Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وكفاية السَّائِل والفتاوي
كَانَ إِمَامًا مقدما وفارسا لَا يدْرك السُّوق وَرَاءه قدما وحبرا يتعالى قدره على السما وبحرا لَا ينزف بِكَثْرَة الدلا تصبب فقها فَكَأَنَّهُ لم يطعم سواهُ وَلم يكن غَيره بلغه وتشخص فَقِيها فَإِذا رَآهُ الْمُحَقق قَالَ ابْن الصّباغ صبغ من الصفر كَذَا وَمن أحسن من الله صبغة انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة الْأَصْحَاب
وَكَانَ ورعا نزها تقيا نقيا صَالحا زاهدا فَقِيها أصوليا محققا
سمع الحَدِيث من أبي عَليّ بن شَاذان وَمن أبي الْحُسَيْن بن الْفضل سمع مِنْهُ جُزْء ابْن عَرَفَة وَحدث بِهِ بِبَغْدَاد وأصبهان
روى عَنهُ الْخَطِيب فِي التَّارِيخ وَهُوَ أكبر مِنْهُ سنا وَأَبُو بكر مُحَمَّد ابْن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن عمر السَّمرقَنْدِي وَابْنه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن عبد السَّيِّد وَآخَرُونَ
ولد الشَّيْخ أَبُو نصر سنة أَرْبَعمِائَة وتفقه على القَاضِي أبي الطّيب
قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل الْحَنْبَلِيّ لم أدْرك فِيمَن رَأَيْت وحاضرت من الْعلمَاء على اخْتِلَاف مذاهبهم من كملت لَهُ شَرَائِط الِاجْتِهَاد الْمُطلق إِلَّا ثَلَاثَة أَبَا يعلى بن الْفراء وَأَبا الْفضل الهمذاني الفرضي وَأَبا نصر بن الصّباغ
وَقَالَ غَيره كَانَ ابْن الصّباغ يضاهي أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وإليهما كَانَت الرحلة فِي الْمُتَّفق والمختلف
قلت مضاهاته لَهُ فِي الْمُتَّفق ظَاهِرَة وَأما الْمُخْتَلف فَمَا كَانَ أحد يضاهي أَبَا إِسْحَاق فِي عصره فِيهِ وَالْمرَاد بالمتفق مسَائِل الْمَذْهَب وبالمختلف الخلافيات بَين الْإِمَامَيْنِ
стр. 1682
وَقَالَ بَعضهم كَانَ ابْن الصّباغ يُحَاسب نَفسه فَمن ذَلِك أَنه قَالَ اعْتبرت نَفسِي فِي مجيئها من بَاب الْمَرَاتِب إِلَى النظامية من غير كلفة ومشقة واعتبرتها فِي طواف الْكَعْبَة سبعا وكلفتها ومشقتها فَعلمت أَن الطّواف حق لسيدي على نَفسِي وَأَن سعيي من بَاب الْمَرَاتِب إِلَى الْمدرسَة لحظ نَفسِي فَمن ثمَّ زَالَت عني فِيهِ الكلفة وَالْمَشَقَّة
قلت بَاب الْمَرَاتِب مَكَان بِبَغْدَاد فِيهِ دَار ابْن الصّباغ وَكَانَ ابْن الصّباغ أول من درس بنظامية بَغْدَاد فَإِن نظام الْملك وَإِن كَانَ إِنَّمَا بناها لأجل الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ إِلَّا أَن أَبَا إِسْحَاق امْتنع أَولا أَن يدرس فِيهَا وَلما جلس للنَّاس أول يَوْم للتدريس أرسل إِلَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَكرر سُؤَاله فَلم يحضر فَأذن للشَّيْخ أبي نصر فدرس يويمات يسيرَة ثمَّ وَقع التّكْرَار فِي سُؤال الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فَأجَاب ودرس بهَا بَقِيَّة حَيَاته فَلَمَّا توفّي أَبُو إِسْحَاق وَليهَا صَاحب التَّتِمَّة أَبُو سعد الْمُتَوَلِي ثمَّ عزل وأعيد ابْن الصّباغ ثمَّ صرف ابْن الصّباغ فِي سنة سبع وَسبعين فَحَمله أَهله على طلبَهَا فَخرج إِلَى أَصْبَهَان إِلَى نظام الْملك فَلم يجب سُؤَاله بل أَمر أَن يبْنى لَهُ غَيرهَا وَعَاد من أَصْبَهَان فَمَاتَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام
توفّي يَوْم الثُّلَاثَاء وَدفن يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بداره ثمَّ نقل إِلَى بَاب حَرْب وَكَانَ قد كف بَصَره قبل وَفَاته بسنين
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا صَالح بن مُخْتَار الأشنوي بِمصْر والعز أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله ابْن الشَّيْخ أبي عمر بِالشَّام سَمَاعا عَلَيْهِمَا قَالَا أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الدَّائِم
стр. 1683
ابْن نعْمَة الْمَقْدِسِي قَالَ الأول سَمَاعا وَقَالَ الثَّانِي حضورا فِي الثَّالِثَة أخبرنَا أَبُو الْفرج يحيى بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ سَمَاعا أخبرنَا جدي الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الصفار التَّيْمِيّ الْأَصْبَهَانِيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ابْن الصّباغ أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفضل أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار حَدثنَا الْحسن بن عَرَفَة حَدثنَا عمر بن عبد الرَّحْمَن أَبُو حَفْص الْإِيَادِي عَن مُحَمَّد بن جحادة عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن عبد الله ابْن عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إيَّاكُمْ وَالظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَإِيَّاكُم وَالْفُحْش فَإِن الله تَعَالَى لَا يحب الْفُحْش وَلَا التَّفَحُّش وَإِيَّاكُم وَالشح فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الشُّح أَمرهم بِالْكَذِبِ فكذبوا وَأمرهمْ بالقطيعة فَقطعُوا وَأمرهمْ بالظلم فظلموا
قَالَ فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْإِسْلَام أفضل قَالَ أَن يسلم الْمُسلمُونَ من لسَانك ويدك
قَالَ فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ يهراق دمك ويعقر جوادك
قَالَ فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ تهجر مَا كره رَبك)
وَأخْبرنَا أَبُو نعيم أَحْمد ويدعى بكارا ابْن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم عبيد بن مُحَمَّد وتاج الدّين عبد الْغفار بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ والقطب إِبْرَاهِيم بن الْمُجَاهِد إِسْحَاق ابْن صَاحب الْموصل لُؤْلُؤ وَعبد المحسن بن أَحْمد الصَّابُونِي وَمُحَمّد بن عبد الْغَنِيّ بن مُحَمَّد الضبعِي وَعَمه أَحْمد ابْن مُحَمَّد وَمُحَمّد بن عبد الْوَهَّاب بن مرتضى البهنسي وَأحمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حسام
стр. 1684
الكلوتاتي والشرف يَعْقُوب بن عوض الْمُؤَذّن والمحدث بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن خَالِد الفارقي قِرَاءَة عَلَيْهِم وَأَنا أسمع بِالْقَاهِرَةِ قَالُوا كلهم أخبرنَا النجيب الْحَرَّانِي سَمَاعا أخبرنَا عبد الْمُنعم بن عبد الْوَهَّاب بن كُلَيْب أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن بَيَان أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مخلد الْبَزَّار أخبرنَا ابْن عَرَفَة فَذكره
وأخبرناه أَيْضا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ غير مرّة وبقراءة الشَّيْخ الإِمَام عَلَيْهِ أَيْضا وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا ابْن عبد الدَّائِم حضورا فِي الأولى قَالَ أخبرنَا ابْن كُلَيْب فَذكره
وَمن الْفَوَائِد والمسائل عَن أبي نصر ﵀
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي القبس فِي حَدِيث إِذا أقبل اللَّيْل من هَاهُنَا وَأدبر النَّهَار من هَاهُنَا فقد أفطر الصَّائِم وَقعت بِبَغْدَاد نازلة وَهِي أَن رجلا قَالَ بِبَغْدَاد وَهُوَ صَائِم امْرَأَتي طَالِق إِن أفطرت على حَار أَو بَارِد فَرفعت الْمَسْأَلَة إِلَى أبي نصر بن الصّباغ إِمَام الشَّافِعِيَّة بالجانب الغربي فَقَالَ هُوَ حانث إِذْ لَا بُد من الْفطر على أحد هذَيْن
وَرفعت الْمَسْأَلَة إِلَى أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ بِالْمَدْرَسَةِ فَقَالَ لَا حنث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قد أفطر على غير هذَيْن وَهُوَ دُخُول اللَّيْل قَالَ النَّبِي ﷺ وسَاق الحَدِيث إِلَى (فقد أفطر الصَّائِم)
