← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

من غير تردد وَلَا تخبط وَيذكر مَا فِيهَا من الْقَوْلَيْنِ والتنبيه على الجوابين وَيذكر عللها قَالَ وَحفظ تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ جَمِيعه فَكَانَ إِذا سُئِلَ فِي مَجْلِسه عَن عشر آيَات فِي مَوَاضِع مُتَفَاوِتَة ذكر تَفْسِيرهَا باخْتلَاف أَقْوَال الْمُفَسّرين من غير غلط وَلَا خطأ ثمَّ قَالَ توفّي وَالِدي يَوْم الإربعاء رَابِع صفر سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ وأشهرا ٦٣٩ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الأرغياني أَبُو نصر ورد نيسابور وتفقه على إِمَام الْحَرَمَيْنِ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وبرع فِي الْفِقْه وَكَانَ إِمَامًا متنسكا كثير الْعِبَادَة حسن السِّيرَة مشتغلا بِنَفسِهِ وَكَانَ مفتى أَصْحَابنَا فِي وقته سمع أَبَا الْحسن الواحدي وَأَبا بكر أَحْمد بن عَليّ بن خلف الشِّيرَازِيّ وَأَبا عَليّ بن نَبهَان الْكَاتِب وخلقا روى عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ بِالْإِجَازَةِ مولده سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَدفن بِظَاهِر نيسابور

стр. 2032

٦٤٠ - مُحَمَّد بن عبد الله بن تومرت أَبُو عبد الله الملقب بالمهدي المصمودي الهرغي المغربي صَاحب دَعْوَة السُّلْطَان عبد الْمُؤمن ملك الْمغرب كَانَ رجلا صَالحا زاهدا ورعا فَقِيها أَصله من جبل السوس من أقْصَى الْمغرب وَهُنَاكَ نَشأ ثمَّ رَحل إِلَى الْمشرق لطلب الْعلم فتفقه على الْغَزالِيّ وإليكا أبي الْحسن الهراسي وَكَانَ أمارا بِالْمَعْرُوفِ نهاء عَن الْمُنكر خشن الْعَيْش كثير الْعِبَادَة شجاعا بطلا قوي النَّفس صَادِق الهمة فصيح اللِّسَان كثير الصَّبْر على الْأَذَى يعرف الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي وينصر الْكَلَام على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ كثير الْأَسْفَار وَلَا يستصحب إِلَّا عَصا وركوة

стр. 2033

وَلَا يصبر عَن النهى عَن الْمُنكر وأوذي بذلك مَرَّات دخل إِلَى مصر وَبَالغ فِي الْإِنْكَار فبالغوا فِي أَذَاهُ وطرده وَكَانَ رُبمَا أوهم أَن بِهِ جنونا وَذَلِكَ عِنْد خشيَة الْقَتْل ثمَّ خرج إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ ركب الْبَحْر وَمضى إِلَى بِلَاده وَكَانَ قد رأى فِي مَنَامه وَهُوَ بالمشرق كَأَنَّهُ قد شرب مَاء الْبَحْر جَمِيعه كرتين فَلَمَّا ركب السَّفِينَة شرع يُنكر وألزمهم بِالصَّلَاةِ والتلاوة فَلَمَّا انْتهى إِلَى المهدية وصاحبها يَوْمئِذٍ يحيى بن تَمِيم الصنهاجي وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَخَمْسمِائة نزل بهَا فِي مَسْجِد مُعَلّق على الطَّرِيق وَكَانَ يجلس فِي طاقته فَلَا يرى مُنْكرا من آلَة الملاهي أَو أواني الْخمر إِلَّا نزل وكسره فتسامع بِهِ النَّاس وَجَاءُوا إِلَيْهِ وقرءوا عَلَيْهِ كتبا فِي أصُول الدّين وَبلغ خَبره الْأَمِير يحيى فاستدعاه مَعَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء فَلَمَّا رأى سمته وَسمع كَلَامه أكْرمه وَسَأَلَهُ الدُّعَاء فَقَالَ لَهُ أصلحك الله لرعيتك ثمَّ نزح عَن الْبَلَد إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا يُنكر كدأبة فَأخْرج مِنْهَا إِلَى قَرْيَة ملالة فَوجدَ بهَا عبد الْمُؤمن بن عَليّ الْقَيْسِي فَيُقَال إِن ابْن تومرت كَانَ قد وَقع بِكِتَاب فِيهِ صفة عبد الْمُؤمن واسْمه وَصفته رجل يظْهر بالمغرب الْأَقْصَى من ذُرِّيَّة النَّبِي ﷺ يَدْعُو إِلَى الله يكون مقَامه ومدفنه بِموضع من الْمغرب يُسمى ت ى ن م ل ويجاوز وقته الْمِائَة الْخَامِسَة

стр. 2034

فالقى فِي ذهنه أَنه هُوَ وَأَن الله ألْقى فِي روعه ذَلِك كُله من غير أَن يجده فِي كتاب فقد كَانَ رجلا صَالحا مُتَمَكنًا ثمَّ إِنَّه أَخذ يتطلب صفة عبد الْمُؤمن فَرَأى فِي الطَّرِيق شَابًّا قد بلغ أشده على الصّفة الَّتِي ألقيت فِي روعه فَقَالَ يَا شَاب مَا اسْمك فَقَالَ عبد الْمُؤمن فَقَالَ الله أكبر أَنْت بغيتي فَأَيْنَ مقصدك قَالَ الْمشرق لطلب الْعلم قَالَ قد وجدت علما وشرفا اصحبني تنله ثمَّ نظر فِي حليته فوافقته فَألْقى إِلَيْهِ سره ثمَّ اجْتمع على ابْن تومرت جمع كثير لما رَأَوْهُ من قوته فِي الْحق وَصَبره على طلب الْمَعيشَة وورعه وَعلمه فَدخل مراكش وملكها عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَكَانَ حَلِيمًا متواضعا فَأخذ ابْن تومرت فِي الْإِنْكَار على عَادَته حَتَّى أنكر على ابْنه الْملك وَذَلِكَ فِي قصَّة طَوِيلَة فَبلغ خَبره الْملك وَذكر أَنه تحدث فِي تَغْيِير الدولة فَتكلم مَالك بن وهيب الأندلسي الْفَقِيه فِي أمره وَقَالَ نَخَاف من فتح بَاب يعسر علينا سَده وَكَانَ ابْن تومرت وَأَصْحَابه مقيمين بِمَسْجِد خراب بِظَاهِر الْبَلَد فأحضروا فِي محفل من الْعلمَاء فَقَالَ الْملك سلوا هَذَا مَا يَبْغِي فكلموه وَقَالُوا مَا الَّذِي يذكر عَنْك من القَوْل فِي حق هَذَا الْملك الْعَادِل الْحَلِيم المنقاد إِلَى الْحق

стр. 2035

فَقَالَ أماما نقل عني فقد قلته ولى من وَرَائه أَقْوَال وَكَانَ من قَول القَاضِي فِي مساءلة ابْن تومرت أَن الْملك يُؤثر طَاعَة الله على هَوَاهُ وينقاد إِلَى الْحق فَقَالَ ابْن تومرت فَأَما قَوْلك إِنَّه يوثر طَاعَة الله على هَوَاهُ وينقاد إِلَى الْحق فقد حضر اعْتِبَار صِحَة هَذَا القَوْل عَلَيْهِ ليعلم بتعريه عَن هَذِه الصّفة أَنه مغرور بِمَا تَقولُونَ لَهُ وتطرونه بِهِ مَعَ علمكُم أَن الْحجَّة عَلَيْهِ متوجهة فَهَل بلغك يَا قَاضِي أَن الْخمر تبَاع جهارا وتمشي الْخَنَازِير بَين الْمُسلمين وَتُؤْخَذ أَمْوَال الْيَتَامَى وَعدد كثيرا من ذَلِك حَتَّى ذرفت عينا الْملك وأطرق حَيَاء فَقَالَ مَالك بن وهيب إِن عِنْدِي نصيحة إِن قبلهَا الْملك حمد عَاقبَتهَا وَإِن تَركهَا لم آمن عَلَيْهِ فَقَالَ وَمَا هِيَ قَالَ إِنِّي خَائِف عَلَيْك من هَذَا الرجل وَأرى أَن تسجنه وتسجن أَصْحَابه وتنفق عَلَيْهِم كل يَوْم دِينَارا وَإِلَّا أنفقت عَلَيْهِ خزائنك فوافقه الْملك فَقَالَ الْوَزير أَيهَا الْملك يقبح أَن تبْكي من موعظة هَذَا ثمَّ تسيء إِلَيْهِ فِي مجْلِس وَاحِد وَأَن يظْهر مِنْك الْخَوْف مَعَ عظم ملكك وَهُوَ رجل فَقير لَا يملك سد جوعه

