← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

٤٢٧ - عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله الإِمَام الزَّاهِد الْجَلِيل الْبَحْر أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا يعرف بالقفال الصَّغِير الْمروزِي شيخ الخراسانيين وَلَيْسَ هُوَ الْقفال الْكَبِير هَذَا أَكثر ذكرا فِي الْكتب أَي كتب الْفِقْه وَلَا يذكر غَالِبا إِلَّا مُطلقًا وَذَاكَ إِذا أطلق قيد بالشاشي وَرُبمَا أطلق فِي طَريقَة الْعِرَاقِيّين لقلَّة ذكرهم لهَذَا والشاشي أَكثر ذكرا فِيمَا عدا الْفِقْه من الْأُصُول وَالتَّفْسِير وَغَيرهمَا كَانَ الْقفال الْمروزِي هَذَا من أعظم محَاسِن خُرَاسَان إِمَامًا كَبِيرا وبحرا عميقا غواصا على الْمعَانِي الدقيقة نقي القريحة ثاقب الْفَهم عَظِيم الْمحل كَبِير الشَّأْن دَقِيق النّظر عديم النظير فَارِسًا لَا يشق غباره وَلَا تلْحق آثاره بطلا لَا يصطلي لَهُ بِنَار أسدا مَا بَين يَدَيْهِ لواقف إِلَّا الْفِرَار تفقه على الشَّيْخ أبي زيد الْمروزِي وَسمع مِنْهُ وَمن الْخَلِيل بن أَحْمد القَاضِي وَجَمَاعَة وَحدث وأملى ذكره الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الإِمَام أبي المظفر السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ كَانَ وحيد زَمَانه فقها وحفظا وورعا وزهدا وَله فِي فقه الشَّافِعِي وَغَيره من الْآثَار مَا لَيْسَ لغيره من أهل عصره قَالَ وطريقته المهدية فِي مَذْهَب الشَّافِعِي الَّتِي حملهَا عَنهُ فُقَهَاء

стр. 1612

أَصْحَابه من أهل الْبِلَاد أمتن طَريقَة وأوضحها تهذيبا وأكثرها تَحْقِيقا رَحل إِلَيْهِ من الْبِلَاد للتفقه عَلَيْهِ فظهرت بركته على مختلفيه حَتَّى تخرج بِهِ جمَاعَة كَثِيرَة صَارُوا أَئِمَّة فِي الْبِلَاد نشرُوا علمه ودرسوا قَوْله هَذَا كَلَامه والقفال ﵁ أَزِيد مِمَّا وصف وأبلغ مِمَّا ذكر وَقد صَار مُعْتَمد الْمَذْهَب على طَريقَة الْعرَاق وحامل لوائها أَبُو حَامِد الإسفرايني وَطَرِيقَة خُرَاسَان والقائم بأعبائها الْقفال الْمروزِي هما رحمهمَا الله شَيخا الطريقتين إِلَيْهِمَا الْمرجع وَعَلَيْهِمَا الْمعول وَكَانَ الْقفال ﵀ قد ابْتَدَأَ التَّعَلُّم على كبر السن بَعْدَمَا أفنى شبيبته فِي صناعَة الأقفال وَكَانَ ماهرا فِيهَا رُوِيَ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ أَنه قَالَ كَانَ الْقفال صنع قفلا مَعَ جَمِيع آلاته من وزن أَربع حبات من حَدِيد قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أخرج الْقفال يَده فَإِذا على ظهر كَفه آثَار المجل فَقَالَ هَذَا من آثَار عَمَلي فِي ابْتِدَاء شَبَابِي قَالَ السَّمْعَانِيّ أَبُو بكر وَسمعت جمَاعَة من مشيختنا يذكرُونَ أَنه ابْتَدَأَ التَّعَلُّم وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة فَبَارك الله تَعَالَى لَهُ حَتَّى أربي على أهل عصره وَصَارَ أفقه أهل زَمَانه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَسمعت الْقفال يَقُول ابتدأت التَّعَلُّم وَأَنا لَا أفرق بَين اختصرت واختصرت قَالَ ابْن الصّلاح أَظن أَنه أَرَادَ بِهَذَا الْكَلِمَة الأولى من مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَهُوَ قَوْله اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَأَرَادَ أَنه لم يكن يدرى من اللِّسَان الْعَرَبِيّ مَا يفرق بِهِ بَين ضم تَاء الضَّمِير وَفتحهَا

стр. 1613

وَقَالَ نَاصِر الْعمريّ لم يكن فِي زمَان أبي بكر الْقفال أفقه مِنْهُ وَلَا يكون بعده مثله وَكُنَّا نقُول إِنَّه ملك فِي صُورَة إِنْسَان وَكَانَ الْقفال ﵀ مصابا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ قَالَ أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ سَمِعت الإِمَام وَالِدي يَقُول سُئِلَ الْقفال ﵀ فِي مجْلِس وعظه هَل يقْضِي الله على عَبده بِسوء الْقَضَاء فَقَالَ نعم فقد أدركني سوء الْقَضَاء وعور إِحْدَى عَيْني وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن كنت عِنْد الْقفال فَأَتَاهُ رجل قروي وشكا إِلَيْهِ أَن حِمَاره أَخذه بعض أَصْحَاب السُّلْطَان فَقَالَ لَهُ الْقفال اذْهَبْ فاغتسل وادخل الْمَسْجِد وصل رَكْعَتَيْنِ واسأل الله تَعَالَى أَن يرد عَلَيْك حِمَارك فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَرَوِي كَلَامه فَأَعَادَ الْقفال فَذهب الْقَرَوِي فَفعل مَا أمره بِهِ وَكَانَ الْقفال قد بعث من يرد حِمَاره فَلَمَّا فرغ من صلَاته رد الْحمار فَلَمَّا رَآهُ على بَاب الْمَسْجِد خرج وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي رد عَليّ حماري فَلَمَّا انْصَرف سُئِلَ الْقفال عَن ذَلِك فَقَالَ أردْت أَن أحفظ عَلَيْهِ دينه كي يحمد الله تَعَالَى وَقَالَ نَاصِر الْعمريّ احتسب بعض الْفُقَهَاء الْمُخْتَلِفين إِلَى الْقفال على بعض أَتبَاع الْأَمِير بمرو فَرفع الْأَمِير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود وَذكر أَن الْفُقَهَاء أساءوا الْأَدَب فِي مُوَاجهَة الدِّيوَان بِمَا فعلوا فَكتب مَحْمُود هَل يَأْخُذ الْقفال شَيْئا من ديواننا فَقيل لَا فَقَالَ فَهَل يتلبس من أُمُور الْأَوْقَاف بِشَيْء فَقيل لَا قَالَ فَإِن الاحتساب لَهُم سَائِغ فَدَعْهُمْ وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن كَانَ الْقفال فِي كثير من الْأَوْقَات فِي الدَّرْس يَقع عَلَيْهِ الْبكاء ثمَّ يرفع رَأسه وَيَقُول مَا أَغْفَلنَا عَمَّا يُرَاد بِنَا ﵁ تفقه الْقفال على جمَاعَة وَكَانَ تخرجه على يَد الشَّيْخ أبي زيد وَسمع الحَدِيث بمرو وببخارى وبيكند وهراة وَحدث فِي آخر عمره وأملى

стр. 1614

وَمَات سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ابْن تسعين سنة وَدفن بسجستان وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحْمَة الله ورضوانه عَلَيْهِ آمين وَمن الرِّوَايَة عَن الشَّيْخ الْقفال أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس ابْن المظفر سَمَاعا عَلَيْهِ أَنبأَنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر أخبرنَا أَبُو روح إجَازَة أخبرنَا أَبُو زَاهِر بن طَاهِر أخبرنَا القَاضِي أَبُو سعد عبد الْكَرِيم بن أَحْمد الْوزان إملاء قدم علينا من الرّيّ سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة أخبرنَا الإِمَام أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد الْقفال الْمروزِي بهَا أخبرنَا أَبُو نعيم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْغِفَارِيّ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْدَانِ بن مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عمار الدِّمَشْقِي حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد عَن هِشَام بن الْغَار أَخْبرنِي حبَان أَبُو النَّصْر قَالَ سَمِعت وَاثِلَة بن الْأَسْقَع يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يحدث عَن الله ﵎ قَالَ (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ) كتب إِلَيّ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي أَن أَبَا الْفرج عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عمر وَأَبا الْحسن بن البُخَارِيّ أنبآه عَن فضل الله النوقاني عَن الْحُسَيْن ابْن مَسْعُود الْبَغَوِيّ ح وأنبأني الْمشَار إِلَيْهِ فِي غير وَاحِد من مشيختنا أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعد وَإِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن بن عَمْرو الْفراء وَغَيرهمَا سَمَاعا بِقِرَاءَة الْمزي قَالُوا أخبرنَا أَبُو الْمجد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الْقزْوِينِي سَمَاعا عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أسعد

стр. 1615

ابْن مُحَمَّد حفدة العطاري أخبرنَا محيى السّنة أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي رَافع الْأنمَاطِي حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد الْقفال أخبرنَا أَبُو نعيم هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْدَانِ بن مُحَمَّد حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد هُوَ ابْن مُسلم قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر يَقُول حَدثنِي بسر بن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ أَنه سمع أَبَا إِدْرِيس الْخَولَانِيّ يَقُول سَمِعت النواس بن سمْعَان الْكلابِي يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من قلب إِلَّا وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع رب الْعَالمين إِذا شَاءَ أَن يقيمه أَقَامَهُ وَإِذا شَاءَ أَن يزيغه أزاغه) قَالَ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول (يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك وَالْمِيزَان بيد الرَّحْمَن يرفع قوما وَيَضَع آخَرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) وَهَذِه نخب وفوائد ومسائل عَن الشَّيْخ الْقفال قَالَ الإِمَام فِي النِّهَايَة فِي كتاب اللّعان قبل بَاب أَيْن يكون اللّعان لما ذكر أَن قذف الصَّبِي وَإِن لم يُوجب عَلَيْهِ حدا وَلَا تعزيرا للمقذوف يتَعَلَّق بطلبته وَلَكِن يعزره الْقَائِم عَلَيْهِ لإساءة أدبه كَمَا يفعل ذَلِك فِي سَائِر جِهَات التَّأْدِيب إِن الْقفال قَالَ إِذا هم بتأديب الْمُرَاهق فَبلغ انكف عَنهُ وَإِن كَانَ واليا لِأَن الْبلُوغ أكمل الروادع وَالْعقل الَّذِي قضى الشَّرْع بِكَمَالِهِ أبين رادع