стр. 1685
قلت وَقد يُقَال إِن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق مَسْبُوق إِلَى ذَلِك سبقه بِهِ شَيْخه القَاضِي أَبُو الطّيب فنص فِي التعليقة على أَن الْفطر يحصل بالغروب أكل الصَّائِم أم لم يَأْكُل وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور
وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر فِي آخر بَاب الْوِصَال وَنَقله الرَّافِعِيّ قبيل بَاب الْقَضَاء عَن فتاوي الْغَزالِيّ وَكَلَامهم أَجْمَعِينَ صَرِيح فِي حُصُول الْفطر بالغروب وَمَسْأَلَة هذَيْن الشَّيْخَيْنِ فِي قَول الْقَائِل إِن أفطرت على حَار أَو بَارِد وَلَا فرق لِأَن هَذِه الْعبارَة يقْصد بهَا فِي الْعرف التَّعْمِيم وَمُطلق الْفطر وَقد يُقَال عمومها بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يدْخل الْجوف من المفطرات سَوَاء حارها وباردها وَغير ذَلِك
قلت مَسْأَلَة القَاضِي أبي الطّيب وجماعته بالغروب وَإِن حصل بِهِ الْفطر لَكِن لَا يُقَال أفطر على حَار أَو بَارِد بل ذَلِك فطر شَرْعِي لَا يداخل الْجوف فَالَّذِي يتَّجه عِنْدِي مَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو نصر
وَمِمَّا نقلته من فتاوي ابْن الصّباغ الَّتِي جمعهَا ابْن أَخِيه القَاضِي أَبُو مَنْصُور أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد من الغرائب إِذا كَانَ لَهُ حِصَّة فِي أَرض مشاعة وَهِي لَا تَنْقَسِم فَجَعلهَا مَسْجِدا لم يَصح
وَقَالَ إِن ابْن الصّباغ ذكرهَا فِي كِتَابه الْكَامِل
قلت فِي ذَلِك تأييد لِابْنِ الرّفْعَة فَإِنَّهُ قَالَ الَّذِي يظْهر أَنه لَا يَصح إِن قُلْنَا الْقِسْمَة
стр. 1686
بيع وَكَذَا إِن قُلْنَا إِقْرَار وَلم يجوز قسْمَة الْوَقْف من الْمُطلق
قَالَ وَإِن جوزناه فَيُشبه أَن يَأْتِي فِي صِحَّته إِذا أمكن الْإِجْبَار على الْقِسْمَة احْتِمَال وَلَكِن الشَّيْخ الإِمَام ﵀ ضعف هَذَا وَذكر أَنه يَصح وَقفه مَسْجِدا قَالَ وَتَكون الصَّلَاة فِيهِ أَكثر أجرا من مَوضِع كُله غير مَسْجِد
وَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ هُوَ مَا أفتى بِهِ ابْن الصّلاح إِلَّا أَنه قَالَ ثمَّ تجب الْقِسْمَة وَالشَّيْخ الإِمَام خَالفه فِي وجوب الْقِسْمَة
وَمن تفاريع الصِّحَّة أَنه يحرم الْمكْث فِيهِ على الْجنب
كَذَا أفتى بِهِ ابْن الصّلاح وَوَافَقَهُ الشَّيْخ الإِمَام تَغْلِيبًا للْمَنْع وَذكر أَن القَاضِي شرف الدّين بن الْبَارِزِيّ أفتى بِجَوَاز الْمكْث كَمَا يجوز للْجنب حمل حمل الْمُصحف مَعَ أَمْتعَة قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن مَحل جَوَاز حمل الْمُصحف إِذا كَانَ الْمَقْصُود هُوَ الْأَمْتِعَة وَنَظِير مَسْأَلَتنَا أَن يكون كل مِنْهُمَا مَقْصُودا
وَفِي فتاوي ابْن الصّباغ يسْتَحبّ الْوضُوء لمن قصّ شَاربه
وفيهَا أَن ابْن الصّباغ ذكر فِي كِتَابه الْكَامِل أَنه إِذا قَالَ بِعْتُك إِذا قبلت لَا يَصح البيع لتعليق الْإِيجَاب
قلت وَقد يخرج فِيهِ الْخلاف فِي بِعْتُك إِن شِئْت وَالأَصَح ثمَّ الصِّحَّة
وفيهَا إِذا دفع ثوبا إِلَى خياط فَقَالَ إِن كَانَ يقطع قَمِيصًا فاقطعه فَلَمَّا قطعه لم يكفه قَالَ الشَّيْخ يَعْنِي ابْن الصّباغ يحْتَمل أَن يضمن وَيحْتَمل أَلا يضمن وَحكى عَن أبي ثَوْر أَنه لَا يضمن
قلت المجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة وَغَيرهمَا الضَّمَان فِي هَذِه الصُّورَة بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ هَل يَكْفِينِي قَمِيصًا فَقَالَ نعم فَقَالَ اقطعه فَقَطعه فَلم يكف فَإِنَّهُ لَا ضَمَان لِأَن الْإِذْن مُطلق
وفيهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا على سَائِر الْمذَاهب قَالَ القَاضِي أَبُو مَنْصُور
стр. 1687
لم أَجدهَا مسطورة فَسَأَلت شَيخنَا يَعْنِي ابْن الصّباغ فَقَالَ يَقع فِي الْحَال
قَالَ القَاضِي أَبُو مَنْصُور وَسمعت من رجل ثِقَة كَانَ يحضر عِنْد القَاضِي أبي الطّيب أَن القَاضِي قَالَ لَا يَقع لِأَنَّهُ لَا يكون أوقع ذَلِك على الْمذَاهب كلهَا
قَالَ القَاضِي أَبُو مَنْصُور وَلَا بَأْس بِهَذَا القَوْل لِأَن الطَّلَاق يَصح تَعْلِيقه على الشُّرُوط الصَّحِيحَة والفاسدة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق على مَذْهَب فلَان وَفُلَان يعْتد بِخِلَافِهِ يَنْبَغِي أَن يُقَال يَقع فِي الْحَال وَلَا أَظن ذَلِك لِأَن الرجل لم يُوقع طَلَاقه بل علقه
اسْتشْكل ابْن الصّباغ قَول الْأَصْحَاب إِن من نذر صوما لزمَه صَوْم يَوْم قَائِلا لَا يَنْبَغِي أَن يكْتَفى بِصَوْم يَوْم إِذا حملنَا النّذر على وَاجِب الشَّرْع فَإِن أقل مَا وَجب بِالشَّرْعِ ثَلَاثَة أَيَّام والاستشكال مَعْرُوف بِهِ وَقد سبقه إِلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ فَقَالَ وَلَو قيل يلْزمه صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام كَانَ مذهبا لِأَنَّهُ أقل صَوْم ورد فِي الشَّرْع نصا وَحَكَاهُ عَنهُ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر ساكتا عَلَيْهِ وَاحْترز بقوله نصا عَمَّا وَجب بِسَبَب من الْمُكَلف كَصَوْم يَوْم فِي جَزَاء الصَّيْد وَعند إفاقة الْمَجْنُون وبلوغ الصَّبِي قبل طُلُوع فجر آخر يَوْم من رَمَضَان
وحاول ابْن الرّفْعَة دفع هَذَا الْإِشْكَال فَقَالَ لَا نسلم أَن أقل صَوْم وَجب بِالشَّرْعِ ثَلَاثَة أَيَّام ابْتِدَاء وَلَئِن سلمنَا أَن ذَلِك يَشْمَل مَا وَجب بِإِيجَاب الشَّرْع ابْتِدَاء أَو بِسَبَب من الْمُكَلف فصوم يَوْم فَقَط يجب بِالشَّرْعِ فِي جَزَاء الصَّيْد وَعند إفاقة الْمَجْنُون وبلوغ الصَّبِي قبل طُلُوع فجر آخر يَوْم من رَمَضَان
ثمَّ حكى كَلَام الْمَاوَرْدِيّ وَقَالَ احْتَرز بقوله نصا عَمَّا ذَكرْنَاهُ
قلت وَعَجِبت من الْمُعْتَرض والمجيب فَإِن أقل صَوْم وَجب بِالشَّرْعِ ابْتِدَاء نصا صَوْم
стр. 1688
يَوْم فَإِن رَمَضَان عندنَا معاشر الشَّافِعِيَّة ثَلَاثُونَ عبَادَة وَهُوَ أصل بَيْننَا وَبَين الْمَالِكِيَّة قَالَ أَصْحَابنَا هُوَ ثَلَاثُونَ عبَادَة كل مِنْهَا مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَخَالفهُم الْمَالِكِيَّة فَقَالُوا بل صَوْم رَمَضَان كُله عبَادَة وَاحِدَة وَخرج على الْخلاف وجوب النِّيَّة عندنَا لكل يَوْم والاكتفاء عِنْدهم بنية وَاحِدَة لجَمِيع الشَّهْر وَاحْتج أَصْحَابنَا بِأَنَّهُ لَا يجب التَّتَابُع فِي قَضَائِهِ وَمن يَقُول هَذَا الأَصْل فَكيف يُنكر أَن أقل صَوْم وَجب بِالشَّرْعِ ابْتِدَاء صَوْم يَوْم فعجبت من خَفَاء هَذَا على الْمَاوَرْدِيّ وَابْن الصّباغ ثمَّ عجبت من عدم اعْتِرَاض ابْن الرّفْعَة بِهِ
قَالَ الْأَصْحَاب يشْتَرط فِي الْقَاسِم إِذا كَانَ مَنْصُوبًا من جِهَة القَاضِي أَن يكون حرا بَالغا عَاقِلا عدلا عَالما بِالْقِسْمَةِ وَلَا يشْتَرط فِي مَنْصُوب الشُّرَكَاء الْعَدَالَة وَالْحريَّة فَإِنَّهُ وَكيل من جهتهم
قَالَ الرَّافِعِيّ كَذَا أَطْلقُوهُ وَيَنْبَغِي أَن يكون تَوْكِيل العَبْد فِي الْقِسْمَة على الْخلاف فِي تَوْكِيله فِي البيع وَالشِّرَاء وَلَو حكم الشُّرَكَاء رجلا ليقسم بَينهم قَالَ أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيُّونَ هُوَ على الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْكِيم إِن جوزناه فَيكون الَّذِي حكموه كمنصوب القَاضِي
انْتهى