стр. 2036

فانقاد الْملك لكَلَام الْوَزير وَصَرفه وَسَأَلَهُ الدُّعَاء فَقيل إِن ابْن تومرت لما خرج من عِنْده لم يزل وَجهه تِلْقَاء وَجهه إِلَى أَن فَارقه فَقيل لَهُ نرَاك تأدبت مَعَ الْملك فَقَالَ أردْت أَلا يُفَارق وَجْهي الْبَاطِل حَتَّى أغيره مَا اسْتَطَعْت وَلما خرج قَالَ لأَصْحَابه لَا مقَام لنا بمراكش مَعَ وجود مَالك بن وهيب وَإِن لنا بأغمات أَخا فِي الله فنقصده فَلَنْ نعدم مِنْهُ رَأيا وَدُعَاء وَهُوَ الْفَقِيه عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم المصمودي فسافر فِي جماعته إِلَيْهِ فأنزلهم فَبَثَّ إِلَيْهِ سره وَمَا اتّفق لَهُ فَقَالَ هَذَا الْموضع لَا يحميكم وَإِن أحصن الْأَمَاكِن المجاوة لهَذَا الْبَلَد تينملل وَهُوَ مسيرَة يَوْم فِي هَذَا الْجَبَل فانقطعوا فِيهِ مُدَّة ريثما ينسى ذكركُمْ

стр. 2037

فَلَمَّا سمع ابْن تومرت بِهَذَا الِاسْم تجدّد لَهُ ذكر اسْم الْموضع الَّذِي رَآهُ فِي الْكتاب فقصده مَعَ أَصْحَابه فَلَمَّا أَتَوْهُ ورآهم أهل ذَلِك الْمَكَان على تِلْكَ الصُّورَة فَعَلمُوا أَنهم طلاب علم فتلقوهم وأكرموهم وأنزلوهم وَبلغ الْملك سفرهم فسر بذلك وتسامع أهل الْجَبَل بوصول ابْن تومرت فجاؤوه من النواحي يتبركون بِهِ وَكَانَ كل من أَتَاهُ استدناه وَعرض عَلَيْهِ مَا فِي نَفسه فَإِن أَجَابَهُ أَضَافَهُ إِلَى خواصه وَإِن خَالفه أعرض عَنهُ وَكَثُرت أَتْبَاعه وَمن كَلَام عبد الْوَاحِد بن عَليّ التَّمِيمِي المراكشي صَاحب كتاب المعجب أَن ابْن تومرت لما ركب الْبَحْر وَأخذ يُنكر على أهل الْمركب مَا يرَاهُ من المناكر ألقوه فِي الْبَحْر وَأقَام نصف يَوْم يجْرِي فِي المَاء مَعَ السَّفِينَة وَلم يغرق فأنزلوه إِلَيْهِ من أطلعه وعظموه إِلَى أَن نزل ببجاية وَوعظ بهَا ودرس وَحصل لَهُ الْقبُول فَأمره صَاحبهَا بِالْخرُوجِ منهاخوفا مِنْهُ فَخرج وَوَقع بعيد الْمُؤمن وَكَانَ بارعا فِي خطّ الرمل وَوَقع بجفر فِيمَا قيل وصحبهما من ملالة عبد الْوَاحِد المشرقي فَتوجه الثَّلَاثَة إِلَى أقْصَى الْمغرب

стр. 2038

وَقيل إِنَّه لَقِي عبد الْمُؤمن بِبِلَاد متيجة فَرَآهُ يعلم الصّبيان فَأسر إِلَيْهِ وعرفه بالعلامات وَكَانَ عبد الْمُؤمن قد رأى رُؤْيا وَهِي أَنه يَأْكُل مَعَ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فِي صَحْفَة قَالَ ثمَّ زَاد أكلي على أكله ثمَّ اختطفت الصحفة مِنْهُ فقصصتها على عَابِر فَقَالَ هَذِه لَا يَنْبَغِي أَن تكون لَك إِنَّمَا هِيَ لرجل ثَائِر يثور على أَمِير الْمُسلمين إِلَى أَن يغلب على بِلَاده وَسَار ابْن تومرت إِلَى أَن نزل فِي مَسْجِد لظَاهِر تلمسان وَكَانَ قد وضع لَهُ هَيْبَة فِي النُّفُوس وَكَانَ طَوِيل الصمت كثير الانقباض إِذا انْفَصل عَن مجْلِس الْعلم لَا يكَاد يتَكَلَّم أَخْبرنِي شيخ عَن رجل من الصَّالِحين كَانَ معتكفا فِي ذَلِك الْمَسْجِد أَن ابْن تومرت خرج لَيْلَة فَقَالَ أَيْن فلَان قَالُوا مسجون فَمضى من وقته وَمَعَهُ رجل حَتَّى أَتَى بَاب الْمَدِينَة فدق على البواب دقا عنيفا فَفتح لَهُ بِسُرْعَة فَدخل حَتَّى أَتَى الْحَبْس وابتدر إِلَيْهِ السجانون يتمسحون بِهِ ونادى يَا فلَان فَأجَاب فَقَالَ اخْرُج فَخرج والسجانون باهتون لَا يمنعونه وَخرج بِهِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِد وَكَانَت هَذِه عَادَته فِي كل مَا يُريدهُ لَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ قدسخرت لَهُ الرِّجَال

стр. 2039

وَعظم شَأْنه بتلمسان إِلَى أَن انْفَصل عَنْهَا وَقد استحوذ على قُلُوب كبرائها فَأتى فاس فأظهر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَكَانَ جلّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ علم الِاعْتِقَاد على طَريقَة الأشعرية وَكَانَ أهل الْمغرب ينافرون هَذِه الْعُلُوم ويعادون من ظَهرت عَلَيْهِ فَجمع وَالِي فاس الْفُقَهَاء لَهُ فناظرهم فَظهر عَلَيْهِم لِأَنَّهُ وجد جوا خَالِيا وناسا لَا علم لَهُم بالْكلَام فأشاروا على الْمُتَوَلِي بِإِخْرَاجِهِ فَسَار إِلَى مراكش وكتبوه بِخَبَرِهِ إِلَى ابْن تاشفين فَجمع لَهُ الْفُقَهَاء فَلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إِلَّا مَالك ابْن وهيب وَكَانَ متفننا قد نظر فِي الفلسفة فَلَمَّا سمع كَلَامه استشعر حِدته وذكاءه فَأَشَارَ على أَمِير الْمُسلمين ابْن تاشفين بقتْله وَقَالَ هَذَا لَا تؤمن غائلته وَإِن وَقع فِي بِلَاد المصامدة قوى شَره فتوقف عَن قَتله دينا فَأَشَارَ عَلَيْهِ بحبسه فَقَالَ غُلَام أسجن مؤمنالم يتَعَيَّن لنا عَلَيْهِ حق وَلَكِن يخرج عَنَّا فَخرج هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى السوس وَنزل بتينملل وَمن هَذَا الْموضع قَامَ أمره وَبِه قَبره فَلَمَّا نزله اجْتمع إِلَيْهِ وُجُوه المصامدة فشرع فِي بَث الْعلم وَالدُّعَاء إِلَى الْخَيْر وكتم أمره وصنف لَهُ عقيدة بلسانهم وَعظم فِي أَعينهم وأحبته قُلُوبهم فَلَمَّا استوثق مِنْهُم دَعَا إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ونهاهم عَن سفك الدِّمَاء فأقاموا على ذَلِك مُدَّة وَأمر رجَالًا مِنْهُم مِمَّن استصلح عُقُولهمْ بِنصب الدعْوَة واستمالة رُؤَسَاء الْقَبَائِل