стр. 1616

قَالَ يَعْنِي الْقفال وَلِهَذَا نأمر الطِّفْل بِقَضَاء مَا فَاتَهُ من الصَّلَوَات مَا دَامَ طفْلا فَإِذا بلغ كففنا الطّلب عَنهُ انْتهى والمسألتان غريبتان المستشهد عَلَيْهَا والمستشهد بهَا ذكر الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أَنه لَا خلاف بَين أَصْحَابنَا أَنه إِذا وقف الإِمَام على الأَرْض فِي الدَّار وَالْمَأْمُوم على سطح الدَّار أَن صلَاته أَي الْمَأْمُوم بَاطِلَة وَلَا تصح الصَّلَاة على السَّطْح بِصَلَاة الإِمَام على الأَرْض إِلَّا فِي الْمَسْجِد قَالَ حَتَّى كَانَ الشَّيْخ الْقفال يستزل النَّاس عَن جِدَار الْمصلى يَوْم الْعِيد لِأَن مصلى أهل مرو بقْعَة مَغْصُوبَة وكل مَسْجِد بني فِي بقْعَة مَغْصُوبَة فَلَيْسَ بِمَسْجِد انْتهى قلت وَلَعَلَّ مصلى أهل مرو اتخذ مَسْجِدا وَإِلَّا فمجرد كَونه مصلى وَلَو لم يكن مَغْصُوبًا لَا يعْطى حكم الْمَسْجِد كَمَا قَالَه الْغَزالِيّ فِي الفتاوي وَهُوَ وَاضح وَقد تنبهت من هَذِه الْحِكَايَة عَن الْقفال لفائدة كَانَت تَدور فِي خلدي فإنني لما سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة انْتقل ذهني إِلَى أَن الْقفال منع النَّاس عَن الصَّلَاة فِي الْمصلى لِأَن الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب حرَام فَكَمَا مَنعهم عَمَّا لَا يَصح كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يمنعهُم عَمَّا يحرم ثمَّ فَكرت فِي أَن هَذِه الْبقْعَة جَازَ أَن يكون مستحقها قد مَاتَ وَمَاتَتْ ورثته وانتقلت إِلَى بَيت المَال كَمَا هُوَ الْغَالِب على كثير من المغصوبات الَّتِي يتمادى عَلَيْهَا الزَّمَان وَأَقُول فِي مثل ذَلِك إِذا انْتَقَلت إِلَى بَيت المَال خرجت عَن حكم الْغَصْب وَلم تصر مَسْجِدا لِأَنَّهَا لم تبن وَقت الِاسْتِحْقَاق مَسْجِدا فَلَمَّا وقفت مَسْجِدا كَانَ الْوَقْف بَاطِلا لِأَن حكم الْغَصْب قد كَانَ بَاقِيا وَهَذَا شَيْء كَانَ يَدُور فِي خلدي ثمَّ تأيد بِهَذِهِ الْحِكَايَة وَكَانَ سَبَب دورانه فِي خلدي أَنه حُكيَ لي عَن الْوَالِد ﵀ أَنه كَانَ فِي أول أمرة لَا يدْخل إِلَى الْمدرسَة المنصورية لِأَنَّهُ قيل إِن الْملك الْمَنْصُور قلاوون غصب ساحتها ثمَّ لما

стр. 1617

ولي الْوَالِد تدريسها سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة صَار يدْخل للدرس ففكرت مَعَ علمي من حَاله بِأَن الدُّنْيَا لم تكن تحمله على الوقيعة فِي شُبْهَة عَن جَوَاب عَمَّا لَعَلَّه يُقَال كَيفَ دَخلهَا عِنْد ولَايَة التدريس وَترك التورع الَّذِي كَانَ يَفْعَله فَوَقع لي أَنه لَعَلَّ الْمَغْصُوب مِنْهُ أَو ورثته كَانُوا موجودين فِي أَوَائِل أَمر الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ أَو كَانَ وجودهم مُحْتملا ثمَّ تحقق فقدهم وانتقال الساحة إِلَى بَيت المَال فَصَارَ يدخلهَا لكَونهَا أَرض بَيت المَال واشترك الْمُسلمُونَ فِيهَا وَهَذَا يعتضد بِمَا ذكرت عَن الْقفال وَيحْتَمل أَيْضا أَن الدُّخُول حَيْثُ لم يكن مدرسا دُخُول فِي الشُّبْهَة لَا لغَرَض ديني وَبعد التدريس دُخُول لغَرَض لَعَلَّه أهم فِي نظر الشَّارِع من الْوَرع فهذان جوابان قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته من بَاب صَلَاة التَّطَوُّع كَانَ الْقفال يَقُول وددت أَن أجد قَول من سلف الْقُنُوت فِي الْوتر فِي جَمِيع السّنة لكني تفحصت عَنهُ فَمَا وجدت أحدا قَالَ بِهِ قَالَ الْقفال وَقد اشْتريت كتاب ابْن الْمُنْذر فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء لهَذِهِ الْمَسْأَلَة خَاصَّة ففحصت عَنْهَا فَلم أجد أحدا قَالَ بِهِ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ بِالْقُنُوتِ فِي الْوتر فِي جَمِيع شهر رَمَضَان دون غَيره من الشُّهُور قلت كَأَنَّهُ يَعْنِي بالسلف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ إِلَى زمَان مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِلَّا فقد قَالَ بالوتر فِي جَمِيع السّنة من أَصْحَابنَا أَرْبَعَة مِنْهُم اثْنَان أستبعد خَفَاء قَوْلهمَا على الْقفال وهما أَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي وَأَبُو عبد الله الزبيرِي وَأَبُو مَنْصُور بن مهْرَان وَأَبُو الْفضل بن عَبْدَانِ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيّ فِي تَحْقِيق الْمَذْهَب وَلَكِن توقف الْوَالِد

стр. 1618

رَحمَه الله فِي مُوَافَقَته على اخْتِيَاره قَالَ إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث تَصْرِيح بِهِ وَلما رَأَيْت فحص الْقفال عَن أقاويل السّلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَكشفت أوعب الْكتب لأقاويلهم وَهُوَ مُصَنف ابْن أبي شيبَة فَوَجَدته قَالَ حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله أَنه كَانَ يَقُول الْقُنُوت فِي السّنة كلهَا قَالَ وَكَانَ ابْن سِيرِين لَا يرَاهُ إِلَّا فِي النّصْف من رَمَضَان ثمَّ روى عَن الْحسن أَن الإِمَام يقنت فِي النّصْف وَالْمُنْفَرد يقنت الشَّهْر كُله ثمَّ روى بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم قَالَ كَانَ عبد الله لَا يقنت السّنة كلهَا فِي الْفجْر ويقنت فِي الْوتر كل لَيْلَة قبل الرُّكُوع قَالَ أَبُو بكر هَذَا القَوْل عندنَا قلت فَهَذَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قد نقل عَن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله وَهُوَ ابْن مَسْعُود أَنه يقنت فِي الْوتر فِي السّنة كلهَا وَقَالَ بِهِ إِبْرَاهِيم نَفسه وَهُوَ النَّخعِيّ وارتضاه أَبُو بكر وَهُوَ ابْن أبي شيبَة فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة من السّلف وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة ذَلِك فِي فصل من قَالَ الْقُنُوت فِي النّصْف من رَمَضَان فِي فُصُول الْوتر وقنوته ذكر الْقفال فِي فَتَاوِيهِ فِيمَن اشْترى أمة فَوَطِئَهَا قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا أَنه لَا يحْسب لَهَا الِاسْتِبْرَاء مَا دَامَت تَحْتَهُ يفترشها بل لَا بُد من أَن يتجانب عَنْهَا حَتَّى تمر بهَا حَيْضَة قَالَ وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَا يَطَؤُهَا إِلَّا أَنه يلمسها ويعاشرها والمجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ وَأكْثر الْكتب أَنه لَا يمْنَع الِاسْتِبْرَاء إِلَّا الْوَطْء لَا الْمُلَامسَة والمعاشرة لِأَن الْملك لم يمْنَع الاحتساب فَكَذَا المعاشرة بِخِلَاف الْعدة وَذكر فِي الفتاوي أَيْضا أَنا إِذا رَأينَا فِي يَد رجل ضَيْعَة يَدعِي أَنَّهَا وقف عَلَيْهِ لَا تصير وَقفا وَله بيعهَا بعد ذَلِك قَالَ كَمَا لَو كَانَ بِيَدِهِ مَال فَقَالَ هَذَا وَدِيعَة عِنْدِي

стр. 1619

ثمَّ بَاعه فَلهُ ذَلِك قَالَ بِخِلَاف مَا لَو قَالَ وَقفهَا عَليّ فلَان فَإِنَّهُ لَا يجوز بيعهَا قلت أما عدم تَجْوِيز بيع من قَالَ وَقفهَا عَليّ فلَان فَظَاهر وَأما تَجْوِيز بيع من قَالَ هَذِه الْعين وَدِيعَة عِنْدِي فمتجه أَيْضا لِأَن القَوْل فِي الْعُقُود قَول أَرْبَابهَا وَلَعَلَّ الْمُودع أذن لَهُ أَن يَبِيع فلسنا ننقب عَن ذَلِك وَأما تَمْكِين من قَالَ هَذِه وقف عَليّ من البيع فموضع نظر يحْتَمل أَن يُقَال بِمَا قَالَه الْقفال وَيحْتَمل أَن يُخَالف وَيحمل كَلَامه على أَن لَهُ بيعهَا فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا كَانَ كَاذِبًا لَا أَنا نملكه أَو على أَنا نعلم أَنه يَعْنِي بِكَوْنِهَا وَقفا عَلَيْهِ أَنه هُوَ واقفها على نَفسه وبمقتضى هَذَا لَهُ البيع لِأَن الْوَقْف بَاطِل وَيدل لهَذَا أَن الْقفال قَالَ فِي تَوْجِيه قَوْله لَا تصير وَقفا إِن الْإِنْسَان لَا يقدر أَن يقف على نَفسه فَكَأَن الْيَد لما كَانَت تدل على الْملك فدعوى الوقفية بعد ذَلِك لَا يكون مَعْنَاهَا أَن غَيره وَقفهَا عَلَيْهِ لِئَلَّا يُعَارض دلَالَة الْيَد فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون هُوَ الَّذِي وَقفهَا وَذَلِكَ بَاطِل وَإِن لم يحمل كَلَام الْقفال على مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ مُشكل وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ تأييد لِابْنِ الصّلاح قَالَ الْقفال فِي فَتَاوِيهِ فِيمَن قَالَ إِذا مت فاشتروا من ثُلثي حانوتا يبلغ غَلَّته كل شهر خمسين درهما واجعلوه وَقفا على أَن عشرَة لطالبي الْعلم وَعشرَة للْفُقَرَاء وَعشرَة لِلْيَتَامَى وَعشْرين لأبناء السَّبِيل قَالَ الْقفال يَصح وَيعْتَبر يَوْم الشِّرَاء فيشترى حانوتا وَيُوقف خمسه على طالبي الْعلم وخمسه على الْفُقَرَاء وخمسه على الْيَتَامَى وخمسيه على أَبنَاء السَّبِيل ويقفه الْوَصِيّ هَكَذَا أَخْمَاسًا فَإِن زَادَت غلَّة الْحَانُوت من بعد