وَفِيه كلامان أَحدهمَا قَوْله يَنْبَغِي أَن يكون تَوْكِيل العَبْد فِي الْقِسْمَة على الْخلاف فِي تَوْكِيله فِي البيع وَالشِّرَاء فِيهِ نظر فَإِن البيع وَالشِّرَاء تتَعَلَّق الْعهْدَة فِيهِ بالوكيل وَلَا كَذَلِك التَّوْكِيل فَلَا يلْزم من منع التَّوْكِيل فيهمَا مَنعه فِي الْقِسْمَة وَبِتَقْدِير استوائهما فَكَانَ صَوَاب الْعبارَة أَن يَقُول على الْخلاف وَالتَّفْصِيل فَإِن الْخلاف فِي تَوْكِيل العَبْد فِي البيع وَالشِّرَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ بِغَيْر إِذن السَّيِّد أما بِإِذْنِهِ فَيجوز جزما فَإِن كَانَت الْقِسْمَة مثلهمَا فَيَنْبَغِي أَن يفصل هَكَذَا
стр. 1689
وَالثَّانِي قَوْله فِي الْمُحكم إِنَّه على القَوْل بِجَوَاز التَّحْكِيم كمنصوب القَاضِي وَإِن الْعِرَاقِيّين ذكرُوا ذَلِك مُرَاده بتخصيصهم بِالذكر أَن غَيرهم سَاكِت عَنهُ لَا أَن غَيرهم مُخَالف ثمَّ الْجَزْم بِأَنَّهُ كمنصوب القَاضِي قد يسْتَدرك بقول صَاحب الْبَيَان مَا نَصه يجوز أَن يكون الَّذِي ينصبه الشريكان عبدا أَو فَاسِقًا لِأَنَّهُ وَكيل لَهما هَكَذَا ذكره أَكثر أَصْحَابنَا
وَقَالَ ابْن الصّباغ إِذا نصب الشريكان قاسما فقسم بَينهمَا لم تلْزمهُ قسمته إِلَّا بتراضيهما بقسمته بعد الْقرعَة وَجَاز أَن يكون عبدا أَو فَاسِقًا وَإِن حكما رجلا ليقسم بَينهمَا فقسم فَقَوْلَانِ كالقولين فِي التَّحْكِيم فَإِذا قُلْنَا يلْزم وَجب أَن يكون على الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي قسم القَاضِي وَإِن قُلْنَا لَا تلْزم قسمته إِلَّا بتراضيهما بعد الْقرعَة جَازَ أَن يكون عبدا أَو فَاسِقًا فَفرق بَين النصب والتحكيم وَالطَّرِيق الأول أَقيس
انْتهى لفظ الْبَيَان
وَخرج فِيهِ أَنه لَا يتَعَيَّن على القَوْل بالتحكيم أَن يكون كمنصوب القَاضِي بل وَرَاءه شَيْء آخر وَهُوَ أَن حكم الْمُحكم هَل يتَوَقَّف على التَّرَاضِي فَيصير مَنْصُوب القَاضِي شَرط مِنْهُ الْعَدَالَة وَالْحريَّة جزما وَلَا كَذَلِك منصوبهما جزما أما محكمها فَيشْتَرط فِيهِ ذَلِك إِن قُلْنَا إِن حكمه يلْزم وَإِن قُلْنَا يتَوَقَّف على الرِّضَا فَهُوَ كمنصوبهما غير أَن عبارَة ابْن الصّباغ فِي الشَّامِل لَا تَقْتَضِي أَنه قَالَ ذَلِك نقلا بل إِنَّمَا قَالَه بحثا بعد أَن اعْترف بِأَن النَّقْل خِلَافه وَهَذَا لَفظه قَالَ فِي أول بَاب الْقَاسِم من الشَّامِل وَإِذا حكمُوا رجلا ليقسم بَينهم كَانَ على الْقَوْلَيْنِ إِذا حكمُوا رجلا ليحكم بَينهم فَإِن قُلْنَا يَصح وَجب أَن يكون على الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي قسم القَاضِي وَإِذا قسم وأقرع
стр. 1690
فَهَل يلْزمهُمَا فِيهِ وَجْهَان وَيَنْبَغِي إِذا قُلْنَا لَا يلْزمهُمَا إِلَّا بتراضيهما أَلا يشْتَرط فِي الِابْتِدَاء الْحُرِّيَّة وَالْعَدَالَة
انْتهى
وَخرج مِنْهُ أَن مَنْقُول الرَّافِعِيّ صَحِيح وَلم يفته إِلَّا بحث لِابْنِ الصّباغ وَفِي هَذَا الْبَحْث تَطْوِيل يَنْبَغِي اشْتِرَاطه وَإِن قُلْنَا لَا يلْزم إِلَّا بِالتَّرَاضِي فَإنَّا سنبين توقفنا فِي عدم اشْتِرَاطه وَإِن كَانَ مَنْصُوبًا من جهتهم غير مُحكم فَنَقُول كَلَام الرَّافِعِيّ أحسن من كَلَام صَاحب الْبَيَان من الْوَجْه الَّذِي أبديناه فَإِن صَاحب الْبَيَان نقل عَن ابْن الصّباغ مَا يُوهم أَنه قَالَه نقلا وَإِنَّمَا قَالَه بحثا وَكَلَام الْبَيَان أحسن من كَلَام الرَّافِعِيّ من جِهَة أَنه بَين أَن الْأَكْثَرين أطْلقُوا اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَالْحريَّة فِي الْقَاسِم من غير تعرض إِلَى التَّفْصِيل بَين مَنْصُوب القَاضِي ومنصوب الشُّرَكَاء وَالْأَمر كَذَلِك فَإِن الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَذكره الجماهير إِطْلَاق القَوْل بِأَن الْقَاسِم شَرطه الْعَدَالَة وَمِمَّنْ أطلق ذَلِك الْمَاوَرْدِيّ وَصَاحب الْبَحْر وَغَيرهمَا وَقَيده ابْن الصّباغ وَصَاحب التَّهْذِيب بِمَا إِذا كَانَ مَنْصُوب الْحَاكِم وصرحا فِيمَا إِذا كَانَ مَنْصُوب الشُّرَكَاء بِجَوَاز كَونه عبدا أَو فَاسِقًا وَأما إِذا كَانَ محكما فَلم يذكرهُ صَاحب التَّهْذِيب وَذكره ابْن الصّباغ وَقد أريناك كَلَامه وَهُوَ صَرِيح أَو كَالصَّرِيحِ فِي أَن الْمَنْقُول فِيهِ اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَالْحريَّة وَأَن لَهُ بحثا أبداه فِيهِ بِنَاء على أَن حكم الْمُحكم لَا يلْزم إِلَّا بِالتَّرَاضِي فَجرى الرَّافِعِيّ على
стр. 1691
منقوله دون بَحثه فَإِنَّهُ أعرض عَن ذكره إِمَّا لضَعْفه عِنْده أَو لكَونه مخرجا على ضَعِيف أَو لغير ذَلِك
وَاعْلَم أَن تَجْوِيز كَونه فَاسِقًا أَو عبدا إِذا كَانَ مَنْصُوب الشُّرَكَاء خلاف ظَاهر إِطْلَاقهم وَدَعوى الرَّافِعِيّ أَنهم أطْلقُوا اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَالْحريَّة فِي مَنْصُوب القَاضِي وأطلقوا عدم اشتراطهما فِي مَنْصُوب الشُّرَكَاء مُسْتَدْرك فَإِنَّهُم لم يطلقوا عدم اشتراطهما فِي مَنْصُوب الشُّرَكَاء وَإِنَّمَا أطْلقُوا اشتراطهما فِي الْقَاسِم فقيده ابْن الصّباغ وَالْبَغوِيّ بمنصوب الْحَاكِم فأحد الشقين مُسلم للرافعي وَأما الشق الثَّانِي وَهُوَ دَعْوَاهُ إِطْلَاقهم عدم اشتراطهما فِي مَنْصُوب الشُّرَكَاء الَّذِي بنى عَلَيْهِ بَحثه الْمُتَقَدّم غير مُسلم
وَقد صرح صَاحب الْبَيَان بِخِلَافِهِ كَمَا رَأَيْت وَهُوَ أَنهم أطْلقُوا اشتراطهما فِي مُطلق الْقَاسِم من غير تَقْيِيد بمنصوب الْحَاكِم وَأَن الَّذِي فصل إِنَّمَا هُوَ ابْن الصّباغ وَأَن طَرِيق الْإِطْلَاق أَقيس فَخرج مِنْهُ أَنه يرجح تَعْمِيم الْإِطْلَاق وَاشْتِرَاط الْعَدَالَة وَالْحريَّة فِي كل قَاسم سَوَاء مَنْصُوب الشُّرَكَاء وَغَيره وَإِذا كَانَ هَذَا فِي منصوبهم وَإِن لم يكن محكما فَمَا الظَّن بالمحكم فَإِن قلت هَل لهَذَا من وَجه فَإِن مَنْصُوب الشُّرَكَاء وَكيل وَقد يُوكل العَبْد وَالْفَاسِق
قلت الْقَاسِم وَإِن كَانَ مَنْصُوب الشُّرَكَاء فَلَيْسَ هُوَ وَكيلا على الْحَقِيقَة فَإِن الْوَكِيل لَا يتَوَلَّى الطَّرفَيْنِ وَهَذَا يتَوَلَّى الطَّرفَيْنِ فَإِنَّهُ يقسم لهَذَا وَلِهَذَا فَيَأْخُذ من هَذَا لهَذَا مَا يَأْخُذ فِي مُقَابلَته من هَذَا لهَذَا أَو يعين ثمَّ يَأْخُذ الشُّرَكَاء بعد الإقراع لِأَن رضاهم لَا بُد مِنْهُ بعد الْقرعَة فِي هَذِه الصُّورَة فَكَأَن الْقِسْمَة على كل حَال فِيهَا
стр. 1692
نوع من الْولَايَة الَّتِي لَا يصلح لَهَا العبيد وَلذَلِك اخْتلف الْأَصْحَاب كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْوَسِيط إِلَى أَن منصبه منصب الْحَاكِم أَو الشَّاهِد وَإِن كَانَ لَك أَن تَقول إِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي مَنْصُوب الْحَاكِم لَكِن يظْهر أَن يُقَال إِنَّهَا لما ذَكرْنَاهُ ولَايَة وَبِالْجُمْلَةِ مَا تَجْوِيز كَونه فَاسِقًا أَو عبدا وَإِن كَانَ مَنْصُوب الشُّرَكَاء مُصَرح بِهِ فِي كَلَام غير ابْن الصّباغ وَالْبَغوِيّ وَمن تبعهما حَتَّى يَقُول الرَّافِعِيّ إِن الْأَصْحَاب أطْلقُوا تجويزه بل إِنَّمَا أطْلقُوا عدم تجويزه عِنْد إِطْلَاقهم لفظ الْقَاسِم ثمَّ اخْتلف ابْن الصّباغ وَالْبَغوِيّ والعمراني فَقَالَ الْأَوَّلَانِ إِن اطلاقهم مُقَيّد بِغَيْر مَنْصُوب الشُّرَكَاء وَقَالَ الثَّالِث إِنَّه مُطلق وَلقَوْله اتجاه مَا على الْجُمْلَة
٤٦٦ - عبد الْغفار بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن زيرك بزاي مَكْسُورَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة ثمَّ كَاف وَهُوَ غير مَصْرُوف ابْن مُحَمَّد بن كثير بن عبد الله التَّمِيمِي أَبُو سعد
