Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وَسمع من الْأَحَادِيث المتفرقة اتِّفَاقًا مَعَ الْفُقَهَاء
فمما عثرت عَلَيْهِ مَا سَمعه من كتاب لمولد النَّبِي ﷺ من تأليف أبي بكر أَحْمد ابْن عَمْرو بن أبي عَاصِم الشَّيْبَانِيّ رِوَايَة الشَّيْخ أبي بكر مُحَمَّد بن الْحَارِث الْأَصْبَهَانِيّ الإِمَام عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَيَّان عَن المُصَنّف
وَقد سَمعه الإِمَام الْغَزالِيّ من الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الخواري خوار طبران ﵀ مَعَ ابنيه الشَّيْخَيْنِ عبد الْجَبَّار وَعبد الحميد وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء
وَمن ذَلِك مَا قَالَ أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الخواري أخبرنَا أَبُو بكر بن الْحَارِث الْأَصْبَهَانِيّ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي ثَابت حَدثنَا الزبير ابْن مُوسَى عَن أبي الْحُوَيْرِث قَالَ سَمِعت عبد الْملك بن مَرْوَان سَأَلَ قباث بن أَشْيَم الْكِنَانِي أَنْت أكبر أم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 2137
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أكبر مني وَأَنا أسن مِنْهُ ولد رَسُول الله ﷺ عَام الْفِيل
وَتَمام الْكتاب فِي جزأين مسموع لَهُ
انْتهى كَلَام عبد الغافر
وَقد سَاق الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر من أَوله إِلَى قَوْله وَمِمَّا كَانَ يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِ وَترك الْبَاقِي فعل ذَلِك فِي تَارِيخ الشَّام وَفِي كتاب التَّبْيِين
فَإِن قلت هَل ذَلِك من الْحَافِظ تعصب لَهُ كَمَا أَن مَا فعله الذَّهَبِيّ تعصب عَلَيْهِ قلت يحْتَمل أَن يكون الْأَمر كَذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون لكَونه لم ير إِشَاعَة ذَلِك عَن مثل هَذَا الإِمَام مَعَ الْقطع بِأَنَّهُ غير قَادِح فِيهِ وَأما الذَّهَبِيّ فَإِنَّهُ ذكر ذَلِك وَضم إِلَيْهِ مَا شَاءَ وسأوقفك عَلَيْهِ وسأتكلم على مَا عيب بِهِ هَذَا الإِمَام بعد نجاز الْغَرَض من ذكر مَا أَنا بصدده إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن كَلَام المترجمين لحجة الْإِسْلَام ﵀ وَأَكْثَرهم اجتزأ بِكَلَام عبد الغافر
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر كَانَ إِمَامًا فِي علم الْفِقْه مذهبا وَخِلَافًا وَفِي أصُول الديانَات
وَسمع صَحِيح البُخَارِيّ من أبي سهل مُحَمَّد بن عبد الله الحفصي
стр. 2138
وَولي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بِبَغْدَاد
ثمَّ خرج إِلَى الشَّام زائر لبيت الْمُقَدّس فَقدم دمشق فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأقَام بهَا مُدَّة وَبَلغنِي أَنه صنف بهَا بعض مصنفاته ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاد وَمضى إِلَى خُرَاسَان ودرس مُدَّة بطوس ثمَّ ترك التدريس والمناظرة واشتغل بِالْعبَادَة
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ فِيهِ من لم تَرَ الْعُيُون مثله لِسَانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا
ثمَّ انْدفع فِي نَحْو مِمَّا ذكره عبد الغافر من الممادح وَلم يتَعَرَّض لذكر شَيْء من الْفَصْل الْأَخير
وَذكر أَنه استدعى بِأبي الفتيان عمر بن أبي الْحسن الرواسِي الْحَافِظ الطوسي وأكرمه وَسمع عَلَيْهِ صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم
قَالَ وَمَا أَظن أَنه حدث بِشَيْء وَإِن حدث فيسير لِأَن رِوَايَة الحَدِيث مَا انتشرت عَنهُ
انْتهى
وَقد أوجب لي عدم ذكره لشَيْء من الْفَصْل الْأَخير الَّذِي ذكره عبد الغافر وَكَذَلِكَ عدم ذكر ابْن عَسَاكِر لَهُ مَعَ تبري ابْن عَسَاكِر دَائِما حَيْثُ أمكنه عَن الْغَرَض وَنَقله أبدا مَاله وَمَا عَلَيْهِ وَمَعَ تعرضه لما ذكره عبد الغافر فِي الْفَصْل الْأَخير لسَمَاع الْغَزالِيّ مَا اسْمَعْهُ واقتصاره على أَنه استدعى الرواسِي لسَمَاع الصَّحِيحَيْنِ مَعَ كَون هَذَا الْفَصْل لم يذكرهُ عبد الغافر إِلَّا بعد نجاز التَّرْجَمَة وَذكر الْوَفَاة وَلَيْسَ ذَلِك بمعتاد والمعتاد ختم التراجم بالوفاه وَمَوْضِع هَذَا الْفَصْل أثْنَاء التَّرْجَمَة كل ذَلِك أَن أَظن أَنه اختلق على عبد الغافر ودس فِي كِتَابه فَالله أعلم بذلك على أَنه لَيْسَ فِيهِ كَبِير أَمر كَمَا سنبحث عَنهُ
стр. 2139
وَقَالَ ابْن النجار إِمَام الْفُقَهَاء على الْإِطْلَاق ورباني الْأمة بالِاتِّفَاقِ ومجتهد زَمَانه وَعين وقته وأوانه وَمن شاع ذكره فِي الْبِلَاد واشتهر فَضله بَين الْعباد واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه وخافه المخالفون وانقهر بحججه وأدلته المناظرون وَظَهَرت بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين وَقَامَ بنصر السّنة وَإِظْهَار الدّين وسارت مصنفاته فِي الدُّنْيَا مسير الشَّمْس فِي الْبَهْجَة وَالْجمال وَشهد لَهُ الْمُخَالف والموافق بالتقدم والكمال
انْتهى
وَفِي كَلَام المترجمين كَثْرَة فَلَا نطيل فَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مقنع وبلاغ
ذكر بقايا من تَرْجَمته ﵁
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ قَرَأت فِي كتاب كتبه الْغَزالِيّ إِلَى أبي حَامِد بن أَحْمد بن سَلامَة بالموصل فَقَالَ فِي خلال فصوله أما الْوَعْظ فلست أرى نَفسِي أَهلا لَهُ لِأَن الْوَعْظ زَكَاة نصابه الاتعاظ فَمن لَا نِصَاب لَهُ كَيفَ يخرج الزَّكَاة وفاقد الثَّوْب كَيفَ يستر بِهِ غَيره وَمَتى يَسْتَقِيم الظل وَالْعود أَعْوَج وَقد أوحى الله تَعَالَى إِلَى عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ عظ نَفسك فَإِن اتعظت فعظ النَّاس وَإِلَّا فاستحي مني
وَقَالَ أَيْضا سَمِعت أَبَا سعيد مُحَمَّد بن أسعد بن مُحَمَّد بن الْخَلِيل النوقاني بمرو ومذاكرة فِي دَارنَا يَقُول حضرت درس الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ لكتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين فَأَنْشد
стр. 2140
(وحبب أوطان الرِّجَال إِلَيْهِم ... مآرب قَضَاهَا الْفُؤَاد هنالكا)
(إِذا ذكرُوا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصِّبَا فِيهَا فحنوا لذلكا)
قَالَ فَبكى وأبكى الْحَاضِرين
وَقَالَ أَيْضا سَمِعت أَبَا نصر الْفضل بن الْحسن بن عَليّ الْمقري مذاكرة بمرو يَقُول دخلت على الإِمَام الْغَزالِيّ مودعا فَقَالَ لي احْمِلْ هَذَا الْكتاب إِلَى الْمعِين النَّائِب أبي الْقَاسِم الْبَيْهَقِيّ
ثمَّ قَالَ لي وَفِيه شكاية على الْعَزِيز الْمُتَوَلِي للأوقاف بطوس وَكَانَ ابْن أخي الْمعِين فَقلت لَهُ كنت بهراة عِنْد عَمه الْمعِين وَكَانَ الْعِمَاد الطوسي جَاءَ بِمحضر فِي الثَّنَاء على الْعَزِيز وَعَلِيهِ خطك وَكَانَ عَمه قد طرده وهجره فَلَمَّا رأى شكرك وثناءك عَلَيْهِ قربه ورضى عَنهُ
فَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ سلم الْكتاب إِلَى الْمعِين واقرأ عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْت وَأنْشد
(وَلم أر ظلما مثل ظلم ينالنا ... يساء إِلَيْنَا ثمَّ نؤمر بالشكر)
وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الْمُنعم الْعَبدَرِي الْمُؤَذّن رَأَيْت بالإسكندرية فِي سنة خَمْسمِائَة فِي إِحْدَى شَهْري الْمحرم أَو صفر فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن الشَّمْس طلعت من مغْرِبهَا فَعبر ذَلِك بعض المعبرين ببدعة تحدث فيهم فَبعد أَيَّام وصلت المراكب بإحراق كتب الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ بالمرية
стр. 2141
وَعَن الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أبي بكر الشَّاشِي لما ولي نظام الْملك أَبَا حَامِد درس النظامية بِبَغْدَاد وَقدم إِلَيْهَا فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة اجْتمع عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَقَالُوا لَهُ قد علم سيدنَا أَن الْعَادة أَن من درس بِهَذِهِ الْبقْعَة عمل دَعْوَة للفقهاء ويحضرهم سَمَاعا ونريد أَن تكون دعوتك كرتبتك فِي الْعلم
فَقَالَ الْغَزالِيّ سمعا وَطَاعَة لَكِن على أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون التَّقْدِير إِلَيْكُم وَالتَّعْيِين لي أَو بِالْعَكْسِ
فَقَالُوا بل التَّقْدِير إِلَيْك والتعين لنا فنريد الدعْوَة الْيَوْم
فَقَالَ لَهُم فالتقدير حِينَئِذٍ مني على حسب مَا يمكنني وَهُوَ خبز وخل وبقل
فَقَالُوا لَا وَالله بل التَّعْيِين لَك وَالتَّقْدِير لنا ونريد أَن يكون فِي هَذِه الدعْوَة من الدَّجَاج كَذَا وَمن الحلو كَذَا
فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَالتَّعْيِين بعد سنتَيْن
فَقَالُوا قد عجزنا وَسلمنَا الْكل إِلَيْك لعلمنا أننا إِن جرينا مَعَك على قَاعِدَة النّظر حلت بَيْننَا وَبَين الظفر من هَذِه الدعْوَة بِقَضَاء الوطر
وَكَانَ فِي زَمَاننَا شخص يكره الْغَزالِيّ يذمه ويستعيبه فِي الديار المصرية فَرَأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأَبا بكر وَعمر ﵄ بجانبه وَالْغَزالِيّ جَالس بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول يَا رَسُول الله هَذَا يتَكَلَّم فِي
стр. 2142
وَأَن النَّبِي ﷺ قَالَ هاتوا السِّيَاط وَأمر بِهِ فَضرب لأجل الْغَزالِيّ وَقَامَ هَذَا الرجل من النّوم وَأثر السِّيَاط على ظَهره وَلم يزل وَكَانَ يبكي ويحكيه للنَّاس
وسنحكي مَنَام أبي الْحسن بن حرزهم المغربي الْمُتَعَلّق بِكِتَاب الْإِحْيَاء وَهُوَ نَظِير هَذَا
وَحكى لي بعض الْفُقَهَاء أهل الْخَيْر بالديار المصرية أَن شخصا تكلم فِي الْغَزالِيّ فِي درس الشَّافِعِي وسبه فَحمل هَذَا الحاكي من ذَلِك هما مفرطا وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة فَرَأى الْغَزالِيّ فِي النّوم فَذكر لَهُ مَا وجد من ذَلِك فَقَالَ لَا تحمل هما غَدا يَمُوت
فَلَمَّا أصبح توجه إِلَى درس الشَّافِعِي فَوجدَ ذَلِك الْفَقِيه قد حضر طيبا فِي عَافِيَة ثمَّ خرج من الدَّرْس فَلم يصل إِلَى بَيته إِلَّا وَقد وَقع من على الدَّابَّة وَدخل بَيته فِي حَال التّلف وَتُوفِّي آخر ذَلِك النَّهَار
وَمِمَّا يعد من كرامات الْغَزالِيّ أَيْضا أَن السُّلْطَان عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين صَاحب الْمغرب الملقب بأمير الْمُسلمين وَكَانَ أَمِيرا عادلا نزها فَاضلا عَارِفًا بِمذهب مَالك خيل إِلَيْهِ لما دخلت مصنفات الْغَزالِيّ إِلَى الْمغرب أَنَّهَا مُشْتَمِلَة على الفلسفة المحضه
وَكَانَ الْمَذْكُور يكره هَذِه الْعُلُوم فَأمر بإحراق كتب الْغَزالِيّ وتوعد بِالْقَتْلِ من وجد عِنْده شَيْء مِنْهَا فاختلت حَاله وَظَهَرت فِي بِلَاده مَنَاكِير كَثِيرَة وقويت عَلَيْهِ الْجند وَعلم من نَفسه الْعَجز بِحَيْثُ كَانَ يَدْعُو الله بِأَن يقيض للْمُسلمين سُلْطَانا يقوى على أَمرهم وَقَوي عَلَيْهِ عبد الْمُؤمن بن عَليّ
وَلم يزل من حِين فعل بكتب الْغَزالِيّ مَا فعل فِي عكس ونكد إِلَى أَن توفّي
стр. 2143
وَمن الرِّوَايَة عَن حجَّة الْإِسْلَام سقى الله عَهده
قَرَأت على عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْحَافِظ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي عَن الْحَافِظ عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ أَنبأَنَا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور فتح بن خلف السَّعْدِيّ أخبرنَا الإِمَام شهَاب الدّين ابو الْفَتْح مُحَمَّد بن مَحْمُود الطوسي أخبرنَا مُحي الدّين مُحَمَّد بن يحيى الْفَقِيه أخبرنَا حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْغَزالِيّ حَدثنَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد الشجاعي الزوزني بزوزن فِي دَاره قِرَاءَة عَلَيْهِ حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن مُحَمَّد بن حبيب الْمُفَسّر حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد حفيد الْعَبَّاس بن حَمْزَة حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن عبد الله بن عَامر الطَّائِي بِالْبَصْرَةِ حَدثنِي أبي فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ حَدثنِي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة حَدثنِي أبي مُوسَى بن جَعْفَر حَدثنِي أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد حَدثنِي أبي مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنِي أبي عَليّ بن الْحُسَيْن حَدثنِي أبي الْحُسَيْن بن عَليّ حَدثنِي أبي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يظْهر قوم لَا خلاق لَهُم فِي الدّين شابههم فَاسق وشيخهم مارق وصبيهم عَارِم الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر فِيمَا بَينهم
стр. 2144
مستضعف وَالْفَاسِق وَالْمُنَافِق فِيمَا بَينهم مشرف إِن كنت غَنِيا وقروك وَإِن كنت فَقِيرا حقروك همازون لمازون يَمْشُونَ بالنميمة ويدسون بالخديعة أُولَئِكَ فرَاش نَار وذباب طمع وَعند ذَلِك يوليهم الله أُمَرَاء ظلمَة ووزراء خونة ورفقاء غشمة وتوقع عِنْد ذَلِك جَرَادًا شَامِلًا وَغَلَاء متلفا ورخصا مجحفا ويتتابع الْبلَاء كَمَا يتتابع الخرز من الخيظ إِذا انْقَطع)
هَذَا حَدِيث ضَعِيف واه
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس الْأَشْعَرِيّ إِذْنا خَاصّا عَن أبي الْفضل أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر عَن أبي المظفر عبد الرَّحِيم قَالَ أخبرنَا وَالِدي الْحَافِظ أَبُو سعد عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور أنشدنا أَبُو سعد مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس الخليلي إملاء بنوقان فِي الْجَامِع أنشدنا الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ
(ارفه ببال امرىء يمس على ثِقَة ... أَن الَّذِي خلق الأرزاق يرزقه)
(فالعرض مِنْهُ مصون لَا يدنسه ... وَالْوَجْه مِنْهُ جَدِيد لَيْسَ يخلقه)
(إِن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق فِي دهره شَيْئا يؤرقه)
стр. 2145
كتب إِلَيّ أَحْمد بن أبي طَالب الْمسند عَن الْحَافِظ أبي عبد الله مُحَمَّد بن مَحْمُود عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الزُّهْرِيّ قَالَ أَنْشدني أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن عبد الْملك بن مويه الْعَبدَرِي قَالَ أَنْشدني أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ قَالَ أَنْشدني أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ لنَفسِهِ