стр. 1620

فَإِنَّهُ يقسم بَينهم وَتصرف الزِّيَادَة مصرف الأَصْل وَإِن نقص خمسه نقص على هَذَا الْقيَاس انْتهى قلت وَهَذَا صَرِيح فِي أَن من وقف مدرسة وَنَحْوهَا وَقدر لأرباب الْوَظَائِف مقادير بِحَسب ريع الْوَقْف يَوْم وَقفه فَزَاد بعد ذَلِك أَن الزِّيَادَة تبسط عَلَيْهِم على النِّسْبَة فَلَو كَانَ ارتياع الْوَقْف مائَة وَخمسين فَقدر للمدرس خمسين ولعشرة فُقَهَاء كل فَقِيه عشرَة كَانَ للمدرس الثُّلُث وللفقهاء الثُّلُثَانِ بَالغا مَا بلغ وناقصا مَا نقص على النِّسْبَة الْمَذْكُورَة وَهَذَا فِي جَانب النُّقْصَان صَحِيح ظَاهر وَأما فِي جَانب الزِّيَادَة فَلَا يظْهر بل الذى يظْهر أَن الزِّيَادَة لَا ترد عَلَيْهِم وَإِلَّا لضاع تَقْيِيد الْوَاقِف الْمِقْدَار بالخمسين وبالعشرة بل لَهُ أَن يرصد الفائض أَو ينزل عَلَيْهِ فُقَهَاء أَو يصرف مصرف الْمُنْقَطع وَلَعَلَّ الْأَصْلَح الزِّيَادَة فِي عدد الْفُقَهَاء والأقيس إرصاده وَقد رَأينَا فِي حكام هَذَا الْعَصْر الْأَخير من حكم بِنَحْوِ مَا أفتى بِهِ الْقفال وَمَا أَظُنهُ بلغته فتيا الْقفال وفيهَا تأييد لَهُ ولسنا عَلَيْهَا بموافقين وَلَا لفظ الْقفال أَيْضا بِالصَّرِيحِ فِيهَا كل الصراحة فَلْيتَأَمَّل فِيهِ وَالله تَعَالَى أعلم ٤٢٨ - عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله أَبُو حَكِيم الخبري نِسْبَة إِلَى خبر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء المنقوطة بِوَاحِدَة فِي آخرهَا الرَّاء الْمُهْملَة وَهِي نَاحيَة بنواحي شيراز

стр. 1621

تفقه الشَّيْخ أَبُو حَكِيم على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وبرع فِي الْفَرَائِض والحساب وَله فيهمَا المصنفات الفائقة وَكَانَ يعرف الْعَرَبيَّة وَيكْتب الْخط الْحسن ويضبط الضَّبْط الصَّحِيح وَشرح الحماسة وعدة دواوين كالبحتري والمتنبي والرضي الموسوي وَغير ذَلِك وَسمع الحَدِيث الْكثير وَحدث باليسير وروى عَنهُ سبطه أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر السلَامِي الْحَافِظ وَكَانَ يكْتب الْمَصَاحِف ويحكى أَنه كَانَ ذَات يَوْم قَاعِدا مُسْتَندا يكْتب فِي الْمُصحف فَوضع الْقَلَم من يَده واستند وَقَالَ وَالله إِن هَذَا موت طيب هني ثمَّ مَاتَ فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة عبد الله بن جَعْفَر بن عبد الله أَبُو مَنْصُور الجيلي توفّي فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة ٤٢٩ - عبد الله بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن شهفور الإِمَام أَبُو الْقَاسِم التَّمِيمِي من أهل أسفراين نزل بَلخ فاستوطنها فدرس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بهَا وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفُرُوع وَالْخلاف وَالْأُصُول وَله الجاه وَالْمَال الْكثير والوجاهة الزَّائِدَة والمنزلة الرفيعة والسخاء والجود حُكيَ أَنه لما قدم الْأنْصَارِيّ إِلَى بَلخ أهْدى إِلَيْهِ مَا قِيمَته ألف دِينَار

стр. 1622

وَقد سمع الحَدِيث من جده لأمه الْأُسْتَاذ أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَمن أبي حسان مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُزَكي وناصر الْعمريّ وَغَيرهم توفّي ببلخ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ٤٣٠ - عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عمر ابْن حَفْص بن زيد النيهي الشَّيْخ الإِمَام الْجَلِيل أَخُو الإِمَام الْحسن أَبُو عبد الرَّحْمَن النيهي تقدّمت تَرْجَمَة أَخِيه وَسَتَأْتِي تَرْجَمَة وَلَده عبد الرَّحْمَن بن عبد الله وَابْن السَّمْعَانِيّ ﵀ ترْجم كلا من الْحسن وَعبد الرَّحْمَن ولد أَخِيه عبد الله وَلم يذكر لعبد الله هَذَا تَرْجَمَة وَقد ذكره الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْمَرْوذِيّ فِي تعليقته فِي بَاب حد الْقَذْف فِي مَسْأَلَة يَا مؤاجر وَقَول عبد الله هَذَا إِنَّهَا صَرِيح فِي الْقَذْف من الْعَاميّ كِنَايَة من الْمُمَيز وَهُوَ توَسط بَين مقَالَة أَخِيه الْحسن بالصراحة مُطلقًا الَّتِي قدمناها وَذكرنَا أَن الْقفال وَالْقَاضِي الْحُسَيْن سبقاه إِلَيْهَا ومقالة غَيرهم من الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ كِنَايَة

стр. 1623

٤٣١ - عبد الله بن الْعَبَّاس بن أبي يحيى بن أبي مَنْصُور بن عبد الله بن عَبدُوس مَاتَ فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة بسرخس ٤٣٢ - عبد الله بن عَبْدَانِ بن مُحَمَّد بن عَبْدَانِ الشَّيْخ أَبُو الْفضل شيخ همذان ومفتيها وعالمها قَالَ شيرويه بن شهردار روى عَن صَالح بن أَحْمد وَجِبْرِيل وعَلى بن الْحسن بن الرّبيع وَجَمَاعَة وَسمع بِبَغْدَاد من أبي الْحُسَيْن بن أخي ميمى وَابْن حبابة وَعُثْمَان بن القَتَّات وَأبي حَفْص الكتاني والمخلص حَدثنَا عَنهُ مُحَمَّد بن عُثْمَان وَأحمد بن عمر وَالْحُسَيْن بن عَبدُوس وَأَبوهُ وَعلي بن الْحُسَيْن وَكَانَ ثِقَة فَقِيها ورعا جليل الْقدر مِمَّن يشار إِلَيْهِ سَمِعت ابْن عُثْمَان يَقُول لما أغار التّرْك على همذان أَسرُّوا ابْن عَبْدَانِ ثمَّ إِنَّهُم عرفوه فَقَالَ بَعضهم لَا تعذبوه وَلَكِن حلفوه بِاللَّه ليخبرنا بِمَا لَهُ فَإِنَّهُ لَا يكذب فاستحلفوه فَأخْبرهُم

стр. 1624

بمتاعه حَتَّى قَالَ لَهُم على خرقَة فِيهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ دِينَارا رميناها فِي هَذَا الْبِئْر فَمَا قدرُوا على إخْرَاجهَا قَالَ فَمَا سلم لَهُ غَيرهَا قَالَ وَرَأَيْت بِخَط ابْن عَبْدَانِ رَأَيْت فِي الْمَنَام رب الْعِزَّة تَعَالَى وتقدست أسماؤه فَقَالَ لي كلَاما يدل على أَنه يخَاف عَليّ الافتخار بِمَا أولانيه فَقلت لَهُ أَنا فِي نَفسِي أخس وَوَقع فِي ضميري أخس من الروث ثمَّ قَالَ لي أفضل مَا يدعى بِهِ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ مَاتَ ابْن عَبْدَانِ فِي صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَمن الْفَوَائِد عَنهُ وقفت لَهُ على كتاب فِي الْعِبَادَات مُخْتَصر سَمَّاهُ شرح الْعِبَادَات رَأَيْت بِهِ أصلا صَحِيحا قَدِيما مَوْقُوفا بخزانة وقف ابْن عُرْوَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي قَالَ فِيهِ ويقنت عِنْدِي فِي الْوتر فِي جَمِيع السّنة

стр. 1625

قلت وَهُوَ اخْتِيَار النَّوَوِيّ ذكره فِي تَحْقِيق الْمَذْهَب وَعَلِيهِ من أَصْحَابنَا هَذَا الرجل والزبيري وَأَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي وَأَبُو مَنْصُور بن مهْرَان نَقله الْأَصْحَاب عَن الْأَرْبَعَة وَتوقف الْوَالِد ﵀ فِي اخْتِيَاره قَالَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيث الْقُنُوت تَصْرِيح بِأَنَّهُ فِي جَمِيع السّنة قلت وَتقدم قَرِيبا فِي تَرْجَمَة الْقفال فِيهِ حِكَايَة سنيته بِالْإِجْمَاع وَوَقفه عَن اخْتِيَاره وَفِي شرح الْعِبَادَات لِابْنِ عَبْدَانِ أَلْفَاظ يجب تَأْوِيلهَا واعتقاد أَنه لم يرد ظَاهرهَا مِنْهَا قَوْله فِي بَاب صَلَاة التَّطَوُّع إِن رَكْعَتي الْفجْر مسنونة مُؤَكدَة لَا يجوز للمنفرد وَلَا الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم تَركهَا بِحَال فَقَوله لَا يجوز تَركهَا يؤول للْإِجْمَاع على أَنَّهَا سنة وَبِقَوْلِهِ قبل ذَلِك إِنَّهَا سنة وَذكره إِيَّاهَا فِي التَّطَوُّع وَوَقع لَهُ مثله فِي بَاب صَلَاة التَّرَاوِيح فَقَالَ صَلَاة التَّرَاوِيح مسنونة لَا يجوز تَركهَا فِي الْمَسَاجِد غير أَن هَذَا قد يُمكن إجراؤه على ظَاهره فلقائل أَن يَقُول يجب على الإِمَام أَو أَئِمَّة الْمَسَاجِد الْإِتْيَان بهَا لكَونهَا من مصَالح الدّين وَحِينَئِذٍ لَا يجوز تَركهَا لكَونهَا شعارا فتلحق بفرائض الكفايات أَو السّنَن الَّتِي صَارَت شعارا فقوتل عَلَيْهَا تاركها على الْخلاف فِيهَا كَصَلَاة الْعِيد إِذا اتّفق أهل بلد على تَركهَا وَذكر فِي أَوَائِل هَذَا الْكتاب فِي شرح الْإِيمَان وَالْإِسْلَام عقيدة لَا بَأْس بهَا عقيدة رجل أشعري على السّنة