شيخ همذان
قَالَ شيرويه كَانَ ثِقَة صَدُوقًا فَقِيها عَالما لَهُ يَد فِي الْأَدَب وَكَانَ يعظ النَّاس وَيتَكَلَّم فِي عُلُوم الْقَوْم يَعْنِي الصُّوفِيَّة وَكَانَ ذَا شَأْن وخطر عِنْد النَّاس الْخَاص وَالْعَام وَله مصنفات عزيزة فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَلم يحمل عَنهُ إِلَّا الْقَلِيل وعاجله الْمَوْت
روى عَن أَبِيه أبي سهل وَالْإِمَام أبي بكر بن لال وَغَيرهمَا من الهمذانيين وَأبي الْفَتْح بن أبي الفوارس وَأبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْقطَّان الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا من البغداديين
стр. 1693
وَالدَّارَقُطْنِيّ هَذَا غير الدَّارَقُطْنِيّ الإِمَام الْمَشْهُور
حدث عَنهُ ابْن أُخْته أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عُثْمَان القومساني وَغَيره وَحكى أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فَكَسَاهُ ثوبا فَسَأَلَ معبرا فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى يرزقك الْعلم وَتَكون إِمَامًا فِي عصرك
فَكَانَ كَمَا قَالَ وَذهب اسْمه فِي الْآفَاق
توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٦٧ - عبد الْغَنِيّ بن نَازل بن يحيى بن الْحسن بن يحيى بن شاهي الألواحي
أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ
من أهل الواح بليدَة من بِلَاد مصر
قدم بَغْدَاد وتفقه بهَا وَسمع أَبَا طَالب بن غيلَان وَأَبا إِسْحَاق الْبَرْمَكِي وَأَبا مُحَمَّد الْجَوْهَرِي وَالْقَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ وَأَبا الْحُسَيْن بن النَّرْسِي وَالْقَاضِي أَبَا الْحسن الْمَاوَرْدِيّ وَأَبا يعلى بن الْفراء وَغَيرهم
وَسمع بواسط وهمذان والري وسمنان وبسطام ونيسابور من جماعات
стр. 1694
وسادات مِنْهُم أَبُو عُثْمَان الْبُحَيْرِي وَأَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَخلق
ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد واستوطنها وَحدث بهَا
فروى عَنهُ أَبُو الْفَتْح بن البطي وَخلق
قَالَ ابْن النجار كَانَ شَيخا صَالحا دينا حسن الطَّرِيقَة صبورا فَقِيرا
قَالَ وقرأت فِي كتاب أبي الْفضل كماد بن نَاصِر بن نصر الحدادي المراغي أَنه توفّي فِي الثَّالِث عشر من الْمحرم سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي هَذَا الْيَوْم وَصلى عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو بكر الشَّاشِي
قلت وَوَقع فِي تَارِيخ شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَنه توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَالْأَشْبَه مَا فِي تَارِيخ ابْن النجار
٤٦٨ - عبد القاهر بن طَاهِر بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الإِمَام الْكَبِير الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ
إِمَام عَظِيم الْقدر جليل الْمحل كثير الْعلم حبر لَا يساجل فِي الْفِقْه وأصوله والفرائض والحساب وَعلم الْكَلَام
اشْتهر اسْمه وَبعد صيته وَحمل عَنهُ الْعلم أَكثر أهل خُرَاسَان
стр. 1695
سمع أَبَا عَمْرو بن نجيد وَأَبا عَمْرو مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مطر وَأَبا بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبا أَحْمد بن عدي وَغَيرهم
روى عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والقشيري وَعبد الْغفار بن مُحَمَّد بن شيرويه وَغَيرهم
وَكَانَ يدرس فِي سَبْعَة عشر فَنًّا وَله حشمة وافرة
وَقَالَ جِبْرِيل قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي كَانَ من أَئِمَّة الْأُصُول وصدور الْإِسْلَام بِإِجْمَاع أهل الْفضل والتحصيل بديع التَّرْتِيب غَرِيب التَّأْلِيف والتهذيب ترَاهُ الجلة صَدرا مقدما وَتَدْعُوهُ الْأَئِمَّة إِمَامًا مفخما وَمن خراب نيسابور اضطرار مثله إِلَى مفارقتها
قلت فَارق نيسابور بِسَبَب فتْنَة وَقعت بهَا من التركمان
стр. 1696
وَقَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي هُوَ الْأُسْتَاذ الإِمَام الْكَامِل ذُو الْفُنُون الْفَقِيه الأصولي الأديب الشَّاعِر النَّحْوِيّ الماهر فِي علم الْحساب الْعَارِف بالعروض ورد نيسابور مَعَ أَبِيه أبي عبد الله طَاهِر وَكَانَ ذَا مَال وثروة ومروءة وأنفقه على أهل الْعلم والْحَدِيث حَتَّى افْتقر صنف فِي الْعُلُوم وأربى على أقرانه فِي الْفُنُون ودرس فِي سَبْعَة عشر نوعا من الْعُلُوم وَكَانَ قد درس على الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق وَأَقْعَدَهُ بعده للإملاء مَكَانَهُ وأملى سِنِين وَاخْتلف إِلَيْهِ الْأَئِمَّة وقرأوا عَلَيْهِ مثل نَاصِر الْمروزِي وَأبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَغَيرهمَا
قَالَ وَخرج من نيسابور فِي أَيَّام التركمانية وفتنتهم إِلَى أسفراين فَمَاتَ بهَا
وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فِي كتاب الرياض المونقة كَانَ يَعْنِي أَبَا مَنْصُور الإسفرايني يسير فِي الرَّد على الْمُخَالفين سير الْآجَال فِي الآمال وَكَانَ عَلامَة الْعَالم فِي الْحساب والمقدرات وَالْكَلَام وَالْفِقْه والفرائض وأصول الْفِقْه وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا كتاب التكملة فِي الْحساب لكفاه
وَقَالَ أَبُو عَليّ الْحسن بن نصر المرندي الْفَقِيه وحَدثني أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن عبد الله الْفَقِيه قَالَ لما حصل أَبُو مَنْصُور بأسفراين ابتهج النَّاس بمقدمه إِلَى الْحَد الَّذِي لَا يُوصف فَلم يبْق بهَا إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ وَاتفقَ أهل الْعلم على دَفنه إِلَى جَانب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق فقبراهما متجاوران تجاور تلاصق كَأَنَّهُمَا نجمان جَمعهمَا مطلع وكوكبان ضمهما برج مُرْتَفع
стр. 1697
مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَوَقع فِي تَارِيخ ابْن النجار سنة سبع وَعشْرين وَهُوَ تَصْحِيف من النَّاسِخ أَو وهم من المُصَنّف
وَمن شعره
(يَا من عدى ثمَّ اعْتدى ثمَّ اقْتَرَف ... ثمَّ انْتهى ثمَّ ارعوى ثمَّ اعْترف)
(أبشر بقول الله فِي آيَاته ... إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف)
قلت فِي اسْتِعْمَال مثل الْأُسْتَاذ أبي مَنْصُور مثل هَذَا الاقتباس فِي شعره فَائِدَة فَإِنَّهُ قدوة فِي الْعلم وَالدّين وَبَعض أهل الْعلم ينْهَى عَن مثل ذَلِك وَرُبمَا شدد فِيهِ وجنح إِلَى تَحْرِيمه وَالصَّوَاب الْجَوَاز ثمَّ الْأَحْسَن تَركه تأدبا مَعَ الْكتاب الْعَزِيز وَنَظِيره ضرب الْأَمْثَال من الْقُرْآن وتنزيله فِي النكت الأدبية وَهَذَا فن لَا تسمح نفس الأديب بِتَرْكِهِ واللائق بالتقوى أَن يتْرك وَأكْثر النَّاس رَأَيْت تشددا فِي ذَلِك الْمَالِكِيَّة وَمَعَ هَذَا فقد فعله كثير من فقهائهم حَتَّى رَأَيْت فِي كتاب المدارك فِي أَصْحَاب مَالك للْقَاضِي عِيَاض فِي تَرْجَمَة ابْن الْعَطَّار وَهُوَ من قدماء أَصْحَابهم أَنه سُئِلَ عَن مَسْأَلَة من سُجُود السَّهْو فَأفْتى بِالسُّجُود فَقَالَ السَّائِل إِن أصبغ لم ير عَليّ سجودا فَقَالَ ﴿لَا تطعه واسجد واقترب﴾ وعد القَاضِي عِيَاض ذَلِك من ملحه ونوادره
وَمِمَّا أنْشدهُ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي التحبير فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعباسة
(لَا تعترض فِيمَا قضى ... واشكر لَعَلَّك ترتضى)
(اصبر على مر القضا ... إِن كنت تعبد من قضى)
وَمِنْه
(يَا فاتحا لي كل بَاب مرتج ... إِنِّي لعفو مِنْك عني مرتج)
стр. 1698
(فَامْنُنْ عَليّ بِمَا يُفِيد سعادتي ... فسعادتي طَوْعًا مَتى تَأمر تجي)
وَمن تصانيفه كتاب التَّفْسِير وَكتاب فضائح الْمُعْتَزلَة وَكتاب الْفرق بَين الْفرق وَكتاب التَّحْصِيل فِي أصُول الْفِقْه وَكتاب تَفْضِيل الْفَقِير الصابر على الْغنى الشاكر وَكتاب فضائح الكرامية وَكتاب تَأْوِيل متشابه الْأَخْبَار وَكتاب الْملَل والنحل مُخْتَصر لَيْسَ فِي هَذَا النَّوْع مثله وَكتاب نفي خلق الْقُرْآن وَكتاب الصِّفَات وَكتاب الْإِيمَان وأصوله وَكتاب بُلُوغ المدى عَن أصُول الْهدى وَكتاب إبِْطَال القَوْل بالتولد وَكتاب الْعِمَاد فِي مَوَارِيث الْعباد لَيْسَ فِي الْفَرَائِض والحساب لَهُ نَظِير وَكتاب التكملة فِي الْحساب وَهُوَ الَّذِي أثنى عَلَيْهِ الإِمَام فَخر الدّين فِي كتاب الرياض المونقة وَكتاب شرح مِفْتَاح ابْن الْقَاص وَهُوَ الَّذِي نقل عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي آخر بَاب الرّجْعَة وَغَيره وَكتاب نقض مَا عمله أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ فِي تَرْجِيح مَذْهَب أبي حنيفَة وَكتاب أَحْكَام الْوَطْء التَّام وَهُوَ الْمَعْرُوف بالتقاء الختانين فِي أَرْبَعَة أَجزَاء
قَالَ ابْن الصّلاح وَرَأَيْت لَهُ كتابا فِي معنى لفظتي التصوف والصوفي جمع فِيهِ من أَقْوَال الصُّوفِيَّة ألف قَول مرتبَة على حُرُوف المعجم
وَجَمِيع تصانيفه بَالِغَة فِي الْحسن أقْصَى الغايات
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَزْدَوِيّ الْمُقِيم أَبوهُ بالضيائية قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع بقاسيون أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي سَمَاعا
стр. 1699
عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن أبي المطهر أخبرنَا الْقَاسِم بن الْفضل الصيدلاني إجَازَة أخبرنَا أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن الْحَافِظ أبي صَالح أَحْمد بن عبد الْملك النَّيْسَابُورِي أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الرَّجَاء خلف بن عمر بن عبد الْعَزِيز الْفَارِسِي ثمَّ النَّيْسَابُورِي أخبرنَا الشَّيْخ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور عبد القاهر بن طَاهِر الْبَغْدَادِيّ أخبرنَا أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مطر أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عَليّ الذهلي حَدثنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي حَدثنَا هشيم بن بشير عَن سيار عَن يزِيد الْفَقِير عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي كَانَ كل نَبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى كل أَحْمَر وأسود وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي وَجعلت لي الأَرْض طيبَة ومسجدا وَطهُورًا فأيما رجل أَدْرَكته الصَّلَاة صلى حَيْثُ كَانَ ونصرت بِالرُّعْبِ بَين يَدي مسيرَة شهر وَأعْطيت الشَّفَاعَة)
رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن سِنَان وَعَن سعيد بن النَّضر
وَرَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة بِتَمَامِهِ وَفِي الصَّلَاة بِبَعْضِه عَن الْحسن بن إِسْمَاعِيل بن سُلَيْمَان خمستهم عَن هشيم بن بشير بِهِ
أنشدنا الْوَالِد ﵀ مرّة من لَفظه للأستاذ أبي مَنْصُور مَا كتب بِهِ إِلَيّ أَحْمد بن أبي
стр. 1700
طَالب من دمشق أَن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن الْحسن الْحَافِظ كتب إِلَيْهِ من مَدِينَة السَّلَام قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن حَامِد الضَّرِير الْمقري بأصبهان أَن أَبَا نصر أَحْمد بن عمر الْغَازِي أخبرهُ قَالَ أَنْشدني أَبُو سعيد مَسْعُود بن نَاصِر والسجزي قَالَ أنشدنا الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور لنَفسِهِ
(طلبت من الحبيب زَكَاة حسن ... على صغر من الْقد الْبَهِي)
(فَقَالَ وَهل على مثلى زَكَاة ... على قَول الْعِرَاقِيّ الكمي)
(فَقلت الشَّافِعِي لنا إِمَام ... وَقد فرض الزَّكَاة على الصَّبِي)
ثمَّ ذيل عَلَيْهَا الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ فَقَالَ
(فَقَالَ اذْهَبْ إِذا فاقبض زكاتي ... بقول الشَّافِعِي من الْوَلِيّ)
(فَقلت لَهُ فديتك من فَقِيه ... أيطلب بِالزَّكَاةِ سوى الملي)
(نِصَاب الْحسن عنْدك ذُو اتساع ... بلحظك والقوام السمهري)
فَإِن
(أَعطيتنَا طَوْعًا وَإِلَّا ... أخذناه بقول الشَّافِعِي)
أخبرنَا أَحْمد بن أبي طَالب قَالَ كتب إِلَيّ مُحَمَّد بن مَحْمُود قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو الْفَتْح الوَاسِطِيّ قَالَ كتب إِلَيّ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهمذاني قَالَ
стр. 1701
أنشدنا أسعد بن مَسْعُود بن عَليّ الْعُتْبِي الْكَاتِب قَالَ أَنْشدني أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ لنَفسِهِ
(يَا سائلي عَن قصتي ... دَعْنِي أمت فِي غصتي)
(المَال فِي أَيدي الورى ... واليأس مِنْهُ حصتي)
وَمن الْفَوَائِد عَنهُ
قَالَ فِي شرح الْمِفْتَاح فِي التَّسْمِيَة المسنونة فِي الْوضُوء إِنَّهَا بِسم الله وَبِاللَّهِ وعَلى مِلَّة رَسُول الله ﷺ عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ
وَحكى أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ لَا تشْتَرط الطَّهَارَة فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة
وَقَالَ فِي الْإِقَامَة من سنتها الإدراج وَلَا يبرح من موقفه حَتَّى يَقُول قد قَامَت الصَّلَاة
قلت وَظَاهره أَن يتَحَوَّل حِينَئِذٍ وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَا يتَحَوَّل حَتَّى يتممها
وَقَالَ فِي كتاب الْوَطْء التَّام من لف ذكره بحريرة وأولجه فِي فرج وَلم ينزل لَا غسل عَلَيْهِ وَلَا حد على الْأَصَح إِن كَانَ فِي حرَام وَلَا يفْسد بِهِ شَيْء من الْعِبَادَات وَعَن أبي حَامِد الْمَرْوذِيّ إِيجَاب ذَلِك
انْتهى
стр. 1702
وَفِي مَسْأَلَة الْغسْل وُجُوه شهيرة أَصَحهَا وجوب الْغسْل وَثَالِثهَا الْفرق بَين الْخِرْقَة الخشنة والناعمة
قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة قَالَ صَاحب الْبَحْر وتجري هَذِه الْأَوْجه فِي إِفْسَاد الْحَج بِهِ وَيَنْبَغِي أَن تجْرِي فِي جَمِيع الْأَحْكَام
انْتهى
قلت وَقَوله وَيَنْبَغِي أَن تجْرِي فِي جَمِيع الْأَحْكَام هُوَ من كَلَام النَّوَوِيّ وَلَيْسَ من كَلَام صَاحب الْبَحْر وَفِيه على عُمُومه نظر إِذْ يلْزمه أَن يحل الْإِيلَاج فِي خرقَة فِي فرج أَجْنَبِيَّة وَلَا أعتقد أحدا يَقُول بِهِ وَإِن اخْتلف فِي وجوب الْحَد وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يجْرِي الْخلاف فِي جَمِيع الْعِبَادَات هَل تفْسد بِهِ وَبِه صرح الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور كَمَا رَأينَا وَلم يرد النَّوَوِيّ إِن شَاءَ الله سواهُ
إِذا قَالَ الْمَرِيض أوصيت لزيد بِمَا يخص فلَانا أحد وراثي من ثلثى لَو لم أوص
فَهَل تصح هَذِه مَسْأَلَة مليحة يحْتَمل أَن يُقَال بِالصِّحَّةِ لِأَن لَهُ أَن يُوصي بِكَمَال الثُّلُث وَبَعضه موزعا على كل الْوَرَثَة وَإِذا كَانَ لَهُ أَن يُوصي بِتَمَامِهِ فَلهُ مَعَ كل وَارِث ثلث مَا يَرِثهُ فَلهُ أَن يَضَعهُ فِي وَاحِد معِين مِنْهُم