(سقمي فِي الْحبّ عافيتي ... ووجودي فِي الْهوى عدمي)
(وَعَذَاب يرتضون بِهِ ... فِي فمي أحلى من النعم)
(مَا لضر فِي محبتكم ... عندنَا وَالله من ألم)
وَبِالسَّنَدِ إِلَى الْحَافِظ أبي عبد الله قَالَ قَرَأت على أبي الْقَاسِم بن الأسعد الْبَزَّار عَن يُوسُف بن أَحْمد الْحَافِظ قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بن أبي عبد الله الْجَوْهَرِي قَالَ أنشدنا لأبي حَامِد
(فقهاؤنا كذبالة النبراس ... هِيَ فِي الْحَرِيق وضوءها للنَّاس)
(خبر دميم تَحت رائق منظر ... كالفضة الْبَيْضَاء فَوق نُحَاس)
стр. 2146
أخبرنَا عَليّ بن الْفضل الْحَافِظ أَنْشدني أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الأندي أَنْشدني أُميَّة بن أبي الصَّلْت أَنْشدني أَبُو مُحَمَّد التكريتي أَنْشدني أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ لنَفسِهِ
(حلت عقارب صُدْغه من خَدّه ... قمرا فجل بهَا عَن التَّشْبِيه)
(وَلَقَد عهدناه يحل ببرجها ... وَمن الْعَجَائِب كَيفَ حلت فِيهِ)
وَمِمَّا أنْشد فِيهِ أنْشد أَبُو حَفْص عَمْرو بن عبد الْعَزِيز بن عبيد بن يُوسُف الطرابلسي لنَفسِهِ
(هذب الْمَذْهَب حبر ... أحسن الله خلاصه)
(ببسيط ووسيط ... ووجيز وخلاصه)
وَقَالَ أَبُو المظفر الأبيوردي يرثيه
(بَكَى على حجَّة الْإِسْلَام حِين ثوى ... من كل حَيّ عَظِيم الْقدر أشرفه)
(فَمَا لمن يمتري فِي الله عبرته ... على أبي حَامِد لَاحَ يعنفه)
(تِلْكَ الرزية تستوهي قوي جلدي ... فالطرف تسهره والدمع تنزفه)
стр. 2147
(فَمَاله خله فِي الزّهْد تنكره ... وَمَا لَهُ شُبْهَة فِي الْعلم تعرفه)
(مضى فأعظم مَفْقُود فجعت بِهِ ... من لَا نَظِير لَهُ فِي النَّاس يخلفه)
وَقَالَ القَاضِي عبد الْملك بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمعَافى رَحِمهم الله تَعَالَى
(بَكَيْت بعيني واجم الْقلب واله ... فَتى لم يوال الْحق من لم يواله)
(وسيبت دمعا طَال مَا قد حَبسته ... وَقلت لجفني واله ثمَّ واله
(أَبَا حَامِد مُحي الْعُلُوم وَمن بَقِي ... صدى الدّين وَالْإِسْلَام وفْق مقاله)
ذكر عدد مصنفاته
لَهُ فِي الْمَذْهَب الْوَسِيط والبسيط وَالْوَجِيز وَالْخُلَاصَة
وَفِي سَائِر الْعُلُوم
كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين
وَكتاب الْأَرْبَعين
وَكتاب الْأَسْمَاء الْحسنى
والمستصفى فِي أصُول الْفِقْه
стр. 2148
والمنخول فِي أصُول الْفِقْه أَلفه فِي حَيَاة أستاذه إِمَام الْحَرَمَيْنِ
وبداية الْهِدَايَة والمآخذ فِي الخلافيات
وتحصين المآخذ
وكيمياء السَّعَادَة بِالْفَارِسِيَّةِ
والمنقذ من الضلال
واللباب المنتخل فِي الجدل
وشفاء الغليل فِي بَيَان مسالك التَّعْلِيل
والاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد
ومعيار النّظر
ومحك النّظر
وَبَيَان الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ
ومشكاة الْأَنْوَار
والمستظهري فِي الرَّد على الباطنية
وتهافت الفلاسفة
والمقاصد فِي بَيَان اعْتِقَاد الْأَوَائِل وَهُوَ مَقَاصِد الفلاسفة
وإلجام الْعَوام فِي علم الْكَلَام
стр. 2149
والغاية القصوي
وجواهر الْقُرْآن
وَبَيَان فضائح الإمامية
وغور الدّور فِي الْمَسْأَلَة السرجية وَهُوَ الْمُخْتَصر الْأَخير فِيهَا رَجَعَ فِيهِ عَن مُصَنفه الأول فِيهَا الْمُسَمّى بغاية الْغَوْر فِي دراية الدّور
وكشف عُلُوم الْآخِرَة
والرسالة القدسية
والفتاوى
وميزان الْعَمَل
وقواصم الباطنية وَهُوَ غير المستظهري فِي الرَّد عَلَيْهِم
وَحَقِيقَة الرّوح
وَكتاب أسرار معاملات الدّين
وعقيدة الْمِصْبَاح
والمنهج الْأَعْلَى
وأخلاق الْأَنْوَار
والمعراج
وَحجَّة الْحق
وتنبيه الغافلين
стр. 2150
والمكنون فِي الْأُصُول
ورسالة الأقطاب
وَمُسلم السلاطين
والقانون الْكُلِّي
والقربة إِلَى الله
ومعيار الْعلم
ومفصل الْخلاف فِي أصُول الْقيَاس
وأسرار اتِّبَاع السّنة
وتلبيس إِبْلِيس
والمبادى والغايات
والأجوبة
وَكتاب عجائب صنع الله
ورسالة الطير
الرَّد على من طَغى
ذكر الْمَنَام الَّذِي أبصره الإِمَام عَامر الساوي بِمَكَّة
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي كتاب التَّبْيِين سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْقَاسِم سعد بن عَليّ بن أبي الْقَاسِم بن أبي هُرَيْرَة الإسفرايني الصُّوفِي بِدِمَشْق قَالَ
стр. 2151
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الأوحد زين الْقُرَّاء جمال الْحرم أَبَا الْفَتْح عَامر بن نجا بن عَامر الْعَرَبِيّ الساوي بِمَكَّة حرسها الله يَقُول دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام يَوْم الْأَحَد فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر الرَّابِع عشر من شَوَّال سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ بِي نوعا تكسر ودوران رَأس بِحَيْثُ أَنِّي لَا أقدر أَن أَقف أوأجلس لشدَّة مَا بِي فَكنت أطلب موضعا أستريح فِيهِ سَاعَة على جَنْبي فَرَأَيْت بَاب بَيت الْجَمَاعَة للرباط الرامشتي عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة مَفْتُوحًا فقصدته وَدخلت فِيهِ وَوَقعت على جَنْبي الْأَيْمن بحذاء الْكَعْبَة المشرفة مفترشا يَدي تَحت خدي لكَي لَا يأخذني النّوم فتنتقض طهارتي فَإِذا رجل من أهل الْبِدْعَة مَعْرُوف بهَا جَاءَ وَنشر مُصَلَّاهُ على بَاب ذَلِك الْبَيْت وَأخرج لويحا من جيبه أَظُنهُ كَانَ من الْحجر وَعَلِيهِ كِتَابَة
فَقبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَصلى صَلَاة طَوِيلَة مُرْسلا يَدَيْهِ فِيهَا على عَادَتهم وَكَانَ يسْجد على ذَلِك اللويح فِي كل مرّة وَإِذا فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ رفع رَأسه وفيله وَوَضعه على عَيْنَيْهِ ثمَّ قبله ثَانِيًا وَأدْخلهُ فِي جيبه كَمَا كَانَ
стр. 2152
قَالَ فَمَا رَأَيْت ذَلِك كرهته وَاسْتَوْحَشْت مِنْهُ ذَلِك وَقلت فِي نَفسِي لَيْت كَانَ رَسُول الله ﷺ حَيا فِيمَا بَيْننَا ليخبرهم بِسوء صنيعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْبِدْعَة
وَمَعَ هَذَا التفكر كنت أطْرد النّوم عَن نَفسِي كي لَا يأخذني فتفسد طهارتي
فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ طَرَأَ عَليّ النعاس وغلبني فَكَأَنِّي بَين الْيَقَظَة والمنام فَرَأَيْت عَرصَة وَاسِعَة فِيهَا نَاس كَثِيرُونَ واقفون وَفِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم كتاب مُجَلد وَقد تحلقوا كلهم على شخص فَسَأَلت النَّاس عَن حَالهم وَعَمن فِي الْحلقَة فَقَالُوا هُوَ رَسُول الله ﷺ وَهَؤُلَاء أَصْحَاب الْمذَاهب يُرِيدُونَ أَن يقرءوا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهمْ على رَسُول الله ﷺ ويصححوها عَلَيْهِ
قَالَ فَبينا أَنا كَذَلِك أنظر إِلَى الْقَوْم إِذْ جَاءَ وَاحِد من أهل الْحلقَة وَبِيَدِهِ كتاب قيل إِن هَذَا هُوَ الشَّافِعِي ﵁ فَدخل فِي وسط الْحلقَة وَسلم على رَسُول الله ﷺ
قَالَ فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي جماله وكماله متلبسا بالثياب الْبيض المغسولة النظيفة من الْعِمَامَة والقميص وَسَائِر الثِّيَاب على زِيّ أهل التصوف
فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ورحب بِهِ وَقعد الشَّافِعِي بَين يَدَيْهِ وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْهِ
وَبعد ذَلِك جَاءَ شخص آخر قيل هُوَ أَبُو حنيفَة ﵁ وَبِيَدِهِ كتاب فَسلم وَقعد بِجنب الشَّافِعِي وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْهِ
стр. 2153
ثمَّ أَتَى بعده كل صَاحب مَذْهَب إِلَى أَن لم يبْق إِلَّا الْقَلِيل وكل من يقْرَأ يعْقد بِجنب الآخر
فَلَمَّا فرغوا إِذا وَاحِد من المبتدعة الملقبة بالرافضة قد جَاءَ وَفِي يَده كراريس غير مجلدة فِيهَا ذكر عقائدهم الْبَاطِلَة وهم أَن يدْخل الْحلقَة ويقرأها عل رَسُول الله ﷺ فَخرج وَاحِد مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ وزجره وَأخذ الكراريس من يَده وَرمى بهَا إِلَى خَارج الْحلقَة وطرده وأهانه
قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت أَن الْقَوْم قد فرغوا وَمَا بَقِي أحد يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا تقدّمت قَلِيلا وَكَانَ فِي يَدي كتاب مُجَلد فناديت وَقلت يَا رَسُول الله هَذَا الْكتاب معتقدي ومعتقد أهل السّنة لَو أَذِنت لي حَتَّى أقرأه عَلَيْك
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَأي شَيْء ذَاك
قلت يَا رَسُول الله هُوَ قَوَاعِد العقائد الَّذِي صنفه الْغَزالِيّ
فَإِذن لي بِالْقِرَاءَةِ فَقَعَدت وابتدأت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب قَوَاعِد العقائد وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة عقيدة أهل السّنة فِي كلمتي الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ أحد مباني الْإِسْلَام فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْحَمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى الْمنْهَج الرشيد والمسلك السديد الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السَّائِق بهم إِلَى اتِّبَاع رَسُوله الْمُصْطَفى ﷺ واقتفاء صَحبه الأكرمين بالتأبيد والتسديد
стр. 2154
المتحلى لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم فِي ذَاته أَنه وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لامثل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ متفرد لاند لَهُ وَأَنه قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضى عَلَيْهِ بالانقضاء تصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن
التَّنْزِيه
وَأَنه لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر
وَأَنه لَا يماثل الْأَجْسَام لَا فِي التَّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام
وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله مَوْجُود ولَيْسَ كمثله شَيْء ولاهو مثل شَيْء
وَأَنه لَا يحده الْمِقْدَار وَلَا تحويه الأقطار وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَالسَّمَوَات
وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعنى الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزها عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته ومقهورون فِي قَبضته وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَفَوق كل شَيْء إِلَى تخوم الثرى فوقيه لَا تزيده قربا إِلَى الْعَرْش وَالسَّمَاء بل هُوَ رفيع الدَّرَجَات
стр. 2155
عَن الْعَرْش والسما كَمَا أَنه رفيع الدَّرَجَات عَن الثرى وَهُوَ مَعَ ذَلِك قريب من كل مَوْجُود وَهُوَ أقرب إِلَى العبيد من حَبل الوريد وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد إِذْ لَا يماثل قربه قرب الْأَجْسَام كَمَا لَا ثماثل ذَاته ذَات الْأَجْسَام
وَأَنه لَا يحل فِي شَيْء وَلَا يحل فِيهِ شَيْء تَعَالَى عَن أَن يحويه مَكَان كَمَا تقدس عَن أَن يحويه زمَان بل كَانَ قبل أَن خلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ
وَأَنه بَائِن من خلقه بصفاته وَلَيْسَ فِي ذَاته سواهُ وَلَا فِي سواهُ ذَاته
وَأَنه مقدس عَن التَّغَيُّر والانتقال لَا تحله الْحَوَادِث وَلَا تغيره الْعَوَارِض بل لَا يزَال فِي نعوت جَلَاله منزها عَن الزَّوَال وَفِي صِفَات كَمَاله مستغنيا عَن زِيَادَة الاستكمال
وَأَنه فِي ذَاته مَعْلُوم الْوُجُود بالعقول مرئي الذَّات بالأبصار نعْمَة مِنْهُ ولطفا بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماما للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم
الْقُدْرَة
وَأَنه حَيّ قَادر جَبَّار قاهر لَا يَعْتَرِيه قُصُور وَلَا عجز وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا يُعَارضهُ فنَاء وَلَا موت
وَأَنه ذُو الْملك والملكوت والعزة والجبروت لَهُ السُّلْطَان والقهر والخلق وَالْأَمر السَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ وَالْخَلَائِق مقهورون فِي قَبضته
стр. 2156
وَأَنه المتفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الْخلق وأعمالهم وَقد أَرْزَاقهم وآجالهم لَا يشذ عَن قَبضته مَقْدُور وَلَا يعزب عَن قدرته تصاريف الْأُمُور لَا تحصى مقدوراته وَلَا تتناهى معلوماته
الْعلم
وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط علمه بِمَا يجْرِي فِي تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَيدْرك حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء وَيعلم السِّرّ وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بِعلم قديم أزلي لم يزل مَوْصُوفا فِي أزل الآزال لَا بِعلم متجدد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والانتقال
الْإِرَادَة
وَأَنه مُرِيد للكائنات مُدبر للحادثات لَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت قَلِيل أَو كثير صَغِير أَو كَبِير خير أَو شَرّ نفع أَو ضرّ إِيمَان أَو كفر عرفان أَو نكر فوز أَو خسر زِيَادَة أَو نُقْصَان طَاعَة أَو عصيان كفر أَو إِيمَان إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقدره وَحكمه ومشيئته
فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن لَا يخرج عَن مَشِيئَته لفتة نَاظر وَلَا فلتة خاطر بل هُوَ المبدئ المعيد الفعال لما يُرِيد
стр. 2157
لَا راد لحكمة ولامعقب لقضائه وَلَا مهرب لعبد عَن مَعْصِيَته إِلَّا بتوفيقه وَرَحمته وَلَا قُوَّة على طَاعَته إِلَّا بمحبته وإرادته
لَو اجْتمع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إِرَادَته ومشيئة عجزوا عَنهُ
وَأَن إِرَادَته قَائِمَة بِذَاتِهِ فِي جملَة صِفَاته لم يزل كَذَلِك مَوْصُوفا بهَا مرِيدا فِي أزله لوُجُود الْأَشْيَاء فِي أَوْقَاتهَا الَّتِي قدرهَا
فَوجدت فِي أَوْقَاتهَا كَمَا أَرَادَهُ فِي أزله من غير تقدم وَتَأَخر بل وَقعت على وفْق علمه وإرادته من غير تَبْدِيل وتغيير
دبر الْأُمُور لَا بترتيب افتكار وتربص زمَان فَلذَلِك لم يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن
السّمع وَالْبَصَر
وَأَنه تَعَالَى سميع بَصِير يسمع وَيرى لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خفى ولايغيب عَن رُؤْيَته مرئي وَإِن دق
لَا يحجب سَمعه بعد ولايدفع رُؤْيَته ظلام