стр. 1626

وَمِنْهَا فِي أواخرها وَلَا يسوغ لأحد أَن يَقُول إِنِّي مُؤمن حَقًا حَتَّى يَقُول إِن شَاءَ الله تَعَالَى لِأَن عواقب الْمُؤمنِينَ غيب عَنْهُم انْتهى وَفِيه فَائِدَتَانِ التَّصْرِيح بِوُجُوب الِاسْتِثْنَاء غير أَنه قيد الْمَسْأَلَة بِمن يَقُول مُؤمن حَقًا لَا بِمن يُطلق مُؤمن فَلْيتَأَمَّل وَالتَّصْرِيح بِأَن الشَّك فِي الخاتمة وَهُوَ أحسن تَأْوِيل للقائل بِالِاسْتِثْنَاءِ وَذكر فِيهِ بَعْدَمَا ذكر أَن الشَّك فِي الْكفْر وَلَو بعد مائَة سنة كفر مَا نَصه وَكَذَلِكَ لَو تفكر وَقَالَ فِي نَفسه أكفر أَو لَا فقد كفر انْتهى وَهَذَا التفكر إِن كَانَ شكا أَو نِيَّة فقد سبقا فِي كَلَامه وَإِلَّا فَأَي شَيْء هُوَ غير حَدِيث النَّفس المتجاوز عَنهُ أَو هُوَ صَرِيح الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فَلْيتَأَمَّل ٤٣٣ - عبد الله بن عبد الْكَرِيم بن هوَازن يعرف بِأبي سعد الْقشيرِي أكبر أَوْلَاد الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم كَانَ إِمَامًا كَبِيرا جيد القريحة لَهُ النَّصِيب الوافر والحظ الْجَلِيل الجزيل من التصريف أصوليا نحويا سمع أَبَا بكر الْحِيرِي وَأَبا سعيد الصَّيْرَفِي وَهَذِه الطَّبَقَة وَقدم بَغْدَاد مَعَ وَالِده فَسمع من القَاضِي أبي الطّيب وَغَيره

стр. 1627

مولده سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ وَالِده يعامله مُعَاملَة الأقران ويحترمه لما يرَاهُ عَلَيْهِ من الطَّرِيقَة الصَّالِحَة روى عَنهُ ابْن أُخْته عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي وَقَالَ كَانَ رَضِيع أَبِيه فِي الطَّرِيقَة وفخر ذويه وَأَهله على الْحَقِيقَة وأكبر أَوْلَاد زين الْإِسْلَام الْمَذْكُور من لَا ترى الْعُيُون مثله فِي الدهور ذُو حَظّ وافر من الْعَرَبيَّة كَانَ يذكر دروسا من الْأُصُول وَالتَّفْسِير بِعِبَارَة مهذبة لَا يتخطرف لِسَانه إِلَى لحن وَلَا يعثر لضعف فِي مَعْرفَته ووهن وَقد حصل الْفِقْه وَكَانَت الْمسَائِل على حفظه بأصولها ونكتها وبرع فِي علم الْأُصُول بطبع سيال وخاطر إِلَى مواقع الْإِشْكَال ميال سباق إِلَى دَرك الْمعَانِي وقاف على المدارك والمباني وَأما عُلُوم الْحَقَائِق فَهُوَ فِيهَا يشق الشّعْر ثمَّ قَالَ يصف مجْلِس وعظه وَصَارَ مَجْلِسه رَوْضَة الْحَقَائِق والدقائق وكلماته محرقة الأكباد والقلوب ومواجيده مقطرة الدِّمَاء من الجفون مَكَان الدُّمُوع ومفطرة الصُّدُور بالتخويف وَالتَّفْزِيع انْتهى وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَت أوقاته ظَاهرا مستغرقة فِي الطَّهَارَة وَالِاحْتِيَاط ثمَّ فِي الصَّلَوَات وَالْمُبَالغَة فِي وصل التَّكْبِير وَبَاطنا فِي مراقبة الْحق ومشاهدة أَحْكَام الْغَيْب لَا يَخْلُو وقته عَن تنفس الصعداء وتذكر البرحاء وترنم بِكَلَام منظوم أَو منثور يتَذَكَّر وقتا مضى انْتهى توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة قبل أمه السيدة فَاطِمَة بنت الدقاق بِأَرْبَع سِنِين وَالله أعلم

стр. 1628

٤٣٤ - عبد الله بن عَليّ بن إِسْحَاق أَخُو الْوَزير نظام الْملك أَبُو الْقَاسِم من أهل طوس دخل نيسابور فِي شبابه لطلب الْعلم وَحُضُور مجَالِس الحَدِيث واستوطنها إِلَى حِين وَفَاته وَكَانَ عفيفا نزها كثير فعل الْخَيْر مواظبا على قِرَاءَة الْقُرْآن غير مدَاخِل لِأَخِيهِ فِي شَيْء من أُمُور السُّلْطَان سمع أَبَا حسان الْمُزَكي وَأَبا عُثْمَان الصَّابُونِي وَأَبا حَفْص بن مسرور وناصرا الْعمريّ وَعبد الغافر بن مُحَمَّد الْفَارِسِي والأستاذ أَبَا الْقَاسِم الْقشيرِي وَغَيرهم روى عَنهُ جمَاعَة ولد سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَمَات فِي سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ٤٣٥ - عبد الله بن عَليّ بن عَوْف أَبُو مُحَمَّد السّني من أهل السن بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة تفقه على القَاضِي أبي الطّيب وَكَانَ يحضر درس أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ إِلَى حِين وَفَاته وَقد ناهز الثَّمَانِينَ وَسمع أَبَا عَليّ بن شَاذان وَغَيره

стр. 1629

وَحدث بِيَسِير وَهُوَ الَّذِي يَقُول لَهُ القَاضِي أَبُو الطّيب وَقد اسْتعَار مِنْهُ شَيْئا (يَا أَيهَا الشَّيْخ الْجَلِيل السّني ... ارْدُدْ عَليّ مَا استعرت مني) توفّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ٤٣٦ - عبد الله بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو الْقَاسِم البحاثي القَاضِي قَالَ عبد الغافر من عُيُون الْفُقَهَاء وأرباب الْفَتْوَى حَافظ للْمَذْهَب من تلامذة أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَمن بَيت الْعلم والْحَدِيث بِنَاحِيَة زوزن وَالله أعلم ٤٣٧ - عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَسد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ أَبُو الْقَاسِم كَانَ بِمصْر قَالَ ابْن الصّلاح وَوَقع فِي بعض الْمَوَاضِع عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسد وَفِي بَعْضهَا عبد الله بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس قَالَ وَذَلِكَ اخْتِصَار لما ذَكرْنَاهُ روى عَن ابْن أبي حَاتِم روى عَنهُ الْمقري أَبُو عمر الطلمنكي ٤٣٨ - عبد الله بن مُحَمَّد بن سَالم قَالَ المطري أَخذ الْفِقْه عَن أَبِيه وَولد فِي شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1630

وَمَات بِذِي أشرق سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ٤٣٩ - عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي الْمَعْرُوف بِابْن اللبان قَالَ فِيهِ الْخَطِيب أحد أوعية الْعلم وَأهل الدّين وَالْفضل سمع بأصبهان أَبَا بكر الْمقري وَغَيره وببغداد أَبَا طَاهِر المخلص وبمكة أَبَا الْحسن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن فراس وتفقه على الشَّيْخ أبي حَامِد ودرس على القَاضِي أبي بكر الْأَصْلَيْنِ وَحدث وَسمع مِنْهُ الْخَطِيب قَالَ وَكَانَ من أحسن النَّاس تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ وَمن أوجز النَّاس عبارَة فِي المناظرة مَعَ تدين جميل وَعبادَة كَثِيرَة وورع بَين وتقشف ظَاهر وَحسن خلق وسمعته يَقُول حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين وَله كتب كَثِيرَة مصنفة وَقد أدْرك ابْن اللبان شهر رَمَضَان من سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ بِبَغْدَاد فصلى بِالنَّاسِ صَلَاة التَّرَاوِيح فِي جَمِيع الشَّهْر وَكَانَ إِذا فرغ من صلَاته بِالنَّاسِ فِي كل لَيْلَة لَا يزَال قَائِما فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي حَتَّى يطلع الْفجْر فَإِذا صلى دارس أَصْحَابه قَالَ وسمعته يَقُول لم أَضَع جَنْبي للنوم فِي هَذَا الشَّهْر لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَ

стр. 1631

ورده كل لَيْلَة فِيمَا يُصَلِّي لنَفسِهِ سبعا من الْقُرْآن يقرأه بترتيل وتمهل مَاتَ بأصبهان فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة ٤٤٠ - عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن حيوية الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ أوحد زَمَانه علما ودينا وزهدا وتقشفا زَائِدا وتحريا فِي الْعِبَادَات كَانَ يلقب بِرُكْن الْإِسْلَام لَهُ الْمعرفَة التَّامَّة بالفقه وَالْأُصُول والنحو وَالتَّفْسِير وَالْأَدب وَكَانَ لفرط الدّيانَة مهيبا لَا يجْرِي بَين يَدَيْهِ إِلَّا الْجد وَالْكَلَام إِمَّا فِي علم أَو زهد وتحريض على التَّحْصِيل سمع الحَدِيث من الْقفال وعدنان بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ وَأبي نعيم عبد الْملك بن الْحسن وَابْن محمش وببغداد من أبي الْحُسَيْن بن بَشرَان وَجَمَاعَة روى عَنهُ ابْنه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَسَهل بن إِبْرَاهِيم المسجدي وعَلى بن أَحْمد الْمَدِينِيّ وَغَيرهم تفقه أَولا على أبي يَعْقُوب الأبيوردي بِنَاحِيَة جُوَيْن ثمَّ قدم نيسابور واجتهد فِي التفقه على أبي الطّيب الصعلوكي ثمَّ ارتحل إِلَى مرو قَاصِدا الْقفال الْمروزِي فلازمه حَتَّى تخرج بِهِ مذهبا وَخِلَافًا وأتقن طَرِيقَته وَعَاد إِلَى نيسابور سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة

стр. 1632

وَقعد للتدريس وَالْفَتْوَى ومجلس المناظرة وَتَعْلِيم الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ ماهرا فِي إِلْقَاء الدُّرُوس وَأما زهده وورعه فإليه الْمُنْتَهى قَالَ الإِمَام أَبُو سعيد بن الإِمَام أبي الْقَاسِم الْقشيرِي كَانَ أَئِمَّتنَا فِي عصره والمحققون من أَصْحَابنَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ من الْكَمَال وَالْفضل والخصال الحميدة أَنه لَو جَازَ أَن يبْعَث الله نَبيا فِي عصره لما كَانَ إِلَّا هُوَ من حسن طَرِيقَته وزهده وَكَمَال فَضله وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي لَو كَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي بني إِسْرَائِيل لنقل إِلَيْنَا شمائله ولافتخروا بِهِ وَمن ورعه أَنه مَا كَانَ يسْتَند فِي دَاره الْمَمْلُوكَة لَهُ إِلَى الْجِدَار الْمُشْتَرك بَينه وَبَين جِيرَانه وَلَا يدق فِيهِ وتدا وَأَنه كَانَ يحْتَاط فِي أَدَاء الزَّكَاة حَتَّى كَانَ يُؤَدِّي فِي سنة وَاحِدَة مرَّتَيْنِ حذرا من نِسْيَان النِّيَّة أَو دَفعهَا إِلَى غير الْمُسْتَحق وَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه قَالَ نَحن من الْعَرَب من قَبيلَة يُقَال لَهَا سِنْبِسٍ وَمن ظريف مَا يحْكى مَا ذكره أَبُو عبد الله الفراوي قَالَ سَمِعت إِمَام الْحَرَمَيْنِ يَقُول كَانَ وَالِدي يَقُول فِي دُعَاء قنوت الصُّبْح اللَّهُمَّ لَا تعقنا عَن الْعلم بعائق وَلَا تَمْنَعنَا عَنهُ بمانع