وَيحْتَمل أَن يُقَال لَا يَصح بل لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَن يُوصي بِالْقدرِ الْمُطلق لَهُ من الثُّلُث فَمَا دونه مقسوما بَين ورثته على مِقْدَار مواريثهم
وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَقعت فِي زمَان الْأُسْتَاذ أبي مَنْصُور وَذكرهَا القَاضِي الْحُسَيْن فِي فَتَاوِيهِ
وبالاحتمال الثَّانِي أفتى أَبُو مَنْصُور
стр. 1703
وَذَلِكَ أَن وَاحِدًا ترك ابْنا وبنتا وَأوصى بِثلث مَاله بعد نصيب الْبِنْت بِحَيْثُ لَا ينقص عَلَيْهَا شَيْء وَأَرَادَ أَن يَجْعَل الْمُوصي بِهِ ثلث مَا يخص الابْن وَهُوَ أقل من أصل الثُّلُث وَأَن يحْسب على الابْن وَحده بِحَيْثُ لَا يدْخل نقص على الْبِنْت فَاخْتلف على الابْن فُقَهَاء ذَلِك الْوَقْت فِي الْفتيا هَل يدْخل النَّقْص عَلَيْهِمَا جَمِيعًا أَو يخص بِهِ الابْن كَمَا أوصى بِهِ الْمَيِّت فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور بل يدْخل عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَتَكون الْمَسْأَلَة من تِسْعَة
وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 1704
_ _ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1705
_ _ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1706
_ _ _ _ _ _ _ _
стр. 1707
٤٦٩ - عبد القاهر بن عبد الرَّحْمَن الشَّيْخ أَبُو بكر الْجِرْجَانِيّ
النَّحْوِيّ الْمُتَكَلّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ الْفَقِيه على مَذْهَب الشَّافِعِي
أَخذ النَّحْو بجرجان عَن أبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحسن الْفَارِسِي ابْن أُخْت الشَّيْخ أبي عَليّ الْفَارِسِي وَصَارَ الإِمَام الْمَشْهُور الْمَقْصُود من جَمِيع الْجِهَات مَعَ الدّين المتين والورع والسكون
قَالَ السلَفِي كَانَ ورعا قانعا دخل عَلَيْهِ لص وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَأخذ مَا وجد وَعبد القاهر ينظر وَلم يقطع صلَاته
стр. 1708
قَالَ وَسمعت أَبَا مُحَمَّد الأبيوردي يَقُول مَا مقلت عَيْني لغويا وَأما فِي النَّحْو فعبد القاهر
وَمن مصنفاته كتاب الْمُغنِي فِي شرح الْإِيضَاح فِي نَحْو من ثَلَاثِينَ مجلدا وَكتاب المقتصد فِي شرح الْإِيضَاح أَيْضا ثَلَاث مجلدات وَكتاب إعجاز الْقُرْآن الْكَبِير وإعجاز الْقُرْآن الصَّغِير والعوامل الْمِائَة والمفتاح وَشرح الْفَاتِحَة والعمدة فِي التصريف وَكتاب الْجمل الْمُخْتَصر الْمَشْهُور وَكتاب التَّلْخِيص فِي شرح هَذَا الْجمل
وَمن شعره
(كبر على الْعلم لَا ترمه ... ومل إِلَى الْجَهْل ميل هائم)
(وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد فِي طالع الْبَهَائِم)
توفّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَقيل أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
٤٧٠ - عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن الْحسن بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ أَبُو عبد الله الشالوسي
من قَرْيَة شالوس بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم اللَّام بعد الْألف بعْدهَا وَاو سَاكِنة ثمَّ سين مُهْملَة وَهِي من نواحي آمل طبرستان
стр. 1709
كَانَ من الْأَئِمَّة فِي الْعلم وَالدّين
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ أَبُو عبد الله فَقِيه عصره بآمل ومفتيها ومدرسها وَكَانَ واعظا زاهدا وبيته بَيت الزّهْد وَالْعلم
سمع الحَدِيث وَعمر حَتَّى حدث ثمَّ ورد بَغْدَاد وَخرج إِلَى الْحجاز وَسمع أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل بن نظيف الْفراء إِمَّا بِمَكَّة أَو بِمصْر
وَقَالَ أَعنِي ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب غَالب ظَنِّي أَنه سمع مِنْهُ بِمَكَّة
قَالَ وَقد سمع مِنْهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْجِرْجَانِيّ الْحَافِظ وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر أَنه سمع من ابْن نظيف بِمصْر
قلت الشالوسي شيخ دوير الْكَرْخِي وَكِلَاهُمَا مَذْكُور فِي فتاوي الحناطي فِي مَسْأَلَة وُصُول الْقِرَاءَة إِلَى الْمَيِّت توفّي الشالوسي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٧١ - عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن طَاهِر بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم القَاضِي أَبُو سعد الطَّبَرِيّ التَّيْمِيّ بميم وَاحِدَة
يعرف بالوزان
من أهل طبرستان نزل الرّيّ
من رُؤَسَاء عصره وكبرائهم فضلا وحشمة وجاها ونعمة
قَالَ عبد الغافر وَكَانَ لَهُ الْقدَم الراسخ فِي المناظرة وإفحام الْخُصُوم وَالْكَرم الباذخ الراقي إِلَى منَاط النُّجُوم
وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ أَنه تفقه بمرو على الإِمَام أبي بكر الْقفال الْمروزِي وبرع فِي الْفِقْه
стр. 1710
وَقَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْحَافِظ إِنَّه ولي قَضَاء ساوة ثمَّ قَضَاء همذان
سمع الْقفال الْمروزِي والأستاذ أَبَا إِسْحَاق الإسفرايني وَأَبا بكر أَحْمد بن الْحسن الْحِيرِي والأستاذ أَبَا مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهم
روى عَنهُ زَاهِر بن طَاهِر وَغَيره
قَالَ عبد الغافر توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَقَالَ عبد الله بن يُوسُف الْجِرْجَانِيّ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ
وَالله أعلم
٤٧٢ - عبد الْكَرِيم بن عبد الصَّمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْقطَّان الْمَعْرُوف بِأبي معشر الطَّبَرِيّ
الإِمَام فِي الْقرَاءَات مُصَنف التَّلْخِيص وسوق الْعَرُوس فِي الْقرَاءَات الْمَشْهُورَة والغريبة وَكتاب الدُّرَر فِي التَّفْسِير وعيون الْمسَائِل وطبقات الْقُرَّاء وَغير ذَلِك
وَكَانَ مقرىء أهل مَكَّة فِي عصره وَقد روى تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ عَن المُصَنّف ومسند الإِمَام أَحْمد وَتَفْسِير النقاش عَن شَيْخه الزيدي
وروى عَن أبي عبد الله بن نظيف وَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَغَيرهمَا
وَحدث عَنهُ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي وَغَيره
стр. 1711
وَكَانَ من فضلاء الشَّافِعِيَّة
توفّي سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة بِمَكَّة
٤٧٣ - عبد الْكَرِيم بن هوَازن بن عبد الْملك بن طَلْحَة بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي الملقب زين الْإِسْلَام
الإِمَام مُطلقًا وَصَاحب الرسَالَة الَّتِي سَارَتْ مغربا ومشرقا والبسالة الَّتِي أصبح بهَا نجم سعادته مشرقا والأصالة الَّتِي تجَاوز بهَا فَوق الفرقد ورقى
أحد أَئِمَّة الْمُسلمين علما وَعَملا وأركان الْملَّة فعلا ومقولا
إِمَام الْأَئِمَّة ومجلي ظلمات الضلال المدلهمة
أحد من يقْتَدى بِهِ فِي السّنة ويتوضح بِكَلَامِهِ طرق النَّار وطرق الْجنَّة
شيخ الْمَشَايِخ وأستاذ الْجَمَاعَة ومقدم الطَّائِفَة الْجَامِع بَين أشتات الْعُلُوم
ولد فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة
وَسمع الحَدِيث من أبي الْحُسَيْن الْخفاف وَأبي نعيم الإسفرايني وَأبي بكر بن عَبدُوس الْمُزَكي وَأبي نعيم أَحْمد بن مُحَمَّد المهرجاني وَعلي بن أَحْمد الْأَهْوَازِي وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَابْن باكوية الشِّيرَازِيّ وَالْحَاكِم وَابْن فورك وَأبي الْحُسَيْن بن بَشرَان وَغَيرهم
стр. 1712
