Полный текст (3 926 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
إِلَى طوس بأَهْله وَبَعض أَوْلَاده حَتَّى طلع صبح النّوبَة الْمُبَارَكَة دولة السُّلْطَان ألب أرسلان فِي سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَبَقيَ عشر سِنِين فِي آخر عمره مرفها مُحْتَرما مُطَاعًا مُعظما وَأكْثر صَفوه فِي آخر أَيَّامه الَّتِي شَاهَدْنَاهُ فِيهَا أخيرا إِلَى أَن تقْرَأ عَلَيْهِ كتبه وتصانيفه وَالْأَحَادِيث المسموعة لَهُ وَمَا يؤول إِلَى نصْرَة الْمَذْهَب
بلغ المنتمون إِلَيْهِ الافا فأملوا بِذكرِهِ وتصانيفه أطرافا
انْتهى كَلَام عبد الغافر
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ سَمِعت أَبَا بشر مُصعب بن عبد الرَّزَّاق بن مُصعب المصعبي بمرو يَقُول حضر الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم مجْلِس بعض الْأَئِمَّة الْكِبَار وَكَانَ قَاضِيا بمرو وَأَظنهُ قَالَ القَاضِي عَليّ الدهْقَان وَقت قدومه علينا فَلَمَّا دخل الْأُسْتَاذ قَامَ القَاضِي على رَأس السرير وَأخذ مخدة كَانَ يسْتَند عَلَيْهَا على السرير وَقَالَ لبَعض من كَانَ قَاعِدا على دَرَجَة الْمِنْبَر احملها إِلَى الْأُسْتَاذ الإِمَام ليقعد عَلَيْهَا
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس حججْت سنة من السنين وَكَانَ قد اتّفق أَن حج تِلْكَ السّنة هَذَا الإِمَام الْكَبِير وَأَشَارَ إِلَى الْأُسْتَاذ وَكَانَ يُقَال لتِلْك السّنة سنة الْقُضَاة وَكَانَ حج تِلْكَ السّنة أَرْبَعمِائَة نفس من قُضَاة الْمُسلمين وأئمتهم من أقطار الْبلدَانِ وأقاصي الأَرْض وَأَرَادُوا أَن يتَكَلَّم وَاحِد مِنْهُم فِي حرم الله فاتفق الْكل على الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم فَتكلم هُوَ بِاتِّفَاق مِنْهُم
قلت من سمع هَذِه الْحِكَايَة لم يستنكر مَا ذكره الْغَزالِيّ فِي بَاب الْوَلَاء فِي مَسْأَلَة أَرْبَعمِائَة قَاض
وبلغنا أَنه مرض للأستاذ أبي الْقَاسِم ولد مَرضا شَدِيدا بِحَيْثُ أيس مِنْهُ فشق ذَلِك على الْأُسْتَاذ فَرَأى الْحق فِي الْمَنَام فَشكى إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحق اجْمَعْ آيَات الشِّفَاء واقرأها عَلَيْهِ واكتبها فِي إِنَاء وَاجعَل فِيهِ مشروبا واسقه إِيَّاه فَفعل ذَلِك فَعُوفِيَ الْوَلَد
وآيات الشِّفَاء فِي الْقُرْآن سِتّ
стр. 1717
﴿ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾ ﴿وشفاء لما فِي الصُّدُور﴾ ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء﴾ وَرَأَيْت كثيرا من الْمَشَايِخ يَكْتُبُونَ هَذِه الْآيَات للْمَرِيض ويسقاها فِي الْإِنَاء طلبا للعافية
وَمن تصانيف الْأُسْتَاذ التَّفْسِير الْكَبِير وَهُوَ من أَجود التفاسير وأوضحها والرسالة الْمَشْهُورَة الْمُبَارَكَة الَّتِي قيل مَا تكون فِي بَيت وينكب والتحبير فِي التَّذْكِير وآداب الصُّوفِيَّة ولطائف الإشارات وَكتاب الْجَوَاهِر وعيون الْأَجْوِبَة فِي فنون الأسئلة وَكتاب الْمُنَاجَاة وَكتاب نكت أولي النهى وَكتاب نَحْو الْقُلُوب الْكَبِير وَكتاب نَحْو الْقُلُوب الصَّغِير وَكتاب أَحْكَام السماع وَكتاب الْأَرْبَعين فِي الحَدِيث وَقع لنا بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل وَغير ذَلِك
وَخلف من الْبَنِينَ سِتَّة ذَكَرْنَاهُمْ فِي هَذِه الطَّبَقَات عبادلة كلهم من السيدة الجليلة فَاطِمَة بنت الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق
قَالَ النقلَة وَلما مرض لم تفته وَلَا رَكْعَة قَائِما بل كَانَ يُصَلِّي قَائِما إِلَى أَن توفّي ﵀ فِي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد السَّادِس عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي الْمدرسَة إِلَى جَانب أستاذه أبي عَليّ الدقاق
стр. 1718
قَالَ أَبُو تُرَاب المراغي رَأَيْته فِي النّوم فَقَالَ أَنا فِي أطيب عَيْش وأكمل رَاحَة
وَقَالَ غَيره كَانَت للأستاذ فرس يركبهَا فَلَمَّا مَاتَ امْتنعت عَن الْعلف وَلم تطعم شَيْئا وَلم تمكن رَاكِبًا من ركُوبهَا وَمَكَثت أَيَّامًا قَلَائِل على هَذَا بعده إِلَى أَن مَاتَت
وَمن رَشِيق كَلَامه ومليح شعره وجليل الْفَوَائِد عَنهُ
قَالَ عبد الْمُنعم بن الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم سَمِعت وَالِدي يَقُول المريد لَا يفتر آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار فَهُوَ فِي الظَّاهِر بنعت المجاهدات وَفِي الْبَاطِن بِوَصْف المكابدات فَارق الْفراش ولازم الانكماش وَتحمل المصاعب وَركب المتاعب وعالج الْأَخْلَاق ومارس المشاق وَعَانَقَ الْأَهْوَال وَفَارق الأشكال كَمَا قيل
(ثمَّ قطعت اللَّيْل فِي مهمة ... لَا أسدا أخْشَى وَلَا ذيبا)
(يغلبني شوقي فأطوي السرى ... وَلم يزل ذُو الشوق مَغْلُوبًا)
وَمن شعر الْأُسْتَاذ
(يَا من تقاصر شكري عَن أياديه ... وكل كل لِسَان عَن معاليه)
(وجوده لم يزل فَردا بِلَا شبه ... علا عَن الْوَقْت ماضيه وآتيه)
(لَا دهر يخلقه لَا قهر يلْحقهُ ... لَا كشف يظهره لَا ستر يخفيه)
(لَا عد يجمعه لَا ضد يمنعهُ ... لَا حد يقطعهُ لَا قطر يحويه)
(لَا كَون يحصره لَا عون ينصره ... وَلَيْسَ فِي الْوَهم مَعْلُوم يضاهيه)
(جَلَاله أزلي لَا زَوَال لَهُ ... وَملكه دَائِم لَا شَيْء يفنيه)
стр. 1719
وَقَالَ أَيْضا
(لَو كنت سَاعَة بَيْننَا مَا بَيْننَا ... وَشهِدت حِين نكرر التوديعا)
(أيقنت أَن من الدُّمُوع مُحدثا ... وَعلمت أَن من الحَدِيث دموعا)
وَقَالَ أَيْضا
(وَإِذا سقيت من الْمحبَّة مصة ... ألقيت من فرط الْخمار خماري)
(كم تبت قصدا ثمَّ لَاحَ عذاره ... فخلعت من ذَاك العذار عِذَارَيْ)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الباحث عَن دين الْهدى ... طَالبا حجَّة مَا يَعْتَقِدهُ)
(إِن مَا تطلبه مُجْتَهدا ... غير دين الشَّافِعِي لَا تَجدهُ)
وَقَالَ أَيْضا
(لَا تدع خدمَة الأكابر وَاعْلَم ... أَن فِي عشرَة الصغار صغَارًا)
(وابغ من فِي يَمِينه لَك يمن ... وَترى فِي الْيَسَار مِنْهُ اليسارا)
قلت ذكرت هُنَا قولي قَدِيما
(قَبِيح بِي وَرب الْعَرْش رَبِّي ... أَخَاف الضّر أَو أخْشَى افتقارا)
(وَكَيف وَإِن أمد لَهُ يَمِينا ... لتدعو ظلّ يمنحها اليسارا)
وَقَالَ أَيْضا
(جنباني المجون يَا صاحبيا ... واتلوا سُورَة الصَّلَاة عليا)
стр. 1720
(قد أجبنا لزاجر الْعقل طَوْعًا ... وَتَركنَا حَدِيث سلمى وميا)
(ومنحنا لموجب الشَّرْع نشرا ... وشرعنا لموجب اللَّهْو طيا)
(وَوجدنَا إِلَى القناعة بَابا ... فَوَضَعْنَا على المطامع كيا)
(كنت فِي حر وحشتي لاختياري ... فتعوضت بالرضى مِنْهُ فيا)
(إِن من يَهْتَدِي لقطع هَوَاهُ ... فَهُوَ فِي الْعِزّ حَاز أوج الثريا)
(وَالَّذين ارتووا بكأس مُنَاهُمْ ... فعلى الصد سَوف يلقون غيا)
٤٧٤ - عبد الْكَرِيم بن يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْصُور
أَبُو الْفضل الأزجاهي
نِسْبَة إِلَى أزجاه بِفَتْح الْألف وَسُكُون الزَّاي وَفتح الْجِيم وَفِي آخرهَا الْهَاء وَهِي إِحْدَى قرى خابران من خُرَاسَان
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِمَام فَاضل ورع متقن حَافظ لمَذْهَب الشَّافِعِي متصرف فِيهِ
تفقه بنيسابور على الشَّيْخ أبي مُحَمَّد ثمَّ بمرو على أبي طَاهِر السنجي وبمرو الروذ على القَاضِي الْحُسَيْن وَسمع الحَدِيث وأملى
قَالَ وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٧٥ - عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو الْفضل الهمذاني الفرضي الْمَعْرُوف بالمقدسي
من أهل همذان
سكن بَغْدَاد إِلَى حِين وَفَاته
стр. 1721
سمع أَبَا نصر بن هُبَيْرَة وَأَبا الْفضل بن عَبْدَانِ الْفَقِيه وَأَبا مُحَمَّد عبد الله بن جَعْفَر الجناري وَغَيرهم
وَحدث باليسير
وَكَانَ من أَئِمَّة الدّين وأوعية الْعلم
وَقيل إِنَّه كَانَ يحفظ مُجمل اللُّغَة لِابْنِ فَارس وغريب الحَدِيث لأبي عبيد
وَكَانَ زاهدا ناسكا عابدا ورعا
وَأما الْفَرَائِض والحساب وَقِسْمَة التركات فَكَانَ قيم عصره بهَا
وَأُرِيد على أَن يَلِي قَضَاء الْقُضَاة فَامْتنعَ وَلم يعرف أَنه اغتاب أحدا قطّ وَلَا ذكره بِمَا يستحيى مِنْهُ
وَقيل إِنَّه كَانَ على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَقد قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل إِنَّه قَالَ لم أر فِيمَن رَأَيْت استجمع شَرَائِط الِاجْتِهَاد إِلَّا أَبَا يعلى وَابْن الصّباغ وَعبد الْملك بن إِبْرَاهِيم
وَكَانَ ظريفا لطيفا مَعَ الْوَرع ومحاسبة النَّفس والتدقيق فِي الْعَمَل
ذكره وَلَده مُحَمَّد بن عبد الْملك فِي تَارِيخه وَقَالَ كَانَ أبي إِذا أَرَادَ يؤدبني يَأْخُذ الْعَصَا بِيَدِهِ وَيَقُول نَوَيْت أَن أضْرب وَلَدي تأديبا كَمَا أَمر الله ثمَّ يضربني
قَالَ وَرُبمَا هربت قبل أَن يتم النِّيَّة
وَكَانَ عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم قد تفقه على القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ
توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقد قَارب الثَّمَانِينَ وَلم يكن يخبر بمولده على مَا ذكره وَلَده أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْملك
وَله فتيا وقفت عَلَيْهَا وفيهَا أَنه لَا حضَانَة للعمياء وَقد ذكرنَا الْمَسْأَلَة فِي تَرْجَمَة ابْن الصّباغ
стр. 1722
وفيهَا أَن الْفطر فِي رَمَضَان لأجل إنقاذ الغريق إِنَّمَا يجب على من تعين عَلَيْهِ إنقاذه وَالْأَصْحَاب أطْلقُوا الْوُجُوب
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام فِي شرح الْمِنْهَاج وَفِي هَذَا التَّقْيِيد نظر لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التواكل
٤٧٦ - عبد الْملك بن عبد الله بن مَحْمُود بن صُهَيْب بن مِسْكين أَبُو الْحسن الْمصْرِيّ الْفَقِيه
روى عَن أَبيض بن مُحَمَّد الفِهري صَاحب النَّسَائِيّ وَعبيد الله بن مُحَمَّد بن أبي غَالب الْبَزَّار وَأبي بكر بن المهندس وَأبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن أبي هُرَيْرَة وَعلي بن الْحسن الْأَنْطَاكِي قَاضِي أذنة وَغَيرهم
روى عَنهُ الرَّازِيّ فِي مشيخته وَذكر شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَنه كَانَ يعرف أَيْضا بالزجاج
مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1723
٤٧٧ - عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن حيوية الْجُوَيْنِيّ
النَّيْسَابُورِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي ولد الشَّيْخ أبي مُحَمَّد
هُوَ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام الْبَحْر الحبر المدقق الْمُحَقق النظار الأصولي الْمُتَكَلّم البليغ الفصيح الأديب الْعلم الْفَرد زِينَة الْمُحَقِّقين إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق عجما وعربا وَصَاحب الشُّهْرَة الَّتِي سَارَتْ السراة والحداة بهَا شرقا وغربا
هُوَ الْبَحْر وعلومه درره الفاخرة وَالسَّمَاء وفوائده الَّتِي أنارت الْوُجُود نجومها الزاهرة يمل الْحَدِيد من الْحَدِيد وذهنه لَا يمل من نصْرَة الدّين فولاذه وتكل الْأَنْفس وقلمه يسح وابل دمعه ورذاذه ويدجو اللَّيْل البهيم وَلَا ترى بَدْرًا إِلَّا وَجهه فِي محرابه وَلَا نَاظرا طرفه نَاظرا فِي كِتَابه
بَطل علم إِذا رَآهُ النظار أفحموا وَقَالُوا ﴿وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقَام مَعْلُوم﴾ وَفَارِس بحث يضيق على خصمائه الفضاء الْوَاسِع حَتَّى لَا يفوتهُ الهارب مِنْهُم فِي الأَرْض يحور وَلَو أَنه الطَّائِر فِي السَّمَاء يحوم
تفد المشكلات إِلَيْهِ فيصدها وَترد السؤالات عَلَيْهِ فَلَا يردهَا
(أبدا على طرف اللِّسَان جَوَابه ... فَكَأَنَّمَا هِيَ دفْعَة من صيب)
(يَغْدُو مساجله بعزة صَافح ... وَيروح معترفا بذلة مذنب)
стр. 1724
وَمَا برح يدأب لَا يتْرك سامية إِلَّا علاها وَلَا غَايَة إِلَّا قطع دونهَا أنفاس الْمجَاز وَقطع مُنْتَهَاهَا بذهن صَحَّ على نقد الْفِكر إبريزه ووضح فِي ميدان الْجِدَال تبريزه حَتَّى قَالَ لَهُ الدَّهْر لقد اشْتبهَ يَوْمك بأمسك وَقَالَت العلياء هَذَا حدي قف عِنْده على رسلك ارْفُقْ بِنَفْسِك وَأمْسك
هَذَا إِلَى لفظ غرَّة سحر إِلَّا أَنه حل وبل ودره يَتِيم إِلَّا أَنه لَا يذل بفصيح كلم قَالَت النُّحَاة هَذَا مَا عجز عَنهُ زيد وَعَمْرو وخَالِد وبليغ قَول قَالَت البلغاء قصر عَن مداه طريف الفصاحة والتالد
(وَمَا أرى أحدا فِي النَّاس يُشبههُ ... وَمَا أحاشي من الأقوام من أحد)
أجل وَالله إِنَّه لذُو حَظّ عَظِيم وَقدر إِذا أنصفت العداة أصبح وَإِذا الَّذِي بَينه وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم
وعظمة أمست ديار الْأَعْدَاء بهَا وَهِي محلات مآتم وجلالة قَالَ القَاضِي لَا يكتمها الشَّاهِد الْمعدل عِنْدِي وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم
ومهابة يتضاءل النَّجْم دونهَا وتود الْأسود أَن تكونها وَلَا تكون إِلَّا دونهَا
وفخار لَو رَأَتْهُ الْأُم لقالت قري عينا أيتها النَّفس بِهَذَا الْوَلَد أَو الْمُزنِيّ لعلم أَن بَنَات قرائحه انْتَهَت إِلَيْهِ أَبْكَارًا وَاتخذ مِنْهَا مَا عز كل وَاحِد
стр. 1725
وأبحاث لَو عارضها الْقفال شيخ الخراسانيين لقيل هَذَا يضْرب فِي حَدِيد بَارِد وَلَو عرضت على شيخ الْعِرَاقِيّين لقَالَ ابْن أبي طَاهِر أَنا شيخ الطَّائِفَة وَأَنا حَامِد وَأَبُو حَامِد
وشعار أَوَى الْأَشْعَرِيّ مِنْهُ إِلَى ركن شَدِيد وَاعْتَزل المعتزلي المناظرة علما أَنه مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد
إِذا صعد الْمِنْبَر مد يَده إِلَى الفراقد وأنشده الْفضل
(وَلما رَأَيْت النَّاس دون مَحَله ... تيقنت أَن الدَّهْر للنَّاس ناقد)
وَإِذا وعظ ألبس الْأَنْفس من الخشية ثوبا جَدِيدا ونادته الْقُلُوب إننا بشر فَأَسْجِحْ فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا
وَإِذا نَاظر قعد الْأسد فَلَا يَسْتَطِيع أَن يقوم وَقَامَ الْحق بِحَيْثُ يحضر أندية الدّين وَسُهيْل قد نبذ بالعراء كَأَنَّهُ مَذْمُوم وَإِذا قصد رباع المبتدعة هد شبهها ببراهين قَائِمَة على عمد وَأنْشد من رَآهَا
(أمست خلاء وَأمسى أَهلهَا احتملوا ... أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد)
رَبِّي فِي حجر الْعلم رشيدا حَتَّى رَبًّا وارتضع ثدي الْفضل فَكَانَ فطامه هَذَا النبا وَأحكم الْعَرَبيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا من عُلُوم الْأَدَب وأوتي من الفصاحة والبلاغة مَا عجز الفصحاء وحير البلغاء وَسكت من نطق ودأب
وَكَانَ يذكر دروسا كل درس مِنْهَا تضيق الأوراق العديدة عَن استيعابه وَيقصر
стр. 1726
مد الْبَحْر عَن مدى عبابه غير متلعثم فِي الْكَلَام وَلَا مُحْتَاج إِلَى اسْتِدْرَاك عَثْرَة فِي لَفْظَة جرت على غير النظام بل جَار كالسيل منحدرا والبرق إِذا سرى
يعلم المتعمقون أَنه لَا يدْرك لَهُ حد ويعترف المبرزون بِأَنَّهُ عمل صَالحا وَأحسن فِي السرد
قَالَ الثِّقَات إِن مَا يُوجد فِي مصنفاته من الْعبارَات قَطْرَة من سيل كَانَ يجريه لِسَانه على شَفَتَيْه عِنْد المذاكرة وغرفة من بَحر كَانَ يفِيض من فَمه فِي مجَالِس المناظرة
وَأَقُول من ظن أَن فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من يداني فَصَاحَته فَلَيْسَ على بَصِيرَة من أمره وَمن حسب أَن فِي المصنفين من يحاكي بلاغته فَلَيْسَ يدْرِي مَا يَقُول
شرح حَال ابْتِدَاء الإِمَام
ولد فِي ثامن عشر الْمحرم سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة واعتنى بِهِ وَالِده من صغره لَا بل من قبل مولده
وَذَلِكَ أَن أَبَاهُ اكْتسب من عمل يَده مَالا خَالِصا من الشُّبْهَة اتَّصل بِهِ إِلَى والدته فَلَمَّا وَلدته لَهُ حرص على أَن لَا يطعمهُ مَا فِيهِ شُبْهَة فَلم يمازح بَاطِنه إِلَّا الْحَلَال الْخَالِص حَتَّى يحْكى أَنه تلجلج مرّة فِي مجْلِس مناظرة فَقيل لَهُ يَا إِمَام مَا هَذَا الَّذِي لم يعْهَد مِنْك فَقَالَ مَا أَرَاهَا إِلَّا آثَار بقايا المصة
قيل وَمَا نبأ هَذِه المصة قَالَ إِن أُمِّي اشتغلت فِي طَعَام تطبخه لأبي وَأَنا رَضِيع فَبَكَيْت وَكَانَت عندنَا جَارِيَة مُرْضِعَة لجيراننا فأرضعتني مصة أَو مصتين وَدخل وَالِدي فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ هَذِه الْجَارِيَة لَيست ملكا لنا وَلَيْسَ لَهَا أَن تتصرف فِي لَبنهَا وأصحابها لم يأذنوا فِي ذَلِك
стр. 1727
وقلبني وفوعني حَتَّى لم يدع فِي باطني شَيْئا إِلَّا أخرجه وَهَذِه اللجلجة من بقايا تِلْكَ الْآثَار
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْأَمر العجيب وَإِلَى هَذَا الرجل الْغَرِيب الَّذِي يُحَاسب نَفسه على يسير جرى فِي زمن الصِّبَا الَّذِي لَا تَكْلِيف فِيهِ وَهَذَا يدنو مِمَّا حُكيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁
ثمَّ أَخذ الإِمَام فِي الْفِقْه على وَالِده وَكَانَ وَالِده يعجب بِهِ وَيسر لما يرى فِيهِ من مخايل النجابة وأمارات الْفَلاح
وجد واجتهد فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف والأصولين وَغَيرهَا وشاع اسْمه واشتهر فِي صباه وَضربت باسمه الْأَمْثَال حَتَّى صَار إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ وأوقف عُلَمَاء الْمشرق وَالْمغْرب معترفين بِالْعَجزِ بَين يَدَيْهِ وسلك طَرِيق الْبَحْث وَالنَّظَر وَالتَّحْقِيق بِحَيْثُ أربى على كثير من الْمُتَقَدِّمين وأنسى تَصَرُّفَات الْأَوَّلين وسعى فِي دين الله سعيا يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين
وَلَا يشك ذُو خبْرَة أَنه كَانَ أعلم أهل الأَرْض بالْكلَام وَالْأُصُول وَالْفِقْه وَأَكْثَرهم تَحْقِيقا بل الْكل من بحره يَغْتَرِفُونَ وَأَن الْوُجُود مَا أخرج بعده لَهُ نظيرا