يرى من غير حدقة وأجفان وَيسمع من غير أَصْمِخَة وآذان كَمَا يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آله إِذْ لَا تشبه صِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَات الْخلق
الْكَلَام
وَأَنه مُتَكَلم آمُر ناه وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ لَا يشبه
стр. 2158
كَلَام الْخلق فَلَيْسَ بِصَوْت يحدث من انسلال هَوَاء أَو اصطكاك أجرام وَلَا بِحرف يَنْقَطِع بإطباق شفة أَو تَحْرِيك لِسَان
وَأَن الْقُرْآن والتوارة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كتبه الْمنزلَة على رسله
وَأَن الْقُرْآن مقروء بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب
وَأَنه مَعَ ذَلِك قديم قَائِم بِذَات الله تَعَالَى لَا يقبل الِانْفِصَال والفراق بالانتقال إِلَى الْقُلُوب والأوراق
وَأَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله بِغَيْر صَوت وَلَا بِحرف كَمَا يرى الْأَبْرَار ذَات الله تَعَالَى من غير جَوْهَر وَلَا عرض
وَإِذ كَانَت لَهُ هَذِه الصِّفَات كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعا بَصيرًا متكلما بِالْحَيَاةِ وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا بِمُجَرَّد الذَّات
الْأَفْعَال
وَأَنه لَا مَوْجُود سواهُ إِلَّا وَهُوَ حَادث بِفِعْلِهِ وفائض من عدله على أحسن الْوُجُوه وأكملها وأتمها وأعدلها
وَأَنه حَكِيم فِي أَفعاله عَادل فِي أقضيته وَلَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل ماسواه من جن وإنس وَشَيْطَان وَملك وسماء وَأَرْض وحيوان ونبات وجوهر وَعرض ومدرك
стр. 2159
ومحسوس حَادث اخترعه بقدرته بعد الْعَدَم اختراعا وأنشأه بعد أَن لم يكن شَيْئا إِذْ كَانَ فِي الْأَزَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعده إِظْهَار لقدرته وتحقيقا لماسبق من إِرَادَته وَحقّ فِي الْأَزَل من كَلمته لَا لافتقاره إِلَيْهِ وَحَاجته
وَأَنه تَعَالَى متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لَا عَن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لَا عَن لُزُوم
فَلهُ الْفضل وَالْإِحْسَان وَالنعْمَة والامتنان إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن يصب على عباده أَنْوَاع الْعَذَاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ مِنْهُ عدلا وَلم يكن قبيحا ولاظلما
وَأَنه يثيب عباده على الطَّاعَات بِحكم الْكَرم والوعد لَا بِحكم الِاسْتِحْقَاق واللزوم إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ فعل وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم وَلَا يجب لأحد عَلَيْهِ حق
وَأَن حَقه فِي الطَّاعَات وَجب على الْخلق بإيجابه على لِسَانه أنبيائه لَا بِمُجَرَّد الْعقل وَلكنه بعث الرُّسُل وَأظْهر صدقهم بالمعجزات الظَّاهِرَة فبلغوا أمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فَوَجَبَ على الْخلق تصديقهم فِيمَا جَاءُوا بِهِ
معنى الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَهِي شَهَادَة الرَّسُول ﷺ
وَأَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدًا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس
قَالَ فَلَمَّا بلغت إِلَى هَذَا رَأَيْت البشاشة والبشر فِي وَجهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 2160
إِذْ انْتَهَيْت إِلَى نَعته وَصفته فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ أَيْن الْغَزالِيّ
فَإِذا بالغزالي كَأَنَّهُ وَاقِف على الْحلقَة بَين يَدَيْهِ
فَقَالَ هَا أَنا ذَا يَا رَسُول الله
وَتقدم وَسلم على رَسُول الله ﷺ
فَرد عَلَيْهِ الْجَواب وناوله يَده العزيزة وَالْغَزالِيّ يقبل يَده وَيَضَع خديه عَلَيْهَا تبركا بِهِ وَبِيَدِهِ العزيزة الْمُبَارَكَة ثمَّ قعد
قَالَ فَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ أَكثر استبشارا بِقِرَاءَة أحد مثل مَا كَانَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَوَاعِد العقائد
ثمَّ انْتَبَهت من النّوم وعَلى عَيْني أثر الدمع مِمَّا رَأَيْت من تِلْكَ الْأَحْوَال والمشاهدات والكرامات فَإِنَّهَا كَانَت نعْمَة جسيمة من الله تَعَالَى سِيمَا فِي أخر الزَّمَان مَعَ كَثْرَة الْأَهْوَاء
فنسأل الله تَعَالَى أَن يثبتنا على عقيدة أهل الْحق ويحيينا عَلَيْهَا ويمتنا عَلَيْهَا ويحشرنا مَعَهم وَمَعَ الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا فَإِنَّهُ بِالْفَضْلِ جدير وعَلى مَا يَشَاء قدير
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم الإسفرايني هَذَا معنى ماحكى لي أَبُو الْفَتْح الساوي أَنه رَآهُ فِي الْمَنَام لِأَنَّهُ حَكَاهُ لي بالفارسة وترجمته أَنا بِالْعَرَبِيَّةِ
وتتمة الْفَصْل الأول من فُصُول قَوَاعِد العقائد الَّذِي يتم الِاعْتِقَاد بِهِ وَلم يتَّفق قِرَاءَته إِيَّاه على رَسُول الله ﷺ وَمن الْمصلحَة إثْبَاته ليَكُون الِاعْتِقَاد تَاما فِي نَفسه غير نَاقص لمن أَرَادَ تَحْصِيله وَحفظه
стр. 2161
بعد قَوْله وَأَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدًا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس
فنسخ بشرعة الشَّرَائِع إِلَّا ماقرر وفضله على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لم تقترن بِهِ شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَول مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ فألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَأَنه لَا يتَقَبَّل إِيمَان عبد حَتَّى يُوقن بِمَا أخبر عَنهُ بعد الْمَوْت
وأوله سُؤال مُنكر وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يعقدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك
وهما فتانا الْقَبْر وسؤالهما أول فتْنَة الْقَبْر بعد الْمَوْت
وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحكمه عدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء
ويؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي الْعظم أَنه مثل طباق السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة الله تَعَالَى والسنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل
стр. 2162
وتطرح صَحَائِف الْحَسَنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد الله بِفضل الله تَعَالَى وتطرح صَحَائِف السَّيِّئَات فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل الله تَعَالَى
وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم الله فيهوى بهم إِلَى النَّار وَتثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ فيساقون إِلَى دَار الْقَرار
وَأَن يُؤمن بالحوض المورود حَوْض مُحَمَّد ﷺ يشرب مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله أَبَارِيق عَددهَا عدد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ من الْكَوْثَر
ويؤمن بِيَوْم الْحساب وتفاوت الْخلق فِيهِ إِلَى مناقش فِي الْحساب وإِلَى مسامح فِيهِ وإِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فَيسْأَل من شَاءَ من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار عَن تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال
ويؤمن بِإِخْرَاج الْمُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبْقى فِي جَهَنَّم موحد بِفضل الله تَعَالَى
ويؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ كل على حسب جاهه ومنزلته
وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل الله تَعَالَى
وَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان
وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة وتربيتهم وَأَن أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ رَضِي الله عَنْهُم
стр. 2163
وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثنى عَلَيْهِم كَمَا أثنى الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ السّنة وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقنا بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وَفَارق رَهْط الضلال والبدعة
فنسأل الله تَعَالَى كَمَال الْيَقِين والثبات فِي الدّين لنا ولكافة الْمُسلمين إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ
وصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
ذكر كَلَام الطاعنين على هَذَا الإِمَام ورده وَنقض عرى باطله وهده
قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ الْمَالِكِي مجيبا لمن سَأَلَهُ عَن حَال كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين ومصنفه هَذَا الرجل يَعْنِي الْغَزالِيّ وَإِن لم أكن قَرَأت كِتَابه فقد رَأَيْت تلامذته وَأَصْحَابه فَكل مِنْهُم يَحْكِي لي نوعا من حَاله وطريقته فأتلوح بهَا من مذْهبه وَسيرَته ماقام لي مقَام العيان
فَأَنا أقتصر على ذكر حَال الرجل وَحَال كِتَابه وَذكر جمل من مَذَاهِب الْمُوَحِّدين والفلاسفة والمتصوفة وَأَصْحَاب الإشارات فَإِن كِتَابه مُتَرَدّد بَين هَذِه الطرائق لَا يعدوها
ثمَّ أتبع ذَلِك بِذكر حيل أهل مَذْهَب على أهل مَذْهَب آخر
ثمَّ أبين عَن طرق الْغرُور وأكشف عَمَّا دفن من حبال الْبَاطِل ليحذر من الْوُقُوع فِي حبالة صائدة
стр. 2164
ثمَّ أثنى على الْغَزالِيّ فِي الْكَشْف وَقَالَ هُوَ أعرف بالفقه مِنْهُ بأصوله وَأما علم الْكَلَام الَّذِي هُوَ أصُول الدّين فَإِنَّهُ صنف فِيهِ أَيْضا وَلَيْسَ بالمستبحر فِيهَا وَلَقَد فطنت لسَبَب عدم استبحاره فِيهَا وَذَلِكَ أَنه قَرَأَ علم الفلسفة قبل استبحاره فِي فن أصُول الدّين فكسبته قِرَاءَة الفلسفة جَرَاءَة على الْمعَانِي وتسهيلا للهجوم على الْحَقَائِق لِأَن الفلاسفة تمر مَعَ خواطرها وَلَيْسَ لَهَا حكم شرع ترعاه وَلَا تخَاف من مُخَالفَة أَئِمَّة تتبعها
وعرفني بعض أَصْحَابه أَنه كَانَ لَهُ عكوف على رسائل إخْوَان الصَّفَا وَهِي إِحْدَى وَخَمْسُونَ رِسَالَة ومصنفها فيلسوف قد خَاضَ فِي علم الشَّرْع وَالْعقل فمزج مَا بَين العلمين وَذكر الفلسفة وحسنها فِي قُلُوب أهل الشَّرْع بِأَبْيَات يتلوها عِنْدهَا وَأَحَادِيث يذكرهَا ثمَّ كَانَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُتَأَخر رجل من الفلاسفة يعرف بِابْن سينا مَلأ الدُّنْيَا تآليف فِي علم الفلسفة وَهُوَ فِيهَا إِمَام كَبِير وَقد أدته قوته فِي الفلسفة إِلَى أَن حاول رد أصُول العقائد إِلَى علم الفلسفة وتلطف جهده حَتَّى تمّ لَهُ مَا لم يتم لغيره وَقد رَأَيْت جملا من دواوينه وَرَأَيْت هَذَا الْغَزالِيّ يعول عَلَيْهِ فِي أَكثر مَا يُشِير عَلَيْهِ من الفلسفة
ثمَّ قَالَ وَأما مَذَاهِب الصُّوفِيَّة فلست أَدْرِي على من عول فِيهَا
ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه عول على أبي حَيَّان التوحيدي
ثمَّ ذكر توهية أَكثر مَا فِي الْإِحْيَاء من الْأَحَادِيث وَقَالَ عَادَة المتورعين أَن لَا يَقُولُوا قَالَ مَالك قَالَ الشَّافِعِي فيما لم يثبت عِنْدهم
стр. 2165
ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه يستحسن أَشْيَاء مبناها على مَا لا حَقِيقِيَّة لَهُ مثل قَوْله فِي قصّ الْأَظْفَار أَن تبدأ بالسبابة لِأَن لَهَا الْفضل على بَقِيَّة الْأَصَابِع لكَونهَا المسبحة إِلَى أخر مَا ذكر من الْكَيْفِيَّة وَذكر فِيهِ أثرا
وَقَالَ من مَاتَ بعد بُلُوغه وَلم يعلم أَن الْبَارِي قديم مَاتَ مُسلما إِجْمَاعًا
قَالَ وَمن تساهل فِي حِكَايَة هَذَا الْإِجْمَاع الَّذِي الْأَقْرَب أَن يكون فِيهِ الْإِجْمَاع بعكس مَا قَالَ فحقيق أَن لَا يوثق بِمَا نقل
وَقد رَأَيْت لَهُ أَنه ذكر أَن فِي علومه هَذِه مَا لَا يسوغ أَن يودع فِي كتاب فليت شعري أَحَق هُوَ أَو بَاطِل فَإِن كَانَ بَاطِلا فَصدق وَإِن كَانَ حَقًا وَهُوَ مُرَاده بِلَا شكّ فَلم لَا يودع فِي الْكتب ألغموضه ودقته
قَالَ فَإِن كَانَ هُوَ فَمَا الْمَانِع أَن يفهمهُ عَلَيْهِ
هَذَا ملخص كَلَام الْمَازرِيّ
وَسَبقه إِلَى قريب مِنْهُ من الْمَالِكِيَّة أَبُو الْوَلِيد الطرطوشي فَذكر فِي رِسَالَة
стр. 2166
إِلَى ابْن مظفر فَأَما مَا ذكرت من أَمر الْغَزالِيّ فَرَأَيْت الرجل وكلمته فرأيته رجلا من أهل الْعلم قد نهضت بِهِ فضائله وَاجْتمعَ فِيهِ الْعقل والفهم وممارسة الْعُلُوم طول زَمَانه
ثمَّ بدا لَهُ الِانْصِرَاف عَن طَرِيق الْعلمَاء وَدخل فِي غمار الْعمَّال
ثمَّ تصوف فَهجر الْعُلُوم وَأَهْلهَا وَدخل فِي عُلُوم الخواطر وأرباب الْقُلُوب ووساوس الشَّيْطَان
ثمَّ شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج وَجعل يطعن على الْفُقَهَاء والمتكلمين
وَلَقَد كَاد يَنْسَلِخ من الدّين فَلَمَّا عمل الْإِحْيَاء عمد يتَكَلَّم فِي عُلُوم الْأَحْوَال ومرامز الصُّوفِيَّة وَكَانَ غير أنيس بهَا وَلَا خَبِير بمعرفتها فَسقط على أم رَأسه وشحن كِتَابه بالموضوعات
انْتهى
وَأَنا أَتكَلّم على كَلَامهمَا ثمَّ أذكر كَلَام غَيرهمَا وأتعقبه أَيْضا وأجتهد أَن لَا أَتعدى طور الْإِنْصَاف وَأَن لَا يلحقني عرق الحمية والاعتساف
وأسأل الله الْإِمْدَاد بذلك والإسعاف فَمَا أحد مِنْهُم معاصرا لنا وَلَا قَرِيبا وَلَا بَيْننَا إِلَّا وصلَة الْعلم ودعوة الْخلق إِلَى جناب الْحق فَأَقُول أما الْمَازرِيّ فَقبل الْخَوْض مَعَه فِي الْكَلَام أقدم لَك مُقَدّمَة وَهِي أَن هَذَا الرجل كَانَ من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهنا بِحَيْثُ اجترأ على شرح الْبُرْهَان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ لغز الْأمة الَّذِي لَا يحوم نَحْو حماه وَلَا يدندن حول مغزاة إِلَّا غواص على الْمعَانِي ثاقب الذِّهْن مبرز فِي الْعلم
стр. 2167
وَكَانَ مصمما على مقالات الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ جليلها وحقيرها كبيرها وصغيرها لَا يتعداها ويبدع من خَالفه وَلَو فِي النزر الْيَسِير وَالشَّيْء الحقير
ثمَّ هُوَ مَعَ ذَلِك مالكي الْمَذْهَب شَدِيد الْميل إِلَى مذْهبه كثير المناضلة عَنهُ
وَهَذَانِ الإمامان أَعنِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ وتلميذه الْغَزالِيّ وصلا من التَّحْقِيق وسعة الدائرة فِي الْعلم إِلَى الْمبلغ الَّذِي يعرف كل منصف بِأَنَّهُ مَا انْتهى إِلَيْهِ أحد بعدهمَا وَرُبمَا خالفا أَبَا الْحسن فِي مسَائِل من علم الْكَلَام وَالْقَوْم أَعنِي الأشاعرة لَا سِيمَا المغاربة مِنْهُم يستصعبون هَذَا الصنع وَلَا يرَوْنَ مُخَالفَة أبي الْحسن فِي نقير وَلَا قطمير وكأنما عناه الْغَزالِيّ بقوله ... وَرُبمَا ضعفا مَذْهَب مَالك فِي كثير من الْمسَائِل كَمَا فعلا فِي مَسْأَلَة الْمصَالح الْمُرْسلَة وَعند ذكر التَّرْجِيح بَين الْمذَاهب