روى عَنهُ ابْنه عبد الْمُنعم وَابْن ابْنه أَبُو الأسعد هبة الرَّحْمَن وَأَبُو عبد الله الفراوي وزاهر الشحامي وَعبد الْوَهَّاب بن شاه الشاذياخي ووجيه الشحامي وَعبد الْجَبَّار الخواري وَخلق
وروى عَنهُ من القدماء أَبُو بكر الْخَطِيب وَغَيره
وَوَقع لنا الْكثير من حَدِيثه
وَأخذ الْفِقْه عَن أبي بكر مُحَمَّد بن بكر الطوسي وَعلم الْكَلَام عَن الْأُسْتَاذ أبي بكر بن فورك
وَاخْتلف أَيْضا يَسِيرا إِلَى الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق
وَأخذ التصوف عَن أستاذه أبي عَليّ الدقاق
وَكَانَ فَقِيها بارعا أصوليا محققا متكلما سنيا مُحدثا حَافِظًا مُفَسرًا متفننا نحويا لغويا أديبا كَاتبا شَاعِرًا مليح الْخط جدا شجاعا بطلا لَهُ فِي الفروسية وَاسْتِعْمَال السِّلَاح الْآثَار الجميلة
أجمع أهل عصره على أَنه سيد زَمَانه وقدوة وقته وبركة الْمُسلمين فِي ذَلِك الْعَصْر
قَالَ الْخَطِيب حدث بِبَغْدَاد وكتبنا عَنهُ وَكَانَ ثِقَة وَكَانَ يعظ وَكَانَ حسن المواعظة مليح الْإِشَارَة وَكَانَ يعرف الْأُصُول على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَالْفُرُوع على مَذْهَب الشَّافِعِي
وَقَالَ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل فِيهِ الإِمَام مُطلقًا الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الأصولي الْمُفَسّر الأديب النَّحْوِيّ الْكَاتِب الشَّاعِر لِسَان عصره وَسيد وقته وسر الله بَين خلقه
стр. 1713
شيخ الْمَشَايِخ وأستاذ الْجَمَاعَة ومقدم الطَّائِفَة ومقصود سالكي الطَّرِيقَة وَبُنْدَار الْحَقِيقَة وَعين السَّعَادَة وَحَقِيقَة الملاحة لم ير مثل نَفسه وَلَا رأى الراءون مثله فِي كَمَاله وبراعته جمع بَين علم الشَّرِيعَة والحقيقة وَشرح أحسن الشَّرْح أصُول الطَّرِيقَة
أَصله من نَاحيَة أستوا من الْعَرَب الَّذين وردوا خُرَاسَان وَسَكنُوا النواحي فَهُوَ قشيري الْأَب سلمي الْأُم وخاله أَبُو عقيل السّلمِيّ من وُجُوه دهاقين نَاحيَة أستوا
توفّي أَبوهُ وَهُوَ طِفْل فَوَقع إِلَى أبي الْقَاسِم الأليماني فَقَرَأَ الْأَدَب والعربية عَلَيْهِ بِسَبَب اتِّصَاله بهم وَقَرَأَ على غَيره وَحضر الْبَلَد وَاتفقَ حُضُوره مجْلِس الْأُسْتَاذ الشَّهِيد أبي عَليّ الْحسن بن عَليّ الدقاق وَكَانَ لِسَان وقته فَاسْتحْسن كَلَامه وسلك طَرِيق الْإِرَادَة فَقبله الْأُسْتَاذ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بتَعَلُّم الْعلم فَخرج إِلَى درس الشَّيْخ الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن بكر الطوسي وَشرع فِي الْفِقْه حَتَّى فرغ من التَّعْلِيق ثمَّ اخْتلف بإشارته إِلَى الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي بكر بن فورك وَكَانَ الْمُقدم فِي الْأُصُول حَتَّى حصلها وبرع فِيهَا وَصَارَ من أوجه تلامذته وأشدهم تَحْقِيقا وضبطا وَقَرَأَ عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَفرغ مِنْهُ ثمَّ بعد وَفَاة الْأُسْتَاذ أبي بكر اخْتلف إِلَى الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإسفرايني وَقعد يسمع جَمِيع دروسه وأتى عَلَيْهِ أَيَّام فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ هَذَا الْعلم لَا يحصل بِالسَّمَاعِ
وَمَا توهم فِيهِ ضبط مَا يسمع فَأَعَادَ عِنْده مَا سَمعه مِنْهُ وَقَررهُ أحسن تَقْرِير من غير إخلال بِشَيْء فتعجب مِنْهُ وَعرف مَحَله فَأكْرمه وَقَالَ مَا كنت أَدْرِي أَنَّك بلغت هَذَا الْمحل فلست تحْتَاج إِلَى درسي يَكْفِيك أَن تطالع مصنفاتي وَتنظر فِي طريقي وَإِن أشكل عَلَيْك شَيْء طالعتني بِهِ فَفعل ذَلِك وَجَمِيع بَين طَرِيقَته وَطَرِيقَة ابْن فورك
стр. 1714
ثمَّ نظر بعد ذَلِك فِي كتب القَاضِي أبي بكر ابْن الطّيب وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ أبي عَليّ إِلَى أَن اخْتَارَهُ لكريمته فَزَوجهَا مِنْهُ
وَبعد وَفَاة الْأُسْتَاذ عَاشر أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ إِلَى أَن صَار أستاذ خُرَاسَان وَأخذ فِي التصنيف فصنف التَّفْسِير الْكَبِير قبل الْعشْر وَأَرْبَعمِائَة ورتب الْمجَالِس وَخرج إِلَى الْحَج فِي رفْقَة فِيهَا أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ وَجَمَاعَة من الْمَشَاهِير فَسمع مَعَهم الحَدِيث بِبَغْدَاد والحجاز من مَشَايِخ عصره
وَكَانَ فِي علم الفروسية وَاسْتِعْمَال السِّلَاح وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من أَفْرَاد الْعَصْر وَله فِي ذَلِك الْفَنّ دقائق وعلوم انْفَرد بهَا
وَأما الْمجَالِس فِي التَّذْكِير وَالْقعُود فِيمَا بَين المريدين وأسئلتهم عَن الوقائع وخوضه فِي الْأَجْوِبَة وجريان الْأَحْوَال العجيبة فَكلهَا مِنْهُ وَإِلَيْهِ
أجمع أهل الْعَصْر على أَنه عديم النظير فِيهَا غير مشارك فِي أساليب الْكَلَام على الْمسَائِل وتطييب الْقُلُوب والإشارات اللطيفة المستنبطة من الْآيَات وَالْأَخْبَار من كَلَام الْمَشَايِخ والرموز الدقيقة وتصانيفه فِيهَا الْمَشْهُورَة إِلَى غير ذَلِك من نظم الْأَشْعَار اللطيفة على لِسَان الطَّرِيقَة
وَلَقَد عقد لنَفسِهِ مجْلِس الْإِمْلَاء فِي الحَدِيث سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ يملي إِلَى سنة خمس وَسِتِّينَ يُذنب أَمَالِيهِ بأبياته وَرُبمَا كَانَ يتَكَلَّم على الحَدِيث بإشاراته ولطائفه
وَله فِي الْكِتَابَة طَريقَة أنيقة رشيقة تبري على النّظم
وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحسن فِي دمية الْقصر وَهُوَ أَن قَالَ
стр. 1715
الإِمَام زين الْإِسْلَام أَبُو الْقَاسِم جَامع لأنواع المحاسن تنقاد لَهُ صعابها ذلل المراسن فَلَو قرع الصخر بِسَوْط تحذيره لذاب وَلَو ربط إِبْلِيس فِي مجْلِس تذكيره لتاب وَله فصل الْخطاب فِي فضل النُّطْق المستطاب ماهر فِي التَّكَلُّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ خَارج فِي إحاطته بالعلوم على الْحَد البشري كَلِمَاته للمستفيدين فَوَائِد وفرائد وعتبات منبره للعارفين وسائد وَله شعر يتوج بِهِ رُؤُوس معاليه إِذا ختمت بِهِ أَذْنَاب أَمَالِيهِ
قَالَ عبد الغافر وَقد أَخذ طَرِيق التصوف من الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق وَأَخذهَا أَبُو عَليّ عَن أبي الْقَاسِم النصراباذي والنصراباذي عَن الشبلي والشبلي عَن الْجُنَيْد والجنيد عَن السّري السَّقطِي وَالسري عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي ومعروف عَن دَاوُد الطَّائِي وَدَاوُد لَقِي التَّابِعين
هَكَذَا كَانَ يذكر إِسْنَاد طَرِيقَته
وَمن جملَة أَحْوَاله مَا خص بِهِ من المحنة فِي الدّين والاعتقاد وَظُهُور التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي عشر سنة أَرْبَعِينَ إِلَى خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وميل بعض الْوُلَاة إِلَى الْأَهْوَاء وسعى بعض الرؤساء والقضاة إِلَيْهِ بالتخليط حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى رفع الْمجَالِس وتفرق شَمل الْأَصْحَاب وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُود من بَينهم حسدا حَتَّى اضطرته الْحَال إِلَى مُفَارقَة الأوطان وامتد فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى بَغْدَاد وَورد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر الله ولقى فِيهَا قبولا وَعقد لَهُ الْمجْلس فِي مَنَازِله المختصة بِهِ وَكَانَ ذَلِك بِمحضر ومرأى مِنْهُ وَوَقع كَلَامه فِي مَجْلِسه الْموقع وَخرج الْأَمر بإعزازه وإكرامه وَعَاد إِلَى نيسابور وَكَانَ يخْتَلف مِنْهَا
стр. 1716