وَأما التَّفْضِيل الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين من تقدمه فقد طَال الشَّرْح فِيهِ فِي عصره وَلَا نرى للبحث عَن ذَلِك معنى
ثمَّ توفّي وَالِده وسنه نَحْو الْعشْرين وَهُوَ مَعَ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين فَأقْعدَ مَكَانَهُ فِي التدريس فَكَانَ يدرس ثمَّ يذهب بعد ذَلِك إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ حَتَّى حصل الْأُصُول عِنْد أستاذه أبي الْقَاسِم الإسكاف الإسفرايني وَكَانَ يواظب على مَجْلِسه
стр. 1728
قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي وَقد سمعته يَقُول فِي أثْنَاء كَلَامه كنت علقت عَلَيْهِ فِي الْأُصُول أَجزَاء مَعْدُودَة وطالعت فِي نَفسِي مائَة مجلدة
وَكَانَ يصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي التَّحْصِيل ويبكر كل يَوْم قبل الِاشْتِغَال بدرس نَفسه إِلَى مَسْجِد أبي عبد الله الْخَبَّازِي يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن ويقتبس من كل نوع من الْعُلُوم مَا يُمكنهُ مَعَ مواظبته على التدريس وَينْفق مَا وَرثهُ وَمَا كَانَ يدْخل لَهُ على المتفقهة ويجتهد فِي المناظرة ويواظب عَلَيْهَا إِلَى أَن ظهر التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ واضطربت الْأَحْوَال والأمور
قَالَ عبد الغافر فاضطر إِلَى السّفر وَالْخُرُوج عَن الْبَلَد فَخرج مَعَ الْمَشَايِخ إِلَى المعسكر وَخرج إِلَى بَغْدَاد يطوف مَعَ المعسكر ويلتقي بالأكابر من الْعلمَاء ويدارسهم ويناظرهم حَتَّى طَار ذكره فِي الأقطار وشاع ذكره واسْمه فَمَلَأ الديار ثمَّ زَمْزَم لَهُ الْحَادِي بِذكر زَمْزَم وناداه على بعد الديار الْبَيْت الْحَرَام فلبى وَأحرم وَتوجه حَاجا وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفتي ويجتهد فِي الْعِبَادَة وَنشر الْعلم حَتَّى شرف بِهِ ذَلِك النادي وأشرقت تلاع ذَلِك الْوَادي وأسبلت عَلَيْهِ الْكَعْبَة ستورها وَأَقْبَلت عَلَيْهِ وَهُوَ يطوف بهَا كلما اسود جنح اللَّيَالِي بيض بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة ديجورها وصفت نِيَّته مَعَ الله فَلَو كَانَت الصَّفَا ذَات لِسَان لشافهته جهارا وشكر لَهُ الْمَسْعَى بَين الصَّفَا والمروة إقبالا وإدبارا
ثمَّ عَاد إِلَى نيسابور بعد ولَايَة السُّلْطَان ألب أرسلان وتزين وَجه الْملك بِإِشَارَة نظام الْملك واستقرت أُمُور الْفَرِيقَيْنِ وَانْقطع التعصب
стр. 1729
وَقد قدمنَا حِكَايَة الْفِتْنَة فِي تَرْجَمَة أبي سهل بن الْمُوفق
فبنيت لَهُ الْمدرسَة النظامية بنيسابور وأقعد للتدريس فِيهَا واستقامت أُمُور الطّلبَة وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلما لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة والمناظرة وهجرت الْمجَالِس من أَجله وانغمر غَيره من الْفُقَهَاء بِعِلْمِهِ وكسدت الْأَسْوَاق فِي جنبه ونفق سوق الْمُحَقِّقين من خواصه وتلامذته فظهرت تصانيفه وَحضر درسه الأكابر وَالْجمع الْعَظِيم من الطّلبَة وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم نَحْو من ثَلَاثمِائَة رجل من الْأَئِمَّة وَمن الطّلبَة وَاتفقَ لَهُ من الْمُوَاظبَة على التدريس والمناظرة مَا لم يعْهَد لغيره مَعَ الوجاهة الزَّائِدَة فِي الدُّنْيَا
وَسمع الحَدِيث فِي صباه من وَالِده وَمن أبي حسان مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُزَكي وَأبي سعد عبد الرَّحْمَن بن حمدَان النصروي وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يحيى الْمُزَكي وَأبي سعد عبد الرَّحْمَن بن الْحسن بن عَلَيْك وَأبي عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز النيلي وَغَيرهم
وَأَجَازَ لَهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ وَحدث
وروى عَنهُ زَاهِر الشحامي وَأَبُو عبد الله الفراوي وَإِسْمَاعِيل بن أبي صَالح الْمُؤَذّن وَغَيرهم
وَمن تصانيفه النِّهَايَة فِي الْفِقْه لم يصنف فِي الْمَذْهَب مثلهَا فِيمَا أَجْزم بِهِ
والشامل فِي أصُول الدّين
والبرهان فِي أصُول الْفِقْه
والإرشاد فِي أصُول الدّين
وَالتَّلْخِيص مُخْتَصر التَّقْرِيب والإرشاد أصُول فقه أَيْضا
стр. 1730
والورقات فِيهِ أَيْضا
وغياث الْأُمَم
ومغيث الْخلق فِي تَرْجِيح مَذْهَب الشَّافِعِي
والرسالة النظامية
ومدارك الْعُقُول
وَله ديوَان خطب مَشْهُور
وَله مُخْتَصر النِّهَايَة اختصرها بِنَفسِهِ وَهُوَ عَزِيز الْوُقُوع من محَاسِن كتبه قَالَ هُوَ نَفسه فِيهِ إِنَّه يَقع فِي الحجم من النِّهَايَة أقل من النّصْف وَفِي الْمَعْنى أَكثر من الضعْف
ذكر شَيْء من ثَنَاء أهل عصره عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ تمَتَّعُوا بِهَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ نزهة هَذَا الزَّمَان يَعْنِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ
وَقَالَ لَهُ مرّة يَا مُفِيد أهل الْمشرق وَالْمغْرب لقد اسْتَفَادَ من علمك الْأَولونَ وَالْآخرُونَ
стр. 1731
وَقَالَ لَهُ مرّة أُخْرَى أَنْت الْيَوْم إِمَام الْأَئِمَّة
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي وَقد سمع كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي بعض المحافل صرف الله المكاره عَن هَذَا الإِمَام فَهُوَ الْيَوْم قُرَّة عين الْإِسْلَام والذاب عَنهُ بِحسن الْكَلَام
ولعلي بن الْحسن الباخرزي فِيهِ وَهُوَ شَاب كَلَام سيمر بك فِي أثْنَاء كَلَام عبد الغافر الْفَارِسِي
ونقلت من خطّ ابْن الصّلاح أنْشد بعض من رأى إِمَام الْحَرَمَيْنِ
(لم تَرَ عَيْني أحدا ... تَحت أَدِيم الْفلك)
(مثل إِمَام الْحَرَمَيْنِ ... النّدب عبد الْملك)
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ هُوَ إِمَام عصره ونسيج وَحده ونادرة دهره عديم الْمثل فِي حفظه وَبَيَانه وَلسَانه
قَالَ وَإِلَيْهِ الرحلة من خُرَاسَان وَالْعراق والحجاز
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة أَبُو سعيد الطَّبَرِيّ وَقد قيل لَهُ إِنَّه لقب إِمَام الْحَرَمَيْنِ بل هُوَ إِمَام خُرَاسَان وَالْعراق لفضله وتقدمه فِي أَنْوَاع الْعُلُوم
وَكَانَ الْفَقِيه الإِمَام غَانِم الموشيلي ينشد لغيره فِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ
(دعوا لبس الْمَعَالِي فَهُوَ ثوب ... على مِقْدَار قد أَبى الْمَعَالِي)
стр. 1732
وروى ابْن السَّمْعَانِيّ أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ نَاظر فيلسوفا فِي مَسْأَلَة خلق الْقُرْآن فقذف بِالْحَقِّ على باطله ودمغه دمغا ودحض شبهه دحضا ووضح كَلَامه فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى اعْترف الْمُوَافق والمخالف لَهُ بالغلبة
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي لَو ادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْيَوْم النُّبُوَّة لاستغنى بِكَلَامِهِ هَذَا عَن إِظْهَاره المعجزة
ذكر كَلَام عبد الغافر الْفَارِسِي فِيهِ وَهُوَ آتٍ بغالب التَّرْجَمَة
وَلَا علينا إِذا تكَرر بعض مَا مضى ذكره
قَالَ عبد الغافر الْفَارِسِي الْحَافِظ فِي سِيَاق نيسابور إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَخر الْإِسْلَام إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق حبر الشَّرِيعَة الْمجمع على إِمَامَته شرقا وغربا الْمقر بفضله السراة والحداة عجما وعربا من لم تَرَ الْعُيُون مثله قبله وَلَا ترى بعده
رباه حجر الْإِمَامَة وحرك ساعد السَّعَادَة مهده وأرضعه ثدي الْعلم والورع إِلَى أَن ترعرع فِيهِ ويفع
أَخذ من الْعَرَبيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا أوفر حَظّ وَنصِيب فَزَاد فِيهَا على كل أديب ورزق من التَّوَسُّع فِي الْعبارَة وعلوها مَا لم يعْهَد من غَيره حَتَّى أنسى ذكر سحبان وفَاق فِيهَا الأقران وَحمل الْقُرْآن فأعجز الفصحاء اللد وَجَاوَزَ الْوَصْف وَالْحَد وكل من سمع خَبره وَرَأى أَثَره فَإِذا شَاهده أقرّ بِأَن خَبره يزِيد كثيرا على الْخَبَر ويبر على مَا عهد من الْأَثر
وَكَانَ يذكر دروسا يَقع كل وَاحِد مِنْهَا فِي أطباق وأوراق لَا يتلعثم فِي كلمة
стр. 1733
وَلَا يحْتَاج إِلَى اسْتِدْرَاك عَثْرَة مرا فِيهَا كالبرق الخاطف بِصَوْت مُطَابق كالرعد القاصف ينزف فِيهِ لَهُ المبرزون وَلَا يدْرك شأوه المتشدقون المتعمقون وَمَا يُوجد مِنْهُ فِي كتبه من الْعبارَات الْبَالِغَة كنه الفصاحة غيض من فيض مَا كَانَ على لِسَانه وغرفة من أمواج مَا كَانَ يعْهَد من بَيَانه
تفقه فِي صباه على وَالِده ركن الْإِسْلَام فَكَانَ يزهى بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فِيهِ من المخايل فخلفه فِيهِ من بعد وَفَاته وأتى على جَمِيع مصنفاته فقلبها ظهرا لبطن وَتصرف فِيهَا وَخرج الْمسَائِل بَعْضهَا على بعض ودرس سِنِين وَلم يرض فِي شبابه بتقليد وَالِده وَأَصْحَابه حَتَّى أَخذ فِي التَّحْقِيق وجد واجتهد فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف ومجلس النّظر حَتَّى ظَهرت نجابته ولاح على أَيَّامه همة أَبِيه وفراسته وسلك طَرِيق المباحثة وَجمع الطّرق بالمطالعة والمناظرة والمناقشة حَتَّى أربى على الْمُتَقَدِّمين وأنسى تَصَرُّفَات الْأَوَّلين وسعى فِي دين الله سعيا يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين
وَمن ابْتِدَاء أمره أَنه لما توفّي أَبوهُ كَانَ سنه دون الْعشْرين أَو قَرِيبا مِنْهُ فَأقْعدَ مَكَانَهُ للتدريس فَكَانَ يُقيم الرَّسْم فِي درسه وَيقوم مِنْهُ وَيخرج إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ حَتَّى حصل الْأُصُول وأصول الْفِقْه على الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقَاسِم الإسكاف الإسفرايني وَكَانَ يواظب على مَجْلِسه وَقد سمعته يَقُول فِي أثْنَاء كَلَامه كنت علقت عَلَيْهِ فِي الْأُصُول أَجزَاء مَعْدُودَة وطالعت فِي نَفسِي مائَة مجلدة
وَكَانَ يصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي التَّحْصِيل حَتَّى فرغ مِنْهُ ويبكر كل يَوْم قبل الِاشْتِغَال بدرس نَفسه إِلَى مجْلِس الْأُسْتَاذ أبي عبد الله الْخَبَّازِي يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن ويقتبس من كل نوع من الْعُلُوم مَا يُمكنهُ مَعَ مواظبته على التدريس وَينْفق مَا وَرثهُ وَمَا كَانَ لَهُ من الدخل
стр. 1734
على إِجْرَاء المتفقهة ويجتهد فِي ذَلِك ويواظب على المناظرة إِلَى أَن ظهر التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ واضطربت الْأَحْوَال والأمور فاضطر إِلَى السّفر وَالْخُرُوج عَن الْبَلَد فَخرج مَعَ الْمَشَايِخ إِلَى المعسكر وَخرج إِلَى بَغْدَاد يطوف مَعَ المعسكر ويلتقي بالأكابر من الْعلمَاء ويدارسهم ويناظرهم حَتَّى تهذب فِي النّظر وشاع ذكره
ثمَّ خرج إِلَى الْحجاز وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفتي وَيجمع طرق الْمَذْهَب وَيقبل على التَّحْصِيل إِلَى أَن اتّفق رُجُوعه بعد مُضِيّ نوبَة التعصب فَعَاد إِلَى نيسابور وَقد ظَهرت نوبَة ولَايَة السُّلْطَان ألب أرسلان وتزين وَجه الْملك بِإِشَارَة نظام الْملك واستقرت أُمُور الْفَرِيقَيْنِ وَانْقطع التعصب فَعَاد إِلَى التدريس وَكَانَ بَالغا فِي الْعلم نهايته مستجمعا أَسبَابه فبنيت الْمدرسَة الميمونة النظامية وأقعد للتدريس فِيهَا واستقامت أُمُور الطّلبَة
وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلما لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة والمناظرة وهجرت لَهُ الْمجَالِس وانغمر غَيره من الْفُقَهَاء بِعِلْمِهِ وتسلطه وكسدت الْأَسْوَاق فِي جنبه ونفق سوق الْمُحَقِّقين من خواصه وتلامذته وَظَهَرت تصانيفه وَحضر درسه الأكابر والجم الْعَظِيم من الطّلبَة وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم نَحْو من ثَلَاثمِائَة رجل من الْأَئِمَّة وَمن الطّلبَة
وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة والفحول وَأَوْلَاد الصُّدُور حَتَّى بلغُوا مَحل التدريس فِي زَمَانه
стр. 1735
وانتظم بإقباله على الْعلم ومواظبته على التدريس والمناظرة والمباحثة أَسبَاب ومحافل ومجامع وإمعان فِي طلب الْعلم وسوق نافقة لأَهله لم تعهد قبله
واتصل بِهِ مَا يَلِيق بمنصبه من الْقبُول عِنْد السُّلْطَان والوزير والأركان ووفور الحشمة عِنْدهم بِحَيْثُ لَا يذكر غَيره فَكَانَ الْمُخَاطب والمشار إِلَيْهِ والمقبول من قبله والمهجور من هجره والمصدر فِي الْمجَالِس من ينتمي إِلَى خدمته والمنظور إِلَيْهِ من يغترف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع من طَرِيقَته
وَاتفقَ مِنْهُ تصانيف برسم الحضرة النظامية مثل النظامي والغياثي وإنفاذها إِلَى الحضرة ووقوعها موقع الْقبُول ومقابلتها بِمَا يَلِيق بهَا من الشُّكْر وَالرِّضَا وَالْخلْع الفائقة والمراكب المثمنة والهدايا والمرسومات
وَكَذَلِكَ إِلَى أَن قلد زعامة الْأَصْحَاب ورياسة الطَّائِفَة وفوض إِلَيْهِ أُمُور الْأَوْقَاف
وَصَارَت حشمته وزر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وَقَوله فِي الْفَتْوَى مرجع العظماء والأكابر والولاة
واتفقت لَهُ نهضة فِي أَعلَى مَا كَانَ من أَيَّامه إِلَى أَصْبَهَان بِسَبَب مُخَالفَة بعض من الْأَصْحَاب فلقي بهَا من الْمجْلس النظامي مَا كَانَ اللَّائِق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز وَالْإِكْرَام بأنواع المبار وَأجِيب بِمَا كَانَ فَوق مَطْلُوبه وَعَاد مكرما إِلَى نيسابور
وَصَارَ أَكثر عنايته مصروفا إِلَى تصنيف الْمَذْهَب الْكَبِير الْمُسَمّى بنهاية الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب حَتَّى حَرَّره وأملاه وأتى فِيهِ من الْبَحْث والتقرير والسبك والتنقير والتدقيق وَالتَّحْقِيق بِمَا شفى الغليل وأوضح السَّبِيل وَنبهَ على قدره وَمحله فِي علم الشَّرِيعَة ودرس ذَلِك للخواص من التلامذة وَفرغ مِنْهُ وَمن إِتْمَامه فعقد مَجْلِسا لتتمة الْكتاب
стр. 1736
حَضَره الْأَئِمَّة والكبار وَختم الْكتاب على رسم الْإِمْلَاء والاستملاء وتبجح الْجَمَاعَة بذلك ودعوا لَهُ وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ من الْمُعْتَدِينَ بإتمام ذَلِك الشَّاكِرِينَ لله عَلَيْهِ فَمَا صنف فِي الْإِسْلَام قبله مثله وَلَا اتّفق لأحد مَا اتّفق لَهُ وَمن قَاس طَرِيقَته بطريقة الْمُتَقَدِّمين فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وأنصف أقرّ بعلو منصبه ووفور تَعبه ونصبه فِي الدّين وَكَثْرَة سهره فِي استنباط الغوامض وَتَحْقِيق الْمسَائِل وترتيب الدَّلَائِل
وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحسن بن أبي الطّيب الباخرزي فِي كتاب دمية الْقصر مُشْتَمِلًا على حَاله وَهُوَ فقد كَانَ فِي عصر الشَّبَاب غير مُسْتَكْمل مَا عهدناه عَلَيْهِ من اتساق الْأَسْبَاب وَهُوَ أَن قَالَ فَتى الفتيان وَمن أَنْجَب بِهِ الفتيان وَلم يخرج مثله المفتيان عنيت النُّعْمَان بن ثَابت وَمُحَمّد بن إِدْرِيس فالفقه فقه الشَّافِعِي وَالْأَدب أدب الْأَصْمَعِي وَحسن بَصَره بالوعظ لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وكيفما كَانَ فَهُوَ إِمَام كل إِمَام والمستعلي بهمته على كل همام والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام إِذا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قَطْرَة وَإِذا تكلم فالأشعري من وفرته شعره وَإِذا خطب ألْجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ولثم البلغاء بِالصَّمْتِ حقائقه البادرة وَلَوْلَا سَده مَكَان أَبِيه بسده الَّذِي أفرغ على قطره قطر تأبيه لأصبح مَذْهَب الحَدِيث حَدِيثا وَلم يجد المستغيث مِنْهُم مغيثا
стр. 1737
قَالَ أَبُو الْحسن هَذَا وَهُوَ وَحقّ الْحق فَوق مَا ذكره وَأَعْلَى مِمَّا وَصفه فكم من فصل مُشْتَمل على الْعبارَات الفصيحة الْعَالِيَة والنكت البديعة النادرة فِي المحافل مِنْهُ سمعناه
وَكم من مسَائِل فِي النّظر شهدناه ورأينا مِنْهُ إفحام الْخُصُوم وعهدناه
وَكم من مجْلِس فِي التَّذْكِير للعوام مسلسل الْمسَائِل مشحون بالنكت المستنبطة من مسَائِل الْفِقْه مُشْتَمِلَة على حقائق الْأُصُول مبكية فِي التحذير مفرجة فِي التبشير مختومة بالدعوات وفنون الْمُنَاجَاة حضرناه
وَكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الْأَئِمَّة وإلقاء الْمسَائِل عَلَيْهِم والمباحثة فِي غورها رَأَيْنَاهُ وحصلنا بعض مَا أمكننا مِنْهُ وعلقناه وَلم نقدر مَا كُنَّا فِيهِ من نَضرة أَيَّامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره وَلم نشكر الله عَلَيْهِ حق شكره حَتَّى فقدناه وسلبناه
وسمعته فِي أثْنَاء كَلَام يَقُول أَنا لَا أَنَام وَلَا آكل عَادَة وَإِنَّمَا أَنَام إِذا غلبني النّوم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا وآكل إِذا اشْتهيت الطَّعَام أَي وَقت كَانَ
وَكَانَ لذته ولهوه ونزهته فِي مذاكرة الْعلم وَطلب الْفَائِدَة من أَي نوع كَانَ
وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن عَليّ بن فضال بن عَليّ الْمُجَاشِعِي النَّحْوِيّ القادم علينا سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة يَقُول وَقد قبله الإِمَام فَخر الْإِسْلَام وقابله بالإكرام وَأخذ فِي قِرَاءَة النَّحْو عَلَيْهِ والتلمذة لَهُ بعد أَن كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة فِي وقته وَكَانَ يحملهُ كل يَوْم إِلَى دَاره وَيقْرَأ عَلَيْهِ كتاب إكسير الذَّهَب فِي صناعَة الْأَدَب من تصنيفه فَكَانَ يَحْكِي
стр. 1738
يَوْمًا وَيَقُول مَا رَأَيْت عَاشِقًا للْعلم أَي نوع كَانَ مثل هَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ يطْلب الْعلم للْعلم وَكَانَ كَذَلِك