стр. 2040

وَأخذ يذكر الْمهْدي ويشوق إِلَيْهِ وَجمع الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت فِي فَضله فَلَمَّا قرر عِنْدهم عَظمَة الْمهْدي وَنسبه ونعته ادّعى ذَلِك لنَفسِهِ وَقَالَ أَنا مُحَمَّد ابْن عبد الله وسرد لَهُ نسبا إِلَى عَليّ ﵇ وَصرح بِدَعْوَى الْعِصْمَة لنَفسِهِ وَأَنه الْمهْدي الْمَعْصُوم وَبسط يَده للمبايعة فَبَايعُوهُ فَقَالَ أُبَايِعكُم على مَا بَايع عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ثمَّ صنف لَهُم تصانيف فِي الْعلم مِنْهَا كتاب سَمَّاهُ أعز مَا يطْلب وعقائد على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فِي أَكثر الْمسَائِل إِلَّا فِي إِثْبَات الصِّفَات فَإِنَّهُ وَافق الْمُعْتَزلَة فِي نَفيهَا وَفِي مسَائِل قَليلَة غَيرهَا وَكَانَ يبطن شَيْئا من التَّشَيُّع ورتب أَصْحَابه طَبَقَات فَجعل مِنْهُم الْعشْرَة ... ٦٤١ - مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم بن المظفر بن عَليّ أَبُو الْفضل بن أبي مُحَمَّد الشهرزوري الْموصِلِي قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين ولد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وتفقه بِبَغْدَاد على أسعد الميهني

стр. 2041

وَسمع من أبي طَالب الزَّيْنَبِي وَأبي البركات بن خَمِيس وجده لأمه عَليّ بن أَحْمد ابْن طوق وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو الْمَوَاهِب بن صصرى وَأَخُوهُ أَبُو الْقَاسِم ابْن صصرى وَالشَّيْخ الْمُوفق ابْن قدامَة وَآخَرُونَ ولى قَضَاء الْموصل وَكَانَ يتَرَدَّد بَينهَا وَبَين بَغْدَاد رَسُولا من صَاحبهَا إِلَى الْخَلِيفَة ثمَّ قدم الشَّام وافدا على نور الدّين فَبَالغ فِي إكرامه وولاه قَضَاء دمشق وَنظر الْأَوْقَاف وَنظر أَمْوَال السُّلْطَان وَغير ذَلِك فاستناب ابْنه القَاضِي أَبَا حَامِد بحلب وَابْن أَخِيه أَبَا الْقَاسِم بحماة وَابْن أَخِيه الآخر بحمص وَكَانَ فقهيا أصوليا أديبا شَاعِرًا ظريفا ذَا أفضال وقف أوقافا كَثِيرَة مِنْهَا مدرسة بالموصل ومدرسة بنصيبين ورباطا بِمَدِينَة النَّبِي ﷺ وَتمكن فِي الْأَيَّام النورية تمَكنا بَالغا فَلَمَّا تملك السُّلْطَان صَلَاح الدّين أقره على مَا كَانَ عَلَيْهِ ونال مَا لم ينله أحد من الْفُقَهَاء من التَّقَدُّم ونفاذ الْكَلِمَة وَلما قدم صَلَاح الدّين دمشق سنة سبعين لأجل أَخذهَا نزل بدار العقيقي وتعسرت عَلَيْهِ القلعة أَيَّامًا مَشى بِنَفسِهِ إِلَى دَار قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين زَائِرًا مستشيرا فَتَلقاهُ وجالسه وباسطه وَقَالَ طب نفسا وقر عينا فَالْأَمْر أَمرك والبلد بلدك وَفِي هَذَا من الدّلَالَة على جلالة قدر القَاضِي مَا لَا يخفى

стр. 2042

وَكَانَ يهب الْألف دِينَار فَمَا فَوْقهَا وَهُوَ الَّذِي وقف الْحصَّة من قَرْيَة الهامة على المقادسة وَفِيمَا أحفظه من محَاسِن الثَّلَاثَة السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَالْقَاضِي الْفَاضِل وقاضي الْقُضَاة كَمَال الدّين أَن السُّلْطَان لما جَاءَ إِلَى الشَّام كتبت قصَص كَثِيرَة فِي كَمَال الدّين ومرافعات شَتَّى وَنسب إِلَى أُمُور مِمَّا جرت عَادَة المرافعين بِنِسْبَة الْحُكَّام إِلَيْهَا وَقيل إِن القَاضِي الْفَاضِل كَانَ يكره القَاضِي كَمَال الدّين فَأدى الْقَصَص إِلَى السُّلْطَان فِي كَمَال الدّين فِي أثْنَاء الطَّرِيق فَلم يصل السُّلْطَان إِلَى الْكسْوَة إلأ وَقد حصل عِنْده من كَمَال الدّين شَيْء مَعَ مَا قيل إِنَّه كَانَ لَا يُحِبهُ من أَيَّام نور الدّين فَاجْتمع أَصْحَاب كَمَال الدّين إِلَيْهِ وأشاروا عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ لتلقي السُّلْطَان فَأبى جَريا على مَا أَلفه فِي أَيَّام نور الدّين من تردد النَّاس إِلَيْهِ وَعدم تردده إِلَى النَّاس فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة دُخُول السُّلْطَان دمشق تحزب أَصْحَاب كَمَال الدّين عَلَيْهِ وَقَالُوا هَذَا السُّلْطَان من الأَصْل لَا يحبك ومدبر دولته القَاضِي الْفَاضِل كَذَلِك وأعداؤك قد تحزبوا عَلَيْك وَمَا كنت تعرفه من الرّفْعَة قد زَالَ بِزَوَال دولة نور الدّين وَالسُّلْطَان بكرَة غَد يدْخل الْبَلَد وَقد دخل القَاضِي الْفَاضِل الْبَلَد اللَّيْلَة ونرى أَن تمشي إِلَيْهِ فأظهر تألما كثيرا لذَلِك فألزم وَرُبمَا حلف عَلَيْهِ فَمضى وَمَعَهُ اثْنَان أَحدهمَا وَلَده وَالْآخر بعض من أَشَارَ عَلَيْهِ وَفِي ذهنه أَنه من

стр. 2043

حِين يقبل على دَار القَاضِي الْفَاضِل يخرج لتلقيه فَقعدَ على الْبَاب زَمَانا طَويلا ليؤذن لَهُ فَأَما الرجل الَّذِي كَانَ مَعَه وَأَشَارَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ هرب حَيَاء من القَاضِي كَمَال الدّين وَصَارَ كَمَال الدّين وَولده فَخرج الطواشي وَذكر أَن الْفَاضِل نَائِم فَقَامَ كَمَال الدّين وَعَاد إِلَى دَار فِي أَسْوَأ حَال وسرى القَاضِي الْفَاضِل فِي أثْنَاء اللَّيْل لتلقي صَلَاح الدّين وجاراه الْكَلَام حَتَّى انْتهى إِلَى ذكر كَمَال الدّين فَقَالَ ياخوند هَذَا رجل مُعظم فِي الْعلم والسؤدد وأفعال نور الدّين عِنْد النَّاس مسددة وَكَانَ مِنْهَا تَعْظِيم هَذَا الرجل وغالب مَا ينْسب إِلَيْهِ كذب وَأما مَا ذكر من كَثْرَة دخله فَهُوَ وَإِن كثر دون كثير من أُمَرَاء المملكة وَلَعَلَّه أَحَق بِبَيْت المَال وأمواله من كثير مِنْهُم فَالَّذِي أرَاهُ تَعْظِيمه وَكَذَا وَكَذَا وَعَاد إِلَى الْبَلَد مصبحا قبل دُخُول صَلَاح الدّين وَتوجه إِلَى دَار كَمَال الدّين فَجَلَسَ على الْبَاب وَطلب الْإِذْن فَلَمَّا دخل الْخَادِم ليستأذن كَمَال الدّين عَلَيْهِ مضى وَلم يلبث علما مِنْهُ بِأَن كَمَال الدّين سيجازيه على عدم خُرُوجه لَهُ وَلَا يخرج لقُوَّة نفس كَمَال الدّين فَكَانَ كَذَلِك دخل الْخَادِم إِلَى كَمَال الدّين فاعتل بعلة وَلم يخرج فَخرج الْخَادِم فَلم يجد الْفَاضِل ثمَّ لما عبر السُّلْطَان الْبَلَد وَبَدَأَ بالجامع فصلى فِيهِ قيل إِن الْفَاضِل أَخذه من الْجَامِع وَجَاء بِهِ إِلَى دَار كَمَال الدّين وَصَارَت لَهُ الْيَد الْبَيْضَاء عِنْد كَمَال الدّين بِهَذِهِ الْوَاقِعَة وتصادقا