فهذان أَمْرَانِ نفر الْمَازرِيّ مِنْهُمَا وينضم إِلَى ذَلِك أَن الطّرق شَتَّى مُخْتَلفَة وَقل مَا رَأَيْت سالك طَرِيق إِلَّا ويستقبح الطَّرِيق الَّتِي لم يسلكها وَلم يفتح عَلَيْهِ من قبلهَا وَيَضَع عِنْد ذَلِك من غَيره لَا ينجو من ذَلِك إِلَّا الْقَلِيل من أهل الْمعرفَة والتمكين
وَلَقَد وجدت هَذَا واعتبرته حَتَّى فِي مَشَايِخ الطَّرِيقَة
وَلَا يخفى أَن طَريقَة الْغَزالِيّ التصوف والتعمق فِي الْحَقَائِق ومحبة إشارات الْقَوْم وَطَرِيقَة الْمَازرِيّ الجمود على الْعبارَات الظَّاهِرَة وَالْوُقُوف مَعهَا وَالْكل حسن وَللَّه الْحَمد إِلَّا أَن اخْتِلَاف الطَّرِيقَيْنِ يُوجب تبَاين المزاجين وَبعد مابين القلبين
стр. 2168
لَا سِيمَا وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ من الْمُخَالفَة فِي الْمَذْهَب وتوهم الْمَازرِيّ أَنه يضع من مذْهبه وَأَنه يُخَالف شيخ السّنة أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ حَتَّى رَأَيْته أَعنِي الْمَازرِيّ قَالَ فِي شرح الْبُرْهَان فِي مَسْأَلَة خَالف فِيهَا إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَلَيْسَت من الْقَوَاعِد الْمُعْتَبرَة وَلَا الْمسَائِل المهمة من خطأ شيخ السّنة أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَهُوَ المخطأ وَأطَال فِي هَذَا
وَقَالَ فِي الْكَلَام على مَاهِيَّة الْعقل فِي أَوَائِل الْبُرْهَان وَقد حكى عَن الْأَشْعَرِيّ أَنه يَقُول الْعقل هُوَ الْعلم وَأَن الإِمَام ﵁ قَالَ مقَالَة الْحَارِث المحاسبي إِنَّه غريزة بعد أَن كَانَ فِي الشَّامِل ينكرها وَإنَّهُ إِنَّمَا رضيها لكَونه فِي آخر عمره قرع بَاب قوم آخَرين يُشِير إِلَى الفلاسفة
فليت شعري مَا فِي هَذِه الْمقَالة مِمَّا يدل على ذَلِك
وأعجب من هَذَا أَنه أَعنِي الْمَازرِيّ فِي أخر كَلَامه اعْترف بِأَن الإِمَام لَا ينحو نحوهم وَأخذ يجل من قدرَة وَله من هَذَا الْجِنْس كثير
فَهَذِهِ أُمُور توجب التنافر بَينهم وَتحمل الْمنصف على أَن لَا يسمع كَلَام الْمَازرِيّ فيهمَا إِلَّا بعد حجَّة ظَاهِرَة
وَلَا تحسب أننا نَفْعل ذَلِك إزراء بالمازري وحطا من قدره لَا وَالله بل بَينا بطرِيق الْوَهم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَعْذُور فَإِن الْمَرْء إِذا ظن بشخص سوءا قَلما أمعن بعد ذَلِك فِي النّظر إِلَى كَلَامه بل يصير بِأَدْنَى لمحة أدلت يحمل أمره على السوء وَيكون مخطئا فِي ذَلِك إِلَّا من وفْق الله تَعَالَى مِمَّن برىء عَن الْأَغْرَاض وَلم يظنّ إِلَّا
стр. 2169
الْخَيْر وَتوقف عِنْد سَماع كل كلمة وَذَلِكَ مقَام لم يصل إِلَيْهِ إِلَّا الْآحَاد من الْخلق وَلَيْسَ الْمَازرِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هذَيْن الْإِمَامَيْنِ من هَذَا الْقَبِيل
وَقد رَأَيْت فعله فِي حق إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي مَسْأَلَة الاسترسال الَّتِي حكيناها فِي تَرْجَمَة الإِمَام فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة وَكَيف وهم على الإِمَام وَفهم عَنهُ مَالا يفهمهُ عَنهُ الْعَوام وَفَوق نَحوه سِهَام الملام
إِذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَأَقُول إِن مَا ادَّعَاهُ من أَنه عرف مذْهبه بِحَيْثُ قَامَ لَهُ مقَام العيان هُوَ كَلَام عَجِيب فَإنَّا لَا نستجير أَن نحكم على عقيدة أحد بِهَذَا الحكم فَإِن ذَلِك لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله وَلنْ تَنْتَهِي إِلَيْهِ القوانين وَالْأَخْبَار أبدا
وَقد وقفنا نَحن على غَالب كَلَام الْغَزالِيّ وتأملنا كتب أَصْحَابه الَّذين شاهدوه وتناقلوا أخباره وهم بِهِ أعراف من الْمَازرِيّ ثمَّ لم ننته إِلَى أَكثر من غَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ رجل أشعري المعتقد خَاضَ فِي كَلَام الصُّوفِيَّة
وَأما قَوْله وَذكر جملا من مَذَاهِب الْمُوَحِّدين والفلاسفة والمتصوفة وَأَصْحَاب الإشارات فَأَقُول إِن عني بالموحدين الَّذين يوحدون الله فالمسلمون أول دَاخل فيهم ثمَّ عطف الصُّوفِيَّة عَلَيْهِم يُوهم أَنهم لَيْسُوا مُسلمين وحاشا لله
وَإِن عني بِهِ أهل التَّوَكُّل على الله فهم من خير فرق الصُّوفِيَّة الَّذين هم من خير الْمُسلمين فَمَا وَجه عطف الصُّوفِيَّة عَلَيْهِم بعد ذَلِك
وَإِن أَرَادَ أهل الْوحدَة الْمُطلقَة الْمَنْسُوب كثير مِنْهُم إِلَى الْإِلْحَاد والحلول فمعاذ الله لَيْسَ الرجل فِي هَذَا الصوب وَهُوَ مُصَرح بتكفير هَذِه الفئة وَلَيْسَ فِي كِتَابه شَيْء من معتقداتهم
стр. 2170
وَأما قَوْله الْغَزالِيّ لَيْسَ بالمتبحر فِي علم الْكَلَام فَأَنا أوافقه على ذَلِك لكني أَقُول إِن قدمه فِيهِ راسخ وَلَكِن لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدمه فِي بَقِيَّة علومه هَذَا ظَنِّي
وَأما قَوْله إِنَّه اشْتغل فِي الفلسفة قبل استبحاره فِي فن الْأُصُول فَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لم ينظر فِي الفلسفة إِلَّا بعد مَا استبحر فِي فن الْأُصُول وَقد أَشَارَ هُوَ أَعنِي الْغَزالِيّ إِلَى ذَلِك فِي كِتَابه المنقذ من الضلال وَصرح بِأَنَّهُ توغل فِي علم الْكَلَام قبل الفسلفة
ثمَّ قَول الْمَازرِيّ قَرَأَ علم الفلسفة قبل استبحاره فِي علم الْأُصُول بعد قَوْله إِنَّه لم يكن بالمستبحر فِي الْأُصُول كَلَام يُنَاقض أَوله آخِره
وَأما دَعْوَاهُ أَنه تجرأ على الْمعَانِي فَلَيْسَتْ لَهُ جرْأَة إِلَّا حَيْثُ دله الشَّرْع ويدعى خلاف ذَلِك من لَا يعرف الْغَزالِيّ ولايدري مَعَ من يتحدث
وَمن الْجَهْل بِحَالهِ دَعْوَى أَنه اعْتمد على كتب أبي حَيَّان التوحيدي وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَلم يكن عمدته فِي الْإِحْيَاء بعد معارفة وعلومه وتحقيقاته الَّتِي جمع بهَا شَمل الْكتاب ونظم بهَا محاسنه إِلَّا على كتاب قوت الْقُلُوب لأبي طَالب الْمَكِّيّ وَكتاب الرسَالَة للأستاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي الْمجمع على جلالتهما وجلالة مصنفيهما
وَأما ابْن سينا فالغزالي يكفره فَكيف يُقَال إِنَّه يقْتَدى بِهِ
وَلَقَد صرح فِي كتاب المنقذ من الضلال أَنه لَا شيخ لَهُ فِي الفلسفة وسنحكي كَلَامه فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَوله لَا أَدْرِي على من عول فِي التصوف
قلت عول على كتاب الْقُوت والرسَالَة مَعَ مَا ضم إِلَيْهِمَا من كَلَام مشايخه أَي على العلائي وَأَمْثَاله وَمَعَ مَا زَاده من قبل نَفسه بفكره وَنَظره
стр. 2171
وَمَا فتح بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدِي أغلب مَا فِي الْكتاب وَلَيْسَ فِي الْكتاب للفلاسفة مدْخل وَلم يصنفه إِلَّا بعد مَا ازدرى علومهم وَنهى عَن النّظر فِي كتبهمْ وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي غير مَوضِع من الْإِحْيَاء