стр. 1633

قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم السياري يَوْمًا اقْتدى بوالدي فِي صَلَاة الصُّبْح وَقد سبق بِرَكْعَة فَلَمَّا قَضَاهَا قَالَ فِي دُعَاء الْقُنُوت هَذَا الدُّعَاء فَقلت لَهُ لَا تقل هَذَا فِي دُعَاء الْقُنُوت فَقَالَ أَنْت تخرج على كل أحد حَتَّى على أَبِيك قلت كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ يرى أَن الِاعْتِدَال ركن قصير فَلَا يُزَاد فِيهِ على الْمَأْثُور لِأَنَّهُ يطول بِهِ وَفِي بطلَان الصَّلَاة بتطويل اعْتِدَال الرُّكُوع خلاف مَعْرُوف بَين الْأَصْحَاب مَبْنِيّ على قصره أَو طوله بل بَالغ الإِمَام أَي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ فِي قلبِي من الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال شَيْء وَأَشَارَ غَيره إِلَى تردد فِيهَا وَالْمَعْرُوف الصَّوَاب وُجُوبهَا. . وَرُوِيَ أَن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد رأى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي الْمَنَام فَأَوْمأ لتقبيل رجلَيْهِ فَمَنعه ذَلِك تكريما لَهُ قَالَ فَقبلت عَقِبَيْهِ وأولت ذَلِك الْبركَة والرفعة تكون فِي عَقبي قلت فَأَي بركَة ورفعة مثل إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَده توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة بنيسابور قَالَ الْحَافِظ أَبُو صَالح الْمُؤَذّن غسلته فَلَمَّا لففته فِي الأكفان رَأَيْت يَده الْيُمْنَى إِلَى الْإِبِط زهراء منيرة من غير سوء كَأَنَّهَا تتلألأ تلألؤ الْقَمَر فتحيرت وَقلت هَذِه من بَرَكَات فَتَاوِيهِ وَمن تصانيفه الفروق والسلسلة والتبصرة والتذكرة ومختصر الْمُخْتَصر وَشرح الرسَالَة وَله مُخْتَصر فِي موقف الإِمَام وَالْمَأْمُوم ووقفت على شرح على كتاب عُيُون الْمسَائِل الَّتِي صنفها أَبُو بكر الْفَارِسِي ذكر كَاتبه وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد

стр. 1634

النوكاني الطريثيثي أَنه علقه عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَقد قدمت ذكر هَذَا الشَّرْح فِي تَرْجَمَة الْفَارِسِي لكني رَأَيْت الرَّوْيَانِيّ ينْقل فِي الْبَحْر أَشْيَاء جمة عَن شرح عُيُون الْمسَائِل للقفال أَخذهَا بألفاظها فِي هَذَا الشَّرْح وَرُبمَا أَتَت على سطور كَثِيرَة كَمَا قَالَ فِي الْبَحْر فِي انْعِقَاد النِّكَاح بالمكاتبة إِن الْقفال قَالَ فِي شرح عُيُون الْمسَائِل فَذكر أسطرا كَثِيرَة هِيَ بعبارتها مَوْجُودَة فِي هَذَا الشَّرْح وَمثل هَذَا كثير فتحيرت لِأَن وجدان هَذَا الأَصْل بِخَط الْمُعَلق نَفسه يعين أَنه كَلَام الشَّيْخ أبي مُحَمَّد وَنقل الرَّوْيَانِيّ يقتضى أَنه كَلَام الْقفال وَلَعَلَّ الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد أملاه عَن شَيْخه الْقفال ليجتمع هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَإِلَّا فَكيف السَّبِيل إِلَى الْجمع وَله تَفْسِير كَبِير يشْتَمل على عشرَة أَنْوَاع فِي كل آيَة وَكتاب الْمُحِيط وسنشرح خَبره وَمن شعره يرثي بعض أصدقائه وَلم أسمع لَهُ غَيرهمَا رَحمَه الله تَعَالَى (رَأَيْت الْعلم بكاء حَزينًا ... ونادى الْفضل واحزنا وبوسى) (سألتهما بِذَاكَ فَقيل أودى ... أَبُو سهل مُحَمَّد بن مُوسَى) ذكر الْبَحْث عَن حَال المُصَنّف الَّذِي كَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد قد بَدَأَ فِيهِ ثمَّ رَجَعَ عَن إِتْمَامه لكَلَام أرْسلهُ إِلَيْهِ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى كَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد قد شرع فِي كتاب سَمَّاهُ الْمُحِيط عزم فِيهِ على عدم التقيد بِالْمذهبِ

стр. 1635

وَأَنه يقف على مورد الْأَحَادِيث لَا يعدوها ويتجنب جَانب العصبية للمذاهب فَوَقع إِلَى الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ مِنْهُ ثَلَاثَة أَجزَاء فانتقد عَلَيْهِ أوهاما حَدِيثِيَّةٌ وَبَين أَن الْآخِذ بِالْحَدِيثِ الْوَاقِف عِنْده هُوَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَن رغبته عَن الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ لعلل فِيهَا يعرفهَا من يتقن صناعَة الْمُحدثين فَلَمَّا وصلت الرسَالَة إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد قَالَ هَذِه بركَة الْعلم ودعا للبيهقي وَترك إتْمَام التصنيف فرضى الله عَنْهُمَا لم يكن قصدهما غير الْحق والنصيحة للْمُسلمين وَقد حصل عِنْد الْبَيْهَقِيّ مِمَّا فعله الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أَمر عَظِيم كَمَا يظْهر من كَلَامه فِي هَذِه الرسَالَة وَأَنا أرى أَن أسوقها بكمالها لتستفاد فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَة على فَوَائِد مهمة ودالة على عَظِيم قدر الْبَيْهَقِيّ وفيهَا أَيْضا مَوَاضِع من كتاب الْمُحِيط انتقدها الْبَيْهَقِيّ فتستفاد أَيْضا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ذكر صُورَة الرسَالَة الَّتِي أرسلها إِلَيْهِ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ كتب إِلَيّ أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَخلق من مشيختنا عَن أبي الْفضل بن عَسَاكِر عَن أبي روح الْهَرَوِيّ عَن أبي المظفر بن السَّمْعَانِيّ عَن أَبِيه الْحَافِظ أبي سعد قَالَ أخبرنَا أَبُو نصر عَليّ بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الشجاعي إِذْنا قَالَ حَدثنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ قَالَ سَلام الله وَرَحمته على الشَّيْخ الإِمَام وَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ وأصلي على رَسُوله ﷺ أما بعد عصمنا الله بِطَاعَتِهِ

стр. 1636

وَأَكْرمنَا بالاعتصام بِسنة خيرته من بريته ﷺ وأعاننا على الِاقْتِدَاء بالسلف الصَّالِحين من أمته وعافانا فِي ديننَا ودنيانا وكفانا كل هول دون الْجنَّة بفضله وَرَحمته إِنَّه وَاسع الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة وَبِه التَّوْفِيق والعصمة فقلبي للشَّيْخ أدام الله عصمته وأيد أَيَّامه مقتد ولساني لَهُ بِالْخَيرِ ذَاكر وَللَّه تَعَالَى على حسن توفيقه إِيَّاه شَاكر وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ يزِيدهُ تَوْفِيقًا وتأييدا وتسديدا وَقد علم الشَّيْخ أدام الله توفيقه اشتغالي بِالْحَدِيثِ واجتهادي فِي طلبه مُعظم مقصودي مِنْهُ فِي الِابْتِدَاء التَّمْيِيز بَين مَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ من الْأَخْبَار وَبَين مَا لَا يَصح حَتَّى رَأَيْت الْمُحدثين من أَصْحَابنَا يرسلونها فِي الْمسَائِل على مَا يحضرهم من ألفاظها من غير تَمْيِيز مِنْهُم بَين صحيحها وسقيمها ثمَّ إِذا احْتج عَلَيْهِم بعض مخالفيهم بِحَدِيث شقّ عَلَيْهِم تَأْوِيله أخذُوا فِي تَعْلِيله بِمَا وجدوه فِي كتب الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابنَا تقليدا وَلَو عرفوه معرفتهم لميزوا صَحِيح مَا يُوَافق أَقْوَالهم من سقيمه ولأمسكوا عَن كثير مِمَّا يحتجون بِهِ وَإِن كَانَ يُطَابق آراءهم ولاقتدوا فِي ترك الِاحْتِجَاج بِرِوَايَة الضُّعَفَاء والمجهولين بإمامهم فشرطه فِيمَن يقبل خَبره عِنْد من يعتنى بمعرفته مَشْهُور وَهُوَ بشرحه فِي كتاب الرسَالَة مسطور وَمَا ورد من الْأَخْبَار بِضعْف رِوَايَته أَو انْقِطَاع إِسْنَاده كثير وَالْعلم بِهِ على من جَاهد فِيهِ سهل يسير وَقد أحتج فِي ترك الِاحْتِجَاج بالمجهولين بِمَا أَنبأَنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا الشَّافِعِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج وَحَدثُوا عني وَلَا تكذبوا عَليّ) قَالَ الشَّافِعِي أحَاط الْعلم أَن النَّبِي ﷺ لَا يَأْمر أحدا بِحَال أَن يكذب

стр. 1637

على بني إِسْرَائِيل وَلَا على غَيرهم فَإذْ أَبَاحَ الحَدِيث عَن بني إِسْرَائِيل فَلَيْسَ أَن يقبلُوا الحَدِيث الْكَذِب على بني إِسْرَائِيل لِأَنَّهُ يرْوى عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (من حدث بِحَدِيث وَهُوَ يرَاهُ كذبا فَهُوَ أحد الْكَاذِبين) وَإِنَّمَا أَبَاحَ قبُول ذَلِك عَمَّن حدث بِهِ مِمَّن يجهل صدقه وَكذبه قَالَ وَإِذ فرق بَين الحَدِيث عَنهُ والْحَدِيث عَن بني إِسْرَائِيل فَقَالَ (حدثوا عني وَلَا تكذبوا عَليّ) فالعلم إِن شَاءَ الله يُحِيط أَن الْكَذِب الَّذِي نَهَاهُم عَنهُ هُوَ الْكَذِب الْخَفي وَذَلِكَ الحَدِيث عَمَّن لَا يعرف صدقه ثمَّ حكى الشَّافِعِي فِي رد حَدِيث الضُّعَفَاء عَن ابْن عمر وَعَن عُرْوَة بن الزبير وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَحَكَاهُ فِي كتاب الْعمريّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَطَاوُس وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ثمَّ قَالَ وَلَا لقِيت وَلَا علمت أحدا من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يُخَالف هَذَا الْمَذْهَب قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه أَحْمد وَإِنَّمَا يُخَالِفهُ بعض من لَا يعد من أهل الحَدِيث فَيرى قبُول رِوَايَة المجهولين مَا لم يعلم مَا يُوجب رد خبرهم وَقد قَالَ الشَّافِعِي ﵁ فِي أول كتاب الطَّهَارَة حِين ذكر مَا تكون بِهِ الطَّهَارَة من المَاء وَاعْتمد فِيهِ على ظَاهر الْقُرْآن وَقد رُوِيَ فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث يُوَافق ظَاهر الْقُرْآن فِي إِسْنَاده من لَا أعرفهُ ثمَّ ذكر حَدِيثه عَن مَالك عَن صَفْوَان بن سليم عَن سعيد بن سَلمَة عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي الْبَحْر