стр. 2044

فإمَّا أَن يكون صَلَاح الدّين توجه إِلَى بَيت كَمَال الدّين مرَّتَيْنِ مرّة أول قدومه وَهِي هَذِه وَمرَّة بِسَبَب القلعة وَإِمَّا أَن يكون مرّة وَاحِدَة وَهُوَ الْأَقْرَب وَمن شعر كَمَال الدّين (وَجَاءُوا عشَاء يهرعون وَقد بدا ... بجسمي من دَاء الصبابة ألوان) (فَقَالُوا وكل مُعظم بعض مَا رأى ... أصابتك عين قلت عين وأجفان) وَقَالَ أَيْضا ولي كتائب أنفاس أجهزها ... إِلَى جنابك إِلَّا أَنَّهَا كتب) (ولي أَحَادِيث من نَفسِي أسر بهَا ... إِذا ذكرتك إِلَّا أَنَّهَا كذب) توفّي فِي سادس الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة ٦٤٢ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن أَسد ابْن نصر الشِّيرَازِيّ الْمَعْرُوف بِابْن فوران الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح ولد فِي شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي التحبير وَهُوَ من الرّيّ وَأَصله من شيراز وَسكن آمل طبرستان وَكَانَ فَقِيها واعظا شَاعِرًا مليح الشّعْر سمع بِالريِّ أَبَا الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الفراوي الْوَاعِظ وَغَيره

стр. 2045

كتبت عَنهُ بآمل شَيْئا يَسِيرا من شعره توفّي بآمل طبرستان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ٦٤٣ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عموية أَبُو جَعْفَر السهروردي أَخُو الشَّيْخ أبي النجيب تفقه عَليّ أسعد الميهني قَالَ يُوسُف الدِّمَشْقِي كَانَ لَهُ حَظّ وافر من الْعلم وَكَانَ حسن الْوَعْظ وَتَوَلَّى قَضَاء شهرزور وَقتل بهَا فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ٦٤٤ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي صَالح البسطامي أَبُو عَليّ الْمَعْرُوف بِإِمَام بَغْدَاد تفقه عَليّ إِلْكيَا الهراسي ورحل إِلَى خُرَاسَان واستوطنها قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ فَقِيها فَاضلا مناظرا وشاعرا مجودا قَالَ وَسمع من أبي الْقَاسِم بن بَيَان وَأبي الْحسن بن العلاف وَأبي عَليّ بن نَبهَان وَغَيرهم

стр. 2046

وروى عَنهُ ابْن السَّمْعَانِيّ وَقَالَ إِنَّه سَأَلَهُ عَن مولده فَقَالَ بِبَغْدَاد فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي ببلخ فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَمن شعره (إِذا كنت فِي دَار القناعة ثاويا ... فَذَلِك كنز فِي يَديك عتيد) (وَإِن ساءك الْآتِي بِمَا لَا تريده ... فَذَلِك هم لَا يزَال يزِيد) ٦٤٥ - مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْحسن أَبُو جَعْفَر الصائغي الْمروزِي الْمَعْرُوف بالسديد ولد فِي حُدُود سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وَمَات فِي سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فِي صفر تَرْجمهُ ابْن باطيش ٦٤٦ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الإِمَام أَبُو الْفَتْح البنجديهي الحمدويني الْمروزِي الْفَقِيه تفقه على أبي بكر مُحَمَّد بن ابي المظفر السَّمْعَانِيّ

стр. 2047

وَسمع من إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْبَيْهَقِيّ وَهبة الله بن عبد الْوَارِث الْحَافِظ وَغَيرهمَا سمع مِنْهُ عبد الرَّحِيم بن السَّمْعَانِيّ مولده سنة بضع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَمَات فِي عشر الْخمسين وَخَمْسمِائة ٦٤٧ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو طَالب الكنجروذي النَّيْسَابُورِي سمع ابا الْحسن أَحْمد بن عبد الرَّحِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَمُحَمّد ابْن إِسْمَاعِيل التفليسي وَغَيرهم ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة روى عَنهُ ابْن السَّمْعَانِيّ وَابْنه عبد الرَّحِيم وَقَالَ توفّي فِي خَامِس شهر رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ٦٤٨ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي تَوْبَة أَبُو الْفَتْح الْكشميهني الْخَطِيب شيخ الصُّوفِيَّة بمرو مولده إِمَّا سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ أَو اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة

стр. 2048

وَهُوَ آخر من روى فِي الدُّنْيَا عَن أبي الخيرمحمد بن أبي عمرَان سمع مِنْهُ صَحِيح البُخَارِيّ وَسمع أَيْضا من أبي المظفر بن السَّمْعَانِيّ وَهبة الله بن عبد الْوَارِث وَغَيرهمَا وتفقه على أبي المظفر بن السَّمْعَانِيّ وَحدث بالكثير روى عَنهُ أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ وَابْنه عبد الرَّحِيم بن أبي سعد ومسعود بن مَحْمُود المنيعي وَشَرِيفَةٌ بنت أَحْمد بن عَليّ الْغَازِي وَغَيرهم قَالَ أَبُو سعد كَانَ عَالما حسن السِّيرَة جميل الْأَمر سخيا مكرما للغرباء توفّي فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ٦٤٩ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن يُوسُف الخلوقي الْمروزِي إِمَام عَارِف بِالْمذهبِ

стр. 2049

سمع أَبَا الْخَيْر الصفار وَمُحَمّد بن الْحسن الْمهْر بندقشايي وَجَمَاعَة ٦٥٠ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْحَضْرَمِيّ صَاحب كتاب الْإِكْمَال لما وَقع فِي التَّنْبِيه من الْإِشْكَال والإجمال ٦٥١ - مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز

стр. 2050

٦٥٢ - مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن طَاهِر الْوزان أَبُو عبد الله بن أبي سعد بن أبي الْعَبَّاس بن أبي سعد من أهل الرّيّ رئيسها وَابْن رؤسائها والمقدم على سَائِر الطوائف بهَا كَانَ من كبار الْفُقَهَاء على مَذْهَب الشَّافِعِي وَذَا مكانة رفيعة عِنْد الْمُلُوك وَمن شعره (لكَلْب عقور أسود اللَّوْن حالك ... على صدر سَوْدَاء الذوائب كاعب) (أحب إِلَيْهَا من معانقة الَّذِي ... لَهُ لحية بَيْضَاء فَوق الترائب) توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ومولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة هَذَا مُخْتَصر من تَارِيخ ابْن النجار (لقد فاق فِي الْآفَاق كل موفق ... أَفَاق بهَا من سكرها صحابها) (فسل جَامع الْأَمْوَال فِيهَا بحرصه ... أخلفها من بعده أم سرى بهَا) (هِيَ الْآل فاحذرها وذرها لأَهْلهَا ... وَمَا الْآل إِلَّا لمْعَة من سرابها) (وَكم أَسد سَاد البرايا ببره ... وَلَو نابها خطب إِذا مَا وني بهَا) (فَأصْبح فِيهَا عِبْرَة لأولى النهى ... بمخلبها قد مزقته ونابها)

стр. 2051

وَفِي كتاب الطَّبَقَات الْوُسْطَى وَالصُّغْرَى مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن طَاهِر الْوزان لَقِي أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وتفقه على وَالِده ثمَّ على أبي بكر الخجندي بأصبهان وَسمع بِبَغْدَاد عَليّ ابْن النقور وَمَات فِي حُدُود سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة بِالريِّ وَهَذَا مُخْتَصر من كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ وَلم يذكرهُ ابْن النجار وَإِنَّمَا ذكر من صدرنا التَّرْجَمَة باسمه وَعِنْدِي أَن هَذَا جد ذَاك فَيكون صَاحب التَّرْجَمَة مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم لَا مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم ابْن أَحْمد وَلَكِن وَقع فِي تَارِيخ ابْن النجار أَحْمد مَوضِع مُحَمَّد فَليُحرر ذَلِك وَالْحَاصِل أَنَّهُمَا فقيهان ترْجم الْمُتَأَخر مِنْهُمَا ابْن النجار وَلم يترجم الْمُتَقَدّم وَعكس ابْن السَّمْعَانِيّ وللمتأخر مِنْهُمَا شرح على وجيز الغزالبي ٦٥٣ - مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد أَبُو الْفَتْح الْمَعْرُوف بالشهر ستاني صَاحب كتاب الْملَل والنحل وَهُوَ عِنْدِي خير كتاب صنف فِي هَذَا الْكتاب