وَمن حميد سيرته أَنه مَا كَانَ يستصغر أحدا حَتَّى يسمع كَلَامه شاديا كَانَ أَو متناهيا فَإِن أصَاب كياسة فِي طبع أَو جَريا على منهاج الْحَقِيقَة اسْتَفَادَ مِنْهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يستنكف عَن أَن يعزى الْفَائِدَة المستفادة إِلَى قَائِلهَا وَيَقُول إِن هَذِه الْفَائِدَة مِمَّا استفدته من فلَان وَلَا يحابي أحدا فِي التزييف إِذا لم يرض كلَاما وَلَو كَانَ أَبَاهُ أَو أحدا من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين
وَكَانَ من التَّوَاضُع لكل أحد بِمحل يتخيل مِنْهُ الِاسْتِهْزَاء لمبالغته فِيهِ وَمن رقة الْقلب بِحَيْثُ يبكي إِذا سمع بَيْتا أَو تفكر فِي نَفسه سَاعَة
وَإِذا شرع فِي حِكَايَة الْأَحْوَال وخاض فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة فِي فُصُول مجالسه بالغدوات أبكى الْحَاضِرين ببكائه وقطر الدِّمَاء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه فِي نَفسه وتحققه بِمَا يجْرِي من دقائق الْأَسْرَار
هَذِه الْجُمْلَة نبذ مِمَّا عهدناه مِنْهُ إِلَى انْتِهَاء أَجله فأدركه قَضَاء الله الَّذِي لَا بُد مِنْهُ بعد مَا مرض قبل ذَلِك مرض اليرقان وَبَقِي بِهِ أَيَّامًا ثمَّ برأَ مِنْهُ وَعَاد إِلَى الدَّرْس والمجلس وَأظْهر النَّاس من الْخَواص والعوام السرُور بِصِحَّتِهِ وإقباله من علته فَبعد ذَلِك بِعَهْد قريب
стр. 1739
مرض المرضة الَّتِي توفّي فِيهَا وَبَقِي فِيهَا أَيَّامًا وغلبت عَلَيْهِ الْحَرَارَة الَّتِي كَانَت تَدور فِي طبعه إِلَى أَن ضعف وَحمل إِلَى بشتنقان لاعتدال الْهَوَاء وخفة المَاء فَزَاد الضعْف وبدت عَلَيْهِ مخايل الْمَوْت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد صَلَاة الْعَتَمَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَنقل فِي اللَّيْلَة إِلَى الْبَلَد وَقَامَ الصياح من كل جَانب وجزع الْفرق عَلَيْهِ جزعا لم يعْهَد مثله وَحمل بَين الصَّلَاتَيْنِ من يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى ميدان الْحُسَيْن وَلم تفتح الْأَبْوَاب فِي الْبَلَد وَوضعت المناديل عَن الرُّءُوس عَاما بِحَيْثُ مَا اجترأ أحد على ستر رَأسه من الرُّءُوس والكبار
وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الإِمَام أَبُو الْقَاسِم بعد جهد جهيد حَتَّى حمل إِلَى دَاره من شدَّة الزحمة وَقت التطفيل وَدفن فِي دَاره وَبعد سِنِين نقل إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن
وَكسر منبره فِي الْجَامِع المنيعي وَقعد النَّاس للعزاء أَيَّامًا عزاء عَاما وَأكْثر الشُّعَرَاء المراثي فِيهِ
وَكَانَ الطّلبَة قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر يطوفون فِي الْبَلَد نائحين عَلَيْهِ مكسرين المحابر والأقلام مبالغين فِي الصياح والجزع
وَكَانَ مولده ثامن عشر الْمحرم سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن تسع وَخمسين سنة
سمع الحَدِيث الْكثير فِي صباه من مَشَايِخ مثل الشَّيْخ أبي حسان وَأبي سعد ابْن عَلَيْك وَأبي سعد النصروي وَمَنْصُور بن رامش وَجمع لَهُ كتاب الْأَرْبَعين فسمعناه مِنْهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ
стр. 1740
وَقد سمع سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من أبي سعد بن عَلَيْك وَكَانَ يعْتَمد تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي مسَائِل الْخلاف وَيذكر الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِنْهَا فِي الروَاة
وظني أَن آثَار جده واجتهاده فِي دين الله يَدُوم إِلَى يَوْم السَّاعَة وَإِن انْقَطع نَسْله من جِهَة الذُّكُور ظَاهرا فنشر علمه يقوم مقَام كل نسب ويغنيه عَن كل نشب مكتسب وَالله تَعَالَى يسْقِي فِي كل لَحْظَة جَدِيدَة تِلْكَ الرَّوْضَة الشَّرِيفَة عزالي رَحمته وَيزِيد فِي ألطافه وكرامته بفضله ومنته إِنَّه ولي كل خير
وَمِمَّا قيل عِنْد وَفَاته
(قُلُوب الْعَالمين على المقالي ... وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي)
(أيثمر غُصْن أهل الْفضل يَوْمًا ... وَقد مَاتَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي)
انْتهى كَلَام عبد الغافر
وَقد سَاقه بِكَمَالِهِ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي كتاب التَّبْيِين
وَأما شَيخنَا الذَّهَبِيّ غفر الله لَهُ فَإِنَّهُ حَار كَيفَ يصنع فِي تَرْجَمَة هَذَا الإِمَام الَّذِي هُوَ من محَاسِن هَذِه الْأمة المحمدية وَكَيف يمزقها فقرطم مَا أمكنه ثمَّ قَالَ وَقد ذكره عبد الغافر فأسهب وَأَطْنَبَ
إِلَى أَن قَالَ وَكَانَ يذكر دروسا وسَاق نَحْو ثَلَاثَة أسطر من أخريات كَلَام عبد الغافر ثمَّ كَأَنَّهُ سئم ومل لِأَن مثله مثل مَحْمُول على تقريظ عَدو لَهُ فَقَالَ بعد أَن انْتهى من ذكر السطور الثَّلَاثَة الَّتِي حَكَاهَا مَا نَصه وَذكر التَّرْجَمَة بِطُولِهَا انْتهى
فَيُقَال لَهُ هلا زينت كتابك بهَا وطرزته بمحاسنها فَإِنَّهُ أولى من خرافات تحكيها لأقوام لَا يعبأ الله بهم بل ذكر أمورا سنبحث عَنْهَا بعد أَن نتكلم على أَلْفَاظ غَرِيبَة وَقعت فِي هَذِه التَّرْجَمَة
قَوْله ترعرع أَي تحرّك وَنَشَأ
стр. 1741
قَوْله يفع كَذَا وجدته وَصَوَابه أَيفع بِهَمْزَة يُقَال أَيفع الْغُلَام أَي ارْتَفع فَهُوَ يافع وَغُلَام يفع أَي مُرْتَفع
قَوْله يبر على مَا عهد من الْأَثر أَي يزِيد ويعلو
وَهُوَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف
وَأبر فلَان على أَصْحَابه أَي علاهم
قَول الباخرزي فِي دمية الْقصر حقائقه البادرة أَي الحادة والبادرة الحدة أَو البديهة فَإِن البادرة تطلق عَلَيْهِمَا
قَوْله وَلَوْلَا سَده مَكَان أَبِيه سد بِفَتْح السِّين وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْفَاعِل وَمَكَان مَفْعُوله
قَوْله بسده بِضَم السِّين وَيجوز فتحهَا أَي بحاجزه والسد الْجَبَل والحاجز
قَوْله أفرغ على قطره الْقطر بِضَم الْقَاف هُوَ النَّاحِيَة
قَوْله قطر بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الطَّاء وَهُوَ النّحاس الْمُذَاب
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أفرغ عَلَيْهِ قطرا﴾
وَمذهب الحَدِيث مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَذَلِكَ اصْطِلَاح أهل خُرَاسَان إِذا أطْلقُوا أَصْحَاب الحَدِيث يعنون الشَّافِعِيَّة
وَتَمام كَلَام الباخرزي بعد ذَلِك فِي دمية الْقصر وَله يَعْنِي لإِمَام الْحَرَمَيْنِ شعر لَا يكَاد يبديه وَأَرْجُو أَن يضيفه قبل إِلَى سوالف أياديه وَأطَال فِيهِ
стр. 1742
وَذكر أَنه بيض صحفه عساه ينشده من شعره شَيْئا يَكْتُبهُ فِيهَا وَمَا كَانَ الإِمَام يسمح بإنشاد شعر نَفسه اقتفاء بأثر وَالِده
وبشتنقان بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة وَالنُّون الساكنة وَالْقَاف قَرْيَة على نصف فَرسَخ من مَدِينَة نيسابور
وَقد حكى شَيخنَا الذَّهَبِيّ كسر الْمِنْبَر والأقلام والمحابر وَأَنَّهُمْ أَقَامُوا على ذَلِك حولا
ثمَّ قَالَ وَهَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة والأعاجم لَا من فعل أهل السّنة والأتباع
قلت وَقد حَار هَذَا الرجل مَا الَّذِي يُؤْذِي بِهِ هَذَا الإِمَام وَهَذَا لم يَفْعَله الإِمَام وَلَا أوصى بِهِ أَن يفعل حَتَّى يكون غضا مِنْهُ وَإِنَّمَا حَكَاهُ الحاكون إِظْهَارًا لِعَظَمَة الإِمَام عِنْد أهل عصره وَأَنه حصل لأهل الْعلم على كثرتهم فقد كَانُوا نَحْو أَرْبَعمِائَة تلميذ مَا لم يتمالكوا مَعَه الصَّبْر بل أداهم إِلَى هَذَا الْفِعْل وَلَا يخفى أَنه لَو لم تكن الْمُصِيبَة عِنْدهم بَالِغَة أقْصَى الغايات لما وَقَعُوا فِي ذَلِك
وَفِي هَذَا أوضح دلَالَة لمن وَفقه الله على حَال هَذَا الإِمَام ﵁ وَكَيف كَانَ شَأْنه فِيمَا بَين أهل الْعلم فِي ذَلِك الْعَصْر المشحون بالعلماء والزهاد
ذكر زيادات أخر فِي تَرْجَمَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ جمعناها من متفرقات الْكتب
عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالِد الإِمَام قَالَ رَأَيْت إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي الْمَنَام فَأَهْوَيْت لأقبل رجله فَمَنَعَنِي من ذَلِك تكريما لي فاستدبرت فَقبلت عَقِبَيْهِ فأولت ذَلِك الرّفْعَة وَالْبركَة تبقى فِي عَقبي
стр. 1743
قلت وَأي رفْعَة وبركة أعظم من هَذَا الإِمَام الَّذِي طبق ذكره طبق الأَرْض وَعم نَفعه فِي مشارقها وَمَغَارِبهَا
وَعَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ مَا تَكَلَّمت فِي علم الْكَلَام كلمة حَتَّى حفظت من كَلَام القَاضِي أبي بكر وَحده اثنى عشر ألف ورقة
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَحْكِي ذَلِك
قلت انْظُر هَذَا الْأَمر الْعَظِيم وَهَذِه المجلدات الْكَثِيرَة الَّتِي حفظهَا من كَلَام شخص وَاحِد فِي علم وَاحِد فبقى كَلَام غَيره والعلوم الْأُخَر الَّتِي لَهُ فِيهَا الْيَد الباسطة والتصانيف المستكثرة فقها وأصولا وَغَيرهمَا وَكَأن مُرَاده بِالْحِفْظِ فهم تِلْكَ واستحضارها لِكَثْرَة المعاودة وَأما الدَّرْس عَلَيْهَا كَمَا يدرس الْإِنْسَان المختصرات فأظن القوى تعجز عَن ذَلِك