стр. 1638

وَعَسَى لم يخْطر ببال فَقِيه من فُقَهَاء عصرنا ريب فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث وإمامه يَقُول فِي إِسْنَاده من لَا أعرفهُ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم الْمُغيرَة ابْن أبي بردة ثمَّ فِي وَصله بِذكر أبي هُرَيْرَة مَعَ إِيدَاع مَالك بن أنس إِيَّاه كِتَابه الْمُوَطَّأ ومشهور فِيمَا بَين الْحفاظ أَنه لم يودعه رِوَايَة من يرغب عَنهُ إِلَّا رِوَايَة عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي فقد رغب عَنْهُمَا غَيره وَتوقف الشَّافِعِي فِي إِيجَاب الْغسْل من غسل الْمَيِّت وَاعْتذر بِأَن بعض الْحفاظ أَدخل بَين أبي صَالح وَبَين أبي هُرَيْرَة إِسْحَاق مولى زَائِدَة وَأَنه لَا يعرفهُ وَلَعَلَّه أَن يكون ثِقَة وَتوقف فِي إِثْبَات الْوَقْت الثَّانِي لصَلَاة الْمغرب مَعَ أَحَادِيث صِحَاح رويت فِيهِ بعد إِمَامَة جِبْرِيل ﵇ النَّبِي ﷺ حِين لم يثبت عِنْده من عَدَالَة رواتها مَا يُوجب قبُول خبرهم وَكَأَنَّهُ وَقع لمُحَمد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ ﵀ بعده مَا وَقع لَهُ حَتَّى لم يخرج شَيْئا من تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي كِتَابه ووقف مُسلم بن الْحجَّاج ﵀ على مَا يُوجب قبُول خبرهم ووثق بِحِفْظ من رفع الْمُخْتَلف فِي رَفعه مِنْهَا فَقبله وأخرجها فِي الصَّحِيح وَهُوَ فِي حَدِيث أبي مُوسَى وبريرة وَعبد الله بن عَمْرو وَاحْتج الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب أَحْكَام الْقُرْآن بِرِوَايَة عَائِشَة فِي أَن زوج

стр. 1639

بَرِيرَة كَانَ عبدا وَأَن بعض من تكلم مَعَه قَالَ لَهُ هَل تروون عَن غير عَائِشَة أَنه كَانَ عبدا قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمُعتقَة وَهِي أعلم بِهِ من غَيرهَا وَقد رُوِيَ من وَجْهَيْن قد أثبت أَنْت مَا هُوَ أَضْعَف مِنْهُمَا وَنحن إِنَّمَا نثبت مَا هُوَ أقوى مِنْهُمَا فَذكر حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَحَدِيث الْقَاسِم الْعمريّ عَن عبد الله ابْن دِينَار عَن ابْن عَمْرو أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا وَحَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قد أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن عِكْرِمَة مُخْتَلف فِي عَدَالَته كَانَ مَالك بن أنس رحمنا الله وإياه لَا يرضاه وَتكلم فِيهِ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَجَمَاعَة من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَلذَلِك ترك مُسلم بن الْحجَّاج الِاحْتِجَاج بروايته فِي كِتَابه وَالقَاسِم الْعمريّ ضَعِيف عِنْدهم قَالَ الشَّافِعِي لخصمه نَحن إِنَّمَا نثبت مَا هُوَ أقوى مِنْهُمَا وَقَالَ فِي أثرين ذكرهمَا فِي كتاب الْحُدُود وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ وَإِن لم يخالفانا غير معروفتين وَنحن نرجو أَلا نَكُون مِمَّن تَدعُوهُ الْحجَّة على من خَالفه إِلَى قبُول خبر من لَا يثبت خَبره بمعرفته عِنْده وَله من هَذَا أَشْيَاء كَثِيرَة يَكْتَفِي بِأَقَلّ من هَذَا من سلك سَبِيل النصفة فَهَذَا مذْهبه فِي قبُول الْأَخْبَار وَهُوَ مَذْهَب القدماء من أهل الْآثَار قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵁ وَكنت أسمع رَغْبَة الشَّيْخ ﵁ فِي سَماع الحَدِيث وَالنَّظَر فِي كتب أَهله فأشكر إِلَيْهِ وأشكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَأَقُول فِي نَفسِي ثمَّ فِيمَا بَين النَّاس قد جَاءَ الله بِمن يرغب فِي الحَدِيث ويرغب فِيهِ من بَين الْفُقَهَاء ويميز فِيمَا يرويهِ ويحتج بِهِ

стр. 1640

الصَّحِيح من السقيم من جملَة الْعلمَاء وَأَرْجُو من الله أَن يحيي سنة إمامنا المطلبي فِي قبُول الْآثَار حَيْثُ أماتها أَكثر فُقَهَاء الْأَمْصَار بعد من مضى من الْأَئِمَّة الْكِبَار الَّذين جمعُوا بَين نَوْعي علمي الْفِقْه وَالْأَخْبَار ثمَّ لم يرض بَعضهم بِالْجَهْلِ بِهِ حَتَّى رَأَيْته حمل الْعَالم بِهِ بالوقوع فِيهِ والإزراء بِهِ والضحك مِنْهُ وَهُوَ مَعَ هَذَا يعظم صَاحب مذْهبه ويجله وَيَزْعُم أَنه لَا يُفَارق فِي منصوصاته قَوْله ثمَّ يدع فِي كَيْفيَّة قبُول الحَدِيث ورده طَرِيقَته وَلَا يسْلك فِيهَا سيرته لقلَّة مَعْرفَته بِمَا عرف وَكَثْرَة غفلته عَمَّا عَلَيْهِ وقف هلا نظر فِي كتبه ثمَّ اعْتبر باحتياطه فِي انتقاده لرواة خَبره واعتماده فِيمَن اشْتبهَ عَلَيْهِ حَاله على رِوَايَة غَيره فنرى سلوك مذْهبه مَعَ دلَالَة الْعقل والسمع وَاجِبا على كل من انتصب للفتيا فإمَّا أَن يجْتَهد فِي تعلمه أَو يسكت عَن الْوُقُوع فِيمَن يُعلمهُ وَلَا يجْتَمع عَلَيْهِ وزران حَيْثُ فَاتَهُ الأجران وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان ثمَّ إِن بعض أَصْحَاب الشَّيْخ أدام الله عزه وَقع إِلَى هَذِه النَّاحِيَة فَعرض عَليّ أَجزَاء ثَلَاثَة مِمَّا أملاه من كِتَابه الْمُسَمّى بالمحيط فسررت بِهِ ورجوت أَن يكون الْأَمر فِيمَا يُورِدهُ من الْأَخْبَار على طَريقَة من مضى من الْأَئِمَّة الْكِبَار لائقا بِمَا خص بِهِ من علم الأَصْل وَالْفرع مُوَافقا لما ميز بِهِ من فضل الْعلم والورع فَإِذا أول حَدِيث وَقع عَلَيْهِ بَصرِي الحَدِيث الْمَرْفُوع فِي النَّهْي عَن الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ المشمس فَقلت فِي نَفسِي يُورِدهُ ثمَّ يُضعفهُ أَو يصحح القَوْل فِيهِ فرأيته قد أمْلى وَالْخَبَر فِيهِ مَا روى مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة فَقلت هلا قَالَ رُوِيَ عَن عَائِشَة أَو رُوِيَ عَن ابْن وهب عَن مَالك أَو رُوِيَ عَن مَالك أَو رُوِيَ عَن إِسْمَاعِيل بن عَمْرو الْكُوفِي عَن ابْن وهب عَن مَالك أَو روى

стр. 1641

خَالِد بن إِسْمَاعِيل أَو وهب بن وهب أَبُو البخْترِي عَن هِشَام بن عُرْوَة أَو روى عَمْرو بن مُحَمَّد الأعسم عَن فليح عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة ليَكُون الحَدِيث مُضَافا إِلَى مَا يَلِيق بِهِ مثل هَذِه الرِّوَايَة وَلَا يكون فِي مثل هَذَا عَن مَالك بن أنس من أَظُنهُ يبرأ إِلَى الله تَعَالَى من رِوَايَته ظنا مَقْرُونا بِعلم ثمَّ إِنِّي رَأَيْته أدام الله عصمته أول حَدِيث التَّسْمِيَة وَضعف مَا رُوِيَ عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن فِي تَأْوِيله بِحَدِيث شهد بِهِ على الْأَعْمَش أَنه رَوَاهُ عَن شَقِيق ابْن سَلمَة عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ فِيمَن تَوَضَّأ وسمى وفيمن تَوَضَّأ وَلم سم وَهَذَا حَدِيث تفرد بِهِ يحيى بن هَاشم السمسار عَن الْأَعْمَش وَلَا يشك أحد فِي ضعفه وَرَوَاهُ أَيْضا عبد الله بن حَكِيم أَبُو بكر الداهري عَن عَاصِم بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وَأَبُو بكر الداهري ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ وَرُوِيَ من وَجه آخر مَجْهُول عَن أبي هُرَيْرَة وَلَا يثبت وَحَدِيث التَّسْمِيَة قد رُوِيَ من أوجه مَا وَجه من وجوهها إِلَّا وَهُوَ مثل إِسْنَاد من أَسَانِيد مَا رُوِيَ فِي مُقَابلَته وَمَعَ ذَلِك فَأَحْمَد بن حَنْبَل ﵁ يَقُول لَا أعلم فِيهِ حَدِيثا ثَابتا فَقلت فِي نَفسِي قد ترك الشَّيْخ حرس الله مهجته الْقَوْم فِيمَا أَحْدَثُوا من المساهلة فِي رِوَايَة الْأَحَادِيث وَأَحْسبهُ سلك هَذِه الطَّرِيقَة فِيمَا حكى لي عَنهُ من مَسحه وَجهه