стр. 2052

ومصنف ابْن حزم وَإِن كَانَ أبسط مِنْهُ إِلَّا أَنه مبدد لَيْسَ لَهُ نظام ثمَّ فِيهِ من الْحَط على أَئِمَّة السّنة وَنسبَة الأشاعرة إِلَى مَا هم بريؤون مِنْهُ مَا يكثر تعداده ثمَّ ابْن حزم نَفسه لَا يدْرِي علم الْكَلَام حق الدِّرَايَة على طَرِيق أَهله وللشهر ستاني أَيْضا كتاب نِهَايَة الْإِقْدَام فِي علم الْكَلَام وَغَيرهمَا كَانَ إِمَامًا مبرزا مقدما فِي علم الْكَلَام وَالنَّظَر برع فِي الْفِقْه وَالْأُصُول وَالْكَلَام وتفقه على أَحْمد الخوافي وَأخذ أصُول الْكَلَام على الْأُسْتَاذ أبي نصر بن الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَقَرَأَ الْكَلَام أَيْضا على الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ ورد بَغْدَاد فِي سنة عشر وَخَمْسمِائة وَأقَام بهَا ثَلَاث سِنِين وَكَانَ بعظ بهَا وَيظْهر لَهُ قبُول عِنْد الْعَوام وَقد سمع بنيسابور من أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْمَدِينِيّ وَغَيره سَأَلته عَن مولده فَقَالَ سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة هَذَا كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الذيل وَقد حَكَاهُ ابْن الصّلاح فِي الطَّبَقَات ووقفت على الذيل وَعِنْدِي مِنْهُ نسختان فَلم أجد فِي التَّرْجَمَة زِيَادَة على مَا حكيت إِلَّا أَنه روى عَنهُ حَدِيثا وحكايتين مسندتين وَذكر أَنه سَمعه يَقُول فِي المذاكرة سُئِلت بِبَغْدَاد فِي الْمجْلس عَن مُوسَى فَقلت الْتفت مُوسَى ١٣ يَمِينا

стр. 2053

ويسار فَمَا رأى من يسْتَأْنس بِهِ وَلَا جارا فآنس من جَانب الطّور نَارا (خرجنَا نبتغي مَكَّة ... حجاجا وَعمَّارًا ( (فَلَمَّا بلغ الْحيرَة ... حادى جملي حارا) (فصادفنا بهَا ديرا ... وَرُهْبَانًا وخمارا) هَذَا ملخص مَا فِي ذيل ابْن السَّمْعَانِيّ وَفِي تَارِيخ شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَن ابْن السَّمْعَانِيّ ذكر أَنه كَانَ مُتَّهمًا بالميل إِلَى أهل القلاع يَعْنِي الإسماعيلية والدعوة إِلَيْهِم والنصرة لطاماتهم وَأَنه قَالَ فِي التجير إِنَّه مُتَّهم بالإلحاد والميل إِلَيْهِم غال فِي التَّشَيُّع انْتهى مُخْتَصرا فَأَما الذيل فَلَا شَيْء فِيهِ من ذَلِك وَإِنَّمَا ذَلِك فِي التحبير وَمَا أَدْرِي من أَيْن ذَلِك لِابْنِ السَّمْعَانِيّ فَإِن تصانيف أبي الْفَتْح دَالَّة على خلاف ذَلِك وَيَقَع لي هَذَا دس على ابْن السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابَة التحبير وَإِلَّا فَلم لم يذكرهُ فِي الذيل لَكِن قريب مِنْهُ قَول صَاحب الْكَافِي لَوْلَا تخبطه فِي الِاعْتِقَاد وميله إِلَى أهل الزيغ والإلحاد لَكَانَ هُوَ الإِمَام فِي الْإِسْلَام وَأطَال فِي النّيل مِنْهُ وَقَالَ كَانَت بَيْننَا محاورات ومفاوضات فَكَانَ يُبَالغ فِي نصْرَة مَذَاهِب الفلاسفة والذب عَنْهُم هَذَا كَلَام الْخَوَارِزْمِيّ

стр. 2054

٦٥٤ - مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل بن الْحسن بن الْحُسَيْن الْقزْوِينِي أَبُو الإِمَام الرَّافِعِيّ كَانَ إِمَامًا فَاضلا روى عَن أبي البركات الفراوي وَعبد الْخَالِق الشحامي وَسعد الْخَيْر مُحَمَّد بن طراد الزَّيْنَبِي وَغَيرهم وتفقه بقزوين على ملكداد بن عَليّ وبنيسابور على مُحَمَّد بن يحيى وببغداد على أبي مَنْصُور بن الرزاز ذكره وَلَده الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي كتاب الأمالي وَأكْثر فِيهِ الرِّوَايَة عَنهُ وَفرق تَرْجَمته على الْمجَالِس الَّتِي رُوِيَ عَنهُ فِيهَا فَذكر فِي كل مجْلِس غير مَا فِي الْمجْلس الْمُتَقَدّم عَنهُ وَقَالَ فِيهِ وَالِدي مِمَّن خص بعفة الذيل وَحسن السِّيرَة وَالْجد فِي الْعلم وَالْعِبَادَة وذلاقة اللِّسَان وَقُوَّة الْجنان والصلابة فِي الدّين والمهابة عِنْد النَّاس والبراعة فِي الْعلم حفظا وضبطا ثمَّ إتقانا وبيانا وفهما ودراية ثمَّ أَدَاء وَرِوَايَة قَالَ وَأَقْبَلت عَلَيْهِ المتفقهة بقزوين فدرس وَأفَاد وصنف فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير وَكَانَ جيد الْحِفْظ

стр. 2055

سمعته يَقُول سهرت البارحة مفكرا فِيمَا أحفظ من الأبيات المفردة والمقطوعات خَاصَّة فَذكر آلافا قَالَ وَحكي لي الْحُسَيْن بن عبد الرَّحِيم الْمُؤَذّن وَهُوَ رجل صَالح أَن وَالِدي خرج لَيْلَة لصَلَاة الْعشَاء وَكَانَت لَيْلَة مظْلمَة فَرَأَيْت نورا فحسبت أَن مَعَه سِرَاجًا فَلَمَّا وصل إِلَيّ لم أجد مَعَه شَيْئا فَذكرت لَهُ فَلم يُعجبهُ وُقُوفِي على حَاله وَقَالَ لي أقبل عَليّ شَأْنك قلت وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة وَلَده مَا يشبه هَذِه الْحِكَايَة فَلَعَلَّ نوع هَذِه الْكَرَامَة فِي الْوَالِد وَالْولد قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَعَلَّ الله أَن يوفقني لما هَمَمْت بِهِ من جمع مُخْتَصر فِي مناقبه قلت وَقد نقل عَنهُ فِي الشَّرْح فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا التَّيَمُّم وفِي الْجَنَائِز فِي موضِعين وَالْبيع والشهادات وَفِي الصَّلَاة فِي إِشَارَة الْأَخْرَس فِيهَا نقل أَن الْغَزالِيّ أجَاب فِي

стр. 2056

الْفَتَاوَى بِأَنَّهَا تبطل وَأَنه رأى بِخَط وَالِده حِكَايَة وَجه أَنَّهَا لَا تبطل ثمَّ حكى هُوَ أَعنِي الرَّافِعِيّ وَجْهَيْن فِي الْمَسْأَلَة فِي كتاب الطَّلَاق وَصحح عدم الْبطلَان توفّي وَالِد الرَّافِعِيّ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ٦٥٥ - مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد بن ثَابت بن الْحسن بن عَليّ أَبُو بكر المهلبي من أَوْلَاد الْمُهلب بن أبي صفرَة على مَا ذكر بَعضهم صدر الدّين الخجندي أَبُو بكر من أهل أَصْبَهَان كَانَ رئيسها والمقدم عِنْد السلاطين قدم بَغْدَاد وَولي تدريس النظامية وَكَانَ يعظ بهَا وبجامع الْقصر وَسمع بأصبهان أَبَا عَليّ الْحداد وغانم بن أَحْمد وَأَبا الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن الْفضل بن أَحْمد السراج وطبقتهم قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ إِمَامًا فَاضلا مناظرا فحلا واعظا مليح الْوَعْظ سخي النَّفس جوادا قَالَ وَكَانَ بالوزراء أشبه من الْعلمَاء ثمَّ قَالَ وَكَانَ يروي الحَدِيث على رَأس الْمِنْبَر من حفظه