ويحكى أَنه قَالَ يَوْمًا للغزالي يَا فَقِيه
فَرَأى فِي وَجهه التَّغَيُّر كَأَنَّهُ اسْتَقل هَذِه اللَّفْظَة على نَفسه فَقَالَ لَهُ افْتَحْ هَذَا الْبَيْت فَفتح مَكَانا وجده مملوءا بالكتب فَقَالَ لَهُ مَا قيل لي يَا فَقِيه حَتَّى أتيت على هَذِه الْكتب كلهَا
وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ أَبُو سعد فِي الذيل أَنه قَرَأَ بِخَط أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد الهمذاني الْحَافِظ سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ يَقُول لقد قَرَأت خمسين ألفا فِي خمسين ألفا ثمَّ خليت أهل الْإِسْلَام بِإِسْلَامِهِمْ فِيهَا وعلومهم الظَّاهِرَة وَركبت الْبَحْر الخضم وغصت فِي الَّذِي نهى أهل الْإِسْلَام عَنْهَا كل ذَلِك فِي طلب الْحق وَكنت أهرب فِي سالف الدَّهْر من التَّقْلِيد والآن قد رجعت عَن الْكل إِلَى كلمة الْحق عَلَيْكُم بدين الْعَجَائِز فَإِن لم يدركني الْحق بلطف بره فأموت على دين الْعَجَائِز وتختم عَاقِبَة أَمْرِي عِنْد الرحيل على نزهة أهل الْحق وَكلمَة الْإِخْلَاص لَا إِلَه إِلَّا الله فالويل لِابْنِ الْجُوَيْنِيّ يُرِيد نَفسه
قلت ظَاهر هَذِه الْحِكَايَة عِنْد من لَا تَحْقِيق عِنْده البشاعة وَأَنه خلى الْإِسْلَام وَأَهله
стр. 1744
وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَاهَا بل مُرَاده أَنه أنزل الْمذَاهب كلهَا فِي منزلَة النّظر وَالِاعْتِبَار غير متعصب لوَاحِد مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يكون عِنْده ميل يَقُودهُ إِلَى مَذْهَب معِين من غير برهَان ثمَّ توضح لَهُ الْحق وَأَنه الْإِسْلَام فَكَانَ على هَذِه الْملَّة عَن اجْتِهَاد وبصيرة لَا عَن تَقْلِيد وَلَا يخفى أَن هَذَا مقَام عَظِيم لَا يتهيأ إِلَّا لمثل هَذَا الإِمَام وَلَيْسَ يسمع بِهِ لكل أحد فَإِن غائلته تخشى إِلَّا على من برز فِي الْعُلُوم وَبلغ فِي صِحَة الذِّهْن مبلغ هَذَا الرجل الْعَظِيم فأرشد إِلَى أَن الَّذِي يَنْبَغِي عدم الْخَوْض فِي هَذَا وَاسْتِعْمَال دين الْعَجَائِز
ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه مَعَ بُلُوغه هَذَا الْمبلغ وَأَخذه الْحق عَن الِاجْتِهَاد والبصيرة لَا يَأْمَن مكر الله بل يعْتَقد أَن الْحق إِن لم يُدْرِكهُ بِلُطْفِهِ وَيخْتم لَهُ بِكَلِمَة الْإِخْلَاص فالويل لَهُ وَلَا يَنْفَعهُ إِذْ ذَاك علومه وَإِن كَانَت مثل مدد الْبَحْر
فَانْظُر هَذِه الْحِكَايَة مَا أحْسنهَا وأدلها على عَظمَة هَذَا الإِمَام وتسليمه لرَبه تَعَالَى وتفويضه الْأَمر إِلَيْهِ وَعدم اتكاله على علومه ثمَّ تعجب بعْدهَا من جَاهِل يفهم مِنْهَا غير المُرَاد ثمَّ يخبط خبط عشواء
وَذكر ابْن السَّمْعَانِيّ أَيْضا أَنه سمع أَبَا الْعَلَاء أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفضل الْحَافِظ بأصبهان ذكر عَن مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن القيرواني الأديب بنيسابور وَكَانَ مِمَّن يخْتَلف إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنه قَالَ سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي يَقُول لَا تشتغلوا بالْكلَام فَلَو عرفت أَن الْكَلَام يبلغ بِي مَا بلغ مَا اشتغلت بِهِ
قلت أَنا يشبه أَن تكون هَذِه الْحِكَايَة مكذوبة وَابْن طَاهِر عِنْده تحامل على إِمَام الْحَرَمَيْنِ والقيرواني الْمشَار إِلَيْهِ رجل مَجْهُول ثمَّ هَذَا الإِمَام الْعَظِيم الَّذِي مَلَأت تلامذته الأَرْض لَا ينْقل هَذِه الْحِكَايَة عَنهُ غير رجل مَجْهُول وَلَا تعرف من غير طَرِيق
стр. 1745
ابْن طَاهِر إِن هَذَا لعجيب وأغلب ظَنِّي أَنَّهَا كذبة افتعلها من لَا يستحي وَمَا الَّذِي بلغ بِهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ علم الْكَلَام أَلَيْسَ قد أعز الله بِهِ الْحق وَأظْهر بِهِ السّنة وأمات بِهِ الْبِدْعَة ثمَّ نقُول لهَذَا الَّذِي لَا يفهم إِن كَانَ علم الْكَلَام بلغ بِهِ الْحق فَلَا ينْدَم على الِاشْتِغَال بِهِ وَإِن بلغ بِهِ الْبَاطِل فَإِن لم يعرف أَنه على الْبَاطِل وَظن أَنه على الْحق فَكَذَلِك لَا ينْدَم وَإِن عرف أَنه على بَاطِل فمعرفته بِأَنَّهُ على بَاطِل مُوجبَة لرجوعه عَنهُ فَلَيْسَ ثمَّ مَا ينْتَقد
ذكر مَا وَقع من التخبيط فِي كَلَام شَيخنَا الذَّهَبِيّ والتحامل على هَذَا الإِمَام الْعَظِيم فِي أَمر هَذَا الإِمَام الَّذِي هُوَ من أساطين هَذِه الْملَّة المحمدية نضرها الله
قد قدمنَا لَك من تحامل الذَّهَبِيّ عَلَيْهِ فِي تمزيقه كَلَام عبد الغافر وإنكاره مَا فعل تلامذة الإِمَام عِنْد مَوته وَأَنت إِذا عرفت حَال الذَّهَبِيّ لم تحتج إِلَى دَلِيل يدل على أَنه قد تحامل عَلَيْهِ
(وَلَيْسَ يَصح فِي الأذهان شَيْء ... إِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل)
فَمن كَلَام الذَّهَبِيّ وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي مَعَ تبحره فِي الْفِقْه وأصوله لَا يدْرِي الحَدِيث ذكر فِي كتاب الْبُرْهَان حَدِيث معَاذ فِي الْقيَاس فَقَالَ هُوَ مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق على صِحَّته
كَذَا قَالَ وأنى لَهُ فِي الصِّحَّة ومداره على الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول عَن رجال من أهل حمص لَا يدرى من هم عَن معَاذ
انْتهى
فَأَما قَوْله كَانَ لَا يدْرِي الحَدِيث فإساءة على مثل هَذَا الإِمَام لَا تنبغي
وَقد تقدم
стр. 1746
فِي كَلَام عبد الغافر اعْتِمَاده الْأَحَادِيث فِي مسَائِل الْخلاف وَذكره الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِيهَا وَعبد الغافر أعرف بشيخه من الذَّهَبِيّ وَمن يكون بِهَذِهِ المثابة كَيفَ يُقَال عَنهُ لَا يدْرِي الحَدِيث وهب أَنه زل فِي حَدِيث أَو حديثين أَو أَكثر فَلَا يُوجب ذَلِك أَن يَقُول لَا يدْرِي الْفَنّ وَمَا هَذَا الحَدِيث وَحده ادّعى الإِمَام صِحَّته وَلَيْسَ بِصَحِيح بل قد ادّعى ذَلِك فِي أَحَادِيث غَيره وَلم يُوجب ذَلِك عندنَا الغض مِنْهُ وَلَا إنزاله عَن مرتبته الصاعدة فَوق آفَاق السَّمَاء
ثمَّ الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وهما من دواوين الْإِسْلَام وَالْفُقَهَاء لَا يتحاشون من إِطْلَاق لفظ الصِّحَاح عَلَيْهِمَا لَا سِيمَا سنَن أبي دَاوُد فَلَيْسَ هَذَا كَبِير أَمر
وَمن قَبِيح كَلَامه قَالَ وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان فِي قَوْله إِن الله يعلم الكليات لَا الجزئيات وددت لَو محوتها بدمي
قلت هَذِه لَفْظَة ملعونة قَالَ ابْن دحْيَة هِيَ كلمة مكذبة للْكتاب وَالسّنة يكفر بهَا هجره عَلَيْهَا جمَاعَة وَحلف الْقشيرِي لَا يكلمهُ بِسَبَبِهَا مُدَّة فجاوز وَتَابَ
انْتهى
مَا أقبحه فصلا مُشْتَمِلًا على الْكَذِب الصراح وَقلة الْحق مستحلا على قَائِله بِالْجَهْلِ بِالْعلمِ وَالْعُلَمَاء وَقد كَانَ الذَّهَبِيّ لَا يدْرِي شرح الْبُرْهَان وَلَا هَذِه الصِّنَاعَة وَلكنه يسمع خرافات من طلبة الْحَنَابِلَة فيعتقدها حَقًا ويودعها تصانيفه
أما قَوْله إِن الإِمَام قَالَ إِن الله يعلم الكليات لَا الجزئيات يُقَال لَهُ مَا أجرأك على الله مَتى قَالَ الإِمَام هَذَا وَلَا خلاف بَين أَئِمَّتنَا فِي تَكْفِير من يعْتَقد هَذِه الْمقَالة وَقد نَص الإِمَام فِي كتبه الكلامية بأسرها على كفر من يُنكر الْعلم بالجزئيات وَإِنَّمَا وَقع فِي الْبُرْهَان فِي أصُول الْفِقْه شَيْء استطرده الْقَلَم إِلَيْهِ فهم مِنْهُ الْمَازرِيّ ثمَّ أَمر هَذَا وَذكر مَا سنحكيه عَنهُ وسنجيب عَن ذَلِك ونعقد لَهُ فصلا مُسْتقِلّا
стр. 1747
وَأما قَوْله قلت هَذِه لَفْظَة ملعونة فَنَقُول لعن الله قَائِلهَا
وَأما قَوْله قَالَ ابْن دحْيَة إِلَى آخر مَا حَكَاهُ عَنهُ
فَنَقُول هَل يحتاح مثل هَذِه الْمقَالة إِلَى كَلَام ابْن دحْيَة وَلَو قَرَأَ الرجل شَيْئا من علم الْكَلَام لما احْتَاجَ إِلَى ذَلِك فَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي تَكْفِير منكري الْعلم بالجزئيات وَهِي إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي كفرت بهَا الفلاسفة
وَأما قَوْله وَحلف الْقشيرِي لَا يكلمهُ بِسَبَبِهَا مُدَّة فَمن نقل لَهُ ذَلِك وَفِي أَي كتاب رَآهُ وَأقسم بِاللَّه يَمِينا بارة إِن هَذِه مختلقة على الْقشيرِي وَقد كَانَ الْقشيرِي من أَكثر الْخلق تَعْظِيمًا للْإِمَام وَقدمنَا عَنهُ عبارَة المدرجوركيه وَهِي قَوْله فِي حَقه لَو ادّعى النُّبُوَّة لأغناه كَلَامه عَن إِظْهَار المعجزة
وَابْن دحْيَة لَا تقبل رِوَايَته فَإِنَّهُ مُتَّهم بِالْوَضْعِ على رَسُول الله ﷺ فَمَا ظَنك بِالْوَضْعِ على غَيره والذهبي نَفسه معترف بِأَنَّهُ ضَعِيف وَقد بَالغ فِي تَرْجَمته فِي الإزراء عَلَيْهِ وَتَقْرِير أَنه كَذَّاب وَنقل تَضْعِيفه عَن الْحَافِظ أَيْضا وَعَن ابْن نقطة وَغير وَاحِد
وَأخْبر النَّاس بِهِ الْحَافِظ ابْن النجار اجْتمع بِهِ وجالسه وَقَالَ فِي تَرْجَمته رَأَيْت النَّاس مُجْمِعِينَ على كذبه وَضَعفه قَالَ وَكَانَت أَمَارَات ذَلِك لائحة عَلَيْهِ
وَأطَال فِي ذَلِك
وَبِالْجُمْلَةِ لَا أعرف مُحدثا إِلَّا وَقد ضعف ابْن دحْيَة وَكذبه لَا الذَّهَبِيّ وَلَا غَيره وَكلهمْ يصفه بالوقيعة فِي الْأَئِمَّة والاختلاق عَلَيْهِم وَكفى بذلك
وَأما قَوْله وَبَقِي بِسَبَبِهَا مُدَّة مجاورا وَتَابَ فَمن البهت لم ينف الإِمَام أحد وَإِنَّمَا هُوَ خرج وَمَعَهُ الْقشيرِي وَخلق فِي وَاقعَة الكندري الَّتِي حكيتها فِي تَرْجَمَة الْأَشْعَرِيّ وَفِي تَرْجَمَة أبي سهل بن الْمُوفق وَهِي وَاقعَة مَشْهُورَة خرج بِسَبَبِهَا الإِمَام والقشيري
стр. 1748
والحافظ الْبَيْهَقِيّ وَخلق كَانَ سَببهَا أَن الكندري أَمر بلعن الْأَشْعَرِيّ على المنابر لَيْسَ غير ذَلِك وَمن ادّعى غير ذَلِك فقد احْتمل بهتانا وإثما مُبينًا
وَمن كَلَامه أَيْضا أخبرنَا يحيى بن أبي مَنْصُور الْفَقِيه وَغَيره من كِتَابهمْ عَن الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي عَن أبي الْعَلَاء الْحَافِظ الهمذاني أخبرهُ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو جَعْفَر الهمذاني الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَقَالَ كَانَ الله وَلَا عرش
وَجعل يتخبط فِي الْكَلَام
فَقلت قد علمنَا مَا أَشرت إِلَيْهِ فَهَل عِنْد الضرورات من حِيلَة فَقَالَ مَا تُرِيدُ بِهَذَا القَوْل وَمَا تَعْنِي بِهَذِهِ الْإِشَارَة قلت مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا رباه إِلَّا قبل أَن يَتَحَرَّك لِسَانه قَامَ من بَاطِنه قصد لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة يقْصد الْفَوْقِيَّة فَهَل لهَذَا الْقَصْد الضَّرُورِيّ عنْدك من حِيلَة فبينها نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وَبكى الْخلق
فَضرب بِيَدِهِ على السرير وَصَاح بِالْحيرَةِ وخرق مَا كَانَ عَلَيْهِ وَصَارَت قِيَامَة فِي الْمَسْجِد فَنزل وَلَا يجبني إِلَّا بتأفيف الدهشة والحيرة وَسمعت بعد هَذَا أَصْحَابه يَقُولُونَ سمعناه يَقُول حيرني الهمذاني
انْتهى
قلت قد تكلّف لهَذِهِ الْحِكَايَة وأسندها بِإِجَازَة على إجَازَة مَعَ مَا فِي إسنادها مِمَّن لَا يخفى محاطة على الْأَشْعَرِيّ وَعدم مَعْرفَته بِعلم الْكَلَام
ثمَّ أَقُول يَا لله وَيَا للْمُسلمين أيقال عَن الإِمَام إِنَّه يتخبط عِنْد سُؤال سَأَلَهُ إِيَّاه هَذَا الْمُحدث وَهُوَ أستاذ المناظرين وَعلم الْمُتَكَلِّمين أَو كَانَ الإِمَام عَاجِزا عَن أَن يَقُول لَهُ كذبت يَا مَلْعُون فَإِن الْعَارِف لَا يحدث نَفسه بفوقية الجسمية وَلَا يحدد ذَلِك إِلَّا جَاهِل يعْتَقد الْجِهَة بل نقُول لَا يَقُول عَارِف يَا رباه إِلَّا وَقد غَابَتْ عَنهُ الْجِهَات وَلَو كَانَت جِهَة فَوق مَطْلُوبَة لما منع الْمُصَلِّي من النّظر إِلَيْهَا وشدد عَلَيْهِ فِي الْوَعيد عَلَيْهَا
стр. 1749
وَأما قَوْله صَاح بِالْحيرَةِ وَكَانَ يَقُول حيرني الهمذاني فكذب مِمَّن لَا يستحيي وليت شعري أَي شُبْهَة أوردهَا وَأي دَلِيل اعْتَرَضَهُ حَتَّى يَقُول حيرني الهمذاني ثمَّ أَقُول إِن كَانَ الإِمَام متحيرا لَا يدْرِي مَا يعْتَقد فواها على أَئِمَّة الْمُسلمين من سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة إِلَى الْيَوْم فَإِن الأَرْض لم تخرج من لدن عَهده أعرف مِنْهُ بِاللَّه وَلَا أعرف مِنْهُ فيالله مَاذَا يكون حَال الذَّهَبِيّ وَأَمْثَاله إِذا كَانَ مثل الإِمَام متحيرا إِن هَذَا لخزي عَظِيم
ثمَّ لَيْت شعري من أَبُو جَعْفَر الهمذاني فِي أَئِمَّة النّظر وَالْكَلَام وَمن هُوَ من ذَوي التَّحْقِيق من عُلَمَاء الْمُسلمين
ثمَّ أعَاد الذَّهَبِيّ الْحِكَايَة عَن مُحَمَّد بن طَاهِر عَن أبي جَعْفَر وَكِلَاهُمَا لَا يقبل نَقله وَزَاد فِيهَا أَن الإِمَام صَار يَقُول يَا حَبِيبِي مَا ثمَّ إِلَّا الْحيرَة فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لقد ابتلى الْمُسلمُونَ من هَؤُلَاءِ الجهلة بمصيبة لَا عزاء بهَا
ثمَّ ذكر أَن أَبَا عبد الله الْحسن بن الْعَبَّاس الرستمي قَالَ حكى لنا أَبُو الْفَتْح الطَّبَرِيّ الْفَقِيه قَالَ دَخَلنَا على أبي الْمَعَالِي فِي مَرضه فَقَالَ اشْهَدُوا عَليّ أَنِّي رجعت عَن كل مقَالَة يُخَالف فِيهَا السّلف وَأَنِّي أَمُوت على مَا يَمُوت عَلَيْهِ عَجَائِز نيسابور
انْتهى
وَهَذِه الْحِكَايَة لَيْسَ فِيهَا شَيْء مستنكر إِلَّا مَا يُوهم أَنه كَانَ على خلاف السّلف
وَنقل فِي الْعبارَة زِيَادَة على عبارَة الإِمَام
ثمَّ أَقُول للأشاعرة قَولَانِ مشهوران فِي إِثْبَات الصِّفَات هَل تمر على ظَاهرهَا مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه أَو تؤول
وَالْقَوْل بالإمرار مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه هُوَ المعزو إِلَى السّلف وَهُوَ اخْتِيَار الإِمَام فِي الرسَالَة النظامية وَفِي مَوَاضِع من كَلَامه فرجوعه مَعْنَاهُ الرُّجُوع عَن التَّأْوِيل إِلَى التَّفْوِيض وَلَا إِنْكَار فِي هَذَا وَلَا فِي مُقَابلَة فَإِنَّهَا مَسْأَلَة اجتهادية أَعنِي مَسْأَلَة التَّأْوِيل أَو التَّفْوِيض
стр. 1750
مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه إِنَّمَا الْمُصِيبَة الْكُبْرَى والداهية الدهياء الإمرار على الظَّاهِر والاعتقاد أَنه المُرَاد وَأَنه لَا يَسْتَحِيل على الْبَارِي فَذَلِك قَول المجسمة عباد الوثن الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتِّبَاع الْمُتَشَابه ابْتِغَاء الْفِتْنَة عَلَيْهِم لعائن الله تترى وَاحِدَة بعد أُخْرَى مَا أجرأهم على الْكَذِب وَأَقل فهمهم للحقائق
شرح حَال مَسْأَلَة الاسترسال الَّتِي وَقعت فِي كتاب الْبُرْهَان
اعْلَم أَن هَذَا الْكتاب وَضعه الإِمَام فِي أصُول الْفِقْه على أسلوب غَرِيب لم يقتد فِيهِ بِأحد وَأَنا أُسَمِّيهِ لغز الْأمة لما فِيهِ مصاعب الْأُمُور وَأَنه لَا يخلي مَسْأَلَة عَن إِشْكَال وَلَا يخرج إِلَّا عَن اخْتِيَار يخترعه لنَفسِهِ وتحقيقات يستبد بهَا
وَهَذَا الْكتاب من مفتخرات الشَّافِعِيَّة وَأَنا أعجب لَهُم فَلَيْسَ مِنْهُم من انتدب لشرحه وَلَا للْكَلَام عَلَيْهِ إِلَّا مَوَاضِع يسيرَة تكلم عَلَيْهَا أَبُو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي كتاب القواطع وردهَا على الإِمَام وَإِنَّمَا انتدب لَهُ الْمَالِكِيَّة فشرحه الإِمَام أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ شرحا لم يتمه وَعمل عَلَيْهِ أَيْضا مشكلات ثمَّ شَرحه أَيْضا أَبُو الْحسن الْأَنْبَارِي من الْمَالِكِيَّة ثمَّ جَاءَ شخص مغربي يُقَال لَهُ الشريف أَبُو يحيى جمع بَين الشرحين وَهَؤُلَاء كلهم عِنْدهم بعض تحامل على الإِمَام من جِهَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَنهم يستصعبون مُخَالفَة الإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ويرونها هجنة عَظِيمَة وَالْإِمَام لَا يتَقَيَّد لَا بالأشعري وَلَا بالشافعي لَا سِيمَا فِي الْبُرْهَان وَإِنَّمَا يتَكَلَّم على حسب تأيدة نظره واجتهاده وَرُبمَا خَالف الْأَشْعَرِيّ وأتى بِعِبَارَة عالية على عَادَة فَصَاحَته فَلَا تحمل المغاربة أَن يُقَال مثلهَا فِي حق الْأَشْعَرِيّ
وَقد حكينا كثيرا من ذَلِك فِي شرحنا على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب
стр. 1751
وَالثَّانيَِة أَنه رُبمَا نَالَ من الإِمَام مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَمَا فعل فِي مَسْأَلَة الاستصلاح والمصالح الْمُرْسلَة وَغَيرهَا
وبهاتين الصفتين يحصل للمغاربة بعض التحامل عَلَيْهِ مَعَ اعترافهم بعلو قدره واقتصارهم لَا سِيمَا فِي علم الْكَلَام على كتبه ونهيهم عَن كتب غَيره
ثمَّ اعْلَم أَن لهَذَا الإِمَام من الْحُقُوق فِي الْإِسْلَام والمناضلة فِي علم الْكَلَام عَن الدّين الحنيفي مَا لَا يخفى على ذِي تَحْصِيل وَقد فهم عَنهُ الْمَازرِيّ إِنْكَار الْعلم بالجزئيات وَأنكر وأفرط فِي التَّغْلِيظ عَلَيْهِ وَأَشْبع القَوْل فِي تَقْرِير إحاطة الْعلم الْقَدِيم بالجزئيات وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ فَإِن أحدا لم ينازعه فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ تصور أَن الإِمَام ينازعه فِيهِ
ومعاذ الله أَن يكون ذَلِك
وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام ﵀ غير مرّة يَقُول لم يفهم الْمَازرِيّ كَلَام الإِمَام وَلم أسمع مِنْهُ زِيَادَة على هَذَا وَقلت أَنا لَهُ ﵀ إِذْ ذَاك لَو كَانَ الإِمَام على هَذِه العقيدة لم يحْتَج إِلَى أَن يدأب نَفسه فِي تصنيف النِّهَايَة فِي الْفِقْه وَفِيه جزئيات لَا تَنْحَصِر وَالْعلم غير مُتَعَلق على هَذَا التَّقْدِير عِنْده بهَا