стр. 1642

بيدَيْهِ فِي قنوت صَلَاة الصُّبْح وَأحسن الظَّن بِرِوَايَة من روى مسح الْوَجْه باليدين بعد الدُّعَاء مَعَ مَا أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر الخراجي قَالَ حَدثنَا سَارِيَة حَدثنَا عبد الْكَرِيم السكرِي قَالَ حَدثنَا وهب بن زَمعَة أَخْبرنِي على الناسائي قَالَ سَأَلت عبد الله بن الْمُبَارك عَن الَّذِي إِذا دَعَا مسح وَجهه فَلم يجب قَالَ عَليّ وَلم أره يفعل ذَلِك قَالَ عَليّ وَكَانَ عبد الله يقنت بعد الرُّكُوع فِي الْوتر وَكَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي الْقُنُوت وَأخْبرنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي حَدثنَا أَبُو بكر بن داسة قَالَ قَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن مُحَمَّد بن كَعْب كلهَا واهية وَهَذَا الطَّرِيق أمثلها وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا يُرِيد بِهِ حَدِيث عبد الله بن يَعْقُوب عَمَّن حَدثهُ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ (سلوا الله ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها فَإِذا فَرَغْتُمْ فامسحوا بهَا وُجُوهكُم) وَرُوِيَ ذَلِك من أوجه أخر كلهَا أَضْعَف من رِوَايَة من رَوَاهَا عَن ابْن عَبَّاس وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل ينكرها وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ فِي الصَّلَاة لَا وَلَا بَأْس بِهِ فِي غير الصَّلَاة قَالَ الْفَقِيه وَهَذَا لما فِي اسْتِعْمَاله فِي الصَّلَاة من إِدْخَال عمل عَلَيْهَا لم يثبت بِهِ أثر وَقد يَدْعُو فِي آخر تشهده ثمَّ لَا يرفع يَدَيْهِ وَلَا يمسحهما بِوَجْهِهِ إِذْ لم يرد بهما أثر

стр. 1643

فَكَذَا فِي دُعَاء الْقُنُوت يرفع يَدَيْهِ لوُرُود الْأَثر بِهِ وَلَا يمسح بهما وَجهه إِذْ لم يثبت فِيهِ أثر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَعِنْدِي أَن من سلك من الْفُقَهَاء هَذِه الطَّرِيقَة فِي المساهلة أنكر عَلَيْهِ قَوْله مَعَ كَثْرَة مَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث فِي خِلَافه وَإِذا كَانَ هَذَا اخْتِيَاره فسبيله أدام الله توفيقه يملي فِي مثل هَذِه الْأَحَادِيث رُوِيَ عَن فلَان وَلَا يَقُول روى فلَان لِئَلَّا يكون شَاهدا على فلَان بروايته من غير ثَبت وَهُوَ إِن فعل ذَلِك وجد نَفسه مُتبعا فقد أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْوَلِيد الْفَقِيه يَقُول لما سمع أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي من أبي جَعْفَر بن حمدَان كِتَابه الْمخْرج على كتاب مُسلم كَانَ يديم النّظر فِيهِ فَكَانَ إِذا جلس للذّكر يَقُول فِي بعض مَا يذكر من الحَدِيث قَالَ رَسُول الله ﷺ وَيَقُول فِي بعضه رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فَنَظَرْنَا فَإِذا بِهِ قد حفظ مَا فِي الْكتاب حَتَّى ميز بَين صَحِيح الْأَخْبَار وسقيمها وَأَبُو عُثْمَان الْحِيرِي يحْتَاط فِي هَذَا النَّوْع من الِاحْتِيَاط فِيمَا يُدِير من الْأَخْبَار فِي المواعظ وَفِي فَضَائِل الْأَعْمَال فَالَّذِي يديرها فِي الْفَرْض وَالنَّفْل ويحتج بهَا فِي الْحَرَام والحلال أولى بِالِاحْتِيَاطِ وأحوج إِلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق قَالَ الْفَقِيه وَقد رَأَيْت بعض من أوردت عَلَيْهِ شَيْئا من هَذِه الطَّرِيقَة فزع فِي ردهَا إِلَى اخْتِلَاف الْحفاظ فِي تَصْحِيح الْأَخْبَار وتضعيفها وَلَو عرف حَقِيقَة اخْتلَافهمْ لعلم أَن لَا فرج لَهُ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ كَمَا لَا فرج لمن خَالَفنَا فِي أصُول الديانَات فِي الِاحْتِجَاج علينا باختلافنا فِي المجتهدات

стр. 1644

وَاخْتِلَاف الْحفاظ فِي ذَلِك لَا يُوجب رد الْجَمِيع وَلَا قبُول الْجَمِيع وَكَانَ من سَبيله أَن يعلم أَن الْأَحَادِيث المروية على ثَلَاثَة أَنْوَاع نوع اتّفق أهل الْعلم بِهِ على صِحَّته وَنَوع اتَّفقُوا على ضعفه وَنَوع اخْتلفُوا فِي ثُبُوته فبعضهم يضعف بعض رُوَاته بِجرح ظهر لَهُ وخفي على غَيره أَو لم يظْهر لَهُ من عَدَالَته مَا يُوجب قبُول خَبره وَقد ظهر لغيره أَو عرف مِنْهُ معنى يُوجب عِنْده رد خَبره وَذَلِكَ الْمَعْنى لَا يُوجِبهُ عِنْد غَيره أَو عرف أَحدهمَا عِلّة حَدِيث ظهر بهَا انْقِطَاعه أَو انْقِطَاع بعض أَلْفَاظه أَو إدراج لفظ من أَلْفَاظ من رَوَاهُ فِي مَتنه أَو دُخُول إِسْنَاد حَدِيث فِي إِسْنَاد غَيره خفيت تِلْكَ الْعلَّة على غَيره فَإِذا علم هَذَا وَعرف معنى رد من رد مِنْهُم خَبرا أَو قبُول من قبله مِنْهُم هداه الْوُقُوف عَلَيْهِ والمعرفة بِهِ إِلَى اخْتِيَار أصح الْقَوْلَيْنِ إِن شَاءَ الله قَالَ الْفَقِيه وَكنت أدام الله عز الشَّيْخ أنظر فِي كتب بعض أَصْحَابنَا وحكايات من حكى مِنْهُم عَن الشَّافِعِي ﵁ نصا وَأنْظر اخْتلَافهمْ فِي بَعْضهَا فيضيق قلبِي بالاختلاف مَعَ كَرَاهِيَة الْحِكَايَة من غير ثَبت فَحَمَلَنِي ذَلِك على نقل مَبْسُوط مَا اخْتَصَرَهُ الْمُزنِيّ ﵀ على تَرْتِيب الْمُخْتَصر ثمَّ نظرت فِي كتاب التَّقْرِيب وَكتاب جمع الْجَوَامِع وعيون الْمسَائِل وَغَيرهَا فَلم أر أحدا مِنْهُم فِيمَا حَكَاهُ أوثق من صَاحب التَّقْرِيب وَهُوَ فِي النّصْف الأول من كِتَابه أَكثر حِكَايَة لألفاظ الشَّافِعِي مِنْهُ فِي النّصْف الْأَخير وَقد غفل فِي النصفين جَمِيعًا مَعَ اجْتِمَاع الْكتب لَهُ أَو أَكْثَرهَا وَذَهَاب بَعْضهَا فِي عصرنا عَن حِكَايَة أَلْفَاظ لَا بُد لنا من مَعْرفَتهَا لِئَلَّا نجترىء على تخطئة الْمُزنِيّ فِي بعض مَا نخطئه فِيهِ وَهُوَ عَنهُ بَرِيء ولنتخلص بهَا عَن كثير من تخريجات أَصْحَابنَا

стр. 1645

وَمِثَال ذَلِك من الْأَجْزَاء الَّتِي رَأَيْتهَا من كتاب الْمُحِيط من أَوله إِلَى مَسْأَلَة التَّفْرِيق أَن أَكثر أَصْحَابنَا وَالشَّيْخ أدام الله عزه مَعَهم يوردون الذَّنب فِي تَسْمِيَة الْبَحْر بالمالح إِلَى أبي إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ ويزعمون أَنَّهَا لم تُوجد للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قد سمي الشَّافِعِي الْبَحْر مالحا فِي كتابين قَالَ الشَّافِعِي فِي آمالي الْحَج فِي مَسْأَلَة كَون الْمحرم فِي صيد الْبَحْر كالحلال وَالْبَحْر إِمَّا العذب وَإِمَّا المالح قَالَ الله تَعَالَى ﴿هَذَا عذب فرات سَائِغ شرابه وَهَذَا ملح أجاج﴾ وَقَالَ فِي كتاب الْمَنَاسِك الْكَبِير فِي الْآيَة دَلِيل أَن الْبَحْر العذب والمالح وَذكر الشَّيْخ أبقاه الله حَدثنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر ﵀ أحد قولي الشَّافِعِي فِي أكل الْجلد المدبوغ على مَا بنى عَلَيْهِ ثمَّ ذكر الشَّيْخ حفظه الله تَصْحِيح القَوْل بِمَنْع الْأكل من عِنْد نَفسه بإيراد حجَّته وَقد نَص الشَّافِعِي ﵀ فِي الْقَدِيم وَفِي رِوَايَة حَرْمَلَة على مَا هداه إِلَيْهِ خاطره المتين قَالَ الزَّعْفَرَانِي قَالَ أَبُو عبد الله الشَّافِعِي فِي كَلَام ذكره يحل أَن يتَوَضَّأ فِي جلدهَا إِذا دبغ وَذَلِكَ الَّذِي أَبَاحَ رَسُول الله ﷺ مِنْهُ فأبحناه كَمَا أَبَاحَهُ ونهينا عَن أكله بِحمْلِهِ أَنه من ميتَة وَلم يرخص فِي غير مَا رخص فِيهِ خَاصَّة ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ مَا حل لنا الِاسْتِمْتَاع بِبَعْضِه بِخَبَر بِالَّذِي يُبِيح لنا مَا نهينَا عَنهُ من ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه بِخَبَر أَلا ترى أَنا لَا نعلم اخْتِلَافا فِي أَنه يحل شِرَاء الْحمر والهر والاستمتاع بهَا وَلَا يُبِيح أكلهَا وَإِنَّمَا نُبيح مَا يُبِيح ونحظر مَا حظر وَقَالَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة يحل الِاسْتِمْتَاع بِهِ بِالْحَدِيثِ وَلَا يحل أكله بِأَصْل أَنه من ميتَة

стр. 1646

ورأيته أدام الله عصمته اخْتَار فِي تحلية الدَّابَّة بِالْفِضَّةِ جَوَازهَا وَأَظنهُ علم كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي كتاب مُخْتَصر الْبُوَيْطِيّ وَالربيع وَرِوَايَة مُوسَى بن أبي الْجَارُود حَيْثُ يَقُول وَإِن اتخذ رجل أَو أمْرَأَة آنِية من فضَّة أَو من ذهب أَو ضببا بهما آنِية أَو ركباه على مشجب أَو سرج فعلَيْهِمَا الزَّكَاة وَكَذَلِكَ اللجم والركب هَذَا مَعَ قَوْله فِي روايتهم لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح وَحَيْثُ لم يخص بِهِ الذَّهَب بِعَيْنِه فَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بِهِ كليهمَا جَمِيعًا وَإِن كَانَت الْكِنَايَة بالتذكير يحْتَمل أَن تكون رَاجِعَة إِلَى الذَّهَب دون الْفضة كَمَا قَالَ الله ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ فَالظَّاهِر عِنْد أَكثر أهل الْعلم أَنه أَرَادَ بِهِ كليهمَا مَعًا وَإِن كَانَت الْكِنَايَة بالتأنيث يحْتَمل أَن تكون رَاجِعَة إِلَى الْفضة دون الذَّهَب وَقد علم الشَّيْخ أبقاه الله وُرُود التَّحْرِيم فِي الْأَوَانِي المتخذة من الذَّهَب وَالْفِضَّة عَامَّة ثمَّ وُرُود الْإِبَاحَة فِي تحلية النِّسَاء بهما وتختم الرِّجَال بِالْفِضَّةِ خَاصَّة ووقف على اخْتِلَاف الصَّدْر الأول ﵃ فِي حلية السيوف واحتجاج كل فريق مِنْهُم لقَوْله بِخَبَر فَنحْن وَإِن رجحنا قَول من قَالَ بإباحتها بِنَوْع من وُجُوه الترجيحات ثمَّ حظرنا تحلية السَّيْف والسرير وَسَائِر الْآلَات وَلم نقسها على التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ وَلَا على حلية السيوف فتصحيح إِبَاحَة تحلية الدَّابَّة بِالْفِضَّةِ من غير وُرُود أثر صَحِيح مِمَّا يشق ويتعذر وَهُوَ أدام الله توفيقه أهل أَن يجْتَهد وَيتَخَيَّر وَمَا اسْتدلَّ بِهِ من الْخَبَر بِأَن أَبَا سُفْيَان أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ بَعِيرًا برته من فضَّة فَغير مشتهر وَهُوَ إِن كَانَ فَلَا دلَالَة لَهُ فِي فعل أبي سُفْيَان إِذْ لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه تَركه ثمَّ رَكبه أَو أركبه غَيره

стр. 1647

وَإِنَّمَا الحَدِيث الْمَشْهُور عندنَا مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أهْدى رَسُول الله ﷺ فِي هَدِيَّة جملا لأبي جهل فِي أَنفه برة فضَّة ليغيظ بِهِ الْمُشْركين أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْجَبَّار حَدثنَا يُونُس بن بكير عَن ابْن إِسْحَاق. . الحَدِيث وَكَانَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ يَقُول كنت أرى هَذَا من صَحِيح حَدِيث ابْن إِسْحَاق فَإِذا هُوَ قد دلسه حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي من لَا أتهم عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فَإِذا الحَدِيث مُضْطَرب أخبرنَا بِهَذِهِ الْحِكَايَة مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن صَالح الْهَاشِمِي حَدثنَا أَبُو جَعْفَر السبيعِي حَدثنَا عبد الله بن عَليّ الْمَدِينِيّ قَالَ حَدثنِي أبي فَذكرهَا وَقد رُوِيَ الحَدِيث عَن جرير بن حَازِم عَن ابْن أبي نجيح وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقد أخبرنَا مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْفضل أخبرنَا أَبُو عبد الله الصفار حَدثنَا أَحْمد ابْن مُحَمَّد البرتي القَاضِي حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمنْهَال حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ أهْدى جملا لأبي جهل يَوْم الْحُدَيْبِيَة كَانَ استلبه يَوْم بدر وَفِي أَنفه برة من ذهب

стр. 1648

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي فِي كتاب السّنَن عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال برة من ذهب أخبرنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي أخبرنَا أَبُو بكر بن داسة حَدثنَا أَبُو دَاوُد فَذكره وَقَالَ عَام الْحُدَيْبِيَة وَلم يذكر قصَّة بدر وَقد أجمعنا على منع تحلية الدَّابَّة بِالذَّهَب وَلم نَدع فِيهَا ظَاهر الْكتاب بِإِيجَاب الزَّكَاة فِيهِ وعدة إِذا لم يُخرجهَا من الْكُنُوز بِهَذَا الْخَبَر وَكَذَلِكَ لَا ندعه فِي الْفضة وَلَيْسَ فِي الْخَبَر إِن ثَبت فِي الْفضة صَرِيح دلَالَة فِي الْمَسْأَلَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق والعصمة وَقد حُكيَ لي عَن الشَّيْخ أدام الله عزه أَنه اخْتَار جَوَاز الْمَكْتُوبَة على الرَّاحِلَة الواقفة إِذا تمكن من الْإِتْيَان بشرائطها مَعَ مَا فِي النُّزُول للمكتوبة فِي غير شدَّة الْخَوْف من الْأَخْبَار والْآثَار الثَّابِتَة وَعدم ثُبُوت مَا رُوِيَ فِي مقابلتها دون الشَّرَائِط الَّتِي اعتبرها وَقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْإِمْلَاء وَلَا يُصَلِّي الْمُسَافِر الْمَكْتُوبَة بِحَال أبدا إِلَّا حَالا وَاحِدًا إِلَّا نازلا فِي الأَرْض أَو على مَا هُوَ ثَابت على الأَرْض لَا يَزُول بِنَفسِهِ مثل الْبسَاط والسرير والسفينة فِي الْبَحْر وَلَا يُصَلِّي وَمن الْفَوَائِد والغرائب والمسائل عَنهُ قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي كِتَابه فِي موقف الإِمَام وَالْمَأْمُوم إِن الْوَاحِد من أهل الْعلم إِذا سَأَلَ النَّاس مَالا واستجداهم وَقَالَ أَنا أطلب ذَلِك لبِنَاء مدرسة لم يكن لَهُ أَن يصرفهُ فِي غير ذَلِك وَلَا أَن يَجْعَلهَا مَسْجِدا وَلَا أَن يَجْعَلهَا ملكا لَهُ قَالَ بل الْوَاجِب الصّرْف فِي تِلْكَ الْجِهَة وَإِن جعلهَا مَسْجِدا لم تصر مَسْجِدا وَصَارَت بِنَفس الشِّرَاء مدرسة لما تقدم من النيات الْمُتَقَدّمَة وَالتَّقْيِيد السَّابِق

стр. 1649

قَالَ وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا الْجَواب عَن أصل مَنْصُوص للشَّافِعِيّ فِي بعض كتبه إِلَى أَن قَالَ وَهَذِه طَريقَة ابْن سُرَيج انْتهى مُلَخصا وَالْحكم بصيرورتها مدرسة من غير أَن يتَلَفَّظ بإيقافها كَذَلِك اعْتِمَادًا على النيات السَّابِقَة غَرِيب وَأما تعين صرف المَال فِي تِلْكَ الْجِهَة فَهُوَ مَسْأَلَة أبي زيد فِيمَن أعْطى درهما وَقيل لَهُ اغسل ثَوْبك بِهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب مَا نَصه فرع قَالَ أَصْحَابنَا الْمرة نَجِسَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي كِتَابه الفروق فِي مسَائِل الْمِيَاه المرارة بِمَا فِيهَا من الْمرة نَجِسَة انْتهى كَلَام النَّوَوِيّ قلت الْمرة هِيَ مَا فِي بَاطِن المرارة ونجاستها هُوَ مَا ذكره فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَأما المرارة فَفِي الحكم بنجاستها إِشْكَال ووقفت على عبارَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد فِي الفروق فَلم أَجدهَا صَرِيحَة فِي ذَلِك فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا فرق بَين المترشح وَغَيره وَأما اللَّبن فِي الْبَاطِن فَلَيْسَ يحصل على جِهَة الترشح وَلَكِن لَهُ فِي الْبَاطِن مُجْتَمع مَعْلُوم ومستقر يسْتَقرّ فِيهِ وَمَا كَانَ من هَذَا الْجِنْس فِي الْبَاطِن فَهُوَ مَحْكُوم بِنَجَاسَتِهِ كالمرارة بِمَا فِيهَا والمثانة والمعدة إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ نَص الشَّرِيعَة فخالفنا فِيهِ بواطن الْقيَاس وَهُوَ لبن مَا يُؤْكَل لَحْمه انْتهى وَمَا أرَاهُ أَرَادَ إِلَّا مَا فِي بَاطِن المرارة من الْمرة وَمَا فِي بَاطِن المثانة والمعدة وَقَوله المرارة بِمَا فِيهَا حِينَئِذٍ مَحْمُول على مَا فِيهَا دونهَا وَكَذَلِكَ المثانة والمعدة لَكِن رَأَيْت فِي الْبَحْر للروياني التَّصْرِيح بِأَن الْمعدة نَفسهَا نَجِسَة ذكره أثْنَاء فرع فِي أَوَائِل بَاب الْحَدث وَهُوَ أَيْضا غَرِيب

стр. 1650

قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب مَا نَصه وَمن خطه نقلته فرع قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي الفروق تَوَضَّأ فَغسل الْأَعْضَاء مرّة مرّة ثمَّ عَاد فغسلها مرّة مرّة ثمَّ عَاد فغسلها كَذَلِك ثَالِثَة لم يجز قَالَ وَلَو فعل مثل ذَلِك فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق جَازَ قَالَ وَالْفرق أَن الْوَجْه وَالْيَد متباعدان ينْفَصل حكم أَحدهمَا عَن الآخر فَيَنْبَغِي أَن يفرغ من أَحدهمَا ثمَّ ينْتَقل إِلَى الآخر وَأما الْفَم وَالْأنف فكعضو فَجَاز تطهيرهما مَعًا كاليدين انْتهى وَكَذَا رَأَيْته بِخَطِّهِ لم يجز وتطهيرهما وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا أَحسب لم يجزىء يَعْنِي عَن تأدية الغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَإِلَّا فَعدم الْجَوَاز لَا وَجه لَهُ وَإِن دلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق جَازَ إِلَّا أَن يُرَاد بِالْجَوَازِ تأدية السّنة أَي لم تتأد السّنة وَمَعَ ذَلِك فِيهِ نظر قد يُقَال بل يتَأَدَّى بِهِ السّنة وَأما قَوْله فَجَاز تطهيرهما فَسبق قلم بِلَا شكّ وَمرَاده نظيرهما وَقد رَأَيْت لفظ الفروق وَهُوَ يشْهد لما قلته وَعبارَته إِذا تَوَضَّأ فَغسل وَجهه مرّة وَيَديه مرّة وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة وَغسل رجلَيْهِ مرّة ثمَّ عَاد فَغسل وَجهه ثَانِيَة وَيَديه ثَانِيَة إِلَى آخرهَا ثمَّ فعل ذَلِك مرّة ثَالِثَة لم يجز وَلَو أَنه تمضمض مرّة ثمَّ استنشق مرّة ثمَّ تمضمض ثَانِيَة ثمَّ استنشق ثَانِيَة وَكَذَلِكَ الثَّالِثَة كَانَ جَائِزا فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَالْفرق بَينهمَا أَن الْوَجْه مَعَ الْيَدَيْنِ عضوان متباعدان ينْفَصل حكم أَحدهمَا عَن الثَّانِي وَالسّنة أَن يفرغ من سنة أَحدهمَا ثمَّ ينْتَقل إِلَى الثَّانِي وَأما الْفَم وَالْأنف فهما فِي تقاربهما وتماثلهما
следующие страницы →