стр. 2057

قلت وَمن شعره (أنْفق جسورا واسترق الورى ... وَلَا تخف خشيَة إملاق) (النَّاس أكفاء إِذا قوبلوا ... إِن فاق شخص فبإنفاق) وَكَانَ مَوْصُوفا بِحسن المناظرة وتحرير الْعبارَة فِيهَا وَكَانَ لرياسته يمشي وَحَوله السيوف خرج إِلَى أَصْبَهَان من بَغْدَاد فَنزل قَرْيَة بَين همذان والكرج نَام فِي عَافِيَة وَأصْبح مَيتا فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة قَالَ ابْن الْأَثِير وَقعت لمَوْته فتْنَة عَظِيمَة قتل فِيهَا خلق بأصبهان ٦٥٦ - مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف الخجدي ولد ولد الْمُقدم ذكره كَانَ يلقب بلقب جده صدر الدّين قَالَ ابْن باطيش انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة الشَّافِعِيَّة بأصبهان بعد موت أَبِيه ورد بَغْدَاد فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة واستوطنها وأنعم عَلَيْهِ الْخَلِيفَة بِمَا لم ينعم بِهِ على أحد من أَمْثَاله وَولي النّظر فِي أوقاف النظاتمية وَصَارَ مُعظما

стр. 2058

ثمَّ خرج مَعَ الْوَزير مؤيد الدّين بن القصاب مُتَوَجها إِلَى خوزستان ثمَّ إِلَى أَصْبَهَان وملكها وَأذن لَهُ فِي الْمقَام بأصبهان وَبهَا الْأَمِير سنقر فجرت بَينهمَا أُمُور أدَّت إِلَى الوحشة بَينهمَا فَيُقَال إِنَّه دس على ابْن الخجندي من قَتله وَذَلِكَ فِي إِحْدَى الجماديين من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ قد سمع شَيْئا من الحَدِيث إِلَّا أَنه لم يبلغ سنّ الرِّوَايَة ٦٥٧ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم الهمذاني الْمَقْدِسِي أَبُو الْحسن بن الشَّيْخ أبي الْفضل ولد فِي نصف شعْبَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَسمع أَبَا الْحُسَيْن بن النقور وطراد الزَّيْنَبِي وَغَيرهمَا وروى عَنهُ الْحَافِظ ابْن العساكر وَغَيره وَله تصانيف كَثِيرَة قَالَ ابْن النجار بِهِ ختم فن التَّارِيخ وَله الذيل على تَارِيخ ابْن جرير

стр. 2059

والذيل على الذيل الَّذِي عمله الْوَزير أَبُو شُجَاع لتاريخ ابْن مسكويه وعنوان السّير وأخبار الوزراء وطبقات الْفُقَهَاء توفّي فَجْأَة فِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة ٦٥٨ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عبد الحميد أَبُو عبد الله بن أبي الْحسن الفارقي الشَّيْخ الصَّالح الْعَارِف صَاحب الْأَحْوَال السّنيَّة مولده سنة ثَمَان وَخمسين وَقدم بَغْدَاد فِي صباه واستوطنها وَقد أَطَالَ ابْن النجار تَرْجَمته وَذكر أَن بَعضهم دون كَلَامه فِي التصوف وَأَنه من تلامذة أبي الْبَقَاء الْمُبَارك بن الْخلّ وَأَنه حدث عَنهُ وَمن كَلَامه الْمُحب بسطوة سُلْطَان الْجمال مغلوب وبحسام الْحسن مَضْرُوب مَأْخُوذ عَنهُ مسلوب نجم رغبته غارب عَن كل مَرْغُوب طالع فِي آفَاق الغيوب

стр. 2060

مِصْبَاح حبه يتوهج فِي زجاجة وجده بِنَار الوله بالمحبوب شهَاب شوقه وكمده فِي قلبه وكبده سَاطِع فِي الألهوب وَمن شعره (إِذا أفادك إِنْسَان بفائدة ... من الْعُلُوم فَأكْثر شكره أبدا) (وَقل فلَان جزاه الله صَالِحَة ... أفادنيها وألق الْكبر والحسدا) قَالَ ابْن النجار كَانَ يتَكَلَّم على النَّاس فِي كل جُمُعَة بعد الصَّلَاة بِجَامِع الْقصر يجلس على آجرتين وَيقوم قَائِما إِذا حمى فِي الْكَلَام وَسُئِلَ أَنه يعْمل لَهُ كرْسِي فَأبى وَكَانَ زاهدا مخشوشنا مَاتَ فِي رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ٦٥٩ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد الكرجي بِالْجِيم أَبُو الْحسن بن أبي طَالب ولد سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَسمع الحَدِيث من مكي بن عَلان الكرجي وَأبي الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد بن بَيَان الرزاز وَأبي عَليّ مُحَمَّد بن سعيد بن نَبهَان الْكَاتِب وَأبي الْحسن بن العلاف وَغَيرهم روى عَنهُ ابْن السَّمْعَانِيّ وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَجَمَاعَة

стр. 2061

وصنف تصانيف فِي الْمَذْهَب وَالتَّفْسِير ووقفت لَهُ على كتاب الذرائع فِي علم الشَّرَائِع وسأذكر مِنْهُ مسَائِل إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِيهِ أَبُو الْحسن من أهل الكرج رَأَيْته بهَا إِمَام ورع عَالم عَاقل فَقِيه مفت مُحدث شَاعِر أديب لَهُ مَجْمُوع حسن أفنى طول عمره فِي جمع الْعلم ونشره وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب إِلَّا أَنه كَانَ لَا يقنت فِي صَلَاة الصُّبْح وَكَانَ يَقُول إمامنا الشَّافِعِي ﵀ قَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث فاتركوا قولى وخذوا بِالْحَدِيثِ وَقد صَحَّ عِنْدِي أَن النَّبِي ﷺ ترك الْقُنُوت فِي صَلَاة الصُّبْح قلت وَكَذَلِكَ رَأَيْته قَالَ فِي كِتَابه الذرائع الْقُنُوت فِي الصُّبْح غير ثَابت فِي الحَدِيث بل مَنْهِيّ عَنهُ وَلم أرتض أَنا مِنْهُ ذَلِك فَإِنَّهُ يصنف الْكتاب على مَذْهَب الشَّافِعِي ثمَّ يُفْتِي فِيهِ بِخِلَاف مذْهبه ظنا مِنْهُ صِحَة الحَدِيث وأمامه عقبتان فِي غَايَة الصعوبة صِحَة الحَدِيث

стр. 2062

وهيهات إِن الْوُصُول إِلَى ذَلِك لشديد عَلَيْهِ عسير وَكَونه يصير مذهبا للشَّافِعِيّ وَهُوَ أَيْضا صَعب وَقد جاريت الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد فِي هَذَا وَكَانَ سَببا لتصنيفه مُصَنفه الْمُسَمّى بِمَعْنى قَول الإِمَام المطلبي إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَذكر كَلَام مُحَمَّد بن عبد الْملك هَذَا وَأَنه ترك لأَجله قنوت الصُّبْح ثمَّ تبين لَهُ عدم صِحَّته وَأَن النَّبِي ﷺ لم يتْرك قنوت الصُّبْح وَإِنَّمَا ترك الْقُنُوت على رعل وذكوان وَأطَال الشَّيْخ الإِمَام فِيهِ وأطاب فلينظره من أَرَادَهُ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَحكى لي الكرجي قَالَ رَأَيْت لَيْلَة الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق فِي النّوم فَسلمت عَلَيْهِ وَأَرَدْت أَن أقبل يَده فَأَعْرض عني وَامْتنع فَقلت لَهُ يَا سيدنَا أَن من جملَة غلمانك وأذكر الْمُهَذّب من تصنيفك فِي الدَّرْس فَقَالَ لي لم تركت الْقُنُوت فِي صَلَاة الصُّبْح فَقلت لَهُ إِن الشَّافِعِي قَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وشرعت مَعَه فِي شرح الحَدِيث وَهُوَ يصغي إِلَيّ إِلَى أَن تَبَسم فِي وَجْهي انْتهى قلت وَقد حكى الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطى هَذِه الْحِكَايَة وَذكر أَن هَذَا الكرجي من أكَابِر أَصْحَاب الشَّيْخ أَبى إِسْحَاق وَلَعَلَّه أَخذ ذَلِك من قَوْله أَنا من غلمانك وَالْمَذْكُور لم يصحب أَبَا إِسْحَاق وَلَا رَآهُ وَإِنَّمَا اعتزى إِلَيْهِ لتدريسه كِتَابه