وَقلت لَهُ أَيْضا هَذَا كتاب الشَّامِل للْإِمَام فِي مجلدات عدَّة فِي علم الْكَلَام وَالْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة حَقّهَا أَن تقرر فِيهِ لَا فِي الْبُرْهَان فَلم لَا يكْشف عَن عقيدته فِيهِ فأعجبه ذَلِك
وَأَقُول الْآن قبل الْخَوْض فِي كَلَام الإِمَام والمازري لقد فحصت عَن كَلِمَات هَذَا الإِمَام فِي كتبه الكلامية فَوجدت إحاطة علم الله تَعَالَى عِنْده بالجزئيات أمرا مفروغا مِنْهُ وأصلا مقررا يكفر من خَالفه فِيهِ
وَهَذِه مَوَاضِع من كَلَامه
стр. 1752
قَالَ فِي الشَّامِل فِي القَوْل فِي إِقَامَة الدَّلَائِل على الْحَيَاة وَالْعلم بعد أَن قرر إِجْمَاع الْأمة على بطلَان قَول من يثبت علمين قديمين مَا نَصه فَلم يبْق إِلَّا مَا صَار إِلَيْهِ أهل الْحق من إِثْبَات علم وَاحِد قديم مُتَعَلق بِجَمِيعِ المعلومات
انْتهى
ثمَّ قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل إِذا جوزتم أَن يُخَالف علم الْقَدِيم الْعلم الْحَادِث وَلم تمنعوا أَن يتَعَلَّق الْعلم الْوَاحِد بِمَا لَا يتناهى ومنعتم ذَلِك فِي الْعلم الْحَادِث واندفع فِي سُؤال أوردهُ ثمَّ قَالَ قُلْنَا الدّلَالَة دلّت على وجوب كَون الْقَدِيم عَالما بِجَمِيعِ المعلومات
ثمَّ قَالَ فَإِن قيل مَا دليلكم على وجوب كَونه عَالما بِكُل المعلومات وَبِمَ تنكرون على من يَأْبَى ذَلِك قلت قد تدبرت كَلَام الْمَشَايِخ فِي كتبهمْ ومصنفاتهم وأحطت فِي غَالب ظَنِّي بِكُل مَا قَالُوهُ
وَذكر طَريقَة ارتضاها فِي الدّلَالَة على ذَلِك وختمها بِمَا نَصه فَهَذِهِ هِيَ الدّلَالَة القاطعة على وجوب كَون الْإِلَه سُبْحَانَهُ عَالما بِكُل مَعْلُوم
انْتهى
وَقَالَ فِي بَاب القَوْل فِي أَن الْعلم الْحَادِث هَل يتَعَلَّق بمعلومين مَا نَصه إِذا علم الْعَالم منا أَن مَعْلُومَات الْبَارِي لَا تتناهى انبهر
وَكرر فِي هَذَا الْفَصْل أَنه تَعَالَى يعلم مَا لَا يتناهى على التَّفْصِيل غير مَا مرّة وَلَا معنى للتطويل فِي ذَلِك وَكتبه مشحونه بِهِ
وَقَالَ فِي الْإِرْشَاد فِي مَسْأَلَة تَقْرِير الْعلم الْقَدِيم مَا نَصه وَمِمَّا يتمسكون بِهِ أَن
стр. 1753
قَالُوا علم الْبَارِي على زعمك يتَعَلَّق بِمَا لَا يتناهى من المعلومات على التَّفْصِيل
انْتهى
ثمَّ لما أجَاب عَن شُبْهَة الْقَوْم قرر هَذَا التَّقْرِير وَهُوَ عِنْده مفروغ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ فِي الْبُرْهَان فِي بَاب النّسخ صرح بِأَن الله تَعَالَى يعلم على سَبِيل التَّفْصِيل كل شَيْء
إِذا عرفت ذَلِك فَأَنا على قطع بِأَنَّهُ معترف بإحاطة الْعلم بالجزئيات
فَإِن قلت وَمَا بَيَان هَذَا الْكَلَام الْوَاقِع فِي الْبُرْهَان قلت الْعَالم من يَدْعُو الْوَاضِح وَاضحا والمشكل مُشكلا
وَهُوَ كَلَام مُشكل بِحَيْثُ أبهم أمره على الْمَازرِيّ مَعَ فرط ذكائه وتضلعه بعلوم الشَّرِيعَة وَأَنا أحكيه ثمَّ أقرره وَأبين لَك أَن الْقَوْم لم يفهموا إِيرَاد الإِمَام وَأَن كَلَامه الْمشَار إِلَيْهِ مَبْنِيّ على إحاطة الْعلم الْقَدِيم بالجزئيات فَكيف يُؤْخَذ مِنْهُ خِلَافه فَأَقُول قَالَ الإِمَام وَأما الْمُمَيز بَين الْجَوَاز الْمَحْكُوم بِهِ وَالْجَوَاز بِمَعْنى التَّرَدُّد وَالشَّكّ فلائح ومثاله أَن الْعقل يقْضِي بِجَوَاز تحرّك جسم وَهَذَا الْجَوَاز ثَبت بِحكم الْعقل وَهُوَ نقيض الاستحالة وَأما الْجَوَاز المتردد فكثير وَنحن نكتفي فِيهِ بمثال وَاحِد ونقول تردد المتكلمون فِي انحصار الْأَجْنَاس كالألوان فَقطع القاطعون بِأَنَّهَا غير متناهية فِي الْإِمْكَان كآحاد كل جنس وَزعم آخَرُونَ أَنَّهَا منحصرة
وَقَالَ المقتصدون لَا نَدْرِي أَنَّهَا منحصرة لم يبنوا مَذْهَبهم على بَصِيرَة وَتَحْقِيق
وَالَّذِي أرَاهُ قطعا أَنَّهَا منحصرة فَإِنَّهَا لَو كَانَت غير منحصرة لتَعلق الْعلم مِنْهَا بآحاد على التَّفْصِيل وَذَلِكَ مُسْتَحِيل
стр. 1754
فَإِن استنكر الجهلة ذَلِك وشمخوا بآنافهم وَقَالُوا الْبَارِي تَعَالَى عَالم بِمَا لَا يتناهى على التَّفْصِيل سفهنا عُقُولهمْ وأحلنا تَقْرِير هَذَا الْفَنّ على أَحْكَام الصِّفَات وَبِالْجُمْلَةِ علم الله تَعَالَى إِذا تعلق بجواهر لَا نِهَايَة لَهَا فَمَعْنَى تعلقه بهَا استرساله عَلَيْهَا من غير تعرض لتفصيل الْآحَاد مَعَ نفي النِّهَايَة فَإِن مَا يحِيل دُخُول مَا لَا يتناهى فِي الْوُجُود يحِيل وُقُوع تقريرات غير متناهية فِي الْعلم والأجناس الْمُخْتَلفَة الَّتِي فِيهَا الْكَلَام يَسْتَحِيل استرسال الْكَلَام عَلَيْهَا فَإِنَّهَا متباينة الْجَوَاهِر وَتعلق الْعلم بهَا على التَّفْصِيل مَعَ نفي النِّهَايَة محَال وَإِذا لاحت الْحَقَائِق فَلْيقل الأخرق بعْدهَا مَا شَاءَ
انْتهى كَلَامه فِي الْبُرْهَان
وَالَّذِي أرَاهُ لنَفْسي وَلمن أحبه الِاقْتِصَار على اعْتِقَاد أَن علم الله تَعَالَى مُحِيط بالكليات والجزئيات جليلها وحقيرها وتكفير من يُخَالف فِي وَاحِد من الْفَصْلَيْنِ واعتقاد أَن هَذَا الإِمَام بَرِيء من الْمُخَالفَة فِي وَاحِد مِنْهُمَا بِدَلِيل تصريحه فِي كتبه الكلامية بذلك وَأَن أحدا من الأشاعرة لم ينْقل هَذَا عَنهُ مَعَ تتبعهم لكَلَامه وَمَعَ أَن تلامذته وتصانيفه مَلَأت الدُّنْيَا وَلم يعرف أَن أحدا عزا ذَلِك إِلَيْهِ وَهَذَا برهَان قَاطع على كذب من تفرد بِنَقْل ذَلِك عَنهُ فَإِنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لتوفرت الدَّوَاعِي على نَقله ثمَّ إِذا عرض هَذَا الْكَلَام نقُول هَذَا مُشكل نضرب عَنهُ صفحا مَعَ اعْتِقَاد أَن مَا فهم مِنْهُ من أَن الْعلم الْقَدِيم لَا يُحِيط بالجزئيات لَيْسَ بِصَحِيح وَلَكِن هُنَاكَ معنى غير ذَلِك لسنا مكلفين بالبحث عَنهُ وَإِذا دفعنَا إِلَى هَذَا الزَّمَان الَّذِي شمخت الْجُهَّال فِيهِ بأنوفها وَأَرَادُوا الضعة من قدر هَذَا الإِمَام وأشاعوا أَن هَذَا الْكَلَام مِنْهُ دَال على أَن الْعلم الْقَدِيم لَا يُحِيط بالجزئيات أحوجنا ذَلِك إِلَى الدفاع عَنهُ وَبَيَان سوء فهمهم واندفعنا فِي تَقْرِير كَلَامه وإيضاح مَعْنَاهُ
فَنَقُول مَقْصُود الإِمَام بِهَذَا الْكَلَام الْفرق بَين إِمْكَان الشَّيْء فِي نَفسه وَهُوَ كَونه لَيْسَ بمستحيل وَعبر عَنهُ بِالْجَوَازِ الْمَحْكُوم بِهِ وَمثل لَهُ بِجَوَاز تحرّك جسم سَاكن وَبَين الْإِمْكَان الذهْنِي وَهُوَ الشَّك والتوقف وَعدم الْعلم بالشَّيْء وَإِن كَانَ الشَّيْء فِي نَفسه مستحيلا وَعبر عَنهُ بِالْجَوَازِ بِمَعْنى التَّرَدُّد وَمثل لَهُ بِالشَّكِّ فِي تناهي الْأَجْنَاس وَعدم
стр. 1755
تناهيها عِنْد الشاكين مَعَ أَن عدم تناهيها يَسْتَحِيل عِنْده وَإِلَى استحالته أَشَارَ بقوله وَالَّذِي أرَاهُ قطعا أَنَّهَا منحصرة وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهَا لَو كَانَت غير منحصرة لتَعلق الْعلم بآحاد لَا تتناهى على التَّفْصِيل لِأَن الله تَعَالَى عَالم بِكُل شَيْء فَإِذا كَانَت الْأَجْنَاس غير متناهية وَجب أَن يعلمهَا غير متناهية لِأَنَّهُ يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَهِي لَا تَفْصِيل لَهَا حَتَّى يُعلمهُ على التَّفْصِيل فالرب تَعَالَى يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ إِن مجملة فمجملة وَإِن مفصلة فمفصلة والأجناس الْمُخْتَلفَة متباينة بحقائقها فَإِذا علم وَجب أَن يعلمهَا مفصلة متمايزة بَعْضهَا عَن بعض
وَأما أَن ذَلِك يَسْتَحِيل فَلِأَن كل مَعْلُوم على التَّفْصِيل فَهُوَ منحصر متناه كَمَا أَنه مَوْجُود فِي الْخَارِج فَهُوَ منحصر متناه لوُجُوب تشخصها فِي الذِّهْن كَمَا فِي الْخَارِج
وَاعْلَم أَن الإِمَام إِنَّمَا سكت عَن بَيَان الْمُلَازمَة لِأَن دليلها كالمفروغ مِنْهُ
وَقَوله فَإِن استنكر الجهلة ذَلِك وَقَالُوا الباريء عَالم بِمَا لَا يتناهى على التَّفْصِيل هُوَ إِشَارَة إِلَى اعْتِرَاض على قَوْله وَذَلِكَ مُسْتَحِيل
تَقْرِيره أَن البارىء تَعَالَى عَالم بِمَا لَا يتناهى على التَّفْصِيل وَهَذَا أصل مفروغ مِنْهُ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقولك إِن تعلق الْعلم بِمَا لَا يتناهى مُسْتَحِيل قَول مَمْنُوع
وَقَوله سفهنا عُقُولهمْ هُوَ جَوَاب الِاعْتِرَاض
وَقَوله وأحلنا تَقْرِير هَذَا الْفَنّ على أَحْكَام الصِّفَات إِشَارَة إِلَى أَن تَقْرِير اسْتِحَالَة تعلق الْعلم بِمَا لَا يتناهى على التَّفْصِيل مَذْكُور فِي بَاب أَحْكَام الصِّفَات وَكتب أصُول الدّين
وَقَوله وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ بَيَان لكيفية تعلق علم الله تَعَالَى بِمَا لَا يتناهى مَعَ صَلَاحِية كَونه جَوَابا عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور وَتَقْرِيره أَن علم الله إِذا تعلق بجواهر لَا نِهَايَة لَهَا كَانَ معنى تعلقه بهَا استرساله عَلَيْهَا وَمعنى استرساله عَلَيْهَا وَالله أعلم هُوَ أَن علمه يتَعَلَّق بِالْعلمِ الْكُلِّي الشَّامِل لَهَا على سَبِيل التَّفْصِيل فيسترسل عَلَيْهَا من غير
следующие страницы →