسَيْن ابْن مَسْعُود الْبَغَوِيّ
ح وأنبأني الْمشَار إِلَيْهِ فِي غير وَاحِد من مشيختنا أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعد وَإِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن بن عَمْرو الْفراء وَغَيرهمَا سَمَاعا بِقِرَاءَة الْمزي قَالُوا أخبرنَا أَبُو الْمجد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الْقزْوِينِي سَمَاعا عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أسعد
стр. 1615
ابْن مُحَمَّد حفدة العطاري أخبرنَا محيى السّنة أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي رَافع الْأنمَاطِي حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد الْقفال أخبرنَا أَبُو نعيم هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْدَانِ بن مُحَمَّد حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد هُوَ ابْن مُسلم قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر يَقُول حَدثنِي بسر بن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ أَنه سمع أَبَا إِدْرِيس الْخَولَانِيّ يَقُول سَمِعت النواس بن سمْعَان الْكلابِي يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من قلب إِلَّا وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع رب الْعَالمين إِذا شَاءَ أَن يقيمه أَقَامَهُ وَإِذا شَاءَ أَن يزيغه أزاغه) قَالَ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول (يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك وَالْمِيزَان بيد الرَّحْمَن يرفع قوما وَيَضَع آخَرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة)
وَهَذِه نخب وفوائد ومسائل عَن الشَّيْخ الْقفال
قَالَ الإِمَام فِي النِّهَايَة فِي كتاب اللّعان قبل بَاب أَيْن يكون اللّعان لما ذكر أَن قذف الصَّبِي وَإِن لم يُوجب عَلَيْهِ حدا وَلَا تعزيرا للمقذوف يتَعَلَّق بطلبته وَلَكِن يعزره الْقَائِم عَلَيْهِ لإساءة أدبه كَمَا يفعل ذَلِك فِي سَائِر جِهَات التَّأْدِيب إِن الْقفال قَالَ إِذا هم بتأديب الْمُرَاهق فَبلغ انكف عَنهُ وَإِن كَانَ واليا لِأَن الْبلُوغ أكمل الروادع وَالْعقل الَّذِي قضى الشَّرْع بِكَمَالِهِ أبين رادع
следующие страницы →