стр. 2063

وَقد حكى لي وَالِدي ﵀ عَن شَيْخه الدمياطي هَذَا فَقلت لَهُ لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلم يكن وَالِدي يعرف تَرْجَمَة هَذَا الكرجي فَكتب عني هَذَا فِي كِتَابه معنى قَول الإِمَام المطلبي إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَقَالَ قَالَ لي ابْني عبد الْوَهَّاب إِنَّه لَيْسَ من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَلَكِن من أَصْحَاب أَصْحَابه وَكَانَ يدرس كِتَابه وَكَانَ الْوَالِد ﵀ يعْتَمد مَا أقوله فَلذَلِك يعز إِلَيّ غَالِبا فِي تصانيفه مَا كَانَ يسمعهُ مني وَيَقَع مِنْهُ موقع الِاسْتِحْسَان أحسن الله جزاءه وَقد ذكر هَذَا الشَّيْخ فِي كِتَابه الذرائع أَنه أَخذ الْفِقْه عَن أبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ عَن الإِمَام أبي بكر عبد الله بن أَحْمد الزاذقاني عَن الشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرايني ثمَّ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَله قصيدة بائية فِي السّنة شرح فِيهَا اعْتِقَاده واعتقاد السّلف تزيد على مِائَتي بَيت قرأتها عَلَيْهِ فِي دَاره بالكرج

стр. 2064

قلت ثَبت لنا بِهَذَا الْكَلَام إِن ثَبت أَن ابْن السَّمْعَانِيّ قَالَه أَن لهَذَا الرجل قصيدة فِي الِاعْتِقَاد على مَذْهَب السّلف مُوَافقَة للسّنة وَابْن السَّمْعَانِيّ كَانَ أشعري العقيدة فَلَا نعترف بِأَن القصيدة على السّنة واعتقاد السّلف إِلَّا إِذا وَافَقت مَا نعتقد أَنه كَذَلِك وَهُوَ رأى الْأَشْعَرِيّ إِذا عرف هَذَا فَاعْلَم أَنا وقفنا على قصيدة تعزى إِلَى هَذَا الشَّيْخ وتلقب بعروس القصائد فِي شموس العقائد نَالَ فِيهَا من أهل السّنة وباح بالتجسيم فَلَا حَيا الله معتقدها وَلَا حيى قَائِلهَا كَائِنا من كَانَ وَتكلم فِيهَا فِي الْأَشْعَرِيّ أقبح كَلَام وافترى عَلَيْهِ أَي افتراء ثمَّ رَأَيْت شَيخنَا الذَّهَبِيّ حكى كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ الَّذِي حكيته ثمَّ قَالَ قلت أَولهَا (محَاسِن جسمي بدلت بالمعايب ... وشيب فودي شوب وصل الحبائب) وَمِنْهَا (عقائدهم أَن الْإِلَه بِذَاتِهِ ... على عَرْشه مَعَ علمه بالغوائب) وَمِنْهَا (فَفِي كرج الله من خوف أَهلهَا ... يذوب بهَا البدعي يَا شَرّ ذائب) (يَمُوت وَلَا يقوى لإِظْهَار بِدعَة ... مَخَافَة حز الرَّأْس من كل جَانب) انْتهى مَا حَكَاهُ الذَّهَبِيّ وَكَانَ يتَمَنَّى فِيمَا أعرفهُ مِنْهُ أَن يحْكى الأبيات الْأُخَر ذَات الطَّامَّات الْكبر الَّتِي سأذكرها لَك وَلَكِن يخْشَى صولة الشَّافِعِيَّة وَسيف السّنة المحمدية وَأَقُول أَولا أَنِّي ارتبت فِي أمره هَذِه القصيدة وَصِحَّة نسبتها إِلَى هَذَا الرجل وَغلب على طني أَنَّهَا إِمَّا مكذوبة عَلَيْهِ كلهَا أَو بَعْضهَا وَالَّذِي يرجح أَنَّهَا مكذوبة عَلَيْهِ كلهَا

стр. 2065

أَن ابْن الصّلاح ترْجم هَذَا الرجل وَحكى كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ إِلَّا فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ القصيدة فَلم يذكرهُ فَيجوز أَن يكون ذَلِك قد دس فِي كتاب ابْن السَّمْعَانِيّ ليصحح بِهِ نِسْبَة القصيدة إِلَى الكرجي وَقد جرى كثير مثل ذَلِك وَيُؤَيّد هَذِه أَيْضا أَن ابْن السَّمْعَانِيّ سَاق كثيرا من شعره وَلم يذكر من هَذِه القصيدة بَيْتا وَاحِدًا وَلَو كَانَ قد قَرَأَهَا عَلَيْهِ لَكَانَ يُوشك أَن يذكر وَلَو بَعْضهَا وَيحْتَمل أَن يكون لَهُ بَعْضهَا وَلَكِن زيدت الأبيات الْمُقْتَضِيَة للتجسيم وللكلام فِي الأشاعرة وَيُؤَيّد ذَلِك أَن القصيدة الْمشَار إِلَيْهَا تزيد على الْمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَابْن السَّمْعَانِيّ قَالَ تزيد على الْمِائَتَيْنِ وَظَاهر هَذِه الْعبارَة أَنَّهَا تزيد بِدُونِ عقد وَأَنَّهَا لَو كَانَت مِائَتَيْنِ وأزيد من أَرْبَعِينَ لقَالَ نزيد على الْمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَن أبياتها غير متناسبة فَإِن بَعْضهَا شعر مَقْبُول وَأَظنهُ شعره وَبَعضهَا وَهُوَ الْمُشْتَمل على القبائح فِي غَايَة الرداءة لَا يرضى بِهِ من يحسن الشّعْر وَهَا أَنا أحكي لَك بَعْضهَا فأولها يَقُول (محَاسِن جسمي شانها بالمعايب ... وشيب فودي شوب وصل الحبائب) (وَأَقْبل شيبي والشبيبة أَدْبَرت ... وَقرب من أحزاننا كل غارب) وَمِنْهَا أَيْضا (وَلَيْسَ يرد الْعُمر مَا قلت آهة ... وَلَا الْحزن يدني قاصيات الشبائب)

стр. 2066

وَهَذَا كُله شعر مَقْبُول لَا يصل إِلَى دَرَجَة الْحسن وَلَا ينزل إِلَى دَرَجَة الرَّد كَمَا يعرف ذَلِك من يَذُوق الْأَدَب مِنْهَا أَيْضا (عقائدهم أَن الْإِلَه بِذَاتِهِ ... على عَرْشه مَعَ علمه بالغوائب) وَهَذَا من أسهل مَا فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنكر مَعْنَاهُ إِلَّا قَوْله بِذَاتِهِ وَهِي عبارَة سبقه إِلَيْهَا ابْن أبي زيد الْمَالِكِي فِي الرسَالَة إِلَّا أَنه بَيت سمج مَرْدُود فَإِن قَوْله على عَرْشه مَعَ علمه بالغوائب كَلَام لَا ارتباط لبعضه بِبَعْض فَإِنَّهُ لَا ارتباط لعلم الْغَيْب بِمَسْأَلَة الاسْتوَاء وَقَوله بالغوائب إِن أَرَادَ جمع غيب فَهُوَ لحن فَإِن الْغَيْب لَا يثني وَلَا يجمع لِأَنَّهُ اسْم جنس وَلَئِن جمع فَجَمعه غيوب وَإِن أَرَادَ جمع غَائِبَة لحن عَلَيْهِ ثمَّ سَاق أبياتا فِي الْيَدَيْنِ والكيف وَالصَّوْت والضحك وَوضع الْقدَم والأصابع وَالصُّورَة والغيرة وَالْحيَاء وأنحاء ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ كَبِير أَمر إِلَّا أَن جمعهَا دَلِيل مِنْهُ على محاولة التجسيم فَإِنَّهَا لم ترد فِي الشَّرِيعَة مَجْمُوعَة بل مفرقة وَفِي كل مَكَان قرينَة ترشد إِلَى المُرَاد فَإِذا جمعهَا جَامع أضلّ ضلالا مُبينًا ثمَّ ذكر التجسيم والتجهم والاعتزال والرفض والإرجاء وَجمع الْكل فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ

стр. 2067

(طرائق تجسيم وطرق تجهم ... وسبل اعتزال مثل نسج العناكب) (وَفِي قدر والرفض طرق عمية ... وَمَا قيل فِي الإرجاء من نعب ناعب) ثمَّ قَالَ (وخبث مقَال الْأَشْعَرِيّ تخنث ... يضاهي تلويه تلوي الشغازب) (يزين هَذَا الْأَشْعَرِيّ مقاله ... ويقشبه بالسم ياشر قاشب) (فينفي تفاصيلا وَيثبت جملَة ... كناقصه من بعد شدّ الذوائب) يؤول آيَات الصِّفَات بِرَأْيهِ ... فجرأته فِي الدّين جرْأَة خارب) (ويجزم بالتأويل من سنَن الْهدى ... ويخلب أَغْمَارًا فأشئم بخالب) وَهَذَا كَلَام من لَا يستحيي من الله وَالْغَرَض على كَلَامه لائح فَإِن أهل الْبدع الَّذين هم أهل الْبدع حَقًا بِلَا خلاف بَين الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء هم المجسمة والمعتزلة والقدرية وهم المجسمة والجهمية والرافضة والمرجئة لم يشْتَغل بهم إِلَّا فِي بَيْتَيْنِ وَأطَال فِي الأشاعرة وَلَا يخفى أَن الأشاعرة إِنَّمَا هم نفس أهل السّنة أَو هم أقرب النَّاس إِلَى أهل السّنة ثمَّ إِن قَوْله مقَال الْأَشْعَرِيّ تخنث من ردىء الْكَلَام وَمن أعظم الافتراء ويعجبني من كَلَام الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني فِي رده على ابْن تَيْمِية قَوْله إِن كَانَت الأشاعرة الَّذين فيهم القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني

стр. 2068

وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وهلم جرا إِلَى الإِمَام فَخر الدّين مخانيث فَلَيْسَ بعد الْأَنْبِيَاء وَالصَّحَابَة فَحل وَأَقُول إِن كَانَ هَؤُلَاءِ أَغْمَارًا والأشعري يخلبهم فَلَيْسَ بعد الْأَنْبِيَاء وَالصَّحَابَة فطن فيالله وَالْمُسْلِمين ثمَّ قَالَ يَعْنِي الْأَشْعَرِيّ (وَلم يَك ذَا علم وَدين وَإِنَّمَا ... بضاعته كَانَت مخوق مداعب) وَفِي هَذَا الْبَيْت من الْكَذِب مَا لَا يخفى على لَبِيب فَإِن أحدا من الطوائف لم يُنكر علم الْأَشْعَرِيّ بل اتَّفقُوا على أَنه كَانَ أوحد عصره لَا يخْتَلف فِي ذَلِك لَا من ينْسبهُ إِلَى السّنة وَلَا من ينْسبهُ إِلَى الْبِدْعَة وَأما دينه فاتفقوا على زهده وورعه ثمَّ قَالَ (وَكَانَ كلاميا بالاحساء مَوته ... بِأَسْوَأ موت ماته ذُو السوائب) وَهَذَا أَيْضا كذب وَلم يبلغنَا أَنه مَاتَ إِلَّا كَمَا مَاتَ غَيره من الصَّالِحين وَلم يمت بالأحساء ثمَّ قَالَ (كَذَا كل رَأس للضلالة قد مضى ... بقتل وصلب باللحى والشوارب) كجعد وجهم والمريسي بعده ... وَذَا الْأَشْعَرِيّ الْمُبْتَلى شَرّ دائب)

стр. 2069

فقبحه الله مَا أجرأه على الله أَي بلية ابتلى بهَا الْأَشْعَرِيّ وَقد مَاتَ فرَاشه حتف أَنفه وَمَات يَوْم بعد يَوْم مَاتَ والمسلمون باكون وَأهل السّنة ينوحون وَأي صلب أَو قتل كَانَ وَكَيف يجمع بَينه وَبَين جعد وجهم والمريسي وَهَؤُلَاء ثَلَاثَة لَا يخْتَلف فِي بدعتهم وَسُوء طريقتهم وَمَا أبرد هَذَا الشّعْر وأسمجه ثمَّ قَالَ هَذَا الْبَيْت (معايبهم توفّي على مدح غَيرهم ... وَذَا الْمُبْتَلى الْمفْتُون عيب المعايب) فقبحه الله جعل شيخ السّنة شرا من هَؤُلَاءِ المبتدعين فَهَذَا مَا أردْت حكايته مِنْهَا وَلَو أمكن إعدامها من الْوُجُود كَانَ أولى والأغلب على الظَّن أَنَّهَا ملفقة مَوْضُوعَة وضع مَا فِيهَا من الخرافات من لَا يستحي ثمَّ أَقُول قبح الله قَائِلهَا كَائِنا من كَانَ وَإِن يكن هُوَ هَذَا الكرجي فَنحْن نبرأ إِلَى الله مِنْهُ إِلَّا أَنِّي على قطع بِأَن ابْن السَّمْعَانِيّ لَا يقْرَأ هَذِه الأبيات وَلَا يسْتَحل رِوَايَتهَا وَقد بيّنت لَك من الْقَرَائِن الدَّالَّة على أَنَّهَا مَوْضُوعَة مَا فِيهِ كِفَايَة توفّي الكرجي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَأورد ابْن السَّمْعَانِيّ كثيرا من شعره وَكله لَا بَأْس بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا إِذا وقف عَلَيْهِ أديب وعَلى الأبيات القبيحة الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا هَذِه القصيدة قضى بِأَن قَائِلهَا هَذَا غير قَائِل ذَاك قَالَ أَبُو الْحسن الكرجي فِي كِتَابه الذرائع إِن خلاف المعاطاة فِي البيع جَار فِي الْإِجَارَة وَهَذَا عزاهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب إِلَى الْمُتَوَلِي وَآخَرين وَأَنَّهُمْ قَالُوا خلاف المعاطاة يجْرِي فِي الْإِجَارَة وَالرَّهْن وَالْهِبَة

стр. 2070

قلت وَيَنْبَغِي أَن يكون الْأَصَح فِي الْإِجَارَة وَالرَّهْن وَالْمُخْتَار وَالرَّاجِح عدم الِاكْتِفَاء إِذْ لَا عرف فيهمَا وَلَا عَادَة بِخِلَاف البيع وَالْهِبَة وَذكر فِي كتاب الذرائع أَنه يحرم أكل الشواء الَّذِي يغطى حارا فيحتبس بخارة فِيهِ لِأَنَّهُ سم قَاتل وكل مَا يستقذر فِي الْغَالِب إِلَّا المَاء الآجن وَاللَّحم المنتن انْتهى وَقد حكى فِي الرَّوْضَة وَجها أَيْضا أَنه يحرم أكل اللَّحْم المنتن أَيْضا وَأَن العمراني قَالَ إِنَّه نجس على هَذَا الْوَجْه وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة فِي كَلَام العمراني وَمَا ذكره الكرجي فِي الشواء إِن صَحَّ أَنه قَاتل فَظَاهر لَا شكّ فِيهِ ٦٦٠ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن مُحَمَّد الجوسقاني أَبُو حَامِد الإسفرايني وجوسقان محلّة مِنْهَا قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ إِمَام فَاضل متدين حسن السِّيرَة قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ تفقه على الْغَزالِيّ بِبَغْدَاد وَسمع من أبي عبد الله الْحميدِي الْحَافِظ
следующие страницы →