ثمَّ فِي كتاب المنقذ من الضلال مَا نَصه ثمَّ إِنِّي لما ابتدأت بعد الْفَرَاغ من علم الْكَلَام بِعلم الفلسفة وَعلمت يَقِينا أَنه لَا يقف على فَسَاد نوع من الْعُلُوم من لَا يقف على مُنْتَهى ذَلِك الْعلم حَتَّى يُسَاوِي أعلمهم فِي أصل الْعلم ثمَّ يزِيد عَلَيْهِ ويجاوز دَرَجَته فَيطلع على مَا لم يطلع عَلَيْهِ صَاحب الْعلم من غور وغائلة فَإذْ ذَاك يُمكن أَن يكون مَا يَدعِيهِ من فَسَاده حَقًا وَلم أر أحدا من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَجه عنايته إِلَى ذَلِك وَلم يكن فِي كتب الْمُتَكَلِّمين من كَلَامهم حَيْثُ اشتغلوا بِالرَّدِّ عَلَيْهِم إِلَّا كَلِمَات معقدة مبددة ظَاهِرَة النتاقض وَالْفساد وَلَا يظنّ الِاعْتِرَاف بهَا عَاقل عَامي فضلا عَمَّن يَدعِي دقائق الْعُلُوم
فَعلمت أَن رد هَذَا الْمَذْهَب قبل فهمه والاطلاع على كنهه يَرْمِي فِي عماية فشمرت عَن سَاق الْجد فِي تَحْصِيل ذَلِك الْعلم من الْكتب بِمُجَرَّد المطالعة من غير استعانة بأستاذ وَتعلم
فَأَقْبَلت على ذَلِك فِي أَوْقَات فراغي من التدريس والتصنيف فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَأَنا مهتم بالتدريس والإفادة لبل غلَّة نفر من الطّلبَة بِبَغْدَاد فأطلعني الله تَعَالَى
стр. 2172
بِمُجَرَّد المطالعة فِي هَذِه الْأَوْقَات على مُنْتَهى علومهم فِي أقل من سنتَيْن
ثمَّ لم أزل أواظب على التفكر فِيهِ بعد فهمه قَرِيبا من سنة أعاوده وأراودوه وأتفقد غوائله وأغواره حَتَّى اطَّلَعت على مَا فِيهِ من خداع وتلبيس وَتَحْقِيق وتحيل اطلاعا لم أَشك فِيهِ
فاسمع الْآن حكايتي وحكاية حَاصِل علومهم فَإِنِّي رَأَيْت أصنافا وَرَأَيْت علومهم أقساما وهم على كَثْرَة أصنافهم تلزمهم وجهة الْكفْر والإلحاد وَإِن كَانَ بَين القدماء مِنْهُم والأقدمين والأواخر مِنْهُم والأوائل تفَاوت عَظِيم فِي الْبعد عَن الْحق والقرب مِنْهُ
انْتهى
وَقَالَ بعده فصل فِي بَيَان أصنافهم وشمول سمة الْكفْر كافتهم
واندفع فِي ذَلِك
فَهَذَا رجل يُنَادي على كَافَّة الفلاسفة بالْكفْر وَله فِي الرَّد عَلَيْهِم الْكتب الفائقة وَفِي الذب عَن حَرِيم الْإِسْلَام الْكَلِمَات الرائقة ثمَّ يُقَال إِنَّه بني كِتَابه على نالتهم فيا لله وَيَا للْمُسلمين نَعُوذ بِاللَّه من تعصب يحمل على الوقيعة فِي أَئِمَّة الدّين
وَأما مَا عَابَ بِهِ الْإِحْيَاء من توهنه بعض الْأَحَادِيث فالغزالي مَعْرُوف بِأَنَّهُ لم تكن لَهُ فِي الحَدِيث يَد باسطة وَعَامة مَا فِي الْإِحْيَاء من الْأَخْبَار والْآثَار مبدد فِي كتب من سبقه من الصُّوفِيَّة وَالْفُقَهَاء وَلم يسند الرجل لحَدِيث وَاحِد وَقد اعتنى بتخريج أَحَادِيث الاحياء بعض أَصْحَابنَا فَلم يشذ عَنهُ إِلَّا الْيَسِير
وسأذكر جملَة من أَحَادِيثه الشاذة استفادة
стр. 2173
وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي بعض قصّ الْأَظْفَار فَالْأَمْر الْمشَار إِلَيْهِ يروي عَن عَليّ كرم الله وَجهه غير أَنه لم يثبت وَلَيْسَ فِي ذَلِك كَبِير أَمر وَلَا مُخَالفَة شرع وَقد سَمِعت جمَاعَة من الْفُقَرَاء يذكرُونَ أَنهم جربوه فوجدوه لَا يخطىء من داومة أَمن من وجع الْعين
ويروون من شعر عَليّ كرم الله وَجهه هَذَا
(أبدا بيمناك وبالخنصر ... فِي قصّ أظفارك واستبصر)
(وَاخْتِمْ بسبابتها هَكَذَا ... لَا تفعل فِي الرجل ولاتمتر)
(وابدا ليسراك بإبهامها ... والأصبع الْوُسْطَى وبالخنصر)
(وَيتبع الْخِنْصر سبابة ... بنصرها خَاتِمَة الْأَيْسَر)
(هَذَا أَمَان لَك قد حُزْته ... من رمد الْعين كَمَا قد قرى)
وَأما قَول الْمَازرِيّ عَادَة المتورعين أَن لَا يَقُولُوا قَالَ مَالك إِلَى آخِره فَلَيْسَ مَا قَالَ الْغَزالِيّ قَالَ سَوَّلَ الله ﷺ على سَبِيل الْجَزْم وَإِنَّمَا يَقُول عزو بِتَقْدِير الْجَزْم فَلَو لم يغلب على ظَنّه لم يقلهُ وغايته أَنه لَيْسَ الْأَمر على مَا ظن
وسنعقد فضلا للأحاديث الْمُنكرَة فِي كتاب الْإِحْيَاء
وَأما مَسْأَلَة من مَاتَ وَلم يعلم قدم الْبَارِي فَفرق بَين عدم اعْتِقَاد بالقدم واعتقاد أَن لَا قدم وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَجمعُوا على تكفيره من اعتقده
فَمن استحضر بذهنه صفة الْقدَم ونفاها عَن الْبَارِي وأوجبهَا منفية أوشك فِي انتفائها كَانَ كَافِرًا
وَأما الساذج فِي مَسْأَلَة الْقدَم الْخَالِي الْخُلُو الْمُؤمن بِاللَّه على الْجُمْلَة
стр. 2174
فَهُوَ الَّذِي ادّعى الْغَزالِيّ الْإِجْمَاع على أَنه مُؤمن على الْجُمْلَة نَاجٍ من حَيْثُ مُطلق الْإِيمَان الْجملِي
وَمن البلية الْعُظْمَى والمصيبة الْكُبْرَى أَن يُقَال عَن مثل الْغَزالِيّ إِنَّه غير موثوق بنقله فَمَا أَدْرِي مَا أَقُول وَلَا بِأَنِّي يلقى الله يعْتَقد ذَلِك فِي هَذَا الإِمَام
وَأما تَقْسِيم الْمَازرِيّ فِي الْعلم الَّذِي أَشَارَ حجَّة الْإِسْلَام أَنه لَا يودع فِي كتاب فوددت لَو لم يذكرهُ فَإِنَّهُ شبه عَلَيْهِ
وَهَذَا الْمَازرِيّ كَانَ رجلا فَاضلا ركنا ذكيا وَمَا كنت أَحْسبهُ يَقع فِي مثل هَذَا أَو خَفِي عَلَيْهِ أَن للعلوم دقائق نهى الْعلمَاء عَن الإفصاح بهَا خشيَة على ضعفاء الْخلق وَأُمُور أخر لاتحيط بهَا الْعبارَات وَلَا يعرفهَا إِلَّا أهل الذَّوْق وَأُمُور أخر لم يَأْذَن الله فِي إظهارها لحكم تكْثر عَن الإحصاء
وماذا يَقُول الْمَازرِيّ فِيمَا خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي الطُّفَيْل سَمِعت عليا ﵁ يَقُول حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله
وَكم مَسْأَلَة نَص الْعلمَاء عَن عدم الإفصاح بهَا خشيَة على إفضاح من لَا يفهمها
وَهَذَا إمامنا الشَّافِعِي ﵁ يَقُول إِن الْأَجِير الْمُشْتَرك لَا يضمن
قَالَ الرّبيع وَكَانَ لَا يبوح بِهِ خوفًا من أجِير السوء
قَالَ الرّبيع أَيْضا وَكَانَ الشَّافِعِي ﵁ يذهب إِلَى أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ وَكَانَ لَا يبوح بِهِ مَخَافَة قُضَاة السوء
стр. 2175
فقد لَاحَ لَك بِهَذَا أَنه رُبمَا وَقع السُّكُوت عَن بعض الْعلم خشيَة من الْوُقُوع فِي مَحْذُور وَمثل ذَلِك يكثر
وَأما كَلَام الطرطوشي فَمن الدعاوي الْعَارِية عَن الْأَدِلَّة وَمَا أَدْرِي كَيفَ استجار فِي دينه أَن ينْسب هَذَا الحبر إِلَى أَنه دخل فِي وسواس الشَّيْطَان وَلَا من أَيْن أطلع على ذَلِك وَأما قَوْله شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج فَلَا أَدْرِي أَي رموز فِي هَذَا الْكتاب غير إشارات الْقَوْم الَّتِي لَا ينكرها عَارِف وَلَيْسَ للحلاج رموز يعرف بهَا
وَأما قَوْله كَاد يَنْسَلِخ من الدّين فيالها كلمة وقانا الله شَرها
وَأما دَعْوَاهُ أَنه غير أنيس بعلوم الصُّوفِيَّة فَمن الْكَلَام الْبَارِد فَإِنَّهُ لَا يرتاب ذُو نظر بِأَن الْغَزالِيّ كَانَ ذَا قدم راسخ فِي التصوف وليت شعري إِن لم يكن الْغَزالِيّ يدْرِي التصوف فَمن يدريه
وَأما دَعْوَاهُ أَنه سقط على أم رَأسه فوقيعة فِي الْعلمَاء يُغير دلَالَة فَإِنَّهُ لم يذكر لنا بِمَاذَا سقط
كَفاهُ الله وإيانا غائلة التعصب
وَأما الموضوعات فِي كِتَابه فليت شعري أهوَ واضعها حَتَّى يُنكر عَلَيْهِ إِن هَذَا إِلَّا تعصب بَارِد وتشنيع بِمَا لَا يرتضيه ناقد
وَلَقَد ماجوا فِي هَذَا الْإِحْيَاء الَّذِي لَا يَنْبَغِي لعالم أَن يُنكر مكانته فِي الْحسن والإفادة وَلَقَد قَالَ بعض الْمُحَقِّقين لَو لم يكن للنَّاس فِي الْكتب الَّتِي صنفها الْفُقَهَاء الجامعون فِي تصانيفهم بَين النَّقْل وَالنَّظَر والفكر والأثر غَيره لكفى
следующие страницы →