إِلَى طوس بأَهْله وَبَعض أَوْلَاده حَتَّى طلع صبح النّوبَة الْمُبَارَكَة دولة السُّلْطَان ألب أرسلان فِي سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَبَقيَ عشر سِنِين فِي آخر عمره مرفها مُحْتَرما مُطَاعًا مُعظما وَأكْثر صَفوه فِي آخر أَيَّامه الَّتِي شَاهَدْنَاهُ فِيهَا أخيرا إِلَى أَن تقْرَأ عَلَيْهِ كتبه وتصانيفه وَالْأَحَادِيث المسموعة لَهُ وَمَا يؤول إِلَى نصْرَة الْمَذْهَب
بلغ المنتمون إِلَيْهِ الافا فأملوا بِذكرِهِ وتصانيفه أطرافا
انْتهى كَلَام عبد الغافر
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ سَمِعت أَبَا بشر مُصعب بن عبد الرَّزَّاق بن مُصعب المصعبي بمرو يَقُول حضر الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم مجْلِس بعض الْأَئِمَّة الْكِبَار وَكَانَ قَاضِيا بمرو وَأَظنهُ قَالَ القَاضِي عَليّ الدهْقَان وَقت قدومه علينا فَلَمَّا دخل الْأُسْتَاذ قَامَ القَاضِي على رَأس السرير وَأخذ مخدة كَانَ يسْتَند عَلَيْهَا على السرير وَقَالَ لبَعض من كَانَ قَاعِدا على دَرَجَة الْمِنْبَر احملها إِلَى الْأُسْتَاذ الإِمَام ليقعد عَلَيْهَا
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس حججْت سنة من السنين وَكَانَ قد اتّفق أَن حج تِلْكَ السّنة هَذَا الإِمَام الْكَبِير وَأَشَارَ إِلَى الْأُسْتَاذ وَكَانَ يُقَال لتِلْك السّنة سنة الْقُضَاة وَكَانَ حج تِلْكَ السّنة أَرْبَعمِائَة نفس من قُضَاة الْمُسلمين وأئمتهم من أقطار الْبلدَانِ وأقاصي الأَرْض وَأَرَادُوا أَن يتَكَلَّم وَاحِد مِنْهُم فِي حرم الله فاتفق الْكل على الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم فَتكلم هُوَ بِاتِّفَاق مِنْهُم
قلت من سمع هَذِه الْحِكَايَة لم يستنكر مَا ذكره الْغَزالِيّ فِي بَاب الْوَلَاء فِي مَسْأَلَة أَرْبَعمِائَة قَاض
وبلغنا أَنه مرض للأستاذ أبي الْقَاسِم ولد مَرضا شَدِيدا بِحَيْثُ أيس مِنْهُ فشق ذَلِك على الْأُسْتَاذ فَرَأى الْحق فِي الْمَنَام فَشكى إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحق اجْمَعْ آيَات الشِّفَاء واقرأها عَلَيْهِ واكتبها فِي إِنَاء وَاجعَل فِيهِ مشروبا واسقه إِيَّاه فَفعل ذَلِك فَعُوفِيَ الْوَلَد
وآيات الشِّفَاء فِي الْقُرْآن سِتّ
стр. 1717
﴿ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾ ﴿وشفاء لما فِي الصُّدُور﴾ ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء﴾ وَرَأَيْت كثيرا من الْمَشَايِخ يَكْتُبُونَ هَذِه الْآيَات للْمَرِيض ويسقاها فِي الْإِنَاء طلبا للعافية
وَمن تصانيف الْأُسْتَاذ التَّفْسِير الْكَبِير وَهُوَ من أَجود التفاسير وأوضحها والرسالة الْمَشْهُورَة الْمُبَارَكَة الَّتِي قيل مَا تكون فِي بَيت وينكب والتحبير فِي التَّذْكِير وآداب الصُّوفِيَّة ولطائف الإشارات وَكتاب الْجَوَاهِر وعيون الْأَجْوِبَة فِي فنون الأسئلة وَكتاب الْمُنَاجَاة وَكتاب نكت أولي النهى وَكتاب نَحْو الْقُلُوب الْكَبِير وَكتاب نَحْو الْقُلُوب الصَّغِير وَكتاب أَحْكَام السماع وَكتاب الْأَرْبَعين فِي الحَدِيث وَقع لنا بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل وَغير ذَلِك
وَخلف من الْبَنِينَ سِتَّة ذَكَرْنَاهُمْ فِي هَذِه الطَّبَقَات عبادلة كلهم من السيدة الجليلة فَاطِمَة بنت الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق
قَالَ النقلَة وَلما مرض لم تفته وَلَا رَكْعَة قَائِما بل كَانَ يُصَلِّي قَائِما إِلَى أَن توفّي ﵀ فِي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد السَّادِس عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي الْمدرسَة إِلَى جَانب أستاذه أبي عَليّ الدقاق
стр. 1718
قَالَ أَبُو تُرَاب المراغي رَأَيْته فِي النّوم فَقَالَ أَنا فِي أطيب عَيْش وأكمل رَاحَة
وَقَالَ غَيره كَانَت للأستاذ فرس يركبهَا فَلَمَّا مَاتَ امْتنعت عَن الْعلف وَلم تطعم شَيْئا وَلم تمكن رَاكِبًا من ركُوبهَا وَمَكَثت أَيَّامًا قَلَائِل على هَذَا بعده إِلَى أَن مَاتَت
وَمن رَشِيق كَلَامه ومليح شعره وجليل الْفَوَائِد عَنهُ
قَالَ عبد الْمُنعم بن الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم سَمِعت وَالِدي يَقُول المريد لَا يفتر آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار فَهُوَ فِي الظَّاهِر بنعت المجاهدات وَفِي الْبَاطِن بِوَصْف المكابدات فَارق الْفراش ولازم الانكماش وَتحمل المصاعب وَركب المتاعب وعالج الْأَخْلَاق ومارس المشاق وَعَانَقَ الْأَهْوَال وَفَارق الأشكال كَمَا قيل
(ثمَّ قطعت اللَّيْل فِي مهمة ... لَا أسدا أخْشَى وَلَا ذيبا)
(يغلبني شوقي فأطوي السرى ... وَلم يزل ذُو الشوق مَغْلُوبًا)
وَمن شعر الْأُسْتَاذ
(يَا من تقاصر شكري عَن أياديه ... وكل كل لِسَان عَن معاليه)
(وجوده لم يزل فَردا بِلَا شبه ... علا عَن الْوَقْت ماضيه وآتيه)
(لَا دهر يخلقه لَا قهر يلْحقهُ ... لَا كشف يظهره لَا ستر يخفيه)
(لَا عد يجمعه لَا ضد يمنعهُ ... لَا حد يقطعهُ لَا قطر يحويه)
(لَا كَون يحصره لَا عون ينصره ... وَلَيْسَ فِي الْوَهم مَعْلُوم يضاهيه)
(جَلَاله أزلي لَا زَوَال لَهُ ... وَملكه دَائِم لَا شَيْء يفنيه)
стр. 1719
وَقَالَ أَيْضا
(لَو كنت سَاعَة بَيْننَا مَا بَيْننَا ... وَشهِدت حِين نكرر التوديعا)
(أيقنت أَن من الدُّمُوع مُحدثا ... وَعلمت أَن من الحَدِيث دموعا)
وَقَالَ أَيْضا
(وَإِذا سقيت من الْمحبَّة مصة ... ألقيت من فرط الْخمار خماري)
(كم تبت قصدا ثمَّ لَاحَ عذاره ... فخلعت من ذَاك العذار عِذَارَيْ)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الباحث عَن دين الْهدى ... طَالبا حجَّة مَا يَعْتَقِدهُ)
(إِن مَا تطلبه مُجْتَهدا ... غير دين الشَّافِعِي لَا تَجدهُ)
وَقَالَ أَيْضا
(لَا تدع خدمَة الأكابر وَاعْلَم ... أَن فِي عشرَة الصغار صغَارًا)
(وابغ من فِي يَمِينه لَك يمن ... وَترى فِي الْيَسَار مِنْهُ اليسارا)
قلت ذكرت هُنَا قولي قَدِيما
(قَبِيح بِي وَرب الْعَرْش رَبِّي ... أَخَاف الضّر أَو أخْشَى افتقارا)
(وَكَيف وَإِن أمد لَهُ يَمِينا ... لتدعو ظلّ يمنحها اليسارا)
وَقَالَ أَيْضا
(جنباني المجون يَا صاحبيا ... واتلوا سُورَة الصَّلَاة عليا)
стр. 1720
(قد أجبنا لزاجر الْعقل طَوْعًا ... وَتَركنَا حَدِيث سلمى وميا)
(ومنحنا لموجب الشَّرْع نشرا ... وشرعنا لموجب اللَّهْو طيا)
(وَوجدنَا إِلَى القناعة بَابا ... فَوَضَعْنَا على المطامع كيا)
(كنت فِي حر وحشتي لاختياري ... فتعوضت بالرضى مِنْهُ فيا)
(إِن من يَهْتَدِي لقطع هَوَاهُ ... فَهُوَ فِي الْعِزّ حَاز أوج الثريا)
(وَالَّذين ارتووا بكأس مُنَاهُمْ ... فعلى الصد سَوف يلقون غيا)
٤٧٤ - عبد الْكَرِيم بن يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْصُور
أَبُو الْفضل الأزجاهي
نِسْبَة إِلَى أزجاه بِفَتْح الْألف وَسُكُون الزَّاي وَفتح الْجِيم وَفِي آخرهَا الْهَاء وَهِي إِحْدَى قرى خابران من خُرَاسَان
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِمَام فَاضل ورع متقن حَافظ لمَذْهَب الشَّافِعِي متصرف فِيهِ
تفقه بنيسابور على الشَّيْخ أبي مُحَمَّد ثمَّ بمرو على أبي طَاهِر السنجي وبمرو الروذ على القَاضِي الْحُسَيْن وَسمع الحَدِيث وأملى
قَالَ وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٧٥ - عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو الْفضل الهمذاني الفرضي الْمَعْرُوف بالمقدسي
من أهل همذان
سكن بَغْدَاد إِلَى حِين وَفَاته
следующие